العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني: براديغم أم مفهوم؟

الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني: براديغم أم مفهوم؟

Settler Colonialism in the Palestinian Context A Paradigm or a Concept?

أشرف عثمان بدر *

وعاصم خليل **

Ashraf Othman Bader & Asem Khalil

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى إجراء قراءة نقدية لمفهوم الاستعمار الاستيطاني، وما يلحق ذلك من تمييز بين استخدامه كمفهوم أو براديغم، مع البحث في تطور استخدامه في السياق الفلسطيني. كما تجري قراءة نقدية لمجادلتي باتريك وولف ولورينزو فيراشيني في هذا الموضوع، مع التعرض للاختلاف بينهما في توصيف الحالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وتخلص إلى أنّ الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني يدار بواسطة الاستعمار الاستغلالي والاستعمار الداخلي.

Abstract

Abstract: This paper provides a critical reading of the concept of settler colonialism in Palestine. It engages with the most prominent theorists, Patrick Wolfe and Lorenzo Veracini, taking into consideration the differences between their analyses of the colonial context of the Palestinian territories colonized in 1967. The paper investigates the distinction between using settler colonialism as a concept or as a paradigm, concluding that settler colonialism in Palestine should be regarded as a concept and used analytically alongside other concepts such as exploitation colonialism and internalized colonialism.

الكلمات المفتاحية:
  • فلسطين
  • الاستعمار الاستيطاني
  • الاستعمار الاستغلالي
  • الاستعمار الداخلي
  • الصهيونية
Keywords:
  • Palestine
  • Colonialism
  • Settler-Colonialism
  • Exploitation Colonialism
  • Internalised Colonialism
  • Zionism

أشرف عثمان بدر * وعاصم خليل ** |

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى إجراء قراءة نقدية لمفهوم الاستعمار الاستيطاني، وما يلحق ذلك من تمييز بين استخدامه كمفهوم أو براديغم، مع البحث في تطور استخدامه في السياق الفلسطيني. كما تجري قراءة نقدية لمجادلتي باتريك وولف ولورينزو فيراشيني في هذا الموضوع، مع التعرض للاختلاف بينهما في توصيف الحالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وتخلص إلى أنّ الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني يدار بواسطة الاستعمار الاستغلالي والاستعمار الداخلي.

Abstract: This paper provides a critical reading of the concept of settler colonialism in Palestine. It engages with the most prominent theorists, Patrick Wolfe and Lorenzo Veracini, taking into consideration the differences between their analyses of the colonial context of the Palestinian territories colonized in 1967. The paper investigates the distinction between using settler colonialism as a concept or as a paradigm, concluding that settler colonialism in Palestine should be regarded as a concept and used analytically alongside other concepts such as exploitation colonialism and internalized colonialism.

Lecturer in the Department of Philosophy and Cultural Studies, Faculty of Arts, Birzeit University, Palestine.

Professor of Public Law at the Faculty of Law and Public Administration at Birzeit University, Palestine.

أولا: مدخل نظري

توجد إشكالية في استخدام «براديغم» الاستعمار الاستيطاني، باعتباره أداةً لتحليل الحالة الاستعمارية في فلسطين ودراستها. ويدور جدل حول إمكان التعامل معه باعتباره «براديغمًا»

أو مفهومًا. فالمفهوم أو الإطار المفاهيمي يعرّف باعتباره «خريطة الباحثين للمنطقة التي يجري التحقيق

فيها، وقد تتطور الأطر المفاهيمية مع تطور البحث. ويتكيف مع الغرض (الحدود)، بالمرونة (التطور)، وتماسك البحث (الخطة/ التحليل/ الاستنتاج»). أما البراديغم فيقصد به النموذج أو المثال أو القياس الذي يُقرَن استخدامه بالفكر، مثل النموذج الفكري أو النموذج الإدراكي أو الإطار النظري، حيث

استخدم توماس كون هذا المصطلح للإشارة إلى مجموعة الممارسات التي تحدّد أي تخصص علمي خلال فترة معينة من الوقت، فهي طريقة لرؤية العالم، وإطار يمكن من خلاله فهم التجربة البشرية. ومن ثمّ، فإنّ البراديغم طريقة محددة تُستَخدم لوصف شيء ما، باعتبارها نتيجة لوجود مجموعة من المعتقدات النظرية والمنهجية المتكاملة (بعكس «المفهوم» القائم على المرونة). افترض كون أن هذه النماذج تتكرر في المجتمعات المختلفة. ومن هنا تبرز الإشكالية؛ فمن ناحية، هناك سجال حول تصنيف الأشكال المختلفة للاستعمار، ومن ضمنها الاستعمار الاستيطاني؛ إذ لكل حالة استعمارية خصائصها المميزة. ومن ناحية أخرى، هناك سجال حول العدسة التحليلية الملائمة لدراسة الحالة الاستعمارية في فلسطين، التي تتوزّع على استخدام مفاهيم: الأبارتهايد (نظام الفصل العنصري)، والإثنوقراطية (الديمقراطية الإثنية)، والتطهير العرقي، والاحتلال، ودولة الاستثناء، والدولة العنصرية، والاستعمار الاستيطاني، والسياسة الحيوية، وجريمة الدولة. وهنا يجب الأخذ بما لفت إليه محمد عابد الجابري من ضرورة «تبيئة المفاهيم» التي تُلزم الباحث بعدم الاكتفاء بما أنتجه الآخرون من أفكار جوابًا عن أسئلة طُرحت في بيئتهم، بل «جعل المفاهيم منسجمةً مع البيئة التي التحقت بها بعد

انتقالها من بيئتها الأصل». وهذا يتطلب الإبحار في تاريخ المفهوم الذي يراد استخدامه، والتفكير في كيفية إعادة استنباته. وذلك بسبب وجود طيف واسع من نماذج الاستعمار الاستيطاني حول العالم، تمتد على جغرافيا القارات الخمس، نلمس فيها تباينًا في المواصفات والخصائص. وهذا ما يدفعنا في هذه الدراسة إلى الميل إلى الاستفادة من هذه النماذج لنتوصل إلى المنطق الجامع لنماذج الاستعمار الاستيطاني حول العالم، والتعامل مع الاستعمار الاستيطاني باعتباره مفهومًا وليس بصفته «براديغمًا»،

(1) Joanne Harmon, "Research Paradigms and Conceptual Frameworks," University of South Australia, accessed on 27/11/2020, at: https://bit.ly/2XS6DJy (2) Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions (Chicago: University of Chicago Press, 1962). (3) Douglas Lee Eckberg & Lester Hill Jr., "The Paradigm Concept and Sociology: A Critical Review," American Sociological Review , vol. 44, no. 6 (December. 1979), pp. 927–928. (4) Ronit Lentin, Traces of Racial Exception: Racializing Israeli Settler Colonialism (London: Bloomsbury Publishing Plc, 2018), p. 7.

(((استخدام هذا المصطلح في هذه الدراسة نتج من حوار حول الاستعمار الاستيطاني في الحالة الفلسطينية مع الزميل الباحث أحمد أسعد. (((رشيد الإدريسي، «الإص حاا وتبيئة المفاهيم في فكر الجابري»، مجلة الآداب، 2016/10/15، شوهد في 2020/11/27، في:

https://bit.ly/2PWtLlE

مع إدراك أنّ المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية استخدمت هذا المفهوم في قطاعات عدة، ووظّفته من مداخل عدة، أيضًا، بهدف تحقيق مصلحتها. ظهر سجال نظري بين الباحثين حول التمييز بين أنواع الاستعمار، من ذلك ما ذهب إليه هيربرت آدم من التمييز بين نوعين من الاستعمار: الاستعمار الاستيطاني Colonialism Settler؛ والاستعمار الاستغلالي Colonialism Exploitation. في الاستعمار الاستيطاني، «يهاجر» عدد من الناس من المركز (المتروبول أو العاصمة الاستعمارية) إلى المستعمرة، بنيّة البقاء في الأرض وزراعتها، وفيما بعد

يقطع المستوطنون علاقتهم مع المركز. أمّا الاستعمار الاستغلالي، فينطوي على «هجرة» عدد أقل من

الناس بهدف استخراج أكبر كمية من الموارد من المستعمرة ونقلها إلى المركز. ويتبنى أيف تاك ووين يانغ تصنيف الاستعمار إلى نوعين: الاستعمار الخارجي (الاستغلالي) Colonialism External، والاستعمار الداخلي Colonialism Internal. في الاستعمار الخارجي تُستغل الموارد في البلاد المستعمَرة، ويُستولى عليها بهدف نقلها إلى الدولة المستعمِرة التي

تصنّف نفسها بأنها العالم الأول. ويشمل ذلك من الأمثلة التاريخية: الأفيون، والتوابل، والشاي، والسكر، والتبغ. وفي الوقت المعاصر: الماس، والسمك، والماء، والنفط، والبشر الذين تحوّلوا

إلى عمال، والمعادن الأساسية، مثل الكاديميوم التي تستخدم في الأجهزة عالية التقنية. وهذا يتطلب من القوة الاستعمارية شن الحروب والاحتلال العسكري، للسيطرة على الأراضي والموارد والأشخاص، لتتم إعادة صياغتها على أنّها «موارد طبيعية». أما في الاستعمار الداخلي، فتكون الإدارة الجيوسياسية وإدارة السياسة الحيوية «البيوسلطة» للناس والأرض والنباتات

(((يستخدم مصطلح الهجرة في أدبيات الاستعمار الاستيطاني، علمًا أن الحركة الصهيونية تستخدم مصطلح «علياه» لوصف

«هجرة» المستوطنين الجدد، ويعني حرفيًا الصعود، على اعتبار أن «الهجرة» إلى فلسطين تعني ضمنيًا الصعود إلى مكان أعلى،

وتطلق على المهاجرين مصطلح «عوليم» أي صاعدين. لكنه مصطلح غير دقيق في الحالة الاستعمارية، كون الهجرة تتم بدافع ذاتي، مثل السعي نحو تحسين الأحوال المعيشية (على سبيل المثال: هجرة العمال)، أو بسبب موضوعي ناتج من كارثة طبيعية (الزلازل

مثلً)، لكن في الحالة الاستعمارية الوضع مختلف، لأن الدافع هو الاستيطان والاستغلال. يشير محمود ممداني إلى أنّ المستوطنين «يصنعون عن طريق الغزو، وليس فقط عن طريق الهجرة». ينظر:

Mahmood Mamdani, "When does a Settler Become a Native? Reflections of the Colonial Roots of Citizenship in Equatorial and South Africa," University of Cape Town, 13/5/1998, accessed on 27/11/2020, at: https://bit.ly/2CCUFfk

يلفت فيراشيني إلى ضرورة التمييز بين المهاجر والمستوطن (المستعمر)، المستوطنون مؤسسون نظمًا سياسية ويحملون سيادتهم

(هيمنتهم) معهم، على عكس المهاجرين الذين يمكن اعتبارهم مستأنفين، يواجهون نظمًا سياسية قد شُكّلت بالفعل. يمكن أن

يجري اختيار المهاجرين بصفة فردية ضمن الأنظمة السياسية الاستعمارية للمستوطنين، وهم بالفعل في الغالب كذلك. ومع ذلك، فهم لا يتمتعون بحقوق متأصلة ويتّسمون بنقص واضح في استحقاق السيادة. من المهم أن يتم التمييز بين هذه الفئات من الناحية

التحليلية: يتم تضمين أعباء سيادية مختلفة تمامًا في عمليات النزوح الخاصة بكل منها؛ لا يتحرك المستوطنون والمهاجرون بطرائق

مختلفة بطبيعتها فحسب، بل ينتقلون أيضًا إلى أماكن مختلفة تمامًا، حيث ينضم المهاجر إلى مجتمع آخر، بينما يعيد المستوطن أو

المستعمر تشكيل مجتمعه. وينتقل المهاجرون بحكم التعريف إلى بلد آخر، ويعيشون حياة الشتات، ويمارس المستوطنون، على العكس، «العودة» إلى ما يدّعون أنها بلادهم. ينظر:

Lorenzo Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview (London: Palgrave Macmillan UK, 2010), p. 3. (8) Heribert Adam, Modernizing Racial Domination (Berkeley: University of California Press, 1972), p. 31.

(((بحسب ميشيل فوكو، فإنّ السياسة الحيوية Biopolitics أو (البيوسلطة) عبارة عن عقلانية سياسية، تتخذ إدارة الحياة والسكان موضوعًا

لها. فهي «قوة تمارس تأثيرًا إيجابيًا في الحياة، وتسعى لإدارتها وتحسينها ومضاعفتها وإخضاعها لضوابط دقيقة ولوائح شاملة». ينظر:

Michel Foucault, The Will to Knowledge: The History of Sexuality , vol. 1 (New York: Pantheon Books, 1978), p. 137.

والحيوانات، داخل الحدود «الداخلية» للأمة الإمبريالية. ويتضمن ذلك استخدام أساليب خاصة للسيطرة (السجون، والغيتو، والحكم البوليسي، وحكم الأقلية العنصري)، لضمان تسيّد النخبة

«البيضاء». وتأتي هذه الأنماط من السيطرة والنقل القسري للبشر وتجريدهم من ممتلكاتهم، والعمل على إزالتهم، لتأكيد سيطرة المتروبول. ويستخدم الاستعمار الداخلي استراتيجيات عدة، من أبرزها الفصل العنصري ومصادرة الممتلكات والمراقبة والتجريم. ضمن هذا السياق، يُجادل تاك ويانغ بأنّ الاستعمار الاستيطاني يُدار بوساطة الاستعمار الخارجي والداخلي؛ باعتبار أنه لا يوجد فصل بين المستعمرة والمتروبول؛ إذ على سبيل المثال: في الولايات المتحدة الأميركية التي تُجسّد الاستعمار الداخلي والخارجي، جرى تهجير الشعوب الأصلية قسرًا من أوطانها إلى

محميات، ووُضعت في عهدة الدولة، وأدخل أبناؤها إلى المدارس الداخلية التي تُعتبر من أساليب البيوسلطة. أمّا الاستعمار الخارجي، فيتمثل في تعدين اليورانيوم على أراضي السكان الأصليين في جنوب غرب الولايات المتحدة، واستخراج النفط من أراضي السكان الأصليين في ألاسكا؛ إذ تتبنى الدولة الاستعمارية الاستيطانية الاستيلاء الكامل على حياة السكان الأصليين وأراضيهم، بدلً من المصادرة الانتقائية للأجزاء المنتجة للربح. فالاستعمار الاستيطاني يختلف عن الأشكال الأخرى من الاستعمار في أن المستوطنين يأتون بنيّة بناء وطن جديد على الأرض، مع الإصرار

على سيادة المستوطنين على كل ما يحيط بهم. ويَعتبر كريستوف ميك أنّ الاستعمار عبارة عن مجموعة من علاقات القوة غير المتكافئة، بين المركز المهيمن والأطراف التي تضم السكان الأصليين في المستعمرات، وتقنن القوة الاستعمارية هذه العلاقة غير المتكافئة، كي تضمن الاستغلال الاقتصادي للأراضي المستعمَرة والتحكم المباشر أو غير المباشر في المجموعة العرقية أو المجموعات العرقية المختلفة التي تعيش في الأطراف، وقد يترافق هذا مع استقرار أعضاء من المجموعة العرقية المسيطرة هنالك. ومن ثم يصنّف الاستعمار أربعة أنواع: الاستعمار الاستيطاني، والاستعمار الاستغلالي، والاستعمار البديل Colonialism Surrogate، والاستعمار الداخلي. في الاستعمار البديل، يشجع المركز الاستعماري هجرة المجموعات التي لا تنتمي إلى المجموعة العرقية المهيمنة في المركز واستيطانها، أما

(10) Eve Tuck & K. Wayne Yang, "Decolonization is not a Metaphor," Decolonization: Indigeneity, Education & Society , vol. 1, no. 1 (2012), pp. 4–5.

(((1 استخدم سكوت أتران هذا المصطلح لوصف الاستعمار الصهيوني في فلسطين، حيث اعتبر الصهيونية الأشكنازية في

فلسطين شكلً من أشكال «الاستعمار البديل» للإمبراطورية البريطانية، المتمثل بإعلان بلفور الذي منح الاستيطان الصهيوني في فلسطين الشرعية. ينظر:

Scott Atran, "The Surrogate Colonization of Palestine, 1917–1939," American Ethnologist , vol. 16, no. 4 (November 1989), p. 16.

بينما يورد ران غرينشتاين الاستيطان الصهيوني في فلسطين واستيطان البيض في جنوب أفريقيا مثالً على الاستعمار البديل؛ إذ لم يأت المستوطنون من صفوف القوة الاستعمارية الرئيسة في ذلك الوقت، أي الإمبراطورية البريطانية في حالة فلسطين، أو الإمبراطورية الهولندية، وفي ما بعد الإمبراطورية البريطانية، في حالة جنوب أفريقيا. ينظر:

Ran Greenstein, Genealogies of Conflict: Class, Identity and State in Israel/ Palestine and in South Africa (Hanover, NH: University Press of New England, 1995).

الاستعمار الداخلي، فيشير إلى البنية غير المتكافئة للسلطة والتطور غير المتكافئ للمناطق المختلفة داخل دولة واحدة، مع استغلال المركز للأطراف، حيث ينطبق مصطلح الاستعمار على علاقات معينة داخل أوروبا نفسها، مثل السياسة النازية في أوروبا الشرقية خلال الحرب العالمية الثانية، وعلاقات المركز والأطراف في الإمبراطوريات، وحتى سياسة الدول القومية تجاه المجموعات العرقية الأخرى.

ثانيًا: تطوّر مفهوم الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني

يسود في الأكاديميا الفلسطينية تصنيف الاستعمار الصهيوني باعتباره استعمارًا استيطانيًا، وهناك

من ينسب إلى فايز الصايغ (1980–1922) فضل توظيفه إطارًا نظريًا للمقاومة والتحرير، في دراسته عن الاستعمار الصهيوني، الصادرة في عام 1965، مستندًا في تحليله إلى اعتبار أن الصهيونية تابعة للإمبريالية العالمية، ومجسّدة الغزو الاستعماري الصهيوني لفلسطين. يُموضع الصايغ الاستعمار الصهيوني ضمن السياق التاريخي للتسابق الاستعماري في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بالتزامن مع ظهور «القومية اليهودية». وذلك لكونه أداةً لبناء الدولة القومية، وليس وليد قومية قد سلف تحقيقها. ومن ثم يميز الصايغ بين الاستعمار الأوروبي في آسيا وأفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر والاستعمار الصهيوني من حيث الدافع، فبحسب ادّعائه، لم تكن دوافعه اقتصادية أو سياسية إمبريالية (نهب الثروات، أو الضم إلى الحكومات الإمبريالية)، بل «الحصول على وطن خاص بهم، وإقامة دولة يهودية مستقلة عن أي حكومة قائمة». ويجادل الصايغ بأنّ المستعمرين الأوروبيين فرضوا تفوّقهم العنصري في إطار «التعايش التدرّجي العنصري»، حيث على الرغم من التفرقة وعدم المساواة، فإنّ المستعمرين الأوروبيين بصفة عامة تعايشوا مع «الأهالي» في المستعمرة نفسها، أو المحمية، مستغلّين قوة عمل السكان الأصليين، على عكس الاستعمار الصهيوني في فلسطين الذي تناقض أساسيًا مع

الوجود المستمر للسكان الأصليين في الأرض المنشودة، فسعى لعزلهم في البداية تحت شعار «العمل اليهودي»، وصولً إلى ترحيلهم القسري، وحينما لم يتمكّن من إزالتهم كلّيًا، عاد إلى عزلهم من جديد

بهدف التضييق عليهم، ودفعهم إلى الهجرة.

(12) Christoph Mick, "Colonialism in the Polish Eastern Borderlands 1919–1939," in: Róisín Healy & Enrico Dal Lago, The Shadow of Colonialism on Europe’s Modern Past , Cambridge Imperial and Post–Colonial Studies Series (New York: Palgrave Macmillan, 2014), p. 126.

((1(من خ لاا مراجعة النسخة الإنكليزية لكتاب الصايغ، بعنوان Zionist Colonialism in Palestine، لم نجد أي استخدام لمصطلح الاستعمار الاستيطاني Colonialism Settler، بل مصطلح الاستعمار الصهيوني Colonialism Zionist، أو الدولة الاستيطانية State Settler، بينما نجد استخدام مصطلح الاستعمار الاستيطاني في تقديم الترجمة العربية للكتاب فحسب. ((1(فايز الصايغ، الاستعمار الصهيوني في فلسطين، مطبوعات أفريقية آسيوية، 22 بيروت: مركز الأبحاث (منظمة التحرير (الفلسطينية)،.)1965 (((1 المرجع نفسه، ص.11 (((1 المرجع نفسه، ص.33–31

تبرز خلال تتبّعنا الأدبيات المنشورة دراسةُ جورج جبور الذي سبق المنظرين الغربيين في تحليله ومقارنته بين ثلاث حالات للاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا، وروديسيا الجنوبية (زيمبابوي)، وفلسطين. ويعتبر جبور أن نمطًا (نموذجًا/ موديلً) يجمع هذه الحالات، سيساعد في التنبؤ بمستقبل هذه المشاريع الاستعمارية. ويجادل بوجود اختلاف بين الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الاستغلالي؛ حيث يأتي المستعمرون في حالة الاستعمار الاستيطاني بهدف البقاء، فاحتكاكهم مع السكان الأصليين قائم على التمييز الذي يكون مؤسساتيًا، مركّزًا ووحشيًا (عنيفًا) أكثر من الاستعمار الاستغلالي. ومن ثم، فإنّ تفكيك الاستعمار الاستيطاني أشد صعوبة من الاستعمار الاستغلالي. ونوّه بأنّ هدف الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي كان الاستيلاء على الأرض وكيفية التخلّص من السكان الأصليين. عُقد في عام 1973 المؤتمر السادس لجمعية الخريجين العرب في الجامعات الأميركية، وكان عنوانه «التحرر الوطني والأنظمة الاستيطانية في أفريقيا والشرق الأوسط»، وصدر عنه كتاب جاء فيه أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني يتصف باستبعاد الآخرين والاستغلال والاضطهاد والعنصرية، مؤكدًا أنها الأسس الأيديولوجية والمؤسساتية للاستعمار الاستيطاني، ومنوّهًا بالأساس التوراتي للاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا وفلسطين، المتمثل في مقولات «شعب الله المختار» و«الحق التاريخي» و«أرض الميعاد». وبالرجوع إلى التوراة، تشترك جنوب أفريقيا وإسرائيل في طموحهما إلى التخلّص التام من السكان الأصليين، عبر استخدام مصطلحات تفيد الإبادة Disappear, Annihilation, Extremination. وفي سياق متصل، يؤكد عبد الوهاب المسيري (2008–1938) في كتاباته تمايز الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي من الاستعمار الأوروبي الاستغلالي؛ ذلك أن النظرية الاستعمارية الصهيونية مبنية على ترحيل السكان الأصليين Transfer Population، وليس استغلال الموارد والأرض؛ بمعنى أنها مبنية على البقاء في الأرض وعدم الاعتماد على السكان الأصليين، بل طردهم. برز في العقد الأخير استخدام الباحثين الفلسطينيين الاستعمار الاستيطاني أداةً تحليلية، وكثرت المقالات والدراسات التي تؤطر هذا المفهوم. نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، مقالة عبد الرحيم الشيخ التي تتناول ما سمّاه «متلازمة كولومبوس» في السياق الاستعماري الصهيوني الذي يعمد إلى محو الأسماء الأصلية في الحيّز الجغرافي الفلسطيني واستبدالها بأسماء «يهودية»، على غرار

(17) George Jabbour, Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East (Beirut: Palestine Liberations Organization Research Center, 1970). (18) Hassan Haddad, "The Biblical Bases of Zionist Colonialism," in: Ibrahim Abu–Lughod & Baha Abu–Laban, Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance , AAUG Monograph Series, no. 4 (Wilmette, Illinois: The Median University Press International, 1974), p. 14. (19) Abdelwahab Elmessiri, The Land of Promise (New Brunswick: North American, Inc., 1977), p. 102.

ما فعله كولومبوس عند غزوه قارة أميركا. في حين استخدمت هنيدة غانم الاستعمار الاستيطاني في مقالات عدة، مع ربطه بالسياسة الحيوية، ومحاولة تهويد الحيّز الفلسطيني من خلال المحو والإحلال

(الإنشاء) الرمزي. أما إيليا زريق، فعمل على تفنيد ادعاء مفاده أنّ للمشروع الاستيطاني الصهيوني طابعًا خاصًا يميّزه من المشاريع الكولونيالية الأوروبية، مشيرًا إلى خصائص الاستعمار الاستيطاني

الصهيوني المتمثلة في السيطرة على الأرض وعزل السكان، مع استخدام نظام للمراقبة والسعي للسيطرة على السكان، بهدف تحقيق التوازن الديموغرافي. وقد استخدم مصطلح «الاستعمار الهجين»، الذي يجمع بين الاحتلال العسكري والاستيطان، لتوصيف الحالة الاستعمارية في فلسطين. في هذا السياق، تجادل غانم بأنّ احتلال مناطق 1967 أعاد تشكيل النظام الإسرائيلي باعتباره نظامًا هجينًا متعدّد الأدوات، يدمج بين الاستعمار الاستيطاني والاحتلال العسكري والأبارتهايد. برز أيضًا نديم روحانا من بين الباحثين الفلسطينيين، في نشره دراسات عدة تتناول مفهوم الاستعمار الاستيطاني (سيتم الاستشهاد بها لاحقًا في متن هذه الدراسة)، إضافة إلى دراساته المشتركة مع أريج صباغ خوري، ومن أبرزها تلك التي تناولت ما أطلقا عليه «المواطنة الكولونيالية» والتي ستناقشها هذه الدراسة لاحقًا. وقد أشارت نادرة شلهوب كيفوركيان في مقالاتها المتعددة إلى أنّه يجري إنفاذ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، من خلال أشكال مختلفة من العنف، يجري تبريرها من خلال الضرورات الثقافية والتاريخية والدينية والوطنية. وأوضحت وجود شكل من أشكال العنف يتّصف به الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، سمّته «احتلال الحواس» الذي تُستخدَم فيه التقنيات الحسّية التي تتحكم في الأجسام واللغة والبصر والزمان والمكان. وفي السياق نفسه، يجادل طارق دعنا مع علي الجرباوي بأن النجاح الجزئي للحركة الصهيونية، المتمثل في إقامة دولة إسرائيل واستعمار ما بقي من فلسطين الانتدابية في عام 1967، لم يُمكّن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني من الوصول إلى نقطة الحصرية اليهودية في الأرض الفلسطينية؛ فالصمود الفلسطيني، وفشل المستعمر الصهيوني في محو الفلسطينيين محوًا كاملً، يعنيان أن المشروع الصهيوني سيبقى معطلً وغير مكتمل، الأمر الذي قد يؤدي إلى زواله في المستقبل.

(((2 عبد الرحيم الشيخ، «متلازمة كولومبوس وتنقيب فلسطين: جينيالوجيا سياسات التسمية الإسرائيلية للمشهد الفلسطيني»،

مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 21، العدد 83 (صيف 2010)، ص.109–78 ((2(هنيدة غانم، «السياسة الحيوية ل سااتعمار الاستيطاني: إنتاج المقدسيين كمارقين»، قضايا إسرائيلية، مج 12، العدد 47 (2012/9/30)، ص.108–94 ((2(إيليا زريق، «الصهيونية والاستعمار»، عمران، مج 2، العدد 8 (ربيع 2014)، ص.34–7 ((2(هنيدة غانم، «التأطير المركب لنظام هجين: جدلية الاستعمار الاستيطاني والاحت لاا والأبارتهايد»، في: هنيدة غانم وعازر

دكور (محرران)، إسرائيل والأبارتهايد: دراسات مقارنة (رام الله: مدار، 2018)، ص.61–17

(24) Nadim N. Rouhana & Areej Sabbagh–Khoury, "Settler–colonial Citizenship: Conceptualizing the Relationship between Israel and its Palestinian Citizens," Settler Colonial Studies , vol. 5, no. 3 (2014). (25) Nadera Shalhoub–Kevorkian, "The Occupation of The Senses: The Prosthetic and Aesthetic of State Terror," British Journal of Criminology , vol. 56, no. 6 (November 2017), pp. 1–22. (26) Tariq Dana & Ali Jarbawi, "A Century of Settler Colonialism in Palestine: Zionism’s Entangled Project," The Brown Journal of World Affairs , vol. xxiv, no. i (Fall/ Winter 2017).

1. بين وولف وفيراشيني

بدأ في منتصف التسعينيات على المستوى الأكاديمي والسجال النظري انتشار استخدام الاستعمار الاستيطاني إطارًا تحليليًا. برز في هذا الحقل مجموعة من الباحثين، في مقدمتهم باتريك وولف

Patrick Wolfe ولورينزو فيراشيني Veracini Lorenzo، وأسست في عامُ2010 مجلة دراسات الاستعمار الاستيطانيالتي ساهمت في تطوير هذا الإطار التحليلي. يُنظّر وولف لنموذج الاستعمار الاستيطاني على أساس أنه بنية، حيث انتشرت في الأوساط الأكاديمية مقولته: الاستعمار الاستيطاني «بنية وليس حدثًا». وميّز، هيكليًا، بين التكوينات الاستعمارية والاستعمار الاستيطاني، بالإشارة إلى أنّ

الاستعمار الاستيطاني ليس علاقة السيد والعبد ولا يقوم على علاقة عدم الاستغناء عن الشعب المستعمَر، بل على العكس من ذلك يُستغنى عن الأصلي؛ لأن الهدف النهائي هو الأرض وليس الحصول على الفائض. ويجادل وولف بأنّ المستعمرات في الاستعمار الاستيطاني لم تنشأ بهدف استخراج فائض القيمة من العمال الأصليين، كما هو الحال في الاستعمار الاستغلالي، بل تقوم على نزوح (أو استبدال) السكان الأصليين من الأرض. وميّز وولف بين الاستعمار الاستغلالي والاستعمار الاستيطاني؛ ذلك أنّ

الاستعمار الاستيطاني مبنيٌّ على إزالة/ محو Elimination مجتمعات السكان المحليين؛ إذ يأتي

المستعمرون بنيّة البقاء، والهدف الأساسي من هذا الاستعمار هو الأرض نفسها، بدلً من الفائض

المستمد من مزج العمالة المحلية معها. على الرغم من أن عمل السكان الأصليين كان لا غنى عنه في الواقع العملي للأوروبيين، فإن عملية الاستعمار الاستيطاني هي في الأساس مشروع يأخذ فيه المنتصر كل شيء. ويقوم منطق هذا المشروع على الاستبدال وليس على الاستغلال، وهو ميل مؤسسي مستمر لأجل القضاء Eliminate على السكان الأصليين، فالغزو هنا هو «بنية وليس حدثًا». يجادل وولف أيضًا بأنّ الاستعمار الاستيطاني مرتبط بالمحو والإلغاء، لكنه ليس بالضرورة مرتبطًا بالإبادة الجماعية، مع إصراره على أنّ الإبادة الجماعية في الاستعمار الاستيطاني لا تُمارَس مرة واحدة، بل هي حالة تدمير مستمرة. ويحاج بأنّه يتمحور حول الأرض، حيث يبرّر مصادرة الأراضي من خلال

الزراعة، بذريعة السعي لتحقيق «الاكتفاء الذاتي»، على عكس الصناعة التي عادةً تعتمد على المواد المستخرجة من باطن الأرض، والتي يصدف وجودها، بينما نجد الزراعة مبنيّة على حسابات تكفل إعادة

إنتاج نفسها، وبهذا المنطق يبرّر الاستيلاء المتكرر على الأرض. ويدّعي وولف أنّ الزراعة، من خلال

(((2 يمتاز وولف وفيراشيني بأنّهما من أبرز المنظرين الغربيين الذين تناولوا الاستعمار الصهيوني في فلسطين، باستخدام الاستعمار

الاستيطاني إطارًا تحليليًا. وطوّر وولف نموذج منطق الإبادة Paradigm Elimination of Logic The، وساهم، بالتعاون مع فيراشيني،

في إنشاء الاستعمار الاستيطاني حقلً معرفيًا مستقلً، وأسّسا مجلة دراسات الاستعمار الاستيطانيالتي صدر عددها الأول في عام

(28) Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (December 2006), p. 390.

(((2 هذا يتقاطع مع مُخرجات المؤتمر السادس لجمعية الخريجين العرب في الجامعات الأميركية.

(30) Patrick Wolfe, Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnograph Event (Writing Past Imperialism) (London and New York: Cassell, 1999), p. 2. (31) Ibid., p. 163.

علاقتها الوثيقة بالأرض، تعتبر بمنزلة رمز فاعل في الهوية الاستعمارية الاستيطانية؛ حيث يجري تصوير السكان الأصليين في الخطاب الاستعماري الاستيطاني باعتبارهم مجتمعات غير مستقرة ومرتحلة (بدو)، ولا تملك جذورًا تربطها بالمكان، فوصم السكان الأصليين بصفة البداوة (كما في الحالة

الفلسطينية) يجعلهم قابلين للاستئصال والمحو. ومن ثم تبرر الأيديولوجيا الصهيونية الاستيلاء على الأرض، بذريعة أنّ الصهاينة الحداثيين يستطيعون استخدامها أفضل من العرب (البدو). يقترح فيراشيني فهم العلاقة الديالكتيكية بين الاستعمار والاستعمار الاستيطاني؛ إذ هما ليسا منفصلين تمامًا، وليسا جزءًا من المجال المفاهيمي نفسه، حيث يتشابكان في أي وضع فعلي، «فالتصميم

على استغلال ‘الآخرين’ الأصليين مختلط دائمًا بإرادة لإزاحتهم»، وحتى إذا كان ينبغي النظر إلى

التشكيلات الاستعمارية والاستعمار الاستيطاني باعتبارها منفصلة وجوديًا، ينبغي عدم التقليل من

تكاملها النهائي داخل الإمبريالية. ويميل فيراشيني في توصيفه الحالة الاستعمارية في فلسطين إلى استخدام مصطلح الترحيل Transfer بدلً من الإزالة والمحو (سبقه المسيري إلى استخدام هذا المصطلح). ويدّعي أنّ هنالك انقطاعًا في الاستعمار الاستيطاني في الفترة 1967–1948. مؤكدًا أن

المناطق المستعمرة في عام 1948 هي حالة من الاستعمار الاستيطاني، في حين يَنظُر إلى الأراضي

المحتلة في عام 1967 باعتبارها «فشلً» للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني؛ إذ انتقل الاستعمار الاستيطاني فيها إلى نظام علاقات مختلف عن عام 1948، حيث جرى الانتقال من القضاء على جميع السكان الأصليين، إلى السيطرة على من بقي منهم. ومن ثمّ يدّعي فيراشيني أن النموذج

الكلاسيكي للاستعمار الاستيطاني لا ينطبق على أراضي عام 1967. يجادل فيراشيني بحصول تحوّل من شكل الاستعمار الاستيطاني إلى شكل الاستعمار الاستغلالي،

بالاستناد إلى التمييز بين السيطرة الدائمة على المستعمرين من المتروبول (بريطانيا في الهند) ومحو السكان الأصليين لأجل استبدالهم (كندا وأستراليا)، مُدّعيًا نجاح الاستعمار في الفصل بين المستعمِر

والمستعمَر في أراضي عام 1967، ونجاح الاستعمار الاستيطاني في مناطق عام 1948 في «أصلنة»

المستعمِر عبر التوقف عن النظر إليه بصفته مستوطنًا. ومن ثمّ، فإن احتلال الأراضي الفلسطينية بعد

عام 1967 «ينطوي على انتقال من نظام علاقات يمكن فهمه على أنه استعمار استيطاني، إلى نظام علاقات يتميز بشكل حاسم بأشكال استعمارية (أخرى»).

(32) Wolfe, "Settler colonialism and the elimination." (33) Mark LeVine, Overthrowing Geography: Jaffa, Tel Aviv, and the Struggle for Palestine, 1880–1949 (Berkeley, CA: University of California Press, 2005), p. 227. (34) Lorenzo Veracini, "Settler Colonialism: Career of a Concept," The Journal of Imperial and Commonwealth History , vol. 41, no. 2 (2013), p. 314. (35) Lorenzo Veracini, The Settler Colonial Present (New York: Palgrave Macmillan, 2015), p. 26. (36) Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview. (37) Elmessiri, p. 102. (38) Lorenzo Veracini, "The Other Shift: Settler Colonialism, Israel and The Occupation," Journal of Palestine Studies , vol. 42, no. 2 (April 2013). (39) Ibid., p. 27.

يمايز فيراشيني بين نمطَي الاستعمار (الاستغلالي والاستيطاني)، من خلال تحليل كيفية تعامله مع السكان الأصليين: أهو في اتجاه الفصل أم التطبيع؟ من الناحية النظرية، هناك تمييز حاسم بين الاستعمار والاستعمار الاستيطاني بصفتهما تكوينَين منفصلَين؛ إذ يهدف الأول إلى إدامة نفسه، بينما يهدف الثاني إلى حل نفسه. الفرق مهم جدًّا، حيث يكون المجتمع الاستعماري ناجحًا فحسب، إذا كان

هنالك فصل بين المستعمِر والمستعمَر، وجرى الاحتفاظ بالمستعمرات. لا  ينجح مشروع الاستعمار

الاستيطاني في النهاية إلّ حينما يخفي نفسه، أي حينما يتوقف المستوطنون عن التعريف بأنفسهم بصفتهم «مستوطنين»، ويصبحون «مواطنين»، ويصبح وضعهم «طبيعيًا». ولتحقيق هذا النجاح، على

مشروع المستوطنين أن يحرّر نفسه من الرقابة والسيطرة الخارجية (المتروبوليان)، حيث ينشئ أشكالً

سياسية وثقافية ذات سيادة محلية، وبالتوازي مع ذلك ينهي الاستقلالية الذاتية للشعوب الأصلية، حيث يجري تطبيع المنظر الطبيعي الذي كان يُنظر إليه باعتباره غريبًا تمامًا وترويضه. بمعنى آخر،

سينجح مشروع الاستعمار الاستيطاني في حال تطبيع وجوده، حيث ينجح في موازنة العلاقة الغيرية Alterity بين الخارج والداخل والأرض، ويستبدل، جماعيًا، السكان الأصليين بمجموعات خارجية

. بينما نجد في الأراضي المستعمرة في Exogenous Collective Replaces an Indigenous One

عام 1967 تراجعًا ملموسًا لقدرة إسرائيل على إعادة إنتاج مشروع استيطاني ناجح للمستوطنين؛ إذ

فشلت في جعل المستوطنين والمستوطنات في الضفة وغزة امتدادًا لمجتمع المستوطنين في ظل عدم الاعتراف الدولي بشرعيتهم. في المقابل، يعتبر نديم روحانا أنّ المشروع الصهيوني مشروع مستمر، لذلك نتيجته غير محددة بعد، ومن المبكر الحكم بهزيمته أو انتصاره (نجاحه الكامل)، حيث ما زال يفتقر إلى المشروعية ومقاومة السكان الأصليين له، وحتى في مناطق 1948، يرفض الفلسطينيون الاعتراف بيهودية الدولة، ويسعون لتحويلها إلى دولة ديمقراطية.

2. المواطنة والدعم الخارجي

بنى فيراشيني مجادلته على أساسَي المواطنة والدعم الخارجي، حيث يتعلّق أحد الفوارق البارزة بين

الاستعمارَين الاستغلالي والاستيطاني بمفهوم المواطنة. في الاستعمار الاستغلالي، لا يُمنح السكان الأصليون حقوق المواطنة حتى لا يعملوا على إنجاز حقوقهم الوطنية، بينما في الاستعمار الاستيطاني، وبسبب التخلص من أغلبية السكان الأصليين، ولتجميل شكل الاستعمار أمام العالم، يُمنحون حقوق المواطنة. يستشهد فيراشيني بما حدث قبل الانتفاضة الأولى في عام 1987، حينما كادت الفوارق تختفي بين عامي 1948 و 1967، وكادت المستوطنات تُعتبر «جوارًا»، لكن بعد الانتفاضة، أصبح هنالك فصل بين المستوطنين والأصليين. يستند فيراشيني إلى مقولة فرانز فانون (1961–1925): «المستوطن هو الذي يجلب الأصلي إلى حيّز الوجود». ومن ثمّ، لا يوجد أي أصلي من دون

(40) Ibid., p. 28.

((4(نديم روحانا، «انتصار الصهيونية أو هزيمتها»، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 28، العدد 110 (ربيع 2017)، ص.24–12 (((4 المرجع نفسه، ص.30

(43) Frantz Fanon, The Wretched of the Earth (Harmondsworth: Penguin, 1967), p. 36.

استعمار استيطاني، ولا يوجد أي استعمار استيطاني من دون أي أصلي. وهكذا، يمكننا فهم سبب سعي المستوطنين لتحقيق الأصلانية، يريد المستوطنون أرضًا أصلية، والطرائق التي يمتلك بها السكان الأصليون الأرض. وفي المقابل، سيقدّمون ما يملكه المستوطنون، لكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار أنّ الأصلانية لا تعتمد على الادعاءات التاريخية. فالمستعمَرون هم السكان الأصليون بغض النظر عن

تجربتهم التاريخية. يشير روحانا والصباغ إلى «المواطنة الكولونيالية»، حيث أعطت إسرائيل الفلسطينيين في مناطق عام 1948 الحق السياسي في الترشح والتصويت، لكنها في الوقت ذاته أفرغت المواطنة من مضمونها، من خلال الهيمنة الصهيونية الحصرية على الأرض والحيّز الجغرافي، وقوننة الدولة باعتبارها دولة

يهودية صهيونية، علاوة على المحو الثقافي واستغلال الموارد الاقتصادية. من ناحية أخرى، يتناول محمود ممداني ورائف زريق (كل على حدة) المسألة عبر التساؤل: متى يمكن أن يتحوّل المستوطن

إلى أصلاني؟ يحاجّ ممداني بأنّه لا يمكنه أن يتحوّل إلى أصلاني (من وجهة نظر المواطنة العرقية

Citizenship Ethnic)؛ فما دام التمييز بين المستوطن والأصلي موجودًا في بنية الدولة، يمكن أن يصبح المستوطن مواطنًا وليس أصليًا. في حين يبني زريق على تحليل فيراشيني ب «النجاح» الجزئي

للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، ويجادل بأنّ المستوطن يتوقف عن كونه مستوطنًا عندما يتحقق شرط وقف التوسع الاستيطاني والتخلي عن امتيازاته والتحوّل إلى المواطنة. لكن ممداني يعتبر

قبول السكان الأصليين بالمواطنة المتساوية بمنزلة قبول مقنّع بالهزيمة وتحقق للاستعمار الكامل، حيث يُناقش سؤال العنصرية وتجاهل سؤال الأصلانية. وهنا يجب أن نأخذ في الحسبان صعوبة

تحقق المواطنة ضمن البنية القانونية للحالة الاستعمارية الصهيونية؛ «فقد سنّت إسرائيل مجموعة من القوانين ترسّخ التمييز العنصري بين سكانها على أساس الدين تارةً والقومية أو الإثنية تارة أخرى. يوجد

((4(يشير وولف إلى هذه العلاقة الثنائية الديالكتيكية في الاستعمار الاستيطاني، معتبرًا أنّ المستعم ر هو الذي ينُشئ الأصلي في

علاقة جدلية شبيهة بتنظير هيغل لعلاقة «السيد والعبد». ينظر:

Patrick Wolfe, "Recuperating Binarism: A Heretical Introduction," Settler Colonial Studies , vol. 3, no. 3–4 (2013), p. 274.

بينما يدّعي فيراشيني أن الاستعمار الاستيطاني نظام ثلاثي العلاقات، يضم المتروبوليان والمستوطنين والشعوب الأصلية. ينظر:

Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview , p. 6.

في حين تشير إلكينز وبيدرسون إلى أنه نظام رباعي يضم المتروبول، وإدارة محلية مكلفة بالحفاظ على النظام والسلطة، وسكانًا أصليين، ومجتمع المستوطنين. ينظر:

Caroline Elkins & Susan Pedersen, Settler Colonialism in the Twentieth Century: Projects, Practices, Legacies (London and New York: Routledge, 2005), p. 4. (45) Lorenzo Veracini, "Israel–Palestine Through a Settler–colonial Studies Lens," Interventions: International Journal of Postcolonial Studies , vol. 21, no. 4: Special Issue on Settler Colonialism in Palestine (2019), p. 577. (46) Rouhana & Sabbagh–Khoury, p. 2. (47) Mamdani, "When does a Settler Become a Native?". (48) Raef Zreik, "When does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani)," Constellations , vol. 23, no. 3 (2016), p. 356. (49) Mahmood Mamdani, "Settler Colonialism: Then and Now," Critical Inquiry , vol. 41, no. 3 (Spring 2015), p. 607.

أكثر من 55 قانونًا في إسرائيل يُمنهج التمييز ضد العرب الفلسطينيين القاطنين في أراضي 1948، ويُقيّد

حريتهم بالتعبير والمشاركة السياسية، إضافة إلى التمييز ضدّهم بتوزيع الموارد والأراضي، فقوانين تملّك الأراضي والهجرة والمواطنة، إضافة إلى رموز الدولة وتقويمها الذي يتضمن العُطَل الرسمية والأعياد؛ كلها تشير إلى تمييز صارخ بين مواطني دولة إسرائيل، ويشير إلى استراتيجية ممنهجة قامت عليها دولة إسرائيل، رغم أنها في كثير من الأحيان تحاول الظهور بمظهر الدولة التي لا تميز بين مواطنيها، لكن هذه القوانين تبيّن بشكل واضح أنها دولة تمييز عنصري». في سياق متصل، تقترح رنا بركات اللجوء إلى دراسات الأصلانية كمظلة تحليلية للحالة الاستعمارية في فلسطين، حتى لا تهيمن الرواية الصهيونية على الرواية الفلسطينية؛ على اعتبار أن استخدام الاستعمار الاستيطاني عدسةً تحليلية يغَلّب رواية المستعمِر المبادر إلى محو الأصلي ويهمل مقاومة الأصلي. في المقابل، تحذّر سهاد بشارة من الاستخدام القانوني لمفهوم الأصلانية (المجموعات الأصلية) في السياق الفلسطيني، للدفاع عن حقوق البدو الفلسطينيين، سواء في المناطق المستعمرة في عام 1948 (النقب)، أو في المناطق المصنفة «ج» في أراضي عام 1967؛ لأن المفهوم غير مطابق للواقع ويقود إلى شرذمة الهوية السياسية الفلسطينية. فعملية التهجير القسري للبدو ليست «مشكلة بدوية»، إنما هي مشكلة فلسطينية في الدرجة الأولى، تتمثل بالنكبة وهزيمة عام 1967، وما ترافق معهما من سياسات التمييز التي انتهجتها الدولة «اليهودية» المستندة إلى المبادئ الصهيونية. في حين يجادل كل من أحمد أمارة ويارا الهواري بأنّ استخدام مفهوم الأصلانية للدفاع عن حقوق البدو في الحالة الفلسطينية عبارة عن استبطان للهزيمة أمام المشروع الاستعماري، ورضا ضمني بالهيمنة الاستعمارية من خلال السعي للحصول على حقوق في ظل المنظومة الاستعمارية، بدلً من السعي لتفكيكها. كما أنّ استخدامه يؤكد الصورة الاستشراقية التي يروّج لها الاستعمار الصهيوني المتمثّلة في أنّ العرب الفلسطينيين عبارة عن بدو رحل. هذا إضافة

إلى أنّه سيقود إلى نزع البعد القومي للصراع؛ على اعتبار أنّ البدو «جماعة أصلية» منفصلة. يقود استخدام الإطار الأصلاني، أداةً للدفاع عن البدو، إلى سلخهم عن امتدادهم القومي (العربي)، فادّعاء أنهم سكان «أصلانيون»، يعني ضمنيًا أنهم مختلفون عن محيطهم العربي. هذا إضافة إلى أنّ استخدام

إطار «الأصلانية» سيقود إلى نوع من أنواع الجدل البيزنطي، بشأن تعريف من هو «الأصلاني»؛ حيث يدّعي الإسرائيليون أنّهم هم السكان «الأصلانيون»، مستندين إلى دعوى الحق التاريخي في التوراة. لذلك

من الأسلم إبقاء تعريف الصراع ضمن سياق مستعمِر ومستعمَر، واستخدام عدسة الاستعمار الاستيطاني

أداةً تحليلية، بدلً من الانجرار إلى هذا الجدل.

(((5 أشرف بدر، «قانون القومية الإسرائيلي (يهودية الدولة)... الدلالات وردات الفعل»، مركز رؤية للتنمية السياسية (إسطنبول)، 2017/2/1، ص 22، شوهد في 2020/11/27، في: https://bit.ly/30Ynz36

(51) Rana Barakat, "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History," Settler Colonial Studies , vol. 8, no. 3 (March 2017), p. 11.

((5(سهاد بشارة، «كيف يمكن لمفهوم ‘المجموعات الأصليّة’ أن يشرذم الفلسطينيين؟»، السفير العربي، 2017/5/15، شوهد في

2020/11/27، في: Co 4 isG /3 ly. bit:// https (((5 أحمد أمارة ويارا الهواري، «توظيف الأصلانية في النضال التحرّري الفلسطيني»، شبكة السياسات الفلسطينية، 2019/8/8،

شوهد في 2020/11/27، في: https://bit.ly/3gQfIKf

في ما يتعلق بالدعم الخارجي، يجادل فيراشيني باعتماد المشروع الاستعماري على دعم خارجي (قوة متروبوليانية)، فهو جزء من تكوّن المشروع الاستعماري، لكن الاعتماد على الدعم الخارجي

يكون مؤقتًا في الاستعمار الاستيطاني ويُستغنى عنه. وهذا ما يميز إسرائيل بعد عام 1948 منها بعد عام 1967؛ إذ على الرغم من أنّ إسرائيل بعد عام 1967 ما زالت تعتمد على الدعم الخارجي، على الأقل في الجانب الدبلوماسي، فإن هناك فرقًا بين الاستفادة من الدعم الخارجي والاستناد إليه، وهذا ما دفع فيراشيني إلى ادعاء أنّ إسرائيل مرّت في عام 1967 بما يمكن تسميته «إعادة الاستعمار»

Recolonization. إعادة الاستعمار ليس كأمر واقع، بل كعملية، يمكن أن يكون مفيدًا في تفسير الظروف الإسرائيلية الحالية. ووفقًا للاستعمار الاستيطاني، فإنّ الاستيطان هو الذي يصنع الأمة وليس العكس (بمعنى أنّ القومية اليهودية لم تكن موجودة على أرض الواقع إلّ بعد بدء العملية الاستيطانية على أرض فلسطين)، والفشل في توطين (أصلنة) المستعمرين يخلق ظروفًا لإمكان إعادة الاستعمار

ليصبح عامل. قد يحاجّ (كما فعل وولف) بأنه لا يوجد في الحالة الصهيونية متروبول استعماري ظاهر، إنما اعتماد على

مؤسسات الشتات وليس على مركز (متروبول). بينما يشير فيراشيني إلى أن الاستعمار الاستيطاني يتميز على نحوٍ بعيد من الاستعمار باعتباره وسيلةً للهيمنة، على وجه التحديد؛ بسبب القدرة الجماعية للمستوطنين على تحرير أنفسهم من السيطرة الإشرافية من متروبول متعجرف، وإعلان استقلالهم عنه. يجب أن يلاحظ هنا أن إسرائيل مرّت بمنحنيات عدة في علاقتها بالمتروبول؛ حيث لم ينجح

يهود الشتات في تحقيق المشروع الاستعماري الصهيوني، إنما نجح المشروع عقب تبني بريطانيا له. ويجب أن يؤخذ في الاعتبار تعقيد الحالة الاستعمارية في فلسطين، والانتباه إلى عدم الوقوع في فخ السردية الصهيونية القائلة بأنّ دولة إسرائيل (المناطق المستعمرة في عام 1948) تجسّد المتروبول

بالنسبة إلى المستوطنين في مناطق 1967، حيث يقع كلاهما ضمن منظومة الاستعمار الاستيطاني نفسه، ويجب عدم التمييز بينهما على أساس متروبول وأطراف؛ لأن ذلك يعني ضمنيًا شرعنة وجود

الكيان الاستعماري الإسرائيلي في مناطق.1948

(((5 يخالف فيراشيني وولف في تحليله احتلال إسرائيل مناطق 1967، ففي حين يجادل وولف بأن الاستعمار الصهيوني بنية وليس

حدثًا، وذلك ناتج من بنية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، يجادل فيراشيني بأن ما حدث عبارة عن إعادة استعمار Recolonization. ويحاجّ فيراشيني بأنّ الاستعمار الصهيوني في مرحلة اليشوف (قبل عام 1948)، اعتمد على بريطانيا والمنظمات الصهيونية حول

العالم، مثل الوكالة اليهودية، لكن بعد الإع ناا عن قيام إسرائيل، وطوال عقدين، تحوّل من الاعتماد على الدعم الخارجي إلى

الاستفادة منه فحسب، وهنا يكمن الفارق. لكن بعد عام 1967 واستعمار ما بقي من فلسطين الانتدابية، عاد من جديد إلى الاعتماد على الولايات المتحدة الأميركية والمنظمات الصهيونية حول العالم؛ ما جعل إسرائيل تدخل في ما سمّاه مرحلة إعادة الاستعمار.

(55) Veracini, "The other Shift," pp. 34–35. (56) Patrick Wolfe, Traces of History: Elementary Structures of Race (London: Verso, 2016), p. 247. (57) Veracini, "Israel–Palestine Through," p. 570.

(((5 يجادل عبد الوهاب المسيري باعتماد الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في بداياته على الغرب الاستعماري، ثم الاستقلال عنه في ما  بعد، وبخ ف أنماط الاستعمار الاستيطاني الأخرى، ليس للمستعمرين الصهيونيين «وطن أم » Country Mother، إنما «وطن زوجة أب» Stepmother. ينظر:

Elmessiri, p. 103.

ثالثًا: مغزى السجال النظري

يثير تحليل فيراشيني جدلية العلاقة بين الاستعمار والاحتلال؛ فاحتلال إسرائيل مناطق عام 1967، يُعتبر مشروعَ استعمار استيطاني «فاشلً»، مقارنةً بمناطق عام 1948 التي «نجح» فيها. على هذا النحو، كان الهدف من الاحتلال إعادة إنتاج نفسه (مثل الاستعمار)، ليصبح أمرًا دائمًا. لكن في الوقت نفسه،

كان الهدف منه هو أن يكون وسيلةً لتحقيق غاية: جعل الاستيطان ممكنًا وتسهيله. وهنا نواجه مفارقة: في حين أن الاحتلال هو الشرط المسبق المطلق لإقامة المستوطنات ووجودها المستمر، يعتمد نجاحه (مثل نجاح الحكم الاستعماري) على قدرته على الحفاظ على الانقسام الحادّ بين المستعمِر والمستعمَر، الانقسام ذاته، يمنع تحقيق مجتمع استعمار استيطاني ناجح. يخلص فيراشيني إلى أنّ الاحتلال ضروري للمشروع الاستعماري، ومن دونه لا يكون استعمارًا استيطانيًا؛ فالاحتلال يبني بنية

تحتية لمصلحة إدامة الاستيطان، ولا يستطيع الاستيطان الاستمرار من دون الاحتلال. ويعمل الاحتلال على إعادة إنتاج نفسه، بينما يعمل الاستعمار الاستيطاني على الذوبان، من هنا كان اتفاق أوسلو (أيلول/ سبتمبر 1993) المبني على «حل الدولتين»، الذي أكد أن الكيانية الفلسطينية سبب تراجع نموذج الاستعمار الاستيطاني. ربما يحتج بعضٌ على الاستغراق في توصيف الحالة الاستعمارية الصهيونية في مناطق عام 1967، أهي استعمار استغلالي أم استيطاني، فما الجدوى من هذا الجدل؟ يحضرنا هنا مقولة لوي ألتوسير (1990–1918 المعركة الفلسفية حول الكلمات هي جزءٌ من المعركة السياسية) « »، ومن ثمّ يكمن خلف كل صراع نظري صراع سياسي. فتوصيف الحالة الاستعمارية في مناطق عام 1967، سينعكس على تحليلها، وبالنتيجة استشرافها. وبحسب تحليل فيراشيني، إذا كان الاحتلال لا رجعة فيه، فمن المحتمل أن يكون الخروج إلى الأمام عبر تشكيل سلطة فلسطينية، وقد ينتهي بها المطاف إلى وراثة هياكل الاحتلال وتشكيل حكمها كسياسات ما بعد الاستعمار. وهنا يجب الانتباه إلى أنه يتبع الاستعمار محاولات تفكيك الاستعمار، بينما الاستعمار الاستيطاني يسود، حيث يصبح منيعًا على التغيير. ويجادل فيراشيني بأنّ حل الدولتين مبني على العمل على نزع الاستعمار وتجاهل الفلسطينيين المهجرين، واستبعاد صفة الاستعمار الاستيطاني عن الصهيونية. فنموذج حل الدولتين يعالج ظروف دائرة فلسطينية واحدة فقط بين دوائر عدة، هي دائرة فلسطينيي المناطق المستعمرة في عام 1967، مع إهمال الشتات وفلسطينيي مناطق 1948. ونظرًا إلى أن نموذج حل «الدولة الواحدة» القائم على أساس توطين المستوطنين وأصلنتهم (تطبيع وجودهم) هو الحل الاستعماري الاستيطاني،

(59) Veracini, "The Other Shift," p. 29. (60) Ibid., p. 32.

(((6 لوي ألتوسير، «الفلسفة كسلاح ثوري (مقابلة أجرتها معه ماريا أنطوانييتا ماتزوكي في شباط/ فبراير 1968)»، الحوار المتمدن، 2015/11/5، ترجمة فريق العمل، شوهد في 2020/11/27، في: https://bit.ly/2VbNP5g

(62) Veracini, "The Other Shift," p. 33. (63) Ibid., p. 27.

فيجب اعتبار الاحتلال واستمراره بمنزلة الحل الاستعماري، وهو النظام الذي من المحتمل أن يؤدي إلى إنشاء نظامين (غير متساويين) في أرض «إسرائيل/ فلسطين الكبرى». يميّز روحانا في معرض تحليله أداء الحركة الوطنية الفلسطينية بين إطارين نظريين للصراع مع الحركة

الصهيونية «إسرائيل»: إطار يستند إلى أنّ الصراع هو بين حركة تحرر وطني فلسطيني ومشروع كولونيالي (استعماري) صهيوني؛ وإطار مبني على اعتبار الصراع جزءًا من الصدام بين حركتين قوميتين: الحركة

الوطنية الفلسطينية والحركة الصهيونية، ويترتب على ذلك الخوض في قضايا تفاوضية بشأن تقسيم وطن تختلف عليه الحركتان، أو بلغة أخرى «حل الدولتين». في المقابل، نجد أنّ الصراع الكولونيالي سيقودنا إلى نموذجين: إمّا نموذج جنوب أفريقيا، الذي يسعى للمساواة، ومن ثمّ، يكمن الحل في الاتفاق بين الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين على علاقة مبنية على المساواة، وإمّا النموذج الجزائري أو الفيتنامي القائم على تحرير الوطن وطرد الكولونياليين. وتبنّت منظمة التحرير الفلسطينية عند انطلاقها النموذج الجزائري، بما يتضمّنه من تبنٍّ للكفاح المسلح والعنف الثوري. فانتشرت المفاهيم

التي نظّر لها فانون، المبنية على فكرة إنهاء الاستعمار وتفكيكه، حيث يجادل فانون في كتابه معذبو الأرضبأنّ العنف هو السبيل الأوحد للقضاء على الاستعمار، ويهاجم البرجوازية الوطنية التي فرّطت،

والتي قبلت الجلوس على موائد التفاوض مع المستعمر، ولهذا الغرض يفرد فانون بابًا كاملً للتنظير

للعنف باعتباره وسيلةً للدفاع. لكن المنظمة بدأت منذ عام 1974 (برنامج النقاط العشر)، بالتدريج، التخلّي عن تبني نموذج الصراع الكولونيالي (الاستعماري)، لتتوّج ذلك بتوقيع اتفاق أوسلو المبنيّ

عل فكرة «حل الدولتين»، الذي ينطلق من خلفية اعتبار الصراع مع الحركة الصهيونية، صراعًا بين قوميتين. بينما بقيت أطرافٌ فلسطينية أخرى معارضة لهذا الاتفاق، على اعتبار أنّ الصراع قائم على أساس كولونيالي، وتحديدًا استعمار استيطاني من الصعب التوصل معه إلى «تفاهم»، فالحل يكمن في تفكيك المنظومة الاستعمارية برمّتها.

رابعًا: نظرة نقدية

يفترض وولف وجود بنية ثابتة للاستعمار الاستيطاني، مغفلً تأثير فاعلية Agency الواقعين تحت الاستعمار، وأهمية هيكلية الفرص السياسية Structure Opportunities Political، والمقصود بها هنا: الظروف السياسية المحيطة بالمشهد السياسي، سواء كانت محلية أو دولية أو إقليمية، أو العوامل الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، المعرّضة للتغير باستمرار، ما يوجد «بنية» تؤثر في الفاعلين

السياسيين. وهذا ما يمكن أن نلمسه في العقد الأول من استعمار أراضي عام 1967؛ إذ لم تسمح

(((6 يستند فيراشيني في استخلاصه إلى مجادلته بأنّ الفرق بين الاستعمار الاستيطاني والكلاسيكي يكمن في سعي الاستيطاني إلى تطبيع وجود المستوطن وأصلنته، بينما يعجز المستوطن في الكلاسيكي عن تطبيع وجوده ونفي صفة الاستيطان عن نفسه.

(65) Veracini, "The Other Shift," p. 38.

((6(نديم روحانا، «المشروع الوطني الفلسطيني: نحو استعادة الإطار الكولونيالي الاستيطاني»، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 25، العدد 97 (شتاء 2014)، ص.36–18

(67) Fanon.

هيكلية الفرصة السياسية وقتئذ بالمضي قدُمًا في تحقيق منطق الاستعمار الاستيطاني القائم على المحو

والإلغاء. تعود الإشكالية في تحليل وولف البنيوي إلى إهماله فاعلية الأفراد وتأثيرهم في الأحداث. هذا هو النقد الأساسي للبنيوية الذي أطّرت له نظريًا شيري أورتنر في نظرية «الممارسة» Practice Theory التي

تجادل فيها بوجود علاقة جدلية بين البنية الاجتماعية والفاعلية الإنسانية. وتسعى أورتنر في نظريتها «لتوضيح العلاقة (العلاقات) التي تحصل بين الفعل البشري، من جهة، وبعض الكيانات العالمية التي نسميها ‘النظام’ من جهة أخرى. وقد تسير الأسئلة المتعلقة بهذه العلاقات، إما في اتجاه تأثير النظام في الممارسة، وإما تأثير الممارسة في النظام». وهكذا، فإنّ «كل استخدام لمصطلح ‘ممارسة’ يفترض مسبقًا مسألة العلاقة بين الممارسة والبنية». ويفيد هنا بوجود مفاهيم أساسية عدة: البنية، وممارسة بشرية (فاعلية)، وعلاقة جدلية متغيرة بين الاثنين، حيث يتم تحديد جدلية البنية والفاعلية الإنسانية ضمن سياق زمني ومكاني معيّن، يتطلّب إدراكًا لقضايا القوة (السلطة). وبالاستناد إلى

نظرية «الممارسة»، يمكننا سد الثغرة في تحليل وولف البنيوي؛ إذ أثّرت فاعلية الفلسطينيين والمقاومة في بنية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، والمؤشر الواضح على ذلك ما حصل عقب انتفاضة عام 1987 من خلال السماح بعودة الآلاف إلى مناطق السلطة الفلسطينية ضمن اتفاق أوسلو، بعكس منطق الاستعمار الاستيطاني، كما يؤطر له وولف. وإذا أخذنا بنموذج وولف، فكيف نفسر الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000، ومن قطاع غزة في عام 2005؟ ألا يتناقض ذلك مع منطق الاستعمار الاستيطاني (كما يخطه وولف) القائم على الاستيلاء على الأرض وعدم التفريط فيها؟ مرة

(((6 اتضح بعد البحث وجود أوراق بحثية عدة تلتقي مع نقدنا مفهوم وولف للاستعمار الاستيطاني. على سبيل المثال: فرانسيسكا ميرلان التي أخذت على مفهوم وولف أنّه سيوصلنا إلى نتيجة مفادها أنّ الاستعمار الاستيطاني منيع عن التأثر بفاعلية الأفراد أو

الأحداث المحيطة. ينظر:

Francesca Merlan, "Reply to Patrick Wolfe," Social Analysis , vol. 41, no. 2 (July 1997), p. 16.

أضاف تيم راوس إلى ذلك إهمال وولف في تحليله وجود تناقضات وتوترات في فاعلية المستوطنين، من خ لاا افتراض أنّ المستوطنين في الاستعمار الاستيطاني عبارة عن كتلة واحدة موحَّدة لا يوجد بينها تناقض أو صراعات. ينظر:

Tim Rowse, "Indigenous Heterogeneity," Australian Historical Studies , vol. 45, no. 3 (September 2014), p. 301.

بينما استنتج باحثون آخرون كثيرون أن عدم إدراج فاعلية السكان الأصليين، وعدم استخدام نهج علائقي تجاه القوة الاستعمارية للمستوطنين، وعدم إي ءاا ظروف الاستعمار الاستيطاني الاهتمام، كلها عوامل تعرض دراسات الاستعمار الاستيطاني للوقوع في مغالطة التشييء Reifying (التي تتمثل في الخلط بين النموذج والواقع). ينظر:

Corey Snelgrove, Rita Kaur Dhamoon & Jeff Corntassel, "Unsettling Settler Colonialism: The Discourse and Politics of Settlers, and Solidarity with Indigenous Nations," Decolonization: Indigeneity, Education & Society , vol. 3, no. 2 (2014), pp. 1–32.

(((6 تدّعي أورتنر أنّه رمز رئيس للتوجه النظري الذي يمكن تسميته «ممارسة» (أو «فعل» Action أو «تطبيق»)Praxis. وأنّ هذه

ليست نظرية ولا منهجية في حد ذاتها، بل رمز يجري تطوير مجموعة منوعة من النظريات والأساليب فيه. ينظر:

Sherry Ortner, "Theory and Anthropology Since the Sixties," Comparative Studies in Society and History , vol. 26, no. 1 (January 1984), p. 127. (70) Ibid., p. 148. (71) Sherry Ortner, High Religion: A Cultural and Political History of Sherpa Buddhism (Princeton: Princeton University Press, 1989), p. 194.

أخرى، تعود الإشكالية في إهمال الفاعلية الاجتماعية، ففاعلية المقاومة الفلسطينية واللبنانية ساهمت في دفع الاستعمار الصهيوني إلى التخلي عن الأرض. على صعيد آخر، ينفي وولف اعتبار العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، في نموذج الاستعمار الاستيطاني، علاقة السيد بالعبد. ويجادل بأنّ المستعمرات في نموذج الاستعمار الاستيطاني لم تنشأ بهدف استخراج فائض القيمة من العمال الأصليين، كما هو الحال في الاستعمار الاستغلالي. لكن الدراسات التي تعرّضت لواقع العمالة الفلسطينية تفنّد ادّعاء وولف. وهذا ما نلمسه في كتاب ليلى

فرسخ الذي يتناول واقع العمال الفلسطينيين من مناطق الضفة الغربية والقطاع وفي داخل «إسرائيل»، في الفترة 2000–1967، وتثبت فيه استغلال «إسرائيل» فائض قيمة العمال. ويصل شير حيفر إلى الاستنتاج نفسه. في حين يجادل أحمد أسعد في دراسته الإثنوغرافية عن العمال الفلسطينيين بأن العلاقة قائمة على أساس السيّد والعبد. ويعتبر أحمد عزم أنّ أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد

(كوفيد 19–) أثبتت الطابع المزدوج للاستعمار الصهيوني، الذي يجمع بين الإحلال والاستغلال؛ على اعتبار أنه استعمار خارجي استغلالي يسعى خلف الأسواق والأيدي العاملة. على الطرف الآخر، نجد أنّ ادّعاء فيراشيني بمرحلية اعتماد الاستعمار الاستيطاني على المتروبول، وأن هدفه النهائي هو الاستقلال عن المتروبول، يفنّده وجود نماذج للاستعمار الاستيطاني خارجه عن هذا النمط، مثل الاستعمار الاستيطاني الألماني لبولندا (مع قصر فترته الزمنية 1945–1939). وكذلك الاستعمار الاستيطاني الياباني لدول عدة، من ضمنها كوريا (استمر مدة 35 عامًا 1945–1910) الذي لم يكن مبنيًا على فكرة الاستقلال عن المتروبول، إنما على العكس تمامًا. فحينما ضمّت اليابان

كوريا في عام 1910، كان عدد المستوطنين اليابانيين نحو 170 ألفًا، ومع نهاية الفترة الاستعمارية في عام 1945، وصل عددهم إلى مليون. كان للهجرة والاستيطان الاستعماريين اليابانيين الكثير من أوجه التشابه مع أنماط أوروبا الغربية في أفريقيا الاستعمارية وأماكن أخرى. لكن لم يكن للمستوطنين اليابانيين في كوريا وتايوان أي سلطة ونفوذ مماثلين على الحكومة الاستعمارية. ومن المؤكد أنهم لم يكتسبوا مطلقًا أو طلبوا مثل هذه السيطرة على مؤسسات الدولة الاستعمارية، مثل ملء الجزء الأكبر من البيروقراطية الاستعمارية، كما فعل المستوطنون في الجزائر بحلول عشرينيات القرن الماضي، فضلً

((7(ليلى فرسخ، العمالة الفلسطينية في إسرائيل ومشروع الدولة الفلسطينية 2000–1967، تحقيق وترجمة سامر برنر (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية؛ رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية – مواطن،.)2009

(73) Shir Hever, "Exploitation of Palestinian Labour in Contemporary Zionist Colonialism," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1: Past is Present: Settler Colonialism in Palestine (2012), pp. 124–132.

((7(أحمد أسعد، «من وحي الحياة اليومية للعامل الفلسطيني: ملاحظة أولية عن الاغتراب»، شؤون فلسطينية، العددان 276–275 (ربيع–صيف 2019)، ص.161 ((7(ينظر: أحمد عزم، «الانفكاك والكورونا ونهج تنموي جديد»، شؤون فلسطينية، العددان 279–278 (شتاء 2019–ربيع.)2020

(76) Elizabeth Harvey, "Management and Manipulation: Nazi Settlement Planners and Ethnic German Settlers in Occupied Poland," in: Elkins & Pedersen. (77) Hyung Gu Lynn, "Malthusian Dreams, Colonial Imaginary: The Oriental Development Company and Japanese Emigration to Korea," in: Elkins & Pedersen, pp. 21–40, 31.

عن عدم سعيهم لإعلان الاستقلال عن الدولة المتروبولية، كما فعل المستوطنون في جنوب روديسيا (زيمبابوي) لاحقًا. الأهم من ذلك أن افتراض فيراشيني لا ينطبق على الحالة الاستعمارية في فلسطين، فلو كان يقصد بالانفصال عن المتروبول الانفصال عن بريطانيا، فهذا افتراض مغلوط؛ على اعتبار أن الانفصال يحمل شقّين: سياسي واقتصادي. مع إقرارنا بمساهمة بريطانيا الحاسمة في إقامة البنية التحتية الاقتصادية والإدارية لدولة إسرائيل، التي من دونها ما كان لها أن تقوم، فإنّ هذا الدعم لم يكن بهدف الحصول على الفائض، بمعنى حصول المتروبول على عائد اقتصادي، إنما بهدف الهيمنة والسيطرة الاستعمارية. وليس كما هو الحال مع المستعمرات الأوروبية في أفريقيا، التي دُعمت على نحوٍ مركزي ومباشر، بهدف الحصول على الفائض. تركز الدعم البريطاني في الجانب السياسي وتسهيل عملية الاستيطان، سواء عبر توفير القروض أو عبر غضّ النظر عن عدد «المهاجرين» المتزايد من المستوطنين الصهيونيين، أو بوساطة سنّ القوانين التي تخدم الصهيونية، ومن ثمّ يفتقر ادعاء أن هنالك انفصالً عن المتروبول

البريطاني إلى الأساس الاقتصادي. صحيح أنّ الاستعمار الصهيوني حينما اقتصر دعمه على المموّلين

اليهود من أمثال البارون إدموند روتشيلد Rothschild de James Edmond (1934–1845) لم ينجح، إنما نجح بعد الدعم السياسي البريطاني. لكن لا يمكن إغفال أننا نتحدث هنا عن علاقة بين المركز والأطراف؛ وهي علاقة قائمة في الأساس على استغلال الفائض في المستعمرة لمصلحة المركز، وهذا ما لا نلمسه في علاقة الاستعمار الصهيوني ببريطانيا. أمّا إذا كان المقصود بالمتروبول يهود «الشتات»

(كما يجادل وولف)، فحتى هذه الفرضية لا تصلح؛ لأنه حتى بعد إعلان دولة إسرائيل، لم تنفصل الحركة الاستعمارية الاستيطانية عن يهود «الشتات»، ولم يتوقف تلقّيها الدعم المادي منهم. تنتقد بركات ادعاء فيراشيني بأنّ فلسطينيي مناطق عام 1967 لا يعيشون تحت منظومة استعمار استيطاني «ناجح». وهو ما دفعها إلى التساؤل: كيف أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة في عام 1967 ليسوا جزءًا من المشروع الاستعماري الاستيطاني؟. وتستند بركات في محاجّتها إلى أن فيراشيني أهمل

عنصرًا أساسيًا في فهم السياق الاستعماري الاستيطاني، وهو المحو/ الإزالة الديموغرافية التدرّجية،

والذي لا يزال يؤدي دورًا كبيرًا في جميع الأجزاء المجزأة من فلسطين. لا يعني ذلك أن المستعمرات

الاستيطانية لا توجد في الضفة الغربية أو قطاع غزة، بل الأمر ببساطة أن السياق مختلف، على وجه التحديد، بسبب العدد الهائل من الفلسطينيين الذين ما زالوا موجودين. ومن ثمّ تختلف أساليب

(78) Jun Uchida, "Brokers of Empire: Japanese and Korean Business Elites in Colonial Korea," in: Elkins & Pedersen, p. 153. (79) Elkins & Pedersen, p. 4.

(((8 يجب الإشارة هنا إلى أنّ العلاقة بين بريطانيا والصهيونية لم تكن دومًا على ما يرام، حيث تذبذبت هذه العلاقة بينهما بين مد

وجزر، ووصلت الأمور أحيانًا إلى الصدام بينهما، حينما لمست الحركة الصهيونية تصادم مصالحها مع المصلحة البريطانية، وبرز ذلك بوضوح في عملية تفجير مقر الانتداب البريطاني (فندق الملك داوود في القدس) في عام 1946 على يد منظمة أرغون الصهيونية.

(81) Hanna Nissim, "Why Jewish Giving to Israel is Losing Ground," The Conversation , 15/8/2018, accessed on 27/11/2020, at: https://bit.ly/3czOFSe (82) Barakat, p. 2.

الإزالة/ المحو تبعًا لذلك، ومع ذلك لا يزال ما صاغه وولف يوصف بأنه «إبادة بنيوية». مع التسليم بصحة ما ذهبت إليه بركات من سعي الاستعمار الصهيوني للإزالة الديموغرافية، كيف يمكننا تفسير فتح باب عودة الفلسطينيين المهجّرين عقب حرب 1967، وطوال شهرين متواصلين من دون فرض أي

قيود؟ (بالفعل عاد منهم الآلاف). وذلك على عكس السياسة التي انتهجها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في مناطق عام 1948، من منع العودة وملاحقة «المتسللين». وكيف يمكن تفسير السماح بعودة الآلاف من الفلسطينيين عقب اتفاق أوسلو، سواء بالنسبة إلى المنتمين إلى منظمة التحرير الفلسطينية، أو من خلال ما يعرف ب «لمّ الشمل» للعائلات الفلسطينية؟ صحيح أنّ فيراشيني نفى تصنيف الأراضي المستعمرة في عام 1967 نموذجًا للاستعمار الاستيطاني

«الناجح»، لكنه لم ينفِ تصنيفها ضمن منظومة الاستعمار. وهذا يقودنا إلى السجال الدائر بشأن توصيف الاستعمار في مناطق عام 1967، أهو استعمار استيطاني أم كلاسيكي استغلالي؟ على هامش هذا السجال، كيف نفسّر سعي إسرائيل لدمج الفلسطينيين مع الاقتصاد الإسرائيلي الذي سعى لجعل الاقتصاد

الفلسطيني تابعًا له. بل إنه استمد جزءًا كبيرًا من قوته من الموارد الاقتصادية المسيطر عليها في مناطق

عام 1967، ومن ثمّ يصعب تخلّيه عنها، وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى المجادلة بأنه منذ عام 1967

جرى توجيه السياسة الإسرائيلية الاقتصادية، بهدف إنشاء كيان سياسي واقتصادي واحد، على الرغم من إنكار الساسة الإسرائيليين ذلك. وهكذا ذهب دافيد لويد نحو المجادلة بأنّه في عام 1967 جرى الانتقال من منطق الإزالة إلى منطق الإدارة، واستغلال الأيدي العاملة الفلسطينية المتدنية الأجر، من دون أن يعني ذلك انتهاء منطق الإزالة والمحو. وهذا يناقض ما ينظّر له وولف من أنّ الاستعمار الاستيطاني يسعى لإيجاد منظومة اقتصادية منفصلة عن السكان الأصليين، وذلك ليسهل استئصالهم في ما بعد.

(83) Ibid., p. 3.

((8(بحسب وثائق ومقاب ت شخصية مع يوسف أبو ميزر (طبيب أسنان وباحث في التاريخ من الخليل) وعبد  الجواد حمايل (رئيس بلدية البيرة في عام 1967) الذي أجريت معه مقابلة شخصية في بيته في البيرة في عام 2017، سمحت سلطات الاحتلال بعودة من يرغب من الفلسطينيين المهجرين من الأردن، طوال شهرين، حتى من دون وثائق ثبوتية، وذلك عن طريق التسجيل

بوساطة الصليب الأحمر، وبالفعل رجع الآلاف ممن هاجروا خوفًا من الاحتلال، لكن العدد الأكبر من المهجرين فضّل المكوث

في الأردن حتى تتضح الرؤية وخوفًا من بطش الاحت لاا. وتظهر وثيقة منشورة على موقع المتحف الفلسطيني رسالة موجهة من رئيس بلدية طولكرم إلى الحاكم العسكري الإسرائيلي، مؤرخة في 1967/8/3، يتذمر فيها من العوائق التي يضعها الاحتلال في وجهة المهجرين العائدين، حيث لم ترجع سوى 50 عائلة من عمان (الأردن). ينظر: «كتاب موجّه من رئيس بلدية طولكرم إلى الحاكم

العسكري في طولكرم»، أرشيف رقمي: المتحف الفلسطيني، شوهد في 2020/11/27، في: https://bit.ly/38RSj7h ينظر (:((8

Jamil Hilal, Class Transformation in the West Bank and Gaza , MERIP Reports, no. 53 (December 1976), pp. 9–15; Leila Farsakh, "The Political Economy of Israeli Occupation: What is Colonial about It?" Electronic Journal of Middle Eastern Studies , no. 8 (Spring 2008), pp. 1–14. (86) Rami G. Khouri, "Israel’s Imperial Economics," Journal of Palestine Studies , vol. 9, no. 2 (Winter 1980), pp. 71–78. (87) Arie Arnon, "Israeli Policy towards the Occupied Palestinian Territories: The Economic Dimension, 1967–2007," Middle East Journal , vol. 61, no. 4 (September 2007), pp. 573–595. (88) David LIoyd, "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1: Past is Present: Settler Colonialism in Palestine (2012), p. 67. (89) Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," p. 396.

خلاصة واستنتاجات

تبرز الإشكالية في محاولة استخدام مفهوم الاستعمار الاستيطاني إطارًا تحليليًا في المناطق المستعمرة

منذ عام 1967 وما بعد ذلك؛ إذ نلمس وجود ثغرات في هذا المفهوم كما ينظر إليه وولف أو فيراشيني، فالتخلّي عن الأرض (الانسحاب من جنوب لبنان وقطاع غزة) واستغلال الفائض، يتناقض مع مفهوم وولف. في المقابل، إهمال فيراشيني الإزالة التدرجية للسكان يثلم مفهومه للاستعمار الاستيطاني. وتعطي هذه الثغرات والتناقضات مؤشرًا على ضرورة النظر إلى الاستعمار الاستيطاني، باعتباره

صيرورة ومفهومًا وليس إطارًا نظريًا تحليليًا بنيويًا، غير قابل للتغيير أو التطوير. ويدفعنا إلى المجادلة

بأنّ هنالك فرقًا بين الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الاستغلالي، قائمًا على النمط الاقتصادي المبني

على استغلال اليد العاملة والأرض في الضفة وقطاع غزة، والتعامل مع السكان الأصليين (دمج أم إزالة). وبالنتيجة، وفي ضوء صعوبة الإزالة الجماعية في الضفة وغزة وترسيخ حالة الفصل في الضفة بين المستوطن والأصلي، فإن من الصعوبة توصيف الحالة الاستعمارية في الضفة وغزة استعمارًا

استغلاليًا أو استعمارًا استيطانيًا، كما يؤطره وولف أو فيراشيني. وربما يكون المخرج باللجوء إلى

مفهوم الاستعمار الاستيطاني كما خطّه تاك ويانغ، بصفته مفهومًا بعيدًا عن ثنائية الاستعمار الاستغلالي

والاستعمار الاستيطاني، إنما مفهوم يحوي في داخله نموذجَي الاستعمار الاستغلالي والاستعمار

الداخلي في علاقة جدلية، حيث نجد حالة من التمفصل بين إدارة السكان واستغلال الموارد من ناحية (يد عاملة وأرض)، والسعي للمحو التدرجي للسكان من ناحية أخرى. بما أنه لا يوجد فصل بين المستعمرة والمتروبول في الحالة الاستعمارية في فلسطين، يمكننا اللجوء إلى نموذج تاك ويانغ للاستعمار الاستيطاني. يُستخدم مفهوم الاستعمار الداخلي (أو التنمية غير المتكافئة)

في سياق الإشارة إلى الآثار غير المتساوية للتنمية الاقتصادية، وذلك نتيجة استغلال مجموعات الأقليات داخل مجتمع أوسع، ويقود ذلك إلى عدم المساواة السياسية والاقتصادية بين المناطق داخل الدولة. وهذا وضع مماثل للعلاقة بين المتروبول والمستعمرة في الحالة الاستعمارية، حيث تُبنى هذه العلاقة على الانفصال بين المتروبول والمستعمرة، مع الأخذ في الحسبان المجازفة أكاديميًا باستخدام

مفهوم الاستعمار الداخلي؛ كونه يوحي بتوجّه نظام ما إلى استخدام ممارسات استعمارية ضد أمته

وشعبه، وليس في سياق ممارسات دولة استعمارية ضد الواقعين تحت سيطرتها من المستعمَرين.

لكن، كما سبق أن أشرنا، واستنادًا إلى تصنيف تاك ويانغ، المقصود من الاستعمار الداخلي السياسة الحيوية «البيوسلطة» للناس والأرض الواقعَين تحت سيطرة الاستعمار الاستيطاني. ومن ثمّ يدفعنا

الواقع المتبلور على الأرض الفلسطينية إلى استخدام مفهوم الاستعمار الاستيطاني، بحسب تعريف تاك ويانغ وليس وولف أو فيراشيني، مع الاستناد إلى مساهمة وولف وفيراشيني الأصيلة في تحليل الحالة الاستعمارية في فلسطين وتوصيفها، وأخذ الثغرات الكامنة في تحليلهما في الحسبان.

(((9 ليست هذه الدراسة الأولى التي تستخدم مفهوم الاستعمار الداخلي لدراسة الحالة الاستعمارية في فلسطين، فقد سبق إلى ذلك إيليا زريق، الذي استند في تحليله للمجتمع الإسرائيلي ووضع الفلسطينيين في داخله إلى وجود نموذجين نظريين للتعامل مع المجتمع الإسرائيلي: نموذج التعددية Pluralism، ونموذج الاستعمار الداخلي. ينظر:

Elia Zureik, The Palestinians in Israel: A Study in Internal Colonialism (London: Routledge & Kegan Paul Ltd., 1979), p. 10.

بُني الاستعمار على أساس استغلال موارد الأرض المستعمَرة (أرض + سكان)، وتميز منه الاستعمار

الاستيطاني بسعي المستعمِر للتخلص من السكان والسيطرة على الأرض بهدف استغلالها. في الحالة الفلسطينية، تتداخل الممارسات الاستعمارية الصهيونية وتتشابك؛ فحينما فشل الاستعمار الصهيوني في ترحيل كامل الشعب الفلسطيني وتهجيره، تكيّف مع الواقع من خلال إنتاج مفهوم للاستعمار

الاستيطاني مختلف في بعض جوانبه عن تجارب الاستعمار الاستيطاني حول العالم. إنه مفهوم مثل المظلة التي تحوي تحتها أشكالً عدة للاستعمار، من استعمار استغلالي إلى استعمار داخلي، يتمفصل أحدهما مع الآخر في علاقة ديالكتيكية، تتدافع فيها القوى الفاعلة من داخل المشروع الاستعماري الصهيوني ومن خارجه، لأجل توجيه هذا المشروع، كل في الاتجاه الذي يخدم مصلحته. هذا المشروع الاستعماري في نهاية المطاف، وعلى الرغم من جميع الممارسات التي توحي باختلافه عن نماذج الاستعمار الاستيطاني التي تهدف إلى محو السكان الأصليين، لا يخفي تطلّعه إلى الوصول إلى هذه المرحلة، لكنه، ولعدم توافر «الظروف الملائمة» لتحقيق ذلك، يعمل على إدارة السكان واستغلال الموارد، متحيّنًا الفرصة المناسبة التي تضمن له تحقيق هدفه النهائي الذي لم ينجح في تنفيذه حتى

اللحظة، المتمثل بالمحو والإزالة للسكان الأصليين، وشرعنة وجوده على الأرض المسلوبة وتطبيعه.

References

المراجع

العربية

الإدريسي، رشيد. «الإصلاح وتبيئة المفاهيم في فكر الجابري». مجلة الآداب. 2016/10/15. في:

https:// bit. ly /2 PWtLlE

أسعد، أحمد. «من وحي الحياة اليومية للعامل الفلسطيني: ملاحظة أولية عن الاغتراب». شؤون فلسطينية. العددان 276–275 (ربيع–صيف.)2019 ألتوسير، لوي. «الفلسفة كسلاح ثوري (مقابلة أجرتها معه ماريا أنطوانييتا ماتزوكي في شباط/ فبراير 1968)». الحوار المتمدن. 2015/11/5. ترجمة فريق العمل. في: g 5 VbNP /2 ly. bit:// https أمارة، أحمد ويارا الهواري. «توظيف الأصلانية في النضال التحرّري الفلسطيني». شبكة السياسات

الفلسطينية. 2019/8/8:. في gQfIKf /3 ly. bit:// https بدر، أشرف. «قانون القومية الإسرائيلي (يهودية الدولة)... الدلالات وردات الفعل». مركز رؤية للتنمية السياسية (إسطنبول.) 2017/2/10:. في 36 Ynz /30 ly. bit:// https بشارة، سهاد. «كيف يمكن لمفهوم ‘المجموعات الأصليّة’ أن يشرذم الفلسطينيين؟». السفير العربي.

2017/5/15:. في Co 4 isG /3 ly. bit:// https روحانا، نديم. «المشروع الوطني الفلسطيني: نحو استعادة الإطار الكولونيالي الاستيطاني». مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 25، العدد 97 (شتاء.)2014

_______. «انتصار الصهيونية أو هزيمتها». مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 28، العدد 110 (ربيع زريق، إيليا. «الصهيونية والاستعمار». عمران. مج 2. العدد 8 (ربيع.)2014 الشيخ، عبد الرحيم. «متلازمة كولومبوس وتنقيب فلسطين: جينيالوجيا سياسات التسمية الإسرائيلية للمشهد الفلسطيني». مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 21، العدد 83 (صيف.)2010 الصايغ، فايز. الاستعمار الصهيوني في فلسطين. مطبوعات أفريقية آسيوية. 22 بيروت: مركز الأبحاث. (منظمة التحرير الفلسطينية)، 1965. عزم، أحمد. «الانفكاك والكورونا ونهج تنموي جديد». شؤون فلسطينية. العددان 279–278 (شتاء 2019–ربيع.)2020 غانم، هنيدة. «السياسة الحيوية للاستعمار الاستيطاني: إنتاج المقدسيين كمارقين». قضايا إسرائيلية. مج 12، العدد 47.)2012/9/30(غانم، هنيدة وعازر دكور (محرران). إسرائيل والأبارتهايد: دراسات مقارنة. رام الله: مدار،.2018 فرسخ، ليلى. العمالة الفلسطينية في إسرائيل ومشروع الدولة الفلسطينية 2000–1967. تحقيق وترجمة سامر برنر. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية؛ رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية– مواطن،.2009 «كتاب موجّه من رئيس بلدية طولكرم إلى الحاكم العسكري في طولكرم». أرشيف رقمي: المتحف

الفلسطيني. في: h 7 RSj /38 ly. bit:// https

الأجنبية

Abu–Lughod, Ibrahim & Baha Abu–Laban. Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance. AAUG monograph series. no. 4. Wilmette, Illinois: The Median University Press International, 1974. Adam, Heribert. Modernizing Racial Domination. Berkeley: University of California Press, 1972. Arnon, Arie. "Israeli Policy towards the Occupied Palestinian Territories: The Economic Dimension, 1967–2007." Middle East Journal. vol. 61, no. 4 (September 2007). Atran, Scott. "The Surrogate Colonization of Palestine, 1917–1939." American Ethnologist. vol. 16, no. 4 (November 1989). Barakat, Rana. "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History." Settler Colonial Studies. vol. 8, no. 3 (March 2017). Dana, Tariq & Ali Jarbawi. "A Century of Settler Colonialism in Palestine: Zionism’s Entangled Project." The Brown Journal of World Affairs. vol. xxiv, no. i (Fall/ Winter

Eckberg, Douglas Lee & Lester Hill Jr. "The Paradigm Concept and Sociology: A Critical Review." American Sociological Review. vol. 44, no. 6 (December 1979).

Elkins, Caroline & Susan Pedersen. Settler Colonialism in the Twentieth Century: Projects, Practices, Legacies. London and New York: Routledge, 2005. Elmessiri, Abdelwahab. The Land of Promise. New Brunswick: North American, Inc., Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. Harmondsworth: Penguin, 1967. Farsakh, Leila. "The Political Economy of Israeli Occupation: What is Colonial about it?" Electronic Journal of Middle Eastern Studies. no. 8 (Spring 2008). Foucault, Michel. The Will to Knowledge: The History of Sexuality. vol. 1. New York: Pantheon Books, 1978. Greenstein, Ran. Genealogies of Conflict: Class, Identity and State in Israel/ Palestine and in South Africa. Hanover, NH: University Press of New England, 1995. Harmon, Joanne. "Research Paradigms and Conceptual Frameworks." University of South Australia. at: https://bit.ly/2XS6DJy Healy, Róisín & Enrico Dal Lago. The Shadow of Colonialism on Europe’s Modern Past. Cambridge Imperial and Post–Colonial Studies Series. New York: Palgrave Macmillan, 2014. Hever, Shir. "Exploitation of Palestinian Labour in Contemporary Zionist Colonialism." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1: Past is Present: Settler Colonialism in Palestine Hilal, Jamil. Class Transformation in the West Bank and Gaza. MERIP Reports. no. 53 (December 1976). Jabbour, George. Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East. Beirut: Palestine Liberations Organization Research Center, 1970. Khouri, Rami G. "Israel’s Imperial Economics." Journal of Palestine Studies. vol. 9, no. 2 (Winter 1980). Kuhn, Thomas. The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: University of Chicago Press, 1962. Lentin, Ronit. Traces of Racial Exception: Racializing Israeli Settler Colonialism. London: Bloomsbury Publishing Plc, 2018. LeVine, Mark. Overthrowing Geography: Jaffa, Tel Aviv, and the Struggle for Palestine, 1880–1949. Berkeley, CA: University of California Press, 2005. LIoyd, David. "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1: Past is Present: Settler Colonialism in Palestine (2012). Mamdani, Mahmood. "When does a Settler Become a Native? Reflections of the Colonial Roots of Citizenship in Equatorial and South Africa." University of Cape Town. 13/5/1998. at: https://bit.ly/2CCUFfk _______. "Settler Colonialism: Then and Now." Critical Inquiry. vol. 41, no. 3 (Spring Merlan, Francesca. "Reply to Patrick Wolfe." Social Analysis. vol. 41, no. 2 (July 1997). Nissim, Hanna. "Why Jewish Giving to Israel is Losing Ground." The Conversation. 15/8/2018. at: https://bit.ly/3czOFSe

Ortner, Sherry. "Theory and Anthropology Since the Sixties." Comparative Studies in Society and History. vol. 26, no. 1 (January 1984). _______. High Religion: A Cultural and Political History of Sherpa Buddhism. Princeton: Princeton University Press, 1989. Rouhana, Nadim N. & Areej Sabbagh–Khoury. "Settler–colonial Citizenship: Conceptualizing the Relationship between Israel and its Palestinian Citizens." Settler Colonial Studies. vol. 5, no. 3 (2014). Rowse, Tim. "Indigenous Heterogeneity." Australian Historical Studies. vol. 45, no. 3 (September 2014). Shalhoub–Kevorkian, Nadera. "The Occupation of The Senses: The Prosthetic and Aesthetic of State Terror." British Journal of Criminology. vol. 56, no. 6 (November

Snelgrove, Corey, Rita Kaur Dhamoon & Jeff Corntassel. "Unsettling settler Colonialism: The Discourse and Politics of Settlers, and Solidarity with Indigenous Nations." Decolonization: Indigeneity, Education & Society. vol. 3, no. 2 (2014). Tuck, Eve & K. Wayne Yang. "Decolonization is not a Metaphor." Decolonization: Indigeneity, Education & Society. vol. 1, no. 1 (2012). Veracini, Lorenzo. Settler Colonialism: A Theoretical Overview. London: Palgrave Macmillan UK, 2010. _______. "The Other Shift: Settler Colonialism, Israel and The Occupation." Journal of Palestine Studies. vol. 42, no. 2 (April 2013). _______. "Settler Colonialism: Career of a Concept." The Journal of Imperial and Commonwealth History. vol. 41, no. 2 (2013). _______. The Settler Colonial Present. New York: Palgrave Macmillan, 2015. _______. "Israel–Palestine Through a Settler–colonial Studies Lens." Interventions: International Journal of Postcolonial Studies. vol. 21, no. 4: Special Issue on Settler Colonialism in Palestine (2019). Wolfe, Patrick. Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnograph Event. (Writing Past Imperialism). London and New York: Cassell, 1999. _______. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (December 2006). _______. "Recuperating Binarism: A Heretical Introduction." Settler Colonial Studies. vol. 3, no. 3–4 (2013). _______. Traces of History: Elementary Structures of Race. London: Verso, 2016. Zreik, Raef. "When does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani)." Constellations. vol. 23, no. 3 (2016). Zureik, Elia. The Palestinians in Israel: A Study in Internal Colonialism. London: Routledge; Kegan Paul Ltd., 1979.