العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الطائفة والطائفية: من اللفظ ودلالاته المتبدّلة إلى المصطلح السوسيولوجي التحليلي

الطائفة والطائفية: من اللفظ ودلالاته المتبدّلة إلى المصطلح السوسيولوجي التحليلي

Sect and Sectarianism Polysemy: Digging in the Historical Context of the Terms and Proposing a Sociological Analytical Concept

عزمي بشارة | Azmi Bishara *

الملخّص

يحاول هذا البحث (وهو فصل في كتاب للمؤلف سيصدر قريبًا حول ظاهرة الطائفية) أن يبني التمييزات الاصطلاحية المفهومية الأساسية بين ظواهر متداخلة هي الطائفة والطائفية والمذهبية، بوصفها تمييزات ضرورية لفهم تداخلها وتمايزها في آن واحد، ويدرس ما يتعلق بها من مفاهيم أخرى؛ مثل الهوية والانتماء والطائفة والاختلاف والتعصب ... إلخ. ويحلل في هذا الإطار التطور اللغوي والدلالي المفهومي التاريخي لمصطلح الطائفية في الفكر العربي الكاسيكي، وتطور هذه الدلالات عبر مفاهيم الفرقة والطائفة والحِرفة لتعبّر عن الطرق والتجمعات الحرفية والمهنية والصوفية في الاجتماع الإسلامي، وصولًا إلى دلالة مصطلح الطائفية في المجال التداولي العربي الحديث، باعتبار الطائفية مصطلحًا حديثًا في حين أنّ الطائفة مصطلح قديم. ويحاول البحث عبر جدل نقدي مع المفاهيم السوسيولوجية الغربية الحديثة ل Sectarianism أو الفِرقيّة أن يطوّر مصطلح - مفهوم الطائفة كمصطلح سوسيولوجي تحليلي يمكّنه من تحليل تكوّن الطوائف الجديدة المتخيلة المعاصرة، وخصائصها، وتطورها.

Abstract

Abstract: This article - a chapter from the author’s upcoming book on sectarianism - attempts to build fundamental conceptual idiomatic distinctions between the intertwined meanings of the words: sect, confessionalism and sectarianism. The author explores related concepts such as identity, belonging, sect, difference, fanaticism, and others. He also analyzes the linguistic and semantic evolution of the term sectarian in classical Arab thought, as well as the evolution of the related notions of sect, confession and craft (hirfa) that reflect on the ways of craftsmen, professions and Sufi’s regroupments in the Islamic society. This will lead him to examine the actual significance of the term sectarianism ta’ifiyya used in modern Arab language - sectarianism being a modern term and sect ta’ifa an old one. By opening a debate on the modern Western sociological concepts of sectarianism or al-firqiyyah , the study attempts to develop the concept of sect ta’ifa as a sociological tool able to analyze the formation, characteristics, and evolution of the new contemporary imagined communities.

الكلمات المفتاحية:
  • الطائفة
  • الطائفية
  • المذهبية
  • الفرقة
  • التعصب
Keywords:
  • Ta’ifa
  • Sectarianism
  • Confessionalism
  • Firqa
  • Fanaticism

Sect and Sectarianism Polysemy: Digging in the

Historical Context of the Terms and Proposing a Sociological Analytical Concept

ملخص: يحاول هذا البحث (وهو فصل في كتاب للمؤلف سيصدر قريبًا حول ظاهرة الطائفية)

أن يبني التمييزات الاصطلاحية المفهومية الأساسية بين ظواهر متداخلة هي الطائفة والطائفية

والمذهبية، بوصفها تمييزات ضرورية لفهم تداخلها وتمايزها في آن واحد، ويدرس ما يتعلق

بها من مفاهيم أخرى؛ مثل الهوية والانتماء والطائفة والاخت ف والتعصب... إلخ. ويحلل

في هذا الإطار التطور اللغوي والدلالي المفهومي التاريخي لمصطلح الطائفية في الفكر

العربي الك سيكي، وتطور هذه الدلالات عبر مفاهيم الفرقة والطائفة والحِرفة لتعبّر

عن الطرق والتجمعات الحرفية والمهنية والصوفية في الاجتماع الإس مااي، وصولً إلى دلالة

مصطلح الطائفية في المجال التداولي العربي الحديث، باعتبار الطائفية مصطلحًا حديثًا في حين

أنّ الطائفة مصطلح قديم. ويحاول البحث عبر جدل نقدي مع المفاهيم السوسيولوجية الغربية

Sectarianism الحديثة ل  أو الفِرقيّة أن يطوّر مصطلح  - مفهوم الطائفة  كمصطلح سوسيولوجي

تحليلي يمكّنه من تحليل تكوّن الطوائف الجديدة المتخيلة المعاصرة، وخصائصها، وتطورها.

Abstract: This article - a chapter from the author’s upcoming book on sectarianism - attempts to build fundamental conceptual idiomatic distinctions between the intertwined meanings of the words: sect, confessionalism and sectarianism. The author explores related concepts such as identity, belonging, sect, difference, fanaticism, and others. He also analyzes the linguistic and semantic evolution of the term sectarian in classical Arab thought, as well as the evolution of the related notions of sect, confession and craft (hirfa) that reflect on the ways of craftsmen, professions and Sufi’s regroupments in the Islamic society. This will lead him to examine the actual significance of the term sectarianism ta’ifiyya used in modern Arab language - sectarianism being a modern term and sect ta’ifa an old one. By opening a debate on the modern Western sociological concepts of sectarianism or al-firqiyyah , the study attempts to develop the concept of sect ta’ifa as a sociological tool able to analyze the formation, characteristics, and evolution of the new contemporary imagined communities.

An Arab Public Intellectual, the General Director of the Arab Center for Research and Policy Studies.

ينتشر في الوعي اليومي والخطاب الإعلامي العربي تمييزٌ بين الطائفيّة والمذهبية، باعتبار

الأولى علاقة تبعية لطائفة دينية من بين طوائف عدة، والثانية علاقة تبعية لجماعة مذهبية من ضمن مذاهب عدة في إطار دين بعينه. والحقيقة أن التمذهب هو تبني عقيدة دينية، أو انحياز إلى مدرسة فقهية أو عقيدية في تفسير دين معين، أو هو انتماء إلى نمط من أنماط التديّن في الديانة ذاتها

ينظّم ممارسات جماعة دينية في العبادات والمعاملات، أي على مستوى الطقوس والعقائد في الحياة اليومية للمؤمن في حالة الفرق الدينيّة. وقد اتّخذت الأديان كافة، بالضرورة شكل المذاهب، بعد مرور

فترة على نشوئها. أما التعصب لجماعة، بالانتماء إلى ديانة أو مذهب، وباعتبار الانتماء إلى هذه الجماعة محددًا للهوية وحتى الموقف من الآخرين بوصفهم منتمين إلى جماعات أخرى، فهو ما بات يعرف حديثًا باسم الطائفيّة، لأنه تعصب لجماعةٍ، أي لطائفةٍ من البشر، وتحديد الموقف من الآخرين، بعد تصنيفهم

بموجب هذه الانتماءات. فاشتقاق طائفية في هذه الحالة يماثل اشتقاقَي قبلية وقومية. وما يُوسم

مذهبية في الوعي اليومي هو في الواقع طائفيّة. ولا يهم هنا إذا كانت هذه الطائفيّة تعني تعصبًا لجماعة

تابعة لمذهب أو دين، أي إن كانت طائفيّة مذهبية أو طائفيّة دينية. فهي في الحالتين انتماء عصبوي إلى

جماعة تجمعها رابطة العقيدة (وليس بالضرورة الإيمان بهذه العقيدة وممارستها). ففي الطائفية عمومًا يتغلب التعصب للجماعة على التعصب للدين، وفي المذهبية والتدين يغلب التعصب للمذهب أو للدين على التعصب للجماعة، ولكن غالبًا ما يتقاطع التعصبان. وثمة فرق في الحالتين بين التديّن والتمذهب من جهة، وبين الطائفة والطائفيّة من جهة أخرى.

فالطائفة لا تعني بالضرورة إيمانًا دينيًا أو مذهبيًا، ولكنّها جماعة تتبع لمذهبٍ أو ديانةٍ. والتعصب

لطائفة دينية بحيث يحدد الانتماء إليها تعريفات الهوية الذاتية، وتصنيف الآخرين بموجب هذا النوع من الانتماءات، وتحديد الموقف من الجماعات الأخرى، وتجاه الدولة هو طائفيّة. والطائفية ظاهرة

اجتماعية وليست خيارًا سياسيًا فرديًا. وحتى حينما تُطرح كأنها خيار ثقافي سياسي أمام الفرد، تكون

قد نشأت الطائفية وانتشرت وأصبحت من محددات الجماعة التي ينتمي إليها، بحيث تختلط الطائفية بالطائفة كما بينا آنفًا، ويسهل على الطائفيين الادعاء أن الطائفية متطابقة مع الانتماء إلى الطائفة في تميزه عن عدم الانتماء، الأمر الذي يصعِّب الخيار غير الطائفي. إن خيار الانتماء إلى الطائفة من عدمه، هو غالبًا خيار وهمي في حالة هيمنة الطائفية. فالطائفية هي نفي حرية هذا الاختيار. والحرية هذه لا

تمارس إلا من خلال الصراع معها. قد يستنتج بعضهم من هذا التصنيف أن الطائفية أصل البلاء، غير أننا قمنا فقط بالتمييز بين الاختلاف، وحتى الخلاف، الديني والمذهبي، وبين الطائفية. فذاك شيء، وتلك شيء آخر تمامًا. ولكن هذا لا

يعني أن التديّن والتمذهب ظواهر حسنة وخيّرة في مقابل الطائفيّة السيّئة والقبيحة، ولا العكس. فنحن

لا نقوم هنا بإصدار حكم قيمة، بل نكتب ذلك بغرض التمييز المصطلحي الضروري لتصنيف الظواهر قيد البحث. ولا نقول ذلك لنبرِّئ التديّن والتمذهب من النزاعات والصراعات والحروب، أو لنحمّلها

للطائفيّة وحدها. فثمة أمثلة تاريخية على حروب دينية ومذهبية طويلة ودامية، مدفوعة بالخلاف الديني

والمذهبي وبغيره، ودائمًا مبررة به، حتى قبل أن تتبلور الطوائف كظاهرة اجتماعية. وعرف التاريخ الإنساني حروبًا دينية، أو مدفوعة بالدين. كما ألحّ حراس «العقيدة الصحيحة» على ملاحقة الجماعات الدينية المنشقة ومحاربتها والتنكيل بأتباعها. ونشأت جدلية أساسية بين المؤسسة الدينية ومؤسسة المُلك انطلاقًا من هذه الخدمات التي تؤديها السلطة السياسية «للدين الحق» في ملاحقة الزائغين عن العقيدة في مراحل تاريخية في العصور الوسطى مع ازدهار البابوية في أوروبا، وكذلك في تشييع إيران الصفوية بالقوة في عصر إسماعيل الصفوي، وفي تسنين المشرق العربي وأسلمته في العصر المملوكي. كما استُخدمت الخلافات الفقهية لشرعنة حروبٍ جرى خوضها بصيغة حروب دينية لفرض معتقد ديني معيّن أو نشره، سواء أكان هذا المعتقد مذهبًا متفرّعًا من دين، أم عدّ نفسه الديانة ذاتها.

وفي حالات أخرى صيغ الصراع على السلطة صياغة دينية، كما في حالة الصراعات على الخلافة ضد الأمويين، ولاحقًا ضد العباسيين؛ وكما في حالة الملكية في إنكلترا مثلً بعد الانشقاق عن الكاثوليكية وتوجيه تهمة محاولة العودة إليها إلى بعض الملوك (مثل ماري تيودور)، بعد أن باتت الكاثوليكية تعدّ هرطقة. الهدف من هذا التمييز هو توضيح المصطلحات نظريًا. فعلى الرغم من كون هذه الظواهر متداخلة واقعًا وتاريخًا، فإننا نحتاج إلى هذا التمييز بعد التسليم بتداخل الظواهر، وذلك لتوضيح المفاهيم المنفصلة بغية فهم تداخلها وتمايزها. ويستحيل من دون ذلك أن نفهم أنه يمكن أن يكون الشخص العلماني (بمعنى غير المتدين، أو بمعنى الذي يؤمن بتحييد الدين سياسيًا) طائفيًا، مثلما يمكننا أن

نتصور شخصًا متديّنًا غيرَ طائفي. فمن الممكن أن يتعصّب العلماني الذي يدعو إلى تحييد الدولة دينيًا، ويفصل بين العقيدة والشريعة

من جهة، والسياسة من جهة أخرى، لطائفةٍ ينتمي إليها بوصفها جماعة تجمعه بها مُشتركات معينة، وعلاقة تضامن ذات دلالات اجتماعية سياسية؛ فينطلق، مثلً، في أحكامه السياسية كلها من «مظلومية طائفته» أو غبْن «مكانتها»، أو «حصة طائفته» في الثروة الاجتماعية وفي السلطة السياسية، حتى لو

كانت هذه السلطة محيّدة دينيًا، ولا تتدخل في الشؤون الدينية. ومن ناحية أخرى، يمكن تصور إنسان

متديّن يعدّ نفسه «متديّنًا حقًا» ويعيب في الوقت ذاته التعصّب لجماعة لمجرد أنها تضم أتباع دينٍ أو مذهبٍ لأنها من منظوره الديني قد تضم بين صفوفها الأتقياء والآثمين، والأخيار والأشرار، والصالحين والطالحين. هذا التمييز صحيح نظريًا، وهو قائم عمليًا في حالات كثيرة. لكن كثيرًا ما يتداخل التدين والطائفية،

وتتخذ العلمانية في بعض البلدان شكل مناهضة الطائفية. فالعلماني العربي المعلن، في بلاد الشام مثلً، غالبًا ما يعرف نفسه كعلماني بمناهضته للطائفية، وليس بالموقف من علاقة الدين بالسياسة، ولا

بمناهضة الدين؛ وذلك في مقابل بعض النماذج العلمانية المتطرفة التي اتخذت شكل محاربة الدين

(((راجع: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 2(الدوحة/ بيروت: المركز، العلمانية ونظريات العلمنة العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 81-78.

نفسه، واعتباره عقيدة «متخلّفة» مثل «عبادة العقل» في الطور الروبسبييري للثورة الفرنسية، وفي الاتحاد السوفياتي السابق الذي كان يعلم اختبارات «الإلحاد العلمي» أو قانون مكافحة الدين في ألبانيا الشيوعية السابقة.

في المفهوم الوصفي الإسلامي الكلاسيكي للطائفة

الطائفة فئة أو جماعة. ولم ترتبط دلالة اللفظ في أصوله اللغوية العربية بالجماعة الدينية، أو المذهبية. وما يميزه في اللغة العربيّة من لفظ «الجماعة» عمومًا، هو أنه يدلّ على فئة، والفئة جزء من كل. الطائفة

جماعة تشكّل جزءًا من كلٍ، ولذلك فهي في الأصل «طائفة من...»؛ «طائفة من الأشياء» و«طائفة من

الناس»، و«طائفة من القوم»، و«طائفة من المؤمنين»، بمعنى جماعة هي جزء من جماعة مرجعية أكبر. فهي جمع، ولكنّها جمعٌ يشكِّلُ قطاعًا من جماعةٍ أكبر. وتحوّلت إلى الإشارة إلى فئة من البشر تحديدًا تشكل جزءًا من فئة أكبر. ولم يعد دارجًا الحديث عن طائفة من الأشياء، بل استوى اللفظ في اللغة على

اعتبارها جماعة من البشر تحديدًا. وإن اكتفاء موسوعة الإسلام بمعنى «جماعة» لا يفي بالمعنى. لأن الجماعة باعتبارها طائفة هي في الأصل فئة من جماعة أكبر. وازدادت دلالة اللفظ تخصيصًا في حالة مصطلح الطائفة (الدينية أو المذهبية) في عصرنا. كانت المعاجم العربية دقيقةً في شرح الأصل الدلالي للفظ. فبموجب لسان العرب«الطائفةُ من الشيء: جزء منه. وفي التنزيل العزيز: ﴿وليَشْهَد عذَابَهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ [...] يقال: طائفة

من الناس وطائفة من الليل. وفي الحديث: لا تزالُ طائفةٌ من أمتي على الحقّ؛ الطائفةُ: الجماعة من

الناس [...] وسُئِل إِسحق بن راهويه عنه فقال: الطائفةُ دون الألْف [...] وفي حديث عمران بن حُصَيْن

وغلُامه الآبقِ: لأقْطعَنَّ منه طائفًا [...] أَي بعض أَطرافه»َ. ومن هنا، فليس مصادفة أنّ مصطلح «الطائفة» كما يستخدم في الحياة المعاصرة يفيد اصطلاحًا

(((اعتبر حسن علوي من منطلق فهمه للطائفية كنظام حكم في العراق أنه لا يمكن فهم طائفيته بمعزل عن كون النظام العراقي الحديث متمذهبًا منذ العصر الملكي (وهو تشخيص نعارضه تمامًا كما سنبين في الجزء التاريخي من هذه الدراسة، ف نظام

الحكم الملكي، ولا الجمهوري كان نظامًا مذهبيًا بموجب بحثنا هذا). ولكنّه على الأقل ميّز بين الخ فااات الطائفية والمذهبية

مع أنه لا يدقق المصطلحات بوضوح. فما كتبه أن الطائفية العراقية لم تكن حول خلافات مذهبية (مع أنه يسمي الطائفية تمذهبًا

لاحقًا). ويرى أن الطوائف العراقيّة لم تختلف على قضايا مذهبيّة أو قضايا ذات علاقة بالدين، وهو يعتبرها بذلك فريدة من نوعها

في البلاد الإسلاميّة. فهي طائفيّة سياسيّة شبه محضة ذات علاقة بالسلطة. وقد وقعت بين الناس والسلطة، وليس بين الناس في ما

بينهم، لأنّ السلطة التزمت مذهبًا حاكمًا غير المذهب المحكوم، ويصل إلى درجة القول «ومن الملفت للانتباه أن الطائفيّة العراقيّة

السياسية تنمو في جزءٍ من الوسط العلماني، فهي تبدو واضحة المعالم في الوسط القومي وضعيفة الملامح في الوسط الماركسي،

وتتضاءل قوة الطائفيّة وعنفوانها وتضمحل في الوسط الإس مااي المسيّس السني منه والشيعي». حسن العلوي، الشيعة والدولة

القومية 1990–1914، ط 2 إيران: دار الثقافة للطباعة والنشر (، 9901)، ص 261-260. وبحسب رأيه كانت الطائفيّة القديمة عفويّة

ونزيهة، بل شجعّت الفكر الفلسفي المبدع والإنتاج الأدبي، كما أنّها ارتبطت بنقاشاتٍ مذهبيّة. بينما الطائفيّة العراقيّة الحديثة ذات

علاقة بتيارات سياسيّة واجتماعيّة، وليس بمذاهب فكريّة أو دينيّة. وهو بذلك يميز بين الطائفية والمذهبية. ومع عدم اتفاقنا معه على

التشخيص، فإننا نتفق معه على التمييز، وعلى اعتبار الطائفية السياسية متعلقة بالحكم ومعارضة الحكم.

(3) «Taifa,» Encyclopedia of Islam , vol. 10 (Leiden: Brill, 2000).

(((انظر مادة (ط، و، ف)، في: جمال الدين بن منظور، لسان العرب، ج 9(بيروت: دار صادر، 2005)، ص.161-160

التجميع، أو التجميع والتجزئة في آنٍ معًا، فالمقصود به فئات على أساس الانقسام إلى جماعات مميزة دينيًا أو مذهبيًا أو مهنيًا. ونجد في حفريات اللغة الأساس الدلالي للتداعي السلبي الذي تطوّر لاحقًا، والذي بموجبه تصبح الطوائف تعبيرًا عن فئوية. فالجزء تقسيم للكل. وبالعربية المعاصرة الجماعة التي تشكّل جزءًا من كلٍ هي فئة. ومن هنا أصل التقارب في المعنى بين الطائفية والفئوية. فالطائفية فئوية، وهي في استخدامها الحديث فئوية دينية ومذهبية. وليس مصادفة ألا نعثر على استخدام غير حديث لمصطلح الطائفية، إذ لم يوجد استخدام كهذا. ففي مراحل ما قبل الحداثة وجد في اللغة العربية لفظ «طائفة»، ولكن لم تعرف العربية لفظ «الطائفية» إلا حديثًا. ولا يحمل لفظ «الطائفة» في غالبية آيات القرآن الكريم بدايةً معانيَ سلبيةً أو إيجابيةً. فهو مصطلح وصفي وليس مفهومًا معياريًا، فيمكن أن تكون الطائفة بالمصطلحات القرآنية باغية، أو مؤمنة. ويرد في القرآن الكريم ذكر طائفتين من المؤمنين تقتتلان. والطائفة هنا جزء لا يتجزأ من الجماعة التي تقوم في الأساس على تواشجية أخوية عقائدية أو دينية. وبوصفها مصطلحًا وصفيًا لامعياريًا، تطورت دلالة الطائفة في الاجتماع الإسلامي المديني لتدل من

(((يحمل لفظ «الطائفة» معنى محايدًا في الآيات كافةً التي ترد فيها في القرآن الكريم. وهي في كلام الله إلى رسوله قد تكون في

الآية نفسها طائفة مؤمنة أو غير مؤمنة، طائفة معه وطائفة عليه: • ﴿وقَالَت طَّائفَةٌ مِّنْ أَِهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلعلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفرُواْ آخِرَهُ لعلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران). 72:

• ﴿ثُمَّ أَنزلَعلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أمنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائفَةً مِّنكُِمْ وطَائفَةٌ قَدْ أِهمَّتْهُمْ أَنفسهُمْ يَظنُّونَ بِاللَّهِغَيْرَ الْحَقِّ ظنَّ الْجَاهلِيَّةِ يَقُولُونَ

هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للَِّهِيُخْفُونَ فِي أَنفُسهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتلْنَا هَاهُنَا

قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بيُوتكُِمْ لبَرزَ الَّذِينَ كُتبَ عَلَِيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مضَاجعهِمْ وَليَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صدُورِكُمْ وَليُمَحِّصَ مَا فِي قلُوبِكُمْ وَاللَّهُ

عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران 1). 54:

• ﴿ويَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا برَزُواْ مِنْ عِندِكَ بيَّتَ طَائفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَِّذِي تَقُولُوَاللَّهُ يَكْتبُ مَا يُبَيِّتُونَ فأَعْرِضْ عَنْهُمْ وتَوكَّلْ علَى اللَّهِوكفَى

بِاللَّهِوَكِيلً﴾ (النساء). 81:

• ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فأقَمْتَ لَهمُ الصَلّاةَ فَلْتَقُمْ طَائفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَِ وَلْيَأْخذُ واْ أَسْلِحتَهُمْ فَإِذَا سجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن ورَائكُِمْ وَلْتَأْتِ طَائفَةٌ

أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ معكَ وَلْيَأْخذُ واْ حِذْرَهُمْ وأَسْلِحتَهُمْ ودَّ الَّذِينَ كفَرُواْ لَوْ تَغْفلُونَ عَنْ أَسْلِحَتكُِمْ وأَمْتعَتكُِمْ فيَمِيلُونَ علَيْكُم

مَّيْلَةً وَاحِدَةً ولاَ جُنَاحَ علَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تضَعُواْ أَسْلِحتَكُمْ وَخذُ واْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أعدَّ للْكَِافرِينَ

عذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء 1). 02:

• ﴿ولَولْاَ فَضْلُ اللَّهِعلَيْكَ ورَحْمَتهُ لهمَّت طَّائفَةٌ مِّنْهُمْ أَِن يُضِلُّوكَ ومَا يُضِلُّونَ إلِاُّ أَنفُسَهُمْ ومَا يَضرُّونكَ مِن شَيْءٍ وأَنزلَاللَّهُ علَيْكَ

الْكِتَابَ وَالْحِكْمةَ وعلَمّكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكَانَ فَضْلُ اللَّهِعلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء:.)113

• ﴿وَإِن كَانَ طَائفَةٌ مِّنكُِمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بهِوطَائفَةٌ لَِّمْ يُؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْننَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكمِينَ﴾ (الأعراف). 87:

• ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانكُِمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائفَةٍِ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائفَةً بأِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرمِينَ﴾ (التوبة). 66:

• ﴿فَإِن رَّجعكَ اللَّهُ إِلَى طَائفَةٍِ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ للْخرُوجِ فَقُل لَِّن تَخْرجُواْ مَعِيَ أبَدًا ولَن تُقَاتلُِواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقعُودِ أوَّلَ

مرَّةٍ فَاقْعدُواْ معَ الْخَالفِينَ﴾ (التوبة). 83:

• ﴿ومَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ ليَنفِرُواْ كَافَّةً فلَولْاَ نفرَ مِن كُلِّفِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائفَةٌ لِّيتَفقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَليُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجَعُواْ إِلَيْهِمْ لعلَّهُمْ

يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة 1).22:

• ﴿إِذْ همَّت طَّائفتَانمِنكُمْ أَن تَفْشلاَ وَاللَّهُ وَليُّهُمَا وعَلَِى اللَّهِفَلْيتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران 1).22:

• ﴿وَإِن طَائفتَانمِنَ الْمُؤْمِنينَ اقْتتَلُِوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بغَتْ إِحْدَاهُمَا علَى الأُخْرَى فقَاتلُِوا الَّتي تَبْغِي حتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِفَإِن

فَاءَتْ فأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِوأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسطِينَ﴾ (الحجرات). 9:

الناحية الاقتصادية - الاجتماعية على جماعات الحِرَف المنظمة وفق أصناف، أي على فئات مهنية.

وفي بداية العصر الإسلامي الوسيط كانت المهنية والحرفية تسمى غالبًا الصنف أو الأصناف بمعنى

طبقات الحرف والمهن في المدينة الإسلامية، كما كانت تسمى الطوائف. وهذا منطقي؛ فالمقصود هنا فئات من الحرفيين وأصحاب المهن. ويذكر ابن منظور في لسان العربأن الصنف في اللغة يعني «الطائفة من كل شيء. وكل ضرب من الأشياء صنف على حدة». ونجد المفرد مستخدمًا بمعنى

الطائفة والفرقة من الناس في كتاب العالم والمتعلملأبي حنيفة. لكن المفرد حتى في هذه المرحلة المبكرة من مراحل استعماله مرتبط إلى حد ما بالحرف والمهن. ولم يبق هذا الترادف اللغوي بين الصنف والطائفة لغويًا. ومن هنا فطوائف الحرف نظام عرف في العصر الإسلامي «واستمر في العصر العثماني حتى منتصف القرن التاسع عشر. ومنحت الحكومة العثمانية مشايخ الحرف في الولايات العثمانية ببلاد الشام وظائف هيئات اجتماعية وسيطة بينها وبين المنتمين إلى تلك الحرف، فكان « شيوخ الحرف» و«شيخ مشايخ الحرف» يُعيَّنون بواسطة القاضي، غير أن المعين

منهم هو ممن يختاره أبناء الحرفة، وشكّلت سلطة شيخ الحرفة إدارة شؤون أبنائها، «والاهتمام بمشاكلهم، والإشراف على تنفيذ اتفاقاته، والطلب من القاضي تسجيل هذه الاتفاقات». وأصبحت الطوائف الحرفية تحت سيطرة السلطان في القرن السابع عشر، وصارت أداة إدارية في يد حكمه. فكانت كل طائفة تخضع لضابط معين، وكان هؤلاء الضباط يتولون مهمة حماية طوائفهم وجباية ضرائبها. وفي القرن الثامن عشر كانت هناك ثلاث مجموعات كبيرة من الطوائف في القاهرة، وكان للطوائف تقاليد وطقوس معينة يلتزمها أفراد الطائفة جميعًا، وكانت تساهم في الاحتفالات العامة والخاصة. فكانت كل طائفة تشترك في المواكب بعربة تحمل نموذجًا من صناعتها. وكان أبرز هذه الاحتفالات موكب المحمل، واحتفال الرؤية بهلال

رمضان، ووفاء النيل. وقد أخذ نظام طوائف الحرف يفقد معناه منذ إنشاء المصانع في أيام الوالي محمد

علي. وفي عهد الخديوي سعيد أبطل حق شيخ الطائفة في فرض الغرامات على أعضاء الطائفة. وأخيرًا

أُلغِي ما بقي من الطوائف في عام 8821، وفي قول آخر في عام 8831 حينما تأسست المحاكم الأهلية. وما ينطبق على المهن (الأصناف)، ينطبق أيضًا على كل رابطة تعاضدية (كوربوراتية) في المدينة (طلاب، معلمون، تجار، حرفيون)، فهذه الجماعة التعاضدية تحدِّد منزلة العضو فيها، ومكانته الاجتماعية، ونوع الضرائب التي يؤديها، وهوية رؤسائه المباشرين. وبهذا المعنى حتى السقاة والمتسوّلون كانوا

طوائف.

(((عبد الرحمن زكي، موسوعة مدينة القاهرة في ألف عام (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 9871)، ص 86؛ انظر أيضًا: إدوارد

وليم لين، عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم، ترجمة وتحقيق سهير دسوم (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1999 (((وجيه كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9881)، ص.47 (((زكي، ص 551؛ انظر أيضًا: وليم لين. (((حول هذا الموضوع انظر:

H.A.R. Gibb and Harold Bowen, Islamic Society and the West, vol. I: Islamic Society in the Eighteenth Century , Part I (London: Oxford University Press, 1967), pp. 276-277.

كانت الطائفة بهذا المعنى حجر الأساس في بنية المدينة الإسلامية، ومن عناصر استقرارها النسبي في العصر الوسيط حتى مرحلة الحداثة أو مرحلة التنظيمات العثمانية. واستمرت بقاياها بعد تفكك أسسها وانحلالها في الأسواق الحرفية التقليدية المدينية حتى العقود الأولى من القرن العشرين. فقد عمّرت الطوائف المهنية والحرفية قرونًا، وأعادت إنتاج نفسها بالوراثة، أو عبر علاقة المعلم، الحرفي أو التاجر، بالصبي المتدرب. وبوصفها تعاضديات منحت الطوائف (الحرفية) الحماية حتى لمواطن المدينة المتواضع مكانةً ما، وبيئةً اجتماعيةً، ومنظومة معياريةً يمارس بموجبها حياته؛ فيعرف ما المتوقع منه، وما يمكن أن يتطلّع إليه. ساهمت الطائفة، بهذا المعنى، في تحديد شخصيته الاجتماعية والفضائل التي يفترض أن يصبو إليها، والأخلاق والمعايير التي يلتزمها. فالجماعة التي ينتمي إليها الإنسان ليس كفرد بل بوصفه عضوًا في جماعةٍ تحدد أيضًا المتوقَّع منه، ومناقبه المرجوة، وسلوكياته، إنها مرجعية الفضائل. وهذا خلافًا للطائفة المتخيلة التي سوف نتحدث عنها لاحقًا، والتي لا تشكل مرجعية أخلاقية كهذه، وتُبقي على عصبية من دون جماعة أهلية عينية، ومن ثمّ من دون إطار معيشي حياتي للفضيلة. فإذا لم تتوافر منظومة أخلاقية جديدة بمعايير هي موضع إجماع، تملأ العصبية الفراغ. وغالبًا ما تنظّمت المهن في زوايا أو طرق صوفية خاصة بها، في ترسيخٍ للطائفية المهنية كأخوية.

وتعادل الطرق الصوفية هنا طوائفَ، فما يدعى طائفة وفق الدال الاجتماعي، أي مهن وحرف، أو مذاهب دينية مميزة وفق الدال الديني، هو ما يُدعى في الصوفية بالطريقة التي تمثل إطارًا مؤسسيًا

تنظم سلوك المريد. وكما يشير مرتضى مطهري فإنه «إذا ما ذُكِر أهل العرفان في معرض المعرفة دعوا بالعرفاء، وإذا ذكروا في معرض أمر اجتماعي دُعوا بالمتصوِّفة، فمؤسسة الطريقة اجتماعية». ويبلغ

ذلك تجسيده الأوضح في الطوائف الحرفية الصوفية في بلاد الشام والأناضول. وتبنّت الصوفية لفظ «الطائفة» في وصف الجماعة، ليصبح جماعة من الروحانيين المسلمين من أتباع الطريقة، وكان الجُنيد (ت. 298 ه) يكنّى سيّد الطائفة. وبهذا المعنى استخدمه ابن عربي في الفتوحات

المكية. كانت هذه هي الطائفة ب «ال» التعريف من حيث تخصيصها. أما من دون «ال» التعريف فقد ظلت تعني «فئةً من...». وتطوّرت التسمية عن الصوفية، إذا كانت تعني الطريقة، غير أنها ما لبثت أن

عادت لتدل على تشعبات الطريقة، والتي سميت الطوائف. ومع ذلك، يمكن الاستنتاج من المعطيات المتوافرة أن أصل ربط لفظ «طائفة» بمذهب أو دين ليعني جماعة دينية هي جزء من كل، وفي هذه الحالة الطوائف كفروع من طريقة، عائدٌ إلى الطرق الصوفية. كانت الطوائف في المدن الإسلامية القروسطية فرقًا صوفيةً وجماعاتٍ حرفيةً في وقت واحد. ولا يعني هذا التمييز تهميشًا بالضرورة، إذ يتوقف ذلك على المرحلة. ولم يُسمَّ أتباع الدين طائفة. وبالتأكيد ليس

دين الأغلبيّة، فهم في حالتهم الدينيّة السويّة، بوصفهم جماعة مؤمنين، ملةٌ، كما كانوا أيضًا أمّةً. فالملة

اجتماعٌ عند بعض المعجميين العرب، واجتماعٌ على شريعة عند آخرين، وقد يكون الدين بالرجوع إليه مذهبًا. ولكن الطائفة كانت دائمًا تعني الجزء، وليس الكل، ولا الأكثريّة التي تعتبر نفسها الكل.

1(((مرتضى مطهري، العرفان والدين والفلسفة (بيروت: دار الإرشاد، 2009.336-335)، ص

مصطلح الطائفة في الفكر السوسيولوجي

سيطرت تمييزات ماكس فيبر بين الكنيسة والطائفة/ الفرقة على الاستخدام السوسيولوجي الأكاديمي لمصطلح الطائفة. إذ ميّز بين الكنيسة Church والفرقة Sect التي تترجم خطأ ب  « طائفة» بالعربية، وهذا

يصح لفظًا وليس مصطلحًا. فمعنى المصطلح السوسيولوجي Sect يختلف عن معنى «الطائفة الدينية»

باللغة العربية، إنه أقرب إلى ما كان يقصد به في الماضي بالفرقة والفِرق. وسوف نأتي على ذلك لاحقًا. كما يستخدم مصطلح Sect في عصرنا للدلالة على مجموعة من أتباع اتجاه ديني أو فلسفي أو سياسي في حالة تميز هذه المجموعة بتعاليمها وطقوسها من القناعات السائدة في المجتمع أو تناقضها معها. فغالبًا ما يتعلق المصطلح بفرقة دينيّة منشقّة عن جماعة دينيّة أكبر. ويمكن اعتبار استخدام الكنيسة

للفظ استخدامًا تبخيسيًّا لهذا السبب تحديدًا، وبذلك يتميّز عن الاستخدام العلمي للمصطلح في

الدلالة على جماعة دينيّة مميّزة أو جديدة. أصل Sect في اللاتينية Secta، من القرن الثالث قبل الميلاد، وكان استخدامها حياديًّا وتعلّق بأتباع فكرة فلسفيّة أو دينيّة أو غيرها. أمّا في اليونانية Hairesis، والتي تعني الاختيار، ثم أصبحت تعني تيارًا فكريًا

أو دينيًا مرادفةً ل Secta، فأصبحت تحمل معاني سلبية من منظور الكنيسة ومنها الهرطقة (وليس ذلك

مصادفة فالحديث هو غالبًا عن فرق منشقة). لكنّ الأصل فيها يعني الاختيار القائم على رأي. وفي

العصر الهيليني استُخدمت الكلمة في وصف تعاليم فلسفيّة وأتباعها مثل الرواقيين أو الأفلاطونيين أو

غيرهم. ثمة مصطلحان وُصفت بهما الجماعات الدينية المنشقة عن الكنيسة الرسمية في مراحل تاريخية محددة، أو المتمردة عليها: الأول هو Sect، والثاني هو Cult، ويعني عبادة، في إشارة إلى تميّز

الفِرَق بطقوسها. فالفرقة هنا تقصر على عبادات تعتبر شاذة قياسًا بالسائد أو بالمؤسسة الدينية. ولا

تصف الفرق الدينية نفسها بهذه الأسماء. فالمؤسسة الدينية المركزية السائدة تطلق هذه التسمية على «المنشقين» للتقليل من شأنهم. أما فيبر فقصد ب Sect تطوير مفهوم سوسيولوجي يفسر ما هي الجماعة الدينية المتشكّلة من متدينين ملتزمين بنمط حياة ديني، مخالف لما هو سائد في المجتمع، ومعترض عليه، واختاروا المذهب ونمط الحياة الديني المترتب عليه بكامل إرادتهم. والكنيسة Church عند فيبر مؤسسةٌ دينية. وهي رعية وعقيدة في الوقت ذاته، لأن الكنيسة تشمل في الحالة المسيحية رجال الدين وأعضاء الكنيسة، وهم الرعية، أو العامة، أو الشعب Laos؛ أي ما أصبح يسمى في العربية المعاصرة بالطائفة. وشرط فيبر أن تكون هذه الأخيرة ممأسسة إلى درجة أن الشخص يولد فيها، وينتمي إليها طوعًا كاستثناء فقط؛ وذلك مثلً عند التحوّل من دين إلى دين آخر. فالكنيسة

ليست نخبة من المؤمنين الأصوليين المجندين في خدمة العقيدة الصحيحة التي تمثلها غالبًا Sect.

الكنيسة غير الفرقة. وهي أيضًا غير الملّة في الإسلام. وتتميّز الكنائس من الفرق بأنّ لديها كهانة مهنيّة

وعقائد وطقوسًا ومزاعم حول العالمية، فهي ليست نخبوية إقصائية، وترى أنها صحيحة للجميع.

وتميل الكنائس، بحسب فيبر، إلى فرض سيطرتها العقائديّة على الأقل؛ كما أنّ الأفراد يولدون في الكنيسة غالبًا ولا ينضمون إليها. وتشتق أغلب مميزات الكنيسة، أي المؤسسة الدينية عنده من الفصل

بين الكاريزما والشخص بعد نشوء فئة الكهانة ومأسسة الطقوس وانتقال الكاريزما إلى المؤسسة. كما أنّ الفرق هي نوع من الاتحاد التطوعي، فالناس ينضمون إليها لقناعتهم بها، والكاريزما في المقابل قائمة (أو موزعة) في شخوص المؤمنين المترابطين في فرقة. من الواضح إذًا أن Sect لا تعني طائفة، وأن الأقرب إلى معنى الطائفة في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة هو حتمًا ما يسميه فيبر Kirche أو Church. لكن عنصر المؤسسة الدينية من جهة، وقيام الكنائس كاتحادات طوعية في حالة الفرق البروتستانتية، وفي الولايات المتحدة على نحو خاص، يشوش دلالة المصطلح عربيًا في رأينا، ويبعده عن الطائفة الدينية كما تُرى في السياق العربي

المعاصر. والمصطلح الأقرب إلى مذهب وعقيدة ذات أتباع هو Confession، وذلك بالمعنى الذي اكتسبه هذا المصطلح بعد أن انتقل من معناه الأولي وهو بداية الاعتراف الديني. فلاحقًا أصبح يعني الإقرار العلني بعقيدة، أي الجهر بها. وأصبح في استخدام المؤرخين الألمان يعني بناء كنيسة محددة بمنظومة عقيدية مكتوبة، ومعلنة وأتباع محددين Konfessionbildung، وذلك في القرن السادس عشر الميلادي، أي قرن بناء الكنائس والعقائد الثلاث وتبعيتها في مواجهة احتدمت بينها: الكاثوليكية، واللوثرية، والكالفينية. ولكن التركيز في حالة هذا المصطلح هو على بلورة العقيدة والعبادات والشعائر وصياغتها بشكل واضح، ونشرها بين المؤمنين، وتشكيل جماعة على هذا الأساس، تحرس الشعائر وقواعد العقيدة فيها مؤسسة دينية. وتتحول هذه بالتدريج إلى جماعة عبر الاعتناق والشهادة وترديد مقولات العقيدة في الصلاة والشعائر المشتركة والمتميزة من الآخرين في الأداء، وفي تفسير هذا الاختلاف، وفي الفروض الدينية، وبعض مسائل الأحوال الشخصية، إنه التمذهب باختصار. ويختلف هذا مرة أخرى عن دلالات الطائفة العربية المعاصرة، وإن اشتملت على عناصر من هذه المصطلحات. نحن نستخدم مصطلح Sectarianism، وليس مصطلح Confessionalism للدلالة على الطائفية، وذلك كمصطلح، مع أنه غير دقيق في دلالاته السوسيولوجية. ونستخدمه لسبب وحيد هو أن هذه هي الترجمة المنتشرة (والخاطئة) لمصطلح طائفية بالعربية. ولكنّه أيضًا مستخدم في وصف الطائفية في الحياة المعاصرة في إيرلندا مثلً في تحدٍ للتعريف السوسيولوجي بموجب التقليد

(11) Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology , Guenter Roth and Claus Wittich (eds.), Ephraim Fischoff et al. (trans.), (Berkeley, LA: University of California Press, 1978), pp. 56 and 1164. (12) E.W. Zeedan, «Grundlagen und Wege der Konfessionsbildung im Zeitalter der Glaubenskaempfe,» Historische Zeitschrift ,» no. 185 (1985), pp. 249-299; E. W. Zeedan, Entstehung der Konfessionen: Grudlagen und Formen der Konfessionsbildung im Zeitalter der Glaubenskaempfe , (Munich: Oldenbourg, 1965); H. Schilling, «Die Konfessionalisierung von Kirche und Gesellschaft: Profil, Leistung, Defizite undPerspektiven eines geschichtswissenschaflicehen Paradigmas,» in: W. Reinhard and H. Schillind (eds.), Die Katholisce Konfessionalisierung (Guetersloh: Guetersloher Verlaghaus, 1995); W. Reinhard, «Konfeion und Konfessionalisierung in Europa,» in: Bkenntnis und Geschichte: Die Confession Augustana im Historischen Zusammmenhang (Munich: Voegel, 1981), pp. 165-189.

الفيبري. وسوف نعمل على فهم الظواهر التي يصفها مصطلح الطائفية (باللغة العربية) بغض النظر عن ترجمته الإنكليزية، وبذلك سوف نعمل على تحويله إلى مفهوم ذي أهمية تحليلية في واقع اجتماعي تاريخي محدد. وهذا يتطلب جهدًا نظريًا في سياق مختلف تمامًا لجهد ماكس

فيبر. وقد وقعت على دلالات أكثر شبهًا بالاستخدام المعاصر، وأوسع من مصطلح فيبر السوسيولوجي قبل أن يصوغه، وذلك في كتابات برلمانية بريطانية من القرن التاسع عشر في سياق النقاش حول علمنة التدريس، مع طرح المدرسة العلمانية وحق الأهل من كل Sect - بمعنى أتباع مذهب هنا - أن يتلقى أبناؤهم تعليمًا دينيًا بحسب المذهب الذي يتبعونه. ونتيجة لعدم قدرة المدرسة على تقديم معلم

دين مختلف لكل طفل، طرح اقتراح أن يتولّى القساوسة من كل مذهب تعليم أبناء مذهبهم درس الدين، بدل أن تقوم المدرسة بذلك، فتفرض على الأولاد معلمًا لدرس الدين من مذهب مختلف عن

مذهبهم. وما يهمنا هنا هو التحديد التالي الذي قام به صاحب الاقتراح: «إن أي فرق بين الفِرق Sects هذه يبرر قيام مجتمعات محلية أو جماعات Communities يجعل الأهل من كل جماعة يرفضون أن يتولى إرشاد أبنائهم مدرس دين ينتمي إلى جماعة أخرى». فهنا ربط الاختلاف المذهبي بتشكّل الجماعة وحق الأهل في تعليم الأبناء دروس الدين بموجب المذهب ذاته. وهذا التحديد أقرب إلى فهمنا الدارج للطائفة الدينية، وليس إلى التعريف السوسيولوجي الفيبري ل Sect، والذي عممه في السوسيولوجيا الإنكليزية بريان ويلسون وطلابه. ولأصول العقيدة الصحيحة وممارستها أهمية كبرى في ثقافة الفرقة الدينية، وهذا بالضبط ما يغيب في حالة أوساط واسعة من المنتمين إلى الطائفة الدينية كما نفهمها في عصرنا. فالطائفة في عصرنا تجمع بين متدينين ممارسين ملتزمين، وآخرين ينتسبون إلى العقيدة أو المذهب من دون التزام ديني، أو في الحد الأدنى منه. ولا شك في أن الطائفة تتبلور بداية حول صياغة محددة للعقيدة والعبادات والشعائر

(((1 سوف نعود إلى الحالة الإيرلندية لاحقًا. ولكن ثمة استخدامات أخرى ل Sectarianism في العالم الأنكلوسكسوني قبل تعريفات فيبر التي سوف نتطرق إليها. وقد وجدت (بفضل بحث عاملي مكتبة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا لدى بائعي الكتب المستعملة) خلال الإعداد لهذه الدراسة كتابًا قديمًا صادرًا في بوسطن في عام 8541،

يتناول تحت هذا العنوان أسباب انقسام الفرق الدينية في المسيحية، شاملًالمذاهب جميعها بما فيها الكاثوليكية، وعني بمصطلح

«الكنائس» كلها، محاولً وضع قواعد لتصنيفها فيبدأ بوجود 41 فرقة دينية في ولاية أوهايو وحدها ثم يصنفها إلى ثلاثة تيارات أو مذاهب كبرى، هي: الأسقفية (وتشمل الكاثوليكية أيضًا)، والمشيخية، والمجمعية، انظر:

Alexander Blaike (Rev.), The Philosophy of Sectarianism on a Classified View of the Christian Sects in the United States (Boston: Philips Sampson and Co., 1854), pp. 20-33;

كما وجدت أيضًا بالطريقة ذاتها طبعة قديمة من كتاب صدر عام 9031 حول sectarianism في الصين يتعامل مع هذا المصطلح كرديف للتعصب الديني ضد التيارات والمذاهب «الأخرى»، ولتفنيد المقولة التي راجت عن تسامح الكونفوشيوسية ووجود تسامح مع الاختلاف الديني والمذهبي في الصين، انظر:

J.J. De Groot, Sectarianism and Religious Persecution in China , vol. I (Ireland and New York: Irish University Press, Barnes and Noble Books, 1903), pp. 2, 149-175. (14)  Anti-National Education, Or, the Spirit of the Sectarianism Morally Tested by Means of Certain Speeches and Letters from the Member for Kilmarnock (Edinburgh: Adam and Charles Black, 1837), p. 4, accessed on 11/9/2017, at: http://bit.ly/2eZukfQ

والمؤسسة الدينية، ولكن الانتماء إلى الطائفة يصبح غالبًا انتماءً قائمًا بذاته حتى عند أوساط نسيت

العقيدة، أو لا تعوّل على الممارسات الدينية إلا لأغراض متعلقة بالانتماء إلى مجتمع الطائفة. وربما تصبح هذه الهوامش هي القاعدة وهي الأغلبية. في نواة الدين، ثمة جماعة المؤمنين الملتزمين الممارسين والمؤسسة الدينية. ولكن الدين لا يعمّر طويلً إذا لم تصبح التبعية له بمنزلة هوية مشتركة تشمل متدينين مؤمنين، ومتدينين غير مؤمنين، وغير متدينين ولا مؤمنين، أي مجرد تبعية مشتركة لهذا الدين أو المذهب باعتبار التبعية ذاتها محورًا لتشكّل جماعة. وقوة الطائفة الدينية إذا نجحت في التشكل ككيان اجتماعي متخيل يقوم على الانتماء يكمن في أن الانتماء يجمع كل هؤلاء. في الحياة اليوميّة المعاصرة تستخدم كلمة Sect على نحو سلبي عمومًا في ما يتعلق بالفِرَق الدينيّة

المختلفة عن السائد، وامتدّت لتشمل أيضًا الفرق السياسيّة المتطرفة أحيانًا. وتتجنّب الدول في

العصر الحديث استخدامها رسميًّا في تشريعاتها، إذ إنّها تفضّل الحديث عن ديانات وجماعات دينيّة.

لكنّ بعض الدول مثل فرنسا استخدمتها في لغتها الرسميّة على نحو سلبي. وعمومًا لا تحبِّذ الدول

الديمقراطيّة استخدام المصطلح باعتباره مصطلحًا لاهوتيًا سلبيًا. وتفرض الحياة ومعيش الناس اليومي تراجع الوعي العقيدي ونمط الحياة الفِرَقي، وتصبح الطائفة

الدينية وليس الفرقة هي القاعدة في حالة الانتماء إليها. وفي حالة بعض المذاهب والديانات التي تمتنع عن التبشير يحل الوعي الطائفي محل العقيدة تمامًا. ويتحول الدين فيها إلى وراثي مغلق بأكمله (اليهودية، والدرزية...). وفي الحالات التي تصبح فيها العقيدة باطنية بحيث يجهلها العامة وتعرفها نخبة فقط تتدرج في «العلم الباطني الغنوصي» كما في حالة العُقّال والجُهّال عند الدروز، بحيث يؤمن الشاب بدين لا يعرفه إلا إذا انتمى إلى فئة رجال الدين، يحل الانتماء العصبوي إلى الطائفة محل الإيمان الديني على نحو كامل. في مثل هذه الحالات تكون العصبية الهوياتية الطائفية قوية جدًا. والحقيقة أن مصطلح الطائفية العربي يحمل دلالات المصطلحين المذكورين آنفًا، لكن منسوب العنصر الديني العقيدي فيه يقل عن منسوبه فيهما، وذلك على الرغم من نقاشات رجال الدين حول الفاصلة والنقطة في النص. فالانتماء إلى الجماعة في مصطلح «الطائفية» العربي هو الأبرز. في حين أن الانتماء العقيدي يعبر عنه بالعربية الكلاسيكية المرتبطة بكتب الملل والنحل بمصطلحات الفرقة. وما يحدّد الفرقة هو مقالتها الاعتقادية التي تختلف فيها عن المقالات الاعتقادية الأخرى ولا يوجد مثل هذا التمييز في اللغات الأوروبية.

(1((من الممتع متابعة هذا المنهج في تحليل العلاقة بأيديولوجيا دنيوية، فكلما ازدادت معرفتها والاقتناع بها، قل الالتزام بالتنظيم

الحزبي الذي يعدّها عقيدته الرسمية. وكلما قلّت معرفتها، يحل التعصب للحزب محل القناعات الفكرية في الحفاظ عليه وعلى

وحدته. نلاحظ أن التعصب للأحزاب الشيوعية غالبًا ما يمارسه أعضاء في الحزب لم يقرؤوا كلمة واحدة لماركس، مثلً، أو قرؤوا

وغالبًا لم يفهموا ما قرؤوا.

ولا شك في أن المقصود بالطائفة هو جماعة منتمية إلى دين أو مذهب. ولكنّها في الحالات العربية موضوع بحثنا خلّفت النقاش المذهبي من ورائها، واستمرت كطائفية، كانتماء إلى جماعة يشبه القبلية كثيرًا، مع الفرق أنها في حالة الطائفة المعاصرة الكبيرة جماعة متخيلة. وغالبًا ما تبلورت في الماضي

حول قبائل وصراعات قبلية أصلً، أي حول جماعات أهلية حقيقية. كتب ابن خلدون يقول: «وهكذا كان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر والعصائب وهم المؤيَّدون من

الله بالكون كله لو شاء. لكنّه إنما أجرى الأمور على مستقرِّ العادة». وبما أن الطائفة أصبحت في حالات معينة أكثر تأثيرًا في الحياة الاجتماعية من الدين نفسه، لا يكتفي

العلماني العربي بتحييد الدولة في الشأن الديني، فهذا التحييد لا يحل مشكلة الطائفية التي أصبحت قائمة في حد ذاتها. بمعنى أنه حتى بعد تحييد الدولة في الشأن الديني، يبقى الانتماء إلى الطوائف فاعلً في المجتمع والدولة. ومن هنا يفترض في تحديد معنى العلمانية في الحالة العربية أن يضاف إلى تحييد الدولة في الشأن الديني تأكيد تحييد الدولة في الشأن الطائفي أيضًا. وهو نقاش قائم. فهل تحيّد الدولة تمامًا في الشأن الطائفي، أم يضمن تمثيل الطوائف في الدولة ومشاركتها؟ وهو نقاش

يتقاطع مع إشكالية أخرى في الديمقراطية مقابل أنماط مختلفة من الديمقراطية التوافقية. استخدم فيبر مصطلح Sectarianism ذاته ك «فِرَقية» بمعنى ظاهرة الفرق مثل الكالفينية، والمعمدانية،

وأتباع تسفنغلي، والكويكرز، وغيرهم. ويلتقي هذا في بنيته الأساسية في وجوه عديدة بمفهوم الفرقة الإسلامي الكلاسيكي، والذي استُخدِم للدلالة على التحام الجماعة بمذهب أو مقالة اعتقادية محددة. ونعثر على استخدامات شبيهة في نصوص أميركية من القرن التاسع عشر، تتعامل مع الفرقية بوصفها تعصبًا لتفسير معين في المسيحية يختاره المؤمن طوعيًا واعتبار المذاهب الأخرى هرطقة وضلالً إلى

حد تكفيرها. استخدم فيبر كلمة Sectarian ليس بمعنى ال «طائفي» والموقف الطائفي، وليس كما تستخدم حاليًا في الأدبيات الغربية التي تعالج الطائفية في إيرلندا والمنطقة العربية في لبنان والعراق، بل

في وصف أخلاق وأفكار التابعين لفرقة دينية تتمسك بأصول الدين وثوابته بالاختيار الطوعي. فهو يشرح، مثلً، لماذا كانت البرجوازية تفضل العمل مع تجار «فِرقيين» Sectarian لأنهم وثقوا من أخلاقهم، ولأنهم دمجوا أخلاقهم البروتستانتية في العمل ذاته، وعملوا ما يرضي الله في المعاملات التجارية؛ فلم يستغلوا سهو الآخر مثلً أو خطأه للربح، لأن مجال العمل هو مجال الأخلاق أيضًا. في حين أن اليهود، بحسب فيبر، فصلوا بين الأخلاق والعمل، ولم يهم التاجر كثيرًا الكسب من

1(((عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تاريخ ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من

ذوي السلطان الأكبر، خليل شحادة وسهيل زكار (محرران)، ج 1 (بيروت: دار الفكر، 2010)، ص.200

(17) Weber, p. 479. (18) George Washington Burnap, Sectarianism, both Catholic and Protestant: A Lecture (Baltimore: W.R. Lucas and J.N. Wight, 1835), pp. 7-11, 17-18.

يذكر الكاتب أحداث قتل وتعدٍّ على خلفية مذهبية ضد المعمدانيين والكويكرز في أميركا في منتصف القرن السابع عشر. والكتاب

متوافر على الشبكة، في:

http://bit.ly/2fcTi8e

غباء الطرف الآخر أو ارتكابه أخطاء، طالما أطاع هذا التاجر ورجل الأعمال القوانين اليهودية في مجالات الحياة الأخرى. نشأ التمايز الجديد بين المؤسّسة الدينيّة وجمهورها: كنيسة - رعيّة، أو كنيسة – طائفة Denomination

من جهةٍ، وبين فرق دينيّة من جهةٍ أخرى. وهنا أيضًا علينا أن نشير إلى أن ريتشارد نيبور عدَّ

Denomination مؤسّسةً ثالثةً بين الديانة والفرقة الدينيّة، وهي نتاج التميّز الأميركي. وهي في ترجمتها

أقرب إلى كنيسة وأقل تبخيسًا من فرقة. وعند بعض الباحثين تنمو الفرق إلى Denomination مع مرور الزمن والازدهار الاقتصادي لأعضائها ومهادنة الواقع القائم في المجتمع والتعايش معه، بعد أن كانت الفرقة ترفضه وتعاديه وتدير ظهرها له. فهي ديانةٌ وكنيسةٌ ممأسسةٌ قد يولد المرء فيها، غير أنها تقبل أو تعترف بوجود خياراتٍ أخرى إلى جانبها في نوعٍ من سوق العرض والطلب، والمنافسة الحرّة فيها

بين المنتجات المعروضة. وأصبحت هذه التسمية تطلق على الكنائس والتيارات الكنسية التي تسمى بالعربية عادة طائفة دينية، وتتضمن علاقة بين مؤسسة دينية وأتباع هذه المؤسسة. ويتوقف كل ذلك على الموقع الاجتماعي والدور الاجتماعيّ والسياسي الذي تؤديه. فمن الفِرَق ما يتحوّل إلى طوائف

ومللٍ في الجيل الثاني، ومنها ما يتمأسس كفرقةٍ هي عبارة عن طائفةٍ صغيرةٍ ومغلقةٍ، أو تستوعبه

(19) Weber, p. 616.

يمكن مراجعة فصل المقارنة بين أخلاقيات اليهودية والطهرانية كله في كتاب فيبر نفسه، ص.623-615 ((2(اخترنا أن نترجم مصطلح Sect بفرقة، بما فيها من تداعيات تفيد الصغر والتفرق والانشقاق، مع أنها تترجم عادةً كطائفةٍ إلى العربيّة، ولأنّنا نترجم طائفيّة إلى Sectarianism بما يفيد الانغ قاا. في حين اعتبرنا طائفة تقوم على أساس المذهب

ترجمة دقيقة لمصطلح Denomination أو Confession. ومؤخرًا في الولايات المتحدة تعتبر الكنائس الخاصة الجديدة نفسها

. Congregation

((2(لقد أغنى المفكر الألماني المؤرخ والثيولوجي البروتستانتي (923–18651) العلوم الاجتماعيّة بدراسات مهمة عن تكوّن

الفرق والطوائف (الملل) عبر عمليّة تمأسس المسيحيّة والحلول الوسطى التي خاضتها لكي تتمأسس وردات الفعل الروحانيّة

والسياسيّة الدينيّة على هذا التمأسس في الفرقة الدينيّة. انظر:

Ernst Troeltsch, The Social Teachings of the Christian Churches , Olive Wyon (trans.), vol. I (New York: Macmillan, 1931), pp. 40-42, vol. II, pp. 443, 990-1000.

وفي ما عدا تمييزات ماكس فيبر بين الطائفة (الكنيسة) والفرقة، المتعلقة أساسًا بكون الفرقة اتحادًا طوعيًّا ناجمًا عن القناعة وليس

الولادة، فإنّ إرنست تروليتش أضاف إلى ذلك مميزات مشتقّة عمليًّا من هذه المميزات الأوليّة، وهي متعلقة بالتربية الدينيّة الشاملة

والارتباط الشخصي بالجماعة، والع قااة الشخصيّة بالله، والإيمان الداخلي داخل الفرقة بالمساواة والأخوة. كما طوّر تروليتش

نظريّة فيبر، فأضاف أنّ الكنائس تميل إلى التكيّف مع الدولة وتصبح خلال هذه العمليّة مرتبطة بالطبقات الحاكمة وجزءًا من النظام

الاجتماعي القائم، أي إنّها تقوم على التسويات مع العالم. في حين أنّ الفرق الدينيّة تذهب إلى الكمال الداخلي والتبعيّة الشخصيّة

والتعامل مع العالم الخارجي بلامبالاة وتسامح أو بنبرة احتجاجية وعدائية. إنّ قيم الفرقة الدينيّة هي انشقاق عن قيم المجتمع بشكل

عامّ واحتجاج عليها. إن الخلاص الذي يتوق إليه أعضاء الفرق الدينيّة هو غالبًا في حالة توتّر مع المصالح والمؤسّسات الدنيويّة.

تضع الفرقة نفسها في صدامٍ مع الهرميّة الكنسيّة والقوانين الكنسيّة. وقد صنّفها تروليتش إلى ثلاثة أصناف: الأول، تلك النشطة

والنخبويّة ذات الطابع المناضل، والطموح لحمل الرسالة للمجتمع؛ والثاني، الفرق المنعزلة الرافضة للعنف، والتي يتسامح معها

محيطها فتمارس عاداتها من دون إزعاج؛ والثالث هو الذي يميل إلى الاندماج بعد استسلامه للضغط الاجتماعي واستعداده لتقديم تنازلات. (2((انظر مقالً في شرح تطور الكويكرز في هذا الاتجاه:

Elizabeth Isighei, «From Sect to Denomination among the Quakers,» in: Bryan Wilson (ed.), Patterns of Sectarianism: Organization and Ideology in Social and Religious Movements (London: Heinemann, 1967), pp. 161-210.

المؤسّسة الدينيّة السائدة، ومنها ما يتلاشى وينحلّ ولا يبقى له ذكر. ولكن مع عملية العلمنة يتوقف في

الحداثة عمليًا تحول الفرق إلى ديانات كبرى. تتميّز العلاقة القائمة في مؤسّسة دينيّة - رعيّة، أو مؤسّسة دينيّة - طائفة، بالتبعيّة أو العضويّة على أساس

الولادة، وبوجود حدودٍ جغرافيّةٍ أو «إثنيّةٍ» أو سياسيّة للطائفة الدينية، وبوجود مؤسّساتٍ إداريّةٍ تدير

المصادر الروحيّة والماديّة إلى حدٍّ ما. كما تتميّز بتحوّل التجربة الدينية إلى المأسسة والروتينية التي

تتضمن القدرة على صنع الحلول الوسطى مع النظام الاجتماعيّ القائم، والتكيّف مع التغيّرات فيه.

ولا ينفي ذلك بالطبع حصول اعتناقٍ للدين من طرف أفرادٍ يغيّرون ديانتهم، ولكنّ الديانة الممأسسة لا

تقوم على هذه الخيارات الفردية التي تبقى استثناءات. هنا يقترب الدين من الولوج في إطار أيديولوجيا الهويّة بوصفه طائفةً دينيةً. أما الفرقة الدينيّة فلا تقوم بحكم تعريفها وأصل نشوئها على أساس الولادة، بل على أساس الاعتناق،

أو التجربة الذاتيّة، كما أنها انتقائيّة العضويّة وإقصائية، ومنغلقةٌ منسحبةٌ عادةً من المجتمع أو من

الحلول الوسطى مع ما تعتبره «آفات» جاء الدين ليصلحها. ولكن بحكم أنها تقوم على الاعتناق لا الولادة، فإنها تواجه أزمةً في الجيل الثاني: ماذا يفعل أعضاء الفرقة مع أبنائهم؟ هل هم أعضاء تلقائيون في الفرقة؟ إن اعتبارهم أعضاء تلقائيين يتناقض مع مبدأ الاقتناع والاعتناق أولً. كيف يربّونهم؟ ماذا

يعلّمونهم؟ هذه الأسئلة إضافةً إلى غيرها مما ينجم عن الهزائم أو الانتصارات تفضي عاجلً أو آجلً إلى المأسَسة في طائفةٍ دينيّةٍ وراثيّةٍ، أو إلى الانحلال. قد تتحوّل الفرقة إلى طائفةٍ أو ملّةٍ، أو تندمج من

جديدٍ في الملّة، أو تتمأسس كفرقةٍ إقصائيةٍ مغلقةٍ، بحيث ينقلب فيها مفهوم الفرقة إلى ضده، إذ تكاد لا تستقبل متحوّلين عن دينهم؛ وعلى عكس ما بدأت به، صارت تقوم فيها العضويّة على الولادة فقط

وليس على الاعتناق. هنا تصبح الطائفة قائمة بذاتها ولذاتها. فهي تحتل محل العقيدة. تختلف العلاقة بطائفة دينية ممأسسة تابعة لكنيسة Confession و Denomination مذهب، عقيدة إيمانية ممأسسة، حين يكون الاستخدام إيجابيًا أو محايدًا، و Sect فرقة حين يكون سلبيًا) في الحضارة الأوروبية.

لكن يمكننا أن نتتبع تقاطعًا لافتًا للنظر بين إيتمولوجية Sect ودلالاته، وبين جذور لفظ «الطائفة» ومجاله الدلالي كما ذكرنا. ويصعب أن نجد أثرًا للفظ والمصطلح في معاجم العلوم الاجتماعية، ولفصول تعنى

بظاهرة Sectarianism. وهي عند بعض علماء الاجتماع تعني فِرقية اعتراضية احتجاجية (ضد النظام السائد، أو نمط التدين السائد). فيكتب بريان ويلسون على طريق ماكس فيبر عن «شهود يهو» و«المورمون» و«الحلوليين» وأيضًا من يسميهم «الحركات الدينية الجديدة» بوصفها نماذج من ال  Sectarianism. وسمات الفرقة الدينية عنده هي التالية:.1 الاتحاد الطوعي، 2. إثبات العضو نوعًا من الكفاءة أو المناقبية

((2(وسبق أن توصلت في كتاب آخر إلى نتيجة مفادها أن توقف ظهور الديانات الروحية الجديدة، وتوقف تحول الفرق إلى ديانات، هو من مميزات مراحل العلمنة المتأخرة. فالتحولات الاجتماعية الاقتصادية السياسية الكبرى لم تعد تتخذ شكل نشوء

ديانات. انظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 1، الدين والتدين (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث

ودراسة السياسات، 2013)، ص 20-419 4.

(24) Bryan R. Wilson, T he Social Dimensions of Sectarianism: Sects and New Religious Movements in Contemporary Society (Oxford, New York, Toronto: Oxford University Press, 1992).

أمام قيادة الفرقة،.3 تأكيد إقصائية العضوية أو حصريتها،.4 النخبوية وفصل الأعضاء الذين لا يتبعون عقيدتها وأخلاقياتها، 5. كهنوتية المؤمنين جميعًا، أي إن المؤمنين هم رجال الدين، 5. العداء للمجتمع العلماني أو الانسحاب منه وعدم الاكتراث به. كما كتب في موضع آخر أن ما يميز الفرقة الدينية Sect) (هو الشمولية والانفصال عن التيارات الدينية الأخرى، وعن المجتمع على نحو عام. ويصح في رأينا استخدام هذا المصطلح على الفِرق الدينية في مجتمعنا وحتى على الحركات السياسية الدينية في حالة العالم الإسلامي؛ إذ تتصرف كفرق دينية أكثر منها كأحزاب سياسية. ويصح فعلً أن نستخدم مصطلح «الفِرَقية» في وصف حركات الإسلام السياسي أكثر مما يصح في وصف الطوائف الدينية (المتخيلة كما

سوف نرى) كالشيعة والسنّة والمسيحيين... إلخ؛ كما يصح إسقاط المصطلح على الحركات العقائدية

العلمانية المتصلبة، والانعزالية في علاقتها بالحركات الأخرى والمجتمع عمومًا، إذ يمكن أن نعدّها فِرقية

Sectarian. لا يقترب هذا من مصطلح «الطائفية» الذي نترجمها إليه عادة، ولا من مفهوم الطائفية الذي نتناوله ونرغب في الاستدلال عليه. وعند بريان ويلسون لا يرتبط مصطلحا Sect، و Sectarian بكون الجماعة الدينية أقلية أو أكثرية، فهذا المصطلح لا ينطبق على الكاثوليك في فرنسا حيث هم أكثرية، ولا في ألمانيا حيث يشكّلون أقلية. فالفرقة الدينية عنده تحافظ على درجة من التوتر (المعارضة) مع العالم المحيط، ويلتزم أعضاؤها معايير السلوك والإيمان فيها؛ ولكي يُقبَلوا في الجماعة، ويحافظوا على العضوية فيها، يجب أن يثبتوا

جدارة ما. وعليهم أن يقبلوا نظامًا معينًا يؤدي خرقه إلى الفصل من الجماعة. وبالنسبة إلى العضو في

الفرقة، فإن هذه العضوية هي هويته الأساسية التي يقدمها على غيرها، حتى بعد أن يضعف الولاء والالتزام عبر الأجيال. وعلى تقليد فيبر وويلسون وغيرهما نفسه، يتابع باحثون كثر تصنيف الفرق الدينية تحت عنوان Sects، وذلك في بحث الفرق الدينية والسياسية العلمانية التي حاولت تأسيس جماعات تعيش سوية بموجب نمط حياة معين، بحيث تسيطر الجماعة على حياة الفرد. ومنها ما ينعزل أفرادها عن المجتمع في عيش مشترك ومنها من يتابعون حياتهم العادية ولكن من خلال الانصياع لجماعة.

(25) Bryan R. Wilson, «An Analysis of Sect Development,» in: Bryan R. Wilson (ed.), Patterns of Sectarianism: Organization and Ideology in Social and Religious Movements (London: Heinemann, 1967), pp. 23-24;

انظر أيضًا معالجته للحلوليين في الكتاب نفسه، ص 57-138.1 ومعالجته الأخوية الإقصائية، ص.337-287

(26) B.R. Wilson, «An Analysis of Sect Development,» American Sociological Review , no. 16 (1963), pp. 49-63.

((2(انظر كتاب المؤلف حول ثورة مصر وسلوك حركة الإخوان المسلمين كأنها طائفة دينية وليست حزبًا سياسيًا، وكيف سهل ذلك

عزلها سياسيًا عن المجتمع: عزمي بشارة، ثورة مصر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، مج 1،

من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير، ص 983، ومج 2، من الثورة إلى الانقلاب، ص 96 3؛ انظر أيضًا: تمام حسام، الإخوان المسلمون:

سنوات ما قبل الثورة (القاهرة: دار الشروق، 2012)، ص.54

(28) Wilson, The Social Dimensions of Sectarianism , pp. 1-2. (29) John Mckelvie Whitworth, «Communitarian Groups and the World,» in: Roy Wallis (ed.), Sectarianism: Analysis of Religious and Non-Religious Sects (London: Peter Owen, 1975), pp. 117-137;

وهو لا يتوقع دوام هذه الجماعات الأهلية واستمراريتها في ظروف الحداثة. انظر أيضًا في الكتاب نفسه مقال:

Rofer O’toole, «Sectarianism in Politics: Case Studies of Maoists and De Lionists,» in: Wallis (ed.), pp. 162-189.

وكما قلنا سابقًا، يصلح هذا التعريف الفيبري في الحضارة الإسلامية للفِرَق الدينية المنشقة، وربما

لبعض الحركات السياسية الدينية (وحتى بعض الحركات العلمانية) في الواقع العربي المعاصر. فلا الشيعة فرقة ولا السنة فرقة أيضًا بهذا المعنى. ويقول أحد الباحثين إنه إذا أردنا تطبيق تعابير من مصطلحات فيبر، فإنّ الشيعة أقرب إلى تكوين كنيسة من السنّة، ولكن كلتا الحالتين لا تعبران عن عضويّة طوعيّة أو اتحاد طوعي. ولا توجد إقصائية مذهبية نخبوية في الحالتين، ولا معارضة للعالم

بالضرورة. تميّز النصوص التراثية الإسلامية بين ما نعدّه كنيسة أو فرقة أو عبادة وغيرها؛ فالشيعة والخوارج والمرجئة

والمعتزلة... إلخ، كلها تعدّ في كتب التراث فرقًا. وسوف نتطرق إلى ذلك لاحقًا. فمبحث الفرق في الحضارة الإسلامية يتناول أساسًا الفوارق المذهبية والعقيدية والفكرية، وليست البنية السوسيولوجية

التي نهتم بها. ويصعب تجاهل دلالة خلو المعاجم المتخصّصة من هذا المصطلح، لجهة مدى حضور الظاهرة في الغرب. ولهذا توجهنا إلى معجم أوكسفورد للغة، فعثرنا على تردد بين اشتقاقها من Seque وتعني «تبع» فتفيد اتباع طريق دينية أو فلسفية معينة (واشتقاق الفرقة العقائدية منها منطقي) وبين اشتقاقها من Secere، وتعني «قطع»، وهذا يفيد القطاع والجزء من الكل مثل Section، وأيضًا Sector كما في معنى لفظ «طائفة». وهذا يعني فعلً فئة أو طبقة أو جماعة من الأتباع، ما يفيد الجزء الذي يتبع نهجًا معينًا.

والطائفية Sectarianism في هذه الحالة لا تعني إلا الفئوية وهي ليست بالضرورة دينية، فقد تلصق بأيديولوجيا أو عقيدة حزبية دينية أو علمانية أو غيرها، بما يفيد الانغلاق والانعزال. نلاحظ هنا أن معنى اللفظ Sect في معاجم اللغة الإنكليزية أقرب إلى الدلالة على الظاهرة التي نريد معالجتها، من معنى المصطلح Sect في علم الاجتماع منذ ماكس فيبر. وسوف نرى أن رسم حدود جماعة أتباع دين أو مذهب من أهم مميزات الفئوية الطائفية. فالطائفية لا تكون في مرحلة الانتشار والدعوة، بل في مرحلة رسم الحدود ووضع التمايزات بين «نحن» و«الآخرين» على أساس الفرز نفسه، وهم في هذه الحالة «الآخرون» مذهبيًا أو دينيًا. والتمايز على درجات من الاختلاف الاجتماعي

إلى الصراع الاجتماعي، فالسياسي. قد تبدأ الفرق الدينيّة بصيغة حركات احتجاجٍ سياسيّة في إطار الدين والخطاب الدينيّ، رافعةً راية مبادئ

دينيّة ضد ما تعدّه تفريطًا فيها، كما قد تبدأ جماعةً روحيّةً صوفيّةً أو غنوصيّةً وغيرها، بيد أن تطوّرها مرتبط

(30) Michael Cook, «Weber and Islamic Sects,» in: Toby E. Huff and Wolfgang Schluchter (eds.), Max Weber and Islam (New Brunswick: Transaction, 1999), p. 276. (31) Adam Gaiser, «A Narrative Identity Approach to Islamic Sectarianism,» in: Nader Hashemi and Danny Postel (eds.), Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East (London: C. Hurst and Co., 2017), p. 67.

اطّلعت على مقال هذا الباحث، ورأيت عدم تجاهل الكتاب الذي صدر فيه مؤخرًا عن «التطييف»، لأن الأفكار التي يوردها في

هذا الموضوع قريبة مما أوردته في هذا الفصل، ولكن بتفصيل أقل. وهدفه مختلف فهو يرغب في تأكيد الطائفة في السياق العربي بوصفها هوية تقوم على سردية تاريخية محددة. ونحن نرى أن هذا مكون مهم في الطوائف، ولكنّه ليس الوحيد.

بالظرف الاجتماعيّ والسياسيّ التاريخيّ الذي حكم نشوءَها. ويولِّد هذا واقع تأسيس الديانات الجديدة

إضافةً إلى تكوّن المؤسّسة، «الكنيسة» Ecclesia) (، كما يولِّد باستمرارٍ فرقًا دينيّةً منشقّةً ترفض الحلول

الوسطى، وتعلن تعصّبها للتعاليم الأولى كما تفهمها، وتمسّكها بها إزاء «تفريط» المؤسّسة الدينيّة فيها.

وغالبًا ما استخدمت في تاريخ المسيحية ككلمة سلبية في وصف المنشقين عن الملة الأم. الطائفة الدينية كما نستخدم المفهوم هنا، قد تكون جماعة، وربما تكون جماعة متخيّلة، والمهم أنها

جماعة هوية تميز نفسها عبر الانتساب إلى العقيدة أو المذهب، إذ تعده محددًا اجتماعيًا وسياسيًا ذا

أهمية. وهي تتحول في المجتمعات المتدينة، والمتعددة الديانات في الوقت ذاته، إلى كيان اجتماعي - سياسي له دور في المجال العمومي، وقد يتصدّر مجموعة الانتسابات (أو الهويات لمن يشاء استخدام هذا التعريف) التي تحدّد تعريف الفرد لذاته، وتحدد سلوكه، وموقف الآخرين منه بسبب انتمائه إلى طائفة بعينها. سبق أن عالجنا أهمية الدين في المجتمعات الحديثة وتغير دوره ونشوء الديانات المدنية والسياسية وغيرها. ولكننا نعالج هنا موضوعًا آخر هو الطائفية. وإذا ما ألقينا نظرة على المجتمعات الصناعية الحديثة من زاوية الطائفة نجد أن روابط أخرى تغلبت على رابطة الطائفة الدينية حتى عند المتدينين، وأنه حصلت عمليات اندماج اجتماعي ساهم فيها نشوء الاقتصاد والدولة الحديثين، ونمط العلمنة الذي ساد فيهما. ولكننا ما زلنا نعثر على أثر للطائفية فيها. ففي الولايات المتحدة، حتى مرحلة قريبة، نجد تأثيرًا للموقف الطائفي من الكاثوليك تجلى في عدم تمكن أي كاثوليكي من الترشح للرئاسة عدا

حالة واحدة قبل جون كنيدي هي حالة آل سميث الذي خسر الانتخابات بعد حملة دعائية لم يتردد فيها خصومه في التطرق إلى انتمائه الكاثوليكي بالترويج إلى أنه لا يليق أن يكون رئيس الولايات المتحدة كاثوليكيًا؛ هذا مع أنها ليست دولة دينية، فليس الحديث هنا عن تعاليم دينية لا تجيز لكاثوليكي أن

يترأس الولايات المتحدة. ولذلك نقول إن هذا موقف طائفي، وليس موقفًا دينيًا. ويصعب في القرن الواحد والعشرين أن ندعي وجود تمييز ضد الكاثوليك عمومًا من طرف البروتستانت

في الولايات المتحدة، ولكن ثمة تمييز قائم ضد المسلمين في المجتمع، وليس في القانون أو في المواطنة. وفي رأينا لم يرقَ هذا التمييز إلى درجة التمييز الطائفي، وما زال مجرد شكلٍ من أشكال التحامل المسبق ضد الآخر المختلف. فالمسلمون ما زالوا خارج «الطوائف» الأميركية الدينية في الثقافة السائدة (على الرغم من الاعتراف القانوني الحقوقي بهم وبحقهم في إقامة المؤسسات وإقامة الشعائر الدينية بحرّية). والعنصرية ضدهم دينية - ثقافية سياسية، أكثر مما هي طائفية. وربما تصبح

بعض شؤونهم طائفية بعد اندماجهم كطائفة دينية في الأمة الأميركية، بعد جيل أو جيلين، أي بعد أن يصبحوا جزءًا من كل. وعمومًا، ثمّة تشابه كبير بين العنصريّة والطائفيّة، ولا سيّما إذا عرّفنا العنصريّة تعريفًا ثقافيًّا. الفرق

الرئيس هو أنّه يمكن الإنسان، نظريًّا، أن يغيّر طائفته، ولكن ليس بإمكانه أن يغيّر عرقه. ومع ذلك، تعدّ

3(((في كتاب آخر للمؤلف هو الدين والعلمانية في سياق تاريخي.

العنصريّة في الحالتين تركيبًا اجتماعيًا لتكريس الاختلاف وجعله أساسًا لبناء السياسات والتمييز بين البشر على أساس هذه الفوارق المركبة اجتماعيًّا، وهذا ينطبق على الطائفية أيضًا. لكن في الحالتين، تُعَدُّ العنصريّة تركيبًا اجتماعيًا لتكريس الاختلاف وجعله أساسًا لبناء السياسات والتمييز بين البشر على أساس هذه الفوارق المركبة اجتماعيًا، وهذا ينطبق على الطائفية أيضًا.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي. ج.1 الدين والتدين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 ________. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 2 الدوحة/، العلمانية ونظريات العلمنة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ________. ثورة مصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016. بن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، تاريخ ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. خليل شحادة وسهيل زكار (محرران). بيروت: دار الفكر،.2010 حسام، تمام. الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة. القاهرة: دار الشروق،.2012 زكي، عبد الرحمن. موسوعة مدينة القاهرة في ألف عام. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1987 العلوي، حسن. الشيعة والدولة القومية 1990–1914. ط 2. إيران: دار الثقافة للطباعة والنشر،.1990 كوثراني، وجيه. السلطة والمجتمع والعمل السياسي، من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988 لين، إدوارد وليم. عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم. ترجمة وتحقيق سهير دسوم. القاهرة: مكتبة مدبولي، 999.1 مطهري، مرتضى. العرفان والدين والفلسفة. بيروت: دار الإرشاد،.2009

الأجنبية

Anti - National Education , Or , the Spirit of the Sectarianism Morally Tested by Means of Certain Speeches and Letters from the Member for Kilmarnock. Edinburgh: Adam and Charles Black, 1837. at: http://bit.ly/2eZukfQ Bkenntnis und Geschichte: Die Confession Augustana im Historischen Zusammmenhang. Munich: Voegel, 1981.

Blaike, Alexander (Rev.). The Philosophy of Sectarianism on a Classified View of the Christian Sects in the United States. Boston: Philips Sampson and Co., 1854. Burnap, George Washington. Sectarianism , both Catholic and Protestant: A Lecture. Baltimore: W.R. Lucas and J.N. Wight, 1835. De Groot, J.J. Sectarianism and Religious Persecution in China. Ireland and New York: Irish University Press, Barnes and Noble Books, 1903. Gibb, H.A.R. and Harold Bowen. Islamic Society and the West. vol. I. Islamic Society in the Eighteenth Century. London: Oxford University Press, 1967. Hashemi, Nader and Danny Postel (eds.). Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East. London: C. Hurst and Co., 2017. Huff, Toby E. and Wolfgang Schluchter (eds.). Max Weber and Islam. New Brunswick: Transaction, 1999. Troeltsch, Ernst. The Social Teachings of the Christian Churches. Olive Wyon (trans.). New York: Macmillan, 1931. Wallis, Roy (ed.). Sectarianism: Analysis of Religious and Non - Religious Sects. London: Peter Owen, 1975. Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Guenter Roth and Claus Wittich (eds.). Ephraim Fischoff et al. (trans.). Berkeley, LA: University of California Press, 1978. Wilson Bryan R. (ed.) Patterns of Sectarianism: Organization and Ideology in Social and Religious Movements. London: Heinemann, 1967. ________. (ed.) Patterns of Sectarianism: Organization and Ideology in Social and Religious Movements. London: Heinemann, 1967. ________. «An Analysis of Sect Development.» American Sociological Review. no. 16

________. The Social Dimensions of Sectarianism: Sects and New Religious Movements in Contemporary Society. Oxford, New York, Toronto: Oxford University Press, 1992. Zeedan, E. W. «Grundlagen und Wege der Konfessionsbildung im Zeitalter der Glaubenskaempfe.» Historische Zeitschrift. no. 185 (1985). ________. Entstehung der Konfessionen: Grudlagen und Formen der Konfessionsbildung im Zeitalter der Glaubenskaempfe. Munich: Oldenbourg, 1965. Reinhard W. and H. Schillind (eds.). Die Katholisce Konfessionalisierung. Guetersloh: Guetersloher Verlaghaus, 1995.