العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التحولات الاجتماعية والحريات الفردية لدى الشباب في تونس: أي علاقة؟

التحولات الاجتماعية والحريات الفردية لدى الشباب في تونس: أي علاقة؟

Social Change and Individual Freedoms for Tunisian Youth: What is the Relationship?

عماد المليتي | Imed Melliti *

الملخّص

يتحدّد موضوع هذه الدراسة في رصد مختلف تجلّيات الحرية الفردية لدى الشباب التونسيين، انطلاقًا من نتائج عدد من الدراسات والبحوث الميدانية. ويمكن تناول هذه التجلّيات من ثلاث زوايا: مظاهر الاستقلالية عن الجماعة والعائلة، وتطور العلاقة بالدين في اتجاه الفردنة، وتنامي السيادة الفردية على الجسد وخصوصًا في ما يتعلق بالحياة الجنسية. يتضح من تحليل نتائج هذه الدراسات أنّ التوق إلى الاستقلالية والنجاح الفردي أصبح ظاهرة عامة لدى الشباب في المدن، كما في الأرياف. ويتمظهر بروز الفرد أيضًا من خلال تشبّث الشباب بالحرية في التعامل مع الشأن الديني، وفي انتشار أنماط من الجنسانية المتحررة تعكس مدى تمسكهم بالتملك الحر لأجسادهم.

Abstract

Professor of Sociology, Higher Institute of Human Sciences, Tunis El Manar University.

الكلمات المفتاحية:
  • الحريات الفردية
  • الشباب
  • التديّن
  • الجنسانية
  • الاستقلالية
Keywords:
  • Youth
  • Individual Freedoms
  • Religiosity
  • Sexuality
  • Independence

ملخص: يتحدّد موضوع هذه الدراسة في رصد مختلف تجلّيات الحرية الفردية لدى الشباب التونسيين، انط قااًا من نتائج عدد من الدراسات والبحوث الميدانية. ويمكن تناول هذه التجلّيات من ثلاث زوايا: مظاهر الاستقلالية عن الجماعة والعائلة، وتطور العلاقة بالدين في اتجاه الفردنة، وتنامي السيادة الفردية على الجسد وخصوصًا في ما يتعلق بالحياة الجنسية. يتضح من تحليل نتائج هذه الدراسات أنّ التوق إلى الاستقلالية والنجاح الفردي أصبح ظاهرة عامة لدى الشباب في المدن، كما في الأرياف. ويتمظهر بروز الفرد أيضًا من خ لاا تشبّث

الشباب بالحرية في التعامل مع الشأن الديني، وفي انتشار أنماط من الجنسانية المتحررة تعكس مدى تمسكهم بالتملك الحر لأجسادهم.

Abstract: This study monitors the diverse manifestations of individual freedom among the Tunisian youth, based on the results field research. These manifestations can be dealt with from three angles: independence from the community and the family, the development of the individualization trend in the relationship with religion, and the growth of individual sovereignty over the body, especially with regard to sexuality. An analysis of the results of these studies shows that the yearning for independence and individual success has become a general phenomenon for young people in cities, as well as in the countryside. The emergence of the individual also manifests in the youth clinging to freedom in dealing with religion, and the spread of liberal sexuality patterns that reflect the extent of their attachment to ownership over their bodies.

مقدمة

تعرف تونس منذ عام 2018 جدلً حادًّا بشأن مراجعة المنظومة القانونية لجعْلها تكفل احترام الحريات الفردية والمساواة على الصعد كافة. ويعتبر عدد من القانونيين والسياسيين والملاحظين في تونس أنّ هذه المراجعة تحتّمها ضرورة مطابقة الترسانة القانونية مع ما جاء به دستور كانون الثاني/ يناير 2014 في هذا السياق، بما يُفسح المجال نحو تحوّل ديمقراطي لا يرتكز على

احترام الحريات العامة فحسب، بل على الحريات الفردية أيضًا، بوصفها دعامة أساسية لإرساء مجتمع ديمقراطي. لكن في الوقت نفسه، ثمة من يرى أن هذه الدعوات تتناقض مع خصوصية المجتمعات العربية، وتكرّس نوعًا من التبعية لثقافة الغرب، يمثل أساسُها «مغالطةً كبرى»، أي اعتبار قيم هذه الثقافة

قيمًا كونية. تحاول هذه الدراسة التفكير خارج هذا الجدل، من خلال قلب المعادلة التي يتأسّس عليها، وهي أن المنعرجات التشريعية المهمة في حياة المجتمعات ليست أداةً لتغيير هذه المجتمعات، بقدر ما هي انعكاس لما يعتمل داخلها من تحولّات ناضجة لا تنتظر إلا تكريسًا لها على المستوى القانوني والتشريعي. وعلى نحو أدق، الفرضية التي تستند إليها هذه الدراسة مفادها أنّ هذه المطالب الخاصة بتكريس قيم الحرية والمساواة في القانون لا تمثّل امتدادًا لحركة إصلاحية فحسب، تعود جذورها إلى تأسيس دولة الاستقلال في تونس وما قبل ذلك، إنّما تأتي من رحم حراك اجتماعي داخلي وملموس وفاعل، وتعكس تحولات عميقة تعتمل داخل المجتمع التونسي منذ عقود. تتعلّق هذه التحولات في الأساس بتغير العلاقة بين الفرد والجماعة المحلية بمفهوم فرديناند تونيز)1936–1855(، وفي الدرجة الأولى بتحوّل عميق للبنى العائلية والقرابية، وبتغيّر العلاقة بالدين

والمؤسسة الدينية، وهو ما ساهم في ترسيخ الفصل بين المجالين العام والخاص، وفي سيادة الفرد على جسده على نحو يجعله يقوم بدور تحكيمي أساسي في ما يتعلق بالخيارات الأخلاقية والمعيارية،

(((يُراجع على سبيل الذكر التقرير التالي:

Democracy Reporting International, «Vers une nouvelle ère dans la protection des droits fondamentaux en Tunisie: La mise en œuvre de l’article 49 de la nouvelle Constitution tunisienne,» Rapport du séminaire, Gammarth, Tunis, 27–

والتقرير الصادر عن الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية:

Hafidha Chékir & Wahid Ferchichi (dir.), Droits sexuels, droits humains à part entière (Tunis: ADLI, 2017).

نذكر من بين المدافعين عن هذا الموقف ناشطي ما يُعرف ب «التجمع المدني من أجل الحريات الفردية» الذي يضم 37 جمعية مدنية

أو أهلية، وخصوصًا الحقوقي والرئيس السابق للجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية، وحيد الفرشيشي. (((يراجع، خصوصًا: عبد اللطيف الهرماسي، «تزامنًا مع صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة: التسوية في الإرث ثورة

ثقافية نخبوية لا مطلب مجتمعي»، جريدة المغرب، 2018/6/22؛ عبد اللطيف الهرماسي، «حول تقرير لجنة الحريات الفردية

والمساواة: (/2 2) مقاصدية ضعيفة وسوسيولوجيا متهافتة وأسر للنموذج المدعو بالكوني»، جريدة المغرب،.2018/9/5

(3) Ferdinand Tönnies, Communauté et société: Catégories fondamentales de la sociologie pure (Paris: PUF, 2010

وصعود الفردانية لا بوصفها انحلالً للروابط الجماعية للأفراد، إنما إلى ما يذهب إليه نوربرت إلياس في كتابه مجتمع الأفراد عندما يتحدث عن تحوّل في التوازن بين «الأنا» و«النحن» في المجتمعات الحديثة، يكون من بين آثاره تحوّل جزء كبير من أشكال المراقبة والضبط الاجتماعي من خارج الذات الفردية إلى داخلها. وكما يقترح إلياس، فإنّ ما يميز «مجتمع الأفراد» ليس تقلّص مظاهر تبعيته، كما نعتقد، إنما على العكس من ذلك، تكثّف أشكال تبعية الأفراد بعضهم لبعض وتعقّدها. وهذه التبعية المتبادلة في تشكلّاتها المعقدة هي ما يفسح للأفراد مجالً لإثبات الذات والشعور بالاختلاف والفرادة. ومع ذلك، لا يعني دفاعنا عن هذه الفرضية أننا لا نُقرّ بالدور الأيديولوجي الذي تؤديه المطالبة القانونية بتكريس حرية الأفراد، باعتبارها أحد وجوه الصراع بين نخب سياسية ذات مرجعيات متباينة. كما لا يعني أننا نتجاهل شتّى أشكال استدعاء الانتماءات الجماعوية وتوظيفها لدى الشباب (سواء كانت هذه الانتماءات جهوية أم قبلية أم دينية)، لكننا نُرجّح أنها تدخل في خانة ما يسمّيه إيريك هوبزباوم (2012–1917) وتيرنس رنجر (2015–1929) «اختلاق التقاليد». سنعتمد في هذه الدراسة في الأساس على جملة من البحوث الميدانية التي تتناول، خصوصًا، فئة الشباب، التي كنّا قد أنجزنا عددًا منها قبل الثورة وبعدها، إلى جانب بحوث ومسوح ميدانية أخرى درست فئة الشباب في تونس، مع بعض الإشارات إلى أعمال بحثية مغربية لتشابه السياقات بين تونس والمغرب الأقصى. يُضفي اعتمادنا على هذه المسوح والبحوث الكمية مسحةً من الوضعية، لا بد من أن نشير إلى حدودها المنهجية. نحن واعون أتم الوعي بأن عملية قياس المواقف واعتماد المؤشرات لا تمثّل بأي حال من الأحوال استنساخًا للواقع، كما لا تتعدّى أن تكون مقاربة لهذا «الواقع»، يمكن الاستعاضة عنها بأدوات منهجية أخرى لا تقل عنها شرعية، نذكر منها المقاربات الكيفية والأنثروبولوجية. نحاول في هذه الدراسة الإجابة عن السؤالين المحوريين: ما مظاهر الفردانية لدى الشباب في تونس وباقي المجتمعات المغاربية؟ وإلى أيّ حدّ تعكس هذه المظاهر إعادة ترتيب منظومة القيم والمعايير داخل هذه المجتمعات؟ وللإجابة عن هذين السؤالين، قمنا بتبويب الدراسة في ثلاثة محاور: يناقش أولها انتشار قيم الفردانية والحاجة إلى الاستقلالية لدى الشباب، في حين يتناول ثانيها ترسخ مظاهر السيادة الفردية على الضمير الديني، أما ثالثها فيركز على تنامي مظاهر السيادة الفردية على الجسد والجنسانية لدى الشباب.

(4) Norbert Elias, La société des individus (Paris: Fayard, 1991), chap. III. (5) Eric Hobsbawm & Terence Ranger (eds.), The Invention of Tradition (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1983).

أولا: مظاهر الاستقلالية لدى الشباب

بيّنت بحوث سوسيولوجية عدة على مدى الأعوام الأخيرة، ولا سيما بين الشباب، توقًا وطموحًا

واضحين إلى الاستقلالية والنجاح الفردي. على أنّ هذا التّوق لا يقلّل في شيء من التعلّق بالعائلة

الضيّقة باعتبارها مرتكزًا أساسيًا في المقام الأوّل، وموطن اعتراف بالذّات وبناء الهوية؛ وهذا يتجلّى

من خلال الصعود القوي لمظاهر التواصل الاجتماعي والتضامن بين الأقران خارج نطاق العائلة، القائمَين على مبادئ التآلف والتقارب التي شجّعها الارتياد المكثّف والمتزايد للمنظومة المدرسية

على حساب الانتماء إلى الجماعة (العرش، بمعنى القسم من القبيلة، أو العائلة الموسّعة). وسواء

رحّبنا بهذه الظاهرة أم استهجنّاها، تشق الفردانية طريقها منذ زمن بعيد. هذه الحاجة إلى الاستقلالية والنجاح ونماء الفرد مرتبطة، إلى حدٍّ ما، بالزّحف الحضري الذي تشهده

البلاد (ثلث التونسيين فقط يعيش اليوم خارج ما كان يسمى المجال البلدي المنظّم)، لكنها ليست حكرًا على المدن، خلافًا لما يُعتقد؛ إذ يتنقّل الشباب الريفيون بين القرى وكبرى المدن وفقًا لفرص

العمل أو ضرورات التكوين الجامعي وغيرها من الأسباب الأخرى. وفي عام 1984، أنجز خليل الزميطي دراسة سوسيولوجية رائدة، اعتمدت على سردية لحياة شابّ ريفي من الوطن القبلي، تمرّد

على التسلّط الأبوي وعلى وضعيته بصفته معينًا أسريًا، حيث كان يشتغل في الضيعة الفلاحية التي تعود إلى أبيه. وبيّنت الدّراسة، من وراء هذه الحالة، قوّة الدّوافع نحو الاستقلالية لدى الشباب من

المشارب كلها منذ ما يزيد على ثلاثة عقود. وهو ما أظهرته أيضًا بحوث تناولت وضعيات مماثلة في منطقة الأطلس الكبير المغربي، نظرًا إلى تشابه السياقات، نخصّ بالذّكر منها أعمال الأنثروبولوجي

المغربي حسن رشيق. كما أكّدت أعمال بحثية حديثة العهد، من بينها تحقيق ميداني أجراه مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة، قوّة الحاجة إلى الاستقلالية والتّوق إلى الحريّة والنجاح الفردي

لدى السكان الريفيين في الوسط الغربي، وهو مرتبط بانحلال التضامن المجتمعي الذي وُصف

(6) Dorra Mahfoudh–Draoui & Imed Melliti, De la difficulté de grandir: Pour une sociologie de l’adolescence en Tunisie (Tunis: Centre de Publication Universitaire, 2006), pp. 187–194.

(((نقصد بالمجال البلدي المناطق المنظمة إداريًا في شكل «بلديات»، علمًا أنّ الكثير من هذه المناطق التي لا تحتوي على حد

أدنى من التجهيزات والخدمات الحضرية هي بمنزلة القرى الكبرى التي لا تستجيب تمامًا لشروط الحياة الحضرية. وعُمّم منذ

عامين، بمقتضى قانون جديد للجماعات المحلية، النظام البلدي على كامل التراب الوطني.

(8) Pierre Blavier, «Sociogenèse de la révolution tunisienne: Expansion scolaire, chômage et inégalités régionales,» Actes de la Recherche en Sciences Sociales , no. 211–212 (2016), pp. 54–71. (9) Khalil Zamiti, «Grève contre le père: Jeunesse rurale et formes de production paysanne, histoire de vie,» Cahiers du CERES , no. 10 (1984), pp. 89–98. (10) Hassan Rachik, «Du vernaculaire au global: Etre ‘ni enfant ni homme’ en milieu rural (Maroc),» in: Mounia Bennani–Chraïbi & Iman Farag (dir.), Jeunesses des sociétés arabes: Par–delà les menaces et les promesses (Paris: Aux Lieux d’Être, 2007). (11) Centre de recherche, d’études, de documentation et d’information sur la femme (CREDIF), «La Femme, acteur émergent: Rapports de genre et mutations multiformes dans le monde rural,» Tunis, 2016.

بأنه من قبيل الأسطورة (أو الميثية)، أو اعتُبر، في أفضل الأحوال، انتقائيًا ومحكومًا بمصالح فرديّة.

ويقول التقرير: «إنّ الخطاب الأخلاقي السائد ينحو نحو تأكيد مفاهيم احترام الآخر والتسامح وحرية الاختيار في حدود مقتضيات التضامن العائلي (بالمعنى الضيّق) والسعادة الفردية، حيث

يعلو الفرد على كلّ قيد قد تفرضه عليه الجماعة المحلّية. فالعبارات أو الأمثلة الشعبية التي تُرافق كلّ توصيف للعلاقات الاجتماعية الحالية لا تخرج عن عبارة ‘كلٌّ مسؤول عن نفسه’ [نَفسي نَفسي لا يرحم من مات]، ‘ولا أحد يُفكّر في سعادتك باستثناء والديك’ [كان جا الخو ينفع خوه ما يبكي

حد على بوه]... إلخ». على نحو ملموس، سمح هذا التحقيق بقياس إحصائي لمظاهر هذه الاستقلالية، حيث صرّح 43.8

في المئة من المستجوبين (58.3 في المئة من الرجال، في مقابل 25.4 في المئة من النساء)، ولا سيّما

الشباب المتعلّمين، أنّهم يتمتّعون بحريّة تغيير نشاطهم من دون الرّجوع إلى أيّ كان. في حين أن 39

في المئة (53.7 في المئة من الرجال، في مقابل 20.3 في المئة من النساء) هم قادرون على تغيير مكان هذا النّشاط بكل حرية، وأن 44.8 في المئة (56.3 في المئة من الرجال، في مقابل 31.3 في المئة من النساء)، في إمكانهم استثمار دخلهم في تطوير نشاطهم الاقتصادي الشخصي. وتتجلّى حرية استعمال الدخل في المصاريف الشخصية لدى النساء بنسبة 38.9 في المئة، ولدى الرجال بنسبة 59.7 في المئة. وخلُص محرّرو التقرير إلى الاستنتاج التالي: «إنّ الفوارق بين النساء والرّجال في هذه

الموضوعات المعبّرة عن التوجهات نحو استقلالية القرار لا تبدو واضحة بما فيه الكفاية للإحالة إلى

تأثير الضغوط الاجتماعية – الثقافية التي تميّز العلاقات الاجتماعية في الأرياف، بل يمكن أن نرى فيها

مجموعة ضوابط موضوعية مرتبطة بالتنقل أو الحركية في حدود أنّ أفق تغيير مكان النشاط يبدو ضابطًا يؤدي دوره التمييزي الكبير بالنسبة إلى النساء». توفّر نتائج تحقيق ميداني، نشرنا نتائجه في كتاب أصدرناه بمشاركة حياة موسى، معطيات مهمة بشأن هذا الطلب للاستقلالية المرتبط، في غالبية الأحيان، بمطلب الإنصاف، وحتى المساواة. فاحتجاجات الشباب المستجوبين من أوساط اجتماعية منوّعة وخمس مناطق مختلفة (تونس

الكبرى، وجندوبة، والقيروان، والمهدية، وقبلّي) ومؤاخذاتهم ومطالبهم، يستند جميعها إلى مبدأ المساواة الذي يُعبَّر عنه على نحو متفاوت الوضوح. ففي نظر هؤلاء الشباب، ثمة مظهران غير

مقبولين بتاتًا من مظاهر اللامساواة، عبّروا عنهما بحجج نقدية تكرّرت باستمرار. المظهر الأول،

الذي يثير أكثر من غيره جِراحًا معنوية وغضبًا، هو الشعور بعدم الاعتراف بكرامتهم بوصفهم بشرًا.

ويجد انعدام المساواة المتصل بالكرامة البشرية ترجمته في العلاقات غير المتكافئة بين الأشخاص، وفي أشكال الهيمنة التي تُعتبر حطًّا من الكرامة، ويستعمل السجل المستخدم في وصف هذه

(12) Ibid., p. 146. (13) Ibid., pp. 151–152. (14) Ibid., p. 152. (15) Imed Melliti & Hayet Moussa, Quand les jeunes parlent d’injustice: Expériences, registres et mots (Paris: L’Harmattan, 2018).

الهيمنة استعارات تحيل إلى الخضوع، وإبراز فكرة عدم تملّك الذات، وسلبها من إرادتها الحرّة،

ومن قدرتها على الفعل والتفاعل. أمّا المظهر الثاني لعدم المساواة موضوع التنديد، فعلى صلة بفكرة المواطنة؛ إذ ليس للمواطنة، في عيون الشباب، معنى إذا حادت عن مبدأ المساواة أمام القانون، وإذا لم تتجسّد في المعاملة التي تنتهجها الدولة حيال المواطنين أيًّا كانوا، ما جعل هؤلاء الشباب يعبّرون عن إدانتهم القاطعة للتجاوزات

والتّمييز والمحسوبية والفساد، مشيرين إلى عدد من الأحكام القانونية أو التراتيب المتضاربة، مع احترام مبدأ المساواة، مثل تلك المتعلّقة بحقّ النفاذ إلى بعض منظومات المساعدة في التشغيل. بيد أنّ مظاهر عدم المساواة التي تضع، بامتياز، مبدأ المساواة بين المواطنين محلّ تساؤل، هي تلك التي تتعلّق بالانتماء الترابي والجهات؛ نظرًا إلى ما يتولّد عن هذه التباينات بين المناطق والجهات من فوارق

في فرص النجاح والقدرة على بناء الشباب مشروعات حياتهم. وترى غالبية الشباب المستجوبين أنّ الدولة ومؤسساتها مطالبَة بتوفير فرص النجاح في الحياة لكلّ مواطن. ففي غياب هذا الحدّ الأدنى

من المساواة، الذي يمنح كلَّ مواطن فرصةً للنّجاح وبناء مساره الشخصي بكلّ استقلالية، يتعذّر على الأفراد تحمّل مسؤولياتهم تجاه أنفسهم وحياتهم ومصيرهم. ومن المرجّح أن تحثّ التطلّعات القيمية التي تولّدت عن الثورة في عام 2011 التونسيين على أن يكونوا أقلّ تسامحًا مع مختلف أشكال التمييز والتفاوتات واللامساواة في الفرص، ويزيد من إحساسهم بالضّيم وغضبهم على كلّ ما من شأنه أن يمسّ المساواة بين المواطنين.

ثانيًا: حرية الضمير وفردنة العلاقة بالدين

إذا كانت ظاهرة الفردانية في المجتمع التونسي تجد ترجمتَها في مطلب الاستقلالية والنجاح الفردي، فهي تتُرجَم قبل كلّ شيء في المطالبة المتزايدة باحترام الحريات الفردية في كلّ ما يتعلّق بالمعتقدات، وما يترتّب عليها من ممارسات واختيار الفرد نمط حياته وحرية التصرّف في جسده. تناولت بحوث كثيرة العودة القوية إلى الظاهرة الدينية والتفكّك الظاهري للمجال الديني، بهدف تفسيرها والوقوف على مكانة الدين في حياة التونسيين اليوم، سواء في مستوى المعتقدات أم في أنماط السلوك من حيث اللّباس وغيره من المظاهر الأخرى. وخلُصت إلى عدد من الاستنتاجات الأساسية، منها أنّ هذه العلاقة بالدين، باعتبارها أصبحت أقوى على نحو واضح، وتنشأ في سنّ مبكّرة، مسجّلة نسبًا مرتفعة نسبيًا في القيام بالشعائر الدينية لدى الشباب (أكثر من نصف المستجوبين يؤدون

فريضة الصلاة، بحسب نتائج المسح الميداني الذي أجريناه في حي التضامن ودوار هيشر في إقليم

(16) Ibid., pp. 97–99. (17) Ibid., pp. 99–110.

(1((نذكر من بينها: منير السعيداني (إشراف)، الحالة الدينية في تونس، 2015–2011: دراسة تحليلية ميدانية، 4 مج (الرباط: مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع،.)2018

تونس الكبرى)، فإنّ هذا الالتزام الديني اكتسب معنى جديدًا، يُترجم عن امتلاك فردي بامتياز للدّين لا علاقة له بتديّن الأجيال السابقة القائم على البدهية الثقافية والانتماء إلى الجماعة؛ فهذا الشباب نفسه غالبًا ما ينتقد تديّن العادة والتقاليد لدى الجيل السابق، ويرى فيه تديّنًا شبه «وراثي»، ينقصه وازع

المعتقد الداخلي والالتزام الشخصي. فانهيار المؤسّسات الدينية التقليدية التي كانت تشتغل منذ زمن بعيد، وفقدان الدولة جانبًا من سيطرتها على المجال الدّيني، ولا سيّما بعد الثّورة، ما فتئا

يوسّعان من طيف «العرض الديني»، الذي يمكّن الأفراد من الاختيار بين حساسيات وتوجّهات دينية منوّعة. ويمكن إدراك هذه الفردانية الدينية من خلال عدد المظاهر التي تسحب الدين، بدرجات متفاوتة، نحو المجال الحميمي والخاصّ. ومن ذلك ما يستنتجه عبد اللطيف الهرماسي، انطلاقًا من نتائج بحث ميداني كمّي، من وجود انفتاح لدى غالبية التونسيين على مبدأي حرية الضمير والاعتقاد وحرية

ممارسة الشعائر الدينية، شرط ألّ تتحول هذه الحرية إلى موقف معادٍ للدين؛ إذ يقبل نحو 78 في المئة من التونسيين بالمبدأ الذي يفيد أن لكلّ الحقَ في أن يختار الدين الذي يرتاح له، أو يقتنع به. كما يقبل نحو 89 في المئة بحرية أداء الشعائر الدينية. وعلى الرغم من البروز المدوّي في الفضاء العامّ، بعد الثورة، لممارسات وقواعد تدّعي انتماءها إلى الإسلام، فإنّ مسار التعامل مع الدين باعتباره شأنًا خاصًّا، ومن شأنه تغيير العلاقة بالدّين، لم يتغيّر على ما يبدو؛ فالإحصاءات المأخوذة من عدد من

البحوث، من بينها التحقيق الذي أنجزته رئاسة الحكومة في ظلّ مناخ سياسي وديني متوتّر، تؤكّد هذه الفرضية. كما تشير الأرقام المستنتجة من هذا التحقيق إلى أن 78 في المئة من المستجوبين يعتبرون أنّ لباس الحجاب يدخل في حيّز الحريات الفردية، على الرغم من أنّ كثيرين منهم وبالنسبة نفسها تقريبًا

((1(يتكوّن إقليم تونس الكبرى من أربع ولايات أو محافظات: تونس، وأريانة، وبن عروس، ومنوبة.

(20) Imed Melliti, «Les Jeunes et la religion au Maghreb: Entre individualisation et retour à la communauté,» in: Imed Melliti et al. (dir.), Jeunes, dynamiques identitaires et frontières culturelles (Tunis: UNICEF, 2008), pp. 63–73.

((2(انهيار المؤسسات الدينية التقليدية، مثل الأزهر والزيتونة والقرويين، أو على الأقل، تراجع دورها تحت تأثير جملة من التحولات كان موضوعًا لكثير من الأعمال السوسيولوجية، نذكر من بينها:

Malika Zeghal, Gardiens de l’Islam: Les Oulémas d’Al Azhar dans l’Égypte contemporaine (Paris: Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1996); Mohamed Tozy, Monarchie et islam politique au Maroc (Paris: Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1999); Melliti Imed, «L’Analyse sociologique du croire: Quelques réflexions autour de l’islam actuel,» in: Buket Türkmen (dir.), Laïcités et religiosités: Intégration ou exclusion? (Paris: L’Harmattan, 2010), pp. 27–46.

((2(من أهم إفرازات الثورة في تونس خلال الأعوام الأولى (ما بين 2011 و 2014) انتشار واسع لما يُعرف بالنشاط الدعوي وعجز

كبير للدولة عن مراقبة المساجد والخطب الجمعية؛ ما أدّى إلى إمامة جماعات سلفية «متشددة» عددًا كبيرًا من المساجد، على نحو

جعلها تخرج عن سيطرة الدولة. ((2(عبد اللطيف الهرماسي، «مقدمة قراءة نتائج الاستبيان: الروابط الدينية ومقتضيات التعايش بين التونسيين»، في: السعيداني (إشراف)، مج 4، ص.24 (2((تأهيل الفضاء الديني: تماشيًا مع الدستور وتحصينًا له من المخاطر (تونس: رئاسة الحكومة التونسية،.)2015

(80 في المئة) يعتبرونه من التعاليم الشرعية. في المقابل، يعتبر 55 في المئة من المستجوبين النقاب غريبًا عن الدين، ويرون في الوقت نفسه أنّه من باب الحرية الفردية. في حين ترى ثلاثة أرباع المستجوبين

أنّ مناخ الحريّات الدينية تحسّن بعد الثورة. وقد تبدو هذه البيانات في ظاهرها متناقضة، لكن هذا التناقض، تحديدًا، هو ما يفتح الطريق نحو التأويل السوسيولوجي، وقد يُفسر ذلك بأن معظم المستجوبين يفرقون بين أمرين: أن يكون أمر ما من صلب التعاليم الشرعية والدينية لا يعني بالضرورة وجوب الالتزام الفعلي به. إنّ هذه الفردانية الدينية لا تخص المنظومة القيمية فحسب، بل تُترجم، قبل كلّ شيء، في تأكيد دور الفرد في تأويل هذه الأحكام ومن ورائها مجموع النصوص الدينية؛ إذ أكّدت عدة معطيات مستمدّة من تحقيقات نوعية «فرضية أنّ الشباب، ولا سيّما أصحاب المستوى التعليمي، يميلون إلى نوع من

الاجتهاد ‘العصامي’، وينسبون إلى أنفسهم المساواة الفعلية مع رجال الدين في تناول المسائل الدينية، حيث إنّ نفاذهم إلى النص الديني يمنحهم الشعور بالقدرة على تفسير النصوص المؤسسة للتقليد الإسلامي وبشرعية القيام ذلك، من دون المرور بسلطة أولئك الذين يدّعون احتكار الوظيفة التفسيرية، سواء كانوا علماء تقليديين أم دُعاةً جددًا. كما يمنحهم الشعور بالسيطرة على ذلك النوع من الفوضى التي ما فتئت تستفحل مع تشتّت المجال الديني بعد الثورة». يعتبر الموقف من السلفية مؤشرًا جيدًا لاختبار مدى تعلّق التونسيين بالحريات الفرديّة. فالاعتقاد بأنّ السّلفيين يمثّلون تهديدًا للحرية، ولحقّ اختيار الفرد طريقه في مجال الدين، فكرة منتشرة إلى حدٍّ كبير بين الشباب؛ إذ يرى 59.8 في المئة من المستجوبين أنّ السلفيين يمثّلون جماعة دينية تسعى لفرض رؤيتها بالقوّة. وكثيرون هم من يندّدون بالدور البوليسي الذي قامت به هذه الجماعات في الفضاء العام (74 في المئة)، ودور الرقابة على الأخلاق الذي اضطلعت به بعد عام 2011 (66.3 في المئة). واعتبرت غالبية الشباب (85 في المئة من أصل 1750 مستجوبًا في إطار تحقيق في تونس الكبرى) أنّ دور السّلفيين في الانتقال الدّيمقراطي كان سلبيًا.

((2(لا نغفل طبعًا عن تنسيب هذه البيانات لصدورها عن جهة رسمية، لكننا نشير في الآن نفسه إلى أنّ الكثير من المسوح الأخرى

تنحو نحو تأكيدها. يُنظر: الهرماسي، «مقدمة قراءة نتائج الاستبيان»، ص.30

(26) Jean–Claude Kaufmann, L’Entretien compréhensif (Paris: Armand Colin, 2004), pp. 98–102.

((2(نجد في مرجع الهرماسي السابق ما يدعم هذه الخلاصة: «لنبدأ بالإدراك الذاتي لدى التونسيين للمعايير العامة التي نفترض أنها محددة في سلوكياتهم؛ فقد أجاب (%25.4) أنهم يتبعون منفعتهم، و (%14.4) أن هاجسهم تجنّب ما يعدّ عيبًا في العرف

الاجتماعي، و (%12.7) أنهم يتبعون ضمائرهم، و (%47.5) أن محرك أفعالهم هو اتّباع الحلال وتجنّب الحرام. ومن المهم أن نلاحظ

عدم بلوغ النسبة الأخيرة نصف المستجوبين، وهو مؤشر على تراجع اللغة الدينية والتبريرات الدينية، ومن ثمة على علمنة السلوك». يُنظر: الهرماسي، «مقدمة قراءة نتائج الاستبيان»، ص.29

(28) Imed Melliti, «Le rapport au religieux chez les jeunes,» in: Olfa Lamloum & Mohamed Ali Ben Zina (dir.), Les Jeunes de Douar Hicher et d’Ettadhamen. Une enquête sociologique (Tunis: Arabesque, 2015), pp. 147–168. (29) Ibid., p. 160. (30) Mohamed Jouili et al., Les Nouvelles formes d’engagement chez les jeunes dans la Tunisie postrévolutionnaire (Paris: L’Harmattan, [à paraître]).

ثالثًا: الجنسانية المتحرّرة والسيادة الفردية على الجسد لدى الشباب

إنّ تأكيد الفرد وجودَه ليس مسألة حرية ضمير ومعتقد فحسب، بل هو، قبل كلّ شيء، طلب سيادة كاملة على جسده وحرية التصرّف فيه؛ علمًا أنّ هذا البعد الثاني مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأوّل، من

حيث إنّه يستدعي من الأفراد القدرة على الاختيار واتخاذ قرارات أخلاقية ومعيارية وقيمية. ويمكن الإشارة أيضًا إلى أنّ عوامل الفردانية لا يمكن فهمها على هذا المستوى، من دون استحضار عدد من التحولّات الاجتماعية الديموغرافية في تونس. فهل يُعقل أنّ نصف قرن من التنظيم العائلي والتحكّم

في خصوبة المرأة الكلية لا يترك أثره في العلاقة بين الأفراد، ولا سيما النساء، وفي علاقاتهم بأجسادهم وجنسانيتهم؟ أفليس التحكّم في الخصوبة، قبل كل شيء، امتلاكًا للجسد الذي ما عاد في خدمة العائلة الموسّعة وإعادة إنتاجها؟ وعلى المستوى الاجتماعي الديموغرافي، سُجّل، خصوصًا، تحولّان قد يكونان مؤثرين في نظرنا:

السيطرة على الخصوبة وتأخّر سنّ الزّواج؛ إذ مكّن التحوّل الأوّل من وجود علاقات جنسية خارج

الزّواج وغير مرتبطة بالإنجاب، في حين مكّن التحوّل الثاني، متضافرًا مع تداعيات الاختلاط بين

البنات والأولاد، من جعل العلاقات الجنسية ممكنة. وفي كلتا الحالتين، نشهد تأكيدًا للجنسانية التي تفلت من رقابة العائلة وتمارَس على هامش المؤسسات، ونعني مؤسسة الزّواج. وفّرت تحقيقات عدة، على الرغم من صعوبة إنجازها والتأكد من نتائجها، بيانات مهمّة بشأن أهميّة

الجنسانية في مرحلة ما قبل الزّواج لدى الشباب، باعتبارها جنسانية مبكّرة تبدأ فيها العلاقات منذ سنّ المراهقة. ونظرًا إلى حساسيّة الموضوع، بقيت هذه البيانات تقريبية، ولم يجرِ تناول المسألة على

نحو مباشر. ففي دراسة ميدانية تناولت الوضع الصحّي للعائلة، وحرصًا من الباحثين على مساعدة

المستجوبين على تجاوز المعوّقات الأخلاقية عند التعبير عن آرائهم، لم يُسأل الشبان والشابات مباشرة

عن جنسانيتهم، بل عن جنسانية زملائهم/ هن. وعلى الرغم من أنّ الأرقام المستنتجة لا تتعدّى كونها مجرّد مؤشّرات تعطينا فكرة عن مدى انتشار هذه العلاقات واعتراف الشباب بها، فإنها تبقى معبّرة؛ فقد

صرّح 65 في المئة من الذكور بأنّهم يعرفون آخرين يقيمون علاقات جنسية، في مقابل 22 في المئة من

البنات اللاتي صرّحن بأنّ في محيطهنّ بنات لهنّ علاقات جنسية. وصرّح 55 في المئة من الذكور بأنّ

في محيطهم بنات لهنّ علاقات جنسية، في حين يعتقد 19.8 في المئة فقط من البنات باحتمال إقامة الذكور علاقات جنسية. مكّن استعمال الوسيلة ذاتها الباحثين، في إطار البرنامج العربي لصحة الأسرة، من تقدير أنّ ما بين

(31)  Enquête tunisienne sur la santé de la famille (Tunis: Office national de la famille et de la population (ONFP); Ligue des États arabes, 2002).

((3(أنجزت جامعة الدول العربية هذا البرنامج بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية، على رأسها صندوق الأمم المتحدة للسكان. وجرى في إطار هذا البرنامج القيام بعدد من المسوح في الكثير من البلدان العربية (المغرب، وجيبوتي، وليبيا... إلخ)، منها مسح في تونس أشرف على إنجازه الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، نُشرت نتائجه في عام.2006

50 و 60 في المئة من الشبّان، وبين 12 و 18 في المئة من الشابات، لهم علاقات جنسية. وكان في طرح

السؤال عليهم عن قبولهم مبدأ استعمال وسائل منع الحمل قبل الزّواج، أم لا، طريقة ضمنية لقياس درجة قبول الشباب للجنسانية خارج الزّواج. وكان «الفارق بين الجنسين واضحًا ومنتظرًا في الوقت

نفسه؛ إذ بيّنت الدّراسة أنّ الشبّان أكثر تساهلً من البنات [...] ويمكن القول إنّ أربعة شبّان من عشرة

(40.6 في المئة)، وبنتًا واحدة من عشر بنات (11.9 في المئة) لا يعارضون إقامة علاقات جنسية قبل الزّواج». ويمكن أن نرجح، إذا ما أخذنا في الحسبان شتى أنواع الحظر والتكتم التي تحيط بالجنسانية في الوطن العربي، أنّ هذه الأرقام هي دون واقع الممارسة الجنسية والآراء الحقيقية للشبّان،

وأنّ عددًا مهمًا من البنات المستجوبات قد يكنّ صرّحن بأنّه من غير المقبول استعمال موانع الحمل

قبل الزواج لمجرّد التحفظ الأخلاقي العام. تُبيّن الدّراسة أيضًا أنّ العلاقات الجنسية عندما توجد بين الجنسين تكون غير منتظمة، حيث صرّح 18 في

المئة من الشبان المستجوبين أنّ لأصدقائهم علاقات جنسية منتظمة. ونتيجة الضّغوط العائدة إلى الرقابة الاجتماعية والعائلية، فإنّ هذه العلاقات غالبًا ما تجري مع شركاء عرضيين (في أربع حالات من أصل

خمس للبنات، وتسع حالات من أصل عشر للشبّان). واستخلص الباحثون في البرنامج العربي لصحة

الأسرة، أنّه وحدها الأقليّة التي تقيم علاقات جنسية مع الشريك نفسه محمية من الأمراض المنقولة جنسيًا.

«في المقابل، فإنّ الغالبية العريضة من الشبّان والبنات الذين لهم علاقات جنسية غير منتظمة وعرضية،

نظرًا إلى أنّها تُمارس مع شركاء عرضيين، معرّضة للأمراض المنقولة جنسيًا». لعلّ في الأعمال البحثية لعالم الاجتماع المغربي، عبد الصّمد الديالمي، ما من شأنه أن ينيرنا بشأن الوضع التونسي، نظرًا إلى تشابه السياقات التونسية والمغربية. فالخلاصة التي انتهى إليها الديالمي

بالغة الإفادة؛ إذ تُبيّن الحاجة الملحّة إلى إصلاح القانون من أجل الاعتراف بالحريّات الفرديّة، لا

بهدف التشجيع على «الانحلال الأخلاقي»، بل من أجل السماح للمغاربة، ولا سيما الشباب منهم، بالتصالح مع أجسادهم وجنسانيتهم، وأن يعيشوها من دون التعرّض لشتّى المخاطر. ويرى الديالمي

أنّ هذا الإصلاح يجب أن يمر بالضرورة بعلمنة القانون لمجابهة مأزق الاجتهاد. ويعرض في كتابه الانتقال الجنسي، لوحة لافتة عن انفجار الجنسانية التي تمارس قبل الزّواج، والجنسانية المبكّرة المليئة بالمخاطر والمكبوتة، لكنّها الحاضرة باستمرار في كامل المدينة، وانفجار عمليات الإجهاض والجنس التجاري... إلخ. إلا أنّ اللّوحة ليست أيضًا بكلّ تلك القتامة، فالمجتمعات المغاربية ربما أصبحت تعترف بشرعية الحياة الجنسية قبل الزّواج، وتشهد اعتراف النساء بالمتعة الجنسية، وظهور مفهوم الاغتصاب الزّوجي، بحسب رأيه.

Les Pratiques sexuelles des jeunes: Représentations et sources d’information, (33) Nabila Hamza & Adnène Chaabouni,« dans un contexte de sida,» in: Projet Pan Arabe sur la santé de la famille, Les mutations sociodémographiques de la famille tunisienne: Analyses approfondies des résultats de l’enquête PAPFAM (Tunis: Office national de la famille et de la population, 2006), pp. 406–440. (34) Ibid., p. 418. (35) Abdessamad Dialmy, Transition sexuelle: Entre genre et islamisme (Paris: L’Harmattan, 2017).

ومن البحوث التي تشير إلى انتشار العلاقات الجنسية، خارج إطار الزواج لدى الشباب المغربي، ما جاء في عدد خاص من مجلة علمية تعنى بالشؤون المغاربية، وتتعلق بنقطة تبدو لنا بالغة الأهمية، وهي أنّ تعامل الدولة مع الممارسات الجنسية الخارجة عن إطار القانون، أي عن إطار الزواج، وتأويل أجهزتها لهذه الممارسات، يختلف باختلاف الانتماء الطبقي للأفراد، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بالنساء: فما يدخل في خانة المرح والترفيه عن الذات بالنسبة إلى الفتيات اللاتي ينتمين إلى الفئات الاجتماعية المرفّهة، يؤخذ على أنه شكل من «العهر» و«البغاء» عندما يتعلق الأمر بفتيات ينتمين إلى الفئات الاجتماعية «الدنيا». مثل هذه الاستنتاجات قد تُعتبر مؤشرًا على أنّ التكلفة الاجتماعية

للسلوك الخارج عن القوانين التي تحدّ من حرية الأفراد، هي في معظم الأحيان أعلى بكثير لدى الفئات الاجتماعية الضعيفة، وذلك عندما يتعلق الأمر بالسلوك الجنسي أو غير ذلك.

خاتمة

يؤكد ما سبق من تحليل للتحولّات العميقة التي شهدها المجتمع التّونسي ويشهدها، ضرورة إعادة

صياغة القانون ليواكب تطلّعات الأفراد، وفقًا لمعطيات حياتهم وتصوّراتهم الجديدة لحياة كريمة،

يسودها العدل. في الحالة التونسية، تجد الفردانية، التي أصبحت تميّز المجتمع والتي لا سبيل إلى نكرانها، تعبيراتها

في تمثّل جديد للكرامة الإنسانية والنجاح في الحياة وتحقيق الذات، وتُترجَم في طلب الاستقلالية

الواضح لدى شباب المدن والأرياف تعويضًا عن انحلال أشكال التضامن الجماعوي، وتمكينهم من الوسائل الضرورية لبناء مشروع حياتهم بكلّ حريّة. وتتجلّى هذه الحريّة في عدد من المؤشّرات، مثل حريّة اختيار العمل وإمكان التصرّف بحرية في الدّخل المترتب عليه؛ وهي حرية تنتظر الدعم من

القانون والمؤسسات، بتوفير شروط المنافسة المنصفة والمساواة في النّفاذ إلى الموارد والفرص. وإذا كانت التفاوتات واللامساواة بين المناطق والجهات مرفوضة بهذه الدرجة من الحدّة، فلأنّه يُنظر إلى

الانتماءات الترابية والجهوية، باعتبارها عائقًا يصعب تجاوزه أمام تطلّعات الشباب وتوقهم إلى تحقيق مشروعات حياتهم. أبدى الشباب عمومًا، بقطع النّظر عن بعض المواقف المحافظة، تعلّقًا متزايدًا بالحريّة، سواء في ما

يتعلّق بحرية المعتقد الدّيني أم باختيار نمط الحياة. والأكيد اليوم أنّ علاقة غالبية الشباب التّونسيين بالدّين أصبحت علاقة التزام فردي وتملّك للدين يسعى لأن يكون حرًّا وفرديًّا؛ إذ أصبح هؤلاء الشباب

يطالبون بحقّهم في التأويل الحرّ للأحكام والنصوص المقدّسة في مجتمع ما فتئ يتنوّع فيه «العرض

الديني». وتؤكّد غالبية هؤلاء الشباب رفض أيّ تدخّل للغير في اختياراتها الدّينية ونمط حياتها باسم

تأويل حصري للدين. ويستند طلب الحرية هذا إلى اعتقادٍ أصبح منتشرًا على نحو ملحوظ في البحوث

والدراسات، بأنّ علاقة الفرد بالمقدّس تنتمي إلى الحيّز الخاصّ، وأنّ على القانون حمايتها ما دامت

(36) Mériam Cheikh, «De l’ordre moral à l’ordre social: L’application des lois pénalisant la sexualité prémaritale selon les lignes de classe,» L’Année du Maghreb , no. 17 (2017), pp. 49–67.

لا تمسّ مبادئ العيش المشترك وشروطه. بيد أنّ آخر شكل من أشكال السيادة التي يمارسها الأفراد

باسم الحرية الفردية هي السيادة على الجسد. ففي تونس أفضت التحولّات الاجتماعية والديموغرافية الممتدّة في الزّمن إلى تغيير طريقة عيش الأفراد مع جسدهم وحياتهم الجنسية. وأيًّا كان الحكم الأخلاقي على تطوّر الممارسات، فالأكيد أنّ تأخّر سن الزّواج، والسيطرة على الخصوبة، والاختلاط

بين الجنسين، عوامل أحدثت تغييرًا عميقًا في قواعد السّلوك في هذا المجال. ومهما كان تعلّق الشباب

بالقيم الأخلاقية والدينية، فإن السياق الجديد يفرض نفسه عليهم، حيث تنمّ الممارسات والتمثلّات الذّهنية لهذه الممارسات عن تسامح، وحتى عن شرعنة للجنسانية قبل الزّواج.

References

المراجع

العربية

تأهيل الفضاء الديني: تماشيًا مع الدستور وتحصينًا له من المخاطر. تونس: رئاسة الحكومة التونسية،

السعيداني، منير (إشراف). الحالة الدينية في تونس، 2015–2011: دراسة تحليلية ميدانية. الرباط: مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع،.2018

الأجنبية

Bennani–Charaïbi, Mounia & Iman Farag (dir.). Jeunesses des sociétés arabes: Par– delà les menaces et les promesses. Paris: Aux Lieux d’Être, 2007. Blavier, Pierre. «Sociogenèse de la révolution tunisienne: Expansion scolaire, chômage et inégalités régionales.» Actes de la Recherche en Sciences Sociales. no. 211–212

Centre de recherche, d’études, de documentation et d’information sur la femme (CREDIF). «La Femme, acteur émergent: Rapports de genre et mutations multiformes dans le monde rural.» Tunis, 2016. Cheikh, Mériam. «De l’ordre moral à l’ordre social. L’application des lois pénalisant la sexualité prémaritale selon les lignes de classe.» L’Année du Maghreb. no. 17 (2017). Chékir, Hafidha & Wahid Ferchichi (dir.). Droits sexuels, droits humains à part entière. Tunis: ADLI, 2017. Democracy Reporting International. «Vers une nouvelle ère dans la protection des droits fondamentaux en Tunisie: la mise en œuvre de l’article 49 de la nouvelle Constitution tunisienne.» Rapport du séminaire. Gammarth, Tunis, 27–28/11/2014. Dialmy, Abdessamad. Transition sexuelle: Entre genre et islamisme. Paris: L’Harmattan,

Elias, Norbert. La société des individus. Paris: Fayard, 1991. Enquête tunisienne sur la santé de la famille. Tunis: Office national de la famille et de la population (ONFP); Ligue des États Arabes, 2002. Hobsbawm, Eric & Terence Ranger (eds.). The Invention of Tradition. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1983. Jouili, Mohamed et al. Les Nouvelles formes d’engagement chez les jeunes dans la Tunisie postrévolutionnaire. Paris: l’Harmattan, [à paraître]). Kaufmann, Jean–Claude. L’entretien compréhensif. Paris: Armand Colin, 2004. Lamloum, Olfa & Mohamed Ali Ben Zina (dir.). Les Jeunes de Douar Hicher et d’Ettadhamen: Une enquête sociologique. Tunis: Arabesque, 2015. Mahfoudh–Draoui, Dorra & Imed Melliti. De la difficulté de grandir: Pour une sociologie de l’adolescence en Tunisie. Tunis: Centre de Publication Universitaire,

Melliti, Imed et al. (dir.). Jeunes, dynamiques identitaires et frontières culturelles. Tunis: UNICEF, 2008. Melliti, Imed & Hayet Moussa. Quand les jeunes parlent d’injustice. Expériences, registres et mots. Paris: L’Harmattan, 2018. Projet Pan Arabe sur la santé de la famille. Les Mutations sociodémographiques de la famille tunisienne: Analyses approfondies des résultats de l’enquête PAPFAM. Tunis: Office national de la famille et de la population, 2006. Türkmen, Buket (dir.). Laïcités et religiosités: Intégration ou exclusion? Paris: L’Harmattan, 2010. Tönnies, Ferdinand. Communauté et société: Catégories fondamentales de la sociologie pure. Paris: PUF, 2010 [1887]. Tozy, Mohamed. Monarchie et islam politique au Maroc. Paris: Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1999. Zamiti, Khalil. «Grève contre le père: Jeunesse rurale et formes de production paysanne, histoire de vie.» Cahiers du CERES. no. 10 (1984). Zeghal, Malika. Gardiens de l’Islam: Les Oulémas d’Al Azhar dans l’Égypte contemporaine. Paris: Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1996.