العودة إلى تفاصيل المؤلَّف شباب حراك الريف بالمغرب والذاكرة الجمعية الحارقة: الاعتراف كمدخل لمصالحة الدولة مع الماضي الأليم

شباب حراك الريف بالمغرب والذاكرة الجمعية الحارقة: الاعتراف كمدخل لمصالحة الدولة مع الماضي الأليم

The Rif Movement in Morocco and the Collective Memory: Acknowledgment as a Beginning to the State’s Reconciliation with Its Painful Past

محمد سعدي

الملخّص

لا يكفي مفهوم التهميش الاقتصادي وحده لإنجاز فهم معمّق للديناميات التي أفرزها الحراك الشعبي في الريف منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، إثر الواقعة المأساوية لطحن بائع السمك محسن فكري. لذلك، يستدعي هذا البحث مفهوم الذاكرة الجمعية من أجل فهم مدى الحنق والسخط والتوجس من وسائط الدولة المؤسساتية لدى شباب المنطقة، وشعورهم الحادّ بالظلم والحرمان والتهميش الاجتماعي. ويجادل البحث بأن التاريخ الذاتي للريف، وحروق الذاكرة بما راكمته من ترسّبات نفسية على مستوى وجدان الأهالي ومخيالهم الجمعي، أدّيا دورًا مهمًا في إفشال المصالحة مع السلطة المركزية، رغم جهود هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004.

Abstract

Abstract: The concept of economic marginalization alone is not sufficient to provide an in–depth understanding of the dynamics produced by the popular Rif movement in Morocco since the tragic death of fishmonger Mouhcine Fikri, who was crushed in a rubbish disposal truck in November 2016. Therefore, this research utilizes the concept of collective memory in order to evaluate and understand the extent of frustration, indignation and apprehension felt by the youth towards state institutions, and their acute feelings of injustice, deprivation and social marginalization. This paper argues the failure of the Moroccan state to overcome the problem of Rif collective memory played an important role in impeding reconciliation with the central authorities, despite the efforts of the Equity and Reconciliation Commission in 2004.

Keywords:
  • The Rif Movement
  • Morocco
  • Collective Memory
  • Historical Reconciliation

محمد سعدي | Mohamed Saadi * شباب حراك الريف في المغرب والذاكرة الجمعية الحارقة الاعتراف بوصفه مدخلا لمصالحة الدولة مع الماضي الأليم The Rif Movement in Morocco and the Collective Memory: Acknowledgment as a Beginning to the State’s Reconciliation with Its Painful Past

ملخص: لا يكفي مفهوم التهميش الاقتصادي وحده لإنجاز فهم معمّق للديناميات التي أفرزها

الحراك الشعبي في الريف في المغرب منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 0162، إثر الواقعة المأساوية لطحن بائع السمك محسن فكري. لذلك، يستدعي هذا البحث مفهوم الذاكرة الجمعية من أجل فهم مدى الحنق والسخط والتوجس من وسائط الدولة المؤسساتية لدى شباب المنطقة، وشعورهم الحادّ بالظلم والحرمان والتهميش الاجتماعي. ويجادل البحث بأن التاريخ الذاتي

للريف، وحروق الذاكرة بما راكمته من ترسّبات نفسية على مستوى وجدان الأهالي ومخيالهم

الجمعي، أدّيا دورًا مهمًا في إفشال المصالحة مع السلطة المركزية، رغم جهود هيئة الإنصاف

والمصالحة عام 004.2

Abstract: The concept of economic marginalization alone is not sufficient to provide an in–depth understanding of the dynamics produced by the popular Rif movement in Morocco since the tragic death of fishmonger Mouhcine Fikri, who was crushed in a rubbish disposal truck in November 2016. Therefore, this research utilizes the concept of collective memory in order to evaluate and understand the extent of frustration, indignation and apprehension felt by the youth towards state institutions, and their acute feelings of injustice, deprivation and social marginalization. This paper argues the failure of the Moroccan state to overcome the problem of Rif collective memory played an important role in impeding reconciliation with the central authorities, despite the efforts of the Equity and Reconciliation Commission in 2004.

Professor of Human Rights and Political Science at Mohamed I University, Oujda, Morocco.

مقدمة

يبدو أن التهميش الاقتصادي الممنهج لمنطقة الريف في شمال المغرب (ينظر الخريطة 1) غير كافٍ وحده لفهم عميق للديناميات التي أفرزها الحراك الشعبي في الريف منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 0162، في إثر الواقعة المأساوية لطحن بائع السمك، محسن فكري، في شاحنة قمامة في مدينة الحسيمة. ولا يمكن أن نفهم حجم حنق شباب الريف وسخطهم وتوجسهم من وسائط الدولة المؤسساتية كلها، ومقدار شعورهم الكثيف بالظلم والحرمان والتهميش الاجتماعي، من دون استدعاء ثقل تاريخ الريف وجروح ذاكرته الجمعية. لذلك نعتقد أن من الضروري تحليل كيفية اشتغال الذاكرة الجمعية للريف باعتبارها نموذجًا للذاكرة المكلومة، وكذا فهم الاستراتيجيات التي يوظّفها

الشباب لتحويلها إلى أداة للمقاومة والاعتزاز بالهوية المحلّية. وتتوخّى الدراسة إثارة النقاش بشأن سُبل

بناء ذاكرة جمعية متوازنة ومتصالحة مع ذاتها، ومع الآخرين؛ ذاكرة لا تقوم على عدم النسيان فحسب، لكن أيضًا على عدم إدمان المظلومية التاريخية والاستحضار المستمر للماضي، وتجعل نصب أعينها

استشراف المستقبل. ويبدو أن هذا المسلك يَعِد ببناء وطني يؤمن بثقافة الاعتذار والاعتراف بأخطاء

الماضي، ويتصالح مع جميع أبنائه وهوياتهم وتواريخهم المهمّشة والمقموعة. الخريطة (1) موقع منطقة الريف جغرافيًا

المصدر: من إعداد الباحث.

نتيجة تهميش ذاكرة المنطقة، ومحدودية نتائج هيئة الإنصاف والمصالحة في عام 0042 بشأن معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة في المنطقة وتسويتها، ما زالت ساكنة الريف مُصرّة على واجب الوفاء

للأجداد، من خال عدم نسيان ما جرى. وجاء الحراك الشعبي في الريف ليُعيد إلى الواجهة سؤال

المصالحة التاريخية والحقوقية مع الريف وأهله. وسنتناول، تمهيدًا للموضوع، سياقات الصراع المحتدم بين التاريخ الرسمي المركزي للدولة، والتواريخ المُهمّشة والمُقصاة أو المسكوت عنها على

خلفية مسلسل المصالحة التاريخية، والتعرف إلى أهم المحطّات التاريخية الصادمة التي بَصمت

الذاكرة الجمعية في الريف. كما سنسعى لفهم تمثّات الشباب المنخرطين في حراك الريف للذاكرة التاريخية، وكيفية استحضار هذه الذاكرة في سياق الحراك. واعتمدنا، من أجل ذلك، على العمل الميداني المباشر في قلب منطقة الريف شمال المغرب، وركّزنا على تقنية الماحظة بالمشاركة باعتبارها أداةً منهجية تساعد في التواصل الحي مع الميدان والفاعلين فيه وتقليص الحواجز النفسية بين الباحث والمشاركين في البحث، وتحقيق نوع من الألفة والثقة المتبادلة التي تشجع على البوح والكام من دون حذر وتصنّع، ومن ثمّ الحصول على شهادات حية، معبّرة وصادقة، تساهم في فهم

الظاهرة موضوع البحث وتفسير تعقّدها. وهكذا تتبعنا بعض المسيرات، وأجرينا مقابات فردية مباشرة مع الشباب المشاركين في الحراك، باللهجة الريفية الأمازيغية، في مناطق عدة، منها، خصوصًا مدينتي

الحسيمة وإمزورن في إقليم الحسيمة (ينظر موقع الإقليم ضمن التقسيم الجهوي في المغرب في الخريطة 2) اللتين قدّمتا أكبر عدد من المعتقلين السياسيين خال الحراك. الخريطة (2) موقع إقليم الحسيمة ضمن التقسيم الجهوي في المغرب عام 2015

المصدر: المرجع نفسه.

كان إجراء المقابات بالغ الصعوبة، نظرًا إلى التخوّف والحذر الشديدين اللذَين أبداهما كثير من الناشطين، وكان علينا المرور بمراحل عدة لاكتساب ثقتهم، من أجل أن نتمكن من إجراء بعض المقابات مع ناشطين ومشاركين في حراك مدينتَي الحسيمة وإمزورن، وفي بلدة تماسينت، وهي المناطق التي عرفت أكبر عدد من الاحتجاجات (ينظر الخريطة.)3 وفي اعتقادنا أن الشهادات الشفوية الحيّة لهؤلاء الشباب مهمة لمحاولة فهم الحضور القوي للذاكرة الجمعية في الحراك، ودوافع الاعتزاز والافتخار القويين بخصوصية المنطقة التاريخية والهوياتية. الخريطة (3) المناطق التي عرفت أكبر عدد من الاحتجاجات في إقليم الحسيمة في الريف

المصدر: المرجع نفسه.

نميّز هنا، ووفقًا لمنهجية عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي موريس هالبواك، بين «الذاكرة التاريخية» historique Mémoire التي هي بناء للماضي على أسس المعرفة التاريخية، و«الذاكرة الجمعية» collective Mémoire وهي تفسيرٌ وتمثّلٌ مشترَكان للماضي الخاص بجماعة ما، ويغلب على تذكر الماضي وإعادة إحيائه في الحاضر طابع التحول وأحيانًا الأسطرة والانتقائية، ويستجيب لرغبات الجماعة ومصالحها. لهذا غالبًا ما تُحيل الذاكرة الجمعية إلى مجموعة من الأحداث في الماضي، تحظى بالتقدير والتفضيل من جماعة من الأفراد، تُمنح لهم هوية جمعية وتجعل نظرتهم إلى الماضي

مشترَكة. وننطلق في هذه الدراسة من خلفية نظرية، تعتمد على فكرة الصراع من أجل الاعتراف

لدى أكسيل هونيث Honneth Axel؛ إذ إن مطلب الاعتراف يُمكّن مختلف الحركات الاجتماعية من المطالبة بالإنصاف والمساواة من جهة، ومن جهة أخرى يجب النظر إلى الكثير من التوترات الاجتماعية بوصفها أشكالً من النضال والصراع من أجل إقرار سياسات اعتراف تشجع التقدير الذاتي للأشخاص والفئات الاجتماعية. وهناك ثاث دوائر اعتراف في عاقتها بالذات والآخر: • الاعتراف على المستوى العاطفي (المشاعر، المحبة، العناية... إلخ) الذي يساهم في الثقة بالنفس. • الاعتراف المتبادل على المستوى القانوني الحقوقي لتكريس احترام الذات، وذلك عبر مطالبة الأفراد بالحرية والإنصاف وحقوق أساسية متساوية. • الاعتراف المتبادل بين الأفراد والمجتمع على مستوى القدرات والمؤهات، وينبغي هنا منح الأفراد والجماعات تقديرًا ذاتيًا يُجسّد القيمة الاجتماعية لقدراتهم باعتبارهم ذوي فائدة للمجتمع. وأصبحت

عاقات التقدير الذاتي في المجتمعات المعاصرة رهان صراعات مستمرة، تحاول داخلها مختلف الجماعات أن تمنح على المستوى الرمزي، قيمةً لقيمها وقدراتها المرتبطة بعالم حياتها الخاصة، وأن تُبرهن وتُبيّن أهميتها وجدواها في الحياة الجماعية. اعتبر هونيث أن الذل والاحتقار mépris Le هما نفي الاعتراف بما هو سلوك غير منصف يتمظهر عبر: • إقصاء هوية الشخص، أي إلحاق الأذى بالذات وتحطيم الفكرة الإيجابية التي تكوّنها الذات عن نفسها فرديًا وجماعيًا. • حرمان الشخص على نحو ممنهج من حقوقه وحرياته الأساسية، وهنا يُمسّ تقدير الذات باعتبارها

شريكًا متفاعلً وقادرًا على التعامل مع الآخرين على قدم المساواة. • احتقار أنماط حياة الجماعات والأفراد، ما ينتفي معه التقدير الاجتماعي، حيث يشعرون أن قدراتهم الشخصية وقناعاتهم ليست لها قيمة اجتماعية، ولا تُضفي أي قيمة أو دلالة إيجابية على وجودهم الاجتماعي. نحاول من خال سرد جزء من تاريخ الريف، الموسوم بالكثير من الصدمات التي تشكل الذاكرة الجمعية لأهل الريف، فهمَ كيف يتمثل شباب الحراك الشعبي في الريف الأحداث التاريخية التي عرفتها المنطقة؟ وكيف يتماهون مع سرديات الذاكرة الجماعية؟ ولماذا ينزعون إلى الاستغراق في الماضي والإفراط حد الإدمان في استدعاء الذاكرة الجمعية في الحاضر وفي مواجهة التاريخ الرسمي للدولة؟ وما السبل الكفيلة بترميم ذاكرة الريف الجمعية على نحو يحقق التعافي والمصالحة الحقيقية؟

(1) Maurice Halbwachs, La mémoire collective (Paris: Albin Michel, 1997).

(((ينظر: أكسيل هونيث، الصراع من أجل الاعتراف، ترجمة وتحقيق جورج كتورة (بيروت: المكتبة الشرقية،.)2015

أولا: في الحاجة إلى بناء تاريخ مغربي تعددي

إذا كان التاريخ يضيء الذاكرة ويساعد في تصحيح أخطائها، فإن تعبيرات الذاكرة الجماعية بأشكالها المختلفة (التاريخ الشفوي، والمذكرات، والشهادات الشفوية... إلخ) قد تزعج التاريخ الرسمي وتُحاصر الكثير من زواياه، لتطالب بتصحيحه أو إعادة كتابته. والغاية هي نزع طابع الأسطرة أو الأدلجة الذي يكسو الكثير من وقائعه وملء المساحات التاريخية الفارغة وإعادة الاعتبار إلى الهوامش والرموز التاريخية التي شملها الإقصاء الممنهج. هذا ما ينطبق على التاريخ الرسمي في المغرب، الذي يدرّس في المقررات التعليمية، حيث يعيش اليوم حالة اهتزاز وحيرة، إن لم نقل في ورطة، بفعل شدة التناقضات التي تكتنفه نتيجة الطابع الشمولي الأحادي والانتقائي الذي يغلب على تناوله وقائع المغرب القديم أو المعاصر. منذ تسعينيات القرن العشرين، بدا كأن التاريخ الرسمي للدولة المعتمد على تحكّم الرواية الرسمية للسلطة في المخيال التاريخي الجماعي للمجتمع، متجاوَزًا على نحو بعيد أمام التحولات السياسية والحقوقية والاجتماعية التي يعيشها المغرب. وفي ظرف وجيز، انتفض الكثير من الهوامش التاريخية واستيقظ من سباته، وأصبحت حركات عدة، اجتماعية وثقافية، تطالب الدولة بإرساء سياسات اعتراف تاريخي عبر تحقيق مصالحة مع الذاكرات التي عانت مدةً طويلةً النسيانَ والصمتَ، والتي هناك من يعتبرها اليوم بمنزلة تواريخ مضادّة للتاريخ الرسمي، وتمثّل جزءًا من التاريخ «الحقيقي»

للمغاربة. يحتاج التاريخ المغربي الرسمي اليوم إلى «مراجعة» وإعادة كتابته و«تنقيته» مما يوصف ب «التحريف» و«التزييف» و«التعتيم» و«الأساطير» و«مناطق الظل» و«الثقوب السوداء» و«الفراغ»... إلخ، ولتحريره من السلطة التي سرقت التاريخ والتهمته ونسبته إلى نفسها. وفي هذا السياق، يأتي بداية نبش بعض الباحثين في التاريخ الاجتماعي (التاريخ من أسفل) والتاريخ المسكوت عنه أو الامفكَّر فيه، مثل: تاريخ الريف، وتاريخ الأمازيغ، وتاريخ الانتفاضات السياسية والاجتماعية، وتاريخ الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وذاكرة الزعيم محمد عبد الكريم الخطابي (963–18821)، وتاريخ الحركات الاجتماعية... إلخ، إضافة إلى تاريخ بعض المراحل التاريخية الحرجة، كما هو الشأن بالنسبة إلى الصراعات والتصفيات الدموية التي عاشها المغرب مباشرة بعد الاستقال (9561)، وتصفية أعضاء حزب الشورى والاستقال، ومنظمة الهال الأسود (أسّست في عامُ 9541)، ومعتقل

دار بريشة، وأحداث 959–19581 في الريف... إلخ. ومن المنطقي أمام هذا الوضع أن يشكّل التاريخ والذاكرة الجماعية رهانًا سياسيًا تحتدم بشأنه المعارك بين الفاعلين السياسيين والمؤرخين والحركات

الاجتماعية الاحتجاجية.

(((محمد سعدي، «هيئة الإنصاف والمصالحة والتاريخ الشفهي في المغرب: أنموذج شهادات النساء ضحايا سنوات الرصاص»،

في: وجيه كوثراني، مارلين نصر (تنسيق)، التاريخ الشفوي، المجلد الثالث: مقاربات في الحقل السياسي العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0152)، ص.115

هكذا أصبحنا أمام تطور مسارين تاريخيين متوازيين يعكسان انقسامات وتقابات متناقضة ومضادّة إلى درجة عدم القابلية للتعايش المشترك: التاريخ الرسمي المكتوب في مقابل التاريخ الشفوي، والذاكرة الوطنية في مقابل الذاكرات الشفوية، والتاريخ الوطني المركزي في مقابل تواريخ محلية هامشية. وتساهم الذاكرة الجمعية الشفوية في صوغ وعي تاريخي مختلف، وتشكل ماذًا للجماعات المقهورة التي غُيّبت ونُفيَت من الكتابة التاريخية المؤسساتية الرسمية. لم يبدأ التفكير في إعادة كتابة التاريخ ونسف الرواية الرسمية التي ألّفتها الدولة بشأن الكثير من الوقائع التاريخية الحرجة في الماضي إلا تحت ضغط الذاكرة الجماعية والذاكرات المحلية المُهمّشة التي ما عادت صامتة، بل تحوّلت إلى آليات قوية تدفع نحو بلورة سياسات اعتراف إزاء

التواريخ المقصاة في المغرب. وهناك اليوم مطالبة واسعة ببناء تاريخ مغربي تعددي، غير مختزل، ولا إقصائي، وهذا ما يترجمه انتشار مجموعة من التعابير تكشف بشدة شعورًا مجتمعيًا بالاضطهاد

الرمزي والإقصاء المعنوي من التاريخ الرسمي، والرغبة في تاريخ بديل يُعزّز المصالحة مع الماضي

والحاضر. ولعل حراك الريف يُدرج في سياق مساعي اختراق جدران الصمت بشأن تاريخ المنطقة.

فإذا كانت ذاكرة الريف المكلومة والملتهبة تعيش فترات هدوء وهدنة، فإنها لا تخبو. إنها في حالة فوران دائم، تتحيّن الفرص لتُبعث بعثًا انفجاريًا كلما استشعر أهل الريف أن خطر النسيان يهدّد

كيانهم الوجودي والهوياتي. حراك الريف بحمولته التاريخية الوازنة لحظة جديدة تُعيد، بقوة، طرح سؤال: متى سيمتلك المغاربة تاريخهم؟ كثيرون من ناشطي الحراك لا يتوقفون عن طرح سؤال: أين تاريخنا؟ ولماذا لا يحق لنا تدريسه في المدارس؟ شقّ الحراك طريقه نحو ذاكرة الريف الجمعية، لتستعيد سطوتها وشحنتها، ولتستحوذ على الوجدان الشعبي في الريف. ويبدو أن الحراك أثار انتباه بعض التابوهات التاريخية المرتبطة بالريف؛ فالإبادة والتهجير القسري لأهل الريف خال ما يسمى الحملة التأديبية للبغدادي في عام 9818، التي سنأتي على ذكرها لاحقًا، وفاجعة 959–19581 وغيرهما من الصفحات التاريخية المؤلمة، عادا إلى الواجهة من جديد، وأضحيا يؤثثان بقوة، ومن دون خوف، المخيال الذاكراتي لكثير من الشباب.

ثانيًا: قسوة وجراح غائرة ومقاومة

تمثل الصدمات التاريخية الكبرى للريف مرجعية أساسية لإنعاش الذاكرة من قبل شباب حراك الريف الذين غالبًا ما يستحضرون سرديات الاضطهاد التاريخي الممتدة في الزمن، لكن كثيرًا

(((المرجع نفسه، ص.116

(5) Marc Ferro,  L’Histoire sous surveillance: Science et conscience de l’histoire (Paris: Gallimard, 1987).

(((في ما يخص عاقة حراك الريف بالتاريخ، ينظر: رشيد شريت، «الحركات الاحتجاجية بنفس تاريخي: حينما يكون التاريخ

محركًا وحاضنًا للحراك، حراك الريف أنموذجًا»، في: محمد الرضواني (تنسيق)، الدولة وحراك الريف (الرباط: مطبعة المعارف

الجديدة، 0182)، ص 0–97.12

ما تكون هناك أحداث مفصلية تمثل محطات مرجعية، ويُحال كثير منها إلى «الحملة التأديبية»

ضدّ قبيلة بَقيِوَة في كانون الثاني/ يناير 9818 التي ارتكب خالها مبعوث السلطان القائد بوشتى

البغدادي مجازر بشعة، سواء في أجدير، حيث أباد بالخداع والمكر كبار القبيلة وهم يُصَلُّون، أو

في منطقة الرواضي (خصوصًا بلدة أَذُوز)ْ، ولم يسلم من تنكيل جنوده وبطشهم الشيوخُ والنساء

والأطفال، ولا حتى الأضرحة؛ إذ نكّل المخزن بمنهجية وعقاب جماعي وترحيل قسري بسكان منطقة بقيوة، واختار البغدادي أكثر من مئتي رب أسرة من إزمورن، واعتقلهم، حيث ذاقوا معاناة لا تُوصف في السجون. والفظيع في الأمر أن الذين من المفروض هم المستهدفون ب «التأديب»، وهم بضعة قراصنة من ذائعي الصيت في المنطقة، حين وصلت الحملة، لاذوا بالفرار بعيدًا مع عائاتهم، وأبحروا بسام وأمان نحو الجزائر. ويؤرخ الريف لهذه الواقعة الأليمة بعبارة «العام الذي حلّت فيه الكارثة في البقيويين» أو عام الفرقاطة. ويصف الروائي مصطفى الورياغلي بدقة الوضع إبان تلك الفاجعة: «كانت أخبار المأساة تنتقل بسرعة الريح من دوّار إلى دوّار، ومن مدشر

إلى مدشر، تعقبها حوافر خيول محلة قائد السلطان. دخان ودم وعويل. وسؤال واحد فوق الشفاه: إلى أين المفر؟ من أفلت من الحملة حيًّا هام على وجهه محتميًا بقمم الجبال، أو بالغابات، أو

بزوايا الشرفاء أو بالبحر». وعاش الريفيون ظروفًا طبيعية واقتصادية قاسية، خصوصًا أن الريف

عُرف باقتصاد الكفاف المعتمد على زراعة الحبوب الجافة، خصوصًا الشعير، ما دفعهم إلى الهجرة،

وحتى المشاركة بكثافة في الحرب الأهلية في إسبانيا ما بين عامي 9369391 و 1، حيث زُج بالرجال والشباب والقاصرين ليكونوا حطب النار، وليرمي بهم الجنرال فرانسيسكو فرانكو (975–19391) في الصفوف الأمامية لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. عانت منطقة الريف مرة أخرى عنفًا أعمى ما بين عامي 9589591 و 1، حيث حاصرت قوات كثيرة من الجيش المغربي المنطقة، وارتكبت أبشع الجرائم في حق الريفيين، بما فيها القتل وإحراق الحقول والمزارع ونهب الممتلكات، كما وقعت حالات اغتصاب للنساء، ويُسمى هذا الحدث في الريف

ب «عَامْ إِقبَارنْ» (عام الخوذات). وتعود أحداث 959–19581 في جزء منها إلى التهميش الذي عانته

المنطقة الخليفية، خصوصًا الريف الذي دُمج على نحو تعسّفي ومتسرّع، وعلى الطريقة اليعقوبية،

في النسيج الوطني، ما أدى إلى تذمر وسخط نخب المنطقة ذات التكوين الإسباني العصري، أو

(((محمد سعدي، «حراك الريف.. صرخة الاعتراف والإنصاف:)2(جراح الماضي الغائرة»، هسبريس، 018/5/182، شوهد في

020/1/25:2، في https://www.hespress.com/orbites/391803.html

(((تعرّض ضريح الشيخ علي بن حسون في دوار أذوز للسرقة والإتاف خال تلك الحملة، كما قُتل جميع الذين فروا من الجنود

واحتموا داخله. (((لمعلومات مفصلة، ينظر: العربي اللوه، المنهال في كفاح أبطال الشمال (تطوان: [د. ن].، 9821)، ص.99–93 1(((جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 9861)، ص.211 (((1 أُنقذ الكثير من الأسر البقيوية من بارجة حربية فرنسية جاءت خصوصًا من طنجة. (((1 مصطفى الورياغلي، أبواب الفجر (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0182)، ص.83 (((1 يمكن الاستماع لشهادة امرأة ريفية ضحية الأحداث، في: «شاهدة على أحداث الريف»، يوتيوب، 011/12/172، شوهد في

020/2/25:2، في http://bit.ly/2HWd8T7

ذات التكوين الديني العربي، التي هُمّشت على المستويات كلها. كما أوجد تعامل ممثلي الإدارة

المركزية في المنطقة السيئ مع الساكنة احتقانًا اجتماعيًا كبيرًا. وفي الفترة نفسها، عانى أهل الريف سلسلة اغتيالات وخطف ومطاردات واحتجاز وتعذيب، استهدفت، خصوصًا أعضاء حزب الشورى والاستقال والمتعاطفين معه في الريف، وجيش التحرير

الذي انطلقت عملياته العسكرية في منطقة الريف في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 955.1 ومنذ ذلك الحين، تتعرض المنطقة لعقاب جماعي ممنهج، ساهم في تهميشها وإقصائها اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. تعزّز هذا المسلسل بأحداث كانون الثاني/ يناير 9841، المعروفة ب «انتفاضة الخبز» أو «انتفاضة

التاميذ»، حيث نعت الملك الحسن الثاني أهل المنطقة وسكان شمال المملكة عمومًا ب «الأوباش!»،

وَوُوجِهَت الاحتجاجات بعنف مفرط وشديد، ما أدى إلى اعتقالات واسعة وسقوط عدد من القتلى،

خصوصًا في مدن الناظور وتطوان والحسيمة، حيث كان عدد القتلى مرتفعًا جدًا. مثّل زلزال الريف المدمر في 24 شباط/ فبراير 0042 فرصة مهمة للتصالح مع المنطقة ودمجها في نسيج الوطن التنموي، حيث انطلقت مشروعات تنموية مهمة، لكن هذا لم يحل دون حدوث استياء واحتجاجات واسعة في مناطق الريف نظرًا إلى سوء تدبير عملية إعمار بعض المناطق المنكوبة، وإلى

رهان المخزن على صنع «نخبة سياسية» جديدة في الريف، لم تكن محل رضا أهل الريف. ومع انطاقة «حراك 02 فبراير» 011، استيقظت المنطقة على وقع «الجثث المتفحّمة لخمسة 2

شبان»، واعتقالات واسعة خال المظاهرات التي عرفتها بني بوعياش، والحسيمة، وبويكدارن، وإمزورن وغيرها، كما عرفت بني بوعياش والمناطق المجاورة لها في عام 0122 احتجاجات اجتماعية عدة، أعقبتها اعتقالات كثيرة. ويأتي مقتل محسن فكري وعماد العتابي وحمات القمع والاعتقال التي يتعرّض لها ناشطو الحراك الشعبي منذ عام 0172، لتضيف صفحة أخرى إلى سردية محنة اضطهاد

الريف من الدولة، وكأن الماضي يتكرر من جديد، فتُبعث على نحو أقوى سيكولوجية الغضب والمقاومة من العمق الاشعوري لأهالي الريف، وكأن قدَر الريف أن يكون «تاريخًا من الانتفاضات والهجرات والدموع والسجون، تاريخ من الغربة عن الوطن، والغربة في الوطن». ثمة شعور عام وسط الشباب أن محاكمات الشباب على خلفية حراك الريف أحيَت الجراح والأوجاع

(((1 لمزيد من المعلومات والشهادات بشأن أحداث عامي 959–1958 1، ينظر: مصطفى أعراب، الريف: بين القصر، جيش التحرير

وحزب الاستقلال (المحمدية: منشورات اختاف، 0012)؛ الفيلم الوثائقي، «كسر جدار الصمت»، يوتيوب، إخراج طارق الإدريسي، موجود بثاث نسخ تحمل ترجمات فرنسية وإنكليزية وإسبانية، 016/9/202، شوهد في 020/2/25:2، في http://bit.ly/2w0Neem (1((بحسب الأرقام الرسمية لتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، بلغ عدد القتلى في الناظور 16 شخصًا وفي تطوان 13 وفي

الحسيمة ونواحيها 12 شخصًا. ينظر: هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي: الكتاب الثاني (الدار البيضاء: مطبعة النجاح

الجديدة، 0062)، ص.101–98 (((1  بخصوص «حراك 02 فبراير»، ينظر: 20 فبراير ومآلات التحوّل الديمقراطي في المغرب، تحرير وتقديم مراد ديّاني

(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017 1(((خالد البكاري، «لعنة عبد الكريم»، أخبار اليوم، 019/4/10.2

القديمة والإحساس بالظلم، كما أن الأحكام الجائرة الصادرة ضدّهم هي، قبل كل شيء، محاكمة لتاريخ الريف وانتقام من رموزه، خصوصًا الزعيم محمد عبد الكريم الخطابي، وكأن هذا التاريخ

لا يشكل جزءًا من تاريخ المغرب. يقول الشاب «م. أ.» من أيثْ مُوسَى وَعْمَا في مدينة إمزورن: «إنهم

يحاولون دائمًا طمس ومحاصرة ذاكرتنا وتاريخنا، لكن في كل مرة يفعلون ذلك تزداد قوة اعتزازنا بهذا

التاريخ وعزيمتنا على إعادة الاعتبار إليه، بعد الاعتقالات الواسعة، انظر الآن إلى علم الريف [بانْدُو نَرِيفْ] لم تكن إلا القلة هي التي تعرفه، ولم يكن أحدٌ يتجرأ على رسمه، أو في الأحرى على رفعه، لكن الكثير من طاولات المدارس والثانويات اليوم مليئة برسوم هذا العلم، ومهما حاولوا طمس ذلك، فسنحفره في قلوبنا».

ثالثًا: غبن تاريخي ووصم وصراع رمزية الأمكنة

أوضح الشباب الذين التقيناهم قبيل انطاق المسيرة الكبرى يوم الخميس 18 أيار/ مايو 0172 (ردًا على اتهامات «الانفصال» و«التمويل الخارجي» و«التخريب»)، أنهم لا يحملون أي ضغائن وأحقاد ضدّ أي أحد، لكنهم لا يشعرون بسام داخلي مع ما يعتبرونه «غبنًا وقهرًا وحصارًا لتاريخهم». يصيح «م. س.»،

أحد شباب الحراك في إمزورن: «اذهب إلى أزغار وانظر بأم عينك الحالة المزرية ل ‘فِسيِناَ’ [الاسم الذي يطلقه ساكنة الريف على ما بقي من مقر القيادة العامة للجمهورية الريفية وللمقاومة المسلحة ضد المستعمر الإسباني]، أصبحت مجرد خراب، إنهم لا يريدون أن يعترفوا بتاريخنا، ويُمعِنون في احتقار

رموزنا التاريخية، حتى لو قبروا الآثار كلها، وأبادوا الرموز كلها، تاريخنا سيبقى وسيعيش، نحن نحمله في دمائنا وأعماق أرواحنا وقلوبنا، ولن يتمكّنوا من خطفه منّا». لسان حال شباب الحراك يقول إنهم لا يريدون أن ينتهي بهم الأمر مثل آبائهم وأجدادهم، يقول «م. أ.»: «لا نريد الوقوف الجماعي للبكاء على الأطال وتذكّر جروح الماضي مثل ما فعل آباؤنا وأجدادنا، نريد أن نعرف ما حدث؟ ولماذا؟ لماذا هذا العنف كله والقمع الدائمان الشرسان ضدّنا؟ نريد أن نُنهي حالة الاحتقان ونتنفّس وننزع عنا الحزن والغضب الدفين. عليهم أن يعترفوا بما فعلوه، أن يقدموا لنا الاعتذار، وهذا أمر مستحيل، لكن عليهم على الأقل أن يعترفوا، أن يعترفوا بما فعلوه». وتشكل وقائع أحداث عامي 959–19581 في نظر معظم شباب الحراك الحدثَ التاريخي المركزي والمرجعي لتمثّات ذات تاريخية جماعية تحاول بعناد تأكيد «الاستمرارية في الزمن»، عبر إعادة ترميمها وتشكيلها واستحضارها لتكون عابرة من الماضي إلى الحاضر. ويُاحظ أن معظم الكلمات

التعبوية لناشطي الحراك، التي تُلقى في التجمعات الخطابية في الحسيمة أو إمزورن أو تماسينت، كثيرًا ما تستذكر هذه الأحداث أو تُحيل إليها. وتبقى واقعة اغتصاب النساء والفتيات بمنزلة ذاكرة أليمة

يحوطها صمت القبور، إنها «منتهى الحدث» و«النكبة الكبرى» في مخيال كثير من شباب الحراك، وهم يفضلون الصمت وعدم الكام في الأمر، لأنهم غير قادرين على استيعابه أو تحمّله، إنه بمنزلة

(((1 م. س.، مقابلة شخصية، مدينة إمزورن،.2017/2/14 (1((م. أ.، مقابلة شخصية، الحسيمة،.2017/4/15

جرح غائر ما زال ينزف، بل إن بعضهم، من فرط التهويل، حوّل هذه الواقعة إلى أساطير لا تمت أحيانًا

إلى الواقع بصلة. يقول «س. م.» من ناشطي الحراك في إمزورن: «لا نريد الكام في هذا الموضوع، إنه عارٌ ياحقنا، يزرع فينا الألم والحقد ضد ‘المخزن’، أتعرف أن الكثير من الفتيات والنساء كن يفضلن

أن يلقين بأنفسهن في البحر على أن يسلّمن أنفسهن لأصحاب الخوذات الحديدية [الجنود] [أيثْ

بُويْقَبارَن]ْ». قد يكون هناك مبالغة في ثنايا الروايات التاريخية المحكية التي يجري تناقلها أبًا عن جَدّ، لكن المبالغة

تعتبر من الناحية السيكولوجية آليةً من آليات الاستعادة الاجتماعية والسيكولوجية، بلغة فرويد، للمظلومية وذاكرة المحنة التي تنزع نحو التهويل والتأويل والانتقاء عبر التركيز على الأحداث المؤلمة والمؤثرة، وهي صور خاضعة برمّتها لآلية «المُعاد»؛ فأهل الريف صاروا يتناقلون قصص المآسي حتى

أصبحت ذاكرة محلية ذاتية، تُعزّزها باستمرار مشاعر الاحتقان والمقاربات القمعية للمخزن. لكن،

بلغة فاميك فولكان Volkan Vamik (932–1)، توافق أهل الريف، على المستوى النفسي، على اعتبار أحداث 959–19581 «صدمةً مختارة» Trauma Chosen، وفي المقابل، اعتُبر ثالوث معركة أنوال (9211) وتجربة الجمهورية الريفية (926–19211) والأمير الخطابي، تمثّات نفسية ل «المجد المختار» Glory Chosen. وتبقى هذه التمثات النفسية حيّةً عبر الأجيال، وتتحوّل إلى وقود يمنح الهوية الريفية

الالتحام والقوة. ومن مفارقات الحراك، بروز تمثّل نفسي لصدمة مختارة جديدة، بدأت تنافس وتزيح بقوة صدمة 959–19581، وبدأت تلفت الشباب بعد أن كانت شبه مُغيّبة لأسباب عدة، ويتعلق الأمر

بالإبادة التي ارتكبها بوشتى البغدادي في حق الريفيين في عام 98.18 وليس اعتباطًا أن يختار بعض شباب الحراك، مرات عدة، رفع لافتات كُتبت عليها عبارتا: «أي مصالحة والريف ما زال ينزف»، و«أي مصالحة والريف لم تندمل بعد جروحه». يعتقد كثيرون من شباب الحراك بوجود عداء وجودي تاريخي أزلي للسلطة المركزية ضدّ أرض الريف وقيمه، وأن خصوصيتهم الهوياتية تجعلهم محلّ وصم و«شيطنة» تصل إلى حدّ التشويه والتحريض على الكراهية والوصم الجماعي، بل الخوف المرضي من الريف Rifobia، هذا ما تُزكّيه النعوت والتُّهم النمطية الجاهزة في حق الريفيين، التي انتعشت خال الحراك، وأضيفت إليها أوصاف جديدة على مستوى بعض ما يُسمى الجرائد الوطنية، وكذا التعليقات الواردة في المواقع الإلكترونية وشبكات

التواصل الاجتماعي: «المتمردون»، و«مساخيط الملك»، و«الأوباش»، و«الانفصاليون»، و«الخونة»، و«المنعزلون»، و«المنغلقون على أنفسهم»، و«غير اجتماعيين»، و«عماء الخارج»، و«الفتانون»، و«العنصريون»، و«الشوفينيون»، و«تجار المخدرات»، و«المهرّبون»، و«المخرّبون»، و«المندفعون»،

و«الخوارج»، و«الشيعة»، و«الخارجون عن الدين»، و«الفوضويون»، و«المتمردون»، و«المحرضون»، و«العنيدون»، و«المتغطرسون»، و«الغادرون»، و«العدميون»، و«الطفيليون»... إلخ. ووظفت

(2((س. م.، مقابلة شخصية، الحسيمة،.2017/4/14 (((2 محمد سعدي، «حراك الريف.. صرخة الاعتراف والإنصاف:)4(مصالحة معطوبة»، هسبريس، 018/5/202، شوهد في

020/1/30:2، في https://www.hespress.com/orbites/392143.html

جمل بأكملها في هذا الإطار من قبيل: «الريفي دِيرُو قدَّامَك ومَدِيرُوشْ مُورَاكْ» (ضع الريفي أمامك

ولا تضعه خلفك)، «الظّرِيفْ عمَّارْ مَ خْرَجْ مَنْ الريف» (الإنسان الوديع والظريف لا يأتي أبدًا من الريف)،

«الريفيون شوفنيون يتحدّثون الريفية فيما بينهم»، «الريفيون لا يحبّون الدخاء»، «عاش الكيف ولا عاش

الريف»، وغيرها. من هنا نفهم تحوّل موضوع الريف إلى موضوع للإثارة والتسويق الإعاميَين، ففي أوج

حراك الريف، استجوب الكثير من الجرائد والمواقع الإلكترونية أشخاصًا حول رأيهم، وكيف ينظرون إلى

أهل الريف؟ وما الفرق بينهم وبين الآخرين؟ وكأن الأمر يتعلق بكائنات فضائية اكتُشفت أول مرة ونزلت من السماء على أرض المغرب، أو بمخلوقات تعيش في محميات وكانتونات منعزلة، بل عنونت مجلة أكاديمية محترمة أحد أعدادها الذي خُصّص للريف: «ما لا تعرفونه عن أهل الريف»! وكأنها ستُعلن عن

اكتشاف عظيم، مع وضع صورة من الحجم الكبير على الغاف لرجل ضخم يرتدي جلبابًا قصيرًا وذي

لحية كثّة، يتزنّر خنجرًا وينظر شزرًا وبغضب في الأفق، وفي خلفية الصورة كالعادة توجد الجبال. وبهذا

تجتمع الحتمية الجغرافية والتاريخ الثابت منذ الأزل ليجعا أهل الريف سجناء صورة نمطية تختزلهم ب «الجبال ووعورتها» و«مقاومة المستعمر» و«التمرّد على المخزن». يطرح هذا الموضوع الحساس الكثير من الأسئلة، لكن نعتقد أن الأمر بقدر ما هو مرتبط بسؤال «هل حقًّا يعرف المغاربة إخوانهم الريفيين؟»، فإنه يتجاوزه إلى ما هو أعمق من ذلك، إذ إن استمرارية استراتيجية وضع الريفيين خارج سياقهم الطبيعي ثقافيًا وحضاريًا وتاريخيًا Exotisation هي خطاطة

مستبطنة للهيمنة والسيطرة الرمزية للمخزن، وبلغة إدوارد سعيد هي تثبيت للريف في الصورة التي يريدها، أي إنه يحاول، ما دام هو وحده من يمتلك حق الكام، أن يوجِد في المخيال الجمعي للمغاربة الريفَ الذي يريده والمرغوب فيه، وليس الريف كما هو في حقيقته، أو كما يريده أهله. جاء حراك الريف ليضع تحت المجهر قدرة المغاربة على الاعتراف بالاختاف وضرورة احترام الخصوصيات الهوياتية والتاريخية لكل مناطق المغرب، إضافة إلى أنه وضع على المحك مدى قدرة الدولة على التجدد لاستجابة الحقيقية لرهانات التعددية الثقافية والجهوية واللغوية، حتى يجد جميع المغاربة حيّزًا تُحتَرم فيه ذواتهم وهوياتهم ولغاتهم ولهجاتهم بعيدًا عن كل تأحيد تعسفي في قالب

هوياتي ومرجعية ثقافية واحدة. تكشف التُّهم الجاهزة والمتهافتة في حق أهل الريف وناشطي الحراك، الغطاءَ عن بعض وسائل الإعام

وبعض الأكاديميين، وبعض من يُحسب على المثقفين الحداثيين، حيث جعلوا الحراك يبدو كأنه

محور شر جديد، له أجندات دولية، وفيه «أيادٍ خارجية» تُشجّع على «الفتنة» والانفصال، حتى إن

الإنسان العادي سيحتار من الخليط العجيب الذي لا يستقيم مع أي منطق؛ فكيف يمكن أن يكون

(((2 ينظر: مجلة زمان، العدد 54، تموز/ يوليو.2017 (((2 تناقلت وسائل الإعام تصريحات لبعض القضاة في محاكمة معتقلي الريف في الدار البيضاء، من قبيل سؤال وجّهه قاضٍ

إلى أحد المعتقلين: «هل أنت مغربي؟»، ووصف نائب الوكيل العام للملك المعتقلين بأنهم يحملون «جينات التمرد». (((2 عبد الله المعتزلي، «الريف المُتخيل... هل حقًا يعرف المغاربة إخوانهم الريفيين؟»، ساسة بوست، 019/5/152، شوهد في

020/2/25:2، في http://bit.ly/3c9iU1D

هذا الحراك في الوقت نفسه: يخدم أجندة شيعية، ويتلقّى الدعم من «البوليساريو» ومن إرهابيي ما يُسمى «داعش»، ومن تنظيم القاعدة ومن أباطرة المخدرات، وهو ذو نزعة سلفية جهادية، ومخترق من أجهزة صهيونية ضمن مخطط تخريبي للوطن. في هذا السياق، ما يحمل دلالات عميقة هو رفض الشباب الأسماء الرسمية للساحات العمومية، حيث أطلقت على الساحات العامة الرئيسة كلها التي تعرف تجمعات لاحتجاج، أسماء تُحيل إلى الذاكرة الجمعية أو اللحظات التاريخية الفارقة في الريف، أو الموروث الاجتماعي للناس، وأصبحت لكل ساحة سيرتها التاريخية الخاصة: ساحة الشهداء، وساحة «بَارْكِي نْ تْشِيتَا » وسط مدينة الحسيمة، وساحة ناصر الزفزافي في حي سيدي عابد، وساحة «عبد الكريم الخطابي» قرب ثانوية الباديسي، وساحة «عدَنْبِي نَسُوقْ» في وسط إمزورن، وساحة الشهيد كمال حساني في بني بوعياش، وساحة الشهيد حدو أقشيش في بلدة تماسينت، وساحة أنوال في بني حذيفة، وساحة الشهيد

(2((أكد عبد الرحيم منار اسليمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس، أكدال، الرباط «أن الذين صنعوا ناصر الزفزافي هم شيعة مغاربة بالخارج، انتظروا اللحظة المناسبة ليدفعوا به إلى قيادة الحراك»، وأضاف موضحًا: «يمكن العودة لقراءة

مضمون خطابه وقراءة حركاته، ستاحظون أنه يريد تقليد القيادات الشيعية: نصر الله في لبنان والصدر في العراق وعبد المالك الحوثي في اليمن». واتهم اسليمي الزفزافي بأن له «ارتباط بالشيعة المغاربة ببلجيكا الذين يبلغ عددهم ما يزيد عن 52 ألف شخص، المتشبعون بالفكر الإيراني»، معتبرًا أن هذا كله يُدرج ضمن مشروع إيراني بدأ في شمال أفريقيا في تونس وليبيا وغرب الجزائر،

والآن يحاولون اختباره شمال المغرب. وأضاف: «لا أحد يختلف مع جماهير الحراك ذي الطبيعة الاجتماعية والاقتصادية، وهم الأغلبية الكبيرة؛ لكن في كل حركة يكون اختراق لأجندة، هذه المرة يبدو أنها شيعية، والمشروع الشيعي لا يسعى إلى الانفصال،

وإنما إلى خلق كيان من دون الدولة داخل الدولة». ينظر: «اسليمي: الزفزافي صنيعة شيعة مغاربة الخارج»، هسبريس، 017/5/312، شوهد في 020/2/25:2، في http://bit.ly/2T0wbC9 (((2 هذا ما أكدته جريدة الصباحاليومية على صفحتها الأولى: «معتقلو الحسيمة تلقوا أموالً من البوليساريو»، جريدة الصباح، 2(((نشرت جريدة الأحداث المغربية في 017/5/29 2، مقالة بعنوان: «شبح داعش يُخيّم على الحسيمة»؛ ونشرت جريدة الصباح

مقالتين على صفحتها الأولى، وبالخط العريض: الأول في 017/6/292 بعنوان: «البحث عن أموال داعش بالحسيمة»؛ والثاني في 017/8/92، بعنوان: «داعش والقاعدة يصطادان في الريف». (((2 ينظر: حوار مع أحمد ويحمان، الأيام، 2–162 أيار/ مايو 0192، ص.22–16 2(((رسميًا تُسمى ساحة محمد السادس، وكانت تسمى عند عموم الناس «الساحة الكبرى» (سَاحَا ثمَقْرَانتْ) وساحة المياه (سَاحَا

وَامَانْ). ويطلق عليها ساحة الشهداء نسبة إلى الشهداء الخمسة في 02 شباط/ فبراير 011.2 ومنذ بداية الحراك كانت هذه الساحة،

إلى جانب ساحتي باركي نتشيتا وناصر الزفزافي في سيدي عابد، تحت مراقبة أمنية يومية وحضور ثابت لسيارات الشرطة. (3((رسميًا تُسمى ساحة حديقة 3 مارس، وأطلق عليها شباب مدينة الحسيمة في أواسط الثمانينيات اسم «باركي ن تشيتا» على

الحديقة قبالة كنيسة سان خوسي التي كانت تُسمى في عهد الاستعمار الإسباني «ساحة إسبانيا» Espana de Plaza، في عام 2017، تحوّلت «باركي ن تشيتا» إلى فضاء رمزي يحيل إلى حراك الريف في صيغة المؤنث، حيث عرف الكثير من الاحتجاجات والمسيرات

والوقفات النسائية الداعمة لحراك الريف. (((3 بعد اعتقال ناصر الزفزافي، وخال بداية تنظيم مسيرات ووقفات احتجاجية في سيدي عابد، خال شهر رمضان 1438 ه/ 0172 م، اقترحت مجموعة من شباب الحراك تسمية ساحة سيدي عابد بساحة ناصر الزفزافي. (((3 لم تكن هذه الساحة العمومية موجودة إلى عهد قريب، وغالبية الشباب تسميها «باركي ن لفاحة»، أما الأولتراس فيسمونها «ساحة ريف بويز». (((3 تُسمى رسميًا ساحة المسيرة الخضراء. كما هناك من يسميها «الساحة الجديدة». (((3 هي الساحة الرئيسة وسط بني بوعياش، وتسمى رسميًا ساحة محمد السادس، أو الساحة الجديدة.

الشيخ أعمار التمسماني في بودينار (يعتبره التمسمانيون قائدًا لمعركة أ دْهَارْ أَوبرَانْ ضدّ الاستعمارُ

الإسباني)، وساحة محمد عبد الكريم الخطابي في بلدة بن طيب قرب البلدية. يختزن الأمر معانيَ تاريخية وسوسيو–سيكولوجية دالّة، فهو شكل من أشكال المقاومة بالحيلة،

وعودة الشباب القوية إلى الميادين من أجل إعادة الامتاك الرمزي للتاريخ والهوية الذاتية عبر الفضاءات العامة، واستعادة الساحات بعد عدم تلمّسهم تغييرًا حقيقيًا لأوضاعهم، يُعبّر عن صراع عنيف على

مستوى المعجم اللغوي بين التاريخ الرسمي المركزي والتاريخ المحلّي المحاصر والمقموع. إن قوة الشارع وفيض الأجساد المتحركة بتجانس وتناسق في المسيرات، جعا الحراك يُبدع في فن

احتال الأماكن العامة وتكتيكاتها، وتحوّلت ساحة الشهداء، وبعدها ساحة ناصر الزفزافي، إلى فضاءات

عامة، تمثّل في لحظات الاحتجاجات والمسيرات جسدًا مجتمعيًا متكتّلً، تاشت فيه الاختافات بين

الذكر والأنثى، الشباب والشيوخ، وذابت فيه الأيديولوجيات المختلفة كلها. الأصوات، والإيماءات، والصرخات، والهتافات، والهياج، والحركات، حررت الأجساد من السكون والملل. وبفضل التحام باغة المكان بباغة الجسد وبرمزية التاريخ، نجح الحراكيون في بناء كوريغرافيا مبدعة ونسق بصري جذّاب وممتع لمدينة الحسيمة.

رابعًا: الماضي المستعصي عن الدفن

يُصرّ أهل الريف، جيلً بعد جيل، على واجب حفظ الذاكرة من النسيان والطمس، وتكاد هذه الذاكرة

الموشومة بتمثات الظلم والقمع والعنف الامبرر والزائد على حدّه من الدولة، أن تكون موحّدة

بين جميع الريفيين وعابرةً جغرافية الأمكنة والأزمنة كلها. لذا، كثيرون من أهل الريف يحرصون أشد الحرص على ما يعتبرونه واجب الوفاء للأجداد من خال تلقين سرديات الذاكرة الجمعية الكبرى وصدماتها العنيفة ونقلها إلى أبنائهم، وذلك في إطار فعل التذكر تحت شعار «تذكروا» Souvenez– vous، خصوصًا حين يكون تاريخهم محاصرًا، أو حين يتعرّضون للقمع والتهديد به. نسيان الآلام

وتضحيات الأجداد هو موت معنوي للإنسان الريفي، وهذا ما يُعبّر عنه الريفيون بعبارة يرددها جميع

شباب الحراك بعفوية كبرى: «لن ننسى أبدًا» (عَمّاسْ أنْ تُو)، أو «والله لن ننسى» و (واللهْ إِمَا نَتُو). وقد

أثبت حراك الريف إلى حدٍ بعيد أن أهل الريف نجحوا في امتحان مقاومة النسيان واستراتيجيات الدولة لسلب ذاكرتهم الجمعية. وتأبى ذاكرة الريف الجمعية أن يطويها النسيان، وبعد أن كانت تقاوم خفية وبالحيلة أحيانًا، صارت اليوم تقاوم علنًا ضد محاولات طمس الهوية التاريخية الجمعية كلها. وتؤثث السرديات الذاكراتية المحلية المثقلة بالوجع والألم الذاتي المخزون النفسي والمخيال الجمعي لشباب الحراك، وهي برموزها وطقوسها واستراتيجياتها الخاصة لمقاومة السرديات الوطنية الاحتوائية

3(((جيمس سكوت، المقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم، ترجمة إبراهيم العريس ومخايل خوري (بيروت: دار الساقي،.)1995 (((3 محمد سعدي، «‘حراك الريف’ (5): أَيثْ بُويْقَبارنْ.. غبن تاريخي وجروح الماضي»، هسبريس، 018/5/202، شوهد في

020/1/30:2، في https://bit.ly/2YA0cMd

المفروضة، تحوّل استدعاء الماضي المشترك إلى منبع لهوية متعالية تُعبّر عن كينونة الاعتزاز والفخر

بالذات الجماعية، وعن امتاك جمعي للذاكرة. وهذا ما عبّر عنه الصحافي نور الدين مفتاح على نحو

ذكي: «خصوصية الريف أن الذين يتحركون فوق الأرض لهم عاقة لاشعورية بالراقدين تحت التراب، هناك نوع من الشموخ التاريخي المنكسر». لكن، لماذا هناك استغراق وانغماس مفرطان في استدعاء الماضي؟ ذاكرة الريف ذاكرة شعورية غير مشبعة وساخطة، فهي با أماكن للذاكرة، أي با معالم مادية للتذكر (المتاحف، والآثار، والمعمار، وطقوس رمزية احتفالية أو تأبينية أو حزينة، وأيام ومناسبات تذكرية، والنصب التذكارية، والتماثيل، وأعمال فنية، والمناهج المدرسية... إلخ)، وهذا راجع في جزء منه إلى القمع المسلّط عليها الذي يجعلها ذاكرةً محصورة refoulée Mémoire غير قادرة على التعبير عن مشاعرها الدفينة، سواء الحزينة أم الاحتفالية في الفضاء العام. وكلما كانت هناك عودة إلى المكبوت refoulé du retour Le، تكون استعادة مثالية للذاكرة وشحنها عبر استراتيجية التعالي sublimation La، فيجري الاعتزاز بالذات الجماعية وتمجيد التاريخ البطولي والتفاخر بالتمايز التاريخي والتفرد الهوياتي، ويصل الأمر إلى حدٍ يتجاوز افتخار الانتماء والخصوصية «أنا ريفي وأفتخر»، وشعارات: «عاش الريف» و«أنا ريفي والكل يعرفني»، و«نحن ريفيون» (نَشِنْ ذِ إرِيفِيَانْ)، و«الريف لنا» (آرِيفْ نَّغْ)، ليتحول لدى بعض الشباب

(خصوصًا صغار السن)، ومن دون وعي منهم، إلى نوع من الطهرانية الإقصائية والقومية الشعبوية، بل العنصرية العرقية أحيانًا (انتشر بحدة في مواقع الفيسبوك والكتابة على الطاولات الدراسية وعلى الجدران خطاب «نحن» و«هم»، وتعابير: «الذات الريفية» و«الروح الريفية»، و«الشعب الريفي العظيم»، و«الريفي الأصيل والقح» (آرِيفي ذَ حُورِي)، و«الريفي النقي» (آرِيفِي بُورُو)، (الدماء الريفية النقية)،

و«الريف للريفيين» (آرِيفْ إِ رِيفَياَنْ)، و«جيناتنا ليست كجيناتهم» (الجِينَاتْ نَغْ أوجِي أُمْ الجِينَاتْ

نْسَنْ»، «إِغَابِيَانْ»، «عْرِيبُوشْ»، «عْرِبَانْ»)، حيث يعتبرون أنفسهم «مختلفين جذريًا عن الآخرين». ياحظ أنه كلما كان هناك إصرارٌ من المخزن في نهج سياسة الإنكار والنفي الذاكراتي الممنهج Démémorisation لكل ما يضايق التاريخ الرسمي ويزعجه، فإن عناد الريفيين يقوى أكثر في إعادة بناء ذاكرتهم Rémémorisation وإعادة امتاك Réappropriation الذكريات والتواريخ المرغوب فيها أو الصادمة لهم. وأمام حصار هذه الذاكرة وكردّة فعل ذاكراتي – هوياتي على تهميش سياسة التذكر الرسمية لها، كان لجوء الشباب إلى توظيف قوة وجاذبية ذخيرة الموارد الرمزية التاريخية ذات العمق المحلي عبر استدعاء علم الجمهورية الريفية وعلم تمازغا، خصوصًا صور عبد الكريم الخطابي

3(((نور الدين مفتاح، «المملكة في خطر»، الأيام 24، 017/6/152، شوهد في 020/2/25:2، في http://bit.ly/2wIZO27 (((3 يعود مفهوم أماكن الذاكرة إلى المؤرخ الفرنسي بيير نورا الذي اعتبرها المقابل المادي والحسي للذاكرة الجمعية التي ما عادت موجودة، وتكون لها أبعاد مادية ورمزية ووظيفية، تتمثل في الآثار، والتماثيل، والمقابر، والأرشيف، والأعمال الفنية، وأيام تذكرية، وطقوس رمزية، ومناسبات إحياء الذكرى... إلخ، ينظر:

Pierre Nora, Les lieux de mémoire (Paris: Gallimard, 1997).

ومقولاته. يقول رشيد شريت، الباحث في التاريخ السياسي المعاصر للمغرب: «كان من الطبيعي أن يطفو إلى السطح كل التراث الخطابي في الحراك الريفي، والذي لم يكن بالتراث المنسي في الذاكرة والمخيال الريفيين بقدر ما كان في حالة كمون لم تتح له فرصة الظهور والتعبير عن ذاته». ولوحظ خال الحراك، خصوصًا بعد الاعتقالات في حق الحراكيين، تشبث قوي واستعمال مكثف لتعبير

«مولاي مُوحَندْ» (اللقب الذي يُطلقه أهل الريف على الأمير محمد عبد الكريم الخطابي) بين شباب

الريف. وأكثر من هذا، عادت بقوة إلى الذاكرة الريفية رمزية أيقونة الشريف محمد أمزيان، مؤسس المقاومة المسلّحة في الريف ضد الإسبان، وكانت صورته حاضرة في أربعينية محسن فكري إلى جانب صورة الأمير الخطابي ومحمد الحاج سام أمزيان قائد أحداث 959–1958.1 يثبت حراك الريف، مع امتداداته المختلفة، أن أهل الريف لم ينجحوا في مقاومة النسيان فحسب، بل حوّلوا ذاكرتهم إلى إحدى أدوات المقاومة، وأثبت الحراك الشعبي ذاته، بلغة موريس هالبواك، أن

الذاكرة الجمعية في الريف لم تُعِد إحياء الماضي وبعثه، بل أعادت بناءه وتشكيله في زمن الحاضر، والتذكر هو عملية إعادة بناء الماضي بمساعدة الحاضر. لكن داخل ذاكرة الريف يطغى نداء الأصل و«الأمس الأزلي» وخطاب «كُنَّا»، وما زال ثقل الماضي يُطارد ويستحوذ على نحو مفرط على حاضر

عدد كبير من شباب الحراك، ولا يوجد إلّ انجذاب خافت لنداء المصير والمستقبل «ماذا نريد أن نكون؟» الذي يطرح أسئلة مُقلقة ومزعجة بشأن المصير والهوية في أفق استشراف المستقبل. و«الذاكرة

التاريخية، عندما تتحوّل إلى ذكرى نمطية مُحنّطة على حساب السجل الذاكراتي الحافل والتركة

التاريخية العريقة للريف، تتحوّل إلى وزر يُثقل كاهل حامله». حراك الريف فرصة سانحة لطرح نقاشات عامة صريحة لمكاشفة الذات ومواجهتها بما تُخفيه من تناقضات، وبالتخوفات التي تعتريها لاستكشاف قدرتها على بناء المستقبل، وفي اعتقادنا، بحسب الفيلسوف الفرنسي تزفتان تودوروف Todorov Tzvetan (017–19392)، أننا في حاجة مُلحّة إلى

«استخراج قيمة مثالية من الذكريات الصادمة المؤلمة، وهذا لا يتم بحق إلّ عن طريق تحويل الذاكرة إلى مشروع، وإن كانت الصدمة تُحيلنا إلى الماضي من أجل الذاكرة، فإن القيمة المثالية توجّهنا نحو

المستقبل». وعدم بقاء أهل الريف سجناء ل «ذاكرة هوياتية مكلومة»، تتحكم في كيانهم وفي مستقبلهم، يتطلّب منهم قبل الآخرين، مجهودًا كبيرًا عبر منح معنى إيجابي وغاية مثالية لمآسيهم،

3(((زهير سوكاح، «الحركة الاحتجاجية والذاكرة الجمعية: حراك الحسيمة المغربية نموذجًا»، إضافات: المجلة العربية لعلم

الاجتماع، العددان 4–434 (صيف–خريف 0182)، ص.100 (4((شريت، ص.99 (((4 بشأن مدلول هذا اللقب، ينظر: علي الإدريسي، عبد الكريم الخطابي: التاريخ المحاصر، مج 3 (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 0072)، ص.60 (((4 الحسن أسويق، «الذاكرة التاريخية بالريف... حتى لا تتحول الذاكرة إلى وزر»، أنوال نت، 017/5/102، شوهد في

020/2/25:2، في http://bit.ly/2vnta5M

(((4 بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص.144

ما سيجعلهم في نهاية المطاف يتجاوزون نفسية الضحية. وأيًّا كان الأمر، نجح حراك الريف في إفراز ذاكرة نموذجية تستنير بالماضي لتمنح الشجاعة لأهلها من أجل مواجهة حالات الجور والإهانة والقمع في الحاضر. تشتغل الذاكرة الجمعية في الريف باستمرار، وتتحول إلى مصدر تطهير وتفريغ نفسي وجسدي غير مكتمل وغير مُشبَع، وتُوظف على نحو فاعل في بناء هوية تعبوية متماسكة، تلتحم عفويًا مع قضايا الزمن

الراهن، والصلة حميمية بين هذه الذاكرة ولحظات إنتاجها ومعاودة إنتاجها واستحضارها. ونجادل بأن المشكلة، كونها ذاكرةً مجروحةً بقوة، يصعب أن تلتئم جراحها بسرعة وأن تعلن العزاء والحداد، بيْد أنها

أيضًا ذاكرة قائمة على تفسير ذاتي لمجموعة من الأحداث التاريخية التي عرفتها المنطقة، لهذا، يميل أهل الريف إلى تسييج مخيالهم التاريخي الرمزي والانغاق على مآسيهم الخاصة. ويبدو أن تاريخ الريف والذاكرة الناتجة منه، يفسران التاحم والتعبئة الاحتجاجية في بيئة اجتماعية تجعل من انجراح الذات الجمعية أداةً وجدانية ومعرفية لتجاوز معوّقات الفعل الجمعي، فالتاريخ يشتغل هنا بوصفه مسودة كامنة لالتحام الاجتماعي في أوقات الشدّة. إن واقعة طحن محسن فكري ليست إلا القطرة التي أفاضت الكأس، فثمة تراكمات اجتماعية وتاريخية عدة، وثمة ذاكرة جمعية متعاضدة، وقد ساهم هذا كله في انفجار المكبوت التاريخي في وجه المخزن. يشير «ل. م.»: «المخزن حتى لو خلطته ومزجته بأحسن عسل، حَرٌّ لا يمكن استساغته، عقدة الريف

مع المخزن كامنة في التاريخ». ويضيف «ن. أ.»: «حتى لو جاؤوا بمصانع وفرص شغل، وحتى لو حوّلوا الريف إلى مُونَاكُو، لن يحل المشكل، على المخزن أن يبدأ بالمصالحة مع تاريخ الريف وردّ الاعتبار المعنوي إلى أهله، آنذاك ستُحلّ بسهولة المشكات الأخرى كلها». لعل الحضور البارز لأيقونة الزعيم التاريخي للريف والمغرب، محمد عبد الكريم الخطابي، ولعلم الريف «بَانْدُو نَارِيفْ» في قلب المسيرات الحراكية، وترداد الكثير من مقولاته في الشعارات المرفوعة خال الحراك، مؤشرات واضحة على ما يعتبره الشباب «وفاءَ الأحفاد لروح الأجداد»، خصوصًا الزعيم

محمد عبد الكريم الخطابي، الرمز الحيّ الذي يسكن قلوب الريفيين وذاكرتهم: «روح الأمير الخطابي

ما زالت تحمينا من حكرة المخزن وقمعه، إنه الجدار الذي نحتمي به، كلّما أحسسنا بالظلم نستنجد به

(((4 يميز تزفتان تودوروف بين «الذاكرة الحرفية»، أي الخطية أو الحدثية littérale Mémoire، أي الملتصقة بالأحداث، وتستدعي جروح الماضي فحسب، و«الذاكرة النموذجية» exemplaire Mémoire التي لا تهتم بالأحداث المأساوية في الماضي كميًا، بل

تبحث عن استشراف المستقبل من خال إضفاء المعاني والغايات عليها، عبر جعلها في خدمة العدالة ومكافحة العنف والظلم

والتسلّط والقهر في الحاضر. ينظر:

Todorov Tzvetan, «La mémoire et ses abus,» Esprit , no. 193 (Juillet 1993), pp. 34–44.

(4((بن أحمد حوكا، «فنمومنولوجيا أولية حول احتجاجات الريف»، في ملف خاص بعنوان: «حراك الريف تحت مجهر العلوم

الاجتماعية»، جريدة المساء، 017/6/27–242، ص.13 (((4 ل. م. مقابلة شخصية، وجدة، 017/3/23.2 (4((ن. أ.، مقابلة شخصية، إمزورن،.2017/2/14

ونرفع صوره ونستلهم أفكاره، ذلك يمنحنا القوة ويجعلنا نغيظ المخزن ونُهَيِّجه»، هكذا علّق أحد

شباب الحراك على حضور صور الخطابي في مسيرات الحراك. من خال شهادات كثير من شباب الحراك بشأن الدولة والتاريخ والذاكرة، يتضح أنهم يعيشون اختناقًا وقلقًا ذاكراتيًا Un mal–être mémoriel، وهم يستمدون من الحزن وعدم تحقق وتجاوز الحداد

القوة والقدرة على الغضب الجماعي، لذا نجدهم يستعيدون الصدمات التاريخية الكبرى في الريف بتوتر وتواتر، وهم أيضًا مقتنعون بعدم تحقق أي مصالحة تاريخية حقيقية مع الريف، وما زال وعيهم الجمعي يُشبّه المخزن بالأفعى التي لا يؤمن شرّها ولا يمكن الوثوق بها، وبكونه السبب الرئيس في

الحزن الجماعي غير المحرر الذي يعم الريف، يرفع الشباب شعار: «نحن كلنا حزينون، فالمخزن يقتلنا، نحن كلنا غاضبون لأن المخزن تعسّف علينا».‏ وتكون النتيجة هي عاقة نفور واستبعاد، حيث

يُردّدون شعار «الريف لنا كلنا، والمخزن ارحل عنّا». لا يعني هذا النفور واستحضار التاريخ المحلي في مواجهة التاريخ المركزي، في العمق، الرغبة في الانفصال، كما رُوّج له من بعض وسائل الإعام، فغالبية الشباب الذين التقيناهم تؤمن بقيمة الوطن،

ومقتنعة قناعة راسخة بقيم العيش المشترك، لكن شباب الحراك لا يُخفون، دائمًا، إحساسهم بالسخط

والغضب، إنهم ميالون، مثل أجدادهم، في رؤيتهم السلطة المركزية، إلى الاستقال والأناركية، أي إلى التنظيم الذاتي الجماعي والتحكم في شؤونهم وقراراتهم بأنفسهم، ولا يحبون أن يمثلهم أحد، أو يمارس عليهم أي نوع من الزعامة أو الوساطة أو الوصاية. يشير «ع. س.»، أحد مثقفي الحراك، على نحو مُعبّر ومثير في نقاش جماعي تلقائي بين الشباب في مدخل أحد الأحياء الشعبية: «نريد

مؤسسات نابعة منّا، نريد أن نمتلك القرارات ونتحكّم فيها، القرارات في بادنا تقتل أكثر من أي شيء، تقتل أرواحنا بشكل بطيء، ونحن أصبحنا أشباه ‘الزومبي’، القرارات كلها التي تهم حياتنا ومصيرنا لا نمتلكها. انظر إلى قرار التقسيم الجهوي، كان كارثة بالنسبة إلينا، انظر إلى التعليم، معظم الشباب في الحي ما عاد متمدرسًا، ولا يجيد القراءة والكتابة بأي لغة، وليس له أي تكوين، لا نعرف غير العيش

مع الهواتف الذكية وفيسبوك. لكن، على الرغم من هذا كله، فإننا نحب الحياة والحرية، على الرغم من افتقادنا أيضًا أبسط شروط الحياة الكريمة». في المقابل، لاحظنا عن قرب أن لدى بعض شباب الحراك إدمانًا مفرطًا على خطاب المظلومية التاريخية والاستغراق في البكائيات والحديث عن الإقصاء والتهميش والقمع، وعن «الماضي الغابر المليء بالأمجاد والبطولات»، ويُستخدم ذلك لتحريك المواجع ومشاعر الغضب، ولبناء هوية تعبوية متماسكة

تشد الحاضر نحو ذاكرة الماضي، وتستدعي الماضي في الحاضر لترسيخ استمرارية نوع من شبه القدرية والحتمية التاريخية لانكسارات والنكبات المتتالية. إنها ذاكرة مثقلة برمزية الموت والدفن والمآسي المتتالية، لهذا ليس غريبًا أن يستمع بعض الشباب وهم يرددون بنبرة حزينة وغاضبة أحيانًا: «نحن لسنا

(((4 س. ح.، مقابلة شخصية، إمزورن،.2017/2/15 (4((ع. س.، مقابلة شخصية، الحسيمة، 017/4/12.2

بأحياء ولا بأموات» (نَشِنْ أوندَا أُو نَمُوثْ)، أو عبارة «لقد دفَنْتمُونَا ونحن أحياء» (ثَنْتُومَانَغْ أُمَانْ ندَّا).

وياحظ «ما يشبه تثبيتًا نفسيًا لمفهوم معيّن للتاريخ، حيث يعطي الانطباع بأنه توقف عن النمو وبقي مرتبطًا

بتكرار دائري لا يفتأ يبتعد عن الصدمة حتى يرجع إليها بعد حين». هذا من شأنه تكريس السقوط في سيكولوجية الضحية victimisation La، وفي سلبية قاتمة لا أفق لها، حيث تتولّد لديهم نظرة استعائية واستعادة مثالية للتاريخ، تجعلهم يعتقدون بالتفرد والتمايز من باقي مناطق المغرب ثقافيًا وتاريخيًا وحتى

عرقيًا، ويتحوّلون بسهولة بين تقمّص أدوار الضحية وأدوار البطل في الوقت نفسه. بالفعل، قلة من الشباب ينهشها الغيظ والتذمر وتندفع بانفعال وعنف إزاء كل ما يُشتمّ فيه رائحة

«المخزن»، فتعتبر أنه السبب في المآسي كلها التي حلّت بالريف، وحلّت بشبابه، ويتكرّس لدى هؤلاء

الشباب شعور بالتهرب من المسؤولية وإزاحتها عن النفس، ويجدون في استدعاء الماضي متنفسًا لهم

وعزاءً أمام انسداد الآفاق أمامهم، إنهم سجناء ذاكرة لا ترغب في أن تُطلِق سراحهم، ولا أن ينفكّوا من

أعبائها. من سخرية الأقدار أن وثيقة الملف المطلبي لحراك الريف التي نشرتها لجنة الإعام والتواصل في 14 كانون الثاني/ يناير 0172، ركّزت على المطالب الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية، ولا تحتوي على أي حمولة هوياتية وتاريخية، ولا تُحيل إلى المخزون الرمزي التاريخي للمنطقة إلا حين تطالب بإلغاء ظهير العسكرة وبالشروع في إتمام أشغال متحف الريف وترميم المآثر التاريخية كلها لمنطقة الريف. ويبدو أن ناشطي الحراك الذين أشرفوا على صوغ وثيقة المطالب، وبحسّ براغماتي واضح، تعمّدوا

الاكتفاء بما هو حقوقي وعدم استحضار الخصوصية التاريخية والهوياتية والثقافية واللغوية للمنطقة، وذلك توخّيًا لرفع منسوب التواصل مع الحراك عبر الوطن، وكذا مخافة إلصاق تهمة الانفصال

بالمنطقة. كما تجنّبوا إدراج الملفات التاريخية والسياسية الحساسة (المصالحة التاريخية، وملف الغازات السامة، والتقسيم الجهوي... إلخ) ضمن الوثيقة المطلبية، وهذا بهدف منح الملف المطلبي مشروعية وصدقية أكبر، حيث يكون واقعيًا في حدود الممكن، وقابلً للتنفيذ، ويتضمن مطالب بسيطة

بشأن رفع التهميش عن المنطقة وضمان أساسيات العيش الكريم لأي مواطن ليس في الريف وحده، بل في المغرب كلّه. يوضح «إ. ب.» أحد المشاركين في صوغ الوثيقة المطلبية: «كان هناك نقاش غني حول الوثيقة في مختلف مناطق إقليم الحسيمة، لقد خضعت مرات عدة للتنقيح والتعديل، تعمّدنا أن

لا نرفع سقف المطالب، وأن نتجنّب كل ما له عاقة بالتاريخ والمصالحة والانتهاكات الجسيمة في حق الريف، واكتفينا بالمطالب العامة الرئيسة والبسيطة، حيث كنّا نتعرض لاستنزاف وهجمة شرسة من جميع الجهات، ارتأينا أن نترك الوثيقة، عن قصد، مجرد مسودة مفتوحة قابلة للنقاش والتنقيح. كنا نتوخّى أن يُساهم مثقفو الريف في تنقيحها وإثرائها، لكنهم لم يتجاوبوا معنا».

((5(بن أحمد حوكا وحسن دنان ومحمد النضر، «احتجاجات الريف المغربي: من الديموغرافيا السياسية إلى فنومنولوجيا

الذاكرة»، مجلة المستقبل العربي، العدد 746 (كانون الثاني/ يناير 0182)، ص.86 ((5(يحيى اليحياوي، «عن حراك الريف بالمغرب»، الجزيرة نت، 017/5/262، شوهد في 020/2/25:2، في http://bit.ly/380wLUD ((5(أ. ب.، مقابلة شخصية، الحسيمة،.2017/4/16

خامسًا: المصالحة التاريخية المعطوبة

ترافق العنف المادي ضد الريف مع عنف رمزي من خال وصم الريفيين بنعوت قدحية وإخضاع المنطقة لترهيب نفسي وعقاب جماعي، وتعمّقت بذلك الهوّة بين مناطق الريف والمركز. وتتحالف

مخلفات الإرث التاريخي الثقيل وحصار الجغرافيا وقهر السياسة والتهميش الاقتصادي لتأجيج مشاعر القهر النفسي والإحساس بالظلم، ما أوجد ويوجد شرخًا واسعًا من «عدم الثقة» و«سوء الفهم» بين الدولة وأهل الريف. مستوى ثقة شباب الريف بالدولة ضعيف جدًا، حيث تتجسّد لهم في «العسكرة»

و«الحكرة» والقمع والاعتقال، وعلى الرغم من التطورات كلها التي عرفها تاريخ النظام السياسي في المغرب، فإن من الصعب إقناعهم بذلك، فهم يؤمنون بمنطق «أن كل شيء يتغير كي لا يتغير أي شيء». كان لافتًا أن كثيرين من شباب الحراك يستذكرون بقوة المقولة الشهيرة في منطقة الحسيمة لحكيم

الريف، عبد النبي (عدَّنْبِي نَسُوقْ) (كان يطوف بأسواق إمزورن، وبني بوعياش والحسيمة): «المنجل

هو المنجل عينه وإن استُبدل مِقبضه» (أمْجَارْ يقَِمْ ذَمْجَارْ، بَدْرنَاسْ فُوسْ وَاهَا). ولم يفلح عامل الزمن،

ولا مبادرة محاولة رأب الصدع للملك محمد السادس مع المنطقة وزيارتها في أول عهده في عام 0002، ولا مسلسل المصالحة والإنصاف في التخفيف من الشحنة الشعورية الطاردة للسلطة المركزية بتاريخها ورموزها. كما أن وصفات هيئة الإنصاف والمصالحة لم تنجح بدورها في معالجة الجروح الغائرة، وكان قدر جلسة الاستماع العمومية التي نظّمتها الهيئة في الحسيمة في 3 أيار/ مايو 0052 أن تكون الوحيدة في العالم التي تقام في الليل الحالك والناس نيام، ما يؤكد عسر ملف المصالحة التاريخية مع الريف وحساسيته، وانعقاد الجلسة في حد ذاته يمكن اعتباره إنجازًا تاريخيًا مهمًا لبداية

طريق المصالحة مع الريف. وجاء تقرير الهيئة في عام 0052 ليُسَلّم بعجزه عن الاقتراب من الأسئلة

والملفات الحارقة للريف، وليؤكد فشله في إرساء المصالحة التاريخية مع الريف. وكان الريف الغائب الأكبر في التقرير، على الرغم من أنه كان إحدى المناطق الأكثر عرضة لانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولم يُخصّص تقرير الهيئة الختامي لمسألة إعادة الاعتبار المعنوي إلى محمد عبد الكريم

الخطابي، في أي حيّز يذكر، ولم يُذكر اسمه إلّ عرضيًا أربع مرات في التقرير. وبخصوص أحداث

عامي 959–19581، اكتفت الهيئة بالإقرار بفشلها في «بلوغ نتائج متقدمة بصددها»، ولم تقدم أي معطيات بشأن دوافع العنف غير المتناسب والقتل غير المُبرَّر في حق الريفيين في عام 9841، الذي لم

يسلم منه حتى الأطفال والأشخاص الذين لم يشاركوا بتاتًا في المظاهرات. حتى توصيات الهيئة بخصوص الريف وجبر الضرر الجماعي (إنجاز دراسات أكاديمية بشأن أحداث 959–19581، وإعادة الاعتبار المعنوي إلى محمد عبد الكريم الخطابي، وإنشاء متحف الريف، وتأسيس مركز أبحاث محمد عبد الكريم الخطابي، وإعادة كتابة تاريخ المنطقة، وإنشاء مؤسسة جامعية... إلخ) لم ترَ النور إلى اليوم. وربما مؤشر عدم الاقتناع بالمصالحة لدى أهل الريف، هو أن مدينة الحسيمة

سجّلت على المستوى الوطني أقل نسبة من طلبات التعويض التي تقدم بها الضحايا أو ذووهم أمام الهيئة

(5((هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي: الكتاب الثالث (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 0062)، ص.108 (5((هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي: الكتاب الثاني، ص  99،.103

بخصوص الانتهاكات الجسيمة. ولم تنجز الدولة إلى اليوم أي مشروع حقيقي يرتبط بحفظ الذاكرة في إطار معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المنطقة، بل اكتفت في إطار برنامج جبر الضرر الجماعي بمشروعات أثارت سخرية ساكنة الريف، لأنها همّت في جزء منها لتكوين الفعاليات

المدنية وإنشاء تعاونيات وإنجاز مسرحيات وغرس الزهور وإنتاج الزرابي وتسويقها. في الاتجاه نفسه، كان تأسيس المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب في عام 0052 أحد مخرجات توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة الخاصة بإعادة كتابة تاريخ المغرب على نحو موضوعي منصف، وافتتح المعهد عمله بمؤلف ساهمت فيه نخبة من المؤرخين والباحثين، بعنوان تاريخ المغرب: تركيب وتحيين، قُدّم باعتباره جزءًا من إعادة كتابة «التاريخ الرسمي»، لم يُنصف ولم يُساهم في المصالحة

مع تاريخ الريف، وأصرّ على انتزاع لقب الأمير عند ذكره الأمير الخطابي، حيث في المرات الست التي

ورد اسمه فيها في الكتاب، يُقدّم باسمه محمد عبد الكريم الخطابي من دون إضافة لقب الأمير، علمًا

أنه اللقب التاريخي الذي عُرف به داخليًا وخارجيًا. كما فضّل المشرفون على الكتاب عدم ذكر الكيان

الريفي باسمه، سواء الإمارة الريفية أم الحكومة الريفية أم الجمهورية الريفية، والمرة الوحيدة التي ذكرت فيها تسمية «الجمهورية الريفية» كانت حينما يجري الحديث عن هزيمة الريف، وورد ذكرها بلفظ السحق: «‘سحق’ جمهورية الريف». واهتدى واضعو الكتاب إلى عبارة مخففة للتخلص من ثقل عبارات: «جمهورية الريف» أو «حكومة الريف» أو «إمارة الريف»، وهي استعمال عبارة «إدارة ممركزة». حين تشاء الأقدار كشف بعض الحقائق، يكون التعتيم و«تهريب الحقيقة» سيّدَي الموقف، ولعل هذا

ما حدث في عام 0082 مع «اكتشاف» عمّال بناء، خال قيامهم بعمليات حفر، بقايا ست عشرة رفات في

ثكنة الوقاية المدنية في مدينة الناظور، تعود إلى ضحايا الخميس الأسود الدموي في 91 كانون الثاني/ يناير 9841؛ إذ على الرغم من مراسيم إعادة دفن الضحايا، ما زالت المقابر الخمس المجهولة الهوية شاهدةً على أن طريق المصالحة مع الريف طويلة وشائكة، ومراحل الكشف عن الحقيقة لم تستكمل بعد، بل ما زالت في بداياتها. ويبدو أن عمل هيئة الإنصاف والمصالحة في الريف كان مناقضًا لروح العدالة الانتقالية، وهي محاولة متخبطة وغير مدروسة العواقب للتصفية والتخلص على نحو نهائي وفي أسرع وقت ممكن وبأقل التكاليف من ملفات مزعجة وأليمة وحارقة وذات ثقل تاريخي وازن. ومن العبث والمؤسف أن ذاكرة ساكنة المنطقة مضطرة إلى أن تتعايش مُكرهةً مع فراغات وحقائق مبعثرة لا تشفي الجراح والأوجاع،

ويتأجل بذلك إعان إنهاء الحداد، ولن يتم الدفن، ولن تكون هناك تعازٍ حتى إشعار آخر، يطرح فيه من جديد وبشجاعة سؤال كشف الحقيقة: ماذا حدث؟ وكيف؟ ولماذا؟

((5(المرجع نفسه، ص.105 ((5(لمزيد من المعلومات، ينظر: سليمان المسعودي، «توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة: مسار التنفيذ وعوائقه»، رسالة لنيل درجة الماجستير في الدراسات الدولية، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، جامعة محمد الأول، وجدة، 2012–2011، ص.73–71 (5((محمد القبلي (إشراف وتقديم)، تاريخ المغرب: تحيين وتركيب (الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب؛ مطبعة عكاظ الجديدة،.)2011 (5((رشيد شريت، «الريف بين التاريخ الرسمي ومذكرات السياسيين المغاربة»، مجلة الربيع، العدد 8 (0182)، ص –111.112

كأن الحقيقة التاريخية ما زالت تراوح مكانها، والذاكرة الموشومة تأبى النسيان والصفح، وها هي الحروق تعود من جديد، فينفجر المكبوت التاريخي والسيكولوجي وجدانيًا وسلوكيًا عقب المشهد

الصادم المتمثل في «طحن» محسن فكري، وعقب اعتقال ومحاكمة كثير من شباب الريف. وكأن الذاكرة الجمعية بين المخزن والريف تعود إلى نقطة الصفر، حيث وُضِعَ الملح من جديد على جروح

الماضي. ومن هنا نتفهم لماذا نجح خطاب حراك الريف في النفاذ إلى الاشعور الباطني الجمعي للجماهير ومامسة الذات المجروحة.

خاتمة

يتطلّب إنجاح سياسة المصالحة التاريخية الاعتراف بالآخر وبذاكرته وبحقه في ذاكرة مشروعة، وكذا إتاحة الفرصة للذاكرات التي بقيت مكبوتة ومهمّشة ومقموعة وصامتة، في التعبير عن نفسها وعن

حاجاتها. ويحتاج شباب الريف، إضافة إلى مشروعات التنمية، إلى سياسات اعتراف رمزية لن تُكلّف الدولة، وستجني من ورائها الكثير، بدءًا بتجسير الثقة بينها وبين الريف، وإعادة الاعتبار المعنوي إلى

الزعيم التاريخي للريف والمغرب محمد عبد الكريم الخطابي وإقامة نصب تذكاري يليق به، وإعادة بناء مقر القيادة العامة للمقاومة الريفية في أجدير. ولا بد من إعادة فتح قضية المصالحة والكشف عن الحقيقة وفتح المجال والحرية الأكاديمية للبحث من أجل المساهمة في إماطة اللثام عن خبايا وتعقيدات الكثير من الملفات التاريخية الحارقة، هذا كله قد يشكل بداية إرساء سياسة اعتراف من الدولة بتاريخ الريف الذي هو جزء لا يتجزأ من تاريخ المغرب. يقول «س. ن.»، أستاذ الاجتماعيات في إحدى المؤسسات التعليمية في الريف: «منذ الحراك في إقليم الحسيمة، أصبحت في مأزق حقيقي وضغط نفسي، أصبحت أكره تدريس حصة التاريخ، بعض التاميذ لا يريد بتاتًا أن أتحدث له عن بعض حلقات تاريخ المغرب [...] وكلما تحدثت عن بعض الأمور، تثور ثائرتهم، ويُعبّرون عن امتعاضهم،

لا يريدون أن يعرفوا ويدرسوا غير تاريخ الريف، من الصعب إقناعهم بغير ذلك، وأصبحت أتفادى بعض المحطات والوقائع التاريخية حتى لا أدخل في صدام معهم، لديهم معلومات وتفصيات تاريخية دقيقة بشأن كل ما يتعلق بالريف [...] لكن لديهم استغراق في سرديات الماضي، وفي الكثير منها مغالطات وأوهام لا عاقة لها بالتاريخ، على الدولة أن تكون ذكية، في إسبانيا فتح المعهد الملكي للتاريخ نقاشًا حيويًا مهمًا بشأن سُبل وبيداغوجية التوفيق بين تدريس التاريخ الوطني الإسباني وتدريس

التواريخ المحلية في كل إقليم على نحوٍ يؤدي إلى تعزيز السلم والروابط المشتركة، أعتقد أن هذا هو الحل، إن جيلً كاملً من الشباب، أصبح مدمنًا بشكل خطر لتمثات الماضي الأليم في الريف، ومن الصعب أن يتحرر منها في الوقت الراهن». لعل المجهود الكبير الذي بذله شباب الحراك أكثر من أسبوعين من أجل رسم لوحة ضخمة لغيرنيكا

(5((عثمان الزياني (حوار)، «خطاب الزفزافي استطاع النفاذ إلى العقل الباطني الجمعي للجماهير»، جريدة المساء، 2017/6/4–3، ص.13–12 (6((س. ن.، مقابلة شخصية، إمزورن، 017/4/15.2

Guernica لبابلو بيكاسو، كي تكون حاضرة في فضاء ساحة الشهداء في مدينة الحسيمة في الذكرى الأربعينية للمرحوم محسن فكري، والتفاعل الكبير من شباب المدينة مع اللوحة التي تُعدّ أيقونة خالدة جسّدت بالأبيض والأسود تاريخ البشاعة والمأساة والأمل في السام، دليان واضحان على حسّهم

الفني المرهف، وعلى أنهم لم يتحرروا بعد من حروق الذاكرة، ولم يعلنوا نهاية الحداد والتعافي. والحال أن مسلسل إعادة بناء الذاكرة وترميمها يبدأ بالحق الإنساني لأهل الريف في تحرير الكام والتعبير عما يعتبرونه ظلمًا تاريخيًا في حقهم. أهل الريف في حاجة إلى البوح بالزخم المتراكم كله في

دواخلهم من مشاعر الغضب والسخط التي تقضّ مضاجعهم، قد يكون هذا هو البلسم الذي ينتشلهم من أحزانهم ويُخلّصهم من لعنة الماضي وأسره. ويتطلّب إنجاح سياسة المصالحة الجرأة لإرساء

ثقافة الاعتذار والاعتراف بالآخر وبذاكرته وحقه في ذاكرة جمعية مشروعة، وستكون هذه بداية الصفح الذي يشكل، بحسب بول ريكور (005–1913:)2 «نوعًا من شفاء الذاكرة، وهو إنهاء حدادها، حيث إنها إذا ما تخلّصت من عبء الدين، فإنها ستتحرر من أجل مشروعات كبرى، فالصفح يمنح الذاكرة مستقبلً». حراك الريف هو في جزء منه صرخة من أعماق التاريخ من أجل الاعتراف بلغة الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث، اعتراف بالهوية التاريخية المحلية، ما قد يكون بداية لإدماج الذاكرة المحلية في ذاكرة وطنية جامعة، وهذا الأمر هو تحدٍ حقيقي يحتاج إلى وقت طويل. يقول محمد جلول خال كلمته بمناسبة استقباله الجماهيري في ساحة الشهداء في الحسيمة، بعد خروجه من السجن: «لقد صادروا كامنا، ومحوا تاريخنا، ومحوا كل ما ينتمي إلينا، وجاؤوا بما هو لهم». لكنه أيضًا نداء لاعتراف الرمزي والمعنوي بقيمة الشباب المستائين والساخطين على الوضع الاجتماعي والسياسي، الأمر الذي لن يتم إلا باعتماد سياسات اعتراف حقيقية على المستوى التاريخي والاقتصادي، تمنحهم الثقة بالنفس، وتُكرّس

احترام الذات، ما يُنتج تقديرًا للذات، ويولّد مشاعر الرضا والأمان النفسي والاجتماعي. وليس صدفة

أن تعود وبنفحة تاريخية وبشحنة انفعالية قوية قيمُ «الرجولة» أو «الشجاعة»، وسط شباب الحراك، وهو

ما يُعبّر عنه في الريف بمفهوم «ثَارْيَازثْ» مع مزجها بقيم الصدق والوفاء بالعهد (أداء القسم الجماعي)،

وكأن الحراك أعاد إليهم، رمزيًا، رجولتهم. يقول «ل. أ.»، وهو من ناشطي الحراك في تمسمان، باعتزاز:

«منذ أن أصبحت منخرطًا في الحراك أحسب أني رجل مع نفسي». يمكن اعتبار الحراك فرصة تاريخية للدولة ينبغي أن تستثمرها للتصالح مع المجتمع، وعليها أن تنخرط بجدية في الديناميات التي أفرزها هذا الحراك بالبدء في إرساء مصالحة تاريخية حقيقية وجريئة مع

(((6 ريكور، ص.254

(62) Badiha Nahhass, «Les associations de la mémoire dans le Rif et le processus de reconciliation,» in: Marline Crivello & Karima Diréche (dir), Traversées des mémoires en Méditerranée (Aix–en–Provence: Presses universitaires de Provence, 2017), pp. 31–38; Badiha Nahhass, «La mémoire et ses usages: le cas du Rif,» Thèse de doctorat en sciences sociales, Université Hassan II, Casablanca, 2014.

(((6 ينظر: «كلمة المعتقل محمد جلول في الحسيمة»، حسيمة TV، 017/4/122، شوهد في 020/2/25:2، في https://bit.ly/2z5l8Ax (((6 ل. أ.، مقابلة شخصية، وجدة، 017/5/15.2

المنطقة. إن الوصفات المُسكّنة التي سبق تجريبها ما عادت تُجدي نفعًا، وفضيلة الشجاعة المقرونة

بالاعتراف وإرساء سياسات للكرامة على مستوى الشباب واحترام ذاتيتهم وكياناتهم الهوياتية الجمعية هي الكفيلة بتحقيق التعافي من الغبن التاريخي عبر وضع خريطة طريق حقيقية للتصالح مع تاريخ الريف وأهاليه، من أجل طي صفحة الماضي بعد قراءتها واستقرائها بإمعان. والبداية ينبغي أن تكون بإرساء آليات للحوار والإصغاء لنبض شباب الريف ولإيقاع الواقع الذي يعيشه شباب المغرب بصفة عامة، إضافة إلى فتح نقاش وتفكير جماعي جريء بشأن مصالحة ذاكرة الريف التي لا تريد أن تمضي، ولا تريد أن ترحم أهلها ولا خصومها.

References

المراجع

العربية

20 فبراير ومآلات التحوّل الديمقراطي في المغرب. تحرير وتقديم مراد ديّاني. الدوحة/ بيروت: المركز

العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 الإدريسي، علي. عبد الكريم الخطابي: التاريخ المحاصر. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة،.2007 أعراب، مصطفى. الريف: بين القصر، جيش التحرير وحزب الاستقلال. المحمدية: منشورات اختاف،.2001 التاريخ الشفوي. مج:3 مقاربات في الحقل السياسي العربي (فلسطين والحركات الاجتماعية). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 حوكا، بن أحمد وحسن دنان ومحمد النضر. «احتجاجات الريف المغربي: من الديموغرافيا السياسية إلى فنومنولوجيا الذاكرة». مجلة المستقبل العربي. العدد 746 (كانون الثاني/ يناير 018.)2 الرضواني، محمد (تنسيق). الدولة وحراك الريف. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 018.2 ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2009 سكوت، جيمس. المقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم. ترجمة إبراهيم العريس ومخايل خوري. بيروت: دار الساقي،.1995 سوكاح، زهير. «الحركة الاحتجاجية والذاكرة الجمعية: حراك الحسيمة المغربية نموذجًا». إضافات:

المجلة العربية لعلم الاجتماع. العددان –4344 (صيف–خريف 2). 018 شريت، رشيد. «الريف بين التاريخ الرسمي ومذكرات السياسيين المغاربة». مجلة الربيع. العدد 8

عياش، جرمان. دراسات في تاريخ المغرب. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.1986 القبلي، محمد (إشراف وتقديم). تاريخ المغرب: تحيين وتركيب. الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب؛ مطبعة عكاظ الجديدة،.2011 المسعودي، سليمان. «توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة: مسار التنفيذ وعوائقه». رسالة لنيل درجة الماجستير في الدراسات الدولية. كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية. جامعة محمد الأول، وجدة،.2012–2011 كنبيب، محمد. «الحقيقة التاريخية بين الضوابط العلمية، الدولة والمجتمع». ورقة مقدمة في ندوة «مفهوم الحقيقة» التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة. طنجة، 004/9/18–17.2 في:

http://bit.ly/2VmKylO

اللوه، العربي. المنهال في كفاح أبطال الشمال. تطوان: [د. ن].،.1982 هونيث، أكسيل. الصراع من أجل الاعتراف. ترجمة وتحقيق جورج كتورة. بيروت: المكتبة الشرقية،

هيئة الإنصاف والمصالحة. التقرير الختامي: الكتاب الثاني. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،

________. التقرير الختامي: الكتاب الثالث. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2006 الورياغلي، مصطفى. أبواب الفجر. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2018

الأجنبية

Crivello, Marline & Karima Diréche (dir). Traversées des mémoires en Méditerranée. Aix–en–Provence: Presses Universitaires de Provence, 2017. Cherkaoui, Mohammed. «Morocco’s Last Battle: Rif, Makhzen and the Pursuit of Modernity.» (Forthcoming). Ferro, Marc. L’Histoire sous surveillance. Science et conscience de l’histoire. Paris: Gallimard, 1987. Halbwachs, Maurice. La mémoire collective. Paris: Albin Michel, 1997. Nahhass, Badiha. «La mémoire et ses usages: Le cas du Rif.» Thèse de doctorat en sciences sociales. Université Hassan II. Casablanca, 2014. Nora, Pierre. Les lieux de mémoire. Paris: Gallimard, 1997. Todorov, Tzvetan. «La mémoire et ses abus.» Esprit. no. 193 (Juillet 1993).