العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جماعة، مجتمع، ثقافة مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

جماعة، مجتمع، ثقافة مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

Community, Society, Culture: Three Keys to Understanding Today’s Conflicted Identities by Maurice Godelier

موريس غودولييه*

الملخّص

يطرح موريس غوديليه في هذه الدراسة إعادة التفكير في بعض أهم المفاهيم في العلوم الاجتماعية: جماعة، مجتمع، ثقافة وهوية. ومن واقع معيشته في أرض ال "بارويا" (Baruya) في بابوا غينيا الجديدة بين سنتي 1966-1988، يطرح تساؤلًا رئيسيًا «كيف تتكون المجتمعات في التاريخ؟»، و"ما هي طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تقوم بحشد المجموعات البشرية لتشكيل مجتمع، أي (كل) ينتج نفسه وينتجهم؟". لاحظ غوديليه أن البارويا لم يكونوا مجتمعًا قائمً على مجموعات قرابة. ولم تكن علاقات القرابة في أي وقت هي قاعدة مجتمعهم. واعتقد بأنه ليس لهذه المجتمعات (على قاعدة القرابة) وجود. إن العلاقات العائلية وعلاقات القرابة هذه لم تصلح، في أي مكان، لأن تكون أساسًا أو قاعدة أساسية لمجتمع على الرغم من أنها تشكل عناصر أساسية للحياة الاجتماعية. وجد غوديليه بأن العلاقات الاجتماعية ليست موجودة فقط بين الأفراد والمجموعات، بل هي موجودة في الوقت نفسه في داخل جميع الأفراد والمجموعات المنخرطة في هذه العلاقات. هذا الجزء من العلاقات الاجتماعية الموجودة داخل الأفراد هو ما أسمّاه "ركيزتهم الفكرية (التصورية) والذاتية" التي لم تتشكل من تصورات فحسب، بل من مبادئ فعل وحظر (المباح والمحرم) أيضًا.

Abstract

. irrationalité en économie)

. culture: Trois clefs pour comprendre les identités en conflits (Paris: CNRS éd., 2009)

الكلمات المفتاحية:
  • تسيميا
  • رمزية
  • علاقات الإنتاج
  • موريس غودلييه
Keywords:
  • Community
  • Society
  • Culture
  • Conflicted Identities
  • Maurice Godelier
  • Strauss
  • Kinship

مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة **

ترجمة: زهرة جابر*** مراجعة: سعود المولى****

أرغب في دعوتكم إلى التفكير في فحوى المفاهيم الأربعة: جماعة، مجتمع، ثقافة وهوية. إن هذه المفاهيم هي، في الأغلب، الأكثر استخدامًا في العلوم الاجتماعية، وهي تتخطاها أيضًا إذ يمكن

إيجادها بوفرة في خطابات رجال السياسة ومقالات رجال الصحافة... إلخ. وبفعل استخدام المفاهيم هذه في نصوص عدة، يُطرح السؤال التالي: هل ما زالت تلك المفاهيم مجدية في

إنتاج معارف علمية؟ هذا ما أظنه، لكن تعريفي لتلك المفاهيم يخضع لبعض الشروط. في الواقع، لم أتوقف قط عن البحث عن المحتوى الذي يجب أن تتضمنه تلك المفاهيم في أنظمتنا، ويعود ذلك إلى سنوات أمضيتها في أرض ال«بارويا»)Baruya(في بابوا غينيا الجديدة بين سنتي 1966 و.1988 ومنذ البداية، استوقفني واقع وحيد هو أن يبلغني واحد من البارويا مباشرة أن مجتمعهم لم يكن له

وجود قبل ثلاثة أو أربعة قرون. أما الواقع الأكثر إثارة للأهمية، فهو التالي: إن البارويا يتكلمون اللغة

*موريس غودولييه (M. Godelier) أنثروبولوجي فرنسي معروف على المستوى العالمي. عاش بين سنتي 1967 و 1988 بين

أبناء قبيلة بارويا التي تتخذ مرتفعات غينيا الجديدة موطنًا لها. وقد أنجز عددًا من البحوث الميدانية كانت القبيلة المذكورة موضوعًا

لها، إضافة إلى قيامه بوضع بحوث في عدد من المجالات الرئيسية للأناسة. وقد ارتبطت معظم أعماله البحثية بالمسألة الاقتصادية،

فنشر في سنة 1966 في باريس كتابًا ضخمًا حول هذه المسألة تحت عنوان العقلانية واللاعقلانية في الاقتصاد Rationalité et (

التذكارية» (2008) في 2008/1/31. وقد نُشرت في كتيب يحمل العنوان التالي: Communauté, société, Maurice Godelier,

ربيع 2015

نفسها، ويملكون نظام قرابة وطقوس تلقين أو تنسيب واحدة. إنهم، باختصار شديد، يشاركون جيرانهم وأصدقاءهم وأعداءهم «الثقافة نفسها». وبعد أن أمضيت معهم ما يقارب السبع سنوات، استطعت أن ألاحظ التحولات العميقة التي طرأت على مجتمع البارويا، إضافة إلى تغيرات هويات سكانه الفردية والجماعية. لقد اعتبرت أن الواقعين السابقين مجرد حظ أو صدفة. إن واقع عدم وجود البارويا كمجتمع إلا منذ فترة قصيرة نسبيًا يجعلني أتساءل: «كيف تتكون المجتمعات في التاريخ؟»، و«ما هي طبيعة

العلاقات الاجتماعية التي تقوم بحشد المجموعات البشرية لتشكيل مجتمع، أي ‹كل› ينتج نفسه وينتجهم؟.» وما أثار فضولي بالفعل هو الواقع الثاني: إذا كان البارويا وجيرانهم يتشاركون اللغة عينها والثقافة عينها والتنظيم الاجتماعي عينه، فهل مفهوم «الثقافة» يسمح لي بفهم سبب تأكيد تلك المجموعات المحلية أن على الرغم من كونها مجتمعات مختلفة تحمل أسماء مختلفة، مثل البارويا والوانتيكيا)Wantekia(والبولاكيا ((Boulakia والأوزارامبيا (Usarampia)...إلخ، فإنها متشابهة جميعها بشكل أو بآخر. هذا ما دفعني

إلى تكريس نفسي للقيام ببحث في شأن كيفية تشكُّل مجتمع البارويا. بعد ذلك شُغفت بذلك النوع من المسائل، وبدأت أبحث عن أمثلة أخرى تتعلق بمجتمعات لم يكن لها وجود منذ بضعة قرون. أذكر، على سبيل المثال لا الحصر، مجتمع التيكوبيا (Tikopia) الذي قام ريموند فيرث R. Firth) ( بتحليله بطريقة رائعة من دون أن يتساءل في كتابه عن تلك القضية. ما حدث هو أن الظروف حثتني أيضًا على الاهتمام بالوهابية، ومن هنا اكتشفت أن المملكة العربية السعودية لم يكن لها وجود قبل القرن الثامن عشر، وأنها بدأت بالظهور ابتداءً من سنة.1742 يجب أن أحدد على الفور طبيعة المسألة التي أطرحها. إن هذه الأخيرة لا علاقة لها بالسؤال الذي يطرحه

الفلاسفة والمتعلق بأسس الرابط الاجتماعي. إن المسألة التي أطرحها تشك ل بالنسبة إلى ذلك الرابط مسألة اجتماعية وتاريخية. فأنا أعتقد أن البشر هم بالطبع جنس اجتماعي لم يقدّر له العيش في مجتمع عبر صوغ

عقد بين أفراده أو إتمام مهمة قتل أب. لكن البشر لا يكتفون بالعيش في مجتمع، بل يقومون أيضًا بإنتاج أشكال جديدة للوجود الاجتماعي، أي لمجتمعات، بغية مواصلة العيش. وعبر قيامهم بتحويل طرق عيشهم، يحوّلون في الوقت عينه طرق تفكيرهم وتصرفهم، وبالتالي ثقافتهم.

(((في مجتمعات كثيرة كان الشبان يُدخَلون في عِداد الرجال من خلال طقس «القبول »)Initiation). والواقع أن كلمة Initiation

الفرنسية (والإنكليزية) تُترجَم تارة ب«القبول»، وهي في البرتغالية iniciaçaõ، وتتضمن كذلك معنى «الابتداء»، ويترجمها البعض تارة

أخرى ب«طقوس العبور» أو «الطقوس الإدخالية»؛ إذ إنها تعني أن العبور بين عالمين ممكن، ولكن من خلال الطقوس التي يدعوها

الأنثروبولوجيون ب«طقوس التَعْدِيَة». وقد اخترنا هنا مصطلح «تنسيب»، أي إدخال الشاب وتنسيبه إلى القبيلة.

(((ريموند فيرث، عالم أجناس نيوزيلندي، معروف على نحو خاص بدراسته ثقافة شعب الماوري. كان من رواد الأنثروبولوجيا

الاقتصادية، وقياديًا بارزًا في كلية لندن للاقتصاد. عمل في جزر المحيط الهادئ، وخاصة في تيكوبيا في جزر سليمان، وهو يعكس

اهتمامه الرئيسي في التركيبة الاقتصادية للثقافات البدائية. وقد أعرب عن اعتقاده بأن مبادئ الاقتصاد، التي تشمل العوامل الاجتماعية

والنفسية، تنطبق على جميع الثقافات، وكانت قيمة في تحديد الديناميكيات داخل الثقافات وفي ما بينها.

جماعة، مجتمع، ثقافة، مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

لنعُدْ إلى المسألة الأولى وإلى الأفكار التي حملتها معي في أثناء وجودي على أرض البارويا سنة.1966

فبين سنتي 1960 و 1980، سيطر على باريس الفكر البنيوي أو «بنيوية» كلود ليفي ستروس، إضافة إلى أشكال مختلفة من الماركسية. لا يرى ليفي ستروس في تحريم سفاح القربى وعلاقات القرابة سوى أسباب لانتقال البشرية من الطبيعة

إلى الثقافة. أمّا الفولجاتا الماركسية (la Vulgate marxiste)، فحلّت أولى في تفسير تاريخ البشر بعد

انتقالهم من الطبيعة إلى الثقافة، وشرح الدور الأساسي للعلاقات التي خلقها البشر في ما بينهم خلال عملية إنتاجهم الطرق المادية لوجودهم الاجتماعي، بأشكاله المختلفة لا بالشكل المادي منها فحسب. أعتقد أنكم سوف تتوصلون إلى فهم أنه حين بدأتُ بتحليل معطياتي لتحديد العلاقات الاجتماعية التي

استطاعت جمع مجموعات القرابة لبارويا في مجتمع واحد، كرست نفسي أيضًا لتحليل طبيعة نظام القرابة لديهم، وطبيعة العلاقات التي حافظت عليها مجموعات القرابة تلك في ما بينها في إنتاج طرقهم المادية الخاصة بوجودهم الاجتماعي. أستطيع على الفور القول إن ما توصلت إلى استنتاجه هو التالي: لا تستطيع علاقات القرابة ولا علاقات الإنتاج التي أنشأتها تلك المجموعات في ما بينها أن تفسر كيفية ولادة مجتمع البارويا كمجتمع جديد لكن غير مختلف البتة عن المجتمعات المجاورة في تركيبته وثقافته، الأمر الذي دفعني إلى البحث في مكان آخر. في ذلك الزمن، كانت كتب تدريس الأنثروبولوجيا وكتب معلمينا تفسر لنا أنه حين نجد أنفسنا أمام مجتمع لا ينقسم إلى طوائف أو أنظمة ولا تحكمه دولة، نكون أمام مجتمع يسمّى مجتمع نسق القرابة

(وهي عبارة تُستخدم في الأنثروبولوجيا للإشارة إلى مجتمعات تقوم على وجود علاقات ومجموعات

قرابة). لكني اكتشفت سريعًا أن مجتمع البارويا كان مؤلفًا من خمس عشرة عشيرة ذات خط أبوي،

وكان الاستنتاج: لقد اقتنعت بأنني أجد نفسي في مجتمع قرابي من نوع آخر. تلك الافتراضات المتعلقة بدور القرابة أو أساليب العيش كانت كلها تفقد حقيقتها العلمية كلما كنت أتقدم بتحليلاتي. فلنبدأ إذن بتلخيص كيفية ولادة مجتمع البارويا.

(((المقصود هو التفسير الرسمي الشائع للماركسية نسبة إلى الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس التي أتمّها القديس إيرونيموس

سنة 405 وأمر البابا كليمنت الثامن (-1592 1605) بتحقيق هذه الترجمة وتنقيحها، وهذا النص هو المعتمَد اليوم في الكنيسة الكاثوليكية.

(((خصص كلود ليفي ستروس للنسق القرابي كتابًا من أهم كتبه هو البنى الأولية للقرابة. وقد عرّف القرابة بأنها عبارة عن انتماء

شخص واحد أو أكثر إلى جد واحد، أو اعتقادهم أن لهم جدًّا واحدًا. وقد تكون القرابة حقيقية (صلة الدم وصلة الرحم إلخ..) أو

متخيلة أو قانونية. كما أن قواعد تحديد القرابة تختلف من مجتمع إلى آخر اختلافًا واضحًا؛ فهناك مجتمعات تجعل القرابة متصلة

بالأب وحده، وتسير في خط الذكور أو ما يطل ق عليه «الخط الابوي». وفي هذا النطاق، تُعتبر الأم وأقاربها أباعد عن القبيلة أو العشيرة

أو الأسرة. وهناك مجتمعات ترى العكس تمامًا، حيث تسير القرابة فيها نحو «الخط الأمومي». إلى جانب هذا، ثمة مجتمعات أخرى

ترى أن القرابة تسير مع الخطين الأمومي والأبوي، أي إن الشخص يُعتبر عضوًا في عشيرة أبيه وعشيرة أمه، وأن أبناء الطرفين أقارب

له، وهذا ما اصط لح على تسميته بقرابة الجانبين أو «القرابة الثنائية»، إن صح التعبير. إضافة إلى هذه المجتمعات، هناك مجتمعات

تتبع القرابة فيها عدة خطوط؛ فمثل يسير بعض عشائرها وفق خط الأم، ويسير بعضها الآخر وفق خط الأب، وفي النوع الثالث وفق

المنطقين معًا، وتسمى هذه القرابة «قرابة جميع الخطوط المتعددة.»

ربيع 2015

لم يكن لذلك المجتمع وجود على الأرجح حتى القرن السابع عشر، وربما قبل ذلك؛ فهو وُلد بعد وقوع

عملين عنيفين، مجزرتين كان ذلك المجتمع ضحية أُولاهما ومرتكب أُخراهما. في البداية، علمت مجموعة من الرجال والنساء والأطفال المنتمين إلى عشائر مختلفة من قبيلة يوييه)Yoyué(التي كانت تعيش على مقربة من منياميا (Menyamya)، وبعد مشي دام أيامًا من المكان الذي

يعيش البارويا فيه اليوم، أنها كانت مشغولة منذ أسابيع عدة بالصيد لتكديس كميات كبيرة من الطرائد قبل الاحتفال بطقوس التعليم أو التلقين، وأن جميع من بقي خلفها في القرية، ومن بينهم المتعلمون

أو المتلقنون المستقبليون، قُتلوا في مجازر نفّذتها عشيرة عدوة دعتها جماعات أخرى من قبيلة اليوييه

إلى القيام بعملية القتل هذه. ومن شدة رعبهم وعدم قدرتهم على العودة إلى ديارهم خوفًا من تلقي المصير نفسه، وجد هؤلاء الرجال والنساء ملجأهم لدى قبائل أخرى مستعدة لاستقبالهم وأن تضع في متناولهم أراضي للزراعة وأراضي للصيد. وفي النهاية، وصلت مجموعة لدى الأندجي (Andjé)، وهي قبيلة تعيش في أودية ماراكاوا (Marakawa) عند سفح بركان ييليا (Yelia). وفي هذه المنطقة استقبلتها عشيرة النديلييه (Ndélié) التابعة للأندجي، وسمحت لها بالاستفادة من جزء من أرضها. بعد مرور أجيال قليلة، وبعد أن كثرت مبادلات النساء مع ضيوفهم، وبعد أن تعلم أبناؤهم اللغة المحلية القليلة

الاختلاف عن لغتهم، اتفقت سلالات اللاجئين في السر مع حُاتهم النديلييه على السيطرة على أراضٍ

لعشائر الأندجي الأخرى. لقد دعوا عشائر الأندجي إلى المشاركة في احتفال، حيث أبادوا مجموعة كبيرة

منها، أمّا الباقون، فهربوا مخلّفين أراضيهم للمتآمرين.

نقطة الانطلاق لتوضيح كيفية قيام مجتمع البارويا هي العنف والمجازر. لكن العنف لا يفسر أسلوب حياة الضحايا الذين أصبحوا هم أنفسهم المنتصرين والذين اتبعوا هذا الأسلوب للعيش والتكاثر في ما بينهم. فقد كان ينبغي أن تترسخ بينهم علاقات اجتماعية هي بالتحديد ما يجمعهم ويجعلهم موجودين ك«كل.» ما طبيعة هذه العلاقات؟ لقد حصلت على الإجابة من رجل ينتمي إلى البارويا، غير أني لم أفهمه على الفور. قال لي: «موريس، لقد أصبحنا البارويا حين بنينا التسيميا)Tsimia(الخاص بنا، وقمنا نحن بأنفسنا بتلقين أولادنا وتنسيبهم كي نجعل منهم محاربين وشامانات».

(((الشامانات، مفردها شامان، هم سحرة دينيون يقولون إن لديهم قوة تتغلب على النيران، ويستطيعون إنجاز الأمور عن طريق

جلسات تحضير الأرواح التي تغادر خلالها أرواحهم أجسامهم إلى عوالم الروح أو تحت الأرض حتى تستمر في معالجة المهمات.

الغرض الرئيسي للشامان في أي مكان هو المعالجة. يسيطر الشامان الناجح على الأرواح التي يعمل معها، ويستطيع (كما يدّعي)

التواصل مع الموتى. يتدرب الشامان أحيانًا على يد «سيده» الذي يكون أكثر خبرة. ويجب على الشامان معرفة كيفية السيطرة

واستخدام بعض الأمور الشخصية الطقوسية، مثل قرع الطبول أو قيادة العربة للسفر، كما يجب عليه حفظ تلك الأشكال والأغاني

الطقوسية المهمة بالنسبة إليه..

يتميز الشامانات بقوه وطاقة عالية تمكنانهم من طرد الأرواح الشريرة والتحكم فيها، ويولد الشامانات بجهدهم أو يترقون ليصبحوا

شامانات إن اجتازوا الاختبار ويستمدون القوة من معلمهم، وهي قوة يورثها جيل لجيل آخر. ويحكى أن الشامانات يعودون بأصلهم

إلى التبت.

جماعة، مجتمع، ثقافة، مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

ماذا كان يقصد ذلك الرجل حين استعان بكلمة «تسيميا»؟ هنا يجب أن أقدم بعض عناصر علم وصف الأجناس والأعراق البشرية الذي أستند إليه، منحّيًا عناصر أخرى تدعم حجتي. في هذه المنطقة، عندما يلتقي الأفراد الذين ينتمون إلى مجتمعات مختلفة ولكنهم يتكلمون اللغة نفسها، يطرحون على أنفسهم السؤال التالي: «إلى أي تسيميا تنتمي؟ أي «إلى أي مجتمع تنتمي؟». وبعد ذلك يطرح السؤال التالي: «إلى أي «شجرة» تنتمي؟» أو «من هم أمثالك؟»، أي «إلى أي عشيرة تنتمي؟.» نحن في صدد معرفة العلاقات الاجتماعية التي تسببت في ولادة مجتمع البارويا. ما هو التسيميا؟ إنه البناء الكبير الذي يبنيه البارويا وجيرانهم كل ثلاث سنوات تقريبًا ليبعد عن

ناظري النساء واليافعين غير المنتسبين بعد، بعض الشعائر السرية المتعلقة بطقوس التنسيب أو التلقين الذكورية. بالنسبة إلى البارويا - وأستعين هنا بالتصنيف الذي يحددونه هم- فإن التسيميا تشبه «جسدهم»؛ حيث إن العمدان تمثّل «العظام» وقش الأسقف يمثّل «الجلد». وفي الوسط تنتصب دعامة ضخمة تتجه الروافد أو العارضات الخشبية كلها إليها، ويسمّى هذا العمود بالتحديد « Tsimié ». ومن

المفترض أنه يمثّل السلف (الجد الأول)؛ على رأسه تنتصب أربع قطع من الخشب المنحوت ترتفع في الاتجاهات الأربعة للسماء وتسمّى Nimalayé، أزهار ال Mayé للشمس Nila (أزهار الشمس.)

بواسطتها ترتبط إلهة الشمس بأفراد مجتمع البارويا المنتسبين منهم كما المنتسبين المستقبليين وقد اجتمعوا في «التسيميا»، أي ال«مجتمع.» أرغب في إضافة بعض المعطيات المهمة لفهم المعنى الأسطوري للممارسات الرمزية وطبيعتها اللذين يحيطان بالتسيميا (المجتمع) ويدخلان في صميم شعائر التنسيب أو التلقين. بالنسبة إلى من ينتمي إلى البارويا، تمثّل تلك العمدان التي تدعم العارضات الخشبية للسقف منتسبًا أو

متلقنًا جديدًا. كل عمود قُطع في الغابة وحمله والد منتسب جديد إلى بقعة المجتمع. وبإشارة من سيد

التنسيب، وهو من البارويا، يعاونه الشامان الكبير المسؤول عن تنسيب الشامانات كافة، يقومون جميعهم في الوقت نفسه بنصب العمدان التي تمثّل أبناءهم. وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الرجال لا يصطف واحدهم بجانب الآخر تبعًا لصلات قرابة، بل تبعًا

لانتمائه إلى القرية نفسها، أي إلى مكان مشترك للإقامة والتعاون اليومي مع الجيران. إن السؤال الذي يُطرح هو التالي: ماذا تمثّل شعائر التلقين أو التنسيب في حياة البارويا؟ وفي سياق

الكلام نشير فقط إلى أن نساء تلك القبيلة نُسّبن أو لُقنّ أيضًا في أثناء دورتهن الشهرية الأولى وعند ولادة

أبنائهن الأولين. جميع شعائر التنسيب أو التلقين تلك تقسم هذه الأمة الأنثوية والذكرية كلها إلى فئات

عمرية، حيث يجب على الأعضاء كافة أن يتعاونوا في ما بينهم ويحترموا كبارهم في انتظار تمك نهم هم

(6) Maurice Godelier, La Production des grands hommes: Pouvoir et domination masculine chez les Baruya de Nouvelle- Guinée , Champs. Essais, 806 (Paris: Flammarion, 2009).

ربيع 2015

أنفسهم من تلقين أشقائهم الصغار وتنسيبهم. ويحدث أن خلال ممارسة شعائر التلقين، يتمكن أسياد التلقين، بمساعدة من الأسلاف والأرواح، من معرفة من هم الذين سيصبحون محاربين وشامانات

كبارًا أو صيادي نعامات، باختصار أولئك الذين سيصبحون «رجالً عظماء» في الجيل الجديد؛ رجالً

يستطيع المجتمع الاعتماد عليهم لأن الشامانات رجالً ونساء هم محاربون على طريقتهم؛ إذ إن أرواحهم تنتشر كل ليلة على حدود أرض قبيلة البارويا كي تصد أرواح الأعداء التي تأتي للاعتداء على أرواح البارويا أو قبضها. إن تلك الشَعائر تحمل قضية أخرى تظهر في واقع أن الجماعات التي تتحدر من قدماء اليوييه وتلك المتحدرة من عشيرة النديلييه التي خانت ذويها بالفعل، والأندجي يتولون الوظائف الشعائرية بحجة أنهم وحدهم يحتفظون بالأدوات المقدسة والمعارف الضرورية لممارساتهم. أمّا العشائر المستثناة، فهي تلك

المتحالفة مع البارويا أو الملتحقة بهم، وقد نسّب المحتلون أولادها. تعتبر هذه الشعائر إذًا فرصة كي يؤكَّد مرة أخرى التدرج أو التسلسل بين المحتلين والمهزومين، أي إعادة إحياء التاريخ السابق. وعند تحليل هذه الوقائع ووقائع أخرى تندرج في الإطار عينه، يفرض الاستنتاج نفسه: إن شعائر التنسيب تلك هي التي سمحت لهذه المجموعات بالوجود ككل واحد في نظرهم وفي نظر جيرانهم وأصدقائهم وأعدائهم. إن تلك الشعائر في إنتاجها وإعادة إنتاجها، كل مرة، لنظام الفئات العمرية والتسلسل الهرمي

بين الجنسين والعشائر تشمل جميع أعضاء المجتمع، وتعطي كل عضو مركزًا أو وضعًا مختلفًا ولكنه مفيد

للجميع، ويتم ذلك تبعًا لسنه وجنسه وقدراته. وتتعلق تلك الشعائر بما يسمّى في الشرق «العلاقات

الدينية - السياسية»؛ «دينية» لأن الآلهة وأرواح الطبيعة والأسلاف تكون خلال تلك الشعائر موجودة ومتعاونة مع أولئك الذين يحتفظون بالأدوات المقدسة لتنسيب الأجيال الجديدة، و«سياسية» لأن تلك الشعائر تفرض بشكل شرعي نظام قوة؛ نظامًا داخل المجتمع يخصص فيه الحكم للرجال. أخيرًا، ولكي

أفهم منطقهم هذا، اضطر أحد رجال البارويا إلى القول: «لقد أصبحنا ما نحن عليه عندما بنينا مجتمعنا الخاص ونسّبنا أولادنا بأنفسنا».

في النهاية، إن ما يؤكده البارويا ويعيدون تأكيده، خلال كل واحد من طقوس شعائرهم، هو حقهم في ممارسة شكل من أشكال السيادة على أرض، على مواردها وعلى الكائنات التي تسكنها، وبشكل مشترك؛ أرض يعترفون هم وجيرانهم بحدودها. وما يؤكدونه أيضًا ويشرّعونه في الوقت نفسه هو حق الرجال في

السيطرة على النساء وغير المنسّبين، وفي أن يكونوا وحدهم الحاكمين والممثِّلين لمجتمعهم. في الواقع، إن قضية الشعائر الذكورية ومعناها يقدَّمان كتحقيق لرغبة الرجال في إعادة توليد أبنائهم من

دون المرور، هذه المرة، ببطون النساء. هذه الرغبة تفسر سر الرجال الكبير، أي ممارسة المثلية الجنسية بين المنسَّبين.

جماعة، مجتمع، ثقافة، مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

والحال أن المنسَّبين في المرحلتين الثالثة والرابعة مكلفون بتغذية المنسَّبين في المرحلتين الأولى والثانية

بمنيّهم الذي ما زال طاهرًا من أي اتصال بالنساء. وتتوقف هذه الممارسة حين يتزوج الرجال، لأن

عضوهم اخترق مهبل امرأة. من هنا نستطيع أن نرى استحالة فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية من دون

فهم الطريقة التي فكّر بها في العلاقات وعيشها. تشكل طرق التفكير والتعامل أو التصرف والإحساس تلك ما نسميه «ثقافة» معينة، ونحن نرى جيدًا أن الثقافة لا يمكن فصلها عن العلاقات الاجتماعية التي

تعطيها هي معناها. وإذا ذهبت أبعد من ذلك في التحليل، أستطيع القول إن بسبب ارتكاز النظام الاجتماعي على وقائع خيالية تقصها الأساطير وتبُرز إلى الواجهة شعائر تحرك المجتمع بأسره، نشأت بين البارويا علاقات، إضافة إلى شعور بالتبعية العامة الواحد تجاه الآخر. إن الاعتقاد بالوجود وبحقيقة الوقائع الخيالية التي حدثت في البدء -كسرقة الرجال لنايات كانت تملكها النساء في البدء، أو وهب إلهة الشمس الأدوات المقدسة لأسلاف البارويا- هو الذي يمنح تلك الشعائر فعاليتها الاجتماعية وقدرتها على إقناع الأفراد بأنهم تابعون بعضهم لبعض داخل نظام اجتماعي-كوني. لكن يبقى عليّ أن أصف بكلمتين لماذا لا تستطيع علاقات القرابة والأنشطة الاقتصادية لدى البارويا أن تخلق مثل تلك العلاقات من التبعية المتبادلة للفرد تجاه الكل، وبالتالي عدم قدرتها على حشد أو جمع تلك المجموعات البشرية في مجتمع واحد. يمارس البارويا عملية تبادل النساء بين الأنساب والعشائر. وتعتمد تلك التبادلات على قواعد معيّنة هي أن الابن لا يستطيع تكرار زواج أبيه، أي لا يستطيع أن يتخذ امرأة

من عشيرة أمه زوجة له، كما لا يستطيع أخوان أن يتخذا امرأتين من العشيرة نفسها زوجتين لهما. على الرغم من هذا الضغط الذي كان يمارَس لتنويع التحالفات أو المصاهرة، استنتجت أنه ليس هنالك

وجود لعشيرة متحالفة أو متصاهرة مع جميع العشائر الأخرى، حتى وإن تحققنا من تحالفاتها أو مصاهراتها على مدى أربعة أو خمسة أجيال. إضافة إلى ذلك، كانت جميع الأنساب متمكنة من الاكتفاء الذاتي بشكل واسع، مع استمرارها في الوقت نفسه بإنتاج فائض ضروري للحصول على ما لا تستطيع إنتاجه هي نفسها بواسطة التجارة مع قبائل أخرى. بالنتيجة، لا علاقات القرابة ولا الأنشطة الاقتصادية تخلق نوعًا من علاقات التبعية العامة بين جميع

مجموعات القرابة. لم أذكر شيئًا حتى الآن عن التحولات التي أحدثها مجيء الأوروبيين وسيطرة السلطة الاستعمارية

الأسترالية، وبعدها سيطرة دولة بابوا غينيا الجديدة على نمط عيش البارويا ونمط تفكيرها، أي باختصار على هوياتها. لكن قبل ذلك، أود أن أقارن حالات أخرى من ولادة مجتمعات، وسوف أبدأ بمجتمع تيكوبيا.

(7) Raymond Firth: Tikopia Ritual and Belief (Boston: Beacon Press, 1967), pp. 15-30, and The Work of the Gods in Tikopia , 2nd ed., with New Introduction and Epilogue, Monographs on Social Anthropology; no. 1-2 (London: Athlone Press; New York: Humanities Press, 1967).

ربيع 2015

عندما وصل ريموند فيرث إلى تيكوبيا في سنة 1928، كانت المنظمة السياسية والدينية القديمة في الجزيرة

على حالها. وكان قد سبقه في رحلته هذه أحد المبشرين في سنة 1924، وكان المجتمع حينها منقسمً إلى أربع عشائر غير أباعدية، ومتدرجة في ما بينها بحسب الوظائف التي تقوم بها في دورة الشعائر التي تؤمّن

خصوبة الأرض والبحر والبشر. تحتل عشيرة الكافيكا)Kafika(، في هذه الدورة، ورئيسها، المركز الأول، لكن لم يكن الرؤساء وحدهم هم من يقومون بالشعائر بل كانت الآلهة ترافقهم. ويشير فيرث في مذكرة له إلى أن تيكوبيا لم يكن لها وجود منذ بضعة عصور سابقة. لقد جاءت مجموعات بشرية إلى الجزيرة واحتلتها في عصور مختلفة، إضافة إلى جزر مختلفة مثل بوكابوكا)PukaPuka(وأنوتا)Anuta(وروتوما)Rotuma(... إلخ. حوربت هذه الجماعات في البداية إلى أن نجح أحد الأسلاف أو الجدود من عشيرة كافيكا من إقناعهم بأن يتخذ كل واحد منهم مكانًا في دورة الشعائر المرتبطة بعمل الأسياد مع الآلهة. نستنتج مرة أخرى أن العلاقات الدينية-السياسية هي التي قامت بدمج المجموعات البشرية ذات الأصول المختلفة في مجتمع واحد. إن المثال الذي قدمتُه عن التيكوبيا يسمح لنا بتخطي الحدود التي تفرضها علينا حالة بارويا؛ ففي تيكوبيا

بدأ نوع آخر من التسلسل الهرمي الاجتماعي بالظهور، إضافة إلى دور آخر للعلاقات الاقتصادية. في الواقع، يبدو الرؤساء المسؤولون عن الشعائر وكأنهم يملكون في داخلهم شيئًا من الألوهية، أما زعيم

الكافيكا فكان يُعتبر إله الجزيرة. وجد الرؤساء أنفسهم يقومون بالمهمات الإنتاجية الأكثر صعوبة. ولم تكن تلك حالة رؤساء شعائر قبيلة بارويا. والأخيرة التي كانت تقدم لعامة الشعب قطع أرض لتزرعها، هي نفسها التي كانت تضع المحرمات الجماعية (التابو) التي تعم حملات الصيد والأعمال الزراعية وتلغيها. وبالانتقال من تيكوبيا إلى تونغا ومنها إلى تاهيتي وهاواي قبل مجيء الأوروبيين، نستنتج أن سيطرة الرؤساء وسلالاتهم على الأشخاص والاقتصاد تتخطى بكثير من القوة رؤساء تيكوبيا. أمّا في تونغو، فإن النبلاء يتمتعون بسلطة

شبه مطلقة على الأشخاص، كما على عمل عامة الشعب وكيفية حصولهم على الأرض. إن الرئيس الأعلى لتونغا، أي التوي تونغا، يُنظر إليه ويجري تكريمه بصفته متحدرًا من ال Tangaloa، وهو الإله

البولينيزي الأكبر. لا يدخل النبلاء في تونغا في أي من المهمات الإنتاجية، بل ينحصر دورهم في إتمام الشعائر إلى جانب التوي تونغا وشن الحرب. نؤكد مرة أخرى أن تأسيس تلك المجتمعات يفسَّ بإنشاء علاقات دينية - سياسية، لكن واقع عدم ارتباط

أولئك الذين يمارسون تلك العلاقات بالأنشطة الإنتاجية ينتج منه بالضرورة أن العلاقات الاقتصادية بين النبلاء وعامة الشعب تصبح قضية أساسية في إنتاج وإعادة إنتاج ذلك النوع من المجتمعات.

(((الأباعدية)Exogamie) هي زواج من الأباعد، أي من خارج العشيرة أو القبيلة، زواج اغترابي.

(9) Françoise Douaire-Marsaudon, Les Premiers fruits: Parenté, identité sexuelle et pouvoirs en Polynésie occidentale, Tonga, Wallis et Futuna , Chemins de l’ethnologie (Paris: CNRS; Maison des sciences de l’homme, 1998).

جماعة، مجتمع، ثقافة، مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

لنذهبْ أبعد من ذلك في المكان وأقربه إلينا من حيث الواقع. لم يكن للمملكة العربية السعودية وجودِ

قبل التقاء رجلين مثلّا قوتين اجتماعيتينفي سنة 1742 وهما: محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود. كان محمد بن عبد الوهاب مصلحًا دينيًا منبوذًا من اتحاد قبيلته لأنه أراد أن يدعو إلى الجهاد ضد من

يعتبرهم مسلمين فاسدين يقطنون مكة والمدينة المنورة، وهما المكانان المقدسان في الإسلام. أما محمد بن سعود، فكان زعيم قبيلة محليًا يحكم قرية صغيرة في نجد في وسط السعودية، وكان يطمح إلى

إخضاع القبائل المجاورة. لكن في العالم الإسلامي، لا يمكن تحقيق أي طموح سياسي من دون الاستناد إلى الدِّين، كما أنه لا يمكن تحقيق أي إصلاح ديني من دون دعم السلطة السياسية. يشير المؤرخون إلى أن محمد بن سعود استقبل

محمد بن عبد الوهاب وخاطبه قائلً: «هذه الواحة لك، لا تخشى الأعداء وبإذن الله سبحانه وتعالى، وإن

نبذتك نجْد بأكملها لن نتركك وسنبقى إلى جانبك». فأجابه محمد بن عبد الوهاب قائل: «أنت زعيم هذه

الواحة، وأنت رجل حكيم. أريد أن تتعهد بإعلان الجهاد ضد الكفرة، وفي المقابل ستصبح إمامًا لجماعة

المسلمين، أما أنا فسأتكفل بالأمور الدينية». في هذا العصر، لم يُضع الغرب لسلطته هذا الجزء من الجزيرة العربية (نجد) الذي لم تحتله الإمبراطورية العثمانية بالمعنى الفعلي. وأعلن الوهابيون في القرن الثامن عشر الجهاد ضد المسلمين «الفاسدين»، أولئك الذين يسمحون لأنفسهم بتأويل القرآن تبعًا لمصالحهم. في الوقت الحاضر، لا يقتصر العداء للوهابية الجهادية على المسلمين «الفاسدين» بل يتعداهم إلى اليهود والمسيحيين والغرب. قبل معالجة المفهوم الأخير، أي «مفهوم الهوية»، أو طرحه، أرغب في تقديم بعض الاستنتاجات النظرية للتحليلات السابقة. في البداية، لاحظت أن البارويا لم يكونوا مجتمعًا قائمً على مجموعات قرابة. ولم تكن علاقات القرابة في أي

وقت هي قاعدة مجتمعهم. كما أظن أنه ليس لهذه المجتمعات (على قاعدة القرابة) وجود. إن العلاقات العائلية وعلاقات القرابة هذه لم تصلح، في أي مكان، لأن تكون أساسًا أو قاعدة أساسية لمجتمع على

الرغم من أنها تشكل عناصر أساسية للحياة الاجتماعية. يسمح لنا تحليلنا أيضًا بتحديد الفارق بين «جماعة» و«مجتمع»؛ فمن المهم جدًا عدم المزج بين هذين

المفهومين ولا بين الحقائق الاجتماعية والتاريخية المختلفة المرتبطة بكلٍّ منهما.

(10) Maurice Godelier, Au fondement des sociétés humaines: Ce que nous apprend l’anthropologie , bibliothèque Idées (Paris: Albin Michel, 2007), p. 233. (11) Madawi Al-Rasheed, A History of Saudi Arabia (New York: Cambridge University Press, 2002), p. 17. (12) Alexei Vassiliev, The History of Saudi Arabia (London: Saqi Books, 2002).

ربيع 2015

يكفي إعطاء مثال وحيد لتوضيح الاختلاف بين المفهومين: إن اليهود المشتتين في العالم ويعيشون في لندن

ونيويورك وباريس وأمستردام، يشك لون جماعات داخل تلك المجتمعات والدول المختلفة: بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وفرنسا وهولندا... إلخ. تتعايش تلك الجماعات مع أخرى تركية وباكستانية... إلخ. ولكل واحدة منها أساليب عيشها وتقاليدها الخاصة بها، هذا في حين أن اليهود المشتتين في العالم الذين تركوا هذه البلاد للذهاب إلى إسرائيل، يعيشون من الآن فصاعدًا في مجتمع عملوا على تكوينه في الشرق الأدنى، وهو مجتمع تمثّله وتحكمه دولة تريد أن تعترف الأمم والدول المجاورة بحدودها. هذا هو

الأمر نفسه الذي ينشده الفلسطينيون: أرض ودولة، وهنا أيضًا المعيار الذي يشك ل مجتمعًا، أي السيادة

على أرض. من المهم جدًا الإشارة إلى أن هذه الجماعات كلها تعيش وجودًا اجتماعيًا خاصًا بها داخل المجتمع الذي

يستقبلها. نقدّم مثالً آخر: يوجد في أغلب متروبوليات العالم أحياء صينية لا يتوقف سكانها الصينيون عن التكلم بلغتهم، ولا عن اتباع رزنامة أعيادهم الخاصة بهم أو فتح مطاعم لهم. هؤلاء جماعات، ولا يشكلون مجتمعًا. وفي سياق الكلام أود أن أشير أيضًا إلى اختلاف غير مألوف اليوم لعدد كبير منا: لقد أسميت «قبيلة»)tribu(شكل مجتمع البارويا وأسميت «عشائر»)clan(وأنساب أبوية» مجموعات قرابتهم. كما أطلقت تسمية «إثنية» على المجموعات المحلية الموجودة في هذه المنطقة والتي تؤكد وجود أصول أو جذور مشتركة بينها وتشدد على كونها تتحدر من انتشار جماعات كانت تعيش بالقرب من منياميا. وللإشارة إلى المجموعات التي يعلم البارويا وجيرانهم أنهم ينتمون إليها، فإنهم يستخدمون العبارة

التالية: «أولئك الذين يرتدون حليتنا نفسها». لكن وعيهم بأنهم ينتمون إلى المجموعة نفسها لا يمك نهم من الحصول على أرض أو على نساء، وبالتالي لا يمكنهم البت في شن الحرب على القبائل المجاورة المنتمية

إلى المجموعة نفسها. من هنا نرى أن القبيلة)tribu(هي التي تشكّل للبارويا «مجتمعًا» بينما تشكّل «الإثنية »

بالنسبة إلى هذه القبيلة جماعة ثقافة وذاكرة ولكن ليس مجتمعًا. هذا الأمر يوضح لنا الواقع التالي: لكي

تصبح إثنية ما مجتمعًا في يومنا هذا، عليها أن تنجح في تشكيل دولة تؤمّن لها في المستقبل سيادة أرض. وهذا

مثلً ما تطالب به المجموعات الكردية المنتشرة في دول عدة، وهذا ما كان يطالب به مؤخرًا البوسنيون

والكوسوفيون. وفي بعض الحالات، عندما تطالب إثنية ما بأن تمتلك وحدها دولة وأرضًا، فإنها تأذن لنفسها بإجراء أعمال تطهير أو تصفية إثنية. في المجتمعات الغربية التي تتمتع بنظام سياسي ديمقراطي مبدئيًا، يمكننا ملاحظة إجابتين تقدمهما الدول

التي فيها جماعات ذات طبيعة مختلفة دينية وإثنية: فإمّا الجماعوية على الطريقة البريطانية (التي تركز على

العلاقة بين الفرد والجماعات وتفاعل الجماعات كمجموعات انتماء)، وإمّا الاندماجية، على الطريقة

جماعة، مجتمع، ثقافة، مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

الفرنسية، داخل الجمهورية. وبالنتيجة، لا يبدو أن أيًّا من الصيغتين نجحت في الإجابة عن المشكلات

التي تطرحها التعددية الثقافية والدينية داخل المجتمعات الحديثة. ويمكن التوصل إلى نتيجة نظرية أخرى من هذه التحليلات، وهي أن الأنشطة الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية التي تؤطر عملها لا تبدو قادرة البتة على إنتاج مجتمعات، أي وحدات اجتماعية تشمل عددًا

معيّنًا من المجموعات البشرية أيًّا تكن طبيعتها (جماعات، فئات، أنظمة، طبقات... إلخ.) بأن تعطيها

هوية زائدة مشتركة تُضاف إلى هوياتها الخاصة. بعد إعطاء أمثلة على تيكوبيا وتونغا والمملكة العربية السعودية، نستنتج أن ما نسمّيه «أنشطة

وعلاقات اقتصادية» أدى أدوارًا مختلفة جدًا على مدى التاريخ البشري، وخاصة حين ظهرت

مجموعات اجتماعية مسؤولة ومتحكمة بالأنشطة السياسية والدينية. من هنا نستطيع القول إن أساليب الإنتاج ليست هي الكفيلة بتفسير تأسيس المجتمعات الواقعية، بل التقدم والتطور الذي حدث خلال عصور أشكال جديدة واقعية للسلطة التي دمجت وجمعت السياسة والدين والتي ربما تكون سببًا في تحولات أساليب الإنتاج. بطبيعة الحال، ومن اللحظة التي أصبح فيها أولئك الذين يمارسون السلطة مرتبطين في وجودهم المادي بأولئك الذين لا يملكونها، صارت العلاقات الاقتصادية والسياسية متبادلة. وفي الإجمال، فإن هذا يسير عكس فرضية ماركس. قبل طرح مسألة الهويات، أرغب في الإشارة إلى نقطة أخيرة وهي أن العلاقات الاجتماعية ليست موجودة فقط بين الأفراد والمجموعات، بل هي موجودة في الوقت نفسه في داخل جميع الأفراد والمجموعات المنخرطة في هذه العلاقات. هذا الجزء من العلاقات الاجتماعية الموجودة داخل الأفراد هو ما أسمّيه

«ركيزتهم الفكرية (التصورية) والذاتية» التي لم تتشكل من تصورات فحسب، بل من مبادئ فعل وحظر (المباح والمحرم) أيضًا. لقد رأينا بالاعتماد على مثال شعائر التنسيب لدى قبيلة بارويا أن في قلب الناحية الفكرية (التصورية) للعلاقات الاجتماعية خلايا لحقائق هي خيالية تمامًا (في نظرنا)، وهذا ما أستطيع قوله أيضًا عن الأساطير

التوراتية وكتاب العهد الجديد الذي يصف لنا المرور القصير على الأرض لإله مات من أجلنا على الصليب. من هنا يمكننا إذًا قياس الدور الكبير الذي يؤديه الخيال في بناء الحقائق الاجتماعية والشخصيات التي تعيش تلك الحقائق وتعيد إنتاجها. لكن تجدر الإشارة هنا إلى وجود وقائع ثقافية تتجاوز العلاقات الاجتماعية المحلية التي ينخرط فيها الفاعلون، وهي تؤثر في تاريخ مجتمعاتها. على سبيل المثال، إن المسيحية والإسلام ديانتان موحدتان ولدتا منذ قرون وأصبحتا عنصري ثقافة وتطور لمئات المجتمعات المحلية، كما أصبحتا عنصري تشكيل شخصية أو ذاتية لملايين الأفراد الذين لا يجمع بينهم سوى دينهم. مع هذا التلميح إلى التنصير، أطرح القسم الأخير من بياني، ألا وهو تحليل تحولات هوية الأفراد المنتمين إلى

ربيع 2015

مجتمعات خاضعة لضغوط خارجية كبيرة من جميع الأنواع - حربية، اقتصادية، سياسية وثقافية- كتلك التي عاشتها قبيلة بارويا حين قررت أستراليا في سنة 1960 أن تبسط سيطرتها الاستعمارية على هذا الجزء أيضًا من بابوا غينيا الجديدة الذي لم يكن واقعًا تحت السيطرة بعد.

ماذا أقصد ب «الهوية»؟ إنها بالنسبة إلي تعني تبلور العلاقات الاجتماعية والثقافية داخل فرد ينخرط فيها ويُمل على إعادة إنتاجها أو نبذها؛ فالواحد منا على سبيل المثال أب أو ابن لشخص ما، وهذه العلاقة مع الآخر تحدد أو تعرف الرابط الموجود بيننا، وتعرفه في الوقت عينه داخل كل واحد منا، إنما على طريقة مختلفة: فالأب ليس ابنه. هذا هو تعريف الأنا الاجتماعية التي يقدمها كل واحد منا للآخرين. لكن توجد نسخة أخرى للأنا هي الأنا الحميمة الناتجة من المقابلات السعيدة والحزينة لهذه الأنا الاجتماعية مع الآخرين. لهذا السبب، فإن الهوية الاجتماعية لكل فرد هي في الوقت نفسه واحدة ومتعددة تبعًا لعدد

العلاقات الاجتماعية التي ننشئها مع الآخرين. في ما يتعلق بالبارويا، أريد أن أصف بعض مراحل تاريخهم الجديد، وأطرح بعض التعليقات التي قدمها لي بعض أفرادها في ما يتعلق بتحولات مجتمعهم؛ فهذا التاريخ يضع بشكل أساسي البارويا في صراع مع أنفسهم ومع الآخرين، وهذا ما أسميه «الهويات المتصارعة.» لقد حكم البارويا أنفسهم حتى سنة 1960، ولم يكونوا حتى سنة 1951 قد رأوا شخصًا أبيض

وإن كانوا قد علموا بوجوده البعيد منذ الحرب في المحيط الهادئ. ففي تلك السنة، أرسلت الحكومة الأسترالية حملة حربية لإحلال السلام في المنطقة التي كان يعيش فيها البارويا الذين كانوا يخوضون يومذاك حربًا كاملة مع جيرانهم وأعدائهم اليووارروناتشيه)Youwarrounatché(. وبضربة واحدة،

استُعمر البارويا الذين كانوا إلى الآن لا يزالون يمارسون بحرية تامة شكل سيادتهم على أرضهم وعلى

أنفسهم، كما تم تحويلهم إلى رعايا خاضعين لجلالتها، ملكة إنكلترا. أن يكون مجتمع ما مستعمَرًا

أمر يعني لذلك المجتمع، وبكل بساطة، أن سيادته بطلت واغتصبها آخرون، وفي هذه الحالة التي حددتها الدولة الاستعمارية. وقد أصبح مستقبل هذا المجتمع يعتمد بشكل كبير على قرارات تؤخذ من خارجه. في سنة 1975، ومرة أخرى من دون طلب ذلك أو فهم للأمر، لم يعد البارويا رعايا خاضعين، بل أصبحوا مواطنين لدولة بابوا غينيا الجديدة التي حصلت لتوها على الاستقلال بمنحة من أستراليا بعد وصول حزب العمل إلى السلطة. ولم يؤد ذلك إلى استرجاعهم سيادتهم القديمة على أنفسهم. وبعد أن أصبح البارويا مواطنين في أمة متعددة الثقافات، كان نشوء هذه الأمة مهمً لتعزيز وجود دولة ولدت بطريقة مصطنعة واستقلت حديثًا، ووجد هؤلاء أنفسهم متمتعين بحقوق وواجبات جديدة من دون استرجاع حقوقهم القديمة بأن يقيموا عدالتهم الخاصة، أو أن يهاجموا جيرانهم لتوسيع منطقتهم.

جماعة، مجتمع، ثقافة، مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

لم يختف مجتمع بارويا إذ،ًا لكنه لم يعد مجتمعًا يتمتع بالسيادة، بل أصبح مجموعة إقليمية محلية تندرج في

لائحة القبائل التي جردتها الإدارة. في سنة 1960، بنت أستراليا في وونيرارا)Wonerara(مركز قيادة ومدرج مطار على الأرض التي كانت مسرح المجابهات الحربية للبارويا مع جيرانهم. وجاء على وجه السرعة مبشر من بعثة المعهد

الصيفي للّغويات ()Summer Institute of Linguistics لتعلُّم لغة البارويا لترجمة التوراة وهدايتهم. وفي السنة نفسها، ولمعاقبة عشائر البارويا التي كانت تتناحر، أحرق أحد الضباط الشبان إحدى قراهم، وأدى الحريق إلى اختفاء الصوان المقدس الذي كان يُستخدم لتجديد النار خلال شعائر التنسيب، وإلى

اختفاء أصابع باكيتشاتشيه ()Bakitchatché المحنطة، وباكيتشاتشيه هو البطل الذي قاد البارويا في حربهم ضد الأندجي. في سنة 1961، بَنت إرسالية لوثرية مدرسة كان يرتادها بعض شباب وبنات البارويا وبعض أعدائهم.

لكن حتى سنة 1965، كانت هذه المنطقة تُعتبر «منطقة محظورة»، أي لا يمكن الأوروبيين دخولها إلى أبعد من مجال حماية مركز قيادتهم. وفي سنة 1966 وصلتُ إلى وونيرارا. وفي ذلك الوقت، كان رجل واحد فقط قد اعتنق المسيحية، وكان

يعمل مخبرًا للمبشر اللغوي الذي أتى لترجمة التوراة. وكان التلاميذ الأوائل يذهبون إلى المدن المجاورة

لاستكمال دراستهم في مؤسسات دينية أخرى. استوقفت شابًا كانت توشك طائرته على الإقلاع، وسألته:

«ما رأيك في عادات البارويا؟»، فأجاب: «أنا أبصق على تنورة القدماء وعلى عاداتهم، إنه القرف بعينه.» في سنة 1968، جرت مراسم تنسيب كبيرة. وفي هذه المناسبة خاطبني محارب قديم من البارويا (اسمه

بواريماك Bwarimac) ملوحًا بعصاه الحربية الحجرية المدورة الرأس، قائل: «موريس، أنت ترى هنا

سبب قوتنا. لكن اليوم أصبحتْ عصينا مجرد هدايا ذكرى لدى البيض الذين يشترونها. لقد عرضنا عليهم

الفروع والأوراق. أما أنت، فنعرض عليك الجذع والجذور». لقد كان هذا الرجل يعي هويته وثقافته. وفي سنة 1979، وبعد الاستقلال، قام البارويا بتنسيب أبنائهم من جديد، مع استمرارهم في إرسال

عدد كبير منهم، ذكورًا وإناثًا، إلى المدارس. وفي سنة 1983، قررت اليووارروناتشيه، عدوة البارويا،

احتلال أرض الملاحة الجوية، وقتلت عددًا كبيرًا من البارويا ومن بينهم صديقي Gwatayé الذي

اخترقوا جسده بالرماح بينما قام أحدهم بسحق وجهه بحجر قائلً: «فلتعد روحك إلى المكان الذي كان يعيش فيه أسلافك حين كانوا ينتمون إلى اليوييه ولم يكن إخوانهم قد قتلوهم بعدُ في المجازر». حضرت الشرطة إلى المكان في طائرة هليكوبتر، لكنها لم تستطع أن تحط في المكان، واكتفت بإحراق قرية للبارويا بالقنابل اليدوية. وفي سنة 1985، قام البارويا بتنسيب أبنائهم من جديد. وفي سنة 1988، نسّبوا عددًا من الشامانات

خلال الطقوس التي تمارَس كل خمس عشرة سنة. لقد كنت حاضرا آنذاك. ثم توقفت كل تلك الممارسات

ربيع 2015

حتى سنة 2006، حين شرع البارويا، وبشكل متناقض، في تنسيب اليافعين منهم من جديد، من دون اللجوء إلى ثقب أنوفهم، وسط استغراب جميع قبائل المنطقة التي كانت قد توقفت عن ممارسة هذا العمل. في السنة نفسها، عاد البارويا إلى تنسيب شامانات جدد. وفي هذه الأثناء، توقفوا عن إنتاج محصولهم من الملح، وقاموا باستخدام الأرض لزراعة نبتة البن التي لا يستهلكونها، بل يصدّرونها. وبعد أن تعذّر على البارويا الوصول إلى مدرج المطار الذي يسيطر عليه الأعداء المسلحون ببنادق

الكلَشنيكوف لا بالأقواس والرماح، بنى هؤلاء داخل أرضهم مدرج مطار لتصدير محصولهم من البن والخروج من الأودية التي يعيشون فيها. يمكننا أن نتخيل إذ ا، من خلال هذا التلخيص الصغير لتاريخ حوالى نصف قرن، كيف أن البارويا قاموا بتغيير طرق تفكيرهم وتعاملهم أو تصرفهم، أي بكلمة واحدة «هويتهم.» المثال الأول لما تم ذكره هو أن الرجل الذي قال لي في وقت مضى إنه «يبصق على ثقافة القدماء» عاد خلال ممارسة الطقوس أو الشعائر في سنة 1985، مرتديًا ثيابًا أوروبية، وأصبح موظفًا لدى دائرة الغابات. ومن

المفارقات الشديدة أنه وقف أمام أسياد التنسيب، وبدأ يخاطب المنسّبين بالقول: «إن ما تقومون به هنا أمر

جيد، أتموا تلك الطقوس. إن ما تقومون به أمر يسمّيه الشعب الأبيض ‹ثقافة›، هنا تكمن قوّتنا، هذا ما

عليكم الاعتماد عليه عندما تصبحون وحيدين في المدن، بلا عمل، بلا أصدقاء، وتشعرون بالجوع.» في سنة 1988، وبينما كنت أشارك في طقوس تدخيل شامانات جدد من رجال ونساء، على مدى ما يقارب الشهر، وفي حضور جزء كبير من السكان، علمً بأن كثيرين كانوا غير راغبين في المشاركة، جاءت مجموعة من الرجال والنساء تطلب مني أن أسجل أسماءهم على دفتر، وأن أزيد كل مرة اسمً مأخوذ ا من التوراة (ديفيد، سارة، جون، ماري... إلخ). فعلت ذلك، وعندما أردت الاستفسار عن السبب، قالوا لي إنهم جميعًا ينتظرون جميعًا مرور مبشرين، أيًا تكن طوائفهم، كي يقوم هؤلاء المبشرون بتعميدهم. وحين

سألتهم: «لماذا ترغبون في أن يتم تعميدكم؟» أجاب رجل ذو شخصية قوية: «كي نصبح رجال ونساء جددًا». وعن سؤالي: «ما هو الرجل الجديد؟» أجابوا: «أن تكون رجل جديدًا هو أن تقوم بشيئين: أن

تتبع المسيح وأن تعمل بالتجارة Bisnis.»

بعد مرور إحدى وعشرين سنة، أصبح البارويا كلهم بالتأكيد مسيحيين. وقد تقاسمت أرواحَهم خمس

طوائف بروتستانتية مختلفة، وانتمى البعض منهم خلال حياته إلى ثلاث طوائف. من الواضح أن جميع القرارات التي اتخذها الأفراد بمفردهم أو بشكل جماعي ما هي إلا خيارات غايتها إمّا المحافظة على شيء من ماضيهم كي يعتمدوا عليه اليوم، وإمّا الالتزام بشيء جديد يكون، هو أيضًا،

عونًا لهم في المستقبل.

جماعة، مجتمع، ثقافة، مفاتيح ثلاثة لفهم الهويات المتصارعة

إن البارويا مسيحيون بالتأكيد، ومواطنون، لكنهم في الوقت نفسه في حالة حرب دائمة مع أعدائهم التقليديين، وربما هذا ما يعيد تأكيده بناء تسيميا سنة 2006، كما إتمامهم الطقوس التي أعادوا هم أنفسهم بالطبع تعريفها وتخفيفها. هنا أتوقف عن سرد القصص التي تمزج حياة الأفراد بحياة مجتمعهم. ولكي أختم بياني، أرغب في إعادة تأكيد أهمية الأنثروبولوجيا الآن أكثر من أي وقت مضى في العالم الذي نعيش فيه؛ فليس علم الأحياء الجزئي ولا تقنيات النانو هما اللذين سيجعلاننا نعرف ماذا يعني أن تكون شيعيًا أو سنّيًا أو بشتونيًا، أو أن

تفسر لنا تاريخ التوسع الغربي الاستعماري. حين تُارس على الأرض مع وعي الأهمية التي نحتلها عليها، ومع قيامنا بتحقيقات منهجية مطولة بالتعاون مع الذين جئنا للعيش والعمل معهم وبذكائهم، وبإخضاعنا طرائقنا وتحليلاتنا واستنتاجاتنا لتفكير نقدي مستمر، فإن الأنثروبولوجيا تكون فرعًا أساسيًا من فروع المعرفة لا غنى عنه للتوصل إلى فهم أفضل للعالم

الذي نعيش ونستمر في العيش فيه. والحال أن هذا العالم يتغير اليوم وفقًا لحركة مزدوجة. لا تستطيع المجتمعات، الكبيرة منها والصغيرة، أن تطمح إلى التطور من دون الانخراط كل يوم في النظام الرأسمالي الذي أصبح عالميًا. لكن المفارقة هي أنه كلما زاد انخراط اقتصادات تلك المجتمعات (في النظام الرأسمالي

العالمي)، شهدنا مطالبة تلك المجتمعات بسيادة أكبر على تطورها السياسي والثقافي الخاص بها، سواء اتخذ ذلك شكل إعادة اختراع للتقاليد أو شكل رفض احترام «حقوق الإنسان» التي حددها الغرب. هذه الحركة المزدوجة لتكامل الاقتصادات ولإعادة تأكيد الهويات الوطنية أو المحلية، هي من الآن فصاعدًا السياق الذي يجب علينا ممارسة مهنتنا في داخله. وبإمكاننا، لا بل من واجبنا، أن نفهم هذا السياق. أمّا الأنثروبولوجيا، فهي مستقبل جميل وإن يكن على حساب موت بعض حقائقها النظرية القديمة. من

ناحيتي، سوف أستكمل تحليلي أشكال السيادة المختلفة التي طورتها المجموعات البشرية وفرضتها على مر التاريخ.

وائل حلاق

الدولة المستحيلة

الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي