العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إعادة إدراج الاقتصاد السياسي في تحليل السياسات والحركة الفلسطينية

إعادة إدراج الاقتصاد السياسي في تحليل السياسات والحركة الفلسطينية

Reinserting Political Economy into Palestinian Policy Analysis and Movement

توفيق حداد*

الملخّص

* مرشح دكتوراه في التنمية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، يبحث في الاقتصاد السياسي للمقاربات النيوليبرالية الخاصة بحل النزاعات وبناء الدولة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ** ترجمة ثائر ديب.

Abstract

Political economy analysis harbors powerful tools for conceptualizing the current state of the Occupied Palestinian Territory (OPT), both in regards to its developmental condition, and vis-à-vis the tactics and strategies employed by the national movement and its actors. While recent scholarship has begun to apply this analysis, the general tendency of Palestinian scholarship avoids addressing these matters. This article addresses three related aspects of the OPT’s political economy in an effort to identify and fill in some analytical gaps, while re-appropriating its tools for Palestinian scholars and policy practitioners alike. It first looks at the structural determination of the OPT’s political economy, as a function of an invisible yet consensual division of labor between the international donor community and Israel with regards to the basic parameters circumscribing Palestinian development. This is captured in the notion of the “peace process regime” which functions as a discursive, political and economic tool to enforce the de-development of the OPT, and engineer political consent to this arrangement. It then looks at some of the intellectual underpinnings of the modeling these policies are partially informed by, relating them to transformations in the normative neoliberal development agenda and its transformation from Washington consensus to post-Washington consensus. Finally, it briefly sketches the application of this modeling in international aid paradigms to the OPT, focusing on the two main ways in which these ideas have been applied: an Arafat-led model and a bureaucratic-institutionalist model more reliant upon producing elite cooptation of social classes than on individual decree.

الكلمات المفتاحية:
  • النشاط السياسي
  • عملية أوسلو
  • الحيز العام
  • ما بعد الصهوينية
  • الانتفاضة الفلسطينية
Keywords:
  • Political Economy
  • Palestinian Movement
  • Unseen Labor Distribution
  • International Donors
  • Intellectual Modelling

ينطوي تحليل الاقتصاد السياسي على أدوات فاعلة في مَفْهمَة الوضع الراهن في الأراضي

الفلسطينية المحتلة، أكان ما تعل ق بحالته التنموية أم بالتكتيكات والاستراتيجيات التي

تستخدمها الحركة الوطنية وفاعلوها. وعلى الرغم من أن الأبحاث الجديدة راحت تطبّق

هذا التحليل، فإن اتجاه الأبحاث الفلسطينية العام يتحاشى تناول مثل هذه الأمور إمّا عن

جهل وإمّا بسبب حساسية سياسية معيّنة أو لاعتبارات أخرى. وما يتناوله هذا المقال هو

ثلاثة جوانب مترابطة للاقتصاد السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في محاولة لتحديد

بعض الفجوات التحليلية وسدّها، في الوقت الذي نعيد تمل ك أدوات هذا الاقتصاد السياسي

خدمةً للباحثين وممارسي السياسة الفلسطينية على حدّ سواء. وينظر هذا المقال أول في

التحديد البنيوي للاقتصاد السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بوصفه وظيفةً لتقسيم

للعمل غير مرئي لكنه توافقي بين الجهات المانحة الدولية وإسرائيل بشأن المعايير الأساسية

التي تكتنف التنمية الفلسطينية. وهذا ما يلتقطه مفهوم «نظام عملية السلام» الذي يعمل

كأداة خطابية وسياسية واقتصادية تفرض نزع تنمية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتهندس

الرضا السياسي عن هذا الترتيب. ثم ينظر هذا المقال في بعض أسس النمذجة الفكرية التي

تلهم جزئيًا هذه السياسات، وتربطها بالتحولات في أجندة التنمية النيوليبرالية المعيارية

وتحولّها من إجماع واشنطن إلى إجماع ما بعد واشنطن. وأخيرًا، يرسم هذا المقال الخطوط

العامة لتطبيق هذه النمذجة في أنماط المساعدة الدولية المقدَّمة إلى الأراضي الفلسطينية

المحتلة، مع التركيز على الطريقتين الرئيستين اللتين ط بقت بهما هذه الأفكار: النموذج الذي

قاده عرفات والنموذج البيروقراطي-المؤسساتي الذي يعتمد على إنتاج اختيار نخبوي يعود

إلى الطبقات الاجتماعية أكثر من اعتماده على القرار الفردي.

* مرشح دكتوراه في التنمية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، يبحث في الاقتصاد السياسي للمقاربات النيوليبرالية

الخاصة بحل النزاعات وبناء الدولة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ** ترجمة ثائر ديب.

مقدمة

أعادت عملية أوسلو بناء العلاقات الفلسطينية مع إسرائيل، والعالم الخارجي، وبين الفلسطينيين أنفسهم

على نحو جذريّ. غير أن على الرغم من مرور عقدين من الزمن منذ توقيع اتفاقات أوسلو، لا يزال على

الحركة الفلسطينية أن توضح تمامًا مدى إعادة البناء هذه، واستيعاب ما تعنيه لحركتهم والاستراتيجيات

المعتمدة في نضالهم. وممّا يتّسم بضعف خاص كلّ من التفسير والبحث الأكاديمي المرتبطين بالاقتصاد السياسي الجوهري.

ثمّة، على سبيل المثال، كميات هائلة من المعلومات والبيانات عن الوضع المالي للسلطة الفلسطينية،

والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووضع حقوق الإنسان، لكن هذه

المعلومات تُستهدَف وتدَّد، وتميل إلى أن تؤطَّر ضمن سياسة موجَّهة محدَّدة؛ عادة ما تكون في هذه الحالة

«تحسين الأداء الاقتصادي» ووظائف «حوكمة» السلطة الفلسطينية، أو بدل من ذلك «الدفاع عن حقوق

الإنسان.» بيد أن هذه المقاربات ذات السياسة الموجّهة كثيرًا ما تُغفل الغابة لترى هذه الشجرة أو تلك. ولذلك

لا يزال من الضروري تمامًا جمع رواية تاريخية موثوقة عن سنوات أوسلو والتحولات التي أحدثتها في

العلاقات الاجتماعية الفلسطينية وفي الاقتصاد السياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة، مع أن مساهمات

مهمة في هذه اللوحة بدأت بالظهور. بل إن الحاجة إلى هذه الرواية تشتدّ كثيرًا في هذه الفترة التي

يعاني فيها المجتمع الفلسطيني الانقسام والتفتت المكلفين، مع اتساع الاغتراب بين الفاعلين الاجتماعيين

والسياسيين. يُضاف إلى ذلك أن الوضع المحلي المعقّد الناشئ على الأرض، وخصوصًا ما تعلّق بالسلطة

الفلسطينية في الضفة الغربية؛ وتوفيرها ما يزيد على الثلث من جميع الوظائف في الأراضي الفلسطينية

المحتلة، وتمويلها المستمد بصورة ساحقة من مصادر إسرائيلية ودولية، إنمّا يخلق تعقيدات لا يسهل حلّها. يبقى الاقتصاد السياسي، في هذا الصدد، أداة مهمة في السعي، على أقلّ تقدير، إلى تحديد وتفسير بنية

الوضع الفلسطيني وأسبابه، وربما تبيان السبيل إلى فهم حال العلاقات الاجتماعية الفلسطينية، وما يمكن

أن يشكل الأساس لرؤية بديلة حقّة.

ملاحظة حول الاقتصاد السياسي

الاقتصاد السياسي حقل واسع، له مدارسه المتنافسة في مدى التأويل ونطاق التركيز، وسوف نستخدم هذا

المصطلح، لأغراضنا هنا، بمعناه الواسع الذي يشير إلى محاولات في معرفة وتفسير «العلاقة بين الاقتصادي

(((من الأدبيات التي قدمت مساهمات قيّمة في الاقتصادي السياسي لتحليل الحالة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، انظر:

Sara Roy: The Gaza Strip: The Political Economy of De-Development (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1995), and «De-development Revisited: Palestinian Economy and Society since Oslo,» Journal of Palestine Studies , vol. 28, no. 3 (Spring 1999); Mushtaq H. Khan, George Giacaman and Inge Amundsen, eds., State Formation in Palestine: Viability and Governance during a Social Transformation , RoutledgeCurzon Political Economy of the Middle East and North Africa Series; 2 (London; New York: RoutledgeCurzon, 2004); Jamil Hilal, The Formation of the Palestinian Elite: From the Palestinian National Movment to the Rise of the Palestinian Authority (Ramallah: Muwatin; Amman: al-Urdun al-Jadid, 2002); Ghazi Sourani (2010), Adel Samara (2001), Salim Tamari (2002) Marcus Bouillion and Khalil Nakhleh (2012).

والسياسي ومن ثمَّ بينهما وبين المجال الواسع من المؤسسات والممارسات الاجتماعية - الثقافية». وهذا

يعني أنه محاولة لفهم الكلّ الاجتماعي للواقع الفلسطيني في الأراضي المحتلة اليوم من خلال تحليل كيفية

التقاط ديناميات السلطة والسيطرة ضمن العلاقات الاجتماعية بين الطبقات والطبقات الفرعية. وفائدة

تعريف فنسنت موسكو إنمّا تنبع من قدرته على تأطير الاقتصاد السياسي من حيث البنية والعلاقات التي

تشكّل دعامة السيطرة الاجتماعية والبقاء:

الاقتصاد السياسي هو دراسة ما تشهده الحياة الاجتماعية من سيطرة وبقاء. وتشير السيطرة على وجه التحديد إلى التنظيم الداخلي الذي ينتظم الأعضاء أفرادًا وجماعات، في حين يعني البقاء الوسائل التي ينتجون من خلالها ما يحتاجون إليه لإعادة إنتاج أنفسهم. وعمليات السيطرة هي عمليات سياسية بالمعنى العريض لأنها تنطوي على التنظيم الاجتماعي للعلاقات داخل المجتمع. أمّا عمليات البقاء فهي اقتصادية

في جوهرها لأنها تتعلق بإنتاج ما يحتاج المجتمع إليه لإعادة إنتاج نفسه.

يحظى عزل مفهومَي السيطرة والبقاء بأهمية كبيرة في الحالة الفلسطينية، لأنهما يعبّ ان عن عمليات أساسية

جارية في القلب من نضال الحركة الفلسطينية اليوم. ويمكن القول إن إطار عملية السلام - تقنياتها

ودينامياتها- يدور في الواقع حول رؤى السيطرة والبقاء وتفسيراتهما المتنازع فيها بين إسرائيل والمجتمع

الدولي المانح والحركة الوطنية الفلسطينية؛ ذلك أنها منخرطة جميعًا في ما تمارسه الحكومة من «علم التدخّل

وتقنيته» في واقع الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذا ما استعرنا تعريف فوكو للاقتصاد السياسي. وهي في هذا الصدد تعبير عن «الحوكمة» في الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم؛ أي عن تلك العمليات

السياسية والاقتصادية الأساسية والمترابطة الجارية في العلاقات الاجتماعية الفلسطينية وبين الطبقات

الاجتماعية، والتي تولدها تدخلات فاعليها المختلفين السياسية، وتفضي إلى سيطرة سياسية على الشعب

الفلسطيني وإلى بقاء هذا الشعب الاقتصادي. ومن المهم أن نلاحظ أولً أنَّ تناولً من هذا النوع لا يمكن إلا أن يكون تناولً خاطفًا ومتعجّلً نظرًا

إلى تعقيد الموضوع وعمقه. وتنبع الاستنتاجات الواردة في هذا الورقة من مشروع بحث أكاديمي أكبر

ينكبّ عليه الكاتب الآن على هيئة أطروحة للدكتوراه تشتمل على فحص أعمق لسجلّ الأدلّة. ولا يسع

هذه الورقة بالتالي سوى رسم الخطوط العريضة لما يجري في أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة والأسس

الفكرية التي يقوم ذلك عليها. ثانيًا، ثمّة أسباب حقيقية لافتقار الأبحاث الفلسطينية إلى التحليل الاقتصادي السياسي؛ ففي العقود

القليلة الماضية، شهدت المسارات الفكرية الواسعة غير الخاصة بفلسطين صعود المقاربات ما بعد الحداثة

وما بعد الكولونيالية وما بعد البنيوية في الأكاديميا على حساب الاقتصاد السياسي، خصوصًا تلك

المقاربات المرتبطة بالنوع الماركسي في أنواع الاقتصاد السياسي، الذي اتُّ م بأنه مفرط في حتميته أو، في

المقابل، إقصائي حيال أسئلة الهوية والفاعلية، من بين انتقادات أخرى. كما كان لبروز الاقتصاد الكلاسيكي

(2) Vincent Mosco, The Political Economy of Communication , 2nd ed. (London: Sage Publications, Ltd., 2009).

(((المصدر نفسه، ص 25 [التشديد لي.]

(4) Graham Burchell, Colin Gordon and Peter Miller, eds., The Foucault Effect: Studies in Governmentality with Two Lectures by and an Interview with Michel Foucault (Chicago: University of Chicago Press, 1991).

الجديد والليبرالية الجديدة وتجليات الاقتصاد المؤسسي الجديد)NIE(على مدى تسعينيات القرن العشرين

وفي القرن الحالي تأثيره الخاص في الأبحاث المتعلقة بالاقتصاد والحوكمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

يضاف إلى ذلك تحديات أيديولوجية ونظرية وتنظيمية داخلية تواجهها مدارس اقتصادية سياسية شتّى كما

يواجهها الفاعلون السياسيون التقدميون منذ نهاية الحرب الباردة. في السياق الفلسطيني، تزداد المشكلة سوءًا لكون التحليل الاقتصادي السياسي قادرًا على المضيّ إلى قلب

مسائل سياسية واقتصادية حساسة وأساسية بالنسبة إلى تكتيك حركة التحرر الوطني واستراتيجيتها؛

ذلك أنه يبقى للسرية والتكتيك والاستراتيجيا القيمة المتميّزة بالفعل في تنظيم مشروع وطني في ظروف

الاحتلال الاستعماري والتشريد المعقدة، ولا سيما بالنظر إلى القائمة الطويلة من الأعداء الذين يقفون في

وجه التحرر الفلسطيني. لكن في الوقت نفسه، وبقدر ما تمثّل السياسة والتحرر الوطني إرادة شعبية،

وبغية تجنب سيطرة هذا الفصيل أو ذاك الحصرية على المؤسسات والموارد الوطنية، لا بدَّ من أن تبزغ من

المطالب الشعبية سياسات واسعة توضع قيد التنفيذ، وتنظمها أشكال من المحاسبة تتمتع بحد أدنى من

الديمقراطية، وهذا شرط نادرًا ما تحقق في السياق الفلسطيني. ومن ثمَّ، فإن هنالك حاجة شديدة إلى استعادة التحليل الاقتصادي السياسي، لأن إسرائيل والمجتمع

الدولي المانح هما اللذان تملّكا هذا التحليل واستخدماه بوعي في مقاربتهما المجتمع الفلسطيني والقيادة

الفلسطينية، في محاولة للسيطرة على الكيان السياسي الفلسطيني والتلاعب به والتدخل فيه وفقًا لمصالحهما

ورؤاهما الخاصة. ولذلك، تبدو الحاجة ماسة إلى استعادة السيطرة على أدوات التحليل وتحويلها باتجاه

الأهداف الوطنية الديمقراطية. تنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة أقسام، يتعلق كلٌّ منها بجانب من الاقتصاد السياسي للأراضي الفلسطينية

المحتلة، في محاولة لتحديد بعض الفجوات التحليلية وسدّها. ينظر القسم الأولفي التحديد البنيوي

للاقتصاد السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بوصفه تابعًا لضرب من تقسيم العمل الخفيّ إنمّا

المتوافَق عليه بين الجهات الدولية المانحة وإسرائيل بشأن المعايير الأساسية للتنمية الفلسطينية. وينظر

القسم الثانيفي الأسس الفكرية لنمذجة هذه السياسات، ويربطها بالتحولات في التنمية النيوليبرالية

المعيارية وأجندة حلّ الصراعات لدى العاملين في مجال التنمية الدولية. ومن ثمَّ يرسم القسم الثالث

الخطوط العامة لتطبيق هذه النماذج من المساعدات الدولية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع تركيز

على الطرق التي طُبِّقَت بها هذه الأفكار داخل الحركة الوطنية الفلسطينية.

تميّز التنمية الفلسطينية

دور إسرائيل

من المفيد أن نبدأ الإجابة عن مشاغل بحثنا بالإشارة إلى أن الأوضاع الاقتصادية السياسية في الأراضي

الفلسطينية المحتلة ليست عشوائية مطلقًا. وعلى العكس من ذلك، وكما سبقت الملاحظة، فإن إسرائيل

والجهات الدولية المانحة درستها ودرست التلاعب بها أشدّ الدراسة كجزء من انخراطها المتواصل مع

الكيان السياسي الفلسطيني والحركة الوطنية الفلسطينية على مدى أجيال، ولا سيما خلال الإطار الزمني

لما يُشار إليه عادة باسم «عملية السلام»، أي منذ سنة 1993 وحتى الوقت الحاضر.

تورط إسرائيل وتلاعبها بالسياسة الفلسطينية والوقائع الاجتماعية معروفان وبديهيان كما يتجليان في

تاريخ محاولاتها سحق الحركة الفلسطينية، أكان في فلسطين التاريخية أم في الشتات، في الوقت الذي

تروّج لبعض النخب بوصفها قيادة بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية. ويشهد الدور الذي تقوم به شبكة

المخابرات الإسرائيلية الواسعة، وبصورة أكثر تحديدًا عقيدة إسرائيل العسكرية والسياسية والاقتصادية،

على الاهتمام المتواصل بمقاربة تسعى إلى الحفاظ على سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة

والحيلولة دون بروز نواة قاعدة تنموية فلسطينية حقيقية. كانت سارة روي قد وصفت مقاربة إسرائيل للأراضي الفلسطينية المحتلة باعتبارها واحدة من مقاربات

«نزع التنمية»؛ وهذه حالة معيّنة من حالات التنمية محكومة بتحديد سياسي بعينه لم يُستخل ص من تحليل

عقلاني للقوى الاقتصادية/قوى السوق الفاعلة. إن نزع التنمية، بحسب روي..

... يتميز بنفي التحول والتكامل والتوليف البنيوي العقلاني، حيث تصبح العلاقات الاقتصادية ونُظ م الربط متباينة ومفككة (بخلاف سوء ترابطها الذي نجده في التخلف)، ثم تبقى كذلك، وهو ما يحول دون أي تناسق عضوي، أو ترتيب منطقي للاقتصاد أو أجزائه المكونة. على عكس التخلف، الذي يتسم نزع التنمية ببعض ملامحه، فإنّ هذا الأخير يحول، على المدى الطويل دون إمكانية قيام تنمية تابعة بملمحيها الأساسيين: تطوير القدرة الإنتاجية التي من شأنها أن تسمح بتراكم رأس المال (خاصةً في القطاع الصناعي الحديث)؛ وإقامة تحالفات سياسية واقتصادية حيوية ومستدامة بين الاقتصادات التابعة والمهيمنة وبين الاقتصاد التابع والنظام المالي الدولي عمومًا.

وما يدفع تمييز روي نزع التنمية بوصفه معاكسًا ل التخلف، هو رغبتها في تسليط الضوء على التحديد

السياسيالنوعي الذي يَسِمُ السياسات الإسرائيلية التي تدور حول الضرورات الكولونيالية للمستوطن

الصهيوني، وتفرّق السياق الفلسطيني عن الحالات الكولونيالية والنيوكولونيالية الاستغلالية الأكثر

«كلاسيكية» التي تميل عمومًا إلى إقامة مستعمرة متخلفة أو مستعمرة سابقة. وفي هذا الصدد، ينبغي النظر

إلى هيمنة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة لا على أنها معنيّة في المقام الأول بأي ضرورة اقتصادية

معيّنة من ضرورات استغلال مواردها وعملها أو استخراج فائض القيمة في حد ذاتها (على الرغم من أن

هذين الأمرين يحصلان في النهاية)، بل على أنها تتركّز على مشروع سياسي (هو الصهيونية) يحدد بدوره

سلسلة من القيود السياسية والاقتصادية التي تقيد الأراضي الفلسطينية المحتلة والحركة الوطنية عمومًا

وترمي إلى تحقيق هذا الهدف السياسي (دولة يهودية في فلسطين التاريخية). أمّا تجزئة الأراضي الفلسطينية

المحتلة الاقتصادية والجغرافية، وعدم وجود قدرات صناعية إنتاجية إلى حدّ كبير، وتدهور قطاعها

الزراعي، وعدم سيطرتها على مواردها (الأرض والمياه والمجال الكهرومغناطيسي)، وتبعيتها الكاملة

لإسرائيل وعجزها التجاري حيالها - كلُّ ذلك يسم حالة الأراضي الفلسطينية المحتلة «المنزوعة التنمية»

- فهي عواقب هذا التحديد السياسي، ومن الواضح أنها ليست «إخفاقات» تولّدها السوق. ومن الأهمية بمكان أن نبقي في الأذهان هذه الخصوصية المحددة لأن طبيعة النشاط الاقتصادي

الفلسطيني الذي دشّنته عملية أوسلو فشل في تحدي هذا الوضع الأساس. وفي الواقع، وكما ستشرح روي

(5) Roy, The Gaza Strip: The Political Economy of De-Development, pp. 129-130.

في وقت لاحق، فإن إعلان المبادئكان من شأنه أن يعجّل عملية نزع التنمية، وهو ما أدى إلى تدهور

الحياة الاقتصادية الفلسطينية، والعزل، وإضعاف العلاقات الاقتصادية بين الاقتصادين الفلسطيني

والإسرائيلي، وتزايد الانقسامات داخل سوق العمل الفلسطيني، مع ما ارتبط بذلك من نشوء نمط من

الاكتفاء الذاتي الاقتصادي. ما كان للدمار الذي أُنزل خلال الانتفاضة الثانية، و«الإصلاح» ثمَّ ما تلاه من ممارسات «بناء الدولة »،

أن يفعل شيئًا أيضًا في تحدي التحديد السياسي الأساس في نزع التنمية الذي أُجبرت عليه تنمية الدولة

الفلسطينية. وهذا يعني أن إسرائيل ظلت الجانب الذي يفرض استراتيجية نزع التنمية التي ينبغي أن

تُقرَأ، حين ت مَع مع طموحاتها الاستيطانية الاستعمارية، على أنها محاولة لترسيخ «دولة يهودية» في فلسطين

التاريخية، مع حدّ أدنى من الوجود الفلسطيني، ذلك الوجود الذي، إذا ما كان له أن يبقى، فلا يمكن

التسامح معه إلا إذا كان في حال من التشرذم والخضوع. حتى حالة التخلف ذاتها أ عيقت (على الرغم

من وجود عدد من خصائصها) نظرًا إلى وجود الفلسطينيين في هامش مركزٍ لا يريد لهم أن يبدأوا من

التخلف. ولذلك، تتدخل إسرائيل على نحو متواصل كي تمنع تلاحم الطاقات الفلسطينية الكفيلة بخلق

استراتيجيات الصمود والمقاومة. ولهذا السبب، لا يمكن السماح بالسيادة، بوصفها نقيض الحكم الذاتي،

لأن من شأن ذلك أن يخلق الظروف الملائمة لتنظيم شكل «عقلاني» من أشكال التنمية، أو شكل «ناضج»،

على أقل تقدير، من أشكال التخلف.

دور الجهات الدولية المانحة؟

بيد أن حالة الاقتصاد السياسي الفلسطيني لا تتحدد بالسياسات الإسرائيلية وحدها. وثمّة أجزاء رئيسة

من التحديد السياسي لتنظيم الأراضي الفلسطينية المحتلة وطابعها البنيويين يستمدّان أيضًا من سياسات

المجتمع الدولي إزاء القيادة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني كما أطلقتهما عملية أوسلو. لا يزال ما يمّيز المحدد السياسي لمساهمات الجهات الدولية المانحة في حالة التنمية الفلسطينية بحاجة

إلى صَوغ. وقد شهدت السنوات الأخيرة انطلاق أبحاث نقدية في دور المانحين الدوليين في التنمية

الفلسطينية. وخلف الفكرة العريضة التي مفادها أن المساعدات المالية والتقنية إلى الأراضي الفلسطينية

المحتلة تيسّ الإطار العام لعملية السلام وتدعمه، نجد أنّ التدقيق في ممارسات المساعدات الدولية لم تمض

عمومًا أبعد من التركيز على إخفاقاتها في مواجهة السياسات الإسرائيلية وانتهاكاتها للاتفاقات الموقّعة،

لكنها فشلت في التوصيف الدقيق للطبيعة السياسية لهذه السياسات. وبدل من ذلك أُطِّرَت مساهماتها في

شروط فشلت في أن تقيّم دوافع المانحين الدوليين وفاعليتهم ذلك التقييم النقدي الكافي.

هناك، على سبيل المثال، البحث العلمي الذي قامت به مؤخّرًا آن لي مور وسحر تقديسي راد لتفحص

سياسات المساعدات الدولية المقدّمة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. ترسم لي مور لوحةً تفسّ فشل

مقاربات المانحين الدوليين لعملية السلام، وهي لوحة تتّسم ب«الإثم السياسي والمال المهدور». وبعد

(6) Sara Roy, «De-development Revisited: Palestinian Economy and Society since Oslo.» Journal of Palestine Studies: vol: 28, no. 3, Spring 1999. (7) Anne Le More, International Assistance to the Palestinians after Oslo: Political Guilt, Wasted Money, Routledge Studies on the Arab-Israeli Conflict; 1 (London; New York: Routledge, 2008). (8) Sahar Taghdisi-Rad, The Political Economy of Aid in Palestine: Relief from Conflict or Development Delayed?, Routledge Political Economy of the Middle East and North Africa Series (New York, NY: Routledge, 2011).

أن تعزو بصورة دبلوماسية «بداية نهاية» عملية السلام إلى «حوادث تتصل في المقام الأول بإسرائيل»

وب«دعم الولايات المتحدة الذي لا يتزعزع لحليفتها»، تصف الوضع المتدهور بأنه ذلك الوضع الذي:

يجد فيه المجتمع الدولي نفسه في مأزق رهيب. ولعلّ التفاؤل والآمال التي تولّدت في السنتين 1993 و 1994 هما اللذان حالا دون أن يكون أحد على الجانب الدولي قادرًا على التفكير ب«الاستغناء» عن العملية. يبدو

أن رهانات التوصل الى اتفاق سلام في الشرق الأوسط مهمة للغاية، وثمّة استثمار شخصي ورأسمالي هائل

وظّفه أصحاب المصلحة جميعًا.

مستخدمةً هذا التصوير، تمضي لي مور لتؤكد كذلك أن «واحدًا من مقاصد بحثها الرئيسة» تبيان أنه

لما كانّ..

.. ليس للمجتمع الدولي بأسره سوى تأثير هامشي في السياسة الإسرائيلية أو في جهود الوساطة الأميركية، فإنَّ المساعدات للفلسطينيين باتت تستخدم ك«ورقة التوت» لعدم قدرتها على دفع عملية السلام قدُمًَا

إلى الأمام سياسيًا، وكغطاء لديناميات عملية السلام التي تتحكم بها إسرائيل والولايات المتحدة إلى حد

بعيد.

بالنسبة إلى لي مور، ليست المساعدات، إذًا، سوى ورقة توت لإزاحة المسؤولية عن كاهل أصحابها،

ولا تكاد أن تكون أداة سياسية تهدف إلى تشكيل الواقع الفلسطيني سياسيًا. وبروحية مشابهة،

تتناول تقديسي راد تدخلات الجهات المانحة في بناء الدولة، مركّزةً على تناقضات هذه الجهات

وعدم اتّساقها:

على الرغم من أن زيادة تركيز الجهات المانحة على بناء المؤسسات [كدالّة للجهود الدولية في «بناء الدولة]» لها ما يبررها في حد ذاتها، كانت في فلسطين خطوة في غير أوانها، حين لم يكن ضعف المؤسسات هو العقبة الحقيقية التي تعترض التنمية الاقتصادية للأراضي الفلسطينية بل تكثيف العناصر المرتبطة بالاحتلال والتي كانت الجهات المانحة ترفض معالجتها [..] وما يشير إليه هذا النقاش هو أن سلوك المانحين الفعلي على الأرض لا يأخذ بعين الاعتبار قوى الصراع.... حتى بعد اندلاع الانتفاضة واشتداد الصراع، ويفشل في دمج هذه القوى المهمة في برامج الجهات المانحةومشاريعها.

هنا أيضًا، ينطوي تصوير المانحين وهم «يداورون» الصراع، و«يقعون في مأزق رهيب»، أو «يفشلون

في أن يأخذوا في الحسبان قوى الصراع» على مجموعة من الافتراضات بشأن فاعلية المانحين ومقاربتهم،

ومطامحهم السياسية والاقتصادية الخاصة عندما يتعلق الأمر بالتدخّل في المسرح الفلسطيني. والسؤال هو

هل يمكن النظر إلى ممارسة المانحين الدوليين بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة على أنها لا تعدو أن تكون

في حقيقتها عشرين عامًا من «مداورة» الصراع؟ كيف نفسّ طبيعة ممارسة المانحين السياسية خلال عملية

السلام ونوصّفها، أكان في طورها الباكر (ما قبل كامب ديفيد) أم في تجليّها الأخير، من دون أن نكون

اختزاليين أو قطعيين أو ساذجين؟ بأيّ طريقة يرتبط ذلك بدور إسرائيل في هيكلة نزع التنمية وفرضها

وبطموحات إسرائيل السياسية الأوسع المتعلقة بالاستعمار الصهيوني؟

(9) Le More, p. 11.

(((1 المصدر نفسه، ص.14-13

(11) Taghdisi-Rad, pp. 10-11.

التحديد البنيوي للاقتصاد السياسي الفلسطيني- خطوط عريضة

تقترح هذه الورقة أن الاقتصاد السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلةحدّده بنيويًا، أولً وقبل كلّ شيء،

وضع القضية الفلسطينية ضمن النظام السياسي الدولي الأوسع المرتبط بالقوى الإمبريالية (خصوصًا

الولايات المتحدة، ويليها الاتحاد الأوروبي) وتفسيرها الخاص للضرورات الجيوسياسية والاقتصادية

الكلية الإقليمية. من دون إعادة العمل في ما تناوله الآخرون بمزيد من العمق، لا حاجة إلى القول إن الولايات

المتحدة، باعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة في العالم، والمهندس والداعم الرئيس لعملية السلام، تعتمد

استراتيجيًا على الوصول الآمن إلى احتياطيات الوقود وشبكاته في الشرق الأوسط، ليس من أجل المنفعة

الاستخراجية ذاتها فحسب، بل أكثر من ذلك، من أجل السيطرة على طموحات منافسيها: الاتحاد

الأوروبي واليابان، والآن بشكل خاص، الصين التي تعدّ قوة صاعدة. وكان ضمان هذه السيطرة قد اعتمد

تاريخيًا على استراتيجيا مشتركة لدعم الدكتاتوريات العربية الموالية للولايات المتحدة من جهة («دول

الاعتدال العربي») والدولة الاستيطانية الاستعمارية الإسرائيلية من جهة أخرى، التي تعتمد عضويًا على

الداعم الإمبريالي كغطاء سياسي لأجندتها الصهيونية. ومن خلال الدعم الدبلوماسي والعسكري والمالي

(إذا لزم الأمر) لكلا الجناحين -على الرغم من التفوّق والأرجحية التي تُعطى لإسرائيل في النهاية-بَطيُ

الزخم الديمقراطي لدى شعوب المنطقة العربية بنجاح، ويُ افظ على استخراج النفط وحماية شبكاته كما

على الهيمنة العالمية، ويُعاد توزيع عائدات النفط الخليجية في البورصات الغربية والمجمعات الصناعية

العسكرية. هكذا تسير الإمبراطورية الأميركية. في هذا السياق، تنشأ الحاجة إلى تدبّر التطلعات الوطنية الفلسطينية وتخريبها، وربما تصفيتها، نظرًا إلى

ارتباط القضية الفلسطينية بكلا جناحي استراتيجيتها الإمبراطورية: الروابط بين الشعب الفلسطيني

والمحيط العربي يعيد باستمرار طرح السؤال حول أشكال الإخضاع الإمبريالي الغربي المختلفة في المنطقة.

وبالمثل، فإن المقاومة الفلسطينية إزاء وجود إسرائيل الاستيطاني الاستعماري لم تتوقف قط، على الرغم من

التطهير العرقي الذي طاول معظم الفلسطينيين في سنة.1948 في حين مالت الولايات المتحدة تاريخيًا إلى أن تنفي نفيًا قاطعًا وجود الشعب الفلسطيني وشرعية

قيادته، كان لسلسلة من الحوادث في النهاية أن تدفع دوائر السياسة الأميركية إلى البحث عن مقاربات

بديلة في تدبّر القضية الفلسطينية. وبحلول سنة 1993، حين وُقِّعت اتفاقات أوسلو، كان قد جرى

بنجاح احتواء «القومية العربية الراديكالية» أو هزيمتها؛ واختفى النفوذ الإقليمي الذي كان للقوى

العظمى المنافسة، وضعفت الوطنية الفلسطينية إلى حدّ كبير. وعلى هذه الخلفية، اقتضت رغبة

الولايات المتحدة في إقامة «نظام عالمي جديد» في ظل هيمنتها على السوق حل النزاعات الإقليمية

وإنشاء ترتيبات للأمن السياسي الإقليمي. وانطوت النتيجة الطبيعية لهذه السياسات المحلية على

(((1 انظر:

Gilbert Achcar: Eastern Cauldron: Islam, Afghanistan, Palestine and Iraq in a Marxist Mirror , Translated by Peter Drucker (London: Pluto, 2004), and The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising , Translated from the French by G. M. Goshgarian (Berkeley: University of California Press, [2013]).

تطبيع وجود اسرائيل في المنطقة والتكامل معها، مع توسّع نطاق اختراق الولايات المتحدة للأسواق

ليطاول جميع أنحاء العالم العربي. هكذا يجد التحديد البنيوي الأساس ل«عملية السلام» مبرر وجوده في ضرورات واضحة لدى الولايات

المتحدة والمعسكر الأوروبي الغربي، بوصفها دال ة من دوال أوضاع تاريخية محددة وحاجاتها السياسية

والاقتصادية، تلك الحاجات التي لم تتغير جوهريًا خلال السنوات العشرين التي مضت على توقيع إعلان

المبادئ، على الرغم من المراجعات التي جرت منذ ذلك الحين. من هنا، ينبغي النظر إلى «عملية السلام» باعتبارها الإطار السياسي الخطابي والجهاز اللذين مك نا من

تفكيك كثير من التقنيات والعمليات التي سعت إلى التدخل في الجسم السياسي الفلسطيني، تحت عباءة

«حلّ النزاعات» المزعومة. بالطبع، كان «حلّ النزاعات» هنا جزءًا من القشرة الخطابية الليبرالية التي تغلّف هذه العمليات، والتي

تعكس في الممارسة وبمزيد من الدقة شكلً من أشكال «إدارة الصراع»، أو حتى «تصفيته» لمصلحة طرف

واحد، هو الطرف الإسرائيلي. وكما أكد عمرو ثابت، «حاولت عملية أوسلو أن تزيل من المعادلة مبدأ

العدالة»، تجسيدًا لرؤية مفادها تغيير العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية على أساس « قمع النزاع أو تسويته

بالوسائل القسرية، أو عن طريق المساومة والتفاوض اللذين تتحدد نتيجتهما بحسب ميزان القوى»،

وذلك بدلً من «تغيير العلاقات عن طريق حلّ المشكلات التي كانت قد أدت أصلً إلى هذا السلوك

النزاعيّ». وفي هذا الصدد، فإن عملية السلام «اتخذت مقاربةً مدفوعةً بدافع النفع في الأساس

(‹المنافع- التكلفة›)، بعكس المقاربة التي توجهها القيمة وترتكز إلى مفهوم ‹المنافع - الاستحقاق.»› هكذا يغدو مسرح العلاقات الاجتماعية الفلسطينية بين الطبقات الاجتماعية الفلسطينية، وتأكيد السيطرة

عليه مع اهتمام خاص بمدى «راديكالية» قيادته السياسية مجالين رئيسين تسعى إسرائيل والجهات المانحة

الدولية إلى أن تمارس فيهما أقصى قدر من التأثير بقصد أن تنتهي «اللعبة» نهاية بعينها. ولذلك يجب النظر إلى

التحولات القوية التي تفرضها عملية أوسلو على الاقتصاد الفلسطيني والطبقات الاجتماعية والسياسية

الفلسطينية على أنها نتيجة مباشرة لهذه الديناميات/المتجهات السياسية والاقتصادية التي تنطوي عليها

«عملية السلام» ككلّ.

نظام عملية السلام

من المفيد، على هذا الأساس، أن نتصور أن الاقتصاد السياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة موجود في ظل

تحديد بنيوي معيّ لما سوف يشير إليه هذا البحث بالعبارة الفضفاضة «نظام عملية السلام.» المقصود ب«النظام»ترتيب بنيوي هرمي، له أبعاده الرسمية وغير الرسمية، نظ مته الجهات المانحة

(((1 بالطبع، مع غزو الولايات المتحدة للعراق وأفغانستان، ولاحقًا مع تفجّر روح العصر الثورية العربية، اشتدّت ضرورة حماية

المصالح الجيوسياسية الأميركية في أرجاء المنطقة. ومن الواضح أن التشديد على تقبّل الضرورات النيوليبرالية في «الانفتاح» قد قل

في حين ازداد التشديد على حماية ما للولايات المتحدة من مواطئ قدم إقليمية باقية فوق رمال سريعة التحرك.

(14) Amr G. E. Sabet, «The Peace Process and the Politics of Conflict Resolution,» Journal of Palestine Studies , vol. 27, no. 4 (Summer 1998).

وإسرائيل، ويعتمد في النهاية على القوة السياسية والعسكرية والمالية القسرية، ويمكنه أن يتيح مختلف

التدفقات المادية والإعلامية والمالية أو يقيّدها.

كان لنظام عملية السلام الذي قام في أعقاب إعلان المبادئ (ولا يزال له) جناحان أساسيان: يتكون الجناح الأولمن ترتيبات عسكرية وجغرافية وسياسية واقتصادية خلقتها الاتفاقات المختلفة

التي تم التوصل إليها بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية، على النحو الذي فسرتها به

إسرائيل بوصفها القوة ذات السيادة في نهاية المطاف. ويجسّد هذا الجناح تضافر تطلعات الطبقة الرأسمالية

والنخب السياسية والعسكرية الصهيونية المتنافسة، ضمن توجّه نيو ليبرالي صاعد وموال للغرب. والطابع

الأساس لهذا الجناح من جناحي النظام هو طابع القوي الذي يفرض، وذلك بسبب سيطرة إسرائيل

المادية على الأرض، وتفوّقها التخطيطي والاستخباراتي والعسكري. فضلً عمّ لديها من قوى كبرى تيسّ

أمورها، من خلال سيطرتها على مدفوعات المقاصة للسلطة الفلسطينية، والحدود والحواجز ذات

الطبيعة المزدوجة، في جوهرها: الفرض والتيسير. وباستثناء المساعدات الدولية، شك لت إيرادات المقاصة

الإسرائيلية أكثر من 60 في المئة من إيرادات السلطة الفلسطينية بين سنتي 1995 و 2000. يتكون الجناح الثانيلنظام عملية السلام من الدول المانحة الغربية والمؤسسات المالية الدولية)IFIs(

وممارساتها المتعلقة بتقديم المساعدات. ولهذا الجناح مجموعته الخاصة من المصالح المتنافسة التي تهيمن

عليها مصالح الولايات المتحدة، وكذلك تصوره للكيفية التي يجب أن يجري وفقها «حلّ النزاعات»

و«التنمية» من خلال التوسّع النيوليبرالي الإقليمي. والدور الأساس لهذا الجناح من النظام هو دور

التيسير - ماليًا وتقنيًا/تدريبيًا وفي مسائل الحوكمة - للسلطة الفلسطينية باعتبارها كيانًا سياسيًا. ولجناح

المانحين الدوليين بين جناحي النظام صلاحيات فرض غير مباشرة، تتجلى في قدرته على حجب هذه

التدفقات أو تقييدها، أو اختيار مستفيدين آخرين. وبين سنتي 1994 و 1999، تم ضخ 3.62 مليار

دولار أميركي من المساعدات الدولية إلى السلطة الفلسطينية، أتى من الولايات المتحدة حوالى 15 في المئة

منها، و 42 في المئة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وبلغ صافي المساعدة الإنمائية الرسمية

)ODA(للفرد في الضفة الغربية وقطاع غزة 215 دولارًا أميركيًا بين سنتي 1994 و 2000، وهو واحد

من أعلى المعدلات في العالم.

لذلك كان الأساس الاقتصادي لنظام عملية السلام قائمً، أول وقبل كلّ شيء، ضمن القدرات المالية

الهائلة التي يحوزها هذا النظام على الشعب الفلسطيني وقيادته، والتي حلت محل التدفقات المالية التي

كانت تأتي منظمة التحرير الفلسطينية من دول الخليج ومن استثمارات أخرى، في حقبة ما قبل حرب

الخليج سنة.1991

((1(تتكون إيرادات المقاصة من الرسوم الجمركية، وضريبة القيمة المضافة، والمكوس النفطية، التي يشك ل كل منها ما يقارب

ثلث المجموع. ثمة مقدار صغير إضافي من إيرادات المقاصة يأتي من الضرائب المباشرة وغير المباشرة مثل ضريبة الدخل وضريبة

الشراء.

(16) Arie Arnon, «Israeli Policy towards the Occupied Palestinian Territories: The Economic Dimension 1967-2007,» Middle East Journal , vol. 61, no. 4 (Autumn 2007).

(17) Stanley Fischer, Patricia Alonso-Gamo and Ulric Erickson von Allmen, «Economic Developments in the West Bank and Gaza since Oslo,» Economic Journal , vol. 111, no. 472: Features (June 2001).

.)World Development Indicators Database(((1(قاعدة بيانات مؤشرات التنمية العالمية

الغرض من إدخال «نظام عملية السلام» كنظاملا كمحصلة لجهد مكوناته الفردية، هو تأكيد الأطر

الأيديولوجية الواسعة المشتركة، والتوجهات السياسية، والهياكل المؤسسية، والمصالح الاقتصادية التي

تميّز جهد كلٍّ من إسرائيل والدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية الغربية، في ما يتعلق بكيفية مقاربة

الأراضي الفلسطينية المحتلة والقيادة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني. وكان تقسيم العمل بينها لغرض

«بناء السلام» اسميًا، ثمَّ «بناء الدولة»، قد شك ل قوة الفرض التي يتمتع بها هذا النظام، على الرغم من وجود

تفضيلات وتفسيرات ومصالح فردية لكل فاعل، ولا سيما في ما يتعلق بعملية «نهاية اللعبة» (دولة؟ سلسلة

من البانتوستانات/المحميات؟ تطهير عرقي للفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية المحتلة؟). لكن هذه

الخلافات الداخلية ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها خارجية بالنسبة إلى التداخل والتوافق الشاملين اللذين

أبدتهما هذه الجهات الفاعلة في مواجهة الفلسطينيين، كما بالنسبة إلىالإطار العملي وطريقة العمل اللذين

تشاركتهما هذه الجهات كمظهر من مظاهر تفسيراتها الخاصة لبناء السلام وبناء الدولة النيوليبراليين.

ولقد كان لعملية بناء السلام /بناء الدولة النيوليبرالية في أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة ذلك الشأن

المتناقض الفصامي للغاية. فهو، من ناحية، يستعير أفكارًا فضفاضة من مفهوم «السلام الليبرالي» كي ينظّم آلياته الأساسية - فكرة أن

الممارسة السياسية الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة هما الأكثر ملاءمة لإيجاد الأوضاع الأكثر

مواءمة لتحقيق الاستقرار والسلام والازدهار داخل الدولة وفي ما بين الدول على حد سواء. من ناحية أخرى، في حين كانت إثارة هذه الموضوعات مفيدة في تسويق عملية أوسلو لدى المكونات

المحلية والدولية في سنواتها الأولى، فإن سجل ممارستها الحافل كان أي شيء ما عدا كونه ليبراليًا أو

سلميًا، بما في ذلك في المجالين السياسي والاقتصادي. وفي الواقع، برز طابع واضح غير ليبرالي ميّز بناء

السلام/ بناء الدولة، وروج له عن وعي كلٌّ من إسرائيل والمانحين، ذلك أن هذه القوى لم ترَ أي تمثيل

سياسي ديمقراطي حقيقي أو ترتيبات اقتصادية منصفة قادرة على أن تفضي إلى «تسوية سلمية» تتواءم

مع مصالحها. علاوة على ذلك، سعت هذه الممارسات غير الليبرالية بنشاط لأن تعك س وجهة المكاسب

الديمقراطية الحقيقية (ولو المحدودة) التي أحرزتها الحركات الشعبية في الانتفاضة الأولى، جنبًا إلى جنب

مع الطابع السياسي التقدمي للتشكيلات الاقتصادية والسياسية التي أنشأتها هذه الحركات. ولكن بغضّ النظر عن الطابع الليبرالي/غير الليبرالي، فإن الطبيعة الشبيهة بالنظام والتي تسم الممارسات

الإسرائيلية وممارسات الجهات المانحة إزاء الفلسطينيين هي ما يهمّنا هنا. ذلك أن إقامة هؤلاء الفاعلين

نظامًا ومحافظتهم عليه قد سهّلتا على وجه التحديد الدينامية الشبيهة بدينامية «الشرطي الصالح/ الشرطي

الطالح» التي أ جبرت الطبقات الاجتماعية الفلسطينية والقيادة الفلسطينية على الانخراط فيها: إسرائيل

«المتنمّرة الرافضة، المخيفة»؛ والمانحون الدوليون، الميسّ ون المحبّون للغير الذين يحاولون مساعدة

الفلسطينيين على تحقيق أهدافهم التي لطالما أُنكرَت عليهم. ولو لم يشكّل هذا الترتيب نظامًا، يعمل كلا

مكوّنيه جنبًا إلى جنب وبالتراضي، لأدت سياسات إسرائيل خلال عملية السلام إلى معارضة صريحة

من طرف مسانديها الغربيين الرئيسين الذين يسددون الفاتورة كاملة، ويحافظون على أوسع العلاقات

الاقتصادية والسياسية الاستراتيجية مع إسرائيل. وهذه معارضة مهمة لا تزال تنتظر أن نشهدها. على أي حال، لا بد لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني ككل، من أن يختبرا هذا

النظام وينخرطا معه كنظام، عمدًا أو مصادفةً، وذلك لأنه ليس لديهما أي خيار سوى تحمّله إذا ما

أرادت القيادة أن يُسمح لها بالوجود في الأراضي الفلسطينية المحتلة في المقام الأول، وبأن تعمل في

المقام الثاني. في هذا الصدد، كانت إسرائيل والمجتمع الدولي الحارسين للمشروع الوطني الفلسطيني كما فرضه ويسّ ه

نظام عملية السلام، وذلك على المستوى المؤسساتي والسياسي والمالي والجيوستراتيجي. ما عناه تضافر سياسات إسرائيل الجيوسياسية التقييدية والقسرية، وخريطتها العسكرية، التي تنتظم

حول مطامح المستوطنين الاستعمارية و«أمنهم»، ونزع التنمية الفلسطينية من جهة أولى، وتقيد الدولة

المانحة بهذا الإطار العام والالتزام به في عملها من جهة أخرى، هو أن لدى إسرائيل والمانحين الدوليين

أوراقًا استراتيجية حاسمة في تحديد شكل التنمية الفلسطينية وطبيعتها. بل إن في أيديهما اثنتين من المهمات

الأساسية الثلاث التي يعتقد أن على الدولة القيام بها، وفقًا للأدبيات المدرسية في الاقتصاد السياسي للدول.

ووفقًا لجوناثان غودهاند، المختص بالاقتصاد السياسي للتنمية، «تنجز الدول ثلاث وظائف أساسية هي

توفير الأمن، والتمثيل، والرفاه». ولما كانت إسرائيل والمجتمع الدولي الممسكين في النهاية بعنان «الأمن» و«الرفاه» الفلسطينيين، فإن مسألة

«التمثيل» هي الوظيفة الأساسية الوحيدة التي تُرك للسلطة الفلسطينية القيام بها، مع خضوع هذه الوظيفة

أيضًا لمعايير صارمة تقيدها. هكذا، كان نموذج «بناء السلام» الذي أ نشئ في أعقاب إعلان المبادئ مؤثّرًا، إن لم يكن حاسمً، في وضع

المعايير والأطر الأساسية لطائفة من الأنشطة الوطنية الفلسطينية. واشتمل ذلك على رسم حدود الخطاب

والنشاط السياسيين المقبولين، والطبيعة القانونية والنوعية للنشاط الاقتصادي والحوكمة، ومدى تدفق

رأس المال والمعلومات، وتوازنه وتخصيصه وتخصيص الريع، وحتى تصميم وشدّة كثير من الأطر

القانونية. وفي هذا الصدد، كان هذا النظام أصل سبب قدر كبير من ضيق فضاء السياسة الفلسطينية الذي

يمسّ القضايا الحاسمة للحركة الوطنية الفلسطينية. على هذا الأساس، كان نظام عملية السلام نظامًا يقوم وظيفيًا على تقسيم العمل بين إسرائيل والمجتمع

الدولي، حيث ساهم كل جناح بطرق مختلفة في قيام نموذج ل«حلّ النزاعات» حافظ على موقع إسرائيل

المسيطر وامتيازاتها، وغالبًا ما صيغ وراء غطاء خطابي يركّز على ضرورات «أمن» إسرائيل. لذلك لا يمكن شطب الانخراط الدولي في عملية السلام بسهولة عن طريق «مداورة الصراع»، بل لا بد

من اعتباره انخراطًا نشيطًا في النزاع، وإن كان ذلك بطرق أقل وضوحًا. على الرغم من صحّة جوانب من نقاش لي مور وراد تقديسي، فإنهما يخطئان موضع التركيز والتوقعات في

ما يتعلق بدور المعونة المقدَّمة من المانحين الدوليين. وبدل من النظر إلى ما فشلت ممارسات الجهات المانحة

في محاولته أو إنجازه - كالتدخل لضمان التوصل إلى تسوية سلمية عادلة، بما في ذلك محاسبة إسرائيل على

أفعالها وانتهاكاتها للاتفاقية الموقعة- لا بدّ من الاهتمام بما فعله المانحون خلال هذه السنوات وبالغايات

التي انتهت إليها هذه الأموال فعليًا.

(19) Jonathan Goodhand, Aiding Peace?: The Role of NGOs in Armed Conflict, Project of the International Peace Academy (Boulder, Colo.: Lynne Rienner Publishers, 2006).

حين ننظر إلى ممارسات الجهات المانحة في هذا الضوء، نجد أنها كانت مُك تنفَة ب رسالة سياسية محددة

مفادها تسهيل قيام ترتيبات داخلية وظيفية بين الفلسطينيين يمكن أن تحدّ من سوء أوضاعهم الإنسانية،

بينما هي تقيم ما يفترض بها أن تقيمه من قاعدة اجتماعية من شأنها أن تدعم عملية السلام، والواقع السياسي

الجديد الذي يُقام على أرض الواقع، وذلك أساسًا في شكل السلطة الفلسطينية. ولم تكن هذه الرسالة

لضمان الإنصاف أو العدالة في المفاوضات على نحو يقف قبالة القوة الإسرائيلية، كما قد يكون بعضهم

قد افترض. ولذلك فإن اعتبار مجتمع المانحين مسؤول عن شيء ما عاد به أو ينخرط فيه قطّ، هو معيب

منطقيًا، ويتجاهل علاوة على ذلك ضرورة لوم الجهات المانحة على ما ستناقشه هذه الورقة من ممارسات

شريرة أكثر ضررًا بكثير: تدخلات في المجال الاقتصادي السياسي تهدف إلى الهندسة الاجتماعية والتلاعب

بالطبقات الاجتماعية الفلسطينية، من خلال أشكال من استيعاب النخبة. في هذا الصدد، ينبغي أن نقرأ دور المجتمع الدولي في نظام عملية السلام على أنه مدفوع بهدف هندسة

التمثيل السياسي الفلسطيني الذي يعدّ للترتيبات الأمنية السياسية التي أعطى المجتمع الدولي إسرائيل

امتياز تحديدها. والحال، أن الجهات الدولية المانحة ك لِّفَت بأن تجمع العنصر الثالث والأخير من وظائف

الدولة (التمثيل السياسي)، من خلال وكالة بيروقراطية منظمة التحرير الفلسطينية، وإن كانت في هذه

الحالة، وكالة لغير الدولة، وطابعها الجغرافي والسياسي المقيد معروف إلى حدّ كبير مقدمًا. ومع سيطرة

إسرائيل النهائية على البُعد «الأمني»، وسيطرة إسرائيل والجهات المانحة النهائية على بُعد الرفاه، بقيت

وظيفة التمثيل السياسي للكيان الفلسطيني العنصر الرئيس الأخير الذي عني به نظام عملية السلام

ومهندسوها، ذلك العنصر الخاضع جوهريًا لتقسيم العمل الإسرائيلي - الدولي، على أمل أن يُمَك ن

على المدى الطويل من تولّيه مسؤولية الأمن كاملة، والمسؤولية الاقتصادية والاجتماعية على الأراضي

الفلسطينية المحتلة، وفي إطار الترسيم الإسرائيلي لحدوده.

الأسس النظرية للهندسة الاجتماعية

بعد أن تناولنا التحديد السياسي الأساس للمقاربتين الإسرائيلية والدولية تجاه القيادة الفلسطينية والمجتمع

الفلسطيني وتطويرهما خلال عملية السلام، لنلتفت الآن إلى الممارسات ذاتها. السؤال، ما الذي يمكن قوله، أبعد من الضرورات السياسية والجيوسياسية التي وصفناها، عن الطرق

التي حاولت الجهات الدولية المانحة أن تترجم بها رؤيتها السياسية إلى ممارسة عملية؟ الإجابة عن هذا السؤال تفرض علينا أن نستقصي الأدوات الفكرية والسياسية المختلفة التي تملي

رؤية العالم لدى المجتمع الدولي، في ما يتعلق بالتنمية، وتسوية النزاعات، وبناء السلام، وبناء الدولة

بشكل عام. والحال أن المحاولة التي رمت إلى هندسة تمثيل سياسي فلسطيني قابل للحياة من خلال التلاعب بالنخب

السياسية والطبقات الاجتماعية الفلسطينية، كجزء من ترتيب واسع ومُزَّأ شبيه بالدولة، وكأمر واقع في

(((2 على الرغم من أننا لا نستطيع أن نكرس اهتمامًا بهذا الأمر في هذه الورقة، فإن خطة ألون هي التي ترسم على نحو جوهري

معالم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية وخريطة السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويمكن القارئ أن يجد تحليل عميقًا

لخطة ألون وكيف تتكامل اتفاقات أوسلو وتحقق رؤيتها، انظر:

Gilbert Achcar, «Zionism and Peace: From Allon Plan to Washington Accords,» New Politics (New Series), vol. 5, no. 3 (Summer 1995).

ظلّ الهيمنة الإسرائيلية والدولية، كانت قد عرفت طورين رئيسين: طور ما قبل الانتفاضة (الثانية)، وطور

ما بعد الانتفاضة. أَمْلَت المقاربتين كلتيهما وعلى نحو عميق أسسٌ أيديولوجية وسياسية مشتركة تعكس أفكارًا أوسع تعود

إلى العقدين الماضيين، كما تعكس التحولات التي اعترتها. ويجدر بنا التوقف هنا كي ننظر في بعض هذه

الأفكار الأساسية، وذلك للتشديد على أن السياسات المتّبعة في أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة لم تنشأ

من فراغ، بل أَمْلَتْها مجموعة واسعة من الأفكار الناشئة في ذلك الوقت في الاقتصاد، ودراسات التنمية،

والاقتصاد السياسي للنزاعات المسلحة خصوصًا. لم يكن ذلك الفرع الذي يدرس «التنمية» وممارستها بمنأىً قط عن الأجندات السياسية، منذ قيامه كأداة

للاستغلال الاستعماري، إلى صيرورته بعد الحرب العالمية الثانية ملط فًا يقف في وجه انتشار الشيوعية

السوفياتية، أكان داخل أوروبا الغربية نفسها أم في العالم الثالث. بيد أن النوع الذي برز بعد الحرب الباردة من هذا المسار العام شهد تطور هذا الإرث إلى أشكال جديدة

كانت لمصلحة ممارسيه الغربيين. و«التنمية» كما مارستها الدول الصناعية الغنية، وبوصفها مرآة لديناميات

سياسية ونظرية واسعة تفعل فعلها، عكست تحول في الإطار المفهومي شهدته السنوات الأخيرة من

مقاربات تتبنى نماذج تنموية شبيهة بالكينزية، إلى مقاربات نيوليبرالية في توجّهها. وهذا يعني أن التحول

السياسي الواسع الذي يجري عالميًا -من نماذج التنمية المتمركزة على الدولة والتي تعتمد على التدخل

الحكومي في الاقتصاد باعتباره الموازن لإخفاقات السوق (الكينزية)، إلى نموذج سعى إلى ردّ الدولة إلى

الخلف وتوزيع وظائفها على عوامل السوق التي تتوسطها أيدي القطاع الخاص (النيوليبرالية-) كان

جاريًا طوال السنوات الأربعين الماضية، وشُع رَ به بحدّة في العالم النامي، ولا سيما في التفاعل بين هذه

البلدان والجهات الفاعلة في التنمية، أكانت الدول الغربية أم المؤسسات المالية الدولية. مع ازدياد إملاء النيوليبرالية النماذج التنموية التي تدعمها المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة، كان

لا بدّ أن تحذو حذوها سلسلة واسعة من التحولات الفكرية والتنظيمية في نهاية المطاف. بدايةً، كان لا بدَّ للانقسام (الزائف) بين السياسة والاقتصاد أن يغدو أشد وضوحًا في سياسات التنمية،

شأنه شأن الانقسام (الزائف) الموجود داخل الاقتصاد الكلاسيكي الجديد والذي اعتمدت عليه الليبرالية

الجديدة. هكذا رفع من شأن أسطورة مقاربة «علمية» وتقنية بحتة للتنمية الاقتصادية، مقاربة بعيدة عن

الاعتبارات السياسية، حتى باتت مؤسسة مثل البنك الدولي تدّعي أنها غير مسيّسة ومستودعًا للخير

المحض والمعرفة التقنية الرامية إلى الارتقاء بالمجتمعات النامية (في أواسط تسعينيات القرن العشرين أطلق

البنك الدولي على نفسه اسم «بنك المعرفة»، حرفيًا.) في الحقيقة، كان ثمة وراء رياح التغيير النيوليبرالية الجديدة مجموعة من الافتراضات الأولية والسياسية

للغاية في ما يتعلق بطبيعة الإنسان، والتنظيم الاجتماعي، ودوافع البشر نحو الارتقاء بأنفسهم، هي

افتراضات تضرب بجذورها في الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. يصف هوارد شتاين خمسة مكوّنات موجودة ضمنًا أو صراحةً في كلّ نظرية كلاسيكية جديدة:

(21) Howard Stein, Beyond the World Bank Agenda: An Institutional Approach to Development (Chicago: University of Chicago Press, 2008).

• الإنسان هو فرد عقلاني حَيْسوب يسعى بصورة طبيعية إلى تعظيم منفعته الذاتية (الإنسان الاقتصادي)؛

• تتحدد خيارات الإنسان بشكل فردي، وتهدف أيضًا إلى التعظيم الذاتي (الفردانية المنهجية)؛ • الأسواق «تنظ م ذاتها»، وتبلغ «أمثلية باريتو»، أي في الحالة التي لا يقدر أحد أن يكون أفضل حالً من

دون أن يجعل أحدًا أسوأ حالً (قبول التوازن كحالة طبيعية)؛ • سلوك الفاعل تحدده سلفًا مجموعة من القواعد المفترضة (التفكير الاستنباطي العقلاني)؛ • ينشأ سلوك الفاعل تلقائيًا من مجموعة من مؤشرات السوق (التفكير البديهي).

عندما تُمع هذه الأفكار إلى التصور الذي مفاده أن الأسواق لا الدول، هي التي ينبغي أن يتُرك لها أن تحدد

مسار التنمية البشرية، يكون مفهوم الدولة النيوليبرالية قد وُل د. هكذا تعكس التدخلات التنموية المنظَِّمة

بشأن هذه المبادئ دافعًا إلى تفكيك الدولة ووظائفها، وفتح هذه الدول أمام التجارة الدولية، لتزيد بذلك

منافع البلدان الشمالية الصناعية، والحدّ من كلّ شكل من أشكال الحمائية، وخصخصة الأصول المملوكة

للقطاع العام، وتحرير الأسواق، من بين سياسات أخرى. ومن المفترض أن إطلاق العنان للأسواق،

ودافع الأفراد إلى التعظيم الذاتي في إطار جهازٍ للدولة منصف لكنه في حدّه الأدنى، كان المبرر وراء دعم

المؤسسات المالية الدولية ل«إجماع واشنطن»، وهو عبارة عن مجموعة معدّة مسبقًا من الإصلاحات التي

تنادي بها هذه المؤسسات في كثير من المسارح في أنحاء العالم النامي، وغالبًا ما يكون ذلك من خلال حامل

سياسات التكيّف الهيكلي (SAPs).

بالطبع، لم يكن الواقع الذي نجم عن هذه السياسات في أنحاء العالم النامي ذلك الواقع الوردي. وليس

الفساد وضعف النمو وصعود الأوليغارشيات ونهب أصول الدولة واشتداد التفاوت بين الأغنياء

والفقراء، سوى بعض التداعيات المدمرة لليبرالية الجديدة وبرامج التكيف الهيكلي. وحين اضطر حتى

اقتصاديو التيار السائد إلى الاعتراف بضعف أداء هذه السياسات، جرى تنقيح إجماع واشنطن ليغدو «إجماع

ما بعد واشنطن»، الذي تركت أثرها فيه تيارات اقتصادية مؤسساتية مختلفة. وفشلت هذه التنقيحات في

مساءلة المنطق الكامن وراء النمو الذي تقوده السوق والتجارة الحرة، لكنها رأت أنه كي «تُقْل ع» هذه

السياسات، لا بدَّ لها أن تكون مصحوبة بمجموعة ملائمة من المؤسسات على الأرض وضمن المؤسسات

الحاكمة التي يُفترض بها أن تنظمها. هكذا ولدت أجندة «الحكم الرشيد»، مؤكدةً تدابير مكافحة الفساد،

والشفافية، وإطلاق مبادرات التنمية المحلية، وغيرها. هنا لم يقتصر أمر المؤسسات على تصورها بوصفها المؤسسات الرسمية للدولة، بل تعدّاه إلى تصورها

على أنها أيضًا المؤسسات غير الرسمية للكيفية التي ينظّم بها المجتمع نفسه ويتوسّط نزاعاته. ويعود

الفضل إلى كبير اقتصاديي البنك الدولي سابقًا، جوزيف ستيغليتز، في الدفاع عن مقاربة للتنمية أشد

تطورًا، وترى إلى العملية برمّتها على أنها تهدف إلى تحقيق «تحول واسع في المجتمع». حاول ستيغليتز

تغيير المقاربة الأساس لسياسة التنمية السائدة من مقاربة تتناول موضوعها على أنه عملية ميكانيكية

إلى مقاربة تستخدم مفهوم المنظومة. وفي حين تنظر المقاربة الأولى إلى موضوعها على أنه آلة خطية

(((2 مقتبس من: المصدر نفسه، ص.61-60

(23) Joseph Stiglitz, «Towards a New Paradigm for Development: Strategies, Policies, and Processes,» (Paper Given at 1998 Prebisch Lecture, UNCTAD, Geneva, 19 October 1998), p. 72. (24) Mark Duffield, Global Governance and the New Wars: The Merging of Development and Security (London: Zed Books, 2001), p.10.

وموجهة نحو الانتاج، تتناول المقاربة الأخرى العملية التنموية على أنها عضوية مؤلفة من أنظمة

مختلفة، تتسم بالمرونة ويمكن تعلّمها. أظهرت أفكار ستيغليتز توقًا مؤسساتيًا إلى أن تبلغ التنمية «أعماق المجتمع» بحيث يشمل التحول «طريقة

تفكير الأفراد وتصرفهم». وكانت بداية ستيغليتز تأكيد حاجة الخاضعين للتنمية إلى المشاركة في عمليات

التنمية و«امتلاكها» بحيث يمكن للأسواق أن تعمل على نحو أفضل، ويمكن لمجتمع جديد أن يبرز إلى

حيّز الوجود من خلال اصطفائية السوق. وتصوّر ستيغليتز عالم ا لا يكون فيه قبول سياسات المؤسساتً

المالية الدولية نتاج المشروطية الضاغطة للحقبات السابقة، بل من احتضان الحكومات والمجتمعات هذه

السياسات احتضانًا واعيًا، إذ ترى مصالحها الشخصية مرتبطة بهذه الأنواع من السياسات والروابط.

وبتكثيف ملكية المجتمعات المتلقية ومشاركتها بين شريحة المجتمع المتلقي المستقرة على الأقل، يُنظ ر إلى

«رأس المال الاجتماعي» لدى الدولة على أنه مُْكَم، وإلى التنمية على أنها أكثر استدامة.

عندئذٍ يغدو بناء الترتيبات المؤسسية مع البنى المحفّزة المدمجة فيها أمرًا حاسمً في «التشغيل». ويغدو القطاع

الخاص، وقطاع الدولة (القطاع العام)، والمجتمع، والأسرة، وحتى الفرد هدفًا لحوافز سياسة تنموية مع

اعتمادهم الملازم على اصطفائية السوق. وهنا، يُنظ ر إلى القطاع الخاص باعتباره عامل التغيير الرئيس في

التنمية، ويُنظر إلى الدولة على أنها قوة تنظيمية مكملة تسهّل تكاليف المعاملات وتخفضها وتجعلها سلسة.

أخيرًا، يؤكد ستيغليتز دمج جميع شرائح التنمية، في حين يجري دمج المنظومة ككل في رأس المال العالمي.

«ينبغي للاستراتيجيا أن تكون متّسقة، على كل مستوى، مع البيئة المنغرسة فيها، أكان في المستويات العليا أم

في المستويات الدنيا. وينبغي لجميع الاستراتيجيات أن تكون منغرسة في البيئة العالمية الدائمة التغير». كان لا بدّ لتطور الفكر النيوليبرالي من إجماع واشنطن إلى إجماع ما بعد واشنطن، من أن يكون

له تداعياته على الكيفية التي يتصور بها التفكير النيوليبرالي مسألة «النزاع» و«الحيلولة دون وقوع

النزاعات» أو «حلّها.» يتوصل بول كولير، المدير السابق لقسم أبحاث التنمية التابع للبنك الدولي في الفترة 2003-1998،

من تحليله الحروب داخل الدول إلى نتيجتين تتسمان بأهمية خاصة بالنسبة إلى دراستنا: فهو يقرر، أولً،

أن «النزاعات يُرجَّح أن تنجم عن الفرص الاقتصادية أكثر ممّا يمكن أن تنجم عن المظالم بكثير»؛ إذ

يُقال إن جماعات معيّنة تستفيد من الصراع ماديًا أو من حيث المكانة والسلطة، ولذلك تكون لها مصلحة

في إطلاق شرارة الصراع وإدامته («الجشع علاوة على المظالم»). وهو يرى، ثانيًا، أن «الحرب الأهلية تؤخّر

التنمية كثيرًا» في حين أن «إخفاقات التنمية تزيد كثيرًا من احتمال الحرب الأهلية». وإذا ما تركت

البلدان الفقيرة من دون علاج، فمن المرجح أن تعلق في «فخّ النزاع» حيث يتحمل تكاليف الحروب غير

المقاتلين داخل البلد، وأهل البلد في المستقبل، والجيران (الحرب بوصفها «تنمية بالمقلوب)».

(25) Stiglitz, «Towards a New Paradigm for Development». (26) John Lloyd, «Eastern Reformers and Neo-Marxist Reviewers,» New Left Review (Series I), no. 216 (March-April 1996). (27) Stiglitz, «Towards a New Paradigm for Development». (28) Paul Collier, «Doing Well out of War,» Paper Presented at: Conference on Economic Agendas in Civil Wars, London, 26-27 April 1999, p. 1. (29) Paul Collier, «Development and Conflict,» (Centre for the Study of African Economies, Department of Economics, Oxford University, October 2004), on the Web: <http://www.un.org/esa/documents/Development.and.Conflict2.pdf >. (30) Paul Collier [et al.], Breaking the Conflict Trap: Civil War and Development Policy, World Bank Policy Research Report (Washington, DC: World Bank; [New York]: Oxford University Press, 2003).

اقترح كولير علاجات لهاتين القضيتين، وصاغ بعض المفاهيم الأساسية الموجودة الآن في قدر كبير

من حلّ النزاعات وبناء السلام الدوليين المعاصرين. ورأى أن من الممكن معالجة «الجشع علاوة على

المظالم» بإطلاق سياسات تغيّ بفعالية «حوافز الصراع الاقتصادية»، في الوقت الذي يجري فيه «الحد.ّ..

من القوة الاقتصادية للمجموعات التي تميل إلى الاستفادة من استمرار الاضطراب الاجتماعي». أمّا

«فخ النزاع»، فيمكن تداركه «باستخدام المساعدات الاقتصادية والعسكرية والسياسية استخدامًا ذكيًا

وقويًا». وفي ضوء ذلك، تعمل «الروافد الحكومية، والتفضيلات التجارية، والاستراتيجيات التي

تضغط على الموارد المالية للجماعات المتمردة، والتدخلات العسكرية»، بالإضافة إلى زيادة المساعدات،

باعتبارها الأدوات الرئيسة لحلّ النزاع. وتبُرَّر هذه السياسات استنادًا إلى المنطق الإنساني، حيث «يحتاج

أحدٌ ما إلى تمثيل مصالح كل هؤلاء الناس الذين خسروا من الحرب الأهلية». وما إن يُتاح لأدوات حل

النزاع هذه أن تترسخ، حتى يكون طريق الشروع في « بناء السلام» قد فُتح. انبنت هذه الأفكار من اتجاهات أخرى واسعة في التنمية وطابعها النيوليبرالي، بما في ذلك صعود مفهوم

«الأمن البشري»، المنبثق عن تقرير التنمية البشرية لسنة.1994 وشدد «الأمن البشري» على أمن الأفراد

أكثر من تشديده على أمن الدولة، مع التركيز على مجموعة متنوعة من القضايا الاجتماعية والتنموية (الفقر،

النزوح، الإيدز، الانهيار البيئي، والإقصاء الاجتماعي). وفي حين جرت العادة على وضع هذه القضايا

برعاية الدولة، وترك مصيرها تابعًا للقضية الأوسع؛ قضية التنمية الاقتصادية الشاملة للدولة وتوفير

الخدمات الاجتماعية/الرفاهية، وتأطيرها بمعزل عن بعضها البعض، وفصلها عن التنمية الاقتصادية،

فُتحَ المجال أمام استهدافها الفردي من طرف مختلف شبكات الجهات التنموية الفاعلة. وهنا أيضًا، يبدوِ

أنّ تأطيرًا خطابيًا معنيًا بمختلف القيم الإنسانية التقدمية واتفاقيات حقوق الإنسان قد ساعد في تسهيل

تقويض المقاربة التنموية التي تقودها الدولة.

الاقتصاد السياسي لبناء السلام/بناء الدولة في الممارسة

بعد أن أوجزنا بعض النقاشات والأسس الفكرية التي تملي توجهات الدول المانحة في التنمية وحل

النزاعات، لنرَ الآن كيف تُرجمت هذه الأفكار وتحولاتها في السياق الفلسطيني المرتكز إلى عملية السلام.

والحال أن مجرد وصف هذه الأسس النظرية في حلّ النزاعات وبناء السلام وبناء الدولة لا بدَّ من أن

يستحضر تعاويذ هذه الأجندات في المجال الفلسطيني. في الواقع، إن إنتاج تمثيل سياسي فلسطيني مذعن إزاء نزع التنمية والسيطرة السياسية والاقتصادية

الإسرائيلية يتداخل مع الدَّفع النيوليبرالي باتجاه هندسة ودمج طبقات سياسية واجتماعية حول قالب

سياسي محدد على النحو الذي يحدده تموضعه الجيوسياسي الدولي والإقليمي. وهذا يعني أن كلَّ ممارسة

حية للنيوليبرالية والتنمية التي تشجعها يصوغها تحديد سياسي معيّ للنظام الإمبراطوري الجيوسياسي.

وعلى هذا الأساس، يجب أن تُقرأ ممارسة المانحين الدوليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة على أنها محاولة

لصوغ الترتيبات المؤسسية والحوكمية لجهاز السلطة الفلسطينية وتيسيرها، لتتوافق مع هذه الأجندة.

ويشمل هذا تلزيم الحاجات الأمنية الإسرائيلية إلى السلطة الفلسطينية، وإطلاق ترتيبات اقتصادية

وطبقية تستجيب لذلك، وإقامة نموذج ل- نزع - التنمية دينامي يبدو كما لو أنّه «ملك» فلسطيني.

(31) Collier, «Doing Well out of War». (32) Collier, «Development and Conflict,»

بدلً من النظر على وجه التحديد في تحول هذه الأفكار إلى سياسة، من الأفضل أن نحدد المقاربتين

الرئيستين المستخدمتين في محاولة هندسة تمثيل سياسي فلسطيني مذعن قابل للحياة، من خلال التلاعب

بالنخب السياسية والطبقات الاجتماعية الفلسطينية. على المستوى الاستراتيجي، تتقاسم هاتان المقاربتان

كلتاهما - ما قبل الانتفاضة وما بعد الانتفاضة- الأهداف المشتركة الموصوفة، على الرغم من أنه على

المستوى التكتيكي كان فشل الجهود الأولى (التي انتهت في كامب ديفيد) قد فرض مراجعة أدت إلى

الثانية. وليس مصادفةً أن هذه المراجعة التكتيكية عكست أيضًا مراجعات جارية لممارسة التنمية وتطبيقها

العملي عمومًا، في انتقالها من إجماع واشنطن إلى إجماع ما بعد واشنطن، وما صاحب ذلك من تأكيد

للإصلاح المؤسسي.

غير أن التكتيكين كانا متشابهين في مقاربتهما الممارسة الخاصة بحل النزاعات بعقليةٍ حاولت تشغيل

الافتراضات الكلاسيكية الجديدة حول طبيعة الإنسان، والنزاع ومحفزاته. فما الذي عناه هذا؟

بدلً من أن يضع المجتمع الدولي وإسرائيل في أيدي الفلسطينيين أدوات تنميتهم الخاصة، في أوضاع تمكّنهم

من ممارسة قدراتهم، كان أن وضعا قدرات منتقاة في أيدٍ منتقاة، وفي أحوال منتقاة. وقد تم ذلك، بحسب

الاعتراف الصريح الذي أدلى به جان لوي سربيب، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط

وشمال أفريقيا، لغرض إنتاج «ثمار السلام» المشتهاة وتوزيعها، تلك الثمار التي اعتبُرَت أساسية لنجاح

إعلان المبادئ. كان من المفهوم أن أفضل فرصة لنجاح السلام، الذي من شأنه أن يعود بالنفع ليس على الشعب الفلسطيني

والإسرائيلي فحسب، بل على المنطقة ككل، هي في التوصيل السريع والملموس ل«ثمار السلام». على الجانب الفلسطيني، كان من المفترض بهذه «الثمار» أن «تقدم فوائد ملموسة للشعب الفلسطيني»

مع نية للتوصل إلى تسوية سياسية داخلية دائمة بين الطبقات الاجتماعية والجهات الفاعلة الفلسطينية. يشير مفهوم «التسوية السياسية» هنا إلى توازن القوى أو توزيعها بين الجماعات الاجتماعية والطبقات

الاجتماعية المتنافسة، والذي تستند إليه كلّ دولة. وهو مفهوم أثار اهتمامًا متزايدًا في السنوات الأخيرة

نظرًا إلى الفكرة المدرسية التي تؤكد أن التسوية السياسية الأساسية على وجه الضبط، وليس «تخطيط

المؤسسات»، هي التي تقرر النتائج السياسية والتنموية. هذا الاستنتاج الرئيس الذي توصلت إليه

الأدبيات الاقتصادية السياسية يعني في الممارسة أن جهاز «الدولة» يستخدم قدرته على تخصيص نخب

مختارة بريوع شتّى، لغرض التوصّل إلى توافق بينهم على أن العمل لاستمرار عملية السلام أكثر فائدة

بالنسبة إليهم من الاستمرار في محاربة إسرائيل. ويجب أن نلاحظ أن ما ينطلق منه منطق عملية السلام

والجهود الدولية الرامية إلى إقامة السلام هو السعي إلى تحقيق تسوية سياسية بين الطبقات الاجتماعية

الفلسطينية وليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

(33) World Bank, «West Bank and Gaza: An Evaluation of Bank Assistance,» (Report; no. 23820, Operation Evaluation Department, 7 March 2002). (34) World Bank, Emergency Assistance Program for the Occupied Territories , 2 vols. (Washington, DC: World Bank, 1994), vol. 1: Investment Program , p. 7. (35) Mushtaq H. Khan, «State Failure in Weak States: A Critique of New Institutionalist Explanations,» in: John Harriss, Janet Hunter, and Colin M. Lewis, eds., The New Institutional Economics and Third World Development (London; New York: Routledge, 1995), and Mushtaq H. Khan and Jomo Kwame Sundaram, eds., Rents, Rent-seeking and Economic Development: Theory and Evidence in Asia (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2000). (36) Jonathan Di John and James Putzel, «Political Settlements,» (Issues Paper, Governance and Social Development Resource Centre (GSDRC), June 2009).

في هذا الصدد، أظهر مفهوم «ثمار السلام» المنطق البدائي الذي انطوى عليه نموذج «حلّ النزاعات»

في الممارسة؛ فما كان مقصودًا باستخدام أدوات فجّة مثل الحوافز المالية، هو أن يختبر الفلسطينيون، أو

فلسطينيون منتقون على الأقل، ن عَم عملية السلام الاقتصادية التي من شأنها أن تشحذ شهيتهم لعملياتِ

تديم سلامهم الخاص. وكان يُعتقد أن الحوافز الاقتصادية والسياسية التي قدّمتها العملية للمشاركين فيها

من شأنها أن تخفي طبيعة الصراع السياسية والمظالم الأساسية الشديدة المتركزة على العدالة والتي سُكِت

عنها على مدى عقود، مع أنها موثّقة جيدًا في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. هذا النموذج النيوليبرالي في بناء السلام هو بالضبط ما جرت محاولته في مرحلة ما قبل الانتفاضة من

عملية السلام. وكانت المساعدات الدولية خلال المراحل الأولى من سنوات أوسلو (-1993 2000) قد

استهدفت طبقات اجتماعية فلسطينية بعينها في محاولة لدمجها في اقتصاد سياسي جديد ومتطور كان ينبغي

لعملية السلام أن تخلقه وتتكشّف عنه. وتركّز التوجّه الرئيس على إقامة السلطة الفلسطينية باعتبارها

الجهاز الذي يمكن لبيروقراطية منظمة التحرير الفلسطينية الشتاتية وللنخب المحلية أن تتعايشا فيه وتبدآ

بصوغ خبراتهما ومصالحهما المشتركة. والحقيقة أنه كان ينبغي أن يجري استيعابهما كليهما في بنية مؤسسية

تضمن قيودها القانونية أن لا تُلبَّى الحاجات التنموية الفلسطينية إلا على النحو الذي تتيحه إسرائيل. لكن

هذا كان ثانويًا إزاء مهمة «تمليك» الفلسطينيين جهازًا شبيهًا بالدولة تكون مهمته الأساسية شراء عناصر

مختلفة من الطبقات الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، لربطها بالاقتصاد السياسي الناشئ المرتبط بنظام

عملية السلام ذاته، الذي تسيطر عليه إسرائيل والجهات المانحة باعتبارها الضامن النهائي لتدفقات رأس

المال. هكذا كان منطق «التنمية» الفلسطينية من خلال بناء السلام أن تظل هذه التنمية محدّدةً بشكل أساس

عن طريق الروابط العمودية مع إسرائيل والجهات الدولية المانحة، وليس عن طريق أي روابط أفقية يمكن

لأجزائها المشتتة والمتشظية أن تقيمها في ما بينها. وفي مثل هذا السياق، تعمل السلطة الفلسطينية كمقاول

تلزّمه إسرائيل تلك المسؤوليات التي سعت إسرائيل إلى إلقائها عنها - الوظائف الأمنية المباشرة، وبعض

الوظائف المدنية- وجميعها مكلفة سياسيًا وأيديولوجيًا واقتصاديًا لإسرائيل والصهيونية على نطاق أوسع،

ولا يكفي أيّ منها لتلبية حقوق الفلسطينيين أو توقعاتهم. يصعب هنا أن نمضي عميقًا في وصف بنية التسوية السياسية البالغة التعقيد والحساسية التي صيغت

وفق «نموذج بناء السلام» الأول، والدور المحدد الذي أداه المجتمع الدولي في محاولته ترسيخها. لكن

ما ينبغي التشديد عليه هو المنطق الأساس الذي تصور مهندسو هذا المخطط أن يشتغل وفقه. لقد

تصورت إسرائيل والمجتمع الدولي عرفات باعتباره الصائغ البدئي لأول تسوية سياسية بين الفلسطينيين،

مع النظر إلى دورهما باعتباره تيسيرًا للسُبل الأبوية الزئبقية التي اشتهر بها. واعتبُر الزعيم الفلسطيني

الشخصية المركزية (بل الوحيدة) التي يمكنها أن تحقق التوافق وتعطي الجهاز والترتيب مسحة المصداقية

التي يحتاجان إليها كي «يعملا». هكذا نظرت إسرائيل والمجتمع الدولي إلى عرفات على أنه الزعيم

الأبوي الأوتوقراطي الضروري، القادر على صوغ صفقة نخبوية بالطريقة التي يراها ملائمة. وعملت

إسرائيل والمجتمع الدولي على تيسير قدراته «الشرائية» باستخدام المساعدات (تكاليف انطلاق السلطة

الوطنية)، وعقود مربحة للبنية التحتية للدولة والاستثمارات الاقتصادية، وحسابات مصرفية رئاسية

بريوع احتكارية، بحيث يتوافر له هامش المناورة هذا على وجه التحديد. ومن خلال هذه الضروب من

الشراء، كان على النومنكلاتورا الفلسطينية الناشئة حديثًا أن ترسّخ نظام حكم فلسطينيًا قابلً، نظريًا،

للتسوية السياسية مع إسرائيل، أو للحفاظ على الوضع القائم على الأقل. وبذلك نشأت «برجوازية دولة»

بوصفها اللاعب الاقتصادي المسيطر في الاقتصاد الفلسطيني، وذلك على حساب برجوازية سوق أكثر

بدائية بكثير ولا مدخل لها إلى تخصيص الريع، وعلى حساب الأغلبية العظمى من الفعاليات الاقتصادية

المحرومة (95 في المئة من السكان على الأقل) التي تعمل في المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي يقل

مستخدَموها عن 10، وتملكها أُسر في الغالب. عندما فشل هذا النموذج في تحقيق النتائج المتوقعة - حين رفض عرفات في النهاية إملاءات كامب ديفيد-

روجعت التكتيكات (وليس الاستراتيجيا) وفقًا للأسس المؤسساتية الجديدة التي سبق وصفها. وصُوِّر

عرفات فجأةً كعقبة أمام هذه الخطط، وبُذِلَت الجهود لإزاحتة تدريجيًا عن السلطة. وبدلً منه، اختارت

الجهات المانحة سياسةً أقلّ اعتمادًا على زعيم فرد يعد بإجماع فلسطيني، وأكثر اعتمادًا على بنية مؤسسية

يفترض أن بمقدورها أن تنتج، بمرور الوقت، طبقة سياسية أكثر استقرارًا، يمكن التنبؤ بسلوكها وضبطها

والاتكال عليها في إنجاز مهمتها التاريخية. وشدد المانحون الدوليون على «بناء الدولة» وحشد كامل من

«الإصلاحات» المؤسساتية، من ضمن أجندة الحكم الرشيد في الوقت الذي راحوا يتلاعبون بالمتنافسين

داخل النخبة، لتبرير التحول 180 درجة في شأن المكانة المركزية التي كان يحتلها عرفات في خططهم.

فبعد أن أعطى موافقته على قيام السلطة الفلسطينية في المقام الأول، ويسّ أول تسوياتها السياسية البدائية،

بلغ دوره التاريخي نهايته. ولا يقتصر أمر عرفات على رفضه إبداء التوافق التام مع نظام عملية السلام

وما كان ينتظره من القيادة السياسية، ذلك أن هناك أدلة تشير إلى أنه حاول الالتفاف على الطبيعة الشبيهة

بالسكة الحديد التي تسم التنمية الفلسطينية في ظل نظام عملية السلام، من خلال إضفاء الطابع المؤسسي

على أشكال الفساد والمحسوبية بين مساعديه الموثوقين كما يُفترَض وأجهزة حركة فتح الصعبة المراس،

بغية توسيع هامش مناورته. وهذا ما جعل منه متمردًا وشيك ا، كان لا بدّ من وأده في المهد، من وجهة نظر

إسرائيل والولايات المتحدة. هكذا صيغت تسوية سياسية جديدة ثانية في النهاية كعاقبة للتعديل الانتقالي الذي جرى في أعقاب

وفاة عرفات (اغتيال على الأرجح). وعلى الرغم ممّا شهده المسار العضوي لتطور الحركات الاجتماعية

الفلسطينية السياسي من استيلاء حماس على جهاز «الدولة» بعد فوزها في انتخابات سنة 2006، فإن

إسرائيل والجهات المانحة خطفت هذا الانتصار بعيدًا لتدرأ ما كان حينئذٍ نهج حماس السياسي الإصلاحي

والمقاوم، والوسط الاجتماعي البديل الذي يدعمه، والذي برز من تجمعات اقتصادية سياسية واجتماعية

ساخطة في المجتمع الفلسطيني موجودة خارج جهاز السلطة الفلسطينية، وشبكاتها الرعائية المفضلة هي

في القطاع الخاص. أدى الانقلاب الذي حاولت وكالة الاستخبارات المركزية تدبيره ضد حماس، ونفّذته من خلال أعتى

المرتزقة بين عناصر حركة فتح، إلى تقسيم بين الضفة الغربية التي «تحكمها» فتح وقطاع غزة الذي «تحكمه»

حماس. وهذا ما أطلق أيدي اسرائيل والمانحين ليحاولوا إعادة صوغ التسوية السياسية الثانية الجديدة في

الضفة الغربية، وعلى أساس أشدّ رسوخًا. ومع قص أجنحة حماس وفصائل المقاومة إلى حدّ بعيد، ومع

وجود زعيم أضعف كثيرًا على رأس فتح، وشخصية مثل سلام فياض متشبث بالأجندة النيوليبرالية/

الإصلاحية والحكم الرشيد، باتت إسرائيل والمجتمع الدولي في وضع أفضل يمك ن إسرائيل من إدارة

العمليات الحساسة التي رعتها وقدمتها في ما يتعلق بالهندسة الاجتماعية للواقع السياسي والاقتصادي

والاجتماعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة كما يحلو لها.

هكذا شهدت التسوية السياسية لفترة ما بعد الانتفاضة الثانية اتساع مجموعة الجهات الفاعلة النخبوية،

أكان داخل السلطة الفلسطينية (التي بلغ عدد مستخدَميها في ذلك الحين 180.000 مستخدَم) أم بين

الرأسماليين المحليين الذين سبق أن كانوا مهمَّشين في الترتيب السابق، وسيطر عليهم رأس المال القادم

من الشتات. وإلى جانب عمليات التمويل والتوريق وتوفير الائتمان المرن الذي يسّ ته المساعدات الدولية

المخصصة ل«بناء الدولة»، أ مْكنَ لمصالح النخبة الجديدة أن تتماسك بشكل اكثر استقرارًا حول جهاز

شفاف يشبه الدولة للسلطة الفلسطينية مع الريوع الاستراتيجية التي كانت واثقةً من تمتعها بها كجناح

«معتدل» في الانقسام بين فتح/حماس. وبإطلاق هذه الآليات المالية، سعى المجتمع الدولي إلى استيعاب

تناقضات نزع التنمية في العلاقات الاجتماعية بين الفلسطينيين باستخدام قوى «السوق». وبذلك،

فإن عدم الاستقرار السياسي والمقاومة يمكن أن يكونا رافعة ورافعة مضادة لمصالح العلاقات الطبقية

الفلسطينية، وديناميات «السوق»، والقسر الذي تولّده هذه العمليات.

أفكار ختامية

إن الترتيبات الأساسية هذه هي التي تحدد الهندسة الأولية للسلطة والسيطرة في أنحاء الأراضي الفلسطينية

المحتلة اليوم. لا بدّ لكل مناقشة جادة للحركة الفلسطينية، وآفاقها المستقبلية من التعامل مع هذه الحقائق إذا ما أريد لها

أن تساهم في تشكيل رؤية بديلة للتنظيم الاجتماعي- السياسي والاقتصادي الفلسطيني. على الرغم من إقرارنا بأن هذه الخطوط العامة التي رسمناها للديناميات الاقتصادية السياسية المتنافسة

تبقى اختزالية في تصويرها هذه الديناميات، فإنها مفيدة في تصور تنظيم القوى المنخرطة في السيطرة

وإعادة الإنتاج الاجتماعية الفلسطينية. علاوة على ذلك، فإنها تعيد وضع أدوات الاقتصاد السياسي التحليلية في مكانها الصحيح في المركز من

تحليل الحركة الفلسطينية، وحيث يجب أن تكون إذا ما كان الفاعلون الفلسطينيون والمتضامنون معهم

جادين في وضع الأساس لبديل. وعلى هذا الصعيد، لن يكون سهل قطع العقدة المستعصية التي عقدها نظام عملية السلام وتداعياته التي

ترتّبت على العلاقات الاجتماعية الفلسطينية، وليس من المرجح على أيّ حال أن نجد مثل هذا القطع

في «صندوق» الديناميات القائمة لدى الفاعلين السياسيين الفلسطينيين المعاصرين. والطبيعة الريعية

لاقتصاد الأراضي الفلسطينية المحتلة، تلك الطبيعة التي يعبّ عنها توفير الريوع الاستراتيجية لاثنين

من الفصائل السياسية الكبرى عن طريق داعمين خارجيين أقوياء، تح ول بقوة دون قيام كيان مستقل

وديمقراطي ومعتمد على نفسه. أمّا تداخل الفصل الجغرافي مع التنميط السياسي، فيعني رفض قيام تجربة

مشتركة بين الفاعلين السياسيين، في حين تقف الشكوك المتبادلة لدى كلّ جماعة تجاه الجماعة الأخرى حجر

عثرة أمام أي محاولة لتغيير الوضع الراهن. ولعلَّ هذه اللوحة القاتمة أن تكون، أكثر من أي شيء آخر،

الإنجاز الحقيقي لنظام عملية السلام واحتضانه الحنون للاقتصاد السياسي. وبدلً من أن يجلب «السلام »

حرية الشعب ووحدته على أرض واحدة، أقام اقتصادًا سياسيًا جديدًا وحصّنه ورفعه؛ اقتصاد التقسيم

الاستعماري على جزر متضائلة ذات استقلال زائف يأسرها ماديًا واقتصاديًا، وذهنيًا بكثير من المعاني.

مراجع إضافية

Books Bouillon, Markus E. The Peace Business: Money and Power in the Palestine-Israel Conflict. London; New York: I. B. Tauris, 2004. Duffield, Mark. «Getting Savages to Fight Barbarians: Development, Security and the Colonial Present.» Conflict, Security and Development: vol. 5, no. 2, August 2005. Johnson, John H. and Sulaiman S. Wasty. Borrower Ownership of Adjustment Programs and the Political Economy of Reform. Washington, DC: World Bank, 1993. (World Bank Discussion Papers; 199) Jomo Kwame Sundaram and Ben Fine. The New Development Economics: After the Washington Consensus. New Delhi: Tulika Books; London: Zed Books, 2006. Conferences «Civil Conflict, Crime and Violence.» (World Bank’s Development Economic Research Group (DECRG) Launch Conference, World Bank, Washington, DC, 22-2 3 February