العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نحو استعادة المشاهدة من دون حجاب القبيلة

نحو استعادة المشاهدة من دون حجاب القبيلة

Rehabilitating Research on the Arab World: ‘Tribe’ as Habitus

المولدي الأحمر *

الملخّص

* معهد الدوحة للدراسات الاستراتيجية.

Abstract

This study looks at the fields of anthropology and sociology, and their use of the tribe as a concept, as well as the research assumptions that undergird contemporary work on the Arab situation. It shows how most research uses the term ‘tribe’ without a clear scientific definition, and assumes that ‘tribe’ has in many cases become tantamount to a habitus that orients vision and analysis. This bias particularly affects studies of political phenomena, and seems prevalent in work on the Arab Spring. These studies have – for the last century – been unable to recognize the methodological value of social transformations underway in the region. In an attempt to deconstruct this habitus, the paper asks whether the deconstruction of the problems of the field might have a retroactive effect and work to help reformulate the socio-political history of the Arab world on the basis of more locally attuned research concepts and assumptions.

الكلمات المفتاحية:
  • هابيتوس
  • ربيع عربي
  • مجتمع محلي
  • الأنتربولوجيا
  • زعامة سياسية
Keywords:
  • Tribe
  • Arab Spring
  • Political Leadership
  • Political Party
  • Anthropology

يتناول هذا البحث مسألة استخدام القبيلة بوصفها مفهومًا وفرضيةَ بحث في الدراسات

الأنثروبولوجية والسوسيولوجية التي اشتغلت على الحالة العربية. والمفارقة التي ينطلق منها هي أن معظم هذه الدراسات تستخدم كلمة القبيلة من دون الاستناد إلى مفهوم علمي يحدد مضمونها، ويرى أن فرضية القبيلة في حد ذاتها أصبحت في كثير من الحالات بمثابة «هابيتوس معرفي» يوجّه المشاهدة والتحليل، خاصة في دراسة الظواهر

السياسية، ومنها تحديدًا «الربيع العربي»، من دون التأثر بالقيمة المنهجية للتحولات الاجتماعية الجارية في المنطقة منذ أكثر من قرن من الزمن. وكخاصة لمحاولة تفكيك هذا «الهابيتوس»، الذي تفشى في كامل أرجاء أنثروبولوجيا العالم العربي وغطى من «الحقائق» أكثر مما عرى، يتساءل البحث إن كان يحق لنا أن نتوقع مفعولً رجعيًا

لعملية التفكيك يساعد على إعادة التمثّل المعرفي للتاريخ الاجتماعي السياسي لهذا العالم وفق مفاهيم وفرضيات بحث مختلفة.

مقدمة

في العالم العربي عقدة معرفية - ثقافية - سياسية اسمها القبيلة؛ فخال المئة سنة الأخيرة جرت في جميع المجتمعات العربية - وبشكل غير متكافئ - تحولات ضخمة نقلت سكانها من الأرياف إلى المدن، ومن الزراعة والرعي إلى الإدارة والجيش والشرطة وقطاعات الخدمات المختلفة والصناعات الصغرى والمتوسطة، وأدخلت أبناء البدو والفاحين إلى المدارس العصرية والجيش، ونشرت المساجد وإسام الأئمة والفقهاء في الجبال والقرى والأرياف، ونزعت عن مجتمعاتها المحلية استقالها النسبي في إدارة شؤونها الخاصة بعيدًا عن التدخل المباشر للسلطة المركزية، لتصهرها كلها عبر أيديولوجيات الوطن والأمة والتنمية والتحديث والقانون والحقوق

وتحديد النسل والجندر في فضاء سيادة الدولة. وأخيرًا فتحت هذه التحولات في مجملها جميع

المجتمعات العربية على الثقافات العالمية عبر وسائل اتصال حديثة لم يسبق لها مثيل. وأدى ذلك

إلى ولادة عاقات اجتماعية جديدة أعطت العائاتِ، والأفرادَ بنسبة غير هينة، هامشًا معتبرًا من الحرية

في التعامل مع الاستحقاقات التقليدية للجيرة والقرابة والانتماء الطرقي، ومع مرجعيات الحقوق والواجبات الجماعوية الموروثة، عبر مدّهم بموارد عيش خاصة ومستقلة، وبقاعدة قانونية وحقوقية تضمن لهم الحماية. من ناحية أخرى، أصبح للتعليم والمهارات المهنية والثروة الفردية الخاصة والانتساب إلى أطر الحياة المدنية والسياسية الجديدة أهمية كبيرة في ارتقاء السُلّم الاجتماعي. ووفقًا

لذلك، فقدَ ما تحيلُ إليه فكرة القبيلة الكثير من عناصر وجوده: اللُّحمة بين مجموعة من الأفراد يعيشون متجاورين تربط بينهم عاقات قرابة فعلية و/أو وهمية؛ الاعتماد على موارد وشروط حياة أساسية مشتركة وإدارتها بشكل جماعي؛ الاشتراك في ذاكرة جماعية انتقائية تشد الجميع إلى تاريخ عام متخيَّل من التاحم (إلى جانب ذاكرة تفصيلية تعنى بالصراع والتنافس الداخلي)؛ الوفاء لجملة

من الممارسات والمرجعيات الثقافية المحلية؛ الدفاع عن الموارد المشتركة والشرف بشكل متحد ومستقل أو شبه مستقل. ومع ذلك كله، حافظت فكرة notion) (القبيلة على حضورها أداةً تحليلية وتصنيفية تُستخدم في مقاربة سلوك الفاعلين السياسيين، كما لو أن الأمر يتعلق بكيانات قبلية فاعلة، وكما لو أن مجمل التحولات التي جرت في النسيج الاجتماعي لم ينشئ روابط جديدة لها من التأثير في سلوك هؤلاء الفاعلين ما يؤهلها لتتحول إلى بؤرة للمشاهدة وإلى فرضيات فهم وتفسير للظاهرة السياسية في السياق الحالي للمجتمعات العربية. هل هناك انفصام بين المادي والفكري في حياة المجتمعات العربية تتفكك بموجبه العناصر المادية لأشياء، بالمفهوم الدوركهايمي، وحتى بالفهوم الماركسي للكلمة، وتبقى «الأرواح»؟ عمليًا هل

يعتمد الفاعلون الاجتماعيون في نشاطهم، والسياسيون منهم تحديدًا، «أرواح» أجساد متحللة؟ ما هذه «الأرواح» بالمعنى التأويلي للكلمة؟ معرفيًا هل هناك «هابيتوس» بالمعنى الذي يعطيه بورديو للكلمة،

له بُعد سياسي - أيديولوجي يعطل مشاهدة تأثير التحولات الكبرى التي ذكرناها في السلوك السياسي

للفاعلين في هذه المجتمعات، فا تنتظم في ذهن الباحث الصراعات التي تشقها، ولا يستوعب مضمون الدولة فيها إلا بإدخالها، أو على الأقل بإدخال عناصر منها، في الدائرة الهامية لمفهوم القبيلة؟ هل يكفي اليوم استخدام روابط القرابة - الحقيقية أو الوهمية - في الفعل السياسي كي يكتسب مفهومُ القبيلة قيمة منهجية في تحليل الأحداث؟ إذا سلّمنا بضعف القيمة الإدراكية لمفهوم

القبيلة اليوم، فهل يترتب على ذلك التخلي عنه - أو على الأقل إعادة صوغه بمضمون جديد؟ ما هو هذا المضمون؟ وهل يمكن أن يكون لذلك مردود نظري ومنهجي رجعي يولّد تمثّلً جديدًا للتاريخ الاجتماعي والسياسي للمجتمعات العربية؟ هل يمكن الربيع العربي أن يتحول إلى مختبر يعاد فيه فتح جميع الملفات المعرفية المتعلقة بالمنطقة، وأولها ملف القبيلة؟ ينصبّ اهتمام هذا البحث على محاولة الحفر في الكيفية التي ترسّخ بها مفهوم القبيلة وفرضيته

السياسية العامة في التقليد المعرفي لأنثروبولوجيا السياسية الخاصة بالعالم العربي. والفكرة الأساسية

التي نريد الخوض فيها هي أن مفهوم القبيلة كما يُستخدم اليوم، خاصة بمضمونه الوضعي الذي

انبثق عن تمثّل أوروبا المجتمعات التي استعمرتها من منظور تاريخها الخاص، وتحديدًا ذلك الذي شمل تطور عاقة رأس المال والدولة - الأمة بالحياة الجماعوية Communautaire) (، هو أمر غريب إلى حد ما عن تجربة المجموعات القبلية (بمعنى أنها تتمثّل هويتها المحلية بناء على «إيديوم» القرابة) والنخب السياسية التقليدية في العالم العربي. تبعًا لهذه التجربة المعرفية والعملية الاستعمارية، وما استقر منها في ما بعد في الأذهان وفي تفصيات

عملية بناء الدولة المستقلة الحديثة، تحوّل مدخل القبيلة وفرضيته العامة إلى وحدة تصنيفية تشتغل

عند الكثير من الباحثين حجابًا يكاد يمنعهم اليوم من مشاهدة الكثير من عناصر التحولات الجارية

في هذه المجتمعات بغير فكرة القبيلة. وسيسمح لنا الخوض في هذه الفكرة بالتساؤل في النهاية عن المفعول الرجعي لنتائج هذه العملية الحفرية على طريقتنا التي تعودنا عليها في تمثّل التاريخ الاجتماعي السياسي للمجتمعات العربية.

اعتبارات عامة

نود قبل كل شيء التنبيه إلى اعتبارات عامة عدة لا بد من الأخذ بها قبل متابعة التحليل: أولً، عندما نتحدث عن خارجية مفهوم القبيلة كما تطور في الدراسات والممارسات في أثناء حقبة الاستعمار وبعدها، فإننا لا نقصد نفي واقع الحياة القبلية في التاريخ الاجتماعي - السياسي للمجتمعات العربية (بالمعنى العام الذي أعطته له الأنثروبولوجيا، أي كشكل مميّز من أشكال الحياة

الجماعوية)، إنما القصد هو أننا نعتبر أن هذه الحياة لم تكن مُتمثّلة محليًا بالشكل الذي ستكون عليه

لاحقًا في السياق الاستعماري وما تاه، وأنه كان لذلك استتباعات معرفية وعملية ينبغي الانتباه إليها. ثانيًا، عندما نتحدث عن تاريخ سؤال القبيلة وتطوراته وفقًا للتحولات التي جرت في المنطقة، فإنما

نتكلم على تاريخ طويل المدى. لذلك، فإن ماحظاتنا في هذا الشأن تركّز على العناصر الأساسية للظاهرة من دون أن تشمل تفرعاتها وتجسداتها الميكرو سوسيولوجية ذات الأهمية الخاصة على المستوى السنكروني. ثالثًا، نحن ندرك الاختافات الإقليمية، إن صح التعبير، المتعلقة بتاريخ تشكّل الدولة الحديثة وواقعها في مشرق العالم العربي ومغربه ووسطه، وعاقة ذلك بتشكل مفهوم القبيلة واستخداماته المعرفية

والعملية. وتشمل هذه الاختافات على وجه الخصوص قِدم الدولة وعاقتها بالكيفية التي تحوّل بها

البدو إلى فاحين في المنطقة المغاربية، أو إلى تجار وموظفين حضريين، كما جرى ذلك في بلدان الخليج العربي. الاعتبار الرابعوالأخير هو أننا حينما نناقش مسألة القبيلة فإنما نهتم هنا فقط بالطروحات الرئيسية التي استخدمت هذا المدخل لدراسة ظواهر أشمل، وعلى رأسها الظاهرة السياسية. ونحن نفرّق هنا بين

(((سيطر هذا المضمون على الساحة رغم النقد الأنثروبولوجي الفهمي الذي وُجّه إليه.

مفهوم القبيلة بوصفه أداة للمقاربة المعرفية من جهة، ومن جهة أخرى «واقع» القبيلة بوصفه شكلً تاريخيًا من أشكال الحياة الجماعوية التي انتشرت بمامح مختلفة في جميع أنحاء العالم، وكان

له دور مهم في تمثّل الذات الجماعية، واستخدمه الفاعلون السياسيون أيديولوجيا - أو «إيديومًا»

(Idiom)  - بشكل مزدوج، أي استخدموه أداةً للهيمنة وحشد الأنصار، وإطارًا ذهنيًا - ثقافيًا يساعد

المجموعة على التماسك العام وإعادة إنتاج الذات. اعتبارًا لما تقدَّم، سينصبّ جهدنا في هذه الصفحات على محاولة إثبات أن براديغم القبيلة حجب

من المسائل المعرفية أكثر ممّا كشف، وأن التوجه نحو التخلي عنه، أو على الأقل إعادة صوغه بشكل

جديد، سيسمح باستعادة القدرة على المشاهدة بأدوات متحررة من سطوة أيديولوجيا القرابة والانتماء القبلي، حتى عندما يتعلق الأمر بما سمّاه غودلييه التطور التراجعي الذي قصد به العودة إلى الحياة

القبلية بعد أشواط من تفتيتها من طرف دول فقدت سلطتها على المجتمع.

الاستعمار وجينيالوجيا التعريف

انتهى هارت، بعد تجربة بحثية في أنثروبولوجيا الباد المغاربية أخذت منه جل وقته، إلى القول بأن مفهوم القبيلة يختلف في نهاية الأمر من باحث إلى آخر، وأن الأجدر بالباحثين استعماله بمضمون فضفاض ولين. بالنسبة إلينا، تثير هذه الخاصة مسألتين على قدر كبير من الأهمية: الأولىتتعلق بالمقاربة، وخاصة هارت تدل على أن الجهد الذي بُذل في الالتزام بالمشروع المنهجي الدوركهايمي

لم ينجح في تجاوز الدرس الأول لكتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع: وضع تعريف للقبيلة يتجاوز الأفكار الشائعة أو الخاصة، ما يجعل منها «شيئًا» قابلً للدراسة. أمّا المسألة الثانية، فتتعلق

بالتعقيد الاستثنائي الذي حظي به مفهوم القبيلة في العالم العربي؛ فمن الناحية الوصفية البسيطة، ليس هناك ما يدعو إلى تعقيد حالة القبيلة العربية التي يمكن أن نتعرف إلى الكثير من مامحها الأساسية باستخدام التعريف التقليدي العام الذي وضعه لها مؤسسو الأنثروبولوجيا الأوائل: مجموعة من السكان تجمع بينهم عاقات قرابة دموية (حقيقية أو وهمية) ذات استحقاقات متعددة ويعيشون متجاورين ويتكلمون اللغة نفسها ويشتركون في ملْكية العناصر الأساسية لإنتاج (الماء والمرعى والأمن)، بقطع النظر عن تنقّلهم في الفضاء من عدمه، ويمارسون عادات وتقاليد ثقافية ملزمة تجسّد

الانتماء والاتحاد وتقوّيهما، ويتشبثون بفكرة العدالة والمساواة بين الجميع رغم أن ذلك لم يمنع من

(((انظر التعريف الإمبريقي الذي يقدمه هارت للقبيلة في المغرب محاول التخلص من التعريف الذي صاغه المستعمرون

David M. Hart, Tribe and Society in Rural Morocco (London; New York: Routledge, 2000), chap. 1.:الإسبان. انظر

(((استعمل غودلييه مفهوم المجتمع لتعريف القبيلة، انظر: Maurice Godelier, «À propos des concepts de tribu, ethnie

et État. Formes et fonctions du pouvoir politique,» dans: Hosham Dawod, dir., Tribus et pouvoirs en terre d’Islam , Sociétales (Paris: A. Colin, 2004), pp. 287-304.

(((مفهوم البراديغم، كما عرّف به توماس كون، أوسع كثيرًا ممّا نعنيه، ولذلك نحصره هنا في الحقل الأنثروبولوجي الخاص بالعالم

العربي وما تراكم فيه من دراسات دخلت إلى الظاهرة السياسية من باب القبيلة.

(5) Godelier, «À propos des concepts de tribu». (6) Hart, Tribe and Society , Introduction.

وجود هرمية اجتماعية داخلية، ولا يعرفون تمركزًا داخليًا حادًا للسلطة يول د المؤسسات البيروقراطية

القهرية، ويديرون شؤونهم الجماعية عبر مؤسسات محلية باستقال نسبي أو كامل، بحسب الانتماء إلى منظومة سياسية أشمل - مركزها الدولة - من عدمه. مع ذلك، فإن الدراسات التي أُجريت على الحالة العربية، في سياق الاستعمار ثم بعد ذلك في سياق السياسات التنموية للدولة المستقلة، شاهدت هذه العناصر وتجاوزتها كثيرًا، ولم تكن لتتوقف عندها

إلا من أجل التفكير في مسائل أشمل وأوسع وذات عاقة بالسلطة والدولة. وعندما تحولت القبيلة إلى وحدة تفسير أو فهم للظاهرة السياسية، بما ترتب عن ذلك من سياسات تهدف إلى تفكيك ما يسمّى القبيلة أو دعمه، تحولت هذه الأخيرة إلى «ظل»، على حد قول فيشر في دراسته حالة هنود

وادي كولومبيا في أميركا. يمكننا بدء معالجة كيفية تشكّل هذه المسألة بالتوقف قليلً عند هذا السؤال الذي لا يُطرح كثيرًا خال

تناول الموضوع في الحالة العربية: بما أن ما أخرج القبيلة في العالم العربي من عمومية الظاهرة على المستوى الكوني هو عاقتها المميزة بالدولة، فهل كانت النخبة السياسية في فترة ما قبل الاستعمار تستخدم فكرة القبيلة - بالمعنى الذي صارت إليه لاحقًا - في تمثّل القضايا السياسية التي تواجهها، وتحديدًا عندما كان الأمر يتعلق بالتعامل مع الانتفاضات التي تجري ضدها هنا وهناك، أو عندما تكون منهمكة في بناء أو إعادة بناء شبكة الأحاف - الزبائن في تلك المناطق؟ وهل كانت المجموعات القبلية تتمثّل نفسها كوحدات متجانسة ذات أهداف سياسية جماعية؟ غني عن القول أن التجارب المحلية للدولة في العالم العربي تختلف باختاف مسارات تشكُّل نخبها ومؤسساتها السياسية وتاريخها الاستعماري، وأن التعميم لا يمكن أن يحيل هنا إلا إلى مبادئ أو إلى ديناميات عامة تبدو متماثلة هنا وهناك عندما يُنظر إليها من منظار التاريخ الطويل المدى. ومن

هذا الباب يمكننا زعم أن القبيلة لن تشكل أي وحدة تفسيرية عند ابن خلدون، ولم يرَ فيها مطلقًا

الإطار الحقيقي الذي يجري فيه الفعل السياسي، منبّهًا إلى أن العصبية والرئاسة والدعوة الدينية،

بما هي تجاوز للقبيلة على المستويين الأفقي والعمودي، هي المركّب المحوري العملي والأخاقي للنشاط السياسي، وهو ما يسمح بالقول إن مفهوم القبيلة، بالمعنى الذي أصبح اليوم متنازَعًا في شأنه أنثروبولوجيًا وسياسيًا، كان إلى حد ما غريبًا عن الدولة في العالم العربي قبل الاستعمار، وهذا في حد

ذاته يثير مشكات كثيرة تتعلق بتاريخ المفهوم وبفعل التجربة فيه وبفعله هو في التجربة.

Pierre Bonte, «Tribu,» dans: Pierre Bonte et Michel Izard, dirs., Dictionnaire de l’ethnologie et de انظر:(((l’anthropologie (Paris: Presses universitaires de France, 1991), pp. 720-721, et André Béteille, «A propos du concept de tribu,» Revue Internationale des Sciences Sociales (Paris), vol. 32, no. 4 (1980), pp. 889-892. (8) Andrew H. Fisher, Shadow Tribe: The Making of Columbia River Indian Identity , Emil and Kathleen Sick Lec- ture-Book Series in Western History and Biography (Seattle: Center for the Study of the Pacific Northwest; University of Washington Press, 2010).

(((هناك اختافات مهمة في تاريخ تشك ل الدولة في المغرب والمشرق العربيين. وقد ترتب عن ذلك عاقات مختلفة بين المجموعات القبلية والدولة، من أهم عناصرها العاقة بالدولة العثمانية، ثم العاقة بريع البترول في القرن العشرين.

هناك ثاثة أسباب على الأقل لهذه الظاهرة، بحسب رأينا. السبب الأولهو أن دولة ما قبل الاستعمار، خاصة قبل منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن لمجال سلطتها تعريف «ترابي» Territory) (واضح (إلا في بعض الحالات، منها الحالتان المصرية والتونسية) يتمدد ويتقلص بحسب حركة السكان في الفضاء - ولا سيما البدو منهم - وبحالة عاقة الموالاة التي تجمعها ببعض المجتمعات المحلية الأخرى. وهذا ما لم يكن يسمح لها بتمثّل كامل لمجالها الترابي على أنه مكوَّن من وحدات اجتماعية محلية يمكن

السيطرة عليها بشكل أو بآخر عبر التحكم في أراضيها ومائها وأمنها وجبايتها. لذلك، كان الامتداد الترابي

لسلطة الدولة مرتبطًا بنوع العاقات التي تربطها بقيادات مجموعات البدو والفاحين، خاصة في المناطق البعيدة نسبيًا عن مركز السلطة، أكثر منه بالأرض: يقول المثل الليبي «الدولة أرض والعرب طيور». السبب الثاني، وهو ذو عاقة وطيدة بالأول، يتمثّل في أن سلطة الدولة على المجال الذي تعي أنه

يشكّل مجال نفوذها كانت تخضع لحالة الروابط الزبونية التي تنسجها مع الأعيان المتنفذين في الأرياف. ولأن هؤلاء الأعيان على اختاف أشكالهم (بدو محاربون، جبليون شبه منعزلين، سكان واحات بعيدون في الصحراء، شيوخ طرق صوفية مستقلون في التخوم...) يشكّلون في الواقع مراكز جذب وهيمنة محلية لعائات - سالات تبسط بطرق مختلفة نفوذها السياسي والمالي والأيديولوجي على خليط من المكونات الاجتماعية القرابية والعرقية، وأحيانًا حتى المذهبية، تشترك معهم في ما يسمّيه الحمودي «إيديوم» القرابة، فإن الدولة لا ترى نسيجها السكاني السياسي إلا من خال

هؤلاء (تتعامل معهم في الجباية وغيرها). لذلك، فإن تصنيفاتها ومعلوماتها عن السكان تمر عبر

((1(انظر: فاطمة بن سليمان، «إيالة تونس بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر: نشأة المجال،» اطروحة دكتوراه غير منشورة

(جامعة تونس، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 0042)؛ J. C. Wilkinson, «Nomadic Territory as a Factor in Defining Arabia’s Boundaries,» in: Martha Mundy and Basim Musallam, eds., The Transformation of Nomadic Society in the Arab East (Cambridge, UK: New York: Cambridge University Press, 2000), pp. 44-62, and Sara Pursley, «‘Lines Drawn on an Empty Map’: Iraq’s Borders and the Legend of the Artificial State,» (Part 1) and (Part 2), Jadaliyya , 2-3/6/2015, on the Web resp.: <http://www.jadaliyya.com/pages/index/21759/lines-drawn-on-an-empty-map_iraq%​E​2​ %​80%99s-borders-and-the>, and <http://www.jadaliyya.com/pages/index/21780/lines-drawn-on-an-empty-map_iraq%​ E2%80%99s-borders-and-the> (Accessed 25/12/2015). Wilkinson, «Nomadic Territory,» and Mouldi Lahmar, «Libyens et (1(انظر بالنسبة إلى ليبيا وبعض بلدان المشرق:(Italiens en Tripolitaine (1911-1928). Quels territoires d’allégeance politique?,» dans: Abdelhamid Hénia, dir., Être notable au Maghreb: Dynamique des configurations notabiliaires , connaissance du Maghreb (Paris: Maisonneuve et Larose; [Tunis]: Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 2006), pp. 121-138.

((1(عبد الله الحمودي، «المقاربات المعرفية لتلبسات القبيلة: إعادة النظر في حالة المغرب - المشرق»، بصدد النشر لاحقًا في

مجلة عمران. ((1(كان التحدي الأكبر أمام الدول التي خاضت إصاحات القرن التاسع عشر بقوة، كما تدل على ذلك التجربتان التونسية

والليبية وغيرهما، هو الوصول إلى العائات، وفي النهاية إلى الأفراد. انظر: المولدي الأحمر، الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في

ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 87 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

0092)، الفصل 1، و Le Frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l’individu en Tunisie A. Henia, (Tunis: L’Or du temps, 2015).

انظر بالنسبة إلى سورية وباد الشام عمومًا: محمد جمال باروت، التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات

التحول من البدونة إلى العمران الحضري (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 0132)، ووجيه

كوثراني، باد الشام: السكان، الاقتصاد والسياسة الفرنسية في مطلع القرن العشرين، قراءة في الوثائق، ط 2 (بيروت: معهد الإنماء العربي،.)1984

أسماء هذه العائات - السالات التي غالبًا ما تنجح فترةً ممتدة نسبيًا في الزمن - وغالبًا بمساعدة

الدولة - في ربط اسمها وسمعتها وشهرتها بالشارة الاسمية للقبيلة التي ينتسب إليها السكان الواقعون في دائرة نفوذها، والتي تعمل هي جاهدة على إعادة إنتاجها. ومن ثم، فإن الدولة لا تتمثّل السكان على

أساس أنهم يشكّلون وحدات قرابية  - سياسية متجانسة وملتحمة تنتشر على رقعة من الأرض معروفة عمومًا، وتتصرف في مواجه الخارج ككتلة واحدة، كما ستقول بذلك لاحقًا النظرية الأنثروبولوجية،

بل على أساس أنهم يشكّلون فسيفساء من المجموعات  - غير المنعزلة بعضها عن بعض - ترأس كل منها عائلة - سالة. ويمكن حجم هذه المجموعات أن يتوسع أو أن يتقلص في ظروف محددة عند تنشيط ديناميات التاحم أو الانفصال بين الكتل التي تتكون منها، سواء كان ذلك بالتحريض من الداخل أو من الخارج. السبب الثالث هو أنه لم يكن لدى الدولة قبل الاستعمارية، وخاصة قبل إصاحات النصف الثاني من القرن التاسع عشر (نستثني الحالة المصرية زمن محمد علي ولكن نحصرها في العاقة المكثفة بفاحي النيل)، فكرة التنمية التي تُحوّل المجموعات المحلية إلى موضوع فعل سياسي - اقتصادي يستهدف

بشكل واعٍ التغيير المادي والذهني لهذه المجموعات ضمن فكرة التقدم والرقي، كما سيحدث ذلك

لاحقًا. لذلك، فإن أوضح تمثّل لهذه المجموعات تقوم به الدولة هو اعتبارها وحدات جبائية، مُستغِلة

في ذلك سلطة المتنفذين المحليين على أعضائها (وهي سلطة تفتقد الديمومة والتراتبية الثابتة)، وشعور الانتماء الذي يربط هؤلاء بعضهم ببعض عبر آليات التبادل ومبدأ القرابة ومقتضيات الجيرة والحماية والاقتصاد.. وغيرها. بطبيعة الحال لا يمكن مشاهدة هذه الوقائع التاريخية على أنها ثابتة، فهي كانت تتطور بتطور عاقة الدولة بالمجموعات المحلية، لكن الافت في هذا السياق الاجتماعي - السياسي والذهني والتكنولوجي هو أنه لم يكن لهذه الدول خرائط طوبوغرافية وبشرية (مثلما سيحدث ذلك لاحقًا)، يجري من خالها التعريف بالسكان جغرافيًا وطوبوغرافيًا وديموغرافيًا، وتحديد مامحهم

الأنثروبولوجية من منظور تصنيفي وضعي يثبت خصائصهم الحقيقية أو المتخيلة في ذاكرة بيروقراطية دقيقة تتخذها الدولة مرجعية في التعامل معهم. ومن ثم، فإن مفهوم القبيلة، كما ستُعرف

به الدراسات الاستعمارية الاحقة، لم يكن متداولً عند النخبة السياسية القديمة التي كلما أرادت توصيف حالة مجموعة ما تستعمل كلمة القبيلة أو العشيرة (بحسب التقليد المحلي) بصيغة الجمع غالبًا، ومن دون تمييز واضح بين مكوّناتها، أو تسمّيها - في الباد المغاربية - باسم جدّها المفترض

(أولاد فان)، أو حتى تنسبها إلى شيخها (إخوة الشيخ فان)، أو ما يقابل ذلك. وهذا رغم أن

((1(الأنثروبولوجيا المغاربية ثرية بالمقترحات النظرية وبالشواهد الإمبريقية بشأن هذا الموضوع، وسنعود إلى ذلك. بالنسبة إلى الوصف الإمبريقي «الخام»، انظر، على سبيل المثال، وصف سبتيل لمجلس عبد الجليل سيف النصر في ليبيا سنة:1842

E. Subtil, «Histoire d’Abd el Gelil, sultan du Fezzan assassiné en 1842,» Revue de l’Orient , vol. 5 (1844), pp. 3-30.

انظر أيضًا وصف فريدريك وليمسون لاجتماعات شمّر بالعراق في بدايات القرن العشرين: توماس فريدريك وليمسون،

التاريخ السياسي لشمر الجربا قبيلة من الجزيرة 1958 - (1800)، ترجمة جوزيف نادر بولص (عمان؛ بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع،.)2010

المقصود هو تشكيلة من السكان تنضوي إلى الشارة الاسمية القبلية أو العشائرية نفسها، والمعروفة بها بشكل عام. كيف إذن تشكّلت القبيلة في العالم العربي بالمعنى الذي ستترسخ به في الدراسات الأنثروبولوجية؟ وما الذي ترتب عن ذلك على مستوى تحليل الظاهرة السياسية؟ هناك عنصران أساسيان أديا، في رأينا، دورًا كبير الأهمية في الانتقال بالقبيلة من الوجود الذي تؤكده أيديولوجيا

القرابة والانتساب والحياة المحلية الجماعوية، ويكرسه بشكل تنافسي - تصارعي (بالمعنى الذي

يعطيه مارسيل موس لهذه العبارة) النشاطُ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمتنفذين فيها، إلى التعريف الوضعي الذي سيحوّل القبيلة إلى وحدة بشرية لها حدودها في الزمان والمكان، ولها

مكوّناتها العضوية التي تجعل منها كتلة واحدة تتفاعل داخلها الأجزاء وفق منطق وظيفي - بنيوي

ملزم للجميع. العنصر الأولارتبط بالنشاط الاستعماري الذي خضعت له المجتمعات العربية، وبأسئلته ذات العاقة المباشرة بأهدافه. ويتعلق الأمر هنا بالسؤالين الرئيسيين اللذين طرحهما المستعمر على نفسه وعلى السكان المحليين حال وصوله: ما هي القوى المقاوِمة لاحتال وما هي خصائصها الاجتماعية والثقافية، وفي حالات مشرقية مع من ينبغي التفاوض والتفاهم؟ ثم من يملك الأرض؟ الجواب عن السؤال الأول ترتب عليه وضع مصنّفات لجميع المجموعات السكانية

المحلية تحت عناوين القبيلة والطريقة الصوفية والعِرق والمذهب؛ إذ إن قسمًا كبيرًا من

المقاومة المسلحة المتوسطة أو الطويلة المدى خاضته مجموعات بدوية أو قروية تاحمت مكوّناتها السالية - كما هو في تقليدها الحربي الدفاعي - تحت شارات اسمية مختلفة. أمّا

السؤالالثاني، فإن الجواب عنه كان تثبيت مصنّفات لملْكية الأرض، بالاعتماد، أحيانًا، على قراءات قانونية وحتى فقهية موجهة ومغلوطة، استخدمها المستعمر لينتزع بها من أيدي السكان

(1((راجع: الأحمر، الجذور الاجتماعية، الفصل 5، وعبد الحميد هنية، «الوسط الغربي للباد التونسية في خضم التغيرات الناجمة عن مظاهر تحديث الدولة خال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر،» في: مجموعة مؤلفين (إشراف المولدي الأحمر)،

الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 0142)، ص 45 -.87

((1(بالنسبة إلى سؤال التفاوض، انظر: James Onley and Sulayman Khalaf, «Shaikhly Authority in the Pre-oil Gulf: An Historical-Anthropological Study,» History and Anthropology , vol. 17, no. 3 (2006), pp. 189-208.

(1((انظر: هنريكو دي أغسطيني، سكان ليبيا: القسم الخاص بطرابلس الغرب، تعريب وتقديم خليفة محمد التليسي (بيروت: دار

الثقافة، 1975)؛ باروت، التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية؛ كوثراني، باد الشام؛ Octave Depont et Xavier Coppolani,

Les Confréries religieuses musulmanes (Alger: A. Jourdan, 1897); Louis Rinn, Marabouts et khouan: Etude sur l’islam en Algérie: avec une carte indiquant la marche, la situation et l’importance des ordres religieux musulmans (Alger: A. Jourdan, 1884), et Protectorat français, Secrétariat général du Gouvernement tunisien, Nomenclature et répartition des tribus de Tunisie (Chalon-sur-Saône: imp. de E. Bertrand, 1900). Didier Guignard, «Le Sénatus-consulte de 1863: La Dislocation programmée de la société rurale algérienne,» (1(انظر:(dans: Abderrahmane Bouchène [et al.], dirs., Histoire de l’Algérie à la période coloniale: 1830-1962 , postface de Tahar Khalfoune et Gilbert Meynier, la découverte-poche. Essais (Paris: La Découverte, 2014), pp. 76-81, et Mouldi Lahmar, Du mouton à l’olivier: Essai sur les mutations de la vie rurale maghrébine , horizon maghrébin (Tunis: Cérès productions, 1994).

الأصليين - بعدما هزمهم عسكريًا وجردهم من ساحهم - أكثر أراضيهم خصوبة. هكذا، وفي

غضون بضعة عقود، برزت في البلدان التي تعرضت أكثر من غيرها إلى مثل هذه التحولات مامح جديدة لتوزُّع السكان في الفضاء، تحكمت فيها سياسة انتزاع الأراضي، وتوسع انتشار مفهوم الملْكية وقانونها بمضمونه الروماني، وسياسة توطين البدو، واكتساب إدارة السجات والمحاكم العقارية مرجعية الحسم في بيع العقارات وشرائها. من ثم، فإنه في حين بدأت أواصر التاحم والترابط الاقتصادي والأمني بين المكوّنات التقليدية للمجموعات القبلية الأوسع تتاشى وتفقد

موضوعها (الغزو، الحماية، الملْكية الجماعية للمراعي والمياه، التنقل في الفضاء...)، بدأت نخبها السياسية البارزة تأخذ مسافة من كثير من الممارسات الاقتصادية الثقافية لقبائلها (الغزو مثا)، وانتقل القسم الأكبر منها للعيش في المدن، وبرزت على الخارطة الجغرافية مجموعات ترابية جديدة مستقرة وفاقدة مقومات الفعل السياسي التقليدية، وباعدت بينها فضائيًا الملْكيات

الاستعمارية الكبرى، وفرّقت بين أعضائها الملْكية العائلية أو الفردية الخاصة لأرض، ولكن

جمعتها الذاكرة الجماعية والممارسات الثقافية المحلية، وبعض المصالح العامة التي لا تختلف عن مصالح أي جماعة محلية. في السياق نفسه، ساعدت دراسات المجموعات الإثنية والثقافية الريفية على إبراز خصائص هذه الأخيرة، لا بوصفها مجتمعات محلية، كما سيفعل لاحقًا علم الاجتماع الريفي في جميع أنحاء العالم، بل بوصفها قبائل تغذي مواصفاتها الفكرة السياسية التي نحتها لها المستعمر. وقد ترتب عن هذه التحولات ظهور مفهوم جديد في العقود الأخيرة راحت الدولة المستقلة تستخدمه لتصنيف هذه المجموعات القرابية القديمة، بشكل رسمي ولكن غامض، وهو مفهوم «الجماعات المحلية». العنصر الثانيسياسي، ويتعلق الأمر هنا بتمثّل المستعمر لحالة الدولة في سياق مشروعه الاستعماري في المنطقة، وما كان لذلك من عاقة بموضوع القبيلة. وكان السؤال الرئيسي لاستعمار: هل ثمة دولة، بالمعنى الإثنو - مركزي الأوروبي للمفهوم، سابقة على وصوله (أي الاستعمار) إلى مناطق نفوذه الجديدة؟ من الناحية الإجرائية، اختلفت أجوبة المستعمر من إنكار ذلك جملة وتفصيلً، مع ما ترتب عليه من تدمير للمؤسسات السياسية المحلية ومن استيطان وضم للبلدان التي احتلها إلى مجاله الترابي الوطني الخاص (الجزائر وليبيا، وفي ما بعد فلسطين)، إلى اعتراف بالهياكل الموجودة ولكن على أساس أنها بدائية وفاشلة في بناء الحضارة، مع ما ترتب عن ذلك من إرساء لنظام حماية اختلفت طرق تكريسه بين الدول المستعمرة، بحسب أهدافها وتجاربها وتوقيت وصولها إلى المنطقة (تونس والمغرب وأغلب البلدان المشرقية).

(19) Robert Redfield, Peasant Society and Culture; an Anthropological Approach to Civilization (Chicago: University of Chicago Press, 1956), and Henri Mendras, Sociétés paysannes: Eléments pour une théorie de la paysannerie , collec- tion U. Série sociologie (Paris: A. Colin, 1976).

(2((هذا المفهوم جديد في التقليد المغاربي، ومنقول تقريبًا عن الإدارة الفرنسية التي تستعمل اليوم مفهوم les Collectivités

locales/les communautés locales، وهو ما لا يستقيم تمامًا مع مفهوم الجماعات المحلية. وهناك أيضًا مشكل الترجمة بالنسبة

إلى الجماعات القروية.

ما عاقة هذا بالقبيلة؟ في الواقع، كان لتجاهل وجود دولة ما قبل استعمارية (اضطر في ما بعد كثير من المؤرخين وعلماء الاجتماع العرب إلى الرد على هذا الادعاء) عاقة وطيدة بتمثّل الاستعمار عاقة القبيلة بالسياسة، وبالسلطة عمومًا؛ ذلك أن وضع خارطة للقبائل ولأماكن

وجودها ولتاريخها الخاص بحسب سجات الضرائب والروايات الشفوية المختلفة، وكذا

الأمر بالنسبة إلى الطرق الصوفية ومراكزها وخطوط التواصل بينها، ثم دراستها وحداتٍ مستقلة تقوم على روابط القرابة والجيرة والمذهب والطريقة الصوفية والتاريخ المستقل، من دون مزجٍ لجميع عناصر التركيبة وفق مقاربة ماكروسوسيولوجية - تاريخية، ترتب عليه تصور للدولة وكأنها جسم خارجي، تعمل القبائل - التي لا تقبل بصفة متأصلة تمركز السلطة بحسب هذه الدراسات - على مقاومته ورفضه (مونتاني، بريتشارد)، فتبلورت من خال ذلك نظرية السيبة والمخزن والنظرية الانقسامية.. وغير ذلك. وقد قامت الدولة الاستعمارية في البلدان التي فرضت عليها سلطتها، تارة بمحاولة تحطيم «الأجسام» القبلية وإخضاعها للدولة الجديدة، وتارة

أُخرى بمحاولة استغال خصوصياتها تلك في تقسيم السكان والسيطرة عليهم. خال ذلك، بدت القبائل في الصورة بمثابة الكيانات الاجتماعية المتجانسة التي يتصرف كلٌّ منها سياسيًا

بشكل متحد عبر شيوخ أو رؤساء يمثّلونها ويتكلمون باسمها من دون نزاعات، ويعملون على تحقيق مصالحها. حصيلة ذلك أن ثاثة أشياء ترسخت في الأذهان والممارسات: - تحولت القبيلة إلى شيء، بالمعنى الدوركهايمي للكلمة، من خال التاريخ الفكري والعملي الاستعماري. ولم يؤثر كثيرًا نص بيرك الشهير بشأن القبيلة الشمال الأفريقية في هذا التصور، لأنه لم

يوضح كيف يمكن استخدام مقولة «الشارة الاسمية» في دراسة عاقة القبيلة، وفق الصفة التي قدمها بها، بالظاهرة السياسية الاستعمارية. - أصبحت قراءة تاريخ المنطقة الاجتماعي والسياسي غير ممكنة إلا باستحضارٍ مكثّف لهذا «الشيء»، مع إمكانية سحب وجوده على الماضي. وهكذا، فقدَ المفهوم عاقته بتعريفه الأنثروبولوجي الأوّلي،

2(((محمد عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي، مشروع إستشراف مستقبل الوطن العربي. محور المجتمع

والدولة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)؛ نزيه نصيف الأيّوبي، الدولة المركزيّة في مصر، مشروع استشراف مستقبل

الوطن العربي. محور المجتمع والدولة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1989)، و L’Histoire du Abdallah Laroui,

Maghreb: Un essai de synthèse , fondations; 32, nouvelle éd. (Paris: F. Maspero, 1982).

(((2 انظر النقد الذي يوجهه خلدون حسن النقيب لدراسات الجزيرة العربية التي تركز على الأجزاء من دون مشاهدة الكل:

خلدون حسن النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (من منظور مختلف)، مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي. محور المجتمع والدولة، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1989 (2((انظر بحث جاك بيرك حول القبيلة في شمال أفريقيا، وكذلك حول مجتمع سكساوة: Jacques Berque: «Qu’est-ce qu’une

tribu nord-africaine?,» dans: Éventail de l›histoire vivante: Hommage à Lucien Febvre, offert par l›amitié d›historiens, linguistes, géographes, économistes, sociologues, ethnologues , présence de Lucien Febvre par Fernand Braudel, 2 vols. (Paris: A. Colin, 1953), pp. 261-271, et Structures sociales du Haut-Atlas , sociologie d’aujourd’hui, 2eme éd. revue et augmentée (Paris: Presses universitaires de France, 1978).

وأصبح لزامًا على كل مؤرخ أو جغرافي أو أنثروبولوجي أن يرسم خارطة قبلية لباده أو للمنطقة التي

يدرسها حتى يستطيع كتابة التاريخ أو دراسة الفضاء أو الثقافة. - تأكد هذا التصور خال دراسة الأزمات السياسية لدولة الاستقال، حيث تستحوذ، في أحيان كثيرة، الروابط القرابية والإثنية والمذهبية على عملية المشاهدة، وذلك على حساب القيمة التفسيرية للروابط الاجتماعية الأخرى، القديم منها والجديد.

التحولات الكبرى وحجاب القبيلة

لكي نقدّر ثقل هذا الإرث على النقاش الذي دار بشأن استخدامات مفهوم القبيلة في دراسة حالة المغرب والمشرق، نود هنا - ولو باختصار شديد - عرض مرتكزات أهم تيارين شغا الساحة الأنثروبولوجية العربية، بتركيزهما على القبيلة، ولقي ما لقياه من تأييد أو نقد وتشكيك، وذلك من أجل محاولة استكشاف توجهات جديدة في البحث ربما تفتح الطريق نحو التحرر من وطأة هذا الإرث. من الطروحات الكاسيكية الأولى التي اشتغلت بمفهوم القبيلة المقاربة الانقسامية التي طورها إفنس بريتشر نظريًا، رغم أنه مسبوق برواد أوائل وصفوا المجتمعات المغاربية ودرسوها بإسهاب في أول

لقاءاتهم بها، واستند بعضهم إلى الإرث الدوركهايمي. لن نتوسع في هذا المكان في النقد الذي واجهته مقاربة بريتشر، ومقاربة غيلنر الذي سار على دربه لاحقًا، في ما يخص فرضيتهما القائلة بأن البنية القبلية هي أساس المجتمع الانقسامي، وبأن هذا المجتمع يقاوم الدولة ويقلل من تمركز السلطة على المستوى الداخلي، ويعتمد الوسطاء الدينيين في إدارة الصراعات. وكما هو معروف، أثار النقد الذي تعرضت له هذه المقاربة مسألة صعوبة المرور إمبريقيًا من مفهوم القبيلة، المُؤسَّس هنا على

النسب وتفرعاته الانقسامية التي تأخذ شكل فروع الشجرة المقلوبة، إلى واقع المجموعات المحلية الذي يصعب اختزاله في ما تحيل إليه تفصيات تصنيفية مثل القبيلة والفخذ والبطن والفرقة والحمولة والسالة - بحسب مستويات المشاهدة والمفردات المستخدمة في كل منطقة؛ فالقرابة الدموية ليست دائمًا هي أساس هذه الوحدات، والتحالف والانقسام لا يقومان دائمًا على أساس المواقع في سلسلة

النسب الحقيقي أو المزعوم وتفرعاته، والمجتمع القبلي ليس مجتمعًا خاليًا من التراتبية بجميع

أشكالها، بل حتى المجال الترابي لا يتقاطع بالضرورة مع القبيلة، ليس فقط لأن بعض القبليين يتنقل في الفضاء، بل أيضًا لأن الانتشار الفضائي للمجموعات السكانية التي تحمل الشارة الاسمية نفسها، بالمعنى الذي يعطيه بيرك للعبارة، يتجاوز في بعض الأحيان حدود الدول وأنماط العيش.

(((2 نقل واتربري المشاهدة الانقسامية من الأرياف والقبائل إلى المدن والمنظمات المدنية الجديدة: Le John Waterbury,

Commandeur des croyants: La Monarchie marocaine et son élite , traduit et adapté de l’anglais par Catherine Aubin, pays d’outre-mer. 1 série. Études d’outre-mer; 11 (Paris: Presses universitaires de France, 1975). (25) Lucette Valensi, «Le Maghreb vu du Centre: Sa place dans l’école sociologique française,» dans: Jean-Claude Vatin [et al.], Connaissances du Maghreb: Sciences sociales et colonisation (Paris: Editions du centre national de la recherche scientifique, 1984), pp. 227-244. Berque, «Qu’est-ce qu’une tribu,» et Abdallah Hammoudi, «Segmentarité, stratification sociale, pouvoir انظر:(2((politique et sainteté: Réflexions sur les thèses de E. Gellner,» Hesperis-Tamuda (Rabat), vol. 15 (1974), pp. 147-180.

إن ما يهمنا في هذا الطرح هو أن المؤسسَين الرئيسيَّين لهذه المقاربة لم يهتما كثيرًا بدور الدولة في

تشكُّل القبائل وتطورها السياسي الداخلي. وقد تعرضت هذه الأطروحة لنقد شديد من جهات متعددة؛

ففي الكتاب الشهير الذي نشرته مجموعة من الباحثين تحت عنوان ألم المشاهدة، اعتبر بورديو أن الفكر الاستعماري الذي اشتغل على المجتمعات المستعمَرة عمل مبدئيًا تحت سطوة «هابيتوس»

الاستعمار ذاته، بما ترتب عن ذلك من إعادة نظر في هذا الإرث وفي النتائج التي توصل إليها من

اعتمدوا عليه لاحقًا في أبحاثهم. وقد وضَّح هارت في المغرب - بعد تخلّيه عن المقاربة الانقسامية - كيف أن لمقتضيات المواسم الفاحية (أي الاقتصاد) دورًا في وضع حد للحروب القبلية أكبر من الدور

الذي يعطيه غيلنر للصلحاء في هذا الشأن. وشرح بيترز كيف أن الزوايا السنوسية في برقة لا تنشأ بالضرورة في المساحات المحايدة بين القبائل، وإنما تتبع خارطة العائات المتنفذة في المنطقة. ومن هذا الباب تحديدًا، تحدى ميزون أيضًا أطروحة بريتشارد بشأن السنوسية، عندما بيّن أن هذا الأخير

اشتغل على برقة كما لو كانت من دون تاريخ سياسي تراكمي قبل تطور نفوذ السنوسية فيها، في حين أن هناك زعماء محليين في هذه المنطقة عرفوا الثروة والجاه والسلطة، وتحولوا إلى وسطاء بين السكان المحليين والدولة، بمساعدة من هذه الأخيرة، ثم خسروا قوّتهم وثرواتهم بفعل الدولة أيضًا. ثم بيّن

أن لبرقة تاريخًا سياسيًا غير الذي ولّده بريتشارد من نظريته الانقسامية، وقوامه مراكمة وسائل القوة

والهيمنة على المستوى المحلي بوسائل محلية مرتبطة بعاقات العمل والتجارة ورؤوس الأموال غير المادية، وضمن دينامية تفاعل مكثّفة مع الدولة. معنى هذا أن دينامية الفعل الاجتماعي والسياسي

داخل المجموعة القبلية لا تتطابق مع المقتضيات المفترضة لبنية القرابة وديناميتها الانقسامية المتأصلة فيها، على حد زعم أصحابها، بل تخضع في الواقع لروابط أخرى لها عاقة قوية بإدارة الشؤون اليومية للجيران والأقرباء والزبائن والشركاء والأجراء والفاحين والمنافسين والأعداء. كما أننا نعرف أن له انعكاسات خطيرة على القيمة المنهجية لمفهوم القبيلة بمضمونه الانقسامي عندما يتعلق الأمر بتفسير الظاهرة السياسية وفهمها. رغم هذا النقد كله الموجَّه إلى بريتشارد، ورغم التحولات التي عرفتها

المنطقة بسبب البترول، جاء جون ديفيز إلى ليبيا في عهد معمر القذافي - بعد أكثر من أربعين سنة من بحث بريتشارد - ودرس الظاهرة السياسية من مدخل قبلي، وتحدث عن الأحاف القبلية. وفعل الشيء نفسه من بعده المنصف وناس والمنصف الجزيزي وغيرهما.

(27) Pierre Bourdieu, «Les Conditions sociales de la production sociologique, sociologie coloniale et décolonisation de la sociologie,» dans: Le Mal de voir: Ethnologie et orientalisme, politique et épistémologie, critique et autocritique: Contributions aux colloques Orientalisme, africanisme, américanisme, 9-11 Mai 1974, et Ethnologie et politique au Maghreb, 5 juin 1975 , Organisés par l’université de Paris VII, U.E.R. Didactique des disciplines, collection 10-18; 1101 (Paris: Union générale d’éditions, 1976), pp. 416-424. (28) Hart, p. 20. (29) Emrys L. Peters, The Bedouin of Cyrenaica: Studies in Personal and Corporate Power (Cambridge Studies in Social and Cultural Anthropology; Book 72) (Cambridge: Cambridge University Press, 1991). (30) Mason, J.P. «Desert Strongman in the East Lybian Sahara: A Reconstruction of Local Power in the Region of Augila Oasis,» Revue d'Hisoire Maghrébine , no. 6, 1976, pp. 180-188. (31) John Davis, Le Système libyen: Les Tribus et la revolution , trad. de l’anglais par Isabelle Richet, recherches poli- tiques (Paris: Presses universitaires de France, 1987); M. Ouennes, «Islam, elites, modernisation, et société dans la Libye contemporaine,» (Thèse, Faculté des Sciences Humaines et Sociales de Tunis (FSHST), Tunis, 2001), et Moncef Dja- ziri, État et société en Libye: Islam, politique et modernité , collection histoire et perspectives méditerranéennes (Paris: L’Harmattan, 1996).

المقترح الثانيقدمته المدرسة التأويلية في الأنثروبولوجيا التي طور كليفورد غيرتز أسسها النظرية والمنهجية استنادًا إلى الإرث الفيبري. وكتنفيذ عملي للمقترح، اشتغل ديل أيكلمان، الذي يعتمد

المقاربة نفسها، بحِرَفية عالية على مدينة أبي الجعد وريفها في المغرب الأقصى. ويشار هنا

إلى أن في برنامج أيكلمان النظري والتحليلي، لا تمثّل القبيلة واقعًا إمبريقيًا بالمفهوم الدوركهايمي

للعبارة، كما أنها لا تتطابق مع ما تحيل إليه المقاربة الانقسامية؛ فهي بالنسبة إليه تعبيرات مادية وذهنية مختلفة بحسب الفاعلين والسياق، ويمكن أن تتقاطع مجاليًا، ولكن بشكل غير مستقر

وغير واضح، مع تقسيمات إدارية، كما يمكن أن تتقاطع مع مجال نشاط جمعياتي أو حتى تنموي حكومي من دون أن تُختزل في أي منها. ويمكن أيضًا أن تُستدعى - ضمن مستويات مختلفة من دوائر التقسيم القرابي - كمرجعية ثقافية أو كهوية، بحسب السياق والمصلحة وما تفرضه ذهنيات الانتماء والانتساب. ومن ثم، فإن القبيلة لا تشكّل إطار عمل وحركة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالفعل السياسي، إلا بشكل هامي وسياقي يخضع لتأويل المواقف. من وجهة النظر، هذه فإن مقاربة أيكلمان تخلصت من التمثّل الوضعي للقبيلة ومن ميكانيكية ديناميتها الانقسامية المفترضة، فتكاد بذلك تقول إن القبيلة ربما لا تمثّل موضوعًا طريفًا للمشاهدة. بيد أن أيكلمان حافظ، بوصفه

أنثروبولوجيًا محترفًا، على القبيلة مدخا لمناقشة القضايا المعرفية والثقافية للمجتمعات الشرق

الأوسطية التي درسها، وهو ما يجعل القبيلة حاضرة دومًا في المخيلة العلمية التي تقف باستمرار

وراء صناعة الموضوعات المعرفية وما يترتب عن ذلك من إرساءٍ لتقليد ذهني في تصور الأحداث والربط بين «الوقائع». إن المشكات التي واجهتها هذه النظريات تتعلق بدراسة ما يسمّى القبيلة في حد ذاتها. لكن

المشكات التي نتحدث عنها تظهر بوضوح أكبر عندما يتعلق الأمر بعملية الانتقال من تحليل الظواهر على مستوى محلي أو ميكرو سوسيولوجي إلى مستوى أوسع يهم تجليات الظاهرة السياسية على مستوى يشمل المجتمع ككل، والدولة تحديدًا بوصفها مكثفًا للعاقات السلطوية المختلفة وذات الأصول المتعددة والدينامية المعقدة. ومن ثم، فإن قصور مفهوم القبيلة، كفرضية وكوحدة مشاهدة، لا يتجلى في افتقاده الدقة فحسب، بل كذلك في ضعف قدرته على استيعاب أمرين مهمين ذوَي

عاقة بدينامية الظاهرة السياسية: الأمر الأوليتعلق بالتحولات التي تجري في عمق المجتمع، وتمس أهم مرتكزات العاقات الاجتماعية التي تتبلور على أساسها السلطة السياسية ومواردها وثقافتها. على هذا المستوى، يمكننا أن نتوقف عند الصعوبات التي واجهها جيمس أونلي وسليمان خلف في بحثهما الذي يدور حول المشيخة

(3((كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات: مقالات مختارة، ترجمة محمد بدوي؛ مراجعة بولس وهبة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، (3((ديل إيكلمان، الإسام في المغرب، ترجمة محمد أعفيف، 2 ج (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.)1989

(34) Dale F. Eickelman, The Middle East: An Anthropological Approach , Prentice-Hall Series in Anthropology (Engle- wood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1981).

والسلطة في الخليج، عندما حاولا توضيح العاقة بين الدولة الجديدة والقبيلة بعد التحولات الكبرى التي أحدثها البترول، وتحديدًا عندما حررت موارد البترول المشيخات الحاكمة من سلطة القبائل والتجار المالية والحربية التقليدية؛ فالدولة الخليجية هي الآن - بحسب دراستهما - مستقلة بذاتها عن هذه السلطة (لها موارد خاصة وبيروقراطية جل موظفيها أجانب وقوات أمنية وحربية لا تأتمر بأوامر القبائل)، والقرارات المصيرية تؤخذ رسميًا في إطار مؤسسات جديدة ولا تصاغ في المجالس القبلية

التقليدية التي تحولت إلى دواوين. ومع ذلك، أي مع هذه التحولات الهيكلية العميقة كلها، يحافظ الباحثان على مفهوم القبيلة الذي لا يقدمان بشأنه أي تعريف، كأداة لفهم دينامية الدولة الخليجية. أمّا الأمر الثاني، فيعبّر عنه خلدون حسن النقيب بعد إذ استخلص أن الدراسات الخليجية التي ركزت

مشاهداتها على القبيلة خرجت بفكرة وحيدة مفادها أن «التنظيمات القبلية...[هي] الحقيقة الراسخة الساطعة، ومن ثم ظهور كل ما عداها في ضوء باهت يغلّف البنى الاجتماعية والاقتصادية الشائعة التي تفتقر إلى الجذور التاريخية الواضحة». والمشكلة التي يطرحها الباحث هي أنه كثيرًا ما

نظرنا إلى الحياة القبلية من الداخل، أي من دون تفحص عاقاتها الخارجية بأبعادها المختلفة، فإن الخاصة التي يمكن أن نخرج بها هي أن المجتمعات الخليجية كانت دومًا تعيش في حالة فوضى

قبلية. إن ما يهمنا في هذه الماحظة هو أنها توضح كيف أن المفاهيم التي تتبلور لدى الباحث من خال دراسة المجموعات القبلية من الداخل (القرابة، «الديمقراطية» القبلية، الانشطار، التحالف... إلخ) لا تساعد على فهم تشكيات أوسع من الظواهر مثل الظواهر السياسية. بل أكثر من ذلك، فحينما ننتقل بالمشاهدة إلى مستويات أوسع، نُدخل في حسابنا روابط جديدة لا نعطيها الأهمية التي تستحق عند دراسة المجموعات الضيقة، فإذا ما عاد الباحث وأدمجها في عُدة بحثه عند دراسة

هذه المجموعات، تتغير النتائج أحيانًا بشكل كبير؛ ذلك بأن التركيز على روابط مختلفة يمكن أن يدمج الأشياء والذهنيات نفسها في تصنيفات وقوالب تحليل جديدة تتضاءل بموجبها القيمة التفسيرية للقرابة وغيرها، أو على الأقل يجري الكشف عن عاقاتها الدفينة بعناصر أكثر تأثيرًا في دينامية

العاقات الاجتماعية. لذلك، فإنه بمجرد أن وسّع النقيب بؤرة المشاهدة، بدأت الوقائع تتبدى له

ضمن مفاهيم عدة، مثل نمط الإنتاج المركنتالي (نجد أيضًا عند سمير أمين نمط الإنتاج الريعي..)، والأرستقراطية التجارية والقبلية، ومن ثم يخلص إلى استنتاجات يقول أنها «مغايرة ومخالفة لكل الاستنتاجات التي يمكن استخاصها من الكتابات المتداولة» عن الحالة الطبيعية (يقصد بها البنى الاجتماعية - الاقتصادية) لمجتمع الجزيرة العربية قبل البترول، وهي استنتاجات لا تشتغل بمفاهيم الفوضى والتناحر والعصبيات التي تفضي إليها فكرة القبيلة. يمكننا جرد الدراسات الكاسيكية التي بمجرد أن اعتمدت أدوات مشاهدة مختلفة تبدلت «الوقائع» ذاتها، وأصبح في الإمكان مشاهدتها سوسويولوجيًا وأنثروبولوجيًا من دون حجاب القبيلة؛ ففي برقة،

((3(المصدر نفسه. ((3(النقيب، ص.22 ((3(المصدر نفسه، ص.29

حيث بحث بريتشارد في القبائل البرقاوية وعاقاتها بالسنوسية، ودرس بروشين هذه الأخيرة على

أساس أنها تعبير سياسي أعلى تولّد عن تحوّل شيوخ البدو، الذين بدأوا بالاستقرار في المنطقة، إلى

أرستقراطية تحتكر، بطرق مختلفة، موارد التجارة والرعي. وفي العراق وسورية، حيث لا يكاد أحد يرى شيئًا خارج إطار القبائل والإثنيات والمذاهب، درس حنا بطاطو ما يجري في المجتمع العراقي والريف السوري على أنه صراع على موارد العيش والمكانة الاجتماعية بين قوى تخترق الانتماءات المحلية اقتصاديًا وسياسيًا، وفعل لوترنو شيئًا مشابهًا مع فاحي المغرب، والقائمة طويلة. إن استمرار كثير من المهتمين بالشؤون العربية التفكير في الظاهرة السياسية باعتماد مفهوم القبيلة كوحدة تصنيف وكفرضية «تلقائية»، إنما ورثوا «هابيتوسًا» مزدوجًا بالمعنى الذي يعطيه

بورديو للمفهوم: الوجه الأولل«الهابيتوس» يجد أصوله في رسوخ المفهوم وفرضيته في الكم الهائل من الدراسات الأنثروبولوجية والسياسية التي درست مجتمعات العالم العربي، سواء بتأكيد الحال أو بنقضها. وهذا «الهابيتوس» تفشى في كثير من الأذهان من خال التنشئة البحثية التي تؤمّنها الجامعات ومراكز

البحث والتدريب، وولّد عددًا كبيرًا من الأسئلة انطاقًا من التمثّل الذهني والعملي للمجتمع وفق

التقليد المعرفي الذي استقر في دراسة هذه المجتمعات منذ الاستعمار. أمّا وجهه الثاني، فيجد أصوله في العاقة المزدوجة التي نشأت  - في إطار مشاريع تحديث الدولة -

بين النخب الجديدة الحاكمة بعد الاستقال وأصولها الاجتماعية؛ فمن ناحية، انخرطت هذه النخب - ولكن بشكل متفاوت هنا وهناك - في نظرية التحديث السياسي التي من مبادئها تحصين الدولة و«تحريرها» من النوازع والمؤسسات الخاصة والجماعوية، عن طريق بناء بيروقراطية قائمة على تقسيم العمل. ومن ناحية أخرى، اشتغلت هذه النخب في إطار قانوني وعملي لا يوفر للقوى الاجتماعية الصاعدة، وتحديدًا تلك التي كانت تفرزها عملية التحديث الاقتصادي والاجتماعي ذاتها، حرية النشاط السياسي والمدني المستقل. ومن ثم، عوّل بعض أعضاء هذه النخبة الوطنية - بحسب

درجة توافر حرية مثل هذا النشاط من عدمه في كل بلد - على روابط القرابة والعرق والجهة، وحتى على الطريقة الصوفية، في تدعيم مواقعه وأنشطته السياسية، وهو ما اعتبره بعض هؤلاء الأعضاء كافيًا لمشاهدة الظاهرة السياسية في إطار القبيلة.

القبيلة في الربيع العربي

إن ما نريد الوصول إليه هو أن ثقل هذا الإرث الذهني استمر في التأثير عند تناول الظواهر السياسية في المجتمعات العربية، وتوليد التحليات المتعلقة بها بشكل خافت، إلى أن قفز إلى الواجهة مؤخرًا، ومن جديد، لتحليل أحداث الربيع العربي. في رأينا أن اعتماد هذا الإرث الذهني

(3((نور الدين الزاهي، الزاوية والحزب: الإسام والسياسة في المجتمع المغربي، ط 2 (بيروت؛ الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،

003 2)، ولحسن أمزيان، ا لسلطان المحلي بين القبيلة والحزب: دراسة سوسيولوجية للسلوك السياسي لدى النخبة المحلية المغربية

(الرباط: دار الأمان، 013.)2 انظر بالنسبة إلى ليبيا: الأحمر، الجذور الاجتماعية، الفصل.8

لا يقوم على أساس خيار منهجي بقدر ما هو مرتبط بتقليد أنثروبولوجي استقر في كثير من مؤسسات التعليم والبحث الغربية، وتحول إلى آليات ضخمة - مراكز ووحدات بحث متخصصة يعيش منها وفيها كثيرون - لتوجيه أسئلة البحث بشأن المجتمعات غير الأوروبية، وهو ما عنيناه بعبارة «الهابيتوس المعرفي للقبيلة». وهكذا، فإن من يشتغل بالإرث الأنثروبولوجي لتلك المراكز والمؤسسات التعليمية لا بد له من أن يجد القبيلة إذا ما توجه إلى أفريقيا أو المنطقة العربية أو شرق آسيا، فإن لم يجدها كما وصفها المنظّرون الأوائل، يصبح «لزامًا» عليه  - وفق «هابيتوس»

المهنة - أن يبحث عن شبحها في ثنايا التحولات الضخمة التي عصفت بالمجتمعات المدروسة. من هذه الزاوية، تحولت القبيلة في بعض الدراسات إلى أهم إطار تجري فيه الأحداث السياسية الكبيرة التي تعرفها بلدان مثل تونس وليبيا واليمن وسورية، كما كانت الحال مع الأميركيين في العراق، وهذا استدعى بدوره جميع أدبيات الأنثروبولوجيا الكاسيكية التي اشتغلت على العالم العربي. نُشرت في شأن كلٍّ من سورية واليمن دراسات كثيرة تنهل كلها من هذا الإرث، ولا ترى الأحداث إلا بعين الباحث عن القبيلة أو المجادل في تطورها وقدرتها على التأقلم، وهو توجه يخفي تفاعلً أكاديميًا مع طلب سياسي وأمني، وحتى إعامي، لا تأتي أسئلته من الحقل الأكاديمي. وفي هذه

الحالات كلها، يعلن الباحثون أنهم سيدرسون عاقة القبيلة ب «الربيع العربي»، ولكنهم يقرون في الوقت ذاته بأنهم لا يملكون أي تعريف يوضحون من خاله ماذا يعني لديهم مفهوم القبيلة، وكل ما يعرضونه على القارئ هو أنه لا بد من الاقتناع بأن القبائل موجودة وفاعلة ويمكن ذكر أسمائها، ويمكن أحيانًا حتى تحديد أماكن وجودها وعدد أفرادها. لكن المثير في هذه الأبحاث هو أنها تنتهي عمليًا - وفي أغلب الأحيان - بالحديث عن عاقة

شيوخ القبائل بالدولة، سواء قبل أحداث السنوات الأخيرة أو بعدها. وهذه حال هيان دخان، على سبيل المثال، بالنسبة إلى سورية، وكذلك مريم عبابسة وأبو زيد وداون شطي وغيرهم. ولا تشذ أبحاث أخرى اختصت باليمن عن هذا المنحى، حيث تصوّر القبيلةَ كتلةً سياسية ناطقة وتحتل

مركز الاهتمام. وقد واجه الباحثون أعقد المشكات مع الحالة اليمنية، حيث ارتدّت تصنيفات

(39) Jackie Assayag, «L’Anthropologie en guerre: Les Anthropologues sont-ils tous des espions?,» L’Homme , nos. 187- 188 (2008), pp. 135-167.

(4((انظر: داون تشاتي، «القبائل والقبلية والهوية السياسية في سورية المعاصرة،» (من هذا العدد)؛ Myriam Ababsa, «La

Recomposition des allégeances tribales dans le Moyen-Euphrate syrien (1958-2007),» Etudes rurales (EHESS), no. 184 (Juillet-Décembre 2009), pp. 65-78; Haian Dukhan, «Tribes and Tribalism in the Syrian Uprising,» Syria Studies Journal , vol. 6, no. 2 (2014), pp. 1-28, and Sarkis Abu-Zayd, «The Resurgence of Arab Tribalism,» (Al-Monitor (Website), 12 September 2013), on the Web: <http://www.al-monitor.com/pulse/politics/2012/04/will-tribalism-inherit- political.html> (Accessed 15/12/2015). (41) Farea al-Muslimi, «Tribes Still Rule in Yemen,» (Al-Monitor , 10 October 2013), on the Web: <http://www. al-monitor.com/pulse/originals/2013/10/yemen-tribes-revolution-politics-saleh.html> (Accessed 12/12/2015), and Les- lie Campbell, «Yemen: The Tribal Islamists,» (Wilson Center, 2015), on the Web: <https://www.wilsoncenter.org/ye​ men-the-tribal-islamists> (Accessed 17/12/2015).

القبيلة والطائفة والمذهب والعرق على مستخدميها ليقروا بصعوبة فهم الأحداث. وعبّر عبدالله

حميد الدين عن هذا الوضع بدقة عندما اعتبر أن استخدام مفهوم القبيلة في دراسة الحالة اليمنية من دون توضيح مدلول القبيلة دفعه إلى استخدام ما سمّاه مفهوم «البنية القبلية» الذي سمح له - وفْق

رأيه - باستبعاد فكرة القبيلة كفاعل سياسي. وهنا يؤكد الكاتب أن المفاوضات السياسية القائمة منذ سنوات بين اليمنيين لا تجري أبدًا على مستوى القاعدة بل على مستوى شيوخ القبائل. ومع ذلك، فهو لا يستخلص أي استنتاج منهجي بشأن مسار بحثه الذي يعتمد فيه - مع جميع المحاذير التي يعلنها - على فكرة القبيلة. لكن المثال الليبي أكثر إثارة ربما، لأن الأفق الأكاديمي للمهتمين به ظل منغمسًا بعمق في الإرث

الأنثروبولوجي المغاربي وأطر تفكيره الكاسيكية؛ فاعتمادًا على خلفية «هابيتوس القبيلة»، لم يجد

سعيد حداد أي آلية في علم الاجتماع السياسي تفسر له سبب تخلّي بعض وزراء القذافي عنه منذ بداية الأحداث سوى فرضية الحلف القبلي، زاعمًا أن القذافي كان قد شكّل هذا الحلف من

قبائل مصراته وبني وليد والتبو ليحكم به، لكن الحلف انهار بمجرد أن أعلن سكان بنغازي العصيان، وهذا من دون اعتبار كل النقد الذي وُجّه إلى المقاربة الانقسامية التي استخدمت هذه الفكرة بحذر.

وفيما استنجد سعيد حداد بفكرة الحلف القبلي لترتيب أحداث «الثورة الليبية»، اعتبر أوليفي بليز، المتخصص بدراسة ليبيا والصحراء المغاربية، أن ليبيا ظلت دائما سجينة التعارض: شرق - غرب/ دولة - قبيلة من دون أي اعتبار لمجمل الروابط التي تبلورت بين مكونات السكان المختلفة منذ أكثر من قرن من الزمن. ووفْق المنهج ذاته، لم يستطع وناس ولاشر وتينازي وغيرهم مشاهدة المجتمع الليبي خارج فكرة القبيلة التي لم ينجح أحد منهم في الربط بينها وبين الأحداث بأدوات إمبريقية سليمة. لكي نوضح للقارئ بشيء من التفصيل كيف يمكن «هابيتوس القبيلة» أن يضلل الباحث في دراسة أحداث الربيع العربي، نعرض في ما يلي المقاربة الي تناول بها محمد نجيب بوطالب ما سمّاه

(42) Saïd Haddad, «La Sécurité, «priorité des priorités» de la transition libyenne,» L’Année du Maghreb , vol. 9 (2013), pp. 323-342. (43) Olivier Pliez, «Est-Ouest, État-tribus… La Libye ne peut-elle échapper au mode binaire?,» dans: M’hamed Oualdi, Delphien Pagès El-Karoui et Chantal Verdeil, dirs., Les Ondes de choc des révolutions arabes , contemporain publica- tions; 36 (Beyrouth; Damas: Presses de l’Ifpo, 2014), pp. 235-248.

(((4 خالد حنفي، «خرائط القوى القبلية والسياسية والجهادية في ليبيا بعد الثورة،» أوراق الشرق الأوسط، العدد 64 (أيلول /

سبتمبر 0142)، ص 51 - 55؛ Moncef Ouannes, «Composante endogène de la résurgence tribale,» pp. 255-262, et Cristiano Tinazzi, «Tribalisme, politique, guerre,» traduit de l’italien par Véronique Durkheim, pp. 263-268, Outre- Terre , no. 29, fasc. 3 (2011), and Wolfram Lacher, «Families, Tribes and Cities in the Libyan Revolution,» Middle East Policy , vol. 18, no. 4 (Winter 2011), pp. 140–154.

(((4 واجه علي بن سعد خال دراسته الحالة الليبية مشكل ضبابية مفهوم القبيلة، وامتنع من الجزم بأن ما يجري من أحداث

Ali Bensaad, «Liens primordiaux, autoritarisme et soulèvement:سياسية يمكن ترتيبه وفهمه وفق هذا المفهوم وفرضيته. انظر populaire en Libye,» dans: Michel Camau et Frédéric Vairel, dirs., Soulèvements et recompositions politiques dans le monde arabe (Montreal: Presses de l’Université de Montréal, 2014), pp. 156-178.

«الأبعاد السياسية للظاهرة القبلية في المجتمعات العربية. مقاربة سوسيولوجية للثورتين التونسية والليبية». في مستهل البحث، يقول المؤلف إن الثورتين التونسية والليبية تشكان «نموذجين معبّرين عن ظاهرة

عودة القبيلة»، مؤكدًا أن القبيلة في ليبيا تُعَد «‹معطى› [هكذا] استغله الثوار». ورغم أنه صرح بعد ذلك

بأن «البنيات الفاعلة في القبيلة [التونسية] قد عرفت تفككًا حقيقيًا»، فقد واصل تحليله من دون أي

تعريف لما يعنيه بالقبيلة في هذه المجتمعات، ومن دون أن يتمثّل منهجيًا معنى عبارة «تفككًا حقيقيًا»

التي استعملها. وتتمثّل الظاهرة التي حاول شرحها، اعتمادًا على فكرة القبيلة، في الحفاوة والكرم البالغين اللذين استقبل بهما سكان المناطق الحدودية للباد التونسية الليبيين الفارين من الحرب. وقد اعتمد نجيب بوطالب في بحثه على ما قال أنها مقابات، أجري بعضها وفْق تقنية «المجموعات البؤرية»، وكذلك سهرات ليلية وسمر مع الناس. وخلص في بحثه إلى أن السكان من الجانبين كانوا يتصرفون بحسب ما تمليه عليهم بنيتهم الاجتماعية القبلية التاريخية المستمرة في الحاضر. بما أن الباحث حرر نفسه من الحاجة إلى مفهوم دقيق لما يقصده بالقبيلة، ووضع نفسه في حماية المضمون الشائع لهذا المفهوم، من دون اعتبار للنقاش الأنثروبولوجي الدائر حول المسألة في الأبحاث المغاربية وغيرها، فقد أصبح في مقدوره أن يقرأ الاستعانة بالأقربين والتوسط بأبناء البلد، وانتشار العاقات الزبونية، وتوظيف العاقات الحميمية والتقليدية في التنافس السياسي - وهي ممارسات موجودة في جميع المدن التونسية والليبية وغيرها - على أنها المؤشرات القطعية على تصرّف الناس وفْق ما تمليه

عليهم القبيلة. ومن ثم، لم يبق له إلا الوصول - بشكل يكاد يكون حتميًا - إلى الاستنتاج التالي: إن

الاستقبال الحار الذي خص به أهل الجنوب التونسي الليبيين وسمرهم وحديثهم عن الأمجاد، يمثّل عملية إحياء واستذكار لظاهرة ما قبل استعمارية قديمة حتّمتها البنية القبلية للمجتمع اسمها «الصفوف القبلية». وحتى يؤسس المؤلف وثائقيًا لهذا التفسير، استنجد بوثيقة وردت في كتاب علي عبد اللطيف

حميدة في دراسته المتعلقة بالدولة والاستعمار في ليبيا، وتقسم الباد إلى صفوف متناحرة. وهي وثيقة عثمانية يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر وموجودة اليوم في الأرشيف الليبي، وقد اعتمدها أيضًا دي أغسطيني في وصفه العاقات بين سكان ليبيا، ونقده التليسي بشدة في هذه النقطة.

(((4 محمد نجيب بوطالب، «الأبعاد السياسية للظاهرة القبلية في المجتمعات العربية: مقاربة سوسيولوجية للثورتين التونسية

والليبية،» (دراسة، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، تشرين الأول/ أكتوبر 011.)2 نُشرت الدراسة لاحقًا في

شكل كتاب تحت عنوان: محمد نجيب بوطالب، الظواهر القبلية والجهويّة في المجتمع العربي المعاصر: دراسة مقارنة للثورتين

التونسية والليبية (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.)2012

(((4 علي عبد اللّطيف حميدة، المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية

لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار، 1830 - 1936، سلسلة أطروحات الدكتوراه (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1995

4(((دي أغسطيني، سكان ليبيا.

Mouldi Lahmar, «Italian Colonial Knowledge and Identity-Shaping in بالنسبة إلى نقد التليسي لأغسطيني راجع بحثنا: Libya: Dual Instrumentalization of Endogenous Anthropological Knowledge,» in: Franc̦ ois Pouillon and Jean-Claude Vatin, eds., After Orientalism: Critical Perspectives on Western Agency and Eastern Re-Appropriations (Boston; Leiden: Brill, 2015), pp. 188-196.

إن ما يهمنا في هذا التحليل هو أنه يبيّن كيف يمنع «هابيتوس القبيلة» الباحث، الذي لا يعتبر بعلم

الاجتماع الانعكاسي لبورديو، من مشاهدة مجمل عاقات التبادل الشاملة  - بمفهوم مارسيل موس للعبارة - وهي تتجاوز كثيرًا عاقات القرابة التي تتضاءل وظيفيًا أمامها، بل تستخدمها في بناء شبكات

تواصل وتفاعل لا تتقاطع مرجعياتها وأهدافها مع الحيّز الضيق الذي تستطيع القرابة الحقيقية أو

الوهمية توظيفه. وهكذا، فإنه بسبب تلبّس فكرة القبيلة بذهن الباحث، لم يكن في مقدوره أن ينتبه إلى

أنه يتحدث عن منطقة حدودية حتى وإن قدَّم لها على أنها كذلك، ولم يكن في مقدوره أيضًا أن يشاهد مجمل الروابط الاقتصادية والأمنية التي ارتبطت بالتهريب المتبادل للسلع، وهو نشاط يقتضي سيولة مالية غير بنكية وقائمة على الثقة المتبادلة بين الأطراف المعنية، وعلى شبكة حماية خاصة تجري بين أفراد وعائات، وأحيانًا تحت إشراف مستثمرين أقوياء، وتنخرط فيها مؤسسات أمنية وجمركية من كا البلدين في مقابل الرشوة والدعم السياسي غير الرسمي لاقتصاد الموازي. ومن ثم، لم يكن في مقدور الباحث أن يشاهد أنثروبولوجيًا ما أوجده هذا النشاط وغيره من شبكات تواصل وتقارب

وتعاون أقوى كثيرًا ممّا يُعتقد أنه وليد القبيلة. بل من الأحرى القول بأن التجارة هي التي أعادت اختراع

الذاكرة التاريخية واستثمرتها في إدارة هذا الحدث الطارئ، عن طريق حفاوة الاستقبال والكرم اليوم في مقابل ضمان تكثيف التواصل التجاري والإنساني غدًا، كما لو أننا في حضرة أرغونوت مالنوسكي في منظار مارسيل موس.

خاتمة: هل هناك مفعول رجعي لاستعادة المشاهدة من دون حجاب القبيلة؟

في البحث الذي أجراه فريق من السوسيولوجيين والمؤرخين والديموغرافيين والجغرافيين بشأن المناطق التي اندلعت منها الثورة التونسية، أثبت هؤلاء أن المجتمع المحلي للثورة كان مجتمعًا

جديدًا بامتياز، ولد في رحم الاستعمار وخال فترة ما بعد الاستقال، وله جذور مؤكدة في القرن التاسع عشر. وحينما اندلعت الأحداث في المدن الداخلية للباد، كان المنتسبون إلى المنظمة النقابية الوطنية وناشطو خايا أحزاب المعارضة (رغم ضعف هذه الأخيرة) هم من قادوا جماهير المتظاهرين الذين كانوا خارج كل تأطير حزبي. وكان معظم من تقدم الصفوف أساتذة من التعليم الثانوي ومعلمين وموظفين وطلبة وأصحاب شهادات عليا عاطلين من العمل من كا الجنسين. وكانت التظاهرات تسري في نسيج ملتهب من العاقات الاجتماعية - السياسية مثل النار في الهشيم، متّبعة خطوط روابط التبادل المهني والثقافي والسياسي لا روابط القرابة وتقسيمات السالة والقبيلة والصف. خال هذه الدراسة، شاهد الباحثون مختلف الفاعلين الاجتماعين يتفاعلون ويصنعون تمثّاهم ويحددون أهدافهم عبر الإنتاج والاستهاك والتعليم والسوق ومراكمة رؤوس الأموال والصراع على المصالح، والكل في ترابط وثيق مع الدولة. في مقابل ذلك، كانت الأبحاث التي قُدم بعضها - في تونس وليبيا

(49) Pierre Bourdieu, «L’Objectivation participante,» Actes de la recherche en sciences sociales (A.R.S.S.), no. 150 (2003), pp. 43-58.

وسورية واليمن - تلبس نظارات الأنثروبولوجيا الكاسيكية، باحثة عمّا كانت تراه هذه الأخيرة لا عمّا

هو موجود فعلً أمام أعينها. السؤال هو: هل كان التاريخ الاجتماعي للظاهرة السياسية في الباد العربية خاليًا من التعليم والسوق

ومراكمة رؤوس الأموال والصراع على المصالح، وما يتخلل ذلك كله من أوجه مختلفة للثقافة المنبثقة عنها والفاعلة فيها؟ إن كان الجواب بالنفي، هل يمكن الفصل بين القرابة ومختلف الروابط

التي تنهض على هذه الأنشطة، وما الذي يبرر منهجيًا اعتبار القرابة مولّدة للدينامية الفعلية للمجتمع

على المستوى المحلي أو الشامل؟ هناك بالتأكيد تحدٍّ منهجي بالغ التعقيد يقف أمام كل باحث يروم نقل المشاهدة من روابط القرابة إلى روابط التبادل الأوسع، وهو يتمثّل في قلة المعلومات التي يمكن الحصول عليها في ما يخص مضمون مجالات التبادل المختلفة التي تجري بين أعضاء المجموعات المحلية الصغيرة - الريفي منها والحضري - موضوع المشاهدة. لكن البحث في هذا الاتجاه يكاد يكون قدر الباحث إذا ما ابتغى إعادة تمثّل تاريخ الظاهرة السياسية ومضمونها وشكلها في جميع الأوساط التي سيطر على فهمها مفهوم القبيلة. وهذا ما حاولنا القيام به حينما اعتبرنا أن المدخل إلى دراسة الظاهرة السياسية في ليبيا منذ القرن التاسع عشر وحتى نهاية نظام معمر القذافي ليس الظاهرة القبلية بل الظاهرة الزعامية، وهو مقترح سمح لنا بإعادة الأفراد الزعماء والعائات إلى ساحة النشاط الاجتماعي - السياسي، وفتح الباب واسعًا أمام استخدام مفاهيم التبادل والسوق والصراع والمصالح

والمنافع والتأويل الأيديولوجي للقيم التي تقوم عليها الروابط الاجتماعية، ومن ثم نقل المشاهدة

من التجسدات المفترضة للتقسيمات القرابية في الأشياء والأذهان إلى تشكّل آليات صناعة السلطة والنفوذ على أساس هرمي - تصارعي، وعلى نطاق أوسع.