العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ما وراء الديانية والعلمانية: نقاش الميراث والمساواة بين الجنسين في تونس وتشكل التفكير غير الاستبدادي

ما وراء الديانية والعلمانية: نقاش الميراث والمساواة بين الجنسين في تونس وتشكل التفكير غير الاستبدادي

Beyond Religion and Secularism: Gender Equality in the Inheritance Debate in Tunisia and the Formation of the Non–Authoritarian Reasoning

Sari Hanafi and Azzam Tomeh |** وعزام طعمة* ساري حنفي

الملخّص

تعرض هذه الدراسة النقاش الجاري المحتد في تونس حول المساواة في الميراث بين الذكور والإناث، ويدرس الحجج التي استعملها مؤيدو مشروع القانون الجديد ومعارضوه، من خلال تحليل 64 حجّة قدّمها عدد من السياسيين والأكاديميين والشخصيات الإعلامية التونسية في عام 2018. وفي هذا السياق، ثمة ثلاثة أسئلة بحثية؛ أولها: ما أنواع الحجج التي طرحها المؤيدون والمعارضون لمشروع القانون؟ وثانيها: ما دور الدين في النقاش العمومي؟ وثالثها: أيُظهر النقاش استمرار سياسة الهوية والاستقطاب بين تكوينات النخبة المختلفة أم أنّ هناك تغيرًا نحو نقاش أكثر معقولية؟ تم استخدام مفهوم ميف كوك للمنطق الاستبدادي مقابل المنطق غير الاستبدادي. وتستخلص الدراسة أن النقاش الذي دار قد استخدم لغة مشتركة عامة، سمحت بتقليص الميول السلطوية الإقصائية، والحد من الاستقطاب التاريخي من خلال الحوار في المجال العام.

Abstract

Abstract: This study presents the ongoing debate in Tunisia about inheritance equality between males and females, and examines the arguments used by both proponents and opponents of the new draft law. It analyses 64 arguments offered by Tunisian politicians, academics and media figures in 2018. The paper thus poses three research questions. What types of arguments have been put forward for the bill? What is the role of religion in the public debate? Does the discussion demonstrate a continuation of the politics of identity and polarization between

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • التديّن
  • الميراث
  • المساواة الجندرية
  • التفكير غير الاستبدادي
  • العلمانية
  • الديانية
Keywords:
  • Inheritance
  • Gender Equality
  • Tunisia
  • Non-Authoritarian Thinking
  • Secularism
  • Religiosity

ملخص: تعرض هذه الدراسة النقاش الجاري المحتد في تونس حول المساواة في الميراث بين الذكور والإناث، وتدرس الحجج التي استعملها مؤيدو مشروع القانون الجديد ومعارضوه، من خ لاا تحليل 64 حجّة قدّمها عدد من السياسيين والأكاديميين والشخصيات الإعلامية

التونسية في عام 2018. وفي هذا السياق، ثمة ثلاثة أسئلة بحثية؛ أولها: ما أنواع الحجج التي طرحها المؤيدون والمعارضون لمشروع القانون؟ وثانيها: ما دور الدين في النقاش العمومي؟ وثالثها: أيُظهر النقاش استمرار سياسة الهوية والاستقطاب بين تكوينات النخبة المختلفة أم أنّ

هناك تغيرًا نحو نقاش أكثر معقولية؟ تم استخدام مفهوم ميف كوك للمنطق الاستبدادي مقابل

المنطق غير الاستبدادي. وتستخلص الدراسة أن النقاش الذي دار قد استخدم لغة مشتركة عامة، سمحت بتقليص الميول السلطوية الإقصائية، والحد من الاستقطاب التاريخي من خلال الحوار في المجال العام.

Professor of Sociology at the American University of Beirut, and editor of Idafat: the Arab Journal of Sociology.

Researcher in social sciences at the American University of Beirut.

the different elites, or is there any inclination towards a more reasonable debate? The Maeve Cooke concept was used for authoritarian versus non–authoritarian logic. The study concludes that the debate used a common language, which facilitated the reduction of exclusionary authoritarian tendencies and of historical polarization through dialogue in the public sphere.

مقدمة

حُكِم الوطن العربي مدّة طويلة بالأنظمة الاستبدادية التي شجعت ثقافة أحادية تتوافق مع

سردية السلطة الرسمية، دافعةً السرديات الأخرى إلى المجالات الخاصة وشبه الخاصة. وساهم غياب المجال العام، بالمعنى الهابرماسي، وهو ضروري للتلاقح الفكري، في تفاقم الصدع بين الليبراليين وقسمٍ كبيرٍ من الإسلاميين. لا يقع اللوم هنا على الدولة وحدها، أو على جانبٍ واحد، ولكن على كلا الجانبين، ولو بدرجات متفاوتة. وليس من المبالغة القول إنه منذ بداية الثورات العربية، قامت معارك شبه أهلية بين الليبراليين والإسلاميين، كما هو الحال في مصر، وسورية، واليمن، وليبيا. ويمكن الادعاء أن ثمة فشلً لكلا الطرفين في فهم أحدهما الآخر. ولمّا كان لكلا الفريقين قوته المحلية

بل العابرة للحدود، شاع بين الطرفين وصف أحدهما الآخرَ بتسميات ذات حمولات سلبية؛ فالليبرالي

يُنعَت ب «الحداثي»، و«العلماني»، و«التغريبي»، بينما يوصف الإسلامي ب «التقليدي»، و«الرجعي»،

و«الأصولي»، وكلّها تسميات لن تفسر طبيعة المناقشات والجدل الحاليين في الوطن العربي. وقد أنتجت هذه الثنائيات الحادّة الممتدة طوال عدّة عقود من الزمن سياسات هوياتية، ودفعت إلى التنازع حول هوية الدولة وشكل تشريعاتها. وهذا كله يطرح تساؤلً، فهل يؤدي الانتقال إلى الديمقراطية إلى إعاقة سياسة الهوية وتسهيل النقاشات المجتمعية السليمة؟ لقد كانت تونس خير مثال للإجابة عن هذا السؤال؛ فهي تقع في قلب عملية انتقال ديمقراطي، مع ما يرافقه من جدل شديد في قضايا مختلفة، كان من أشدّها الجدل حول مسألة المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى. لا تكمن أهميّة الثورة التونسية، كما يرى المولدي الأحمر، في إسقاط نظام استبدادي فحسب، بل

في «التساوق التاريخي المثير الذي حدث بين المضمون الاجتماعي والثقافي والسياسي والأخلاقي والحقوقي لمطالب المحتجين، وجملة التحولات التي عرفها المجتمع التونسي على مستوى إعادة

بناء هويات الأفراد». وفي هذا السياق، أُعيد فتح النقاش حول المساواة في الميراث في تونس في 13 آب/ أغسطس 2018، عندما أعلن الرئيس السابق محمد الباجي قائد السبسي دعمه لقانون المساواة في الميراث، مقابل القانون الحالي الذي يتم تلخيصه في كثير من الحالات بالآية القرآنية: ﴿لِلذّكَرِ مِثْل

حَظِّ الُْنْثيَيْنِ﴾ (النساء: 11).

(((مجموعة باحثين، الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.34

(2) «Tunisian President Proposes Inheritance Equality for Women, With Exceptions,» Reuters , 13/8/2018, accessed on 27/2/2020, at: https://reut.rs/3armcMe

في إطار الإجابة عن الأسئلة التي سبق ذكرها، وفي السياق التونسي المهمّ بوصفه نموذجًا للانتقال

الديمقراطي والجدل الشديد في إطار الاختلاف العلماني الإسلامي، تتحدى هذه الدراسة العديد من الكليشيهات، مثل معارضة الدين للعلمانية، وتتحقق من مدى معارضة الديانية للعلمانية، في السياق التونسي.

1. الإطار التاريخي: الحريات والنوع الاجتماعي في تونس

أتى بيان الرئيس الراحل السبسي في 13 آب/ أغسطس، الذي أعلن فيه دعمه للمساواة بين الجنسين عمومًا، والمساواة في قوانين الميراث خصوصًا، نتيجةً لسياق تاريخي طويل من التعامل مع المساواة

الجندرية في تونس منذ عهد الحبيب بورقيبة، مؤسس الدولة التونسية الحديثة. ففي عهد بورقيبة، حدثت تغييرات مهمة في القانون التونسي؛ من ذلك أنّ الحكومة التونسية، في عام 1956، غيّرت قانون

الأسرة، وحظرت تعدد الزوجات، وفرضت قوانين طلاق متساوية، مع تشجيع الزواج بالتراضي. ورغم

ذلك، لم تنأ علمانية تونس بنفسها عن الإسلام، فقد نص الدستور في عهد بورقيبة على أن «تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها»، ونص الدستور أيضًا على أن الرئيس يجب أن يكون مسلمًا. وفي الوقت ذاته، أشار القانون، مثلً، إلى الأعراف التونسية

التي استُخدمت لتبرير حظر تعدد الزوجات، والحفاظ على قانون الميراث بشكله الفقهي كما هو.

رفض بورقيبة علانيةً العلمانية المناضلة بشكلها الفرنسي، التي تتمثّل من خلال مفهوم دولة تتجاهل الدين، والتي تعتمد في تأسيس قانونها على الأخلاقيات العلمانية فقط. لكن هذه السياسات التي يمكن وصفها بأنها «سياسات للعلمنة»، كانت من الأعلى إلى الأسفل، حتى إنّ عالِم الاجتماع الراحل عبد القادر الزغل وصفها بأنها صامتة. بالمثل، شهدت تركيا مثل هذه العلمنة الصامتة مع رئيسها مصطفى كمال أتاتورك؛ ففي عام 1926، تبنى أتاتورك القانون المدني السويسري، وكان هذا من أشدّ الإجراءات ثورية في تاريخ تركيا. وألغى أتاتورك تعدد الزوجات، وأعطى الرجال والنساء حقوقًا متساوية في الطلاق، وألغى قوانين الميراث غير المُساوية بين الجنسين. لكن الفرق بين النموذج التركي والتونسي أن بورقيبة شاور المفتي الحنفي محمد الحبيب بلخوجة حول تلك الإصلاحات، بينما لم يستشر أتاتورك علماء الدين في قراراته. في حالة الميراث، عندما سأل بورقيبة بلخوجة، أجاب بأن الآيات القرآنية صريحة وحاسمة في مسألة تقسيم الميراث، وأنها لا تخضع للاجتهاد،

(((نسبةً إلى ديانة، ونفضل هذا المصطلح على مصطلح «الديني» لأن الإشكال، في نظرنا، ليس في مقابلة الدين للعلمانية، ولكن في الديانية باعتبارها فكرًا ينادي بربط الديني بالسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

(4) «Tunisia,» Social Institutions & Gender Index, SiGI (2014), accessed on 27/2/2020, at: http://bit.ly/390pqFA (5) Rory McCarthy, «Re–Thinking Secularism in Post–Independence Tunisia,» The Journal of North African Studies , vol. 19, no. 5 (2014), pp. 733–750.

(((عبد القادر الزغل وآمال موسى، حركة النهضة بين الإخوان والتونسة (تونس: دار سراس للنشر،.)2014

(7) Yesim Arat, «Womenʼs Rights and Islam in Turkish Politics: The Civil Code Amendment,» Middle East Journal , vol. 64, no. 2 (2010), pp. 235–251.

بخلاف مسألة الوصية التي سُمِح للتونسيين على أساسها، فقهيًا، بتخصيص 30 في المئة من ثرواتهم لمن

يرغبون، أما إذا أرادوا تطبيق ميراث متساوٍ، فعليهم أن يفعلوا ذلك في حياتهم. لم يزد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي تغييرات جذرية على ما اقترحه بورقيبة في عصره، وكان أكثر تركيزه متعلقًا بالهيمنة السياسية على المجال الديني، في مقابل العلمنة. لكن السبسي، بعد ذلك، هو الذي اقترح سَنّ قوانين المساواة في الميراث، مستندًا إلى التقرير الصادر عن «لجنة الحريات الفردية

والمساواة» التي أُنشِئت قبل سنة من ذلك؛ لإصلاح قوانين تونس وفقًا لدستور ما بعد الثورة الذي تم وضعه في عام 2014، ولتتوافق مع الاتفاقيات الدولية. وقد استخدم التقرير المشار إليه منهجية البحث المختلطة؛ بما في ذلك المنهجية التشاركية، والمشاورات، والإحصاءات، والمقابلات المعمقة. لم يمرَّ إنشاء لجنة الحريات الفردية والمساواة من دون اعتراض، فقد اتّهمها حزب حركة النهضة، ثاني

أكبر حزب سياسي، بأنّها من لون سياسي واحد، وأنها استبعدت دوائر أكثر محافظة من عملها. تألفت اللجنة من تسعة أعضاء. ومن خلال أسماء المشاركين، يتضح أن اللجنة مكوّنة من أساتذة

(((ليلى عيد، «مورو: وضوح القرآن منع بورقيبة من مساواة الميراث»، النهار أونلاين، شوهد في 29/08/2017، في:

http://bit.ly/3ait0f0

(((لجنة الحريات الفردية والمساواة، تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (تونس: 2018)، شوهد في 2020/3/16، في:

https://bit.ly/2QivjXE (10) Sharan Grewal, «Can Tunisia Find a Compromise on Equal Inheritance?» Brookings, 25/9/2018, accessed on 25/9/2019, at: https://brook.gs/37YNadh

(1((«تونس: المساواة بين الرجل والمرأة... السبسي على خطى بورقيبة؟»، موقع فرانس 24، 2017/8/15، شوهد في 2017/8/15،

في: https://bit.ly/2uUUt7D

((1(وهم التالية أسماؤهم: بشرى بلحاج حميدة: محامية تونسية وناشطة مدنية وعضو في مجلس نواب الشعب، وهي أيضًا عضو مؤسِّسة ورئيسة الجمعية

التونسية للنساء الديمقراطيات. كريم بوزويتة: دكتور في الأنثروبولوجيا، وخبير دولي في الاستراتيجية والمناصرة في الأمم المتحدة، وأستاذ في المدرسة السياسية بتونس والمدرسة العليا للاقتصاد. عبد المجيد الشرفي: أستاذ في العلوم الإسلامية ومؤلف العديد من الكتب عن الفكر الإسلامي الكلاسيكي والمعاصر، وهو عضو في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي.

سليم اللغماني: أستاذ القانون العام والعلوم السياسية في كلية العلوم القانونية بتونس، وقد ترأّس مختبر البحوث «قانون الاتحاد الأوروبي والمغرب العربي – العلاقات الأوروبية».)2013–2001(سلوى الحمروني: محاضرة مشاركة في القانون العام في جامعة قرطاج، وأخصائية في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدستوري، كانت عضوًا في لجنة صياغة قانون المحكمة الدستورية، ومستشارة مع منظمات وطنية ودولية، بما في ذلك اليونسكو،

وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومحامون بلا حدود. صلاح الدين الجورشي: كاتب وناشط، ورئيس المجلس المدني الوطني، ونائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، وعضو في منتدى الجاحظ. إقبال الغربي: أستاذة كرسي أنثروبولوجيا الدين في المعهد العالي لأصول الدين ومركز الإبداع التربوي في جامعة الزيتونة. مالك الغزواني: نائب رئيس محكمة تونس الابتدائية. دورا بوشوشة: أستاذة الأدب الإنكليزي ومنتجة أف ماا، وهي مديرة مهرجان قرطاج السينمائي، وكانت رئيسة لجان دعم الإنتاج في فرنسا.

ينظر: «السبسي يمنح وسام الجمهورية لأعضاء لجنة الحريات والمساواة»، جريدة الجمهورية، 2018/8/13، شوهد في 2020/2/27،

في: https://bit.ly/38ZHhNn

حقوقيين وناشطين في مجال الحقوق المدنية، وأن العدد متساوٍ، تقريبًا، بين الجنسين (أربع نساء،

وخمسة رجال)، وأنّ ثلثَي أعضاء اللجنة هم من أساتذة الجامعات. ومع ذلك، استثنت اللجنة الفقهاء الإسلاميين من جامعة الزيتونة، كما استثنت المقربين من حركة النهضة (الحزب الإسلامي الرئيس). تجدر الإشارة إلى أن المجتمع التونسي ينقسم تاريخيًا إلى تكوينات نخبوية مختلفة تقود ثلاثة أقسام

مجتمعية Communities، هي: جماعة فرنكوفونية أقرب إلى البرجوازية، معجبة بالثقافة الفرنسية والغربية عمومًا. وجماعة تقليدية قريبة من مؤسسة الزيتونة. ومجتمع قبلي (أو شبه قبلي) في المناطق الريفية. لا يقتصر دور كل مجتمع على تنوع اجتماعي وثقافي خاص به فحسب، بل إنه يشتمل أيضًا على طريقته الخاصة في توزيع الميراث. اعتاد جزء من البرجوازية الحضرية أن يرث ذكورها وإناثها بالتساوي، في حين تستند الدوائر التقليدية إلى الميراث وفقًا للفقه الإسلامي السائد. أما المجتمعات القبلية عمومًا فلا تورِّث الأنثى. وعلى الرغم من مثل هذه التقسيمات، يؤكد المؤرخ التونسي عبد الحميد هنية بزوغ فردانية مطردة مع الوقت عند التونسيين حتى قبل نشوء الدولة التونسية، ما سمح بممارسات تجاوزت الأخوة القبلية أو الرعية في الزمن الاستعماري، وممارسات اجتماعية تتجاوز الإكراهات الجمعية.

2. منهجية البحث

تحاول هذه الدراسة تحديد الحجج المقدمة حول قضية اقتراح القانون الجديد للميراث، وتقسيمها إلى أنواع مختلفة من الجماهير من خلال الإعلام؛ كالتلفزيون، وغيره من وسائل الإعلام الاجتماعية. جمع الباحثان 64 حجة من 41 مصدرًا اختيرت عشوائيًا من «يوتيوب»، و«فيسبوك»، وقنوات تلفزيونية،

وبوابات إخبارية أخرى عبر الإنترنت، منها 40 حجة ضد قانون المساواة في الميراث، وحجتان محايدتان، و 21 حجة مع المساواة في الميراث. وقد صدرت المشاركات عن ممثلي الأحزاب والمجتمع المدني، وعلماء دين، وناشطين، وأكاديميين، ومتظاهرين. إضافةً إلى ذلك، أجرى الباحثان مقابلات مع باحثين تونسيين لسبر آرائهم بشأن الحجج المستخدمة في الجدل في المجال العام. ولا تهدف هذه الدراسة إلى تسجيل الجدل الأكاديمي والفكري والفقهي، ولكنها تروم تسجيل الجدل في المجال العام، والمتداول بين عامّة الناس؛ لذا لم يتم تضمين دراسات وأبحاث أكاديمية في العيّنات المختارة.

(13) Abdelhamid Hénia, Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l’individu en Tunisie (Tunis: L’or du temps, 2015).

((1(قام حاتم البقالي بتحليل فكري لطرفَي المحاججة في مسألة الميراث، وقد خلص إلى أن حالات الميراث المتساوي والإرث الإسلامي مقبولة لأسباب دينية واجتماعية وفلسفية. ومع ذلك، فإن قضية إنفاذ تلك القوانين على أولئك الذين لا يؤمنون بها غير مقبولة، وتنتهك حقوق الإنسان الأساسية. ومن أجل تجنب العداوات الداخلية في المجتمع، يقترح البقالي أن تكون قوانين الميراث طوعية، مع كون قوانين الميراث الإس مااية هي القاعدة، والسماح لأولئك الذين لا يرغبون في الالتزام بهذه القاعدة باستخدام الميراث المتساوي، ما يسمح للناس بأن يتصرفوا بحسب معتقداتهم الداخلية بعيدًا عن الصدامات السياسية والفكرية والثقافية،

ينظر: «نظام الإرث الإس مااي: تأصيل نظري لأدلة الحداثيين وحجج المحافظين»، ماروك برس، 2018/10/11، شوهد في

2020/2/19، في: https://bit.ly/2v0amcP

من حيث الإطار النظري، سنناقش العلاقة بين العقل العمومي Reason Public والدين، من خلال أدبيات الفيلسوفين يورغن هابرماس وميف كوك، وهو الإطار الذي يظهر التجاذب والتناحر بين الدوغمائية والانفتاح، وبين إغلاق المجال العام عن النقاش والانفتاح على مجموعة متنوعة من الآراء.

أولا: الاستبداد والدين في الحقل العام

هناك العديد من الكليشيهات حول تصنيف بعض المناطق الجغرافية بوصفها ديانية أو علمانية، وذلك بسبب تحليل التقاليد الفكرية المختلفة والأديان المنتشرة والحاملات المؤسسية التي أنتجت الأشكال المختلفة للدين والتدين في المجتمع المعاصر. ومن المهم، في المقاربة السوسيولوجية، مناقشة مكان الدين في الديمقراطية عامةً، وفي المجال العام على نحو خاص. وبحسب جون رولز، لا يمكن أن يُطلَب من المواطنين أن يتحملوا مسؤولية تبرير قناعاتهم السياسية بمعزل عن معتقداتهم الدينية.

أما هابرماس فيقر بمكانة الدين في المجال العام، ولكنه يقصره على المداولات غير الرسمية خارج إطار الدولة، ويستثنيه من المأسسة العامة، ويرى أن الجماعات الدينية يجب أن تشارك في مداولات هرمنيوطيقية من أجل تطوير مواقف معرفية تجاه ادعاءات الأديان الأخرى والرؤى العالمية؛ لتشكيل معرفة علمانية توظّف الخبرة العلمية. ولكن هل من الممكن حقًا فصل الأسباب «الدينية» عن الأسباب «العلمانية»؟ يرى باحثون مثل دارين والهوف، ممن درسوا الجدل حول الزواج المثلي في الولايات المتحدة الأميركية، أن «اللاهوت والسياسة وهوية المجتمع الديني، كلها يرتبط بعضها ببعضها الآخر؛ إذ إنّ القادة الدينيين والمواطنين يطبقون ويعيدون صياغة لاهوتهم في السياقات السياسية الجديدة». وتضيف كوك أن مشكلة المواقف الدينية ليست في أنها تعتمد مرجعية غير مشتركة مع الآخر، كما يقول هابرماس، بل في أنّها تميل إلى أن تكون سلطوية، ودوغمائية في صياغتها. ومع ذلك، إن تمت صياغة حجج غير استبدادية من طرف الديانيين، لا تؤخذ فيها المواقف المطلقة في الاعتبار، ولكنها تخضع للمحاججة، فعندها يمكن ترجمة تلك الحجج إلى المجال العام، من دون المساس بالحريات والديمقراطيات الضرورية لوجودها. قد يكون المقياس الآخر لعدم الاستبداد هو محاولة دمج المعرفة العلمانية والدينية في إطار واحد؛ إذ يتم فهم الإطارين كليهما، أحدهما في ضوء الآخر. وتُعدّ محاولة الديانيين التوفيق بين رؤيتهم للعالم ونتائج العلوم، و/أو تبرير رؤيتهم باستخدام العلوم، مثالً على ذلك. وهذا من شأنه أن يسمح للديانيين بعدم التخلي عن اليقين الذي يجدونه في الإيمان (والذي هو دائمًا موضوع الاجتهاد)، والانخراط في حوار عمومي يتم فيه دمج اللغتين العلمانية والدينية في نظرة

عالمية واحدة.

(15) Darren R. Walhof, «Habermas, Same–Sex Marriage and the Problem of Religion in Public Life,» Philosophy & Social Criticism , vol. 3, no. 39 (2013), pp. 225–242. (16) Ibid., 229. (17) Maeve Cooke, «Salvaging and Secularizing the Semantic Contents of Religion: The Limitations of Habermasʼs Postmetaphysical Proposal,» International Journal for Philosophy of Religion , vol. 60, no. 1/3 (December 2006), pp. 187–207. (18) Danna Patricia S. Aduna, «The Reconciliation of Religious and Secular Reasons as a Form of Epistemic Openness: Insights from Examples in the Philippines,» The Heythrop Journal , vol. 56, no. 3 (May 2015), pp. 441–453.

يفتح هذا الأمر إمكانية تجاوز ثنائية الديانية مقابل العلمانية التي يُربَطُ شقُّها الأول بالتخلف واللاعقلانية، في حين يجسد شقُّها الأخير العقلانية والعقل المتحرّر، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقضايا الجندر.

لكن لين نهايغن ترى أن النسويات اللواتي عملن على إصلاح التقاليد الدينية من الداخل يرفضن فكرة أن الأديان هي بالضرورة سلطة أبوية. وقد حققت النسويات الإسلاميات؛ مثل فاطمة المرنيسي، وأسماء المرابط، ونائلة السيليني، وغيرهنّ، تقدمًا كبيرًا نحو المساواة بين الجنسين، على الرغم من

العقبات والتحديات المتبقية. وعلى المنوال نفسه، حتى في الغرب، يتساءل باحثون، من أمثال جوان سكوت، عن الافتراض القائم منذ أمد طويل، المتمثّل في أن المساواة بين الجنسين هي مبدأ دائم للعلمانية، خاصة أنّ هذه المساواة تُستخدم لتبرير ادعاءات التفوق العنصري والديني للبيض والغرب والمسيحيين، ولصرف الانتباه عن مجموعة من المشاكل المتعلقة باختلاف الجنسين. ويشكّل إدراج الدين في النقاش العمومي حول الجندر، مفصلً رئيسًا. وفي هذا الصدد، تُميِّز نهايغن

بين ثلاثة أنواع من النسويات؛ أوّلُها «الموقف النسوي العلماني الثابت الذي ينظر إلى الدين على أنه نظام أبوي للمعتقدات والممارسات المحددة من الناحية المؤسسية التي تفرضها السلطات الدينية القوية، و‘المنسوخة’ من طرف تابعات يعانين ‘الوعي الكاذب’». وثانيها النسوية العلمانية ذات المزيج الصلب والناعم التي تنظر إلى العلمانية «على أنها ضرورية للمساواة بين الجنسين وترفض دور الدين في المجال العام [لكنها] تقبل أن الإيمان الديني يوفر معنى ‘أصيلً’ في حياة الأفراد». وثالثها، النسوية العلمانية الناعمة التي «تستوعب دور الدين في المجالين العام والخاص». إذا اعترفنا بأن مسألة النقاش في المجال العام لم تعد مرتبطة، ببساطة، بكونها علمانية أو ديانية، فما الذي يمكن اعتباره آراءً مشروعة في هذا المجال؟ يتجلى هذا في موقفين من الفردانية؛ موقف أولئك

الذين يعتبرون أن الحقوق الفردية تحل محل الحقوق الجماعية، وموقف من يعطون أولوية للعائلة بوصفها مؤسسة اجتماعية، ويؤمنون بتقسيم جندري للعمل ضمن هذه المؤسسة. وفي هذا الصدد، سيكون مفهوم كوك بشأن العقل العمومي الاستبدادي، مقابل غير الاستبدادي، مفيدًا لتأطير تصنيفنا وتأهيلنا للمناقشة العمومية حول المساواة بين الجنسين في الميراث؛ إذ توضح كوك أن هناك العديد

(1((يُنصح بقراءة: حسن عبّود، «كيف يمكن للنسوية الإسلامية أن تكون جزءًا فعال في الدراسات الإسلامية»، في: رضوان السيد

وساري حنفي وب لاا الأرفه لي (محررون)، نحو إعادة بناء الدراسات الإس مااية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2019)، ص.252–223

(20) Joan Wallach Scott, Sex and Secularism (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2017). (21) Line Nyhagen, «The Lived Religion Approach in the Sociology of Religion and Its Implications for Secular Feminist Analyses of Religion,» Social Compass , vol. 64, no. 4 (2017), pp. 495–511.

((2(ليس هذا النقاش منحصرًا في العالم العربي، بل يتعداه إلى الدول الأكثر علمانية كفرنسا، حيث دار جدل حامي الوطيس حول

تبني الأزواج المثليين للأطفال، ولا يزال هذا الأمر يثير المشاكل ويؤدي إلى المظاهرات في الشوارع. وقد أدان بعض المتظاهرين

سياسات «الخوف من العائلة»، ينظر مثلً:

Christine Ockrent, «The French are on The March to Safeguard Family Values,» The Guardian , 7/2/2014, accessed on 27/2/2020, at: http://bit.ly/2SjNFYv (23) Maeve Cooke, «Avoiding Authoritarianism: On the Problem of Justification in Contemporary Critical Social Theory,» International Journal of Philosophical Studies , vol. 13, no. 3 (September 2005), pp. 379–404.

من الافتراضات التي تحكم هذا النقاش، وتشمل هذه الافتراضات «أن التاريخ تقدمي وليس دوريًا،

وأن السلطة السياسية ليست معطى إلهيًا، وليست حقًا طبيعيًا، وليست نتيجة حتمية تاريخية، وإنما هي،

أولً، مسألة تعاون بين البشر لتحقيق مصلحتهم المتبادلة. وهي، ثانيًا، مسألة عدم وجود معايير سلطوية

مستقلة عن التاريخ والسياق الاجتماعي الثقافي يمكن أن تحكم على الادعاءات، خاصة في مجالات العلوم والقانون والسياسة والأخلاق والفن، إضافة إلى أن المعرفة البشرية خاضعة للأخذ والرد، ويمكن مراجعتها لأسباب وجيهة، وأن الكائنات البشرية متساوية في أصل الخلقة بحكم القدرات، كالعقل مثلً، وفي الحكم الأخلاقي، ولها الحق في الاحترام على أساس هذه القدرات». بعد وضع هذه الافتراضات، تنص كوك على أن اعتبارات كلّ من «التاريخ» و«السياق» هي ما يميز، في الأساس، الادعاءات الاستبدادية من غير الادعاءات الاستبدادية، ثم تعرض مزيدًا من المواصفات لما يمكن أن يكون منطقًا استبداديًا، مع إبراز مكونين مترابطين حول المعرفة والتبرير Justification. فأوّل هذين المكوّنين أن تكون المعرفة مقيدة، لكونها لا تصل إلا إلى مجموعة متميزة من الأفراد حصرًا، أو

لأنها تؤكد وجهة نظر بعيدة عن تأثيرات التاريخ والسياق التي تضمن صلاحية غير مشروطة للمطالبات بالحق والصدق (الاستبداد الإبستيمي). أما ثانيهما فهو أن يفصل التبرير صحة المقترحات والمعايير عن منطق البشر الذين يعلنون صلاحيتها (الاستبداد الإيتيقي). في حين أنّ هذين المتغيرين ضروريان في إزالة شمولية totalizing – De الحجج (أي إنها نظام شامل وكوني)، يجب ملاحظة أن الافتراضات التي تشكل المجال العام، والتي أوردتها كوك قبل ذلك، ينبغي أن تكون موجودة. وعليه، تشكك كوك في كون هذه المفاهيم قابلة للتطبيق على نحو كامل في سياق غير غربي. عند النظر إلى الفقه الإسلامي على وجه الخصوص، يرى محمد فاضل أنه في حين يمكن دمج القوانين الفقهية الإسلامية في المجال العام الهابرماسي، فإن بعض قوانين الفقه الإسلامي تشكّل أرضًا خصبة للصدام مع العقل العمومي. ومع ذلك، يمكن إعادة صياغة العديد من تلك القوانين ودمجها في المجال العام من خلال استخدام النقاش العمومي.

(24) Ibid., p. 380. (25) Maeve Cooke, «A Secular State for a Postsecular Society? Postmetaphysical Political Theory and the Place of Religion,» Constellations , vol. 14, no. 2 (2007), pp. 224–238.

((2(تقول كوك: «إن مشكلة التبرير التي تواجه النظريات الاجتماعية النقدية المعاصرة يمكن إرجاعها إلى بعض التحولات الرئيسية في المخيلة الاجتماعية الغربية على مدى السنوات المئة والخمسين الماضية. وإن أحد التحولات الرئيسة هو ‘التحول اللغوي’ للفلسفة الغربية [...] يلاحظ نتائج التحول الرئيسة من نشر وتفسير كتابات نيتشه، ومن ثم فوكو، لأن هذا أدى إلى قبول الذاتية والتحيز في الأحكام الأخلاقية. وقد أدت هذه التحولات وما يتصل بها من تخيلات اجتماعية غربية حديثة إلى فهم النظرية التي يمكن وصفها بأنها ‘غير استبدادية’. ويسترشد هذا الفهم غير السلطوي بدافعين مترابطين؛ هما الاهتمام بتجنب المفاهيم الاستبدادية للمعرفة والصدق، والاهتمام بتجنب التفسيرات السلطوية للعمل الإنساني. وبناءً على هذا الفهم، يجب أن تسعى النظريات إلى تجنب الاستبدادية

الإبستيمولوجية، من خلال الاعتراف بعدم توافر وجهة نظر مجردة من تأثيرات التاريخ والسياق؛ إذ يمكن من خلالها القول بشرعية مطلقة

غير مشروطة للتوصيفات والتفسيرات والإسقاطات المعيارية: يجب النظر إلى تأثير منظور المنظّر»، ينظر:

Cooke, «Avoiding Authoritarianism,» p. 382. (27) Mohammad Fadel, «Public Reason as a Strategy for Principled Reconciliation: The Case of Islamic Law and International Human Rights,» Chicago Journal of International Law , vol. 8, no. 1 (2008).

ومن هنا، عند دراسة النقاش حول الميراث في تونس، والمعايير المختلفة المستخدمة في المواقف المتخذة، يمكن أن يلاحظ المرء إمكان إجراء نقاش في المجال العام، مع احتمال وقوع نزاعات وحدوث تنازلات. ومن ثم، يُطرح السؤالان: هل الطرفان المتناقشان يلتزمان مواقفهما بشكلٍ دوغمائي؟ أم هل يحاولان إيجاد طريقة للاعتراف بأن القيم والحقوق قد تختلف، وما إذا كانت هذه الرؤى العالمية تأخذ في الاعتبار السياق والتاريخ في حُججهما؟ لهذا، فإن النقاش حول الميراث نقاش معقد إلى حد بعيد، وينبغي أن يُقرأ على هذا النحو، وله أبعاد دينية وقانونية واجتماعية تتشابك جميعها في تشكيل التقييم النهائي لتحديد قانون الميراث في تونس، وتحديد أفضل طريقة لتنظيم المجتمع التونسي. ومن الملائم هنا إيراد رأي فاضل عن مسألة الميراث؛ ذلك أنه يلمح إلى قول فضل الرحمن مالك إن هذه الآيات ليست ملزِمة إلى الأبد، ولكن يجب النظر إليها على أنها تعديلات على وضع المرأة في وقت ومكان معيّنين، وبما أن القرآن يؤكد المساواة الأساسية بين الذكر والأنثى، فإن القول بالمساواة في الميراث له حظ من النظر. ومع ذلك، يمكن القول إنّ قبول قانون ميراث إسلامي أمرٌ سائغٌ في الدولة الحديثة كذلك، وذلك لسببين؛ الأوّل أنه يسمح للإنسان بأن يحدد كيفية تحصيل مصلحته الذاتية بحسب معتقده، والثاني أنه يمنع استخدام الإكراه لفرض وجهة نظر معيّنة في تعريف المصلحة والخير. ويفتح هذا الأمر الباب لتعدد قوانين الميراث، والسماح للأشخاص باختيار قانون الميراث الذي يرونه مطابقًا لمعتقدهم وواقعهم.

ثانيًا، حجج مؤيدي القانون ومعارضيه في مناظرة الميراث

استخدم مؤيدو القانون ومعارضوه، بطرق مختلفة، ثلاثة سجلات Repertoires من الحجج، هي: الفقهية/ النصية، والسوسيولوجية، والقانونية، وسيجري توضيح هذه السجلات فيما يأتي.

1. الحجج المستعملة في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة

أ. سجل الحجج الفقهية

كان السجل الأول المستعمل في تقرير اللجنة هو الحجج الفقهية، إضافة إلى مقاصد الشريعة: • أكد القرآن الكريم المساواة بين الرجل والمرأة في عدة آيات، ولمّا كان الرجال والنساء، بحسب

القرآن، متساوين في أصل الخلقة، ولا يختلفون إلا في أدوارهم الاجتماعية، فإن تغيّر الأدوار

الاجتماعية ينبني عليه تغيير الأحكام المتعلقة بها. • قارن التقرير بين عدم المساواة والعبودية، وأنه مع رفض العبودية في ضوء مقاصد الشريعة، ينبغي أن يتم، أيضًا، رفض عدم المساواة بين الرجال والنساء.

• بما أن الميراث ليس من العبادات وإنما من المعاملات، فيجب أن يخضع لإعادة النظر الدنيوية؛ وبذلك قررت اللجنة أن المساواة في الميراث تتماشى مع ظروف العصر الذي نعيش فيه، وكذلك مع مقاصد الشريعة، بما يحقق الخير المجتمعي.

ب. سجل الحجج السوسيولوجية

لقد كان السجل الثاني من الحجج متمثّلً في الحجج السوسيولوجية، وذلك على النحو الآتي: • يشير التقرير إلى التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في تونس على مدى العقود القليلة الماضية، ثم إلى ملاحظة أن المرأة قد دخلت القوى العاملة، وأنها تشكل حاليًّا جزءًا كبيرًا من قطاع

التعليم، حيث بلغت نسبة النساء 63.5 في المئة من مجموع الطلاب والطالبات في التعليم العام. كما ثبت أن المرأة تساهم في الإنفاق على أسرتها، وهذا يؤدي إلى استنتاج مفاده أنّ وضع المرأة قد تغير، وأنّ أدوارها قد تغيرت. وبناءً على ذلك، ينبغي للأحكام المتعلقة بها أن تتغير كذلك، وهذا يستلزم

قراءة جديدة للآيات القرآنية. • تتحدد لوائح الميراث بناءً على القرب من الفرد المتوفَّى، وموقع الوريث، والالتزامات المادية

والأخلاقية للوريث. وهذه اللوائح الثلاث لا يمكن اختزالها بجنس الوارث؛ ولذا يجب أخذ المزيد من المتغيرات في الاعتبار. ويعترف التقرير بأن المرأة ترث أكثر من الرجل في كثيرٍ من الحالات، إلّ أنّ هذه الحالات لا يتجاوز حدوثها 20 في المئة من حالات تقسيم الميراث في المجتمع التونسي.

ج. سجل الحجج القانونية

يتصف السجل الثالث (الأخير) بأن حججه المقدمة في التقرير قانونية الطابع، وأنها تذكر النصوص في الدستور والاتفاقيات الدولية التي تدعم مفهوم المساواة الكاملة بين الذكر والأنثى. وفي حين أن بعض النصوص القانونية المذكورة قد تكون أشدّ غموضًا من غيرها، فإن المراد من الاستدلالات هو الإشارة إلى أساسٍ قانوني لمفهوم المساواة؛ وعليه ينبغي تعديل قوانين الميراث، بغية إيجاد الاتساق القانوني. تلك هي الحجج التي استعملها التقرير. وفي خضمّ المناقشات والجدل بخصوص ما ورد في التقرير،

تولّدت حجج إضافية مبنيّة على أجناس الحجج الواردة في التقرير، وسيتم دراستها وفقًا للتقسيم ذاته

(سجلات حجج قانونية، وفقهية/ نصيّة، واجتماعية).

2. الحجج الإضافية المتعلقة بتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة

أ. سجل الحجج القانونية

في هذا القسم، سيتم تحليل الاستدلال القانوني استنادًا إلى متغيرين عرّفهما رونالد دووركين، وهما

كما يلي: أولً، القانون باعتباره نسقًا من القواعد Rules التي يتم تطبيقها بطريقة «كل شيء أو لا شيء».

ثانيًا، القانون باعتباره مبادئ تحدّد التزامات المشرّع والقاضي، وتستند إلى تصوّر سياسيّ للأخلاق والعدالة في مجتمع ما، ومن ثمّ تسمح بتطبيق معيار كوك غير الاستبدادي في السياق القانوني/ الفقهي. وسيبحث هذا القسم كيف تتحرك الحجج القانونية بين النصيّة القانونية التي تركز على قواعد القوانين (والتي رجعت إلى نصوص المعاهدات والمواثيق الدولية بشكلٍ حرفي، ورأت أن المساواة قيمة مطلقة)، وبين المبادئ القانونية التي تشرح السياق الاجتماعي وتحاول خلق حلول لقوانين الميراث في سياق اجتماعي معيّن. ويعكس النقاش القانوني الخلافات التصورية والقيمية التي نشأت بين الجانبين في النقاش. كانت الحجج القانونية الخمس الرئيسة التي قدمها كلا الجانبين هي: تفسير الدستور، وتنفيذ الاتفاقيات الدولية، ومهمات اللجنة، وطبيعة الدولة المدنية، وطبيعة المساواة، وسنتناولها بالتحليل فيما يأتي: • أولً، ذكر مؤيدو القانون الجديد أنه بما أن الدولة التونسية دولة مدنية، وبما أن قوانين الميراث هي في قانون الأحوال الشخصية، وليست في القانون العام، فإن القوانين الدينية لا يجب فرضها. ويسلط هذا الأمر الضوء على الجدل القائم حول هوية الدولة، وهو جدلٌ تغلغل في المشهد السياسي التونسي منذ الثورة. وقد حاول الدستور التونسي لعام 2014 تحديد العلاقة بين الدين والدولة، فنص على أن الدولة التونسية هي دولة مدنية، ولم يذكر في أي موضع أن مصدر التشريع هو الإسلام. وفي ما يتعلق بالميراث، ينص الفصل الحادي والعشرون من الدستور على أنه ينبغي أن يتمتع الرجال والنساء بحقوق ومسؤوليات متساوية. ومع ذلك، يحتج معارضو القانون بتوطئة الدستور التي نصّت على أن تونس بلد مسلم، إضافة إلى الفصل الأول الذي فيه نصّ واضح على أن دين تونس

(28) Ronald Dworkin, A Matter of Principle (Oxford: Harvard University Press, 1985).

((2(«رأي عام – مشادة بين إعلامية تونسية وعالم أزهري حول المساواة في الإرث بتونس»، TV TeN، 2015/8/15، شوهد في

2020/2/27، في: https://bit.ly/3ceWagX

((3(الفصل 21: «المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم.» ((3(«تونس: المساواة بين الرجل والمرأة... السبسي على خطى بورقيبة؟»؛ «أزمة الإرث في تونس: معتز مطر يكشف عن نية الحكومة التونسية تطبيق قانون المساواة في الإرث، موقع يوتيوب، 2017/8/15، شوهد في 2018/8/20، في: ccbpqT /3 ly. bit:// http؛

وليد التليلي، «السبسي والمساواة في الإرث: إحراج النهضة والمزايدة على الحداثيين»، العربي الجديد، 2016/8/16، شوهد في

2018/8/16، في: bYW 79 v /2 ly. bit:// https؛ «المكي تعليقًا على المساواة في الإرث: لا يمكن القبول بتغيير نص ديني واضح»،

موزاييك آف آم، 2017/8/15، شوهد في 2018/8/24، في: https://bit.ly/2SMULGL (3((ورد في توطئة الدستور: «وتعبيرًا عن تمسك شعبنا بتعاليم الإس ماا ومقاصدهالمتسمة بالتفتّح والاعتدال، وبالقيم الإنسانية

ومبادئ حقوق الإنسان الكونية السامية، واستلهامًا من رصيدنا الحضاري على تعاقب أحقاب تاريخنا، ومن حركاتنا الإصلاحية

المستنيرة المستندة إلى مقوّمات هويتنا العربية الإسلامية وإلى الكسب الحضاري الإنساني، وتمسّكًا بما حقّقه شعبنا من المكاسب

الوطنية. وتأسيسًا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية، السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم،

بواسطة الانتخابات الحرة، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، ويكون فيه حقُّ التنظّمِ القائمِ على التعددية، وحيادُ

الإدارة، والحكمُ الرشيد؛ هي أساسَ التنافس السياسي، وتضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان

واستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات والعدل بين الجهات».

هو الإسلام. وهذا يشير إلى أن الحجج القانونية حول وضع قانون المساواة في الميراث تعكس التضارب والغموض القائم بين هذه المواد القانونية المختلفة. في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن قانون الميراث الاختياري يمكن أن يشكل حلًّ لهذا الصراع، حيث يحق لمن شاء اتباعُ القوانين الفقهية، ويحق لمن أراد غير ذلك اتباعُ قسمة أخرى للميراث. إن القانون الاختياري يعطي المواطنين حرية اختيار ما يلائمهم، وقد كانت اختيارية القانون إحدى الحجج الرئيسة التي وظّفتها عدة جهات فاعلة داعية إلى المساواة في الإرث. لكن المشكلة تظهر عندما يختلف الوارثون في طريقة تقسيم الميراث؛ فلو أراد بعض الوارثين تقسيم الميراث وفق قانون المساواة، وخالفهم ورثة آخرون فأرادوا قسمة الميراث وفق الفقه الإسلامي التقليدي، فإن مشروع القانون الجديد ينص هنا على أنّ المساواة في الميراث هي ما يتم تحكيمه في تلك الحالة، وليس الفقه الإسلامي التقليدي، وهكذا يكون هذا القانون (أي قانون المساواة الجديد) هو الفيصل في تلك الحالة؛ أي إنه سيكون هو المعمول به عند الاختلاف بين الورثة في مثل هذه الحالة. • ثانيًا، تتمحور الحجة القانونية حول تنفيذ اﻻﺗﻔﺎﻗﻴﺎت الدولية، فتونس من الدول الموقعة على اتفاقية

القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وهي اتفاقية تلزم الدولة بقضية المساواة في الميراث. وليس هذا فحسب؛ ففي عام 2014، ألغت تونس جميع التحفظات على اتفاقية سيداو. وهذا يعزز الالتزام القانوني الدولي لتونس بالمساواة، ويوجب تعديل القانون وفقًا لذلك. • ثالثًا، تتعلق الحجة القانونية بمهمات اللجنة المعنية بالحريات الفردية والمساواة. ويرى معارضو القانون أن اللجنة قد أسندت إليها مهمة تقييم قوانين الدولة التونسية، وتحديد أيّ منها يتماشى مع دستور عام 2014 والالتزامات الدولية لتونس. ومع ذلك، لم يتم تكليفها بدور التشريع واقتراح قوانين جديدة. ومن ثمّ، فإن الإجراء الذي اتخذته اللجنة، من خلال صياغة قانون جديد مقترح، يمكن

اعتباره غير قانوني، أو على الأقل لا يدخل ضمن صلاحيات اللجنة المحددة؛ وإذًا، فإنّ كل القانون المقترح هو غير قانوني.

(3((الفصل الأول: «تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها». وبالطبع، فإنّ فهْم

المعارضين هو أن الضمير هنا يعود على الدولة بمؤسساتها وليس على تونس كهوية ثقافية، ينظر: «في البند الأول من الدستور:

النفاق المتبادل بشأن الحداثة السياسية»، في: المولدي الأحمر، في الثورة: من منظور علم الاجتماع السياسي (تونس، مطبعة فاين آر برنت،.)2011 (3((«الأمم المتحدة ترحب بالمبادرة في مجال المساواة في الميراث في تونس»، موزاييك آف آم، 2018/8/15، شوهد في:

2018/8/15، في: http://bit.ly/2Vy7yP7 (35) «Tunisia: CEDAW Reservations Officially Withdrawn,» FIDH, 29/4/2014, accessed on 27/2/2020, at: http://bit. ly/393IJy9

(3((«المختص في القانون العام توفيق بوعشبة ل ‘الشروق’: لهذه الأسباب أعارض تقرير بشرى للحريات»، جريدة الشروق،

وعلى المستوى المفاهيمي، ينادي أنصار القانون بحرفيّة الاتفاقيات الدولية، وعلى هذا النحو، يُنظر

إلى المساواة بوصفها قيمة مطلقة. • رابعًا، تتعلق الحجة القانونية بطبيعة الدولة المدنية، وإمكان وجود قوانين دينية الأصل تتناقض مع

مفهوم الدولة المدنية. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف ستُعرَّف الدولة المدنية؟ ثمّ إذا كانت القرارات في

الدولة المدنية تجري بحسب ما تريده الأغلبية، فإن ذلك يترك مجالً لتدخل الدين في المجال العام، في حال أنّ هذا هو ما تريده الأكثرية بالتصويت. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن القوانين العلمانية، في هذه الحالة، تفرضها الدولة بغض النظر عما تريده الأكثرية، وهو ما رآه العديد من أنصار المساواة في الميراث، ولكن الأخذ بأقوال الأكثرية وإهمال الأقليّة هو أيضًا نوع من السلطوية. وهكذا يبدو أنّ

الحل الأمثل يقتضي أن تكون القوانين اختيارية غير مفروضة على الجميع. • خامسًا، تتعلق الحجة القانونية الأخيرة (الخامسة) بطبيعة المساواة ذاتها؛ أتعني المساواة تكافؤ

الفرص وإعطاء الجميع فرصة للتصويت على القانون أم أنها مساواة في المخرجات وتوزيع الثروات؟ لقد قيل، على سبيل المثال، إن الحد من عدم المساواة في الدخل في تونس أهمّ وأولى من تعزيز

المساواة في الميراث؛ وذلك لأن قوانين الميراث المتساوية تفترض أصلً وجود ثروة في بعض الأسر،

في حين أنّ الثروات منعدمة في بعض المناطق الريفية والفقيرة في تونس. ومع ذلك، نُظِر إلى هذه

الحجة، بوصفها مجرد إلهاء؛ إذ يمكن للحكومة العمل على جبهات متعددة في آنٍواحد. وعلى الرغم من كل هذا الحجاج، يمكن للمرء أن يلاحظ أن أنصار القانون رأوا مفهوم المساواة قاعدة

قانونية يجب فرضها، لا مبدأً قانونيًا يجب وضعه في سياقه، كمعيار يأخذ في الاعتبار مفهوم دووركين

للمبادئ القانونية، المتموضعة في التصورات المجتمعية للعدالة والأخلاق.

ب. سجل الحجج النصية

على غرار سجل الحجج القانونية التي سبق ذكرها، يمكن تطبيق تمييز دووركين على الأحكام الفقهية والمبادئ الفقهية في السياق الديني. وعلى هذا الأساس، هناك أربع حجج فقهية/ نصية رئيسة مقدمة من كلا الجانبين، هي: تفسير النصوص الدينية، ونطاق مقاصد الشريعة، وتحسين الإسلام لوضع المرأة، والرجال لا يرثون دائمًا أكثر من النساء. • تتعلق الحجة الأولى بتفسير النصوص الدينية، في مقابل قانون المساواة في الميراث. ويمكن تقسيم هذه الحجة إلى نوعين؛ أحدهما نصي، والآخر فلسفي.

(3((«رأي الشارع التونسي حول إجراء مراجعات قانونية تساوي بين المرأة والرجل في الميراث والزواج من أجنبي»، الجزيرة

مباشر، 2017/8/15، شوهد في 2020/2/27، في: BhOc 2 T /2 ly. bit:// http؛ «نور الدين العرباوي: النهضة مع المساواة في الميراث

بين الرجل والمرأة»، الوطنية نيوز، 2017/8/14، شوهد في 2020/2/27، في: PxhFzQ /2 ly. bit:// http؛ «حول المساواة في الإرث:

حلقة جديدة في سلسلة مكاسب المرأة التونسية»، أنباء تونس، 2018/8/15، شوهد في 2020/2/27، في: xWVNB /32 ly. bit:// http؛

كارم شرف الدين، «ماذا قال مستشار الغنوشي عن المساواة في الميراث؟»، عربي 21، 2017/9/26، شوهد في 2020/2/27، في: z 3 uzRC /2 ly. bit:// http؛ لجنة الحريات الفردية والمساواة، «هل سيمرر قانون المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة في تونس؟»،

بي بي سي نيوز، 2018/8/13، شوهد في 2020/2/27، في: http://bit.ly/3a7iM0Q

يميل أصحاب الاحتجاج بالنص إلى أن نصوص الميراث نصوص ثابتة وقطعية وأبدية، ويتبعون خطًا استدلاليًا واحدًا بسيطًا: «النص يقول ذلك، لذا هو كذلك». وعلى هذه الطريقة في التعامل مع النص

بُنِي أبرز الحجج وأكثرها في معارضة القانون. ويمثّل هذا النوع من الاحتجاج علماء دين، وناشطون سياسيون، وأشخاص متظاهرون في الشوارع. لكن مشكلة هذه الحجة تتمثل في أنها تفتقر إلى أي حساب للتاريخ والسياق بحسب كوك، أو المبادئ القانونية بحسب دووركين. وهذا ينفي أي فرصة لاحتواء آراء متباينة في المجال العام، ويجعل الأمر مقسمًا بين إيمان وهرطقة، ما يسمح بالحكم على الأطراف الأخرى لرأيهم نفسه، بدلً من الطريقة التي تم بها الوصول إلى هذا الرأي. • تتعلق الحجة الثانية بمقاصد الشريعة؛ إذ احتج أنصار قانون المساواة بأن الدين فيه نصوص تخص العبادات ونصوص تخص المعاملات، وما هو غير قابل للتغيير هو العبادات، أما المعاملات فهي بخلاف ذلك، وتقسيم الميراث داخل في القسم الثاني. وقد دعم أنصار القانون حججهم بمقاصد

الشريعة، واستدلّوا بالآية الكريمة: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي علَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 228). كما احتُجَّ

بآيات أخرى تؤكد المساواة بين الرجل والمرأة، من حيث إن المساواة في النصوص الشرعية مطلقة، وإن كان هناك تطبيقات جزئية لا مساواة فيها. ولكن مع تغيّر الوضع التاريخي، ينبغي أن يسُتأنَس بما

هو مطلق على حساب ما هو جزئيّ. وفي رأينا، تُعدّ هذه الطريقة في النقاشات حول تفسير النصوص

الدينية، انتقالً مهمًّا للعلمانية في الوطن العربي؛ من تشويه الخطاب الديني إلى التعامل مع الدين

ومصادره من أجل تطوير مناقشات ضمن الإطار الديني نفسه. • تتعلق الحجة الثالثة بتحسين الإسلام وضع المرأة. وقد استُعمِلت هذه الحجة للدفاع عن قوانين الميراث الإسلامية. وجاء ذلك في شكل ضمان الميراث بعد حرمان المرأة منه، ومنع وأد النساء،

والسماح للمرأة بأن تصبح عضوًا ناشطًا في المجتمع. ومع ذلك، تتمثّل مشكلة هذه الحجة في

أنها راكدة تاريخيًا، وتفترض أن التاريخ ليس تقدميًا، كما أنها لا تنسجم مع أحد افتراضات كوك في

أسس المجال العام غير الاستبدادي. وفي حين أن هذا الادعاء يمكن إثباته من خلال عدة نصوص أخرى تشير إلى كمال القيم الأخلاقية في زمن النبي، فإنه يتوقف فعلً على ذاك الزمن، ولم يُعط أي

تفسير للسبب مفاده أن هذه التحسينات هي التحسين الوحيد في حالة المرأة الذي ينبغي أن يكون في الماضي والحاضر. وفي الواقع، لم يتم إعطاء بيانات ولا حجج فلسفية أو سوسيولوجية. وهذا الجمود يؤكد على الاتجاهات السلطوية للحجج النصية.

(3((«تونس: جدل حول مبادرة تشريعية للمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث» فرانس 24، 2016/5/11، شوهد في 2020/2/27،

في: http://bit.ly/381GQRu

(3((«الرئيس التونسي باجي السبسي يأمر بإحالة قانون المساواة في الميراث إلى البرلمان»، قناة المحور، 2018/8/13، شوهد في

2020/2/27، في: http://bit.ly/384ERLW

(4((«إفتاء تونس يحسم الجدل ويؤيد مساواة المرأة مع الرجل في الميراث»، رصيف 22، 2017/8/16، شوهد في 2020/2/27،

في: http://bit.ly/2uluB4a

• تتمثل الحجة الرابعة (الأخيرة) في أن الرجال في الفقه الإسلامي لا يرثون دائمًا أكثر من النساء، في

عديد من حالات الميراث. وقد صرح بهذا الكثير من المدافعين عن قانون الميراث الإسلامي. ومع ذلك، تم تناول هذه الحجة في تقرير اللجنة، ولوحظ أنه في حين أن هذه الحالات موجودة، فإنّ أكثر الحالات يحدث فيها العكس؛ أي إنّ الرجل يرث أكثر من المرأة.

ج. سجل الحجج السوسيولوجية

لوحظ أن الاختلاف في سجل الحجج السوسيولوجية نال حظًا أكبر بين المؤيدين والمعارضين، كما لوحظ أن هذا الاختلاف يمثّل توجّه الفريقين في نقل النقاش إلى عالم السياق، وإن كان هذا النقاش

السياقي يفتقر إلى غير قليل من النضج. وقد لاحظنا ثلاث حجج اجتماعية رئيسة يقدمها الجانبان، هي: قانون المساواة بين الجنسين وطبيعة الأسرة التونسية، وعدم وجود تمثيل لجميع أطراف المجتمع التونسي في اللجنة، وأولويات السياق التونسي. • الحجة الأولى حول دور وطبيعة الأسرة التونسية في النوع الاجتماعي: إن الغرض من قوانين الميراث المُساوية هو التكيف مع أدوار الجنسين المتغيرة في المجتمع التونسي. وقد اعتُرض على القانون بأنّه

هو نفسه سيؤدي إلى مزيد من التغيير في أدوار الجنسين، ورأى البعض أنّ هذا التغيير يؤدي إلى «تدمير الأسرة التونسية التقليدية». تبدو هذه الحجة مقنعة لولا المبالغة في لغة الخطاب، مع أنّها كانت مدعومة بالإحصاءات أو البحوث الاجتماعية. ومع ذلك، ومع تغير أدوار الجنسين بالفعل في المجتمع التونسي أيضًا، هناك حالة من الصدع التاريخي وضرب من تدمير وحدة الأسرة. بيد أن التغير في الأدوار الجنسانية ليس بالضرورة سيئًا، ولم يقدم أحدٌ حججًا معارضةً تفنّد هذه النقطة على نحو مقنع. ذكر تقرير اللجنة، أن 54 في المئة من النساء متعلمات، مقارنة ب 46 في المئة من الرجال في هذا الشأن، وأن المرأة أصبحت أكثر نشاطًا في المناطق الريفية والحضرية، وأن مشاركتها تزداد في التعليم والعمل. وقد زادت قيمة هذا الاستدلال لأنّه دُعم بإحصاءات. ومع ذلك، فإن الإحصاءات لا تأخذ في الاعتبار الطبقة الاجتماعية لأولئك النساء العاملات، وسنهن، ومعتقداتهن، وأدوارهن في الأسرة، وغير ذلك من المتغيرات الممكنة، لعمل تحليلات أعمق من شأنها أن توفر وصفًا أدق للحالة التونسية.

((4(«رأي الشارع التونسي حول إجراء مراجعات قانونية.» (4((يقول توفيق بوعشبة: «التقرير في رأيي استهدف عددًا من أسس الأسرة التونسية بصورة عبثية وسخيفة؛ حيث اتجه مثل إلى

مسألة المهر الذي من شروطه صحة عقد الزواج، وجاء بتلك المقولة الاستفزازية المتمثلة في اعتباره إهانة للمرأة، وتعديًا على

كرامتها، كما تضمن أيضًا مسألة العدة، وتناولها من زاوية أن فيها إخلالً بالمساواة بين الرجل والمرأة، كما لو أنّ الأمر يمكن طرحه بهذه الصورة، ثم نجد فيه أيضًا حربًا على الأب باعتباره رئيس العائلة في نظرة صدامية لا مجال لها مجتمعيًا، حيث أورد مسألة إعطاء

الإمكانية للأبناء بأن يضيفوا لقب أمهم إلى لقب أبيهم بما قد يحدث توترات لا أحد بحاجة إليها في الأسرة الواحدة. وأتساءل هنا: لماذا الانغماس في مثل هذه المسائل المصطنعة بتعلة المساواة، والحال أن الأمر لا يستدعي ذلك البتة»، ينظر: «المختص في القانون العام توفيق بوعشبة ل ‘الشروق’». (4((تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، ص.12

وقد يؤدي هذا التحليل الممكن المتعدد المتغيرات إلى الإحصاءات عينها المستخدمة في تحليل مختلف للواقع التونسي. إنّ من الأمور الملحوظة في مناقشة الميراث عدم وجود جانب سياسي للمناقشة، أو – على الأقل – حصر النقاش السياسي في مجال التمثيل وتحديد الأولويات. وهنا نجد الحجتين التاليتين: • الحجة الثانية: هي عدم وجود تمثيل دقيق للمجتمع التونسي. فقد صرح أحد ممثلي حركة النهضة بأن اللجنة التي كتبت التقرير ذات توجه سياسي واحد، كونها علمانية. وإذًا، فإن التقرير منحاز في تمثيله للواقع التونسي، ومقترحاته لا تتوافق مع ما تريده كل أطياف المجتمع التونسي. • الحجة الثالثة (الأخيرة): تتعلق بالأولويات في السياق التونسي، فقد اقترح نقاد القانون أن القانون ليس أولوية، وأنه إلهاء عن المشاكل الاقتصادية الملحّة التي تثقل كاهل الدولة التونسية. ومع ذلك،

فإن تعريف الأولويات يتطلب مزيدًا من البحث، حيث يمكن العمل على أكثر من مشروع في الوقت نفسه، والأولوية لا تعني أن الشؤون والقضايا الأخرى لا يمكن تلبيتها أيضًا. ويمكن الإشارة إلى أن الانقسامات التي سيبدَؤُها نزاع الميراث من شأنها أن تقسم الدولة إذا كانت هشة؛ وعليه فإن فكرة انعدام الأولوية سائغة حين يجري النظر إليها من هذا المنظور.

ثالثًا: مناقشة الجدل حول الميراث

تجدر الإشارة إلى عدة نقاط فيما يتعلق بالتقرير والحجج اللاحقة التي قدمها، وهي كما يلي: • أولً، لم يعد النقاش القائم في تونس بين الحجج الدينية مقابل الحجج غير الدينية أو العلمانية. فمِن

أعضاء حركة النهضة، وإن كانوا أقليّة، مَن يؤيد مشروع القانون، ومِن اليساريين والليبراليين مَن يرفض

المشروع ويؤيد الفقه الإسلامي وهم كُثر. لذا، تعلق النقاش إلى حد بعيد بمسألة الفرد والتعددية داخل المجتمع. وبالنسبة إلى الفرد، تكمن المسألة في كيفية منح الحقوق والمساواة من دون تقويض بعض البنى الاجتماعية (مثل الأسرة) التي يعتبرها البعض مركزية في أداء المجتمع. أما بالنسبة إلى التعددية، فإنّ السؤال هو: كيف يمكن للمرء أن يسمح باختيارات لمجموعات مختلفة من دون اختزالها في أطر تقليدية أو غربية؟ في تونس، ثمة مجموعة تعارض القانون الجديد وتشعر بالقلق على الأسرة، وليس ذلك لأنها تعيش في الماضي أو لأنها تنتمي إلى الإسلاميين. فمثلً، تحدّث الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد في خطاب متلفز، في عام 1989، عن النساء المحتجات على قانون الأسرة الذي

((4(«تونس: المساواة بين الرجل والمرأة.» (4((عبد اللطيف الهرماسي، المجتمع والإس ماا والنخب الإص حااية في تونس والجزائر: دراسة مقارنة من منظور علم الاجتماع

التاريخي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018 ((4(قال منصف المرزوقي: «نحن أمام عملية سياسوية بامتياز للتعمية على الإخفاق المهين للرجل]السبسي[ولحزبه [...] لخلق شرخ بين التونسيين في موضوع خلافي بامتياز، يجب تركه للوقت ولحوار مجتمعي معمّق [...] ويجب رفض هذه المهاترات التي

تفرّق، وتجميع الناس حول القضايا المصيرية»، ينظر: وليد التليلي، «السبسي والمساواة في الإرث: إحراج ‘النهضة’ والمزايدة على

الحداثيين، العربي الجديد، 2017/8/16، شوهد في 2020/2/28، في: http://bit.ly/38axpz5

اقترحه، قائلً: «هؤلاء النساء اللواتي يرغبن في تناول الكسكس مع لحم الخنزير ». وقد كانت لدى الرئيس الأسبق منصف المرزوقي، أيضًا، مخاوف بشأن أولويات هذا الإصلاح ضمن الواقع التونسي الهش. وفي الجانب الآخر، هناك مجموعة تريد المساواة بين الجنسين؛ ليس لأنها مفتونة بالغرب، ولكن لأنها تؤمن باقتناع تام بفضيلة المساواة. وفي هذا السياق، انتقدت لمى أبو عودة، مثلً، الرهاب ضد الازدراع القانوني، أي استنساخ القانون الوضعي الحديث Transplant Legal في الوطن العربي، في حين أن هذه الممارسة شائعة في جميع أنحاء العالم. وفي السياق نفسه، انتقد بعض الباحثين تقليل دور التبادل والتفاعل الحضاري في تاريخ العالم، أو الخطاب المعادي للغرب ضمن ثنائية الشرق والغرب داخل الدراسات ما بعد الاستعمارية. • ثانيًا، يبدو أن صعود حركة النهضة ونظرائها الإسلاميين، حوّل النقاش، إلى حد بعيد، من دائرة

مشروعية المساواة في الميراث ضمن الدولة الليبرالية إلى مشروعيته ضمن الدين الإسلامي. وعلى وجه التحديد، استخدم الجانبان مدرسة مقاصد الشريعة، وهي المدرسة المؤطرة لفكر حركة النهضة، والتي ميزته من الأحزاب الإسلامية الأخرى في الوطن العربي. غير أن هذا التحول في الحجج ومصادرها ولغتها، تُرجِم بشكل كبير إلى الوثائق المؤيدة والمعارضة للقانون، ولم يقدم نفسه في المناقشة العمومية التي حدثت على شاشات التلفزيون ومن خلال البوابات الإعلامية الأخرى. وفي هذا السياق، يرى رضوان السيد أن استخدام الدين من جهة طارحي قانون المساواة في الميراث كان توظيفًا أداتيًا، وليس نابعًا من الإيمان بالدين ذاته وأحكامه. وعلى الرغم من ذلك فإن هذا يدل على

بدايات للتقارب في الخطابات بين الجهات الفاعلة في السياسة التونسية، وإن كان هذا التقارب لا يزال في بدايته. إن الانتفاضات العربية وبدء التفكير الجدّي في الدولة المدنية يولّدان حاجة إلى الاجتهاد، تمامًا كما حدث في السياق الأوروبي عندما دفع المجتمع الكنيسة إلى التغيير؛ إذ كانت الحجج الدينية والاستدلال ضمن العلوم الدينية أمرًا ضروريًا في إنتاج الشرعية وإضفائها على السياسات والأفعال

(47) Stéphane Papi, «Le contrôle étatique de lʼislam en Algérie: Un héritage de l’époque coloniale,» L’Année du Maghreb , no. VI (December 2010), pp. 491–503.

((4(التليلي. (4((لمى أبو عودة، «من يكترث للقانون الإسلامي؟»، الجمهورية، 2017/6/5، شوهد في 2020/2/28، في:

http:// bit. ly /2 TlcGnT

(5((أرماندو سالفاتوري، سوسيولوجيا الإس ماا: المعرفة والسلطة والمدنية، ترجمة ربيع وهبة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2017

(51) Sari Hanafi, «Postcolonialismʼs After–Life in the Arab World: Toward a Post–Authoritarian Approach,» in: Elena Fiddian–Qasmiyeh & Patricia Daley (eds.) Routledge Handbook of South–South Relations (London/ New York: Routledge, 2018), pp. 76–85.

(5((رضوان السيد، «الشرعية الإسلامية في المجتمع والدولة»، الشرق الأوسط، 2018/8/24، شوهد في 2020/2/28، في:

http:// bit. ly /2 T 9 lZHE

السياسية. كما يضفي الدين بُعدًا إضافيًا على المناقشات الاجتماعية، ويجعلها أكثر تعقيدًا، مع

الحفاظ في الوقت نفسه على مساحة يمكن فيها التعامل مع الاختلاف. • ثالثًا، كانت الحجج القانونية مجالً مشتركًا بين الطرفين، فكلاهما قرأ الدستور والتشريعات المحلية والقانون الدولي من أجل إظهار صحة وجهة نظره حول قانون الميراث الأكثر صلاحية. ومع ذلك، يظهر اختلاف واضح بين البيانات الرسمية الصادرة عن لجنة الحريات الفردية والمساواة والبيانات الصادرة عن حركة النهضة. وقد أصدرت اللجنة تقريرًا شاملً عُرضت فيه الحجج الممكنة مع المراجع

بطريقة منظمة. وفي المقابل، أصدرت النهضة بيانًا من صفحة واحدة، أوردت فيه كل مطالبها، مع قليل من الحجج؛ وهو ما أظهر حركة النهضة أكثر براغماتية من اللجنة. ومن ثمّ، كان موقف النهضة

أضعف، مقارنةً بالبيانات الرسمية التي أصدرتها الجهتان. • رابعًا، ناشد معارضو القانون إجراء تصويت برلماني تحت سقف الديمقراطية، وذكروا صراحة

أنه ينبغي السماح للناس باختيار ما يرونه مناسبًا في حكمهم. ويشير هذا النداء إلى تحول

جوهري في الحركة الإسلامية؛ من حركة عقائدية أيديولوجية تنظر إلى الواقع من خلال شعارات مطلقة إلى حركة سياسية ذات طابع عملاني تقدم تنازلات للحفاظ على السلام والاستقرار المحليين، وتحاول استخدام بطاقة الالتزام بمبادئ الديمقراطية، قدر المستطاع، والدفع إلى التوافق. • خامسًا، يظهر تحليل البيانات العامة لمؤيدي القانون أشكالً مختلفة من الحجج، ولكنها كلها

لا تفي بمعايير كوك لعدم الاستبداد، ما جعل سياسات الهوية تستمر عند بعض الجهات الفاعلة، وبشكل أقل عند معارضي القانون، فقد ذُكر أن المساواة بين الجنسين هي قيمة مطلقة؛ لذا ينبغي إنفاذها بصرف النظر عما إذا كان المجتمع نفسه يريدها أم لا. وفي ضوء ذلك، ينظر إلى المساواة بين الجنسين على أنها أمرٌ مشابه لإلغاء العبودية أو منع العنصرية والتمييز العنصري، ولكن قد يدعي

((5(قال نور الدين العرباوي، وهو قيادي في حركة النهضة: «نحن مع خطاب رئيس الجمهورية في هذا الملف، والموضوع ليس فيه أي حرج، ونحن نتحاور في ظل الديمقراطي»، وصرح عبد الفتاح مورو بأن القانون يجب أن يعرض على البرلمان قبل إقراره أو رفضه. ينظر: «نور الدين العرباوي: النهضة مع المساواة في الميراث». ((5(قال راشد الغنوشي: «إن التوافق أرضية خصبة لكل حوار جدي بين مكونات المجتمع، وهو خيار استراتيجي لحركة النهضة،

وهو ما ظهر جليًا في موقفنا من الدستور الذي راهنّا على أن يكون موحِّدًا لا مقسِّمًا أو مفرِّقًا. وكانت جلسة المصادقة عليه عرسًا

وطنيًا خالدًا والحمد لله. ومن المنطلق ذاته ندعو إلى تبني نفس استراتيجية الحوار، والبحث عن معالجة المستجدات، والنأي

بالمجموعة الوطنية عن كل ما من شأنه إح لاا الفرقة والتطاحن والتباغض. وفي هذا السياق نؤكد أننا سنتفاعل مع مبادرة رئيس الدولة حول الإرث حين تقدم رسميًا إلى البرلمان، بما تقتضيه من الحوار والنقاش، للوصول إلى الصياغة التي تحقق المقصد من

الاجتهاد، وتجعل من تفاعل النص مع الواقع أداة نهوض وتجديد وتقدم لا جدلً مقيتًا يفرق ولا يجمع، ويفوت على التونسيين

والتونسيات المزيد من فرص التضامن والتآلف، وتساعدنا جميعًا على المضي قدُمًا في تحقيق ازدهار المرأة التونسية. وهذه مناسبة

أنوه فيها بانتخاب الأخت سعاد عبد الرحيم أول رئيسة لبلدية تونس، كما أهنئ كل من حظين بهذا الشرف في البلديات الأخرى، سواء من المترشحات على قائمات النهضة (أكثر من أربعين سيدة) أو القائمات الأخرى»، ينظر: راشد الغنوشي، الصفحة الرسمية للدكتور راشد الغنوشي، موقع فيسبوك، 2018/8/17، شوهد في 2018/08/24، في: http://bit.ly/2PRvEkf (5((تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، ص.8

البعض أن مثل هذه الحالات لا تمس الهوية الدينية للأمة كحالة الميراث على سبيل المثال. وبالمثل، فإن الغالبية العظمى ممن شملهم أحد الاستبيانات، من الذين كانوا ضد القانون ذكروا أن قوانين الميراث الإسلامية مطلقة، وإذا تدخلت الحكومة في منعها، فإنها في الواقع تصبح معادية للدين، أو، على أقل تقدير، أقل دينية. كان موقف النهضة الرسمي أكثر وسطية؛ إذ ذكر أنه في حين أن حركة النهضة وقفت ضد قانون المساواة في الميراث، الذي يعتبر أنه مناقض للإسلام، فإن للناس حقًا في تقرير ما يرغبون فيه، سواء أكان اختيار قانون الفقه الإسلامي التقليدي أو القانون المساوي؛ ومن ثمّ الإقرار بمبدأ التعددية القانونية. في رأينا، يسمح نقل هذا الجدل من عالم المطلقات الأخلاقية إلى عالم التقييد المحلي للجانبين بتقديم حجج أقل سلطوية. أما في حال التزام الحجج المطلقة والثنائيات الحادّة، فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الاستقطاب في الساحة السياسية التونسية، واستمرار سياسات الهوية التي تُديم الصراعات وتنمِّيها. ولذلك، يأتي حل الاستفتاء في هذا السياق كسيف ذي حدين، فإمّا أن يؤدي إلى شعبوية

سلطوية، وإما أن يكون أداةً ديمقراطيةً علمانية تسمح بالتعبير عن الدين في المجال العام، بما لا يخرق الطابع غير المستبد له. • سادسًا، كانت الأسبقية من أهم نقاط الاختلاف في تطبيق القانون، ففي حال سكوت المتوفَّى عن

القانون الذي يريد أن يعتمده لتقسيم الميراث، فإن القانون المقترح قد شمل القول إن المساواة في القانون هي ما يتم اعتماده، لا القانون الفقهي التقليدي. وهذا يعطي أولوية أنطولوجية وغائية للمساواة في الميراث على قانون الفقه الإسلامي كما هو سائد حاليًّا، وهو ما رآه البعض تضاربًا مع

ثقافة أغلبية التونسيين. • سابعًا، يُعدّ تنوع العناصر الفاعلة في المشهد السياسي في تونس مثالً فريدًا في الوطن العربي.

فالخط الفاصل بين الأكاديميين والناشطين السياسيين ضبابي جدًّا، وكثير من المقالات التي تم تحليلها، صاغها أكاديميون يدرّسون في الجامعة، ونشرتها وسائل الإعلام المختلفة، التقليدية

والاجتماعية. ومع هذا، كان أولئك الأكاديميون أنفسهم موجودين في الشوارع عندما كان الناس

((5(بحسب عبد اللطيف الهرماسي، كشف تقرير «الحالة الدينية في تونس لسنة 2015» أن 66 في المئة من الشعب التونسي يرفض فكرة المساواة في الإرث. وفي تقرير «الحالة الدينية في تونس 2015–2011» يرفض 64.7 في المئة من الشعب التونسي فكرة المساواة في الإرث، و 7.27 في المئة يعتبرونها مقبولة، و 6.7 في المئة يعتبرونها من باب الحريات. وقد رفض 58 في المئة من النساء فكرة المساواة في الميراث، في مقابل 67.1 من الرفض بين الرجال. ينظر: عبد اللطيف الهرماسي، «التسوية في الإرث ثورة ثقافية

نخبوية لا مطلب مجتمعي»، جريدة الفجر التونسية، 2018/6/24، شوهد في 2020/3/4، في: iYOV 8 b /3 ly. bit:// http ((5(«تونس: جدل حول مبادرة تشريعية»؛ «رأي الشارع التونسي حول إجراء مراجعات قانونية»؛ «نقاش على المباشر: تونس تتجه لإقرار المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة.. أي تأثير على الجزائر؟»، شوهد في 2020/3/4، في: oABE 5 U /2 ly. bit:// https ((5(حركة النهضة، «البيان الختامي للدورة 21 لمجلس شورى حركة النهضة»، 2018/8/26، شوهد في:2020/2/28، في

bit. ly /2 vkfSHz /

(5((تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، ص.228

يحتجون؛ ما يدل على وجود وحدة مهمة في المشهد التونسي. إنّ الأثر الاجتماعي للبحث الذي يقدمه هؤلاء الأكاديميون، ودورهم في صياغة الوعي العام أمران مهمان ومركزيان. ومع ذلك، ينشأ تمييز بين الأكاديميين الذين كانوا مع مشروع القانون الجديد، والذين هم على اتصال أكبر بجمعيات نسوية وجمعيات حقوق الانسان (منظمات ثقافية مختلفة)، والأكاديميين الداعمين

لقانون الميراث الإسلامي، والذين يبدو أنهم أشدّ ارتباطًا بالجماهير من حيث اعتمادهم على التعبئة الحزبية وبعض منظمات المجتمع المدني ذات الصبغة الإسلامية. ويدعم هذه الملاحظة تحليل حضور المظاهرات؛ فغالبًا ما يحضر الناشطون المظاهرات المناصرة للقانون، بينما يحضر

مظاهرات المعارضين جمهور أكبر وأكثر تنوعًا. وهؤلاء المتظاهرون اتهموا السبسي بالسير على

خُطى بورقيبة (أي بالعلمنة الصامتة من أعلى إلى أسفل). ومن المثير للاهتمام أنّ الأكاديميين والمثقفين شاركوا منذ البداية في الخطاب العمومي. فبعد كتابة التقرير من طرف لجنة الحريات الفردية والمساواة والرد عليه من خلال التصريحات والمحاضرات والمقالات من طرف المثقفين

العموميين، خرج الناس إلى الشوارع، وبدأ النقاش العمومي يتبلور. اختارت حركة النهضة أولً عدم إعطاء موقف، الأمر الذي يعكس بعض الاختلاف داخل الحركة، وبعد بضعة أشهر، صدر بيان رسمي من الحركة، بناءً على عديد من الاجتماعات الداخلية. وكان هذا البيان أقصر كثيرًا وأقل

تفصيلً من تقرير اللجنة؛ ففي الوقت الذي يرفض فيه قانون المساواة، يوفر القبول المحتمل من خلال الاستفتاء الذي يعتبر وسيلة للتحكيم في الساحة السياسية.

خاتمة

كشف النقاش حول الميراث ثلاثة سجلات من الحجج المستخدمة: الحجج الفقهية/ النصية، والاجتماعية، والقانونية. وبينما يستند موقف مؤيدي المساواة بين الجنسين في المقام الأول إلى الحجج القانونية، ثم الاجتماعية، ثم الفقهية/ النصية، فإنّ المعارضين للمساواة يستخدمون الحجج النصية، ثم القانونية، وأخيرًا الاجتماعية. وعلى سبيل المثال، يبدو ضعف الحجة الاجتماعية عند

معارضي القانون واضحًا عندما يقولون بتقسيم جندري للعمل داخل الأسرة، حيث يتحمل الذكر العبء

المالي الرئيس للعائلة، ويساعد الوالدين والأشقاء في حالة الضيق، ولكنهم لا يدعمون قولهم هذا بأي إحصائيات أو أدلة إمبريقية. ومع ذلك، فإن النقاش الذي دار في تونس استخدم لغة مشتركة كتفسير النص الديني وسائر الحجج الأخرى؛ ما يسمح بتقليص الميول الاستبدادية، والحد من الاستقطاب من خلال الحوار. لقد شهدنا توترات أقل من التوترات التي اعتدنا أن نلاحظها في المجتمعات العربية، وقد وصف خالد أبو الفضل التوتر ب «التوتر بين سلطة الدين والاستبداد في الخطاب الإسلامي»، وهو متمثل بالعملية التي يتم من خلالها استخدام سلطة الدين لإنتاج الحكم الاستبدادي. وعلى المنوال نفسه، يرى ألكسندر كايرو – بناءً على دراسته للمفتين في قطر – أن بعض الشخصيات الدينية

((6(«مداخلة أبو يعرب المرزوقي في ندوة الحريات الفردية والمساواة»، موقع يوتيوب، 2018/7/16، شوهد في 2020/2/28،

في:  http://bit.ly/38gfuqB (61) Khaled Abou El Fadl, The Authoritative and Authoritarian in Islamic Discourses (Austin, TX: Dar Taiba, 1997).

بدأت بالاعتماد على «نصوص التراث الإسلامي وتأكيد التزاماتها المركزية لهذه النصوص، مع تبني أفكار اجتماعية حديثة والتكيف مع النظم الأخلاقية الناشئة». إن الرجوع إلى النصوص والقيم المجردة، سواء كانت ديانية أو علمانية، يعزّز الميل للاستبداد. ومع ذلك، لا يزال النقاش في تونس في حاجة إلى أخذ الواقع الاجتماعي – السياسي في الاعتبار، وهذا قد يحل الصراع بين ماضي تونس وحاضرها ومستقبلها. لقد استُخدِم التاريخ والسياق اللذان يفتحان باب الاجتهاد والمصلحة من معظم الفاعلين لتبرير مواقفهم، وهذا يجسد مفاهيم غير سلطوية، لكنه ليس أمرًا كافيًا للقضاء على الميول الاستبدادية. وقد يؤدي السماح باختيار نظام الميراث (التعددية

القانونية) إلى حلول وسط يرضى بها الجميع، بغضّ النظر عن اتفاق الآخرين معهم أو لا. ويمكن أن تمكّن هذه الترتيبات القانونية من التقاضي Litigation بطريقة أكثر عدلً وتغذي بناء ثنائية سائلة للحقوق مقابل الطقوس؛ بمعنى العادات والتراث الثقافي والديني Binary Rites – Versus – Rights في القانون، والسياسة في واقع معقد من المأسسة السياسية للدين والمأسسة الدينية للسياسة. وليس من المستغرب أن تصبح تونس مختبرًا لهذا الجدل الصحي نسبيًا، وإنّ هذا المختبر، بحسب

تعبير كريم صادق، هو مختبر «لإطلاق العنان للتحرر المحتمل للسياسة الإسلامية مع كبح احتمال استبدادها [...] وذلك بفضل الفكر الإسلامي المتميز لراشد الغنوشي». لعل أهمية النقاش حول الميراث تكمن في أنه انطلق من فكرة عالمية Universality المساواة بين الجنسين، وليس من فكرة الخصوصية الإسلامية أو التونسية؛ فالموضوع لم يعد هذا أو ذاك، بل غدا من الضروري البدء من العالمية. ولكن كيف نفهم العالمية في هذا السياق؟ هناك ثلاثة شروط للمفهوم العالمي، هي: • أولً، أن يكون محل «شبه» إجماعٍ بين الثقافات، وليس فقط لكونه تولد في السياق الأوروبي – الأميركي. • ثانيًا، هو ليس مفهومًا غائيًّا بل تجربة تاريخية، كسبت معياريتها من خلال عملية التعلم التاريخي

الإنساني المفتوحة المآل.

(62) Alexandre Caeiro, «The Politics of Family Cohesion in the Gulf: Islamic Authority, New Media, and the Logic of the Modern Rentier State,» Arabian Humanities , 2018, accessed on 28/2/2020, at: http://bit.ly/2x1uEmX (63) Tamir Moustafa, Constituting Religion: Islam, Liberal Rights, and the Malaysian State (New York: Cambridge University Press, 2018).

((6(يختلف رأي كريم صادق عن رأي المولدي الأحمر في هذا المجال، ينظر:

Karim Sadek, «Islamic Democracy: The Struggle for and Limits of Recognition,» PhD. Dessertation, Graduate School of Arts & Sciences, Georgetown University, Washington, 2012; Mouldi Lahmar «Islamists and Politics in Tunisia Today: Is the Foundation of a Democratic Islamic Party Possible?» Eid Mohamed & Dalia Fahmy (eds.). Arab Spring: Modernity, Identity and Change (London: Palgrave Macmillan, 2020). (65) Pierre Rosanvallon, «Democratic Universalism as a Historical Problem,» Books & Ideas , 8/4/2008, accessed on 28/2/2020, at: http://bit.ly/2TtslAE

• ثالثًا، عالميته غير ممكنة إلا بكونه مخيالًImaginary An عامًا، فضفاضًا، مرنًا، وليس نموذجًا يتم تصديره. وعلى هذا المنوال نفسه، تجري عالمية المساواة الجندرية، فالديمقراطية، في رأينا، ما هي إلا تجربة تاريخية أفضى إليها الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن عام 1789، ومن ثمّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويرى الباحثان أن الثورات في أميركا اللاتينية في الثمانينيات، وأوروبا الشرقية في التسعينيات، والانتفاضات العربية في هذا القرن، انطلقت مستفيدة من المعتقدات الليبرالية والنصوص الدينية أيضًا (مبدأ الشورى). وبناءً عليه، فإن العالمي المتخيل عن المساواة الجندرية يجب جعله محليًّا من خلال النظر إلى السياق التونسي وتاريخه. لذلك، إن كانت المساواة الجندرية قيمة عالمية متخيّلة، فإن تطبيقها يستدعي النظر في الأحوال الزمكانية لمعرفة كيفية موضعة المساواة ضمن القيم المجتمعية الأخرى المتنافسة في كل مجتمع. نستحضر هنا بعض الباحثين المحافظين الذين يرون أن التضامن الأسري قيمة مهمة ويدفعون في اتجاه التعددية القانونية لاستيعاب العصر التعددي الذي نعيشه. نعم، قد تختار الأغلبية قرارًا معيّنًا لكن هذا الأمر لا يلغي حق الأقلية في عدم الخضوع للأغلبية؛ ما من شأنه أن يفتح الباب لمجتمع تعددي قانونيًا، ولكن ذلك لا يمر من دون اعتراضات. ساعدنا استخدام معايير كوك في الحوار التونسي على تفكيك المنطق الثنائي (الدين أو العلمانية) الذي يضع الناس في مواقف متضادة. إنّ نقاش الميراث الذي شهدناه هو جزء من عملية مستمرة لتحقيق مبدأ الاعتراف الاجتماعي والسياسي المتبادل، كما عند إكسيل هونيت. ومن خلال الحوار الحاصل، يبدأ مؤيدو القانون ومعارضوه بالاعتراف باحتياج بعضهم إلى بعض، من دون أخذ مواقف استبعادية تصف الآخرين ب «التغريب» أو ب «الرجعية». إن أي تجاهل للمجموعات الدينية، رجالً ونساءً، كصوت شرعي في النقاش العمومي، يعزز سياسة الهوية. وعلى المنوال ذاته، فإن أولئك الذين يؤمنون بفضيلة الفرد والفردانية في تغيير المجتمع التونسي هم أيضًا أصوات شرعية وأصيلة لا يمكن اختزالها بنعتها بأنها «أجنبية»، أو أنها «وليدة الموضة الغربية».

References

المراجع

العربية

الأحمر، المولدي. في الثورة: من منظور علم الاجتماع السياسي. تونس، مطبعة فاين آر برنت،.2011 الزغل، عبد القادر وآمال موسى. حركة النهضة بين الإخوان والتونسة. تونس: دار سراس للنشر،.2014

(66) Axel Honneth, The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts , Joel Anderson (trans.) (Cambridge, Mass: The MIT Press, 1996). (67) Hénia.

سالفاتوري، أرماندو. سوسيولوجيا الإسلام: المعرفة والسلطة والمدنية. ترجمة ربيع وهبة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 السيد، رضوان وساري حنفي وبلال الأرفه لي (محررون). نحو إعادة بناء الدراسات الإسلامية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2019 لجنة الحريات الفردية والمساواة. تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة. تونسفي::2018.

https://bit.ly/2QivjXE

الهرماسي، عبد اللطيف. المجتمع والإسلام والنخب الإصلاحية في تونس والجزائر: دراسة مقارنة من منظور علم الاجتماع التاريخي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 حركة النهضة. «البيان الختامي للدورة 21 لمجلس شورى حركة النهضة.»:2018/8/26. في

http://bit.ly/2vkfSHz

مجموعة باحثين. الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014

الأجنبية

Abou El Fadl, Khaled. The Authoritative and Authoritarian in Islamic Discourses. Austin, TX: Dar Taiba, 1997. Aduna, Danna Patricia S. «The Reconciliation of Religious and Secular Reasons as a Form of Epistemic Openness: Insights from Examples in the Philippines.» The Heythrop Journal. vol. 56, no. 3 (May 2015). Joan Scott, Wallach. Sex and Secularism. Princeton, NJ: Princeton University Press,

Arat, Yesim. «Womenʼs Rights and Islam in Turkish Politics: The Civil Code Amendment.» Middle East Journal. vol. 64, no. 2 (2010). Caeiro, Alexandre. «The Politics of Family Cohesion in the Gulf: Islamic Authority, New Media, and the Logic of the Modern Rentier State.» Arabian Humanities. 2018. at: http://bit.ly/2x1uEmX Cooke, Maeve. «A Secular State for a Postsecular Society? Postmetaphysical Political Theory and the Place of Religion.» Constellations. vol. 14, no. 2 (2007). Cooke, Maeve. «Avoiding Authoritarianism: On the Problem of Justification in Contemporary Critical Social Theory.» International Journal of Philosophical Studies. vol. 13, no. 3 (September 2005).

Cooke, Maeve. «Salvaging and Secularizing the Semantic Contents of Religion: The Limitations of Habermasʼs Postmetaphysical Proposal.» International Journal for Philosophy of Religion. vol. 60, no. 1/3 (December 2006). Dworkin, Ronald. A Matter of Principle. Oxford: Harvard University Press, 1985. Fadel, Mohammad. «Public Reason as a Strategy for Principled Reconciliation: The Case of Islamic Law and International Human Rights.» Chicago Journal of International Law. vol. 8, no. 1 (2008). Fiddian–Qasmiyeh, Elena & Patricia Daley (eds.). Routledge Handbook of South– South Relations. London/ New York: Routledge, 2018. Hénia, abdelhamid. Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de lʼindividu en Tunisie. Tunis: Lʼor du temps, 2015. Honneth, Axel. The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts. trans Joel Anderson (trans). Cambridge: The MIT Press, 1996. McCarthy, Rory. «Re–Thinking Secularism in Post–Independence Tunisia.» The Journal of North African Studies. vol. 19, no. 5 (2014). Mohamed, Eid & Dalia Fahmy (eds.). Arab Spring: Modernity, Identity and Change. London: Palgrave Macmillan, 2020. Moustafa, Tamir. Constituting Religion: Islam, Liberal Rights, and the Malaysian State. New York: Cambridge University Press, 2018. Nyhagen, Line. «The Lived Religion Approach in the Sociology of Religion and Its Implications for Secular Feminist Analyses of Religion.» Social Compass. vol. 64, no. 4 (2017). Papi, Stéphane. «Le contrôle étatique de lʼislam en Algérie: un héritage de lʼépoque coloniale.» LʼAnnée du Maghreb. no. VI (December 2010). Rosanvallon, Pierre. «Democratic Universalism as a Historical Problem.» Books & Ideas. 8/4/2008. at: http://bit.ly/2TtslAE Sadek, Karim. «Islamic Democracy: The Struggle for and Limits of Recognition.» PhD. Dessertation. Graduate School of Arts & Sciences. Georgetown University. Washington. 2012. «Tunisia.» Social Institutions & Gender Index. SiGI. 2014. at: http://bit.ly/390pqFA Walhof, Darren R. «Habermas, Same–Sex Marriage and the Problem of Religion in Public Life.» Philosophy & Social Criticism. vol. 3, no. 39 (2013).