العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار؟

استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار؟

Settler Colonialism or Apartheid: Do We Have to Choose?

عزمي بشارة| Azmi Bishara *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة طبيعة إسرائيل بوصفها دولة نشأت عن مشروع استعمار استيطاني، وتبيّن أن هذه النشأة ليست مسألة تاريخية فقط، بل هي أيضًا مكوّن رئيس في بنية الدولة وطبيعة المواطنة فيها. وتوضح أيضًا أن إسرائيل تختلف عن الدول الأخرى التي نشأت عن استعمار استيطاني في عرقلة تطبيعها وتحوّلها إلى محلانية؛ لأنّ الفلسطينيين، أولًا، تبلوروا قوميًّا قبل نشوئها، ومن ثمّ لم يتحولوا إلى "سكان أصلانيين" يطالبون بتعويضات وحقوق ثقافية كما في تلك الدول، ولأن احتلال عام 1967، ثانيًا، ليس احتلالًا كلاسيكيًا تمارسه "دولة طبيعية"، بل يشكل استمرارًا للاستعمار الاستيطاني نفسه، وثالثًا لأن إسرائيل، التي أنشأت إثنوقراطية بعد طرد غالبية السكان عام 1948 ومنح الأقلية التي تبقت المواطنة الإسرائيلية، تحولت إلى دولة أبارتهايد بعد احتلال عام 1967 وفرض حكمها على الفلسطينيين الذين لم تطرد غالبيتهم في هذه الحالة، كما لم يمنحوا المواطنة، بل أخضعوا لاحتلال مباشر تحول تدريجيًّا بفعل الاستيطان إلى نظام فصل عنصري.

Abstract

Arab Public Intellectual, General Director of the Arab Center for Research and Policy Studies. Email: azmi.beshara@dohainstitute.org

الكلمات المفتاحية:
  • استعمار استيطاني
  • إثنوقراطية
  • أبارتهايد
  • فلسطين
  • جنوب أفريقيا
Keywords:
  • Settler Colonialism
  • Ethnocracy
  • Apartheid
  • Palestine
  • South Africa

عزمي بشارة| Azmi Bishara * (((

ملخص: تتناول هذه الدراسة طبيعة إسرائيل بوصفها دولة نشأت عن مشروع استعمار

استيطاني، وتبيّن أن هذه النشأة ليست مسألة تاريخية فقط، بل هي أيضًا مكوّن رئيس في

بنية الدولة وطبيعة المواطنة فيها. وتوضح أيضًا أن إسرائيل تختلف عن الدول الأخرى التي

نشأت عن استعمار استيطاني في عرقلة تطبيعها وتحوّلها إلى محلانية؛ لأنّ الفلسطينيين، أولً،

تبلوروا قوميًّا قبل نشوئها، ومن ثمّ لم يتحولوا إلى "سكان أصلانيين" يطالبون بتعويضات

وحقوق ثقافية كما في تلك الدول، ولأن احتلال عام 1967، ثانيًا، ليس احت للا كلاسيكيًا

تمارسه "دولة طبيعية"، بل يشكل استمرارًا للاستعمار الاستيطاني نفسه، وثالثًا لأن إسرائيل،

التي أنشأت إثنوقراطية بعد طرد غالبية السكان عام 1948 ومنح الأقلية التي تبقت المواطنة

الإسرائيلية، تحولت إلى دولة أبارتهايد بعد احتلال عام 1967 وفرض حكمها على الفلسطينيين

الذين لم تطرد غالبيتهم في هذه الحالة، كما لم يمنحوا المواطنة، بل أخضعوا لاحتلال مباشر

تحول تدريجيًّا بفعل الاستيطان إلى نظام فصل عنصري.

Abstract: This article examines Israel as a state that emerged out of a settler colonial project, demonstrating that this emergence is not only a historical question, but is also constitutive to the state’s structure and the nature of citizenship in it. The article argues that Israel differs from other settler colonial states in that it failed to normalize or nativize itself, for three main reasons. First, Palestinians had been nationally crystalized before it was established and therefore they were not transformed, like in other settler colonial states, into an "indigenous people" demanding cultural rights. Second, the 1967 occupation is not a classic occupation practiced by a "normal state," but a continuation of the settler colonial project itself. And third, while Israel had established an ethnocracy after expelling the majority of the Palestinian population from its 1948 borders and granted the minority that remained Israeli citizenship, it turned into an apartheid state after the 1967 occupation. In these territories, Palestinians – most of whom were neither expelled, nor granted citizenship – were subjected to direct occupation, which has gradually transformed, due to the settlement project, into an apartheid system.

مقدمة

لم تنكر قيادة الحركة الصهيونية أن مشروعها كان مشروعًا استعماريًا، فكلمة "استعمار" لم

تكن تحمل دلالات سلبية في القرن التاسع عشر. وربما كان لقب "مستعمِر" دليل تمثيل الحضارة، وللدقة، المدنية الغربية في الشرق. لكن التيار العمالي بتياراته المختلفة داخل الحركة الصهيونية، الذي قاد حركة الاستيطان وأسس المستوطنات وقاد حملةً لاحتلال الأرض والعمل، ادعى أنه طليعة حركة وطنية، وليس مشروعًا استعماريًا فقط. لقد حاول الجمع بين الأمرين، كما أضاف إليهما البعد الطبقي العمالي في خضم الصراع على قيادة المشروع الصهيوني. من جهة أخرى، رأى الفلسطينيون في الصهيونية مشروعًا استعماريًا مرتبطًا بدول استعمارية وفي أنفسهم ضحايا الاستعمار. وفي عصر التحرّر من الاستعمار حين أصبح "الاستعمار" مصطلحًا سلبيًا، حاول باحثون، كالفلسطيني

فايز صايغ (1965) والفرنسي مكسيم رودنسون (1967)، أن يثبتوا، باعتمادهم لغة العلوم الاجتماعية ما بعد الاستعمارية، أن إسرائيل كانت دولة استعمارية استيطانية، وذلك قبل احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967. لقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية، والمثقفون الفلسطينيون والعرب الذين دعموا نضالها، مطّلعين على مفهوم الاستعمار الاستيطاني منذ ستينيات القرن العشرين، واستخدموه لربط فلسطين استراتيجيًا بسياقات وحركات تحرّر أخرى في العالم مثل حالتَي الجزائر

وجنوب أفريقيا، وكذلك في عرض سرديّتها على الجمهور العالمي المناهض للاستعمار. عدّد صايغ سمات الاستعمار الاستيطاني التي تنطبق على المشروع الصهيوني، لكنه استخدم أيضًا مصطلح نظام الفصل العنصري Apartheid لوصف منظومة العلاقات الإسرائيلية بالفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل بعد عام 1948 وأصبحوا يحملون الجنسية الإسرائيلية. في ذلك الوقت، استحدثت إسرائيل نظامَين قانونيين؛ نظام مدني للمواطنين اليهود ونظام عسكري خضع له العرب الفلسطينيون

الذين بقوا تحت سلطتها، وألغي رسميًا في عامُ 1966، قبل عام واحد فقط من احتلال الضفة الغربية

(((هذه الدراسة هي ترجمة عن الإنكليزية لفصل من كتاب للمؤلف سوف يصدر قريبًا.

This Study is a Translation of a Chapter from the Author's Forthcoming Book.

(((يُنظر: فايز صايغ، الاستعمار الصهيوني في فلسطين، ترجمة وتحقيق عبد الوهاب الكيالي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات

والنشر، 1965)؛ وكذلك: (New York: Monad Press, 1973) Israel: A Colonial Settler–State? Maxime Rodinson,.

(((ينظر على سبيل المثال:

Fawwaz Tarabulsi, "The Palestine Problem: Zionism and Imperialism in the Middle East," New Left Review , vol. 1, no. 57 (September–October 1969); George Jabbour, Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East (Beirut: Palestine Liberation Organization Research Center, 1970); Ibrahim Abu–Lughod & Baha Abu–Laban (eds.), Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance (Wilmette: Medina University Press International, 1974); Elia Zureik, Palestinians in Israel: A Study of Internal Colonialism (London: Routledge; Boston: K. Paul, 1979); Omar Jabary Salamanca et al., "Past is Present: Settler Colonialism in Palestine," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), p. 8.

(((صايغ، ص.28–27

وقطاع غزة حين فرض نظام حكم عسكريٍّ مجددًا على جزء آخر من الشعب الفلسطيني. ويكمن الاختلاف الرئيس بين الحالتين في أن العرب داخل إسرائيل (وكان عددهم نحو 150,000 نسمة في عام 1949) حصلوا على الجنسية الإسرائيلية واكتسبوا حقوقًا مدنية وسياسية رسمية، وعاشوا في ظل إثنوقراطية أنشأها مشروع استعماري استيطاني، بينما لم يحصل فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة على الجنسية الإسرائيلية (ما عدا حالات قليلة في القدس الشرقية)، وعاشوا منذ عام 1967 في ظل حكم عسكري مباشر بلا حقوق مدنية أو سياسية. واستمر الاحتلال العسكري المباشر حتى أقرّت اتفاقية السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية إقامة سلطة الحكم الذاتي للسلطة الفلسطينية (أو البانتوستانات، بمصطلحات جنوب أفريقيا). لا يجوز التقليل من أهمية هذا الاختلاف الذي أنتج واقعًا مختلفًا واستراتيجيات عمل مختلفة، وحتى ثقافة مختلفة أحيانًا. بهذا يكون الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي قد أنشأ أولً نظامًا إثنوقراطيًا بعد التهجير الجمْعي للفلسطينيين في عام 1948؛ فمن دون تشريد الأغلبية، ما كان العرب في الداخل ليصبحوا أقلية. وأعقبه نظام احتلال عسكري في عام 1967، تحوّل لاحقًا إلى نظام شبيه بنظام الفصل العنصري، وكلاهما نتاج مشروع استعماري استيطاني. سوف نبين أنه يصح إطلاق وصف أبارتهايد على نظام الحكم الإسرائيلي القائم في فلسطين، والذي هو نتاج استعمار استيطاني، وأن هذه الحقيقة هي من عناصر عدم تمكنه من تطبيع ذاته خلافًا لمشاريع استعمار استيطاني أنتجت دولً أخرى، وأن الفلسطينيين لم "يصبحوا" سكانًا أصليين بالمعنى المعروف في دول مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة. كما سوف نبين أن وصف الاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد لا يترتب عليه بالضرورة "حلول سياسية" محددة.

أولا: عودة إطار الاستعمار الاستيطاني النظريّ إلى مجال الدراسات الفلسطينية

مما يلفت النظر أنّ جيلً جديدًا من الباحثين الفلسطينيين يعيد اليوم توظيف الإطار النظريّ للاستعمار

الاستيطاني؛ ليس في كتب ومنشورات منظمة التحرير الفلسطينية واليسار الراديكالي الأوروبي، وإنما في المجلات الأكاديمية المحكّمة، ومن الصعب معرفة إذا كانت حقيقة أن هذا النشر قد أصبح طبيعيًا

ومشروعًا تمامًا تعبّر عن تحرّر متنامٍ للحياة الأكاديمية الغربية، أو هي دلالة على ثقة استعلائية بالنفس

لا "تتضرّر" من الكشف عن النزعة الاستعمارية في المجلات الأكاديمية، أو هي كلاهما. على كل

حال، إذا نظرنا إلى هذا الجهد من منظور الصراع ضد هيمنة الخطاب الصهيوني على حقل دراسات "الصراع العربي – الإسرائيلي" و"دراسات الشرق الأوسط" عمومًا في الجامعات الغربية، ولا سيما

الأميركية، فإنه يُعدُّ إنجازًا من دون شك.

(((خلافًا لملاحظات صايغ، المرجع نفسه، ص 8 2، لم تنشأ بانتوستانات قط في حالة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بعد عام

يشير باحثون مشاركون، في الموجة الأحدث من الأدبيات الأكاديمية التي تتناول هذه المسألة، إلى أعمال باتريك وولف ولورينزو فيراسيني؛ إذ يرى وولف أن المفهوم "يقوم على فرضية تأمين الأرض؛ أي الحصول على الأرض والحفاظ عليها". وهو يشكّل الدافع وراء استئصال السكان الأصلانيين. إن مبدأ تحديد مناطق النفوذ Territoriality هو عنصر خاص بالاستعمار الاستيطاني وغير قابل للاختزال. فطرد السكان الأصلانيين يوفّر الأساس لمواصلة المشروع الاستعماري الاستيطاني، ولذلك ترتبط الإبادة ارتباطًا وثيقًا بالتوسّع والسيطرة على الأرض. وهو "بنية وليس حدثًا". وتنخرط الدولة الاستعمارية الاستيطانية في "مشروع شامل يتمحور حول الأرض، وينسّق بين مجموعة متكاملة من الهيئات؛ بدءًا من المركز المتروبولي، وصولً إلى التخوم، بهدف محو مجتمعات السكان الأصلانيين". ولا يسع المرء إلا أن يتفق مع هذا التوصيف التحليلي. ومن المرجح أن هذا ما دار في خلد الباحثين الأكاديميين المذكورين، في مقدمة هذه الدراسة، الذين وصفوا المشروع الصهيوني بأنه استعمار استيطاني، قبل أن يكتب وولف ذلك. أما فيراسيني، فقد شرح الفرق الرئيس بين الاستعمار الكلاسيكي والاستعمار الاستيطاني من خلال الاختلاف بين عبارتين موجهتين إلى السكان الأصلانيين: "اعملْ من أجلي" (الاستعمار الكلاسيكي)، و"اذهبْ من هنا" (الاستعمار الاستيطاني). فالعبارة الأولى نابعة من "منطق الاستغلال"، في حين أن الثانية منبثقة من "منطق الإلغاء" الذي يسعى إلى طرد السكان الأصلانيين والحلول محلهم. وهذا توصيف دقيق. وكان هذا واضحًا تمامًا للفلسطينيين قبل فترة طويلة من تاريخ نشر مقال فيراسيني، حينما وصفوا الاستعمار الصهيوني بأنه استعمار استيطاني "استبدالي" أو "إحلالي"؛ وإلا فما معنى إحلالي؟ لقد جاهر الناشطون الصهاينة في الهجرة الثانية (بالعبرية: "هعليا هشنياه" 1914–1904) بتهويد الأرض والعمل، ولم يتردّدوا في استخدام التعبيرات العبرية: احتلال الأرض "كيبوش ها أدما" واحتلال العمل "كيبوش ها عافودا"، كما استخدموا عبارة دينية هي "جئولات هأداماه"، ومعناها تخليص الأرض أو التسبب بخلاصها Redemption.

(6)  Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), p. 402. (7)  Ibid., p. 388. (8)  Ibid., p. 390.

قد يُشار إلى تحفّظ واحد على الأقل في هذا التوصيف المختزل، وهو أنه يستثني الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر

وما شابهه.

(9)  Ibid., p. 393. (10)  Lorenzo Veracini, "Introducing: Settler Colonial Studies," Settler Colonial Studies, vol. 1, no. 1 (2011), pp. 1–12

((1(حول استخدام الدين والخطاب الديني اليهودي في المشروع الاستعماري الاستيطاني يُنظر مقال الباحث الفلسطيني نديم

روحانا:

Nadim N. Rouhana, "Religious Claims and Nationalism in Zionism: Obscuring Settler Colonialism," in: Nadim N. Rouhana & Nadera Shalhoub–Kevorkian (eds.), When Politics Are Sacralized: Comparative Perspectives on Religious Claims and Nationalism (Cambridge: Cambridge University Press, 2021), pp. 54–87.

ويقول فيراسيني، إضافة إلى ذلك، "في الوقت الذي لا ينجح المجتمع الاستعماري إلا إذا أبقى على الفصل بين المستعمِر والمستعمَر، لا ينجح المشروع الاستعماري الاستيطاني تمامًا إلا عندما يلغي

نفسه – أي عندما يتوقف عن تعريف المستوطنين بأنهم مستوطنون، ويصبحون 'مواطنين محلانيين'؛ فيصبح وضعهم طبيعيًا. وليحقّق المشروع الاستيطاني النجاح، لا بدّ له من أن يعتق نفسه من الإشراف

والرقابة الخارجيين، وينشئ أشكالً سيادية محلانية على الصعيدين السياسي والثقافي، ويضع حدًّا للحكم الذاتي الحقيقي للسكان الأصلانيين، ويحوّل ما كان مشهدًا دخيلً تمامًا إلى مشهد مألوف. بعبارة

أخرى، عندما ينجح المشروع الاستعماري الاستيطاني فإنه يكف عن كونه استعماريًا استيطانيًا". لقد ميّز فيراسيني بين نجاح الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بين عامي 1948 و 1967، وفشله بعد

عام 1967. فمن وجهة نظره، نجحت إسرائيل بوصفها دولة استعمارية استيطانية في عام 1948، لكنها لم تحقق إلا احت للا جزئيًا لم يكتمل بعد عام 1967: "لقد حقق الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي/ الصهيوني

نجاحًا ملحوظًا قبل عام 1967، لكنه لم يُكلَّل عمومًا بالنجاح بعد ذلك. وفي الواقع، إذا كان الاستعمار

الاستيطاني يتمحور حول تكريس مشروعية مطالبته بمواقع جغرافية محدّدة، فإن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة لم يحقّق في النهاية سوى القليل في هذا المجال بعد أكثر من أربعين عامًا من حكم

مطلق". وقد يصح القول إن إسرائيل نجحت في "إنشاء أشكال سيادية محلية على الصعيدين السياسي والثقافي، ووضعت حدًّا للحكم الذاتي الحقيقي للسكان الأصلانيين، وحوّلت ما كان مشهدًا دخيلً تمامًا

إلى مشهد مألوف"، فقد نجحت في بناء أمة وثقافة التسبار Sabra العبرية الإسرائيلية وتأسيس اقتصاد متطوّر، لكنّ الفلسطينيين لم يتحوّلوا إلى بقايا سكان أصلانيين (وللتذكير، يشكّل السكان الأصلانيون

واحدًا في المئة من سكان الولايات المتحدة الأميركية). فخلافًا للسكان الأصلانيين في أميركا وأستراليا، كان الفلسطينيون عندما قامت إسرائيل قد طوروا شخصية وطنية ومطالب ذات طابع قومي. وقد حافظوا على شخصيتهم وتطلعاتهم الوطنية، لا بل طوّروها. كما أن إسرائيل عجزت عن تبيئة نفسها في المنطقة،

أو كما يقال إضفاء الطابع المحلّني Nativise على نفسها. إضافة إلى ذلك، تبنّت إسرائيل نهج دولة استعمارية استيطانية تجاه الفلسطينيين الذين أصبحوا مواطنين فيها، إذ ظهر طابعها هذا حتى في تعاملها مع من أصبحوا مواطنين فيها. فبموجب قانون المواطنة الإسرائيلي (1952)، يحصل السكان اليهود بمن فيهم الذين ولدوا في إسرائيل على الجنسية بحكم كونهم يهودًا استنادًا إلى قانون العودة (1950)، الذي يمنح الجنسية الإسرائيلية لكل يهودي في العالم إذا قرّر الهجرة إلى إسرائيل. وليس قانون العودة مجرّد قانون عادي، بل هو قانون تأسيسي

للدولة، وفق دافيد بن غوريون، الذي قدّم مسودته إلى الكنيست. وأضاف بن غوريون أن يهودية الدولة لا تنبع من أن أغلبية سكانها من اليهود، بل من كونها دولة لليهود أينما وجدوا. وهذا تمييز مهم.

(12)  Lorenzo Veracini, "The Other Shift: Settler Colonialism, Israel and The Occupation," Journal of Palestine Studies , vol. 42, no. 2 (April 2013), p. 28.

(13)  Ibid.

(14)  David Ben–Gurion, "Speech in the Knesset Session for Discussing the Law of Return," The Protocols of the Knesset , vol. 7 (1950), pp. 2035–2037.

يُنظر أيضًا: عزمي بشارة، من يهودية الدولة حتى شارون (القاهرة: دار الشروق، 0052)، ص.38

وفي المقابل، منحت الجنسية للمواطنين العرب في إسرائيل وفقًا لتقدير الدولة اليهودية. وبموجب قانون بن غوريون، تُمنح الجنسية لغير اليهود الذين بقوا حيث هم وعاشوا في ظل السيادة الإسرائيلية من دون انقطاع في الفترة بين أيار/ مايو 1948 حتى تاريخ سن قانون المواطنة (إشارة إلى نحو 150,000 فلسطيني بقوا في إسرائيل). ويعني ذلك: أولً، إن منح الجنسية لليهود نابع من "الطبيعة الجوهرية" للدولة، التي تعرّف نفسها بأنها

دولة لكل يهودي في هذا العالم بغض النظر عن مكان ولادته أو إقامته، في حين أن عملية منح الجنسية للعرب تخضع لاعتبارات مختلفة وعرَضية، أي إنها ليست نابعة من طبيعة الدولة. ثانيًا، إنّ الفلسطينيين

الذين غادروا خلال الحرب، ولو لفترة وجيزة، وعادوا إلى ديارهم (متسلّلين) في أي وقت بعد أيار/ مايو 1948، أو لم يكونوا موجودين عند إجراء التعداد السكاني، اعتُبروا غائبين على الرغم من وجودهم. وحُرم

هؤلاء "الغائبون الحاضرون" من الجنسية، وكان للدولة "الحق" في مصادرة أراضيهم. ولا تتوقف المسألة هنا على تمييز سلبي من قبيل تمييز الأكثرية ضد الأقليات، وهو الأمر الذي عرفته دول ديمقراطية عديدة، بل تتجاوز ذلك إلى تمييز نوعي بين فئتين من المواطنة؛ أعلى وأدنى، بما يشكّل امتدادًا للمشروع الاستعماري الاستيطاني، وإدراجه ضمن البنية القانونية للدولة. وقد حُجب

هذا الجوهر الاستعماري بغطاء الحقوق الفردية المدنية والسياسية للمواطنين العرب (حق التصويت)، لكنه انكشف في الثقافة السياسية المعادية للعرب والمواقف العنصرية تجاههم والتمييز اليومي في تقديم الخدمات لهم (الذي يستحوذ على أغلبية العمل التشريعي لأعضاء الكنيست العرب). ويتضّح هذا التمييز جليًّا في طريقة تعامل الدولة مع الاحتجاجات السياسية التي تعبّر عن الهوية الفلسطينية

للمواطنين العرب، وفي سياسات مصادرة الأراضي. وفي كلتا الحالتين، تتعامل إسرائيل مع مواطنيها العرب بوصفهم خصومًا، إن لم يكن بوصفهم أعداءً. لا أتحدث هنا عن حالات استثنائية مروّعة، مثل مجزرة المواطنين العرب في قرية كفر قاسم (1956) التي تشبه مجازر حرب 1948، ولكن عن التمييز البنيوي الروتيني القائم في تعامل مؤسسات الدولة مع العرب والكامن في الثقافة السياسية المهيمنة على هذه المؤسسات وعلى الجمهور؛ فهي تنطلق من أن العرب هم في أفضل الحالات ضيوف مُتسامَحٌ معهم في دولة اليهود، وغير مرغوب فيهم في الحالة

العادية، وهو ما يتجلى على نحو صارخ، من حين إلى آخر، في استخدام الذخيرة الحيّة ضد مظاهرات

المواطنين العرب، مع أنها لا تستخدم البتّة في قمع احتجاجات متظاهرين يهود حتى لو كانت عنيفة.

((1(كان قاضي المحكمة العليا دوف ليفين حاسمًا في هذه المسألة: "جوهر الدولة هو أنها دولة يهودية، نظام الحكم فيها هو نظام

ديمقراطي". يُنظر: دوف ليفين، في: "يهورام بن شالوم وآخرون ضد لجنة الانتخابات المركزية والقائمة التقدمية للسلام"، قرارات

المحكمة العليا، مج  43، العدد 4 (1989)، ص 312 (بالعبرية)؛ يُنظر أيضًا: بشارة، ص 36،.82 ((1(بشأن هذه الحقيقة وتداعياتها، يُنظر:

Azmi Bishara, "Zionism and Equal Citizenship: Essential and Incidental Citizenship in the Jewish State," in: Nadim Rouhana (ed.), Israel and its Palestinian Citizens: Ethnic Privileges in the Jewish State (New York: Cambridge University Press, 2017), pp. 137–155.

((1(يُعَدّ هؤلاء متسلّلين، بحسب قانون منع التسلّل.

وفي ما عدا مصادرة أراضي اللاجئين الفلسطينيين ونهب أملاكهم، تنقل عملية مصادرة الأراضي بقوة القانون الإسرائيلي جزءًا كبيرًا من أملاك المواطنين العرب الذي حصلوا على الجنسية الإسرائيلية إلى

الدولة. وتبدأ هذه العملية المتعمّدة بحجج مختلفة تدّعي خدمة الصالح العام، لكنها تنتهي إلى تخصيص

هذه الأراضي المصادرة لبناء مستوطنات يهودية في ظل هدف معلن هو تحقيق أغلبية يهودية في جميع المناطق، لأن الدولة ترى أن وجود أكثرية عربية في أي منطقة يشكّل تهديدًا ديموغرافيًا وأمنيًا. وتُعرف

سياسة التهويد هذه بمصطلح "معقَّم" لا تشوبه شائبة، ألا وهو "التطوير". وقد كانت مصادرة أراضي العرب في الجليل والنقب والمثلث الدافع الأساسي للإعلان عن يوم الأرض (30 آذار/ مارس 1976)، حينما قرّر المواطنون العرب القيام بإضراب عامّ اندلعت خلاله موجة احتجاجات غير مسبوقة. ومنذ منتصف تسعينيات القرن العشرين أقرت سلسلة قوانين تؤكد على يهودية الدولة، وذلك ردًّا على المحاولات الفلسطينية للتصدّي لسياسات إسرائيل العنصرية للاستيلاء على الأراضي في إطار استراتيجية تأخذ المواطنة على محمل الجد وتحيلها إلى نتائجها المنطقية، من خلال المطالبة بأن تصبح إسرائيل "دولة لجميع مواطنيها" على قدم المساواة. وهو ما يتعارض تمامًا مع الصهيونية وما يسمى بجوهر دولة إسرائيل الحديثة. كما يمكن اعتبار سلسلة القوانين هذه ردّ فعل على عملية لبرلة مرت بها إسرائيل منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي لناحية الحقوق الفردية وتوجت بتشريعات أساسية، ووصلت إلى المحكمة العليا، وخشية صهيونية أصولية أن تهدد هذه العملية يهودية الدولة، أو أن يستغلها المواطنون العرب لطرح أسئلة بشأنها. هذا مع أن اللبرلة، بما في ذلك المرحلة الليبرالية في المحكمة العليا، جرت تحت سقف الصهيونية ولم تتعدَّه. لقد بلغت موجة التشريعات القومية ذروتها في عام 0182، مع إصدار قانون أساس جديد (قانون دستوري) تحت عنوان "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي". كان أحد الأهداف المعلنة للمشرّعين هو التحايل على الطعون القانونية المقدّمة من المواطنين العرب

الذين يعترضون على التمييز بالإحالة إلى الحقوق الليبرالية التي اعتمدتها المحكمة العليا، والتي تتبنى

((1(في أثناء الحكم العسكري بين عامي 1948 و 1966، استُحدثت بنى قانونية لتنظيم استيلاء الدولة على أراضي العرب ومأسسة

نزع ملكية السكان الأصلانيين. وفي الواقع، أتاح هذا الإطار القانوني لنظام التخطيط الإسرائيلي مصادرة الأراضي الفلسطينية على

نطاق واسع والسيطرة عليها وفقًا لأجندة الدولة الاستيطانية الإثنوقراطية. وفي عام 1965، أنيط بقانون التخطيط والبناء مسؤولية تنظيم الجوانب القانونية للتخطيط والتنمية وضبطها. وقد ضمن هذا القانون، وجود تسلسل هرمي تتفرّد فيه الحكومة المركزية بإجازة

الخطط الوطنية، إذ تخضع خطط المناطق الإدارية لموافقة المجلس الوطني للتخطيط والبناء، قبل أن تضع المؤسسات المحلية

خططًا تفصيلية لتنفيذها. يُنظر دراسة يوسف جبارين للمخططات الإسرائيلية على الصعيد الوطني وفي المناطق الإدارية:

Yosef Jabareen, "Controlling Land and Demography in Israel: The Obsession with Territorial and Geographical Dominance," in: Rouhana (ed.), pp. 238–265;

وبشأن هذه المسألة، يُنظر:

Hussein Abu Hussein & Fiona McKay, Access Denied: Palestinian Land Rights in Israel (London/ New York: Zed Books, 2003), pp. 66–143; Mazen Masri, "Colonial Imprints: Settler–Colonialism as a Fundamental Feature of Israeli Constitutional Law," International Journal of Law in Context , vol. 13, no. 3 (2017), pp. 388–407.

((1(يُنظر دراسة نمر سلطاني في تفصيل التمييز القانوني ضد العرب بما في ذلك في نهج المحكمة الإسرائيلية العليا:

Nimer Sultani, "The Legal Structures of Subordination," in: Rouhana (ed.). (20)  "Full Text of Basic Law: Israel as the Nation State of the Jewish People," The Knesset, 19/7/2018, accessed on 21/9/2021, at: https://bit.ly/3w1kkF8

أيضًا تعريف إسرائيل بوصفها دولة يهودية ودولة لليهود. كان هذ المسار التشريعي موجّهًا إلى عرقلة

عملية توسيع نطاق الحقوق الليبرالية والمساواة المدنية، وتقييد حدود التفسير أمام المحكمة العليا، ولا سيما بعد صدور القانون الأساس "كرامة الإنسان وحريته" لعام.1992 يكمن أحد الأمثلة الدالّة على هذه القيود في إرساء عملية إقامة "المستوطنات اليهودية" بوصفها قيمة أساسية للدولة في قانون "الدولة القومية". وبناءً عليه، فإن الدولة ليست يهودية في مظهرها ورموزها

وأعيادها وطبيعتها الأساسية فحسب، بل إن لذلك إسقاطات عملية غير حق العودة و"جمع الشتات"، بل إن من واجبها أيضًا بناء المستوطنات وتطويرها داخل الدولة (دولة من دون حدود مرسومة)، التي هي أيضًا دولة يهودية حصرًا. وينص البند السابع من القانون على ما يلي: "تعتبر الدولة تطوير

الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وتعمل لأجل تشجيعه ودعم إقامته وترسيخه". لقد كتبت سابقًا: "يبدو للوهلة الأولى، أنه لا جديد في هذا القانون، ففعلً كل ما قامت به الصهيونية حتى الآن عبر مؤسساتها، كالصندوق القومي اليهودي، والوكالة اليهودية، والدولة نفسها، هو الاستيطان في أنحاء فلسطين كافة منذ ما قبل عام 1948. بيد أنه لم يوضع هذا في قانون أساس، بل في قوانين مصادرة الأرض؛ أي إن الاستيطان لم يعلن بوصفه قيمة عليا محصنة دستوريًا [...]. فمثلً، كان الاستيطان يقوم

غالبًا على 'الأراضي الميري'، أو الأراضي الأميرية (أو التي عدّتها الدولة ميرية بعد أن اعتبرت نفسها

وارثة الدول الحاكمة السابقة)، أو على شراء الأرض (ولو بالاحتيال)، أو مصادرتها لغرض ما يسمى 'الصالح العام' (مناطق عسكرية مغلقة، شوارع، مرافق... إلخ)، من ثم تحويل استخدامها لأغراض الاستيطان بعد فترة. أما في هذا القانون، فقد أصبح الاستيطان، بحكم تعريفه، هو الصالح العام؛ ومن ثم يمكن مصادرة الأراضي لهذا الغرض مباشرة [...]. ولا يخطر ببال المشرّع فكرة تطوير التجمعات

السكانية العربية من قرى ومدن وتعزيزها وتوسيعها في القانون ذاته". وكان من المُفترض أن يشكّل التشريع ردًّا على الطلبات التي تقدّم بها المواطنون العرب للإقامة في

مستوطنات يهودية أقيمت على أراضي قراهم. وقد رُفضت هذه الطلبات دائمًا. واستأنف أحد هؤلاء

المواطنين طلبه أمام المحكمة العليا، بحجة أنّ رفض طلبه لا يمكن فهمه إلا بوصفه تمييزًا صارخًا غير

مبرر حتى في ظل يهودية الدولة. وعلى أي حال، وجدت هذه المستوطنات اليهودية طرقًا شتى لمنع العرب من الإقامة فيها عبر قرارات لجانها المحلية. ولكن بعد سَن قانون الدولة القومية للشعب

اليهودي، أصبح من حقهم الحفاظ على الطابع اليهودي للمستوطنة والدفاع عن هذا الحق في ممارسة التمييز أمام المحكمة العليا. وكانت شيرا روبنسون ومازن مصري محقَّين إذ أوصيا بعدم التعامل مع

2(((عزمي بشارة، "قانون القومية: كم مرة سوف يعلنون قيام إسرائيل؟"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (تموز/ يوليو 0182)، ص.10–1

(22)  Masri, p. 397;

يُنظر أيضًا:

Hassan Jabareen, "The Future of Arab Citizenship in Israel: Zionist Time in a Place with no Palestinian Memory," in: Daniel Levy & Yfaat Weiss (eds.), Challenging Ethnic Citizenship: German and Israeli Perspectives on Immigration (New York/ Oxford: Berghagen Books, 2002), p. 197.

سياسات الدولة تجاه المواطنين العرب (حتى في التشريع) بوصفها قضية تمييز ضد أقلية، بل بوصفها مدرجة في سياق استعماري استيطاني. وسبق أن درس عالم الاجتماع الفلسطيني الكندي إيليا زريق واقع العرب الفلسطينيين في إسرائيل وتعامل الدولة اليهودية معهم بوصفه استعمارًا داخليًّا. من منظور داخلي، لم تصبح إسرائيل "طبيعية" داخل حدود عام 1967، أو لم تتبيَّأ في فلسطين. وعلى

كل حال، فإن محلانيتها داخل هذه الحدود، التي يدّعيها بعض باحثي الاستعمار الاستيطاني، هي عبارة عن جهود مكثفة لخلق ثقافة "التسبار" العبرية المنتمية إلى المكان؛ من خلال نفي دائم لثقافة يهوديّ المنفى وشخصيته الأقلياتية (على حد زعم الصهيونية)، ومن خلال نفي السكان الأصلانيين

في عملية مصادرة مزدوجة: اقتلاع ومصادرة من جهة، وتملّك بعضٍ من عناصر الثقافة المحلية من جهة أخرى. على أي حال، كان قد مضى على انطلاق العملية الكاملة للتطبيع المفترض لدولة الاستيطان (إضفاء الطابع المحلاني عليها Nativisation) تسعة عشر عامًا فقط عندما احتلت إسرائيل بقية فلسطين في عام 1967؛ وهو احتلال ذو طابع استيطاني مستمر حتى يومنا هذا، وفي كل فترة تعلن إسرائيل عن خطة لتعزيز مستوطنات قائمة وإقامة مستوطنات جديدة، بما في ذلك البنى التحتية التي تربطها ببعض وبالمراكز المدينية الإسرائيلية. فما هو الأكثر إسرائيلية، أو الأكثر تعريفًا بدولة إسرائيل، تلك الأعوام التسعة عشر، أم الأربعة والأربعون عامًا التي انقضت منذ احتلال عام 1967؟ أم أن العقود السبعة منذ النكبة تشكل تاريخًا ممتدًّا للاستعمار الاستيطاني؟ إن تطبيع دولة إسرائيل ما قبل 1967، أو إضفاء الطابع المحلاني عليها، يُعدّ أمرًا ضروريًا من منظور

بعض مؤيدي حل الدولتين، الذين يتخيلون إسرائيل في حدود عام 1967 دولة عادية عليها التخلص من استعمار تقليدي تمارسه في الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967. ووفقًا لأنموذج إضفاء الطابع المحلّني Nativization، باتت إسرائيل دولة استعمارية في الضفة الغربية وقطاع غزة فحسب. بيد أنها في الحقيقة لم تصبح دولة استعمارية كلاسيكية، ولا يزال هوسها الشديد في التوسع وبناء المستوطنات يحرّك ويميز نمطها الاستعماري، وهو هوس يستحوذ تمامًا على سياسات الاحتلال

الإسرائيلي في الضفة الغربية. وتلفت عمليات الاستيطان المتواصلة بلا هوادة في الضفة الغربية الانتباه مجددًا إلى البنية الاستعمارية الاستيطانية للدولة ذاتها؛ فالمشروع الاستعماري الاستيطاني في الضفة الغربية هو امتداد لعملية بدأت قبل عام 1967 بوقت طويل. لقد كان توصيف إسرائيل بالدولة الاستعمارية الاستيطانية يندرج دومًا ضمن الخلفية الفكرية للنضال

ضد الاستعمار، وقد عاد براديغمًا مؤثرًا في مجال الدراسات الفلسطينية المزدهر مؤخرًا. ويتجلّى

الاهتمام المتنامي بهذا البراديغم في المجلات الأكاديمية (الأعداد الخاصة والمقالات)، والكتب، ومختلف المؤتمرات الأكاديمية. إن النطاق الواسع التي تتطرّق إليه مروحة المساهمات هذه، لافت

(23)  Shira Robinson, Citizen Strangers: Palestinians and the Birth of Israeli Liberal Settler State (Stanford: Stanford University Press, 2013).

وينظر خاصةً خلاصاتها في الصفحات.194–198

(24)  Zureik.

للنظر؛ إذ إنها تغطّي مواضيع متنوّعة، مثل مقاومة السكان الأصلانيين وحقوقهم، وإنهاء الاستعمار، والقضايا البيئية، وحركات التضامن الدولية والعابرة للحدود الوطنية، والاستعمار الاستيطاني والنيوليبرالية، والاستعمار الاستيطاني والقانون، والرقابة، والحركات النسوية وغيرها. صحيح أن الأكاديميين طبّقوا هذا البراديغم على نطاق واسع، إلا أنه تلقّى قدرًا كبيرًا من النقد أيضًا، وقد ردّ عليه فيراسيني بالتفصيل، وانتقده أيضًا بعض الفلسطينيين. غني عن القول إن الأكاديميين الإسرائيليين رفضوا هذا التصوّر المفاهيمي لإسرائيل؛ إذ يرى الخطاب الأكاديمي السائد أن أي انتقاد للطابع الاستعماري لإسرائيل "يرقى إلى درجة 'الخيانة وكراهية الذات"'، ويظل وفيًّا لإيمانه بأن الصهيونية هي على الأقل حركة وطنية مستنيرة، إن لم تكن حركة

(2((ينظر على سبيل المثال:

"Settler Colonial Studies and Israel–Palestine," Settler Colonial Studies , vol. 5, no. 3 (2015); Yara Hawari, Sharri Plonski & Elian Weizman, "Settlers and Citizens: A Critical View of Israeli Society," Settler Colonial Studies , vol. 9, no. 1 (2019); Martin Kemp (ed.), "Special Issue: Settler Colonialism: The Palestinian/Israeli Case," International Journal of Applied Psychoanalytic Studies, vol. 17, no. 2 (June 2020); "Special Issue: Israeli Settler–Colonialism and the Palestinian Naqab Bedouin," Journal of Holy Land and Palestine Studies, vol. 15, no. 1 (May 2016); "Special Issue: Settler– Colonialism and Indigenous Rights in Al–Quds/Jerusalem," Journal of Holy Land and Palestine Studies , vol. 17, no. 1 (May 2018); Irus Braverman, "Environmental Justice, Settler Colonialism, and More–than–Humans in the Occupied West Bank," Environment and Planning E: Nature and Space,  vol. 4, no. 1 (2021); Alyosha Goldstein & Alex Lubin (eds.), "Special Issue: Settler Colonialism: United States, South Africa, Eritrea, and Palestine/Israel," South Atlantic Quarterly , vol. 107, no. 4 (2008);

يُنظر أيضًا:

Linda Tabar & Chandni Desai, "Decolonization is a Global Project: From Palestine to the Americas," Decolonization: Indigeneity, Education & Society , vol. 6, no. 1 (2017), pp. 1–19; Nadera Shalhoub–Kevorkian, "Introduction: Settler Colonialism, the Politics of Fear and Security Theology," in: Nadera Shalhoub–Kevorkian, Security Theology, Surveillance and the Politics of Fear , Cambridge Studies in Law and Society (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), pp. 1–20; Nadera Shalhoub–Kevorkian, "Settler Colonialism, Surveillance, and Fear," in: Rouhana (ed.), pp. 336– 366; Ahmad Sa’di, "Israel’s Settler–colonialism as a Global Security Paradigm," Race & Class , vol 63, no. 2 (April 2021); Elia Zureik, "Settler Colonialism, Neoliberalism and Cyber Surveillance: The Case of Israel," Middle East Critique, vol. 29, no. 2 (2020), pp. 219–235; Masri, pp. 388–407; Nadine Naber et al., "On Palestinian Studies and Queer Theory," Journal of Palestine Studies , vol. 47, no. 3 (2018), pp. 62–71. (26)  Lorenzo Veracini, "Is Settler Colonial Studies Even Useful?" Postcolonial Studies , vol. 24, no. 2 (2021), pp. 270–277;

ويُنظر أيضًا:

"Special Issue: New Directions in Settler Colonial Studies," Postcolonial Studies , vol. 23, no. 1 (March 2020).

(2((يُنظر على سبيل المثال:

Nadia Hijab & Ingrid Jaradat Gassner, "Talking Palestine: What Frame of Analysis? Which Goals and Messages?" Alshabaka , 12/4/2017, accessed on 21/9/2021, at: https://bit.ly/3bJuzFP; Rashid Khalidi, "Israel: 'A Failed Settler– Colonial Project'," Institute for Palestine Studies, 10/5/2018, accessed on 21/9/2021, at: https://bit.ly/3bHckRv; Rana Barakat, "Writing/Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History," Settler Colonial Studies, vol. 8, no. 3 (2018), pp. 349–363. (28)  Elia Zureik, Israel’s Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit  (Abingdon/ New York: Routledge, 2016), pp. 69–70.

تحرّر وطني، وأن إسرائيل دولة وطنية ديمقراطية ليبرالية. بيد أن بعض الأكاديميين الإسرائيليين

البارزين طبقوا براديغم الاستعمار الاستيطاني في أبحاثهم. وتقول أريج صباغ خوري: "إن عودة ظهور البراديغم الاستعماري الاستيطاني في العلوم الاجتماعية والإنسانية في إسرائيل يُعزى، بدرجة كبيرة، إلى المسارات السياسية داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل في منتصف تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما تحوّل الخطاب السياسي من الترويج للحل القائم على الدولتين إلى تصوّر دولة لجميع المواطنين". وأكدت أن هذا التحوّل ناجم جزئيًا عن

انتشار وعي سياسي يدعو إلى إقامة دولة شاملة لمواطنين متساوين والاعتراف المتزامن بالهوية الفلسطينية والذاكرة التاريخية، إلى جانب احترام حق العودة والاعتراف بالنكبة؛ ما يفضي في النهاية إلى الاعتراف الكامل بالطرد والتطهير العرقي للفلسطينيين. وثمة إجماع بين الأكاديميين، الذين يستخدمون نموذج نظام الفصل العنصري في تحديد طبيعة نظام الحكم الإسرائيلي في فلسطين، على أن هذا النظام تأسّس على يد استعمار استيطاني. لكن الخلط بين نظامَي "الفصل العنصري" و"الاستعمار الاستيطاني"، واستخدامهما بوصفهما مصطلحَين قابلَين للتبادل يجانب الصواب. فلا يؤول كل استعمار استيطاني إلى إقامة نظام فصل عنصري. لكن إذا نشأ نظام على هذا النحو، فإن تفكيكه يتحول إلى عملية تفكيك الاستعمار Decolonization. ومن ناحية أخرى، يمكن تخيّل وضع يعترف فيه منظرون صهيونيون بأن إسرائيل نشأت عن استعمار

استيطاني، وذلك من منطلق فائض القوة والثقة بالنفس؛ مثلما اعترف بالنكبة والتطهير العرقي "مؤرخون جدد" إسرائيليون، مع إضافة منهم أنه كان أمرًا عادلً ومبررًا، لأن إقامة دولة يهودية لم

تكن ممكنة من دونه. فلمَ لا تُضم إسرائيل إلى نادي الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ودول أخرى

(29)  Ilan Pappé, "Shtetl Colonialism: First and Last Impressions of Indigeneity by Colonised Colonisers," Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2012), p. 39. (30)  Gershon Shafir, "Zionism and Colonialism: A Comparative Approach," in: Ilan Pappé (ed.), The Israel/Palestine Question: Rewriting Histories (London/ New York: Routledge, 1999), pp. 72–85; Gordon Neve & Moriel Ram, "Ethnic Cleansing and the Formation of Settler Colonial Geographies," Political Geography, vol. 53 (2016), pp. 20–29; Pappé, "Shtetl Colonialism"; Ilan Pappé, "The Futility and Immorality of Partition in Palestine," in: Ilan Pappé & Noam Chomsky , On Palestine  (London: Penguin Books, 2015), pp. 167–180. (31)  Areej Sabbagh–Khoury, "Tracing Settler Colonialism: A Genealogy of a Paradigm in the Sociology of Knowledge Production in Israel," Politics & Society (2021), p. 2;

يُنظر أيضًا: عزمي بشارة، "الأقلية الفلسطينية في إسرائيل: مشروع رؤية جديدة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج  3، العدد 11 (صيف

1992)، ص 30–1؛ عزمي بشارة، الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى، ط 2 (رام الله: مواطن – المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 002.)2 وللمزيد عن الحركة الصهيونية بوصفها حركة استعمارية استيطانية أسّست دولة استعمارية استيطانية، يُنظر:

عزمي بشارة، "مائة عام من الصهيونية، من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر"، مجلة الكرمل، العدد  53 (خريف 1997)، ص 0–112؛

بشارة، من يهودية الدولة حتى شارون. ((3(أتفق هنا مع محمود ممداني الذي رأى أن إطاحة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا هي عملية "إنهاء للاستعمار السياسي."

Mahmoud Mamdani, Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities (Cambridge/ London: Belknap Press of Harvard University Press, 2020), p. 18.

نشأت عن استعمار استيطاني ثمَّ أصبحت "عاديّة"؟ لن يمانع أي أكاديمي صهيوني ذلك، فقد كان الاستعمار الاستيطاني عمومًا نموذجًا ناجحًا، لناحية البقاء والاستمرار والتطبيع. حين يفعلون ذلك سوف يكون على الباحث النقدي أن يجيب كما يلي: لقد تأخرتم عدة قرون. ليس الاستعمار الاستيطاني طريقة "عادية" لبناء الأمة في القرن العشرين. وفضلً عن ذلك، كان السكان الأصلانيون في فلسطين أصحاب هوية وطنية متماسكة ومطالب سياسية ذات طابع قومي (على عكس أميركا الشمالية وأستراليا، ولم "تنجح" عملية إبادتهم خلافًا لأميركا الجنوبية حيث كانوا قد شكلوا دولً وممالك)، وقد تعززت النزعة الوطنية التحريرية الفلسطينية أكثر بعد قيام إسرائيل. وظلت الدولة التي تأسّست على أنقاضهم دولة إثنية دينية مغلقة وليست "دولة المواطنين"، وهي محاطة بشعوب تتشارك القومية الإثنية نفسها مع السكان الأصلانيين المهجّرين والواقعين تحت الاحتلال. ليست إسرائيل دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها نشأت عن استعمار استيطاني، بل إن مشروعها الاستعماري مستمر، وكذلك مقاومته، كما أنها أنشأت نظام فصل عنصري. ولن تكون تبيئتها ممكنة خارج التسوية السياسية وقبول شعوب المنطقة. إضافة إلى الدعوة إلى دولة المواطنين داخل الخط الأخضر، استخدمتُ مصطلح نظام الفصل العنصري منذ أكثر من ثلاثين عامًا لوصف واقع الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان رأيي في حينها أن اتفاقيات أوسلو ستفضي إلى بانتوستانات وليس إلى دولة. وها نحن اليوم نشهد نشوء بانتوستانات، والفرق بينها وبين تلك التي كانت في جنوب أفريقيا أن "بانتوستاناتنا" ترفض الاعتراف بواقعها المؤلم. وكانت هذه العواقب المحتملة واضحة بعد توقيع إعلان المبادئ في أوسلو عام 1993، لكن الحماس غير المبرّر، الذي أعقب اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية وعودة بعض قياداتها إلى وطنهم،

اقتضى أن يتمتع المرء بالجرأة للتعبير عن آرائه في معارضة أوسلو خارج إطار الاقتتال الداخلي بين الفصائل. لقد بات طابع الفصل العنصري لنظام الحكم الإسرائيلي أكثر وضوحًا في إثر توقيع اتفاقيات أوسلو لسببين: أولً، أصبح الفصل التراتبي على أساس إثني واضحًا في ممارسات الاحتلال. ثانيًا، بدأ كثير

من الفلسطينيين يكتشفون تدريجيًا أن صورة الاستعمار الكلاسيكي الذي ينتهي بالانسحاب ونشوء

دولة جديدة هي محض أوهام، وذلك بعد قيام سلطة فلسطينية (على شاكلة بانتوستان) من جهة، وتكثيف الاستيطان من جهة أخرى. لننتقل إذًا إلى موضوع الأبارتهايد.

ثانيًا: الاستعمار الاستيطاني من الإثنوقراطية إلى نظام الأبارتهايد

أنشأ الاستعمارُ الاستيطاني الهولندي نظامَ الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بالأساس، وهو الاستعمار الذي أسّس أولًالدولة الحديثة هناك. ويشكّل نظام الأبارتهايد الذي أنشأه الحزب الوطني في جنوب

(33)  Graham Usher, "Bantustanisation or Bi–nationalism? An Interview with Azmi Bishara," Race & Class , vol. 37, no. 2 (1995), pp. 43–49.

أفريقيا مع وصوله إلى الحكم عام 1948 حالة تاريخية فريدة. ومع ذلك، يمكن بناء نموذج يستخدم بعض سماته، مثل الفصل العرقي والتراتبية العرقية والتفرقة القانونية الرسمية، ثم تطبيقه لتحليل حالات أخرى بعد توسيع مصطلح "العنصرية" ليشمل مجموعات إثنية وهويات أخرى، وتوضيح السمات الخاصة بالعقيدة العنصرية لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فإذا انطبق هذا النموذج على نظام آخر، فيمكن اعتباره نظام فصل عنصري. لكن نظرًا إلى غياب بعض السمات التي ينفرد بها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يمكن القول إن النظام الإسرائيلي هو نظام شبيه بنظام الفصل العنصري. ولكن يجوز استخدام تسمية أبارتهايد لأنه يشاركه السمات الرئيسة وفق تعريفات المواثيق الدولية. فعندما نصف النظام الإسرائيلي بأنه نظام فصل عنصري، يَحسُن أن نلحظ الفرق بين البعد النظري والتحليلي واستراتيجية النضال. فاستراتيجية النضال تتيح إطلاق حملة مناهضة للفصل العنصري ترى في إسرائيل نظام أبارتهايد وفقًا للاتفاقيات الدولية التي لا تصنّف الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بوصفها حالة فريدة. تصنف الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها الأبارتهايد بوصفه جريمة ضد الإنسانية. وتجرّم المنظمات والمؤسسات والأشخاص الذين يرتكبونها. وتعدّد المادة الثانية جرائم عدّة يمكن أن ترتكب من أجل الحفاظ على هذا النظام. وتُعدّ أغلبيتها، كالقتل والتعذيب والعمل القسري، جرائم بغض النظر عن أيّ سياق ارتكبت فيه، سواء كان ذلك في إطار الفصل العنصري أو خارجه، ولكنها تعد الفصل العنصري في حد ذاته جريمة، و"تشمل سياسات وممارسات العزل

((3(فاز الحزب الوطني في الانتخابات التي جرت في جنوب أفريقيا في السنة التي تأسست فيها إسرائيل. يُنظر:

Benjamin M. Joseph, Besieged Bedfellows: Israel and the Land of Apartheid (New York: Greenwood Press, 1988), p. 10; James Adams, The Unnatural Alliance: Israel and South Africa (London: Quartet Books, 1984), p. 5.

وخلال حرب 1948 أرسلت جنوب أفريقيا 1000 متطوع للمشاركة إلى جانب الميليشيات الصهيونية. وكان دانييل ميلان رئيس وزراء جنوب أفريقيا في حينه أول رئيس دولة يزور إسرائيل، وذلك في عام.1953

Naomi Chazan, "The Fallacies of Pragmatism: Israeli Foreign Policy towards South Africa," African Affairs , vol. 82, no. 327 (April 1983), p. 172.

وقد ألهم الانتصار الإسرائيلي في حرب 1967 الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، وزاد من التعاون بين البلدين، وحوّل يهود جنوب

أفريقيا مبلغ 20.5 مليون دولار للمجهود الحربي الإسرائيلي. وأرسلت جنوب أفريقيا أيضًا طائرات وعتادًا عسكريًا ومتطوعين

انضموا إلى الوحدات العسكرية، ينظر: 13. p , Adams. وتعزز التعاون بين البلدين مع زيارات قام بها كل من شمعون بيرس وبن غوريون وحاييم هرتسوغ إلى جنوب أفريقيا. يُنظر:

Joseph, pp. 12–14; Rosalyne Ainslee, "Israel and South Africa: An Unlikely Alliance?" Report , no. 81–18876, United Nations Centre Against Apartheid, Department of Political and Security Council Affairs (1981), p. 6; Michael Brecher, The Foreign Policy System of Israel (New Haven: Yale University Press, 1974), p. 173.

ومنذ عام 1970 حتى تفكيك نظام الفصل العنصري، زار كل وزير أمن إسرائيلي جنوب أفريقيا العنصرية، وفي ما عدا أهداف جمع الأموال لإسرائيل عقدت خلال هذه الزيارات اتفاقيات تعاون عسكري وصفقات أسلحة. وخلال حرب 1973 أرسلت جنوب أفريقيا متطوعين أيضًا وسهلت عملية تحويل الأموال إلى إسرائيل. Joseph, pp. 17, 43–44.

(35)  "International Convention on the Suppression and Punishment of the Crime of Apartheid, Adopted by the General Assembly of the United Nations on 30 November 1973," United Nations Treaty Collection , vol. 1015, no. 14861 (1976), p. 245, accessed on 22/9/2021, at: https://bit.ly/3uYbp61

والتمييز العرقيين المشابهة لتلك التي تمارس في جنوب أفريقيا". وتحدّد ذلك بمزيد من التفصيل في البنود (ب) و (ج) و (د) من المادّة الثانية: "إخضاع فئة أو فئات عرقية، عمدًا، لظروف معيشية يقصد منها أن تفضي بها إلى الهلاك الجسدي، كليًّا أو جزئيًّا"، و"اتخاذ أيّ تدابير، تشريعية وغير تشريعية،

يقصد بها منع فئة أو فئات عرقية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتتعمد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات، وخاصة بحرمان أعضاء فئة أو فئات عرقية من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والحق في تشكيل نقابات معترف بها، والحق في التعليم، والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية، والحق في حرية التنقل والإقامة، والحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في حرية الاجتماع وتشكيل الجمعيات سلميًا"، و"اتخاذ أيّ تدابير، بما فيها التدابير التشريعية، تهدف إلى تقسيم السكان

وفق معايير عرقية بإقامة محتجزات ومعازل مفصولة لأعضاء فئة أو فئات عنصرية، وبحظر التزاوج في ما بين الأشخاص المنتسبين إلى فئات عرقية مختلفة، ونزع ملكية العقارات المملوكة لفئة أو فئات عرقية أو لأفراد منها". لم توقّع إسرائيل على هذه الاتفاقية من عام 1973 مثلما لم تدعُ جنوب أفريقيا العنصرية إلى انسحاب إسرائيلي من المناطق المحتلة عام 1967، ولم تدعم أي قرار ضد إسرائيل. وحتى عام 1978، صدر 14 قرارًا يدين نظام الأبارتهايد لم تشارك إسرائيل في التصويت على أيّ قرار منها، بحجة "نفاق دول العالم الثالث". أدرجت محكمة العدل الدولية جريمة الفصل العنصري ضمن الجرائم ضد الإنسانية في المادة 7، في البند (1) (ي) من أركان الجرائم. وقد بيّنت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري،

بوضوح، ما هو المقصود بالتمييز العرقي: "أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة". تنطبق أغلبية معايير التعريف على حكم إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة، وسياسة التهويد الصريحة في القدس الشرقية التي تُنفّذ بموجب القوانين الرسمية. فعلى سبيل المثال، تستند محاولات تقليص عدد السكان العرب في المدينة إلى قوانين معينة للهجرة والإقامة؛ إذ يُعدّ الفلسطينيون الذين ولدوا في

(36)  Ibid.

(37)  Ibid., pp. 245–246. (38)  Joseph, pp. 22–23.

(3((الأمم المتحدة، اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية، تقرير اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية، الصيغة

النهائية لمشروع نص أركان الجرائم، 000/11/12 ص 1–202، شوهد في 021/9/22:2، في https://bit.ly/3DntjUP (4((المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، 1965/12/21، شوهد في 021/9/22:2، في https://bit.ly/3nNCHw0

المدينة مهاجرين لم تمنحهم إسرائيل المواطنة، بل الإقامة عندما احتلت المدينة. ومن ثمّ، تعاملت قوات

الاحتلال التي دخلت المدينة عام 1967 مع الفلسطينيين المقدسيين الذين ولدوا في القدس وعاشوا فيها كما لو أنهم وصلوا للتو وحصلوا على الإقامة. فإسرائيل التي احتلت شرقيّ القدس، اعتبرت أنّ

الفلسطينيين المقيمين فيها قدموا إليها. وقد يفقد الفلسطينيون المقدسيون المكانة القانونية ل "المقيم في إسرائيل" التي احتلت مدينتهم، إذا غادروا المدينة ثلاث سنوات متتالية، للعمل في الخارج مثلً، أو حتى في حال انتقالهم إلى القرى المحيطة بالمدينة، نتيجة ارتفاع الإيجارات فيها. وحتى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لم يفكّر في وضع سياسات تمييزية تنعم بهذا القدر من "الإبداع"؛ فيعامل السكان الأصلانيين بوصفهم مهاجرين غرباء، ويعامل الغرباء المهاجرين بوصفهم أصحاب الأرض. إن مسألة ما إذا كان الخاضعون للاستعمار يرغبون في تحرير أنفسهم من هذا النظام من خلال النضال من أجل المواطنة المتساوية في دولة واحدة، أو يفضّلون الحكم الذاتي في دولة منفصلة، أمرٌ لا علاقة

له بتعريف نظام الحكم السياسي نفسه بوصفه نظام فصل عنصري نشأ عن استعمار استيطاني. فتعريف النظام متعلق أولً ببنيته، وليس بالحلول السياسية المطروحة والاستراتيجية النضالية. ومن جهة أخرى، لا أثر في هذا السياق للتبريرات التي تسوقها الحكومة في شرح التدابير التي اتخذتها، سواء أكانت اتخذتها لضمان أمن الإثنية السائدة، وفق ادعائها، أو لضمان تفوّقها. وتعلن بعض الكتل في الائتلافات

الحاكمة في إسرائيل بصراحة عن اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان التفوّق اليهودي العسكري في

"أرض إسرائيل" من النهر إلى البحر، في حين يبرّر آخرون جرائم الفصل العنصري (بحسب الاتفاقية)

باستخدام الاعتبارات الأمنية للنظام التي تصرّ الحكومة على الحفاظ عليها في الضفة الغربية وقطاع

غزة، بينما تسمح بحكم ذاتي محدود في غيتوات معزولة خلف الجدران ونقاط التفتيش، وباعتماد غيرها من تقنيات الفصل المخصّصة للحد من حرية الفلسطينيين. تحافظ هذه الصيغة على عناصر التعريف الأساسية للحكم القائم على تراتبية إثنية محكومة بأجهزة سلطة واحدة تمثل إثنية واحدة منها، وفي إطار اقتصاد واحد، ومن خلال اعتماد منظومتين متمايزتين للحقوق. وبما أن مصطلح "أبارتهايد" قد جرى صوغه أوّل مرّة باللغة الأفريكانية (لغة المستوطنين

في جنوب أفريقيا)، فإنه يبدو من المناسب أن يُوصف النظام الاستعماري الاستيطاني في إسرائيل،

الذي يجمع بين الغزو والتهجير والمصادرة والاستيلاء على الأرض والمكان، باللغة العبرية بأنه: نظام "كيبوش" و"نيشول" (يدلان في اللغة العبرية على الاحتلال المباشر وأشكال الغزو الأخرى، ومصادرة الأراضي؛ بما فيها تهجير السكان الأصلانيين، والاستيطان القسري، وطمس هوية الأماكن، وعمليات التهويد). ولكن بما أن مصطلح أبارتهايد كان نظامًا قانونيًا معلنًا في جنوب أفريقيا، وأصبح المصطلح

معتمدًا عالميًا، وقد خلف وراءه جذوره الأفريكانية، وأصبح يثير المعاني والتداعيات ذاتها في أي لغة،

فمن المفضل استخدامه. إن السعي لتكريس الطابع الاستعماري الاستيطاني لإسرائيل ونشوء نظام شبيه بنظام الفصل العنصري فيها، يتطلب التعرّف إلى سماته المميزة، لا بل حتى الاعتراف بحالته الاستثنائية. وفي ما يلي، سيجري

تناول السمات التي تميّزه بإيجاز، ويتم توضيحها مقارنةً بجنوب أفريقيا والاستعمار الفرنسي في الجزائر.

أولً، لا معنى لإنكار نجاح إسرائيل في بناء شعب إسرائيلي يهودي لا يشمل السكان الأصلانيين. والمفارقة أن إسرائيل تنكر وجوده وتصر على أمة يهودية عالمية واحدة. ومصطلح "شعب إسرائيل" ("عام يسرائيل" بالعبرية) المستخدم في تلك البلاد معناه هو الشعب اليهودي؛ أي المنتمون إلى الديانة اليهودية في العالم كلّه. لم يقم الاستعمار الفرنسي في الجزائر بمثل هذا المشروع، فالمستوطنون كانوا – وظلوا – فرنسيين، بل إنهم حاولوا فرنسة السكان الأصلانيين. أما في حالة جنوب أفريقيا، فظل تعريف الجماعة على أساس اللون عائقًا أمام تشكيل قومية؛ وبعد زوال نظام الأبارتهايد انضم البيض إلى أمة واحدة هي أمة جنوب أفريقيا المتعددة الإثنيات. ثانيًا، خلافًا لأميركا الشمالية وأستراليا، وكما هو الشأن في جنوب أفريقيا والجزائر، لم يتحوّل العرب

الفلسطينيون في فلسطين إلى جماعة سكانية أصلانية تطالب بحقوق ثقافية وتعويضات. لقد واصل الفلسطينيون بلورة شخصيتهم القومية وطوّروا تطلّعاتهم الوطنية بوصفهم عربًا فلسطينيين. الحالة

الوحيدة التي تطرح فيها قضايا السكان بوصفهم سكانًا أصلانيين من خلال مطالب موجهة إلى الدولة هي حالة المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل الذين ترفض الأخيرة الاعتراف بمكانة قانونية كهذه لهم. ثالثًا، خلافًا لجنوب أفريقيا، لا يحدث الفصل بين السكان الفلسطينيين واليهود في الأراضي المحتلة في إطار المواطنة الواحدة، لأنهم لا يتمتعون بالمواطنة الإسرائيلية (على الرغم من أنهم يعيشون في ظل الحكم نفسه) ولا يُعدّون جزءًا من الدولة. إضافة إلى ذلك، تتعامل المقاربات الدولية والعربية مع

الضفة الغربية وقطاع غزة على أنها مناطق محتلة. لكن على عكس حالة الفرنسيين في الجزائر المحتلة، فإن الفصل التام والسيادة الفلسطينية أصبحَا مستحيلين بسبب التوسع الاستيطاني الشَّرِه وإجراءات

الإدماج الأخرى؛ أي بسبب الاستعمار الاستيطاني نفسه. وخلافًا للمستوطنين في الجزائر، لا يملك المستوطنون في فلسطين وطنًا أمًّا يعودون إليه، إلا إذا تعاملنا مع إسرائيل بوصفها دولة "عادية" (داخل

حدودها عام 1949)، وتعاملت هذه أيضًا مع ذاتها على هذا الأساس بما في ذلك القدس وغيرها؛ وهو النهج القائم على حل الدولتين الذي رفضته إسرائيل وجعلته مستحيلً. رابعًا، إن حالة القرب الجغرافي وروابط الاستيطان بين المستعمِر والمستعمَر تذكّرنا بنظام الفصل

العنصري في جنوب أفريقيا أكثر مما تذكرنا بمستعمرة وراء البحار (فرنسا والجزائر). وفي الوقت نفسه، تؤدي ممارسة فصل العرب الفلسطينيين وإدماجهم إلى نظامين قانونيَّين منفصلَين على أساس عرقي،

تحت سيادة إسرائيلية واحدة. خامسًا، لم تحاول إسرائيل فرض اللغة العبرية ولا تهويد الفلسطينيين (بل أرادت الاستيلاء على أرضهم وفرض تاريخها عليهم "فحسب")، ولم تصدر قوانين بضمّ الأراضي المحتلة إلا في حالتَي القدس ومرتفعات الجولان. ولكنها تواصل بناء المستوطنات اليهودية في كل مكان. يشغل الاستعمار الصهيوني حيزًا بين النموذجَين المنقرضين اللذين أوجدهما الهولنديون في جنوب

أفريقيا والممارسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر. وهو يمزج بعض السمات الرئيسة لكل منهما.

فإسرائيل هي استعمار استيطاني أنشأ نظام أبارتهايد. ومن المؤكد أن النضال الفلسطيني من أجل العدالة يحق له اللجوء إلى الاتفاقية المعترف بها دوليًا ضد الفصل العنصري المذكورة آنفًا. يتنامى باطّراد عدد منظمات حقوق الإنسان، بما فيها الأميركية والإسرائيلية، التي تستخدم مصطلح الفصل العنصري (الأبارتهايد) لوصف الحكم الإسرائيلي المُطبّق على الفلسطينيين في الضفة الغربية

وقطاع غزة. وقد استخدم الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر (1981–1977) هذا المصطلح لوصف الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في غياب حل الدولتين. وفي ظل تلاشي احتمالات قيام دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود عام 1967، فإنه لن يمر وقت طويل قبل أن تسود هذه التسمية في جميع أنحاء العالم. ولن تستطيع إسرائيل النجاح بالإبقاء على النظام القائم حاليًّا من

دون تجنّب وصمه بهذا المصطلح ودلالاته. وسواء أكان الأمرُ استعمارًا استيطانيًا أم فصلً عنصريًا أم كليهما، فإنّ الإجابة تكمن في تشخيص

تفسيري diagnosis Interpretative للبنية المهيمنة والعملية التي أنشأت هذه البنية. فهي لا تشير إلى "حل" سياسي معيّن ولا تتطلّبه، وقد تفضي صيرورة الصراع إلى نهايات مختلفة. فعلى سبيل المثال،

انهار الاستعمار الاستيطاني في الجزائر وانتهى ما إن انسحبت فرنسا من ذلك البلد، بينما استمر في حالات أخرى، عندما تمكّن من تطبيع وجوده وإضفاء الطابع الشرعي عليه، على الرغم من الإبادة الجماعية (الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا). أما في جنوب أفريقيا، فانتهى حكم الأقلية البيضاء ونشأت أمة مواطنية واحدة متعددة القوميات. كان فيراسيني محقًّا عندما لاحظ أن "الاستعمار الاستيطاني، بوصفه فعلًاستعماريًا لا يتصوّر المستوطن العودة عنه، ما زال يروي قصة النصر التام أو الفشل التام". وأتفق هنا مع نديم روحانا في أن الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي متواصل داخل حدود هدنة 1949، وفي المناطق المحتلة عام 1967 أيضًا، وأنه لم يحقق النصر بعدُ بتطبيع ذاته وتبيِئتها، ولا حتى في حدود 1949. فالمسألة لم تنته بعد. إلا أن مجرّد الاتفاق على أن إسرائيل هي بنية استعمارية استيطانية، وأنها

((4(في هذا السياق، حدثت ثلاثة تطوّرات مهمة في عام 021.2 ففي أوائل آذار/ مارس، أعلنت المدعية العامة للمحكمة الجنائية

الدولية عن المباشرة بإجراء تحقيق رسمي في الوضع في فلسطين. يُنظر: أول: "بيان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاطو

بنسودا، بخصوص التحقيق في الحالة في فلسطين "، المحكمة الجنائية الدولية، 021/3/32، شوهد في:021/9/222، في https://bit.ly/393PCRT. ثانيًا، لفت تقرير هيومن رايتس ووتش الانتباه إلى الممارسات الإسرائيلية في مجال "الفصل العنصري" القائمة

على التمييز العرقي والتي تطبّقها داخل إسرائيل وخارجها، ينظر: "تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري

والاضطهاد"، هيومن رايتس ووتش، 021/4/272، شوهد في 021/9/22:2، في https://bit.ly/3hHQFvx. ثالثًا، نشر المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم) تقريرًا وصف نظام التفوّق اليهودي الممتد من نهر الأردن إلى البحر

الأبيض المتوسط بأنه "نظام فصل عنصري". يُنظر: "نظام تفوق يهودي من النهر إلى البحر: إنه أبارتهايد"، ورقة موقف، بتسيلم – مركز

المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، 021/1/122، شوهد في 021/9/22:2، في https://bit.ly/3919cOw

(42)  Jimmy Carter, Palestine: Peace not Apartheid (New York: Simon & Shuster, 2006). (43)  Lorenzo Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview (London: Palgrave Macmillan, 2010), p. 115. (44)  Nadim N. Rouhana, "Homeland Nationalism and Guarding Dignity in a Settler Colonial Context: The Palestinian Citizens of Israel Reclaim Their Homeland," Borderland e–Journal , vol. 14, no. 1 (Spring 2015), pp. 1–2.

فشلت في إضفاء الطابع المحلّني على نفسها، لا يعني أنها آيلة إلى التفكّك بالضرورة. فالأهداف السياسية – أو ما يُسمى ب "الحلول" – لا تتحدّد من خلال تشخيص البنية فحسب، بل تتدخل فيها عوامل أخرى عديدة لا بد من مراعاتها، ومن ضمنها النظام الدولي القائم على استراتيجية النضال والحركة الوطنية الفلسطينية، وعوامل القوة الإسرائيلية والإجماع الإسرائيلي، والوضع العربي، وغير ذلك.

ثالثًا: حل الدولة الواحدة؟

لم يُنظر في خيار الدولة الواحدة لجميع مواطنيها، عربًا ويهودًا، على نحو جِدّي بعد عام 1948. ومنذ ما قبل إعلان قيام إسرائيل، نظر العرب عمومًا إلى الصهيونية بوصفها حركة استعمارية تهدف إلى إنشاء دولة في أرض يسكنها شعب آخر. ولم يكن وعد بلفور سرًّا. صحيح أن الخطط الصهيونية لإنشاء دولة

يهودية تخفّت بدايةً وراء مصطلح "وطن قومي لليهود"، إلا أن مغزاه الحقيقي لم يخفَ إلا على الجاهل المتعمّد. وكان هدف الدولة اليهودية، بوصفها دولة لجميع اليهود أينما وُجدوا، من دون الاقتصار

على اليهود الموجودين بالفعل في فلسطين، وما زال حتى يومنا هذا يجري نفيُ أيِّ نقاش جادّ بشأن

المواطنة المتساوية المشتركة. أصرت الحركة الصهيونية على تصوير فكرة الدولة اليهودية في فلسطين بوصفها الحل الوحيد الممكن للمسألة اليهودية. فمن وجهة نظر الحركة، يُعدّ ذلك التبرير التاريخي لوجود الصهيونية نفسها. فقد

كانت الدولة اليهودية مبرّرًا لوجود raison d’être الحركة الصهيونية منذ نشأتها الأولى في الشتات، عندما كان وعد بلفور ومشروع الاستيطان مجرّد حلم بعيد المنال. ولم تعرض الحركة قَطُّ أي برنامج

لإنشاء كيان سياسي يعيش فيه العرب واليهود جنبًا إلى جنب، ما عدا استثناءين صغيرين. جاء الاستثناء

الأول من مفكّرين متأثرين بصهيونيةِ آشر غينزبورغ Asher Ginsberg (1927–1856) الثقافية، وهو المعروف باسمه العبري أحاد هعام. أخذ هؤلاء تمييزه بين الوطن والدولة على محمل الجد، ولم يقصدوا بالعلاقة مع "الوطن القومي" في فلسطين إنشاء دولة يهودية. وضم الاستثناء الثاني حركات نشأت في ثلاثينيات القرن العشرين، مثل "هشومير هتسعير" – خلال مرحلة قصيرة – التي كانت حركة صهيونية اشتراكية عُرفت بنشاطها الاستيطاني الواسع أيضًا. وفي ظل توطيد أركان دولة إسرائيل، سيكون من الحماقة الاعتقاد أنّ الصهيونية أو أيًّا من تجلّياتها، أو إسرائيل وأيًّا من حركاتها الاجتماعية السياسية الرئيسة، قد تقبل ب "دولة ديمقراطية واحدة" لكلا الشعبين بوصفها إطارًا للحل في الوقت الحاضر. المواطنة المتساوية هي جوهر فكرة العيش في دولة واحدة تتخلى عن الهيمنة الصهيونية وتقدّم للسكان اليهود بديلً؛ إذ لا بد من أن يقتنعوا بأنْ لا حاجة لهم ب "دولة يهودية" حصرية. ما أقصده هنا هو إضفاء الطابع الشرعي على الوجود اليهودي في فلسطين من خلال المواطنة المتساوية المشتركة، والاعتراف بهم جماعةً وليس مواطنين متساوين فقط. وهذا مهم للفهم الذاتي بالنسبة إلى أي حركة تحرّر فلسطينية، ولفهم إسرائيل على نحو أفضل،

وذلك قبل أن يكون رسالةَ تعايش.

وفي الماضي، عندما طرحت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) برنامج الدولة الواحدة، خلال فترة قصيرة في نهاية ستينيات القرن الماضي على سبيل المثال، رآه الإسرائيليون النسخة المكرّرة الأحدث للتطلع إلى زوال إسرائيل، هذا إذا وصلهم البرنامج أصلً. واقترحت منظمة التحرير الفلسطينية حل الدولة الواحدة مرة أخرى في إطار برنامج "الدولة العلمانية الديمقراطية" الذي يضمن المساواة الكاملة في الحقوق بين سكان البلاد المسلمين والمسيحيين واليهود (ذكرت الديانات وليس القومية). للأسف، لم يُقترح في حينه أي مسار يتيح إقامة تعاون متبادل يهودي – عربي لتحويل الفكرة إلى برنامج سياسي عملي. وبدلً من ذلك، افتُرض أن الدولة الديمقراطية نتيجة طبيعية لتحرير فلسطين. وعلى أي حال، خرجت الفكرة من التداول بعد وقت قصير. اختلف البرنامج الذي اقترحته منظمة التحرير الفلسطينية عن فكرة الدولة الثنائية القومية التي طرحها آخرون منذ زمن طويل. فعلى سبيل المثال، اقترح نموذج هشومير هتسعير، المذكور آنفًا، الاعتراف بجماعتين قوميّتين في فلسطين، يشكّل كل منهما كيانًا متميزًا داخل دولة واحدة. وقد استجاب هذا الاقتراح لفكرة وطن قومي لليهود لا يشترط وجود دولة قومية أو دولة أمّة؛ فقد تكون دولة ثنائية القومية ووطنًا لكل من العرب واليهود في فلسطين لتحقيق حقهما في تقرير المصير الوطني. وتعود جذور هذا الطرح إلى أفكار المثقفين اليهود الذين آمنوا بصلة اليهود الخاصة بفلسطين، لكنهم آمنوا أيضًا أن تحقيقها لا يتطلب قيام دولة يهودية. وبين عشرينيات القرن الماضي وستينياته، دعت بعض الجماعات السياسية إلى إقامة دولة ثنائية القومية. فالحركة الصهيونية الاشتراكية هشومير هتسعير (التي انخرطت في مشروع الاستيطان الاستعماري في فلسطين بشكل فعّال، ولم تطالب بإقامة الاشتراكية فحسب، بل مارستها أيضًا في الكيبوتسات)، نادت بدولة ثنائية القومية للعرب واليهود. ودعا الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان في غالبية المراحل منذ تأسيسه عام 1919 وحتى عام 1948 حزبًا يهوديًا مناهضًا للصهيونية، إلى دولة ثنائية القومية للعرب واليهود عشية إقامة دولة إسرائيل، لكنه سرعان ما غيّر موقفه بعد أن أيّد الاتحاد السوفياتي تقسيم فلسطين، وأصبح نصيرًا متحمسًا للدولة اليهودية، وشارك بقوة في ما يُسمى "حرب الاستقلال".

((4(وفقًا لصلاح خلف (أبو إياد) (1991–1933)، تقدّمت حركة فتح بأول اقتراح يؤيد إنشاء دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين

التاريخية في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1968، وذلك عندما أعلن في مؤتمر صحفي أن الهدف الاستراتيجي لفتح هو "العمل على إقامة دولة ديمقراطية يعيش فيها العرب واليهود معًا في وئام بوصفهم مواطنين متساوين تمامًا على كامل فلسطين التاريخية".

Salah Khalaf & Eric Rouleau, My Home, My Land: A Narrative of the Palestinian Struggle , Linda Butler Koseoglu (trans.) (New York: Times Books, 1981), p. 139.

لكن خلف قال إن هذا الاقتراح "أثار عاصفة من الاحتجاجات في صفوف المقاومة" Ibid.. ثم اعتمد المجلس الوطني الفلسطيني،

في دورته السادسة (أيلول/ سبتمبر 1969)، بيانًا جديدًا نص على: "يهدف الكفاح الفلسطيني إلى إنهاء الكيان في فلسطين، وإعادة

الشعب الفلسطيني [عودة اللاجئين إلى وطنهم]، وإقامة الدولة الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني بعيدة عن كل أنواع التمييز

العنصري أو التعصّب الديني". فيصل حوراني، الفكر السياسي الفلسطيني 1974–1964: دراسة للمواثيق الرئيسة لمنظمة التحرير

الفلسطينية (بيروت: مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية، 1980)، ص 164. ومع ذلك، وبعد مداولات متأنية، استُبدل البيان

بآخر نصّ على أن "هدف الكفاح المسلح هو تحرير فلسطين كاملة ضمن مجتمع يتعايش فيه جميع المواطنين بحقوق وواجبات

متساوية ضمن آمال الأمة العربية في الوحدة والتقدّم"، المرجع نفسه، ص.167

ومن هذه الجماعات، كانت حركة "بريت شالوم" (ميثاق السلام) ذات التوجه الإنسانوي، التي آمنت بأن فرادة الشعب اليهودي لا تبرّر إقامة دولة يهودية تحقّق تطلعاته في تقرير مصيره، وتؤدي

إلى إلحاق الظلم بالأغلبية الفلسطينية الأصلانية. لقد ضم تحالف السلام شخصيات سياسية وأكاديمية؛ مثل عالم الاقتصاد والاجتماع والقائد الصهيوني ومنظّم المستوطنات الزراعية في فلسطين وأحد مؤسسي مدينة تل أبيب آرثر روبين Ruppin Arthur، والفيلسوف المجري الأصل هوغو بيرغمان Bergmann Hugo، والفيلسوف النمساوي الأصل مارتن بوبر Buber Martin. وسعت حركة بريت شالوم إلى "التوصّل إلى تفاهم بين اليهود والعرب بشأن شكل العلاقات

الاجتماعية المتبادلة في فلسطين على أساس المساواة السياسية المطلقة لشعبَين مستقلَّين

ثقافيًا". واقترحت إنشاء مجلس تشريعي لليهود والعرب على قدم المساواة يدير شؤون الدولة

الثنائية القومية على أساس الحقوق المتساوية، بغض النظر عن حجم أي جماعة من الجماعتَين، في أي وقت كان. ورأت الحركة أن فكرة الدولة الثنائية القومية كفيلة بتحرير الصهيونية من النفوذ الإمبريالي، والسماح لليهود بالاندماج في العالم العربي المحيط. وظهرت حركة "إيحود" (الاتحاد) في عام 1942، وتبنت فكرة الدولة الثنائية القومية، واستمر نشاطها حتى منتصف ستينيات القرن الماضي. وقاد هذه الحركة التي كانت خلَفًا لبريت شالوم، رئيس الجامعة العبرية يهودا ماغنيس Magnes Judah، والفيلسوف مارتن بوبر. ودعت إلى إنشاء شكل من الحكم "القائم على أساس الحقوق السياسية المتساوية لكلا الشعبين"، واقترحت اتحادًا فدراليًا بين فلسطين

والدول المجاورة "يضمن الحقوق الوطنية لجميع الشعوب فيه"، إلى جانب إبرامه ميثاقًا مع "التحالف الأنغلو–أميركي لكي يصبح جزءًا من التحالف المستقبلي للشعوب الحرة". لقد همّش التياران الصهيونيان السائدان، اليساري واليميني، هذه الأفكار قبل أن تصل إلى الفلسطينيين،

الذين – على أي حال – لم يكونوا ليقبلوا بهذه الأفكار في تلك المرحلة المبكرة بسبب رفضهم للمشروع الصهيوني جملةً وتفصيلً. وظهرت في إسرائيل، في ستينيات القرن الماضي، جماعة يسارية راديكالية معادية للصهيونية؛ هي حركة "ماتسبين" (البوصلة) التي أحيت فكرة الدولة الواحدة بصياغة ماركسية. صحيح أنها لم تضم سوى عشرات من الأعضاء (أغلبيتهم من اليهود، إلا أنها ضمت بعض العرب أيضًا)، لكن الحركة كانت نشطة جدًّا إبان صعود موجة الشباب الراديكالي اليساري والحركات الطلابية في الغرب في ستينيات القرن الماضي. ومثّلت ماتسبين التعبير الأكثر جرأة عن هذه الفكرة في البلاد، ولم تقدّم أي تنازلات للصهيونية.

(46)  Ran Greenstein, Zionism and Its Discontents: A Century of Radical Dissent in Israel/Palestine (London: Pluto Press, 2014), p. 11. (47)  Tamar Hermann, "The Bi–national Idea in Israel/Palestine: Past and Present," Nations and Nationalism , vol. 11, no. 3 (2005), p. 385. (48)  Maor Zohar, "Moderation from Right to Left: The Hidden Roots of Brit Shalom," Jewish Social Studies,  vol. 19, no. 2 (2013), p. 80. (49)  Greenstein, p. 47.

وبعد حرب عام 1967، دعت إلى إنهاء الاحتلال فورًا، وأبدت تضامنها مع فصائل المقاومة الفلسطينية. واختلفت عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي طالب أيضًا بالانسحاب الفوري من الأراضي المحتلة عام 1967، في دعوتها إلى "نزع الطابع الصهيوني" De–zionisation عن دولة إسرائيل، بما في ذلك إلغاء جميع الأشكال المؤسسية التي تفرض سيادة سياسية يهودية. ونادت بدولة اشتراكية واحدة يعيش فيها العرب واليهود جنبًا إلى جنب. لقد نشرت ماتسبين أفكارًا ثورية شجاعة في مجتمع عسكري قومي خلال مرحلة مد شوفيني بعد الانتصار في الحرب، لكنها بقيت مجموعة هامشية صغيرة شهدت سلسلة من الانشقاقات على خلفية أيديولوجية وشخصية كما يحصل لليسار الراديكالي عادة. وقد طرح كاتب هذه السطور موضوع قيام دولة ثنائية القومية في مقابلة مع مجلة Race and Class في عام 1995؛ إذ كان واضحًا له أن اتفاقية أوسلو لن تفضي إلى حل حقيقي قائم على الدولتين، وإنما ستؤدي بدلً من ذلك، إلى "بانتوستانات"، مثلما طرح برنامج دولة المواطنين في إطار التجمع الوطني الديمقراطي في سياق وضع المساواة في تناقض مع الصهيونية، وليس في ظلها. وتناولت كتب ومقالات أكاديمية عدة نُشرت مؤخرًا موضوع الدولة الثنائية القومية في فلسطين؛ ما أثار جدلً حيويًا. وظهرت حركات قاعدية ناشطة جديدة activism Grassroots تناولت هذا الموضوع، من بينها مثلً حملة الدولة الديمقراطية الواحدة، والجمعية لدولة ديمقراطية واحدة في فلسطين/ إسرائيل، ومؤسسة الدولة الواحدة. كما بدأ حديث جديد عن الكونفدرالية السياسية.

(50)  Usher, pp. 43–48; Irus Braverman, "Bridging the Green Line: The PA, Israeli Arabs, and Final Status. An Interview with Azmi Bishara," Journal of Palestine Studies , vol. 26, no. 3 (Spring 1997), pp. 67–80;

يُنظر أيضًا رد أوري أفنيري على هذا المقال:

Uri Avnery, "A Binational State? God Forbid: A Response to Azmi Bishara," Journal of Palestine Studies, vol. 28, no. 4 (Summer 1999), pp. 55–60.

إن النقاش الإسرائيلي الهامشي بشأن مفهوم الدولة الثنائية القومية عاد ليظهر في المناقشات السياسية الإسرائيلية خلال الانتفاضة

الثانية، عندما نشر الصحافي آري شبيت Shavit Ari في آب/ أغسطس 003 2 مقالً بعنوان "لنرثِ حلّ الدولتين الأثير"

في صحيفة هآرتسالإسرائيلية اليومية. تضمّن المقال مقابلة مشتركة مع الباحث في العلوم السياسية، ونائب رئيس بلدية القدس

سابقًا ميرون بنبنيشتي Benvenisti Meron، وأحد مؤسسي ماتسبين حاييم هنغبي Hanegbi Haim، دعوا فيها إلى إقامة دولة واحدة ديمقراطية للشعبين، والتخلي الكامل عن حل الدولتين. ينظر:

Ari Shavit, "Cry, the Beloved Two–state Solution," Haaretz, 6/8/2003, accessed on 22/9/2021, at: https://bit.ly/2Qxqm0R (51)  Jeff Halper,  Decolonizing Israel, Liberating Palestine: Zionism, Settler Colonialism, and the Case for One Democratic State (London: Pluto Press, 2021); Ariella Azoulay & Adi Ophir,  The One–State Condition: Occupation and Democracy in Israel/Palestine , Tal Haran (trans.) (Stanford: Stanford University Press, 2012); Benny Morris,  One State, Two States: Resolving the Israel/Palestine Conflict (New Haven/ London: Yale University Press, 2009).

(5((يُنظر الموقع الإلكتروني: حملة الدولة الديمقراطية الواحدة، شوهد في 021/9/22:2، في https://bit.ly/3ld2jzo (5((يُنظر الموقع الإلكتروني: الجمعية لدولة ديمقراطية واحدة في فلسطين/ إسرائيل، شوهد في، في 021/9/22:2

https://bit.ly/3aNUFak

(5((يُنظر الموقع الإلكتروني: مؤسسة الدولة الواحدة، شوهد في 021/9/22:2، في https://bit.ly/3BX1uBA

(55)  Sam Bahour & Bernard Avishai, "Want Israeli–Palestinian Peace? Try Confederation," The New York Times , 12/2/2021, accessed on 22/9/2021, at: https://nyti.ms/3psouDf

بعد تفكيك نظام الفصل العنصري، رفض سكان جنوب أفريقيا فكرة تعددية القوميات والأمم المتمايزة لصالح إقامة دولة أمة متعدّدة الثقافات واللغات والأديان والأعراق في ظل مواطنة واحدة متساوية. أما في فلسطين، فتوجد أصلً مجموعتان قوميتان متمايزتان تحملان تطلّعات قومية مختلفة. ومع أن الدولة الثنائية القومية قد تبدو أقرب إلى الوضع الراهن الفلسطيني والإسرائيلي، فإنها ليست واقعية من الناحية السياسية، في ضوء توازن القوى الحالي داخل فلسطين؛ أي لا يُنظر إليها بوصفها حلًّ محتملً يمكن أن يتمخض عما يسمى "عملية السلام". في جنوب أفريقيا، جعل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي المواطنةَ المتساوية داخل دولة متعدّدة الثقافات ركيزةً أساسية لبرنامجه السياسي. ومثّل هذا الحزب أغلبية السكان الذين حُرموا بشكل منهجي

من الحقوق المدنية والسياسية ضمن الدولة الواحدة، وهي أغلبية لم يكن لديها غالبًا أهداف قومية

انفصالية. أما حركة التحرّر الوطني الفلسطيني التي مثّلت الشعب الفلسطيني (لم تكن أغلبيته تعيش

في ظل الدولة الاستعمارية عند قيام منظمة التحرير الفلسطينية)، فقد أسسها اللاجئون الفلسطينيون بالدرجة الأولى، ولم تعترف بدولة إسرائيل، ولم تطالب بحقوق متساوية داخلها. ودعت منظمة التحرير الفلسطينية في حينها إلى تحرير فلسطين بأكملها من تلك الدولة المحتلة. لكنها منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، اتجهت تدريجيًّا نحو فكرة إنشاء دولة وطنية فلسطينية على أراضي فلسطين

المحتلة عام 1967 تحديدًا. كانت الانتفاضتان الأولى والثانية في غزة والضفة الغربية حركتَي تمرّد أو عصيان ضد الاحتلال، ولم

تكونا حركتَي احتجاجات للمطالبة بحقوق مدنية وسياسية متساوية في دولة واحدة. وهكذا، كانت مظاهرات أيار/ مايو 0212 ضد سياسات الاحتلال وحركة الاستيطان في القدس. لم تتبنَّ أي حركة سياسية فلسطينية منظمة ذات استمرارية هدف المساواة داخل دولة واحدة تضم قوميتين يهودية إسرائيلية وفلسطينية عربية، بغضّ النظر عن مدى احتمال قبول إسرائيل بهذا الطرح في المفاوضات الحالية (والتي لا تزال تمثل الاستراتيجية السياسية الوحيدة للقيادة الفلسطينية). يؤيد الطيف السياسي الفلسطيني بأكمله، اليساري واليميني والإسلامي والقومي، قيام دولة فلسطينية مستقلة، بصرف النظر عن الخلافات الأخرى داخله. لكن حقيقة أن اقتراح الدولة الثنائية القومية لم يتقدّم به الديمقراطيون الفلسطينيون إلا مؤخرًا، لا يجعله أقل جدّية أو جدارة بالمناقشة. بل على

العكس تمامًا. وإنني إضافة إلى ذلك، لا أرى لدى الفلسطينيين عقبات أيديولوجية أو بنيوية كبيرة

تحول دون تبني هذا البرنامج. فمن مصلحة الشعب الفلسطيني طرح برنامج ديمقراطي يتضمّن حق

العودة ويحتفظ بحقوق فلسطينية أخرى غير قابلة للتصرّف، إلى جانب توفير بديل عقلاني وعادل

للمواطنين اليهود. وفي حال قبول الفلسطينيين أنفسهم بهذا الحل، لن تقف أمامه عقبات جدّية في العالم العربي أيضًا. ويشير سلوك الناس إلى قبول النضال من أجل حقوق متساوية في ظل نظام واحد، لكن خطاب الناشطين من مختلف الفصائل السياسية لا يزال "دوغمائيًا" متزمتًا. تكمن المشكلة في أن إسرائيل لم تقبل قَطُّ هذا الاقتراح الافتراضي، ولم تقبله أي قوة سياسية أو اجتماعية إسرائيلية. ويشكّل ذلك العائق الرئيس أمام تبنّيه من قبل النخبة السياسية الفلسطينية، التي

ترى في مفاوضات السلام خيارها الوحيد؛ أي المفاوضات الجارية مع إسرائيل كما هي اليوم، في ظل اختلال توازن القوى الحالي. إن نموذج الدولة الثنائية القومية ليس "حلًّ" يمكن تصوّر نشوئه في أثناء المفاوضات في سياق ديناميات القوى الحالية. ومن ناحية أخرى، لن تتولد منه أيضًا نسخة مقبولة من حل قائم على الدولتين. أما القوى الفلسطينية التي تتبنى صيغًا مختلفة من خطاب الكفاح المسلح لتحرير فلسطين (على الرغم من أن ما تقوم به هو مقاومة مسلحة وليس تحريرًا)، فإن الخطابات والشعارات والاستراتيجيات التي تتبنّاها تتعارض مع مفهوم الدولة الثنائية القومية ومع روح "الدولة الواحدة". وفي حالة الإسلاميين، فإنها تتعارض أيضًا مع فكرة المواطنة الديمقراطية في دولة علمانية. من الواضح تمامًا أنْ لا جدوى من انتظار موافقة شريحة كبيرة من المجتمع الإسرائيلي على هذا الاقتراح، فالأقوياء لا يتنازلون عن امتيازاتهم طواعية. وحلّ الدولة الواحدة يتضمّن تخليًا عن الامتيازات الممنوحة لليهود. وينطبق هذا بشكل أكبر على فكرة دولة ديمقراطية علمانية واحدة تستند إلى مبدأ المواطنة فحسب (من دون أخذ القوميات في الحسبان) أكثر ممّا ينطبق على فكرة الدولة الثنائية القومية، التي يمكن أن تكون أيضًا دولة ديمقراطية علمانية لكنها قائمة على الاعتراف بقوميتين في إطار اتحاد فدرالي (في حين أن نموذج الكونفدرالية هو في الواقع تعبير آخر عن نموذج الدولتَين). وأخيرًا، لا توجد دولة ديمقراطية عربية وازنة في المنطقة تقدّم نموذجًا سياسيًا بديلً جذابًا، أو دولة عربية تكرّس عملها لصالح مواطنيها جميعًا، بغض النظر عن أصولهم الدينية أو العرقية. وتونس هي المثال الوحيد (غير المستقر حتى الآن كما يبدو)، وهي دولة متجانسة نسبيًا (من الناحية الإثنية والدينية). وقد يكون "التجمع الوطني الديمقراطي"، هو القوة العربية السياسية المنظمة التي تطرح برنامجًا قد يذهب في اتجاه "دولة المواطنين" والحقوق الجمْعية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل؛ فهي حركة عربية فلسطينية داخل إسرائيل تجمع في برنامجها الدعوة إلى الاعتراف بالحقوق الجماعية القومية للعرب داخل الخط الأخضر بوصفهم جزءًا من الشعب الفلسطيني وسكانًا أصلانيين مع مطلب

المواطنة المتساوية في دولة لجميع مواطنيها. ولم تألُ إسرائيل جهدًا، حتى في الجانب التشريعي، لتقويض برنامجها والتأكيد على يهودية الدولة ومواجهة هذا التطلّع الديمقراطي.

((5(ليس واضحًا لي لماذا لم يستوعب الباحث محمود ممداني هذه النقطة، فليس من المعقول أنه أراد تشويه الحقائق عن قصد.

لقد ورد في كتابه أن التجمع ممثلً بكاتب هذه الدراسة طالبَ بدايةً بحقوق جماعية لأقلية قومية فقط، ثم تطوّر فكره وانتقل إلى

مطلب دولة المواطنين الذي يحبذه ممداني. والحقيقة أن التجمع طرح برنامج دولة المواطنين ضد دولة يهودية هي دولة اليهود منذ بداية تأسيسه عام 1995، واشتهر بذلك، من دون التنازل في برنامجه ونشاطه عن النضال من أجل الحقوق الجماعية للعرب بوصفهم

جزءًا من الشعب الفلسطيني، وبوصفهم سكان الباد الأصليين. ما سبب إيراده معلومات مغلوطة إذًا؟ ربما لأنه لا يقرأ العربية

ولا العبرية، وربما لأنه لا يقبل بنموذج آخر غير نموذج جنوب أفريقيا ويصر عليه ولا يتخيل برنامج ديمقراطية غيره، وهو النموذج

الذي لا يتضمن حقوقًا قومية للجماعات، ويعتبر المواطنة المتساوية حقوقًا فردية مناقضة لمطلب الحقوق القومية الجماعية. لكن هذه كلها لا تصلح أعذارًا لتبرير هذه الأخطاء التي وقع فيها، بل تفسيرًا ممكنًا لسبب وقوعه فيه. فالحديث عن حقائق وليس عن

خلاف في الرأي فقط. ينظر: Mamdani, pp. 312–317.

إن من تحوّل إلى تبني فكرة حل الدولة الواحدة في السنوات الأخيرة، فعل ذلك غالبًا لاعتقاده أن

حل الدولتين على طول حدود عام 1967 قد فشل، أو لإدراكه أن حل الدولتين المفترض لا يمكن أن يشمل حق العودة. وهذا التغيير في الرأي ليس نابعًا من إدراك أنّ حل الدولة الواحدة له فرص أفضل في النجاح؛ إذ لا يقدّم فشل الحل القائم على الدولتين في حدّ ذاته أسسًا كافية لنجاح نموذج الدولة

الواحدة. أما إذا اقتصر النقاش على الجانب النظري، فإن دولة ديمقراطية واحدة ثنائية القومية هي التي تلبّي الحقوق الوطنية والمدنية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تتضمّن رؤية ديمقراطية للشعب

الإسرائيلي اليهودي. لكن السبب الأساسي لعدم إحراز هذا الاقتراح تقدّمًا سياسيًا ملحوظًا هو رفضه من قبل إسرائيل (دولة

وشعبًا)، وغياب أي حركة يهودية جادّة قادرة على الدفاع عنه أمام الرأي العام. وعلى العكس من ذلك،

تستخدم القوى الليبرالية واليسارية الصهيونية الفكرةَ لإطلاق تحذيرات كارثية بشأن العواقب المحتملة للاحتفاظ بالسيطرة على مناطق مكتظة بالفلسطينيين، مثل قطاع غزة. وفي هذا الإطار، يُصوَّر حل

الدولة الواحدة بوصفه خطرًا قاتلً وتهديدًا يجب تفاديه بتقبّل حل الدولتين، على مضض. يستخدم

اليسار الصهيوني فكرة الدولة الواحدة بوصفها تهديدًا إذًا، ويفعل ذلك أيضًا بعض الفلسطينيين الذين "ينذرون" إسرائيل بأنها إنْ لم تقبل بحلّ الدولتين فسوف ينادون بدولة واحدة، وليس هذا التهديد تحبيبًا

للإسرائيليين بهذه الفكرة. وتلجأ إسرائيل الرسمية نفسها إلى حل الدولتين شكليًا فقط (الموقف الرسمي

منذ حكومة شارون، على الرغم من محاولات نتنياهو، ونفتالي بينيت مؤخرًا، المتكرّرة، التخلي عن

الفكرة حتى شكليًّا)، خشية أن تؤدي التطورات الطبيعية الجارية على الأرض إلى نشوء واقعٍ لا مناص

منه، شبيهٍ بنظام الفصل العنصري. باختصار، لا تشكّل الدولة الديمقراطية الواحدة "حلًّ" يمكن التوصّل إليه في المفاوضات بوصفه بديلً من حل الدولتين، ولا يمكن استنباطه من فشل حل الدولتين. ولا تقبل إسرائيل حل الدولتين ولا الدولة الواحدة الثنائية القومية لليهود والعرب. ولا يزال نموذجها من الاستعمار الاستيطاني الشبيه بنظام الفصل العنصري قائمًا في فلسطين ويترسّخ فيها. يصعب تجاهل عدم رغبة إسرائيل في الاندماج في المنطقة من خلال إبرام تسويات عادلة، وتفضيلها تحقيق الانتصار بالقوة بدلً من ذلك؛ ومن الطبيعي أن يقود هذا الإدراك إلى المقارنة بين السياق "العربي الإسرائيلي" الحالي والوضع التاريخي للدول الصليبية في المنطقة العربية. ليس في الأمر

((5(تضمنت خطة شارون لفك الارتباط عن غزة ضم وادي الأردن والكتل الاستيطانية. وشرحها إيهود أولمرت صراحة بأنها "انسحاب إلى الخطوط التي اخترناها" من أجل تفادي نموذج جنوب أفريقيا (الذي بدأنا باستخدامه لتوصيف الواقع في فلسطين في تلك المرحلة وما قبلها). يُنظر:

David Landau, "Maximum Jews minimum Palestinians: Ehud Olmert speaks out," Haaretz , 13/11/2003, accessed on 22/9/2021, at: https://bit.ly/3fOQQ6D

((5(هنا أتفق مع مهران كامرافا في أن فرص التوصل إلى حل عادل في المستقبل المنظور تظل قاتمة.

Mehran Kamrava, The Impossibility of Palestine: History, Geography and the Road Ahead (New Haven/ London: Yale University Press, 2016), pp. 216–223.

تشابه بنيوي. فحملات الفرنجة ذات الطابع الديني كانت قبل مرحلة الاستعمار الحديث. ومن ناحية أخرى، على الرغم من أن نشوء إسرائيل بوصفها دولة أتى ثمرةً لمشروع استعماري وتطهير عرقي ودعم إمبريالي، فإنها تحوّلت إلى دولة وطنية حديثة في سياق نظام دولي لم يكن قائمًا في الماضي، بينما

أنشأ الصليبيون ممالك دينية إقطاعية قبل عصر القوميات. وقد بنَت إسرائيل اقتصادًا متقدّمًا وجيشًا

حديثًا وطوّرت ثقافة عبرية وأسلحة نووية، ثمّ إنّها لا تحظى بدعم الولايات المتحدة فحسب، بل

تحظى أيضًا بالتزامها غير المشروط بمتطلّبات الأمن التي تحدّدها إسرائيل بنفسها. ولم تنعم الممالك الصليبية بهذا القدر من التفوّق. ويكمن التشابه المقصود هنا في وجه واحد فقط: كيان دخيل غير

شرعي في المنطقة، وتصرف الكيان نفسه على هذا الأساس. حتى بعد أن اقترح العرب رسميًا تسويات ومبادرات سلام ممكنة عدّة، كان رفض إسرائيل مؤشرًا مهمًّا

يدلّ على عدم الاكتراث لمسألة الاندماج في المنطقة. فالمنطقة، من وجهة نظرها، هي المطالبة بأن تتكيّف واحتياجات إسرائيل وتتغير وفقًا لذلك، وليس العكس. ولا تتعارض حقيقة إبرام إسرائيل تسويات

واتفاقيات عدّة مع دول عربية مختلفة، مع هذه المقولة. وهذا ما فعلته أيضًا كيانات الإفرنج في المنطقة؛ إذ لم يكن مقدرًا لها أن تبقى البتّة لو أن مصادر وجودها اقتصرت على القوة العسكرية وبناء القلاع. فإضافة

إلى تشييد ممالك الفرنجة للحصون والقلاع، عمّرت واحدة على الأقل من الممالك الأربع 190 عامًا؛ ليس

بالقوة وحدها، بل أيضًا بالاتفاقيات والمعاهدات المتعدّدة مع أمراء وسلاطين وملوك مجاورين، وحافظت على بقائها من خلال استغلال الانقسامات بينهم لنشر بذور الشقاق وتأليب القوى المتنافسة على بعضها. ومع ذلك، لم تتحول تلك الاتفاقيات إلى سلام حقيقي، ولم يتقبل أهل المنطقة تلك الممالك التي سميت "صليبية" بعد زوالها (وهي تسمية أوروبية وليست عربية أو إسلامية). واستمرّت في كونها تشكّل كيانًا

دخيلً إقليميًا من الناحيتين الثقافية والسياسية. وتجلّى اختبار القادة المسلمين المعاصرين لتلك الممالك

في الجهاد ضدها ومدى قدرتهم على هزيمتها في ساحة المعركة. وبالفعل، فشلت الدول الصليبية، على الرغم من جميع اتفاقياتها وتسوياتها السلمية، وجميع حملاتها العسكرية والمجازر التي ارتكبتها. إن ما دعاني إلى لفت الانتباه إلى هذه المقارنة ليس الاعتقاد أنّ إسرائيل سوف تواجه المصير ذاته، بل الحث على التفكير في الخيارات التي رفضتها إسرائيل والخيار الذي تبنّته: خيار أن تبقى دولة يهودية

شبيهة بنظام الفصل العنصري بوصفها بديلً مِن كلٍّ مِن حلّ الدولتين والدولة الواحدة. وباختصار، اختارت إسرائيل، وهي الدولة التي تأسست من خلال العدوان العنيف، الاستمرارَ في وجودها بوصفها

دولة استعمارية استيطانية معزولة، لا تندمج البتة في محيطها، بصرف النظر عن إقامة علاقات مع بعض الأنظمة الاستبدادية العربية المتنازعة مع شعوبها. فهي تعيش بحدّ السيف والاتفاقيات والهدن المؤقتة، وباستغلال الخصومات والانقسامات الإقليمية لصالحها. لكن مهما طال الزمن، فإن شرعية إسرائيل لا تترسّخ، ولن تترسّخ، في نظر المحيطين بها، ما دامت ترفض الاعتراف بالظلم الذي لحق

بالفلسطينيين، وتنأى عن التوصّل إلى تسوية عادلة معهم. وبما أن إسرائيل رفضت ما يراه العديد من الفلسطينيين والعرب حلولً مشروعة، وبغض النظر عن نجاحها أو فشلها في فرض حلّ جائر (يجري التفاوض عليه سرًّا أو علنًا) على القيادة الفلسطينية،

فإنها قد اختارت، من منظور تاريخي، مواصلة حالة النزاع الدائم من دون اكتساب الشرعية في نظر جيرانها. لن أجري المزيد من المقارنات التفصيلية بين النزاع المعاصر والحملات الصليبية. فليس هذا الأمر ما تهدف إليه هذه الدراسة، كما أنه ليس نموذجًا مفيدًا لفهم بنية إسرائيل. ومن نافلة القول أن نذكر أنّ

السياق التاريخي مختلف تمامًا. ولتبيين التشابه، يمكن الاستشهاد بالتحالفات العديدة التي عُقدت

بين الدول الصليبية وجيرانها، كالاتفاق مع الإمارات الشمالية الذي سمح للصليبيين في أنطاكية بشق طريقهم إلى القدس. وكذلك البحث عن أعذار لاحتلال فلسطين، مثل قضية قرار الخليفة الفاطمي المختل عقليًا الحاكم بأمر الله إحراق كنيسة القيامة، وحتى التحدّث عن كيفية استغلال الدين لتعبئة

المقاتلين. لكننا في النهاية، سنواجه الاعتراض المشروع القائل إن النظام الدولي المعاصر يختلف نوعيًا عما كان سائدًا في عصر الممالك الصليبية، وإن الدولة الحديثة تختلف عن كيانات ذلك الزمان

فضلً عن نشوء القوميات، وإن دور الدين تغيّر، وإن العلاقة بين إسرائيل والغرب أشد وثوقًا وفاعلية من

علاقة الممالك الصليبية بأوروبا (توفي البابا أوربانوس الثاني بعد أسبوعين كاملين من سقوط القدس، إلا أن تلك المدّة لم تكن كافية ليتناهى هذا الخبر إلى أسماعه). ولا ننسى، بالطبع، دور التكنولوجيا والعلوم. وليست الغاية من إجراء هذه المقارنات رسم صورة ساذجة لنهاية مماثلة لإسرائيل. فالنظام الدولي يختلف جذريًا، كما تختلف الدول الحديثة عن الإمارات السابقة، إنما القصد هنا هو التذكير

بأنه ذات يوم عاشت بعض الممالك في هذه المنطقة؛ وانعزلت عن محيطها، وتأسّست عن طريق

الغزو، واستقرّت؛ ليس عبر الاندماج مع السكان المحليين، بل عبر التمركز في قلاع منعزلة واستغلال

التنافس بين الكيانات السياسية المحلية. وفي ظل رفض جميع الحلول الممكنة التي تحظى بقدر من الشرعية، تكون إسرائيل قد اختارت البقاء خلف جدرانها، والاستمرار في العيش عن طريق عوامل الردع القاهرة، والاستفادة من الخلافات العربية الداخلية بين الأنظمة، وبين كل نظام استبدادي وشعبه. قد يصبح هذا الوضع حالة دائمة. فحتى اليوم، يحافظ هذا الخيار على رسوخه العميق لدى الرأي العام الإسرائيلي. فهو يستند إلى موقع القوة التي توفرها له علاقة إسرائيل المشوّهة وغير الصحية

بالولايات المتحدة؛ هذه العلاقة الثنائية التي لا مثيل لها في العصر الحديث. ويبدو أنه من غير المرجح أن تقبل إسرائيل بحل الدولة الواحدة، أو حل الدولتين في أي وقت قريب. وعلى الرغم من ذلك، سيستمر الفلسطينيون في رفض التسويات غير العادلة، إلا أنه يتعيّن عليهم، إضافة إلى ذلك، اقتراح

برنامج ديمقراطي متماسك يشمل اليهود والعرب. وهذا أحد أشكال المقاومة الذي يحقّق مكاسب جزئية، لكنها مهمة، ويوقف آلية تطبيع هذا الوضع الاستعماري الاستيطاني الشبيه بنظام الفصل العنصري. وبغية تحقيق ذلك، يجب على الفلسطينيين تبني استراتيجية مقاومة طويلة الأمد، تضمّ

القوى الديمقراطية داخل المنطقة وخارجها. وبعد إدراك أن الأوضاع الراهنة لا تفرز حلولً عادلة (لا دولة واحدة ولا دولتين)، فإن التوصية هي البحث في الاستراتيجيات وليس في الحلول، والمقصود هو استراتيجيات نضال الشعب الفلسطيني ضد نظام الأبارتهايد، التي تلتقي النضالات المحلية اليومية ضد ممارسات النظام في أرجاء فلسطين كافة، مرورًا

بالمستوى الوطني والإقليمي، ووصولً إلى الالتقاء مع القوى الديمقراطية في العالم كلّه. والاستراتيجية لا تطرح نظريًا، بل بارتباط مع قوة سياسية منظمة على المستوى الوطني. فأين هي؟ هذا هو السؤال. إنه نضال طويل، يجب إدارته بالطريقة الصحيحة. فالزمن لا يسير لصالح الاستعمار الاستيطاني بالضرورة، ولكنه يؤول لصالح من يستغله على أفضل وجه. وهذا أحد أهم دروس السبعين سنة الماضية.

References

المراجع

العربية

الأمم المتحدة، اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية. تقرير اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية، الصيغة النهائية لمشروع نص أركان الجرائم. 000/11/1:.2 في https://bit.ly/3DntjUP بشارة، عزمي. "الأقلية الفلسطينية في إسرائيل: مشروع رؤية جديدة". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 3، العدد 11 (صيف.)1992 _______. "مائة عام من الصهيونية، من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر". مجلة الكرمل. العدد 53 (خريف.)1997 _______. الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى. ط.2 رام الله: مواطن – المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،.2002 _______. من يهودية الدولة حتى شارون. القاهرة: دار الشروق،.2005 _______. "قانون القومية: كم مرة سوف يعلنون قيام إسرائيل؟". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (تموز/ يوليو.)2018 حوراني، فيصل. الفكر السياسي الفلسطيني 1947–1964: دراسة للمواثيق الرئيسة لمنظمة التحرير الفلسطينية. بيروت: مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية، 1980 صايغ، فايز. الاستعمار الصهيوني في فلسطين. ترجمة وتحقيق عبد الوهاب الكيالي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1965 المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. 1965/12/21:. في 0 nNCHw /3 ly. bit:// https "نظام تفوق يهودي من النهر إلى البحر: إنه أبارتهايد". ورقة موقف. بتسيلم – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة. 021/1/12:.2 في cOw /3919 ly. bit:// https "يهورام بن شالوم وآخرون ضد لجنة الانتخابات المركزية والقائمة التقدمية للسلام". قرارات المحكمة العليا. مج  43، العدد 4.)1989(

الأجنبية

Abu Hussein, Hussein & Fiona McKay. Access Denied: Palestinian Land Rights in Israel. London/ New York: Zed Books, 2003 Abu–Lughod, Ibrahim & Baha Abu–Laban (eds.). Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance. Wilmette: Medina University Press International,

Adams, James. The Unnatural Alliance: Israel and South Africa. London: Quartet Books, 1984. Avnery, Uri. "A Binational State? God Forbid: A Response to Azmi Bishara." Journal of Palestine Studies. vol. 28, no. 4 (Summer 1999). Azoulay, Ariella & Adi Ophir.  The One–State Condition: Occupation and Democracy in Israel/Palestine. Tal Haran (trans.). Stanford: Stanford University Press, 2012. Barakat, Rana. "Writing/Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History." Settler Colonial Studies. vol. 8, no. 3 (2018). Ben–Gurion, David. "Speech in the Knesset Session for Discussing the Law of Return." The Protocols of the Knesset. vol. 7 (1950). Braverman, Irus. "Bridging the Green Line: The PA, Israeli Arabs, and Final Status. An Interview with Azmi Bishara." Journal of Palestine Studies. vol. 26, no. 3 (Spring 1997). _______. "Environmental Justice, Settler Colonialism, and More–than–Humans in the Occupied West Bank." Environment and Planning E: Nature and Space.  vol. 4, no. 1

Brecher, Michael. The Foreign Policy System of Israel. New Haven: Yale University Press, 1974). Carter, Jimmy. Palestine: Peace not Apartheid. New York: Simon & Shuster, 2006. Chazan, Naomi. "The Fallacies of Pragmatism: Israeli Foreign Policy towards South Africa." African Affairs. vol. 82, no. 327 (April 1983). Goldstein, Alyosha & Alex Lubin (eds.). "Special Issue: Settler Colonialism: United States, South Africa, Eritrea, and Palestine/Israel." South Atlantic Quarterly. vol. 107, no. 4 (2008). Greenstein, Ran Zionism and Its Discontents: A Century of Radical Dissent in Israel/ Palestine. London: Pluto Press, 2014. Halper, Jeff.  Decolonizing Israel, Liberating Palestine: Zionism, Settler Colonialism, and the Case for One Democratic State. London: Pluto Press, 2021. Hawari, Yara, Sharri Plonski & Elian Weizman. "Settlers and Citizens: A Critical View of Israeli Society." Settler Colonial Studies. vol. 9, no. 1 (2019). Hermann, Tamar. "The Bi–national Idea in Israel/Palestine: Past and Present." Nations and Nationalism. vol. 11, no. 3 (2005).

"International Convention on the Suppression and Punishment of the Crime of Apartheid, Adopted by the General Assembly of the United Nations on 30 November 1973." United Nations Treaty Collection. vol. 1015, no. 14861 (1976). at: https://bit.ly/3uYbp61 Jabbour, George. Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East. Beirut: Palestine Liberation Organization Research Center, 1970. Joseph, Benjamin M. Besieged Bedfellows: Israel and the Land of Apartheid. New York: Greenwood Press, 1988. Kamrava, Mehran. The Impossibility of Palestine: History, Geography and the Road Ahead. New Haven/ London: Yale University Press, 2016. Kemp, Martin (ed.). "Special Issue: Settler Colonialism: The Palestinian/Israeli Case." International Journal of Applied Psychoanalytic Studies. vol. 17, no. 2 (June 2020). Khalaf, Salah & Eric Rouleau. My Home, My Land: A Narrative of the Palestinian Struggle. Linda Butler Koseoglu (trans.). New York: Times Books, 1981. Khalidi, Rashid. "Israel: 'A Failed Settler–Colonial Project'." Institute for Palestine Studies. 10/5/2018. at: https://bit.ly/3bHckRv Levy, Daniel & Yfaat Weiss (eds.). Challenging Ethnic Citizenship: German and Israeli Perspectives on Immigration. New York/ Oxford: Berghagen Books, 2002. Mamdani, Mahmoud. Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities. Cambridge/ London: Belknap Press of Harvard University Press, 2020. Masri, Mazen. "Colonial Imprints: Settler–Colonialism as a Fundamental Feature of Israeli Constitutional Law." International Journal of Law in Context. vol. 13, no. 3

Morris, Benny.  One State, Two States: Resolving the Israel/Palestine Conflict. New Haven/ London: Yale University Press, 2009. Naber, Nadine et al. "On Palestinian Studies and Queer Theory." Journal of Palestine Studies. vol. 47, no. 3 (2018). Neve, Gordon & Moriel Ram. "Ethnic Cleansing and the Formation of Settler Colonial Geographies." Political Geography. vol. 53 (2016). Pappé, Ilan & Noam Chomsky. On Palestine.  London: Penguin Books, 2015. Pappé, Ilan (ed.). The Israel/Palestine Question: Rewriting Histories. London/ New York: Routledge, 1999. _______. "Shtetl Colonialism: First and Last Impressions of Indigeneity by Colonised Colonisers." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). Robinson, Shira. Citizen Strangers: Palestinians and the Birth of Israeli Liberal Settler State. Stanford: Stanford University Press, 2013. Rodinson, Maxime. Israel: A Colonial Settler–State? New York: Monad Press, 1973.

Rouhana, Nadim (ed.). Israel and its Palestinian Citizens: Ethnic Privileges in the Jewish State. New York: Cambridge University Press, 2017. _______. "Homeland Nationalism and Guarding Dignity in a Settler Colonial Context: The Palestinian Citizens of Israel Reclaim their Homeland." Borderland e–Journal. vol. 14, no. 1 (Spring 2015). Rouhana, Nadim N. & Nadera Shalhoub–Kevorkian (eds.). When Politics Are Sacralized: Comparative Perspectives on Religious Claims and Nationalism. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Sa’di, Ahmad. "Israel’s Settler–colonialism as a Global Security Paradigm." Race & Class. vol. 63, no. 2 (April 2021). Sabbagh–Khoury, Areej. "Tracing Settler Colonialism: A Genealogy of a Paradigm in the Sociology of Knowledge Production in Israel." Politics & Society (2021). Salamanca, Omar Jabary et al. "Past is Present: Settler Colonialism in Palestine." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). "Settler Colonial Studies and Israel–Palestine." Settler Colonial Studies. vol. 5, no. 3

Shalhoub–Kevorkian, Nadera. Security Theology, Surveillance and the Politics of Fear. Cambridge Studies in Law and Society. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. "Special Issue: Israeli Settler–Colonialism and the Palestinian Naqab Bedouin." Journal of Holy Land and Palestine Studies. vol. 15, no. 1 (May 2016). "Special Issue: New Directions in Settler Colonial Studies." Postcolonial Studies. vol. 23, no. 1 (March 2020). "Special Issue: Settler–Colonialism and Indigenous Rights in Al–Quds/Jerusalem." Journal of Holy Land and Palestine Studies. vol. 17, no. 1 (May 2018). Tabar, Linda & Chandni Desai. "Decolonization is a Global Project: From Palestine to the Americas." Decolonization: Indigeneity, Education & Society. vol. 6, no. 1 (2017). Tarabulsi, Fawwaz. "The Palestine Problem: Zionism and Imperialism in the Middle East." New Left Review. vol. 1, no. 57 (September–October 1969). Usher, Graham. "Bantustanisation or Bi–nationalism? An Interview with Azmi Bishara." Race & Class. vol. 37, no. 2 (1995). Veracini, Lorenzo. "Introducing: Settler Colonial Studies." Settler Colonial Studies. vol. 1, no. 1 (2011). _______. "Is Settler Colonial Studies Even Useful?" Postcolonial Studies. vol. 24, no. 2

_______. "The Other Shift: Settler Colonialism, Israel and The Occupation." Journal of Palestine Studies. vol. 42, no. 2 (April 2013). _______. Settler Colonialism: A Theoretical Overview. London: Palgrave Macmillan,

Wolfe, Patrick. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006). Zohar, Maor. "Moderation from Right to Left: The Hidden Roots of Brit Shalom." Jewish Social Studies.  vol. 19, no. 2 (2013). Zureik, Elia. "Settler Colonialism, Neoliberalism and Cyber Surveillance: The Case of Israel." Middle East Critique. vol. 29, no. 2 (2020). _______. Israel’s Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit.  Abingdon/ New York: Routledge, 2016. _______. Palestinians in Israel: A Study of Internal Colonialism. London: Routledge; Boston: K. Paul, 1979.