العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور قراءة أولية في التقرير الأول للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور قراءة أولية في التقرير الأول للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

Social Sciences in the Arab World: Forms of Presence - A Primary Reading in the First Arab Social Sciences Report

محمد سعدي | Mohamed Saadi *

الملخّص

*  أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية في جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب.

Abstract

The current report issued by The Arab Council for the Social Sciences purports to evaluate the state of social sciences and prospects in the Arab world. It also pledges to be a platform and a framework for researching the presence of such sciences in different manifestations of knowledge, particularly in the universities, research institutes and various scientific forums as well as within civil society and other information providing domains. The report underlines a level of both quantitative and qualitative progress in areas of social scientific knowledge production. However, it also underscores obstacles preventing the establishment of a genuine communication between researching groups in the field, and their contribution to the general debates in the public sphere. Some of these factors stem from the lack of academic freedom, political restraints and the weakness of the scientific community.

الكلمات المفتاحية:
  • العلوم الاجتماعية
  • الجماعة العلمية
  • التهميش
  • المجال العام
  • الحرية الأكاديمية
Keywords:
  • Social Sciences
  • Scientific Community
  • Marginalisation
  • Academic Freedom

ملخص: يُعدُّ هذا التقرير، الذي أشرف عليه المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، بداية

لتشخيصٍ معرفي رصين يحاول فهم واقع العلوم الاجتماعية ومستقبلها في العالم العربي؛

فهو بمنزلة أرضية أولية وإطار عام يرصد حضور هذه العلوم ويتتبعها في مختلف المجالات

المعرفية، خصوصًا في الجامعات ومراكز البحث والدوريات العلمية والمجتمع المدني

والإع ماا. يسجل التقرير نموًّا متسارعًا وتطورًا كميًّا ونوعيًّا على مستوى الإنتاج المعرفي

للعلوم الاجتماعية في المنطقة العربية. ومع ذلك، ثمة معوّقات عدة تحول دون إرساء تواصل

حقيقي بين علماء الاجتماع والمجتمع وإسهامهم في النقاش داخل المجال العام. من بين

هذه المعوقات: غياب الحرية الأكاديمية، ووجود قيود سياسية على البحث العلمي، وضعف

الجماعة العلمية.

Abstract: The current report issued by The Arab Council for the Social Sciences purports to evaluate the state of social sciences and prospects in the Arab world. It also pledges to be a platform and a framework for researching the presence of such sciences in different manifestations of knowledge, particularly in the universities, research institutes and various scientific forums as well as within civil society and other information providing domains. The report underlines a level of both quantitative and qualitative progress in areas of social scientific knowledge production. However, it also underscores obstacles preventing the establishment of a genuine communication between researching groups in the field, and their contribution to the general debates in the public sphere. Some of these factors stem from the lack of academic freedom, political restraints and the weakness of the scientific community.

Professor of Political and social Sciences, Mohamed I University, Oujda, Morocco.

مقدمة

أصدر المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في كانون الأول/ ديسمبر 2015 تقريره الأول بعنوان العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور، وهو من تأليف أستاذ علم الاجتماع محمد بامية، ومنشور باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية. يرافق التقرير ورقتان مرجعيتان: الأولى حول دوريات العلوم الاجتماعية العربية، وهي من إعداد أستاذ علم الاجتماع المختار الهراس، والثانية حول حضور العلوم الاجتماعية في منظمات المجتمع المدني في العالم العربي، وهي من تأليف أستاذة علم الاجتماع ريما ماجد. التقرير هو الأول من نوعه؛ إذ يدشّن تقليدًا معرفيًّا جريئًا وغير معهود في المشهد الأكاديمي والفكري

في العالم العربي، وذلك من خلال التفكير بصورة مُمنهجة في رصد واقع حقل معرفي معين وتتبعه في مختلف مجالاته. وسيُصدر المجلس تقارير منتظمة عبر بحوث مسحية تهتم بتقييم وضعية العلوم

الاجتماعية، وتتبع مساراتها وإكراهاتها، واستكشاف آفاق الارتقاء بها في العالم العربي. يدخل هذا التقرير ضمن عمليات تقييم الاحتياجات من أجل تحديد العوائق التي تواجه الأبحاث في العلوم الاجتماعية، ولتعزيز بيئة استقلال البحث العلمي ودور العلوم الاجتماعية في المجال العام. وبذلك، فإن المجلس يتوخى وضع خرائطية جغرافية شاملة لوضعية العلوم الاجتماعية في العالم العربي. وقد بذل مجهودًا تواصليًّا مهمًّا للتعريف بمضامين التقرير على أوسع نطاق؛ إذ عرضت خلاصاته

خلال عدة مناسبات ولقاءات أكاديمية في عدد من مناطق العالم: بيروت، ونيويورك، والقاهرة، والدار البيضاء، وإفران، والرباط، والجزائر، وفيينا، وبرلين، والدوحة، ودبي، ودنفر. أعاد التقرير إلى اللغة العربية ألقها ورونقها؛ فهو مكتوب بلغة سليمة وراقية، وبأسلوب سلس ومتماسك وبتعابير واضحة المعنى، ويتميز على مستوى الشكل بأناقته وجودة الطباعة والإخراج والتصميم الفني. ولا يخفى أن التطرق إلى مستقبل العلوم الاجتماعية وحضورها في العالم العربي موضوع بالغ التعقيد، ويكتسي أهمية كبيرة في المرحلة الراهنة التي تشهد فيها المنطقة العربية هزاتٍ عنيفةً وتحولاتٍ اجتماعية وقيمية سريعة، أفرزت تحديات شائكة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي؛ الأمر الذي يُبرز الحاجة إلى استدعاء العلوم الاجتماعية للرصد والمساءلة للوضع المضطرب والمصير المقلق للمجتمعات العربية، ولإرساء رؤى مغايرة للتنمية والتغيير الإيجابي داخلها. تجدر الإشارة إلى أن المجلس العربي للعلوم الاجتماعية منظمة غير ربحية، مستقلة إقليمية، مقرها

بيروت أنشئت عامُ 2008، وتنطلق من دعم مبادئ الفكر المستقل والمتعدد والمتنوع والتفكير النقدي في العالم العربي، وتهدف إلى: • دعم البحث وإنتاج المعرفة الاجتماعية ودور العلوم الاجتماعية في الحياة العامة وفي السياسات العامة.

(((محمد بامية، العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية،.)2015

أشكال الحضور قراءة أولية في التقرير الأول للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

• توفير منابر تبادل الآراء والتواصل بين العلماء الاجتماعيين في المنطقة العربية. • تحديد احتياجات علماء الاجتماع في البلدان العربية وتلبيتها. • تعزيز قدرات الباحثين الأفراد والمؤسسات الأكاديمية والبحثية في العلوم الاجتماعية. • دعم التشبيك بين الباحثين والمراكز البحثية في مجال العلوم الاجتماعية. • تشجيع إصدار أبحاث علوم اجتماعية ونشرها على نطاق واسع في المنطقة العربية.

اضطراب وحصار وتهميش

يأتي هذا التقرير في سياق عربي عام يسوده تهميش حاد وإهمال مُمنهج للعلوم الاجتماعية، وتوجد هوّة عميقة بين ما يُنتجه علماء الاجتماع من أبحاث ودراسات، وواقع المجتمعات؛ وهو ما أدى إلى غياب علم اجتماع نابع من صميم الحياة الاجتماعية للمواطنين في العالم العربي. أفرز هذا الأمر نوعًا من اغتراب العلوم الاجتماعية من خلال انفصالها عن اهتمامات المجتمع ومشكلاته، وتجنبها طرح الأسئلة النقدية الحقيقية عن القضايا الجوهرية للواقع الاجتماعي المعيش بتجلياته وتحولاته وتصدعاته المختلفة. تعاني العلوم الاجتماعية إقصاءً على مستوى رسم السياسات العمومية؛ إذ لا يُولي صنّاع القرار

الدراسات الاجتماعية أي اهتمام، وهذا ما جعل قدرتها على التأثير في صنع السياسات وفي النقاشات العامة وفي مسارات التغيير الاجتماعي، ضعيفة وغير ذات جدوى. ومما يزيد الأمر تعقيدًا غياب بيئة سياسية واجتماعية حاضنة للعلوم الاجتماعية، إذ إن غياب مناخ الحرية والتسامح وثقافة التساؤل والفكر النقدي المبدع، وكذا انتشار التسلطية بمختلف أبعادها، يعطلان كل نهوض حقيقي بأدوار العلوم الاجتماعية داخل المجتمعات العربية. وقد أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية حول إقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية، الصادر عام 2003، إلى «محاصرة العلوم الاجتماعية في العالم العربي»، وأكد أن الإنتاج العلمي في العلوم الاجتماعية يخضع لقيود كثيرة، و«تتدخل السياسة والقوانين المتصلة بها، بشكل مباشر أو بقنوات غير مرئية، في رسم الخطوط الحمراء للبحث العلمي في هذا المجال، وذلك إضافة إلى ما هو موروث ومستبطن من حدود اجتماعية وثقافية». وتوصل التقرير العالمي حول العلوم الاجتماعية لعام 2010، إلى الخلاصة نفسها؛ إذ أوضح أن المجتمعات التي تسود فيها السلطة والقيم البطرياركية الأبوية تكون المعرفة المتعلّقة بها ذات مكانة اجتماعية ضعيفة. وبالنظر إلى أن الأنظمة التسلطية في العالم العربي تتحكم في كل النشاطات، فإن هناك توجهًا من طرفها نحو ممارسة رقابة مشددة على العلوم

(((لمزيد من المعلومات حول المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، انظر موقعه الرسمي:

http://www.theacss.org

(((برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة (عمان: 2003)، ص.4

الاجتماعية وعلى حرية الفكر. فضلً عن ذلك، أكّد هذا التقرير أن ثمة رؤية انتقاصية حول جدوى العلوم الاجتماعية وأدوارها، ونادرًا ما يتم النظر إليها بوصفها معرفة نقدية بنّاءة ذات فائدة وأهمية داخل المجتمعات العربية. أمام هذا الوضع، من الطبيعي أن تعاني العلوم الاجتماعية في العالم العربي أزمة على مستوى المفاهيم والأدوات المنهجية والتحليلية؛ إذ لم تستطع أن تشكل في كثير من الأحيان منتوجًا ذا قيمة

مضافة أو تراكمًا معرفيًّا نوعيًّا، وهذا كان واضحًا في الإحصائيات التي نشرها التقرير العالمي حول

العلوم الاجتماعية عام 2016؛ إذ كرست الحضور الباهت للعلوم الاجتماعية في العالم العربي من خلال هزال الإنتاج البحثي العلمي في هذا المجال، مقارنةً بفضاءات جغرافية أخرى. وفي هذا السياق، يتحدث ساري حنفي وريغاس أرفانيتس Arvanitis Rigas عن التطور المضطرب للعلوم الاجتماعية في المنطقة العربية، فهناك اعتراف ضعيف بالجماعة العلمية وبالإنتاج العلمي في مجال العلوم الاجتماعية. والأمر ليس نتاج معوّقات اجتماعية وسياسية فقط، بل أيضًا لعدم وجود الجرأة،

وضعف الجماعة العلمية وتشتتها وغياب استقلاليتها. ويثير الكاتبان مسألة في غاية الأهمية، وهي حضور العلوم الاجتماعية على مستوى المجال العام، من خلال تقديم المشورة بشأن السياسات العامة والمشاركة في النقاش العام حول قضايا المواطنين وانشغالاتهم؛ إذ يلاحظان غياب حياة عامة لدى الأكاديميين وضعف إسهامهم أو تأثيرهم في الجدل العام للمجتمع؛ وهذا ما أدى إلى غياب تواصل إيجابي فاعل بين البحث العلمي والمؤسسات الجامعية والمجتمع. وفضلً عما سبق، فإن المخاض العسير ل «الحراك العربي»، والتحولات المتسارعة الجذرية، والاضطرابات المتعددة التي تشهدها المنطقة العربية، تستدعي اليوم أكثر من أي أوقات أخرى تغيير البراديغمات والأدوات التحليلية السائدة؛ لمحاولة فهم مسارات هذه التحولات وتحليلها برؤى مختلفة ومقاربات جديدة، ومحاولة الإمساك بديناميات الوقائع الاجتماعية الجديدة ومآلاتها، وجعلها قريبة من نبض المجتمع.

حضور حثيث ومستقبل واعد

يُعدّ التقرير الأول للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية أرضية أولية وإطارًا عامًّا لتشخيص وضعية العلوم الاجتماعية، من خلال رصد حضورها وتتبعها في مختلف المجالات المعرفية العامة، وخصوصًا في الجامعات ومراكز البحث والدوريات العلمية والمجتمع المدني والإعلام. وقد ركز في الأساس

(4) World Social Science Report, Knowledge Divides)Paris: UNESCO, International Social Science Council, 2010), p. 69. (5) Ibid., pp. 68, 71. (6) World Social Science Report, Challenging Inequalities: Pathways to a Just World (Paris: UNESCO, International Social Science Council, 2016), pp. 345–354.

(((ساري حنفي وريغاس أرفانيتس، البحث العربي ومجتمع المعرفة: رؤية نقدية جديدة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

أشكال الحضور قراءة أولية في التقرير الأول للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

على التخصصات التقليدية للعلوم الاجتماعية: العلوم السياسية، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، والتاريخ، وعلم النفس، إضافةً إلى الدراسات العابرة للتخصصات كالدراسات الجندرية، والدراسات الحضرية، والدراسات الثقافية. وجدير بالذكر أن المجلس العربي للعلوم الاجتماعية يعتمد تعريفًا واسعًا للعلوم الاجتماعية يشمل ما يلي: • العلوم الاجتماعية الأساسية (علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والديموغرافيا، والاقتصاد، والتاريخ، والعلوم السياسية، وعلم النفس). • الاختصاصات ذات الصلة بالعلوم الاجتماعية، مثل: الجغرافيا، والقانون، والفلسفة، والصحة العامة. • المجالات المتعددة التخصصات، مثل: دراسات النوع الاجتماعي/ الجندر، والدراسات الثقافية، والدراسات المدينية. يتكون التقرير من قسمين: قسم أول خُصّص لمسح شامل لحضور العلوم الاجتماعية في الجامعات والجمعيات المهنية والدوريات العلمية، وقسم ثانٍ تناول حضورها في المجتمع المدني والمجال العام، بما في ذلك المجلات الثقافية والجرائد والتلفزيون. على مستوى حضور العلوم الاجتماعية، فإنه ما زال محصورًا في 84 في المئة من الجامعات في العالم العربي، وهذه النسبة مقبولة بالنظر إلى النشأة المتأخرة لأغلب الجامعات الموجودة حاليًا في العالم

العربي. وهناك تباين كبير على مستوى وجود المراكز البحثية الجامعية في مجال العلوم الاجتماعية، فهي موجودة في عدد محدود من الدول (الجزائر، ومصر، ولبنان، والسعودية، والأردن، والعراق)، ولكنها قليلة أو شبه غائبة في معظم الأقطار العربية. وفي المقابل سجّل التقرير نموًّا كبيرًا وسريعًا

لمراكز البحث المستقلة في معظم الدول العربية؛ وذلك بفعل بروز جيل جديد من علماء الاجتماع لم تكن للجامعات قدرة على استيعابهم، وكذا بفعل نمو دور المجتمع المدني وتمتعه بمساحات أكبر للتحرك والعمل. وبالنسبة إلى حضور التخصصات ضمن كليات العلوم الاجتماعية، جاء الاقتصاد في الصدارة ب 26 في المئة، ثم على التوالي علم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم السياسية، والتاريخ. وجاءت الأنثروبولوجيا في المرتبة الأخيرة بنسبة ضعيفة جدًّا (2 في المئة). وعلى غير المتوقع كان حضور العلوم السياسية ضعيفًا نسبيًّا، ولا يعكس حجم المشكلات والانشغالات السياسية العويصة والمؤرقة التي تعيش في

ظلها المنطقة العربية. وقد يكون ذلك راجعًا إلى القيود الموجودة في مجال حرية البحث العلمي في الجامعات. ويمثّل بروز مراكز البحث المستقلة ظاهرة لصيقة بتطور حضور العلوم الاجتماعية في العالم العربي، إذ لها قدرة على التأثير في الواقع المحلي والتواصل معه، والمساهمة في تشكيل الجماعات العلمية العربية وتشبيكها. وهي تسمح للعلوم الاجتماعية بالتفرغ لنشاطات بحثية موجهة إلى جماعات صناع القرار أو المجتمع المدني أو التشكيلات السياسية أو الفئات الهشة.

وبحسب التقرير، فإن هذه المراكز تتميز بإنتاجية عالية وعابرة للتخصصات، وأهم المواضيع التي تهتم بها هي على التوالي: الأمن القومي، وشؤون العلاقات الدولية، والصحة العامة، والشفافية، والتنمية. وفي ما يخص كثافة وجود هذه المراكز بالنسبة إلى عدد السكان، جاء لبنان وفلسطين في المرتبة الأولى بكثافة بحثية عالية، إذ يبلغ عدد المراكز البحثية في العلوم الاجتماعية في لبنان 74 مركزًا، وفي فلسطين 29 مركزًا. بالنسبة إلى حضور العلوم الاجتماعية في المجلات العلمية، يلاحظ قلة المجلات المتخصصة في المجال، التي تصدر بانتظام، لو استثنينا مجلات قليلة؛ كمجلات عمرانوإضافاتوإنسانيات. وأهم القضايا التي تتناولها المجلات نجدها على التوالي: الربيع العربي ومشكلات الإصلاح والعدالة، والتنمية، والمرأة، والشباب... وهناك غلبة واضحة للبعد التنظيري في الإنتاج العلمي وضعف للبحوث الميدانية، ويعود ذلك إلى الصعوبات التي تواجه العمل الميداني في المنطقة العربية، خصوصًا على مستوى العقبات الأمنية والسياسية واللوجستية والتمويلية. وفي علاقة العلوم الاجتماعية بالمجتمع المدني يلُاحظ غلبة الطابع التطبيقي، بحيث يكون الاهتمام منصبًّا على التواصل مع جمهور واسع، من خلال نشر دراسات اجتماعية في شكل مطبوعات أو

نشرات إلكترونية، ولا يوجد تواصل بحثي قوي بين تنظيمات المجتمع المدني والجامعات. وتوظيف المجتمع المدني للعلوم الاجتماعية له نتائج إيجابية عدة، منها: فتح نقاشات حجاجية في المجال العام لتكوين الرأي العام، والتأثير في السياسات العامة، وتشكيل الفكر النقدي داخل المجتمع وتطويره من خلال تكوين ناشطين مدنيين يستثمرون المعرفة الاجتماعية في الدفاع عن القضايا العامة والحقوقية للمجتمع. ويخلص التقرير إلى أن العلوم الاجتماعية تشهد نموًّا متسارعًا وتطورًا كميًّا ونوعيًّا على مستوى الإنتاج

المعرفي في المنطقة العربية وفي مختلف الميادين المعرفية. وفضلً عن ذلك هناك طاقات وإمكانات مهمة وواعدة للعلوم الاجتماعية في العالم العربي، لكن لا يتم استثمارها بفعل معوّقات عدة، منها:

غياب الحرية الأكاديمية، ووجود قيود سياسية على البحث العلمي، وضعف الجماعة العلمية العربية.

مكامن الخلل وصور القصور

سجّل التقرير غياب تواصل حقيقي بين علماء الاجتماع والمجتمع بفعل عوامل عدة، منها غياب بيئة

مجتمعية وسياسية وحقوقية محفزة على فتح قنوات التواصل والتفاعل مع القضايا الكبرى للمجتمعات في العالم العربي. كما أن تفضيل الباحثين تقنيات ومنهجيات متطورة أو معقدة لا يسهّل تواصلهم مع من هو خارج تخصصهم ومع عموم المواطنين. وقد أظهرت نتائج التقرير أن إسهام علماء الاجتماع في النقاش العام داخل المجال العام وفي الحراك الاجتماعي ضعيف وباهت. وفي هذا الإطار يلاحظ ضعف نسبي للمقاربات المنهجية المرتبطة بالعمل الميداني، كالمقابلات والملاحظة والمقارنة

(((بامية، ص.11

أشكال الحضور قراءة أولية في التقرير الأول للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

ودراسة الحالة، وهذا ما يجعل مسألة منهجيات البحث والجمع بينها من أهم التحديات التي تواجه العمل البحثي للعلوم الاجتماعية في العالم العربي. ويوجد نوع من القطيعة المعرفية بين الأجيال المختلفة للعلوم الاجتماعية، سواء على مستوى مواضيع البحث أو المنهجيات أو الشبكات العلمية مقارنةً بالغرب؛ إذ ينظر إلى الإنتاج البحثي بوصفه حصيلة جهود تراكمية معرفية سابقة. فضلً عن ذلك ثمة تشتت مؤسساتي كبير، ويتبين من التقرير أن العلوم الاجتماعية مشتتة جدًّا بين مختلف الأجيال واللغات والبلدان؛ الأمر الذي يؤدي إلى تشرذم بحثي ومنهجي يصعّب مهمّة توطيد العلاقات البحثية بين علماء الاجتماع وتحديد غاية محورية للنشاط

العلمي العربي، وهذا الأمر يترتب عليه سيادة عدم الاستمرارية التاريخية لتقاليد العلوم الاجتماعية في الجامعات العربية. كما تعاني العلوم الاجتماعية في العالم العربي انعدام التواصل والنقاش بين الباحثين، وهذا ما يظهر من خلال ضعف التعاون الشبكي للعلوم الاجتماعية، ومن مؤشراته ضعف الجماعة العلمية وغياب الجمعيات العلمية العربية أو عدم اشتغالها بانتظام، وغياب البحوث المشتركة واللقاءات المنتظمة بين علماء الاجتماع في العالم العربي، وغالبًا ما يشتغلون عناصر فردية وليس بوصفهم مجموعات مستقلة

متعاونة في ما بينها. وقد ساهم الجمود البيروقراطي للجامعات في تدهور المستوى البحثي في العلوم الاجتماعية، وليس أدل على ذلك من ضعف الإضافات الفكرية التي تقدمها الجامعات العربية إلى العلوم الاجتماعية وضحالتها؛ ما أدى إلى تحوّل متواصل للعلوم الاجتماعية من علم بحثي مبدع إلى علم مدرسي جامد.

وأصبحت «مواضيع البحث في الجامعات تتماهى مع الاتجاه العام للسياسات والأيديولوجية الحاكمة في ظل قيود معروفة للباحثين حول حرية البحث أو تفضيل رسمي لبعض الاتجاهات والمواضيع البحثية ونبذ اتجاهات ومواضيع أخرى». ولا ننسى ضعف الدعم الوطني والحكومي المباشر للبحث العلمي والمرتبط في جزء منه بغياب إستراتيجيات وطنية واضحة متعلقة بدور العلوم الاجتماعية. يمثّل التقرير إضاءة أولية على واقع العلوم الاجتماعية في العالم العربي، وهو بمنزلة وقفة تأمل متأنية لتقويم مساراتها، ولمساءلة مكامن الخلل والتعثر التي حالت دون أن تأخذ مكانتها ودورها في المجتمعات العربية. وعلى الرغم من أن خلاصات التقرير تشير إلى أن تأمين حضور وافر وقوي للعلوم الاجتماعية في العالم العربي ما زال أمرًا بعيد المنال وسيحتاج إلى وقت وإلى مجهودات

كبرى، فإن هذا التقرير يُمثّل في حد ذاته ومضة معرفية تختزن جرعة كبيرة من الذكاء الجماعي والجرأة

الأكاديمية. وهو «يحرض» إيجابيًا على ضرورة بناء معرفة اجتماعية جديدة وإنتاجها لتكون قادرة على

الحوار مع المجتمع، عبر إبداع ديناميات فكرية كفيلة بفهم الواقع الاجتماعي العربي والاستجابة لقضايا المجتمعات وانشغالاتها.

(((المرجع نفسه، ص.63 (1((المرجع نفسه، ص.20 (((1 المرجع نفسه، ص.25

ومن المنتظر أن تقدم تقارير المجلس العربي للعلوم الاجتماعية قيمة مضافة إلى مسار العلوم الاجتماعية في العالم العربي، وأن تمثّل تقليدًا معرفيًّا مهمًّا لربط جسور التواصل بين علماء الاجتماع

وصناع السياسة والمجتمع المدني، كما ستكون فرصة للمؤسسات الجامعية والمراكز البحثية المعنية بالعلوم الاجتماعية، للتزود بمجموعة من المعطيات المهمة التي قد تفيدها في إثراء برامجها وبلورة مشاريعها البحثية الاجتماعية. وكل الأمل أن يكون هذا التقرير الأولي بداية بناء فضاء معرفي وبحثي رصين للعلوم الاجتماعية في العالم العربي، ما قد يحدّ من حالة الإهمال الرسمي للعلوم الاجتماعية عبر إرساء تعايش حقيقي، ليس بين العلوم الاجتماعية والحكومات وصناع القرار فحسب، بل مع المواطنين والمجتمع بصفة عامة أيضًا.

المراجع

العربية

بامية، محمد. العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور. بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 2015. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة. عمان:.2003 حنفي، ساري وريغاس أرفانيتس. البحث العربي ومجتمع المعرفة: رؤية نقدية جديدة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2015

الأجنبية

World Social Science Report. Challenging Inequalities: Pathways to a Just World. Paris: UNESCO, International Social Science Council, 2016. World Social Science Report. Knowledge Divides. Paris: UNESCO, International Social Science Council, 2010.