العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تحولات نخبة النظام الحاكم في الحرب الأهلية السورية (2016-2021): مقاربة سوسيو - اقتصادية

تحولات نخبة النظام الحاكم في الحرب الأهلية السورية (2016-2021): مقاربة سوسيو - اقتصادية

Regime Elite Turnover in the Waning Syrian Civil War (2016–2021): A Socio-Economic Approach

عمار الشمايلة *

| آلان الأوسكان **

| محمد زهر ***

Ammar Shamaileh, Alan Aloskan, Mohammed Zahr

الملخّص

* أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا (المؤلف المسؤول.)

** باحث، يُكمل دراسته للماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

*** باحث، حاصل على ماجستير العلوم السياسية والعلاقات الدولية من معهد الدوحة للدراسات العليا.

Abstract

This article analyses changes that occurred to the landscape of the political and economic elites during the Syrian Civil War and focuses in particular on transformations that ensued once the regime’s focus turned away from winning the war and toward consolidating power. It is argued that weak leaders operating in networks where regime elites are fractured can find themselves in a state of precarious stability, where there is no need to immediately engage in power-sharing with elites but the potential for elite networks to evolve into a threat is high. In such cases, leaders are motivated by strategic incentives to make frequent changes to the elite landscape to prevent powerful networks from arising within the regime. This empirical analysis provides evidence that the Syrian regime’s efforts to maintain Assad’s rule have been characterized by drastic repeated changes to both who is favoured and the extent of their reach within Syria.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرب الأهلية السورية
  • الحكومة السورية
  • مشاركة السلطة
  • شبكات السلطة
  • النخب
Keywords:
  • The Syrian Civil War
  • The Syrian Government
  • Power Sharing
  • Elites

عمار الشمايلة * | آلان الأوسكان ** | محمد زهر *** (((((((((

ملخص: تقدّم هذه الدراسة تحليلً للتغيرات التي طرأت على مشهد النخبة السياسية

والاقتصادية، إبّان الحرب الأهلية السورية، وتركز خصوصًا على تلك التبدلات التي عاشتها

هذه النخبة مع تحوّل تركيز النظام الحاكم من الانشغال بكسب الحرب إلى العمل على

تعزيز سلطته. تجادل الدراسة بأن الزعماء الذين يمرون بفترة ضعف ويعملون ضمن شبكات

من النخب الممزقة قد يجدون أنفسهم في حالة من "الاستقرار المتزعزع". في هذه الحالة،

لا تكون هناك حاجة مباشرة إلى مشاركة السلطة مع النخب، ولكن يرتفع احتمال تطور

شبكات النخب هذه لتشكل تهديدًا. في حالات كهذه، تدفع الحوافزُ الاستراتيجية الزعماءَ

لإجراء تغييرات دورية في مشهد النخبة، وذلك للحيلولة دون صعود شبكات نافذة داخل

النظام الحاكم، تحدّ من مجال مناوراته السياسية. تُقدِّم هذه الدراسة، اعتمادًا على تحليل

إمبريقي، دليلً على أنّ جهود النظام السوري للإبقاء على حكم الأسد كانت قائمة على

إجراء تغييرات جذرية متكررة، مسّت على حدّ سواء أصحاب الامتياز في النخبة، وحدود

امتداد نفوذهم داخل سورية.

Professor of Political Science and International Relations at the Doha Institute for Graduate Studies (Corresponding Author). Email: ammar.shamaileh@dohainstitute.edu.qa

Researcher, completing his Master’s in the Political Science and International Relations program, Doha Institute for Graduate Studies. Email: aal095@dohainstitute.edu.qa

Researcher. He received a Master’s degree in Political Science and International Relations from the Doha Institute for Graduate Studies Email: mza001@dohainstitute.edu.qa

Abstract: This article analyses changes that occurred to the landscape of the political and economic elites during the Syrian Civil War and focuses in particular on transformations that ensued once the regime’s focus turned away from winning the war and toward consolidating power. It is argued that weak leaders operating in networks where regime elites are fractured can find themselves in a state of "precarious stability", where there is no need to immediately engage in power– sharing with elites but the potential for elite networks to evolve into a threat is high. In such cases, leaders are motivated by strategic incentives to make frequent changes to the elite landscape to prevent powerful networks from arising within the regime. This empirical analysis provides evidence that the Syrian regime’s efforts to maintain Assad’s rule have been characterized by drastic repeated changes to both who is favoured and the extent of their reach within Syria.

مقدمة

خلال النزاع الدائر حاليًا في سورية، انقلبت الكفة شيئًا فشيئًا، ولكن بثبات لصالح القوات

الحكومية، بيد أنّ نخب النظام الحاكم ما تزال تعيش، رغم ذلك، في حالة من التزعزع وعدم الاستقرار. وشهدت هذه النخب، منذ تحوّل الاحتجاجات في سورية في عام 2011 إلى حرب أهلية،

ما يبدو أنه عمليات تغيير متسارعة قادت إلى صعود مجموعة من الشخصيات لتحتل موقع الصدارة ولكن إلى حين؛ إذ سرعان ما يجري استبدالها بأخرى. ترافق كل ذلك بتحولات في توزيع السلطة السياسية داخل النظام الحاكم، وهي تحولات ذات صلة بمجمل التغييرات سابقة الذكر، وعلى القدر ذاته من الأهمية. وعلى الرغم من تراجع زخم الحرب في سورية، فإن شدّة الصراع بين النخب المنحازة إلى النظام تزداد زخمًا. فمشهد النخبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية اليوم، وعلى نحوٍ مشابه

لفترات الاضطراب السياسي السابقة التي شهدتها سورية، يمرّ بتحولات قد تترك آثارًا طويلة الأمد في

النسيج السياسي للمجتمع. وفي حين انشغل الخطاب الرائج حول المجال الاقتصادي بتحديد من بات مهيمنًا فيه، تقوم إحدى التضمينات الرئيسة لهذه الدراسة على فكرة أنّ صعود طرف اقتصادي مهيمن جديد أمرٌ مستبعد ما دام نظام الحكم قائمًا في شكله الحالي. مع تنامي أفضلية القوة القسرية لنظام الحكم القائم، مقارنةً بخصومه المحليين، تحوّل مركز اهتمام هذا

النظام، من الانشغال بالتغلب على التهديدات المفروضة عليه من خارجه إلى تجنّب صعود تهديدات

تنبع من داخله. وانصبّت هذه الجهود بدايةً على تعزيز لامركزية الأذرع المسلّحة التي تقاتل لصالحه،

لكنّها تعدّت ذلك شيئًا فشيئًا لتشتمل على إجراءات هدفت إلى تغيير المشهد السياسي والاقتصادي

(((عُرضت النسخة الأولية من هذه الورقة في ورشة عمل "صراعات مجمدة" التي عقدها "مشروع العلوم السياسية للشرق الأوسط"

(POMEPS) Science) Political East Middle on Project (. يود المؤلفون شكر المشاركين في هذه الورشة لإرشاداتهم وتوجيههم في المراحل المبكرة من كتابة مخطوطة هذه الورقة.

The initial version of this paper was presented in the POMEPS "Frozen Conflicts" Workshop. The authors thank the participants of this workshop for their advice and guidance in the early stages of this manuscript’s development. (2) Haid Haid, "Reintegrating Syrian Militias: Mechanisms, Actors, and Shortfalls," Carnegie Middle East Center , 12/12/2018, accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/34AfXbI

برمّته. وقد اتصفت محاولات تحييد التهديدات التي من المحتمل أن تواجه النظام الحاكم بشموليتها،

إلا أنّ أهم ما تميزت به هو استهداف شبكات نخب السلطة السياسية والاقتصادية بتغييرات جذرية بدلً من العمل على إعادة مَركزَة السلطة. تقدّم هذه الدراسة سبرًا لتطوّر مشهد النخب في سورية، وللمعارك التي تدور رحاها اليوم داخل النظام

نفسه، مختبرةً حدود المَفهَمة المعروفة حول تعزيز الزعماء للسلطة في الأنظمة السلطوية. وهي تعمل،

بالاستناد إلى إطار "تعزيز السلطة" المفاهيمي، على تطبيق إطار عمل ثنائي الأبعاد يتناول مركزية موقع الزعيم ضمن الشبكة الحاكمة وقوة شبكات النخب. تنطلق الدراسة بدايةً من تمييز مفاهيمي بين تعزيز سلطة الزعيم Consolidation of a Leader’s Power من ناحية أولى، واتفاقيات مشاركة السلطة Power Sharing Agreements من ناحية ثانية، وحالة الاستقرار المتزعزع State of Precarious Stability من ناحية ثالثة؛ وتنتقل بعدها إلى تقديم رؤية تنظيرية تسعى لإيضاح الاستراتيجيات التي يرتكز إليها زعيمٌ عالق في حالة استقرار متزعزع،

وإلى اختبارها بالاستناد إلى مثال الحالة السورية. وتبيّن الدراسة كذلك تطوّر مشهد النخبة السياسية

والاقتصادية للبلاد اليوم بسرعة كبيرة، على غرار ما حدث خلال مراحل عدّة من الاضطراب السياسي في تاريخ سورية. ولمّا كانت قدرة بشار الأسد (2000–) في الحفاظ على السلطة للمدى الطويل من

دون أن تمثّل اليوم نتيجة حتمية محسومة، فإن النظام بات في السنوات الأخيرة يتسبّب، متعمّدًا، في

خلق حالة من الاضطراب داخل شبكات نخبه، للحيلولة دون صعود منافسين ممن يمتلكون القدرة على الاستمرار. هكذا يبدو الإخلال بشبكات النخب داخل النظام بمنزلة استراتيجية تبنّاها الأسد في المدى القصير للحفاظ على السلطة في أثناء الحرب الأهلية، بدلً من الحفاظ على الاستقرار في البنية القائمة.

أولا: تعزيز السلطة واستقرار النخبة

يحتاج كل الزعماء إلى تعاون مجموعة أفراد من داخل المجتمع للبقاء في السلطة. يبدو الأمر كذلك في جميع الأحوال، سواءً أطّرنا هذه المجموعة مفهوميًا باستخدام لغة "نظرية المُصطَفين" Selectorate

Theory لبروس بوينو دي ميسكيتا؛ التي تعتبر المجموعة النخبوية المصطفاة هي التحالف الفائز، أو عرّفناها وفق الترتيبات المؤسساتية التي تُميّز نظامًا ما، كتلك التي قدمتها باربارا جيديس وميلان سڤوليك.

نجد إذًا داخل كل الأنظمة مجموعةً تُعهَد إليها ممارسة المهمات المتعلقة بالحفاظ على سلطة الزعيم.

وبالعودة إلى المَفهمات المؤسساتية السائدة للأنظمة Regimes، فإن هذه الدراسة تعرّفها بأنها بنية توزيع

(((بما في ذلك إعادة ترتيب من المسموح له بالفوز بمقاعد في مجلس الشعب. يُنظر: يامن مغربي، "دماء جديدة في مجلس

الشعب السوري تعكس محاصصة روسية – إيرانية"، عنب بلدي، 2020/7/26، شوهد في 2022/2/14، في: https://bit.ly/34GpNZl

(4) Bruce Bueno De Mesquita et al., The Logic of Political Survival (Cambridge/ London:: MIT Press, 2005). (5) Barbara Geddes, Joseph Wright & Erica Frantz, "Autocratic Breakdown and Regime Transitions: A New Data Set," Perspectives on Politics , vol.12, no. 2 (2014), pp. 313–331; Milan Svolik, The Politics of Authoritarian Rule (Cambridge: Cambridge University Press, 2012).

السلطة ضمن الدولة. مع ذلك، بدلً من التركيز الجامد على المميزات المؤسساتية بغرض فهم عملية توزيع السلطة، تتسم الأنظمة ببنى الشبكات الحاكمة التي تتحكم في الدولة وفي سماتها. بهذا، يمكن أن يُنظر إلى هذه المَفهَمة على أنها توسيع لنطاق المَفهَمة المؤسساتية للأنظمة السياسية. تُعرّف النخب ضمن مجتمع ما، من خلال "سيطرتها على الموارد [أو المؤسسات] أو وصولها غير

المتكافئ إليها". تعتمد هذه الدراسة تعريفًا واسعًا للنخب يشمل كلّ أولئك الذين تكمن أفضليتهم النسبية في وصولهم إلى الأجهزة القسرية والفرص الاقتصادية والثروة والمؤسسات الحكومية ورأس المال الاجتماعي. انطلاقًا من ذلك، فإن الدراسة ترى هؤلاء الأفراد الذين يؤدي تعاونهم المتعمد مع النظام دورًا مهمهًّا في بقائه؛ نخبا ل Elites Regime، يُمكنها أن تعمل في المجال العام أو الخاص،

لكنها تؤدي جميعًا، بإرادتها الحرة وعلى الدوام، دورًا ما في مساعدته وزعيمه على البقاء. في المقابل،

فإن اعتمادية النظام على هذه النخب وما يقدمه لها من امتيازات، هو ما يجعل منها في الوقت ذاته أعظم تهديد يواجه الزعيم. إن طول بقاء زعيم أوتوقراطي في الحكم لا يعني ضمنيًا تعزيز سلطته داخل النظام. اعتاد الباحثون،

عمومًا، وبإدراكهم تنوّع الترتيبات المحددة التي تسِم الأنظمة السياسية، على مفهمة القوة النسبية

للزعماء وعلاقتهم بالنخب، باستخدام مقاييس أحاديةِ أو ثنائيةِ الأبعاد. مؤخرًا، وفي مقالة مبدعة

منهجيًا، حاولت جينيفر غاندي وجين سمنر قياس تعزيز سلطة النظام بوصفها سمةً كامنة Latent

Trait، باستخدام نظرية الاستجابة للبند Item Response Theory. ترى الباحثتان أنه في إمكان الزعماء الأوتوقراطيين البقاء في السلطة باعتماد نوعين من الترتيبات. وفق النوع الأول، يعقد الزعيم اتفاقيات مشاركة السلطة مع نخب النظام، يفرض بموجبها على نفسه قيودًا مؤسساتية، ويكون مرغمًا

على إشراك النخب في عملية اتخاذ القرار وفي تقاسم موارد الدولة. أما في النوع الثاني، فيعزّز الزعيم سلطته من خلال إضعاف النخب عبر حملات تطهير وعمليات محددة الأهداف. والحال هذه، فإن كلا الترتيبَين يمكنه أن ينتج زعماء يظلّون في السلطة فترات زمنية طويلة، على اعتبار أنّ أيّ

زعيم تمكَّن بالفعل من توطيد سلطته سيكون هو صاحب القوة نسبي ا داخل النظام، في حين سيتّسِم

أولئك الذين يشاركونه السلطة بالضعف النسبي.

(((إننا نقوم بذلك مع اعترافنا بأن هناك مَفهَمات صالحة وجذابة أخرى، بما في ذلك تلك التي قدمها مؤخرًا كل من أدهم صولي

وريموند هينبوش في مقالتهما  الأخيرة: أدهم صولي ورايموند هينبوش، "الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية تاريخية"، عمران، مج 10، العدد 37 (صيف 2021)، ص.35–7

(7) Shamus Rahman Khan, "The Sociology of Elites," Annual Review of Sociology , vol. 38 (August 2012), pp. 361–377. (8) Svolik. (9) Ibid. (10) Jennifer Gandhi & Jane Lawrence Sumner, "Measuring the Consolidation of Power in Nondemocracies," The Journal of Politics , vol. 82, no. 4 (October 2020), pp. 1545–1558. (11) Ibid. (12) Ibid. (13) Ibid.

إن الإطار المفاهيمي الذي تقدّمه غاندي وسمنر، إلى جانب باحثين آخرين، معقول ومفيد نظريًا، ولكن يظلّ هنالك بعض المجال المتاح لإضافة تفصيلات دقيقة لوصف علاقات السلطة بين النخب والزعماء، ونجد ذلك تحديدًا في حالة الزعيم الذي يتمتّع بأفضلية كبيرة على النخب، لكنه يعتبر نفسه مع ذلك في حالة متزعزعة بالنظر إلى ضعفه الذاتي الخاص كقيمة مطلقة. قد تحفّز هذه الحالات لدى النخب محاولة تشكيل شبكات يمكن أن تتحدى النظام في المستقبل المنظور؛ نظرًا إلى ضعف

الزعيم. يجد الزعيم، الذي ما زال في طور تعزيز السلطة، نفسه في حالة مشابهة، لكن حالما يصل إلى مرحلة التعزيز الفعلي للسلطة، ستتضاءل قدرة المواجهين من داخل النظام على نحوٍ ملحوظ. حالة الاستقرار المتزعزع، كما تُناقش هنا، هي الحالة التي يعتمد فيها الزعماء الضعفاء على شبكات نُخب متصدعة ولا مركزية. إنها حالة مستقرة نظرًا إلى غياب شبكات منافسة قابلة للبقاء في الوضع

الراهن، وهي متزعزعة بسبب احتمالية تشكيل شبكات يمكن أن تواجه الزعيم. وبذلك قد يضطر الزعماء الواقعون فيها إلى التعامل مع تهديدات مستمرة ومتزايدة. تنتج هذه الحالة وضعًا لا يجد فيه الزعيم نفسه مجبرًا على مشاركة السلطة مع نخب النظام، ولكنه كثيرًا ما يواجه تهديدات في وسعه

إدارتها والسيطرة عليها. تقوم هذه الدراسة على فكرة أنّ الاستقرار المتزعزع هو ما يسِم حالة بشار الأسد داخل نظامه، منذ انقلاب الظروف لصالحه، أو ربما منذ اندلاع الحرب نفسها. كيف يدير الزعماء التهديدات عندما يجدون أنفسهم في حالة من الاستقرار المتزعزع؟ إحدى الاستراتيجيات المحتملة هي التلاعب المستمر بمشهد النخبة بما يحول دون صعود الشبكات التي قد تهدد الزعيم. وعندما تغيب إمكانية خوض حملة تطهير واسعة النطاق للنخب، لكن مع وجود قدرة على الحفاظ على السلطة بسبب عجز النخب عن التنسيق لاختيار بديل، يمكن أن يحاول الزعماء إنتاج تغيير ثابت في مكونات ومصادر ثروة نخب النظام. علاوة على ذلك، قد يلجأ الزعماء إلى إتاحة الفرصة أمام من فقد الحظوة من نخب النظام لاستعادة بعض التحسن في ثرواته لاحقًا؛ ما يسهم في كبح أي حافز لدى هذه النخب لمقاومة ما قد يُتّخذ ضدها من إجراءات. هكذا يجد الزعماء أنفسهم في موضع يدفعهم إلى التلاعب المتكرر بشبكات النخب بغية الحفاظ على حكمهم، من دون الدخول في اتفاقيات مشاركة للسلطة، مضمرة أو صريحة.

ثانيًا: تصميم البحث

يبحث التحليل الإمبريقي التالي في الأنماط التاريخية والمعاصرة لعلاقات النخبة – الزعيم في سورية. اّوسيتسم عمومًا بكونه تحليلً نوعي Qualitative بطبيعته، يعمل على اختبار ما ورد سابقًا من توقعات

نظرية ومفهَمة ذات صلة بالقضية السورية، وذلك من خلال تحليل الأنماط التي تكشف عنها البيانات وبالاعتماد على منطق التفكير المغاير للواقع Reasoning Counterfactual لتأسيس معقولية النظرية بالنسبة إلى النظريات البديلة. تمثّل الحالة السورية ما يطلق عليه "القيمة المتطرفة للمتغير المستقل" Variable Independent the on Extreme، ويكون المتغير المستقل هنا هو نقطة تقاطع وجود زعيم

ضعيف وشبكة نخب نظام متصدعة. يقتصر البرهان الذي قمنا بعرضه هنا على مجرد فحص لمعقولية النظرية، واستطلاع للمسار الذي يؤدي من حالة الاستقرار المتزعزع إلى تبدّل نخبة النظام، ويقتصر الاختبار التجريبي بدوره على هذه الحدود. ينطوي هذا الاختبار على مكون زمني مهمّ؛ إذا أصبحت زعامة بشار الأسد في حالة استقرار متزعزع في أثناء الحرب الأهلية، فإننا سنتوقع زيادات في تبدّل النخب الاقتصادية والسياسية المنحازة إلى النظام بعد اندلاع الحرب مباشرة، وتحديدًا، اضطراب النخبة السياسية الذي سبق الحرب نتيجة جهود بشار الأسد لإضعاف الشبكات السياسية بالتزامن مع تقوية شبكات النخبة الاقتصادية. أما في ما بعد الحرب، فإننا نتنبأ بإضعاف شبكات النخبة الاقتصادية الموالية للنظام من دون أن يترافق ذلك مع تقوية شبكات النخبة السياسية. بمعنى آخر، نحن نزعم أنّ الشبكات الاقتصادية والسياسية لم تشهد، على نحوٍ متزامن، مستويات عالية من التبدلّات بعد الحرب. إنّ من شأن استطلاع التباين الزمني في تعزيز الأسد للسلطة ولشبكات نخب النظام أن يفتح الباب أمام المزيد من الاستطلاع النظري لهذه الديناميات. يعتمد الاستعراض التاريخي أساسًا على المصادر الثانوية، بغرض التأسيس للتقصي الذي سيأتي لاحقًا. بعد النقاش التاريخي، ستفحص الدراسة أنماط تبدل النخبة السياسية والاقتصادية لسورية. وسيركّز تحليل النخب السياسية على التبدل في حكومة ومجلس شعب سورية، وتحديدًا خلال الفترة 2021–2016. إنّ قاعدتي البيانات المستخدمتين هنا عبارة عن أجزاء من مشاريع جمع بيانات أصلية تهدف إلى تنظيم البيانات بشأن المؤسسات السياسية السورية وإتاحتها للباحثين. اعتمدت البيانات المتعلقة بالحكومات السورية أساسًا على قاعدة بيانات " WhoGov "، في حين جرى تعويض البيانات الناقصة وتصحيح الأخطاء في القاعدة بناءً على استطلاعنا للمصادر الأولية. أما البيانات

المتعلقة بأعضاء مجلس الشعب، فقد استُقيت من نتائج الانتخابات التي نشرتها الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا" وموقع مجلس الشعب السوري الرسمي. يركز فحص النخب الاقتصادية للنظام على المستويات العليا للفاعلين الاقتصاديين للنظام، وعلى تفاعلاته معها.

ثالثًا: استعراض تاريخي لنخب سورية الاقتصادية والاجتماعية في السياسة

على الرغم من أنّ جذور الأهمية السياسية التاريخية للأعيان المحليين في السياسة السورية ترجع إلى مراحل سابقة بكثير على الانتداب الفرنسي، فإنّ فترة الانتداب أدّت دورًا مهمًا في تعاون النخبة

(14) Jason Seawright, "The Case for Selecting Cases that are Deviant or extreme on the Independent Variable," Sociological Methods & Research , vol. 45, no. 3 (April 2016), pp. 493–525. (15) Jacob Nyrup & Stuart Bramwell, "Who Governs? a New Global Dataset on Members of Cabinets," American Political Science Review, vol. 114, no. 4 (2020), pp. 1366–1374.

داخل البلاد. وفّرت مقاومة الاحتلال الفرنسي الدافع لنشاط سياسي موحد ومنظم تحت مظلة "الكتلة الوطنية". ورغم أنّ الانقسامات الداخلية برزت بأشكال متنوعة في هذه الفترة، فإن لمقاومة المستعمر دورًا مهمًا في توفير بعض مظاهر الوحدة. مع الاستقلال، برزت الانقسامات السياسية

المتزايدة التي فصلت أرستقراطية الأراضي في حلب وحماة وحمص عن برجوازية دمشق. كما أنّ الاضطراب السياسي الدائم في سورية ما بعد الاستقلال لم يترك مجالً كبيرًا لحركات سياسية

مسيطرة بصفة دائمة، بل أفسح المجال الأوسع أمام التدخل العسكري الدوري، ورغم ذلك، تصدّر القيادةَ السياسية الوطنية أفرادٌ من مجموعة صغيرة من عائلات النخبة من المناطق المذكورة

سابقًا. أُبعِدت مؤسسات الحكومة المركزية الوليدة التي ترأستها تلك النخب كثيرًا عن الحياة

اليومية للمواطنين، لكن الأعيان المحليين مارسوا سلطة غير رسمية على حواضنهم الشعبية بصفتهم وسطاء وزعماء اجتماعيين. كان من شأن اتحاد سورية مع مصر أن أحدث قطيعة في العلاقة بين السلطة السياسية والمكانة الاجتماعية، وحدث ذلك بالتزامن مع تراجع اقتصادي مسّ عائلات النخبة في سورية. ذلك أنّ

إصلاحات الأراضي عام 1958، وحملات التأميم الواسعة عام 1961، قادت إلى تدهور شديد في الوضع الاقتصادي للنخبة التقليدية، وتجاوزت تأثيراتها حدود المجال الاقتصادي، لتوجِّه

كذلك ضربة قاصمة إلى أولئك الذين كانوا في الموضع الأنسب لحماية سورية من العنف المفرط. وفي حين عاشت نخب سورية فترة راحة موجزة بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة، أعاد انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي، في عام 1963، مأسسة كثير من سياسات جمال عبد الناصر. عزّزت سيطرة حزب البعث على سورية تراجع النخب المدينية السنية القديمة وأرستقراطيي الأراضي الذين كانوا فاعلين مركزيين في السياسة السورية. وإلى جانب إضعاف قوتهم الاقتصادية، أعادت القيود على ملكية الأراضي والمؤسسات الخاصة تشكيل العلاقة الهرمية، المتصدعة أصلً، التي كانوا يتشاركونها مع حواضنهم الشعبية الموروثة. كان من شأن السياسات الصارمة لصلاح جديد بعد انقلابه في عام 1966 أن وسّعت من نطاق هذه القيود الاقتصادية،

(16) Philip Shukry Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920–1945 (Princeton: Princeton University Press, 2014). (17) Alasdair Drysdale, "The Syrian Political Elite, 1966–1976: A Spatial and Social Analysis," Middle Eastern Studies , vol. 17, no. 1 (January 1981), pp. 3–30. (18) Philip Shukry Khoury, "Continuity and Change in Syrian Political Life: The Nineteenth and Twentieth Centuries." The American Historical Review (December 1991), pp. 1374–1395. (19) Syed Aziz–al Ahsan, "Economic Policy and Class Structure in Syria: 1958–1980," International Journal of Middle East Studies, vol. 16, no. 3 (August 1984), pp. 301–323. (20) Steven Heydemann, Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict, 1946–1970 (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1999). (21) Drysdale.

ولم تترك سوى هامش ضيق للملكية الخاصة، ووفرت بذلك ظروفًا مناسبة لزعيم براغماتي لكي يستوعب أعضاء من طبقة التجّار، وهو ما حصل مع "الحركة التصحيحية" التي قادها حافظ

الأسد عام 1970، والتي رتّبت هذه العلاقة وأفسحت هامشًا ما للمشاريع الاقتصادية الخاصة المحدودة. كثيرًا ما وُصفت قاعدة دعم حافظ الأسد بأوصاف مناطقية، حيث تركّزت معاقل حكمه في المناطق

الريفية من الساحل وفي مدينتي دمشق ودرعا، ولم تكن نخب دمشق التقليدية عمومًا من ضمنها.

ومع ذلك، يبدو أنّ مأسسة التنازل البراغماتي السياسي والاقتصادي الذي تجسّد في "دستور عام

1973" وفي تخفيف القيود على الملكيات الصغيرة خاصة، قد أسهمت في استمرارية النظام. إذ فتح سقوطُ البرجوازية الكبيرة bourgeoisie Haute أبوابَ الفرص أمام البرجوازية الصغيرة Petite

bourgeoisie، وبدلً من التضييق على نمو الأعمال الصغيرة، عمل نظام البعث في الثمانينيات على توسيع نطاق هذا النمو. وفي حين اتّسم حكم حافظ الأسد بقمع سياسي بلا هوادة، عزز بيئة ذات قواعد مضمونة نسبيًا لتعمل فيها المشاريع الاقتصادية الصغيرة التي لا تُشكِّل تهديدًا لنظامه.

لقد كان الفساد واسع الانتشار، إلا أنّ طبيعته أتاحت للبرجوازية الصغيرة إمكانية المناورة، فقد كانت استمرارية عمل هذه الأخيرة تصبّ في مصلحة شخصيات النظام والضباط العسكريين الذين

يتقاضون الرشاوى. وبذلك اتسمت هذه الفترة إلى حدّ بعيد ببرجوازية دولة/ جيش واسعة استفادت من الأسواق الخاصة المُقيّدة. وقد شهِد اقتصاد سورية الاشتراكي المُغلق نسبيًا انفتاحًا تدريجيًا

خلال التسعينيات إثر الحاجة إلى تحفيز النمو الاقتصادي، ولكنّه ظل مُقيدًا ومسيطرًا عليه بشدة.

فضلً عن ذلك، أدى تعزيز القدرات القسرية للنظام من دون بناء تحالف موسع إلى تراجع شرعية الدولة. أسفرت خلافة بشار الأسد عام 2000 عن صعود برجوازية كبيرة جديدة مرتبطة بمعاقل قوة اقتصادية ذات صِلات قوية بالنظام، وتراجع البرجوازية الصغيرة التي شقّت لنفسها طريقًا في اقتصاد سورية المقيّد. في مشروع بحثي عن نشوء السلالة الحاكمة في سورية، يرى عمار الشمايلة أنّ مصلحة

(22) Ahsan. (23) Raymond A. Hinnebusch, "State and Civil Society in Syria," Middle East Journal , vol. 47, no. 2 (Spring 1993), pp. 243–257; Ahsan; Raymond A. Hinnebusch, "The Political Economy of Economic Liberalization in Syria," International Journal of Middle East Studies , vol. 27, no. 3 (1995), pp. 305–320. (24) Bassam Haddad, Business Networks in Syria: The Political Economy of Authoritarian Resilience (Stanford: Stanford University Press, 2011); Steven Heydemann (ed.), Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited (New York: Springer, 2004); Samer Abboud, "Economic Transformation and Diffusion of Authoritarian Power in Syria," in: Larbi Sadiki, Heiko Wimmen & Layla Al–Zubaidi (eds.), Democratic Transition in the Middle East: Unmaking Power (London/ New York: Routledge, 2013), pp. 159–177. (25) Fred H. Lawson, "Private Capital and the State in Contemporary Syria," Middle East Report, no. 203 (1997), pp. 8–30.

(((2 صولي وهينبوش.

بشار الأسد السياسية الاستراتيجية سهّلت صعود مجموعة جديدة من النخب الاقتصادية لتكون

ثِقلً مُوازنًا أمام الخصوم المحتملين من داخل النظام. كان حافظ الأسد زعيمًا عسكريًا في قلب

المشهد السياسي السوري منذ عام 1963 واستطاع، تدريجيًا، أن يُوازن لاعبي النظام المنافسين

بطريقة حفظت حكمه. في المقابل، كان بشار الأسد خلفًا ذا صِلات قوية بالأقارب والأبناء الكوزموبوليتانيين للسوريين المؤثرين، في حين لم يمتلك سوى صِلات ضعيفة بالجهاز العسكري والسياسي، وقد أتاحت عملية اللبرلة تقوية قطاع النظام الأكثر دعمًا لصعوده إلى السلطة. لم تعزّز

هذه اللبرلة المستعارة والسريعة، والتي نتجت على نحوٍ رئيس من ضعف بشار الأسد السياسي، حقوق الملكية، بل فتحت قطاعات محددة لأفراد بعينهم، وسمحت من ثمّ بتقوية وضع الحلفاء المقرّبين من بشار الأسد والقادرين على أن يُشكّلوا ثقلً موازنًا في وجه السلطة الراسخة للنخب

السياسية والاقتصادية القائمة، لتنتج عملية اللبرلة التي بدأت بقطاع الاتصالات المتخلّف، في الحصيلة، نظامًا اقتصاديًا مهيكلً هرميًا، يصبّ في صالح رامي مخلوف، ابن خالة بشار الأسد،

وشركته "شام القابضة". برز رامي مخلوف، وهو ابن رجل أعمال وثيق الصلة بالسلطة، بعد حصوله على الموافقة لافتتاح أول شركة اتصالات خلوية، لم تنافسها لاحقًا سوى شركة "أريبا" Areeba التي استحوذت عليها مجموعة "إم تي إن" MTN الجنوب أفريقية المملوكة جزئيًا كذلك لمخلوف. أقرّت الحكومة عام

2001 تأسيس البنوك الخاصة التي جرى تشغيلها في عام 2003. ومع لبرلة البنوك، استحوذ مخلوف أيضًا على أسهم العديد من البنوك الأجنبية التي سُمح لها بفتح أبوابها في البلاد،

كما أخذت النخب الاقتصادية الأخرى فعليًّا حصصًا متفاوتة من المصالح في هذه البنوك الجديدة

وشركات أخرى. أُسست بورصة سوق دمشق للأوراق المالية في عام 2006، وافتُتحت في عام 2009. وعلى الرغم من أنّ البورصة اقتصرت على عدد ضئيل من الشركات العاملة أساسًا في قطاعَي البنوك والتأمين،

فإنها سمحت بالدخول الفعّال لرأس المال الأجنبي إلى الأسواق السورية. وعلى الرغم من أنّ شركات أخرى ظهرت وازدهرت في هذه البيئة، فإن تشكيل شركات خاصة أكبر كان يتطلب الحصول على الموافقة الضمنية لمخلوف و"شام القابضة". انبثقت عن ذلك كله عملية لَبرلة نظّمت القطاع

(27) Ammar Shamaileh, "Political Succession, Crony Capitalism and Economic Development in Syria," The 116 th American Political Science Association’s Virtual Annual Meeting and Exhibition, "Democracy, Difference, and Destabilization", 9–13/9/2020.

(((2 للتوضيح، لم تكن هناك سياسة واحدة بعينها اتبعها النظام خلال العقد الأول من حكم بشار الأسد. ولم يَلقَ اقتصاد

السوق الاجتماعي الذي تولاه رئيس الوزراء السوري، عبد الله الدردري، ترحاب العديد من المسؤولين الذين ساعدوا في رسم سياسة سورية الاقتصادية، حتى بعد أن قُدّمت هذه السياسة على أنها تُعبّر عن موقف النظام في عام 2005، بل إنّ أفرادًا

معينين كانوا ينصحون أحيانًا بقرارات في اتجاهات مغايرة. ومع ذلك، فقد اتسمت هذه الفترة كلها باللبرلة الزائفة Pseudo–

.liberalization (29) Rashad Al–Kattan, "Mapping the Ailing (but Resilient) Syrian Banking Sector," Syria Studies, vol. 7, no. 3 (2015), pp. 1–36.

الخاص هرميًا تحت قوامة مخلوف، وكان من شأنها أن أعادت عملينًّا تشكيل طبيعة العلاقة بي

فاعلي القطاع الخاص والنظام. فأثّر هذا النظام الاقتصادي سلبيًا وعلى نحوٍ متفاوت في العديد من

المجتمعات المحلية الريفية والشركات الأصغر، واستفادت منه النخب الاقتصادية المنحدرة من دائرة الأسد. في نهاية المطاف، أنتج كل هذا قوة ثقل مضادة للنخب السياسية القديمة الفاعلة في الحزب والحكومة. ترافقت لَبرلة سورية مع إضعاف المؤسسات والشبكات السياسية العاملة داخل الدولة. يوضح الشكل (1) تغيرات الحكومات السورية بين عامي 1964 و 2021؛ ويُمثِّل عرض كل شريط على المحور الأفقي مدّة استمرارية الحكومة، في حين يمثِّل ارتفاع كل شريط نسبة الأفراد الذين عملوا في الحكومة السابقة، أما الأشرطة السوداء فتعبر عن تغيير رئيس وزراء الحكومة المشك لة. سجّلت الحكومة المشكّلة سنة

خلافة بشار الأسد معدّل بقاء أقل لوزراء الحكومة مقارنة بالحكومة المشكّلة بعد انقلاب حافظ الأسد في عام 1970. وعلى الرغم من أنّ الأخير أشرف على عملية تشكيل الحكومة الأولى لاستلام خليفته – وكان الكثير من أولئك الذين عزلوا بدايةً متهمين بالفساد – فإن الحكومة تشكّلت قبل شهور من توقعات موت حافظ الأسد. ومع أنّ الحكومات التي أدارت بيروقراطيات سورية لا تحضر بصفة بارزة في النقاشات بشأن السلطة في سورية بعد عام 1963، فإن التغيرات الكبيرة التي طرأت على هذه الحكومة (مجلس الوزراء) الأولى للأسد الابن إنما تعكس مدى ارتباط الخلافة بمحاولة إضعاف الشبكة القائمة. عمومًا، يُنظر عادة إلى السنوات الخمس الأولى المضطربة للنظام على أنها المرحلة التي كان بشار الأسد يحاول فيها تعزيز سلطته؛ إذ لم يتمكن من تولي التهديدات المحتملة أو القضاء عليها إلا بحلول عام 2005. مع ذلك يبدو أنّ النظام كان في حالة تغير دائم حتى بعد عام 2005، ولم يستقر على شبكة نخبة استطاعت الاستمرار. في عهد حافظ الأسد، استمرت آخر ثلاث حكومات 937 و 1702 و 2814 يومًا على التوالي، أما بعد استلام ابنه بشار الحكم، فلم تستمر أي حكومة أكثر من 665 يومًا. والحال هذه، فإن ما حدث في ترتيب ما قبل الحرب، إنما تمثّل في تقوية النخب الاقتصادية، وإعادة تشكيل الجهاز الأمني ليكون ملتف ا حول أفراد ذوي صلات عائلية، وإضعاف المؤسسات السياسية؛ وبهذا أضعِفت شبكة النخب السياسية قبل اندلاع الحرب الأهلية.

((3(محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصاح (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012 (((3 من المرجّح للغاية أنّ محمد الزعبي، رئيس الوزراء الذي اتهم بالفساد، كان قد شارك بممارسات فاسدة بتعاملاته مع شركة

الطيران "إيرباص"، بدا أنّ التهم التي كانت موجهة ضده وضد وزراء آخرين تهدف بوضوح إلى إفساح المجال لخ فااة بشار

الأسد. (((3 نحن نرى أنّ هذا مجال جرى تجاهله كثيرًا من الباحثين الذين يحاولون استعراض التغيير السياسي تحت حكم الأسد. يظهر

الشكل (1) بوضوح حدوث تغيرات بارزة في الأنماط المرتبطة بمعدلات البقاء، تشير إلى أنّ الزعماء أنفسهم كانوا يقيمون وزنًا لهذه

الحكومات، كما أنهم يحاولون التلاعب بتركيبتها لتجنّب التهديدات.

الشكل (1) معدل بقاء وزراء الحكومات

المصدر: من إعداد الباحثين.

رابعًا: الحرب الأهلية ومشهد النخبة

مثّلت الانتفاضة في سورية في عام 2011 والحرب الأهلية التي تلتها، بلا ريب، تحديًا للنظام،

لكن إن نحن تناولناها بأثر رجعي اليوم، فسنجد أنها ساعدت الأسد أيضًا بطريقة غير مباشرة، وذلك بتشجيعها الموالين الفاترين على الانشقاق أو الابتعاد عن الحياة العامة. أسهمت حملات الهمسِ التي أطلقها نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدّام وداعموه، بعد تولّي بشّار الأسد الحكم خلفًا لأبيه، في تسهيل تحديد التهديدات الصادرة عن لاعبي السلطة الراسخين الذين ورثهم الأسد، وتولّوا على مضض مهمة دعم توليه السلطة. ولكنّ عملية التظاهر بالتأييد التي مارستها شخصيات النظام الداخلية الأقل أهمية جعلت من الصعب رصد الآخرين الذين يمكن أن ينقلبوا على النظام. تجسّد عجز الأسد الابن عن تحديد أولئك الذين يمكن أن ينقلبوا عليه

من داخل نخب النظام السياسية بتعيينه رياض حجاب رئيسًا للوزراء في عام 2012، وهو ما يعني

أنه عندما وجد نفسه أمام خيار التصرف بصرامة أو توسيع دوائر النخب الموالية للنظام، اختار مُعينًا

مواليًا لم يكن معروفًا على نحوٍ واسع في سورية ليترأس حكومته الجديدة، والذي انشقّ بعد مرور

أقل من شهرين على توليه المنصب. إنّ حوادث كهذه إنما تظهر ضعف النظام في تلك المرحلة الزمنية، بيد أنها تشير كذلك إلى ما حققه من مكاسب غير مقصودة من الانتفاضة؛ إذ كان من شأن

(((3 باروت، ص.47–44

(34) Timur Kuran, "Now out of Never: The Element of Surprise in the East European Revolution of 1989," World Politics , vol. 44, no. 1 (October 1991), pp. 7–48; Ammar Shamaileh, "Never Out of Now: Preference Falsification, Social Capital and the Arab Spring," International Interactions , vol. 45, no. 6 (2019), pp. 949–975.

الضغط الذي واجهه النظام أن زوّد نخبه، غير المتمسّكة بالأسد، بالدافع لكي تنشقّ أو تنسحب من

المشهد العام أو تغادر البلاد بهدوء. بعد سلسلة من التغييرات الحكومية خلال عامي 2011 و 2012، استقرت حكومات النظام إلى حدّ ما خلال سنوات الحرب. ومع ذلك، استمرت تغييرات تركيبة الحكومات سنويًّا في ظلّ حكومتَي عماد خميس ووائل الحلقي. كان التبدّل البرلماني (الشكل 2) مرتفعًا كذلك في عامي 2012 و 2016، كما أنّ عملية التبدّل الدوري شملت أعضاء مجلس الشعب السوري طوال حكم بشار الأسد، وذلك على الرغم من القيود الشديدة التي فُرِضت على مجلس الشعب وجعلته عاجزًا نسبيًا (ظلّ مع ذلك أداة

مهمة بيد النظام لشرعنة فاعلين معينين وتحسين مواقعهم الاجتماعية). حينما واجه النظام تهديدات التظاهرات الشعبية في أثناء الربيع العربي، لم يستهدف المتظاهرون النظام السياسي القمعي فحسب، بل النظام الاقتصادي الفاسد كذلك. ففي عامَي 2011 و 2012،

مع بدء انشقاق بعض أعضاء "الحرس القديم" لسورية؛ أو ببساطة حجب الدعم عن النظام وتقلّص قواعد الجيش، اعتمد النظام على المعاقل الاقتصادية والبرجوازية الراقية، إلى جانب كادر من الفاعلين الاقتصاديين البارزين حديثًا، للحصول على الدعم الاقتصادي القسري. فقد استغل رامي مخلوف ومحمد حمشو حقائبهما الاقتصادية المتنوعة لصناعة ميليشيات قسرية متنوعة داعمة للنظام. وفي حين ارتبطت مساعي حمشو كثيرًا بشقيق الرئيس وقائد الفرقة الرابعة ماهر الأسد، وجرت بالتنسيق

معه، عمل مخلوف باستقلالية أكبر لتشكيل مساهمته في القوى الداعمة للنظام؛ إذ تمكّن، استنادًا إلى علاقته بالحزب السوري القومي الاجتماعي وإلى إمبراطوريته الاقتصادية الواسعة، من أن يشكّل تهديدًا للأسد من خلال ربط إمبراطوريته الاقتصادية بجهاز سياسي، وبجهاز خدمات اجتماعية متمثل ب "جمعية البستان"، إضافة إلى قوة قتالية كبيرة نسبياًّا. ولعل هذا م وفّر لمخلوف نفوذًا في المدى

القصير، بيد أنّ هذا النفوذ ذاته هو ما سيؤدي إلى زواله في نهاية المطاف. إضافة إلى اللاعبين الاقتصاديين الذين هيمنوا على سورية قبل الربيع العربي، ظهرت قوى اقتصادية جديدة، استخدمت الحرب فرصةً لاستغلال ثروتها في دخول صفوف نخبة النظام. وعلى الرغم من تنوّع الخلفيات التي انحدرت منها هذه النخب المفترضة، فقد لوحظ انتماء العديد من أفرادها

إلى قطاع الاستيراد والتصدير. ومن ثمّ فإن انفتاح فرص كهذه أمام مجموعة متنوعة من الأفراد كان

من شأنه أن وْهن قدرة المعاقل الاقتصادية التي نمت في العقد السابق للحرب أَ، وكان من بين

النخب المزدهرة في السلطة بعض شيوخ القبائل الذين استطاع النظام استقطابهم. أضف إلى ذلك

(((3 من غير المفاجئ أن يُعيد كل هذا إلى المشهد السياسي أسماء عائلات أرستقراطية قديمة حشدت للاحتجاج السياسي.

(36) Siham Alatassi, "The Role of the Syrian Business Elite in the Syrian Conflict: A Class Narrative," British Journal of Middle Eastern Studies (May 2021), pp. 1–13.

(((3 رغم أنّ التقارير عن تراجع رامي مخلوف في أثناء الحرب تبدو مبالغًا فيها، فإن سلطته اضمحلت على امتداد الحرب. ومع

ذلك، ظل مخلوف قويًا طوال الحرب، إلى أن استهدفت إجراءات النظام مصالحه. ((3(المولدي الأحمر، القبيلة في الثورة السورية: المفهوم وقيمته (تونس: منشورات تبر الزمان، 2018)، ص.36

أنّ الحرب في حدّ ذاتها أتاحت الفرصة أمام العديد من الأفراد لتحصيل قوة اقتصادية من خلال تقديم الدعم لجهود النظام القسرية. فقد انهار جيش النظام بشدّة مع اندلاع الانتفاضة، وقُدّر عدد جنود مشاة الجيش السوري بمجموع إجمالي بلغ 403 آلاف جندي عام 2010، ليصبح 178 ألفًا فقط في عام 2011. وبحسب تقديرات أخرى، امتلك الجيش السوري، اسميًّا، 220 ألف جندي مشاةً تقريبًا في عام 2011، لم يستطع أن ينشر منهم سوى 65 ألفًا فقط. ومع أنّ الانشقاقات قلّلت من أعداد الجنود، فإنّ النظام لم ينشغل بها بقدر انشغاله بدرجة ولاء أولئك الذين لم ينشقوا فباتوا يشكّلون مصدر تخوّف له، ولم يعد في إمكانه، نتيجة ذلك، استخدامهم في الأعمال القتالية. أدّى ضُعْف القوات الحكوميّة وعجزها عن مزيد التجنيد إلى الاعتماد على ميليشيات تقودها نخب محلية، كان العديد منها منظّمًا تحت مظلّة "قوات الدفاع الوطني"، ويتدرّب على يد الحرس الثوري الإيراني أو "حزب الله" أو الجيش الروسي، وبقي لامركزياًّا مُعظم فترة الحرب، كم أدى رجال الأعمال ا في تمويلهًّالمحليون دورًا مهم. كان من شأن هذه الميلشيات – التي اشتغل بعضُها بآلية أقرب إلى أسهمت بفاعلية في قلب كفّة ميزان الحرب  عمل المافيات ولم يكن ولاؤه للنظام على نحوٍ خاص – أن لصالح النظام، وحدثت هذه المجهودات جميعًا تحت قيادة النخب الاقتصادية القديمة والجديدة، وبتمويل منها. وسواء كان صعودها قد بدأ في المرحلة القسرية التي تخلّلت الحرب، أو مع بروز قطاع الاستيراد والتصدير، أو حتى مع بروز القطاعات الأخرى السابقة للحرب؛ فإن العديد من النخب الاقتصادية المحلية المنحازة للنظام في سورية قد ساهمت بصفة مباشرة أو غير مباشرة في الجهد الحربي من خلال ميليشيات بعينها. لم يحتج الأسد ومستشاروه إلى الكثير من الوقت لكي يدركوا، على ما يبدو، حقيقة التهديد الذي تمثّله الميليشيات المحلية المتشكِّلة للقتال وفرض السيطرة على الأحياء بدعوى الدفاع عن النظام. وهنا يكمن، على ما يبدو، الدافع الرئيس لتشكيل قوات الدفاع الوطني وتنظيم هذه الميليشيات تحت رايتها. وعلى الرغم من إضفاء صبغة رسمية على بعض هذه الصِلات بين الميلشيات، فإن طبيعة

(39) The World Bank, "Armed Forces Personnel, Total – Syrian Arab Republic," accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3oOCesZ (40) Institute for the Study of War, Joseph Holliday, The Assad Regime: From Counterinsurgency to Civil War (Washington, DC: 2013), p. 27, accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3LuYn9v

(((4 هناك تغاير كبير في كيفية تجنيد الأفراد لصالح ميليشيات كهذه. البعض يتطوع، والبعض الآخر ينتقل من كونه زعيمًا عمالياًّ

وممولً للميليشيات إلى مقاتل فيها، وآخرون تعتقلهم الحكومة ثم تمنحهم خيار إطلاق سراحهم إذا وافقوا على القتال في ميليشيا

ما. من الضروري استعراض هذه المسارات المتنوعة للميليشيات، بيد أنّ التعّمق في هذا المجال يقع خارج نطاق هذه الدراسة.

(42) Reinoud Leenders & Antonio Giustozzi, "Outsourcing State Violence: The National Defence Force, 'Stateness' and Regime Resilience in the Syrian War," Mediterranean Politics , vol. 24, no. 2 (October 2019), pp. 157–180. (43) Ibid., pp. 166. (44) Ibid., pp. 171–172.

الروابط القائمة غالبًا ما تطورت ونمت لتأخذ طابعًا غير رسمي من خلال تفاعلات متكررة. عمل

الجيش بمرور الوقت على الحدّ من استقلالية هذه الميليشيات من خلال تكثيف مشاركته في عملياتها والإشراف على نشاطاتها. ومع ذلك، فقد كان من شأن لامركزية سيطرة النظام على الجهاز القسري وإشراك النخب الاقتصادية في تمويل الميليشيات، أن أنتج ترتيبًا يقضي بتفويض النخب المحلية

ببعض السلطة على المستوى المحلي. ومع ما تسبب فيه هذا الواقع من إضعاف لموقع الأسد داخل النظام، فإنه جرى بطريقة أتاحت له الإبقاء على شبكة متصدّعة من النخب الاقتصادية التي تسهُل إدارتها. بحلول الحرب، أخذ الأسد يدخل في الحالة التي أسميتها "الاستقرار المتزعزع" بالنظر إلى موقعه داخل النظام، ولم يتبق ضمن الجهاز السياسي من هو قادر عملينًّا على تحدي الأسد، بعد أ جرت

إطاحة أغلب المنافسين أو إضعافهم منذ ما قبل الحرب، كما هو حال حزب البعث والشبكات التي يمكن أن تمثّل تهديدًا لحكمه. اختيرت النخب ضمن الجهاز الأمني للنّظام على أساس الولاء المرتقب، وجرى تحييدها أكثر من خلال تنويع السلطة القسرية ضمن قوى النظام. علاوةً على ذلك، ومع أنّ قوة النخب الاقتصادية تعزّزت خلال هذه الفترة، فإنها افتقرت في المقابل إلى ما يلزم من تلاحم وإلى وجود شبكات مستقلّة قادرة على تشكيل تحدّ محتمل للنظام. ومع ذلك، ورغم تصدّع النخب الاقتصادية للنظام، كان ضعف الأسد من حيث القيمة المطلقة يعني أنّ هناك احتمالية قائمة بأن تُشكّل تلك الشبكات تحدّيًا من داخل النظام. لا يمكن أن يعمل النظام في بيئة كهذه على تشكيل ترتيبات مشاركة السلطة، أو تشكيل شبكات نخبوية موالية؛ بل إنه يلجأ بدلً من ذلك إلى إجراء تغييرات ثابتة ومستمرة ضمن نخب النظام، تعيد تشكيل قوتها النسبية. وبهذا، يجب أن يبقى وضع الزعيم مستقراًّا، بينم ينبغي إبقاء مواضع أولئك الواقعين ضمن النظام في حالة من التغير المستمر. بدأت هذه الدينامية تتكشّف بطريقة متحفظة، لكنها مقصودة مع ذروة الحرب. ستحُلّ مجموعة أسماء ثابتة، كما يبدو، محلّ رامي مخلوف على رأس المشهد الاقتصادي لسورية، لكن من دون أن يبقى أي كان في هذا الموضع فترة طويلة. اشتدّت هذه الظاهرة مع تحقيق النظام للمكاسب ومع ازدياد قدرته على السيطرة على الميليشيات بدعم من إيران وروسيا. وأخيرًا، مع اتجاه أنظار النظام نحو تعزيز وضع الأسد بحلول عامي 2019 و 2020، اتُّخذت إجراءات أشدّ تهدف إلى إضعاف وضع نخب نافذة بعينها.

(((4 جدير بالذكر أنّ الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد طورت علاقات متنوعة مع مجموعة من النخب الاقتصادية، كان العديد

منها يعادي بعضه بعضًا؛

Ayman Aldassouky, "The Economic Networks of the Fourth Division During the Syrian Conflict," Middle East Directions– Wartime and Post–Conflict in Syria, European University Institute (January 2020), accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3sEzQGn

(((4 من المهم الإشارة إلى أنّ كل الميليشيات الموالية للنظام لم تعمل تحت مظلة قوات الدفاع الوطني، لكن النقاش الموسع في

شأن هذه الميليشيات يخرج عن حدود هذه الدراسة.

خامسًا: تعزيز السلطة ومشهد النخبة السياسية

مع استعادة النظام السيطرة على أجزاء واسعة من المناطق التي كانت قد سيطرت عليها المعارضة سابقًا، انصبّ التركيز على حماية وضع الأسد ضمن النظام. والحال هذه فإن العمل على تعزيز الأجهزة السياسية في سياق كهذا يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين. فتشكيل الأسد لشبكة مستقرّة من الفاعلين

السياسيين، بهدف إيجاد حالة من التوازن إزاء أولئك الفاعلين في المجال الخاص خارج سلطة النظام، من شأنه أن يضعه في موضع يجعل جميع الفاعلين، في الداخل والخارج، ينظرون إليه بوصفه قابلً للاستبدال. على أي حال لا نجد أدلةً حاسمة حتى اللحظة تشير إلى قيام الأسد بتقوية مؤسسات الدولة والحزب. يظهر الشكل (1) أنّ حكم بشار الأسد اتسم على نحوٍ مستمر بتغييرات في الحكومة. ومع ذلك، فقد شهد عام 2020 خمس حكومات مختلفة ورئيسين للوزراء، متجاوزًا بذلك كلّ الأعوام الأخرى. وفي حين كان التغيير الفردي في تركيبة الحكومة محدودًا عادةً، فإنّه من بين الاثنين وثلاثين منصبًا

في الحكومة الأخيرة المُشكّلة عام 2020، لا نُحصي سوى ثلاثة عشر منصبًا تولّها الشخص نفسه

الذي كان موجودًا بداية العام. بيد أنّ التغييرات الضئيلة الدورية في الحكومة كانت علامة مميزة لحكم بشار الأسد، كما أشرنا سابقًا. أضف إلى ذلك وجود تفسيرات أخرى لم تذكرها هذه الدراسة تتسق أيضًا مع التغييرات الكثيرة في الحكومة لعام 2020، مثل التدهور الاقتصادي الذي واجهه نظام الأسد في هذه الفترة، والذي ساهم على الأرجح في ارتفاع معدلّات تبدّل الحكومة. ومع ذلك، فإن النّمط المشهود طيلة حكم بشار الأسد يتّسق مع محاجّة أنّ النظام أضعف الجهاز السياسي ليتجنب التهديدات الصاعدة من داخله، ولم يستطع من ثمّ الوصول إلى شبكة نخب مستقرة. ومع افتقار مجلس الشعب السوري اليوم إلى السطوة والسلطة المُمأسسة، فقد بات أداة بيد النظام لشرعنة النخب الاجتماعية والاقتصادية المحتملة، أضف إلى ذلك أنّ هذا المجلس يُمكن أن يؤدّي دورًا في صياغة الدستور السوري القادم في جوّ قد يحدُث أن يدفع فيه الضغط الدولي بالأسد إلى إجراء إصلاحات. لم يكن التبدّل في مجلس الشعب السوري في عام 2020 مختلفًا جوهريًا عن أيٍّ من التبدلات في الأعوام الأخرى في فترة رئاسة بشار الأسد. ذلك أنّ نسبة أعضاء مجلس الشعب ممن شغلوا المنصب سابقًا لم تتجاوز حدود 37 في المئة بما يتشابه مع نسب الشغور (أي نسبة الأعضاء السابقين الذين أعيد انتخابهم إلى الأعضاء الجدد المنتخبين للمرة الأولى) السابقة على الحرب أو يتجاوزها بقليل، أو لم تتجاوز هذه النسب كثيرًا نسب شاغلي

المناصب لعامَي 2012 و 2016. وتجدر الإشارة إلى أن نسب الشغور تحت حكم بشار الأسد كانت منخفضة على الدّوام.

(((4 رغم أنه يجب الإشارة إلى أنّ وزير الشؤون الخارجية توفي ذلك العام، وأن رئيس الوزراء الثاني انحدر من الحكومة نفسها.

الشكل (2) نسبة أعضاء مجلس الشعب الذين كانوا شاغلين للمنصب بحسب المنطقة (2020–2003)

المصدر: من إعداد الباحثين.

ولعل الأكثر أهمية من درجة التبدّل في مجلس الشعب إنما يتمثّل في تحديد من هم أولئك النواب الذين جرى إقصاؤهم. إذ بدلً من إعادة النظر في مجلس الشعب برمته، اتسمت انتخابات عام 2020

باستبعاد محددِ الأهداف، مسّ بعض الأفراد النافذين بعينهم بإقصائهم عن مناصبهم. يمكن تأويل

الانتخابات التمهيدية، والتي عُقدت للمرة الأولى في تاريخ سورية، عاملَ تقوية لوضع الحزب، لكنها كانت مفعمةً باتهامات الفساد من داخل الحزب نفسه. وكما لاحظ آخرون، فقد بدا أنها أدّت دورًا

أكبر بصفتها آلية جمع معلومات للأسد، ويمكن أيضًا تأويل بعض القرارات التي اتخذها النظام على أنها إقصاءٌ متعمد لأفراد كانوا تحديدًا ذوي شعبية و/ أو نفوذ. على أي حال، أكان الأمر بانتخابات

تمهيدية مزوّرة غير ملزمة أو من خلال ضغط النظام، فإن تغييرات كبيرة وقعت في مجلس الشعب.

حُرم كل من محمد حمشو وفارس الشهابي، ذوي السلطة الراسخة والصاعدة، من مقاعد في مجلس

((4(عمار ياسر حمو، "بذريعة 'الاستئناس الحزبي': النظام يكشف أوزان التيارات داخل 'البعث' الحاكم وينقلب عليها"، سوريا

على طول، 2020/7/22، شوهد في 2022/2/14، في: https://bit.ly/3sEAvHR ولكن، لا بد من الإشارة إلى أنّ الحزب، وبوضع اتهامات الفساد جانبًا، رشّح بعامة أفرادًا تم اختيارهم في الانتخابات الرئيسية؛

Ziad Awad & Agnès Favier, "Syrian People’s Council Elections 2020: The Regime’s Social Base Contracts," Syria Transition Challenges Project, Geneva Centre for Security Policy and European University Institute – Middle East Directions Programme, Research Project Report No. 2 (October 2020), accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3uKyc8Z

الشعب في عام 2020. كان قرار حمشو الامتناع عن الترشح إلى كل من مجلس الشعب و"غرفة تجارة دمشق" صادمًا للكثيرين، لكنه لم يكن سوى حالة من بين عدّة حالات أخرى لنخب نافذة تم الضغط

عليها لتقلل مشاركتها في السياسة والأعمال. ولكي لا يُنظر إلى هذه الإجراءات على أنها رَدعٌ لمجتمع الأعمال برمّته، لا بد من الإشارة إلى أنّ عدد

رجال الأعمال في مجلس الشعب ارتفع من 13 إلى 44 بحسب صيغة تصنيف استخدمها كل من زياد عوّاد وآجنيس فيڤر. كان العديد من رجال الأعمال الذين يُشاركون للمرّة الأولى في مجلس

الشعب مُنخرطين بشدّة في تمويل الميليشيات المؤيدة للنظام، لكنه يفتقر في المقابل إلى الصلات

في مجتمع الأعمال، والتي كان يمتلكها كلّ من حمشو والشهابي. إضافة إلى ذلك، وفي حين أنه في الإمكان تأويل إقصاء حمشو باعتباره موجّهًا ضد النخب المنحازة على ماهر الأسد في مسعى لإبعاد

شبكة معاونيه الاقتصاديين من مركز الثقل وترجيح الكفة لصالح أولئك الذين تُفضّلهم أسماء الأسد، فإن العديد ممن ظل في مجلس الشعب أو انتخب للمرة الأولى أقام علاقات مقربة مع "الفرقة الرابعة المدرعة" التي يقودها ماهر الأسد، بمن فيهم حسام قاطرجي ذائع الصيت. اتخذ النظام إجراءات أخرى تدلّ على السعي لمركزية السلطة لدى الدولة. فعلى سبيل المثال، قام الأسد في عام 2017 بحلّ الاتحاد العام النسائي، ونقل واجباته إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وفي حين أنّ الاتحاد لم يكن منظمة مستقلّة، فإنه وفّر مساحة يسيرة للنساء للمشاركة في المبادرات والنقاشات الاجتماعية المتعلقة بقضايا المرأة في سورية. ورغم أنّ المشهد القانوني وسع صلاحيات الدولة في هذه الفترة، فإنّه لم تُتّخذ الكثير من الإجراءات لتقوية مؤسسات الدولة نفسها.

سادسًا: تعزيز السلطة ومشهد النخبة الاقتصادية

نهاية نيسان/ أبريل 2020، شاهد السوريون باندهاش مقطعًا مصورًا لرامي مخلوف المكتئب، وعلّقوا

عليه وشاركوه. كان مخلوف يروي مظالمه أمام الملأ ويتوسل إلى النظام أن يوقف اعتداءه على إمبراطوريته الاقتصادية في مقطع هو الأول ضمن سلسلة ازدادت لهجتها حدّة شيئًا فشيئًا، رفعها ابن خالة الرئيس وصاحب النفوذ الاقتصادي السوري السابق على الإنترنت. لكن وبسبب التجاهل القاسي الذي أظهره مخلوف لحياة السوريين ومعيشتهم، لم تُثِر هذه المقاطع سوى تعاطف قلّة من بينهم، في مقابل شماتة الأكثرية. كان من شأن الضغط الاقتصادي للحرب، والجائحة العالمية،

(49) Ziad Awad & Agnès Favier, "Elections in Wartime: The Syrian People’s Council (2016–2020)," European University Institute, Robert Schuman Centre for Advanced Studies (April 2020), accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/33jStqB; Awad & Favier, "Syrian People’s Council Elections 2020."

((5(الجمهورية العربية السورية، مجلس الشعب، "المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2017 وإلغاء الاتحاد النسائي"، 2017/4/23، شوهد في 2022/2/14، في: https://bit.ly/3oP7RCG (((5 "رامي مخلوف يتوجه بفيديو للأسد: يحق لنا مقاضاة الدولة وسأضع كل الوثائق"، الصفحة الرسمية لقناة آر تي بالعربية في فيسبوك، 2020/5/1، شوهد في 2022/2/14، في: https://bit.ly/3DMyTRm (((5 "سوريا.. رامي مخلوف في فيديو جديد"، يوتيوب، 2020/5/17، شوهد في 2022/2/14، في: https://bit.ly/3GOpYPl

والاضطراب الاقتصادي، ومساعي النظام لتعزيز السلطة بالقضاء على تهديدات الاستقرار الداخلية؛ أن تركت وراءها قطاعًا واسعًا من الدولة متضررًا بشدّة. لكن، بدلً من الالتفاف حول مخلوف، استهزأ

السوريون كثيرًا بما اعتبروه محاولة بائسة للحفاظ على إمبراطورية اقتصادية فاسدة. وسواء هدفت

الأحاديث التي قدّمها مخلوف إلى تجنيد الحشود، أو إلى توجيه حديث مباشر إلى أعضاء في النظام، فإن المقاطع المصورة وتداعياتها إنما تُظهر حجم المبالغة في تقدير رأس مال رامي مخلوف السياسي في سورية، وما شهده من انحدار سريع. على غرار غيرها من فترات التغير الكبير في سورية، أدت الاعتبارات السياسية القائمة إلى إعادة تنظيم السلطة الاقتصادية. فبالتزامن مع توجيه الكثير من الانتباه إلى سقوط مخلوف، اتُّخذت إجراءات مُلطّفة

في حقّ النخب الاقتصادية الأخرى في سورية، وتَرافق تحجيم طموحات حمشو والشهابي مع تغييرات واسعة في كل من غرفة تجارة دمشق وغرفة تجارة حلب. فمن بين رجال الأعمال الثمانية عشر الذين انتخبوا أو عُيِّنوا في مجالس إدارة محافظاتهم، نُحصي 15 في دمشق و 12 في حلب ممن لم يكونوا

في المجلس السابق. وتُسجَّل معدلات تبدّل عالية كهذه في معظم المحافظات ذات المدن الكبيرة.

وبينما شهدت انتخابات عام 2014 أيضًا تبد لً مرتفعًا، فإن السبب الرئيس لهذا التبدّل تمثّل في هرب أعضاء المجلس من الحرب، ولم تؤدِّ الانتخابات السابقة للحرب إلى تغيرات كبيرة. أما التغيرات الأخيرة فترجع مباشرة إلى النظام نفسه. إذا ما استمر حكم بشار الأسد، فإن القرارات الهادفة إلى تعزيز السلطة قد تشكّل جوهريًّا بنية النظام

السياسي والاقتصادي لسورية في نهاية المطاف. ومن المستبعد أن يضع الأسد إعادة إعمار سورية فوق مصلحته في إبقاء حكمه. مع تراجع وتيرة الحرب الأهلية، بات النظام، في إطار مسعاه لتعزيز سلطته، على خلاف مع العديد من النخب التي موّلت الجهد الحربي ودعّمته. فكانت الضربات

القاصمة من نصيب أولئك الذين امتلكوا القدرة الأكبر على تهديد حكم الأسد. كانت مقاومة النخبة لضراوة النظام حتى الآن محدودة وبلا فاعلية. حاول رامي مخلوف مقاومة الإجراءات المتّخذة في حقّ مصالحه الاقتصادية، ولكن محاولاته فشلت لعدم مبادرة شبكة تابعيه بدعمه. أما جهود محمد حمشو للحفاظ على نفوذه السياسي والتوسّع بشراء الممتلكات على امتداد

دمشق وخارجها فقد وُوجِهت برفض جزئي، ولكن رغم ما جرى تداوله من تعبيره عن بعض الاستياء،

(((5 يُنظر:

Joseph Daher, "The Syrian Presidential Palace Strengthens its Concentration of Power: The Rift Makhlouf–Assad," Middle East Directions– Wartime and Post–Conflict in Syria, European University Institute (May 2020), accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3sDbsVC (54) Joseph Daher, "The Syrian Chambers of commerce in 2020: The Rise of a New Business Elite," Middle East Directions– Wartime and Post–Conflict in Syria, European University Institute (November 2020), accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3gHJyCv (55) Steven Heydemann, "Reconstructing Authoritarianism: The Politics and Political Economy of Post–Conflict Reconstruction in Syria," POMEPS Studies , POMEPS, 10/9/2018, accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3JoTlJR; Daher, "The Syrian Presidential Palace."

فإن حمشو لم يهاجم النظام علانية وصراحة. كما أعرب كل من حمشو وفارس الشهابي – وهما من زعماء الأعمال في الأوساط التجارية التي ينتميان إليها – عن تخوفات من صعود آخرين، وتحديدًا أمراء الحرب مثل القاطرجي؛ لكن من دون أن يهاجم أياًّا منهم قمة النظام مباشرةً أو يتظلم إليه. ومن الملاحظ أنه على الرغم من فتور ما أظهراه من مقاومة، فإنهما تعرضَّا بدورهما للتهميش. حاول منتفعو الحرب الأثرياء والمنحدرون من أعمال الاستيراد والتصدير، مثل سامر الفوز، تنويع عقاراتهم خارج سورية بعد أن جبروا على تقليل نشاطاتهم، إلّ أنّ العقوبات وسوء السمعة جعلت الاستثمار أُ بالخارج صعبًا على نحوٍ متزايد. ومع ذلك، فقد شهدت الشخصيات التي كانت عُرضةً مؤقتًا للحدّ

من طموحاتها الاقتصادية، مثل الفوز، صُعودًا جديدًا لفُرصها في وقت لاحق. على سبيل المثال، بنى الفوز مؤخرًا أكبر مصنع سكر في سورية، كواحد من بين مجموعة من المشاريع الجديدة التي

أسّسها مؤخرًا في البلاد. إضافة إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى أنّ التنافس الشرس بين هؤلاء الفاعلين

الاقتصاديين قد نجح غالبًا، حتى الآن، في الحيلولة دون قيام فعل جمعي لوقف الإجراءات المحددة

الأهداف التي يتّخذها النظام. في غياب دوافع التحرّك الجماعي، ومع اضمحلال الكثير من قدراتها

القسرية، ستجبر هذه النخب على قبول المزيد من ضراوة النظام. من المستبعد أن يرجع المشهد الاقتصادي المستقبلي لسورية إلى ترتيبه القائم قبل الحرب ولن نرى على الأرجح صعودًا لفاعل اقتصادي مُهيمن في سورية في المستقبل القريب. لقد نوّع النظام كوادره

من المنتفعين السياسيين والاقتصاديين، خالقًا مشهد نخب أكثر تنافسية، واستدخَل العديد من العناصر التي كانت قد نظّمت الميليشيات الموالية للنظام على امتداد سورية وموّلتها. وتضم قائمة هذه النخب

خليطًا من الأسماء الجديدة والقديمة. وفي هذا الصدد، يبدو ترجيح إمكان بقاء أبناء الجنرالات

(56) Liz Sly & Asser Khattab, "Syria’s Elections Have Always Been Fixed. This Time, Even Candidates Are Complaining," Washington Post , 22/7/2022, accessed on 14/2/2022, at: https://wapo.st/3gKFaT8

استُبعِد، فجأةً، حمشو والشهابي من دورة ثانية في مجلس الشعب في انتخابات عام.2020 ((5(منصور حسين، " أمراء الحرب يكسبون معركة غرف التجارة..الأسد يقصي الحرس القديم"، المدن، 2020/10/8، شوهد في

2022/2/14، في: https://bit.ly/3gHG1Uy

((5(علي الخالدي، "مؤامرة 'غسل الأموال' بدأت من الصين"، القبس، 2020/7/29، شوهد في 2022/2/14، في:

https://bit.ly/33kwyzr Al–Monitor Staff, "US Sanctions Syria’s Central Bank Chief, Intel Head," Al–Monitor , 30/9/2020, accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3sE0O10.

جدير بالإشارة أنّ العقوبات قد ساهمت على الأرجح في التبدّل في النخبة الاقتصادية، كما أشار سامر عبود في ورشة عمل

"صراعات مجمّدة". ((5("مصنع السكر الجديد لسامر الفوز وشركاء يقلع الشهر القادم من حسياء بطاقة مليون طن سنويًا"، أخبار الصناعة السورية،

2021/3/8، شوهد في 2022/2/14، في: https://bit.ly/3uPdC7w؛ رغم أن الفوز بنى أكبر مصنع سكر في سورية، يجدر التنويه بأن الحكومة، في 27 تموز/ يوليو 2021، منحت عقودًا لافتتاح مصانع سكر لشركات أخرى، وهناك توقع أنّ إحدى هذه الشركات التي

مُنحت عقدًا هي شركة واجهة للإخوة قاطرجي:

"State Plants go to Influential Investors," The Syria Report , 11/8/2021, accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3HQyXkw

(((6 قد يكون قاطرجي استثناء ملحوظًا؛ لأنه استطاع الحفاظ إلى حدّ بعيد على قوة قسرية كبيرة، وحصل في الوقت نفسه على

مقعد في مجلس الشعب، إلا أنّ الإخوة قاطرجي وأمراء الحرب الآخرين مثَّلوا أيضًا تهديدًا لبعض النخب المدينية.

السابقين بوصفهم لاعبين مهمين أمرًا مثيرًا لقلق الكثيرين، وكذلك بقاء أولئك الذين برزوا في أثناء

نظام ما قبل الحرب، مثل حمشو والشهابي ومخلوف. وستنضم نخب جديدة إلى هؤلاء، مثل الفوز والإخوة قاطرجي ويسار إبراهيم ووسيم قطان، الذين ينحدر الكثير منهم من خارج مناطق النفوذ Influence of Spheres الاجتماعية لنظام ما قبل الحرب. كما ستظهر أسماء جديدة، وسترتبط على الأرجح مباشرة بدرجة ما بالمستويات العليا للنظام. وفي حين قد يظهر في المشهد أيضًا شِبه محتكرين اقتصاديين يتمتّعون بنفوذ واسع على البرجوازية العليا المعاد تشكيلها، فإن ظهورهم هذا سيشكّل حل مناسبًا جزئيًّا بالنسبة إلى الأسد بسبب ضعف

مؤسسات الدولة وجهازها القسري المركزي. يبدو استقرار زعامة الأسد في الوقت الحاضر مرتكزًا على اضطراب مشهد النخبة. أضف إلى ذلك أنّ مرور الوقت وما حدث من انشقاقات في أثناء الحرب الأهلية، كان من شأنه أن أنتج جهازًا سياسيًا أشدّ ارتباطًا ببشار الأسد من النظام الذي كان قد ورثه.

ولعل الأسد الابن سيجد أنّ من مصلحته إعادة تقوية المؤسسات التي كان قد أضعفها سابقًا عندما كان يشغلها داعموه الفاترون، لكن تطوير شبكة كهذه سيستغرق وقتًا طويلً. بدأ أصحاب النفوذ الاقتصادي الصاعدون الجدد، مثل ابن خالة أسماء الأسد، محمد الدباغ، وعدد من أعضاء عائلة إبراهيم، يؤدّون دورًا أكبر في الحيز الاقتصادي، لكنهم لن يصلوا على الأرجح إلى مستوى القوة الاقتصادية التي كانت

لأوليغارشيي العقد الأول من الألفية. فقد أدّى عدم شعبية "البطاقات الذكية" التي يجري توزيعها في مناطق سيطرة النظام لمنح حصص الوقود والخبز إلى توجيه ضربة قوية لشعبية النخب المقربة من أسماء الأسد، والتي ستواصل الاضطلاع بدور مهم في الاقتصاد السوري. ومن المستبعد أن يُعزّز ذوو

النفوذ الصاعدون الآخرون، مثل الإخوة قاطرجي، وضعهم أكثر بالنظر إلى ما يحمله العديد ممن هم داخل النظام من نفور كبير تجاههم. علاوة على ذلك، ترتبط مجموعة النخب المتنافسة القائمة الآن ارتباطًا وثيقًا بأعضاء مختلفين داخل النظام وبالدّاعمين الخارجيين للأسد، مما ولّد بيئة تؤدّي فيها أي زيادة ممنوحة في القوة الاقتصادية لفرد أو لمجموعة بعينها إلى تقوية عنصر في النظام على حساب عنصر آخر. وفي حين لم يحدث أي تحوّل في رأس النظام، فقد ابتعد المشهد الاقتصادي الناشئ عن هيمنة أشباه

المحتكرين، ليتحوّل نحو مجموعة متنوعة من النخب المرتبطة بأعضاء النظام، إضافة إلى الداعمين

الخارجيين، روسيا وإيران. هكذا يبدو أنّ الأسد يعمل على تحقيق معادلة توازن بين سلطة أعضاء النظام المتنافسين في ما بينهم من جهة والقوى الخارجية من جهة أخرى، من خلال التلّاعب بمشهد النخب

(((6 قائمة الأفراد والعائلات التي يمكن اعتبارها ضمن النخبة طويلة نسبيًا. الأسماء الموضّحة أعلاه كانت ملحوظة تحديدًا، لكن

يمكن إدراج أسماء أخرى في القائمة.

(62) Joseph Daher, "The Paradox of Syria’s Reconstruction," Carnegie Middle East Center, 4/9/2019, accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/34Ylrwo

(((6 لقد كان يؤدّي على نحوٍ متزايد دورًا أكبر في المشهد الاقتصادي لسورية، وكان قد استفاد، ربما إلى جانب إيهاب مخلوف،

من سقوط رامي مخلوف. أمين العاصي، "الأسد في القرداحة: تقسيم آل مخلوف"، العربي الجديد، 2020/8/25، شوهد في

2022/2/14، في: https://bit.ly/3sIoUHK

الاقتصادية؛ وذلك بدلً من الموازنة بين ذوي الهيمنة الاقتصادية في مقابل أجهزة الدولة السياسية

والقسرية. كما  شهدت الدوائر السياسية بدورها تلاعبًا مماثلً؛ إذ أُعيد توزيع المناصب السياسية

لشرعنة البعض وإضعاف آخرين. من المحتمل أيضًا أن يحدث تدخل مباشر أكبر للدولة في الصناعات المخصخصة سابقًا، من خلال تأميم الكيانات أو الصناعات، أو من خلال الشراكات العامة – الخاصة أو ممارسات السلطة محددة الغرض والمتجذرة في الإجراءات القضائية. ومع أنّ العديد من المراسيم والقوانين الأخيرة المتعلقة بالنشاط الاقتصادي وحقوق الملكية أشارت إلى أنّ رأسمالية المحاسيب Capitalism Crony ستظل هي القائمة، فإنها تبقي الدولة مع ذلك في مركز هذا النشاط الاقتصادي. من المرجّح أن يقود

هذا الوضع إلى إضعاف أداء مثل هذه الكياناتإلا  أنه سيحول في الوقت ذاته دون صعود قوى اقتصادية قد تتسبب في إخلال الاستقرار. لذلك، فإن بنية علاقات الدولة – النخبة في سورية الخاضعة لحكم الأسد ما بعد الحرب ستتسم على الأرجح، وبدرجة كبيرة، بشبكات شراكة بين النخب السياسية ونخب الأعمال، أشبه بتلك التي كانت حاضرة في سورية حافظ الأسد مما هي بترتيبات بشار الأسد ما قبل الحرب. ولكن، على المدى القصير، لن يُوفّر هذا المشهد الانتظام والاتساق اللذَين سمحا

للشركات الصغيرة بالبقاء في أثناء حكم حافظ الأسد في الثمانينيات والتسعينيات، وبذلك قد تساعد هذه الاستراتيجية الأسد الابن على منع صعود منافسين داخليين ذوي نفوذ، لكنها لن تُسهم كثيرًا في

تهدئة مخاوف السوريين أو الحد من التراجع الاقتصادي لسورية.

الخلاصة

في أثناء كتابة مسودّة هذه الدراسة، اشتعل النزاع بين الحكومة وزعماء مجتمع الأعمال في حلب. يبدو أنّ ضراوة الحكومة، بالمعنى الحرفي الدقيق للكلمة، والتضييقات على مجتمع الأعمال التي اعتبرت فوق الاحتمال دفعت إلى إضرابات غير مسبوقة؛ ما أثار رد فعل شرسًا من النظام. وهكذا

فإن مجتمع الأعمال هذا كان في الحقيقة، ومن نواح عدّة، مُصممًا من النظام ومعاونيه في أعقاب

انتصاره على المعارضة. ومع ذلك، حينما تحرّك مجتمع الأعمال جماعيًا بما يحقق مصلحته، جاء

رد النظام سريعًا وشديدًا. تزعم هذه الدراسة أنه ما لم يحدث تغير دراماتيكي في هيكلية النظام أو في علاقة سورية بالدول المجاورة والقوى العالمية أو إزاحة الأسد عن السلطة، فإن هذه الاشتباكات ستحدث باستمرار.

(((6 مثل القانون سيئ السمعة رقم 10 لعام 2018. ينظر: الجمهورية العربية السورية، رئاسة مجلس الوزراء، " القانون رقم /10/ لعام 2018 القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية وذلك بمرسوم بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام "2012، 2018/4/2، شوهد في 2022/2/14، في:

https://bit.ly/3sFeitf (65) Mohammed Omran, "Privatization, State Ownership, and Bank Performance in Egypt," World Development , vol. 35, no. 4 (2007), pp. 714–733. (66) "Government Pressures Aleppo’s Business Community as Rare Tensions Trigger Strikes, Media Reports," The Syria Report, 15/9/2021, accessed on 14/2/2022, at: https://bit.ly/3gIaf9Y

قدّمت هذه الدراسة محاجة تقوم على أنه في الإمكان تنقيح مَفهَمة تعزيز السلطة المستخدمة من

الباحثين لتتجاوز فكرة السلطة المشارَكة والسلطة المعزّزة. قد يجد الزعماء، ممن أضعفتهم التهديدات

الخارجية أو جعلتهم بنية الشبكات معرضين للتهديدات، أنفسهم في حالة قوة تتجاوز بكثير قوة نخبهم، لكن تبقى فرص صعود التهديدات قائمة مع ذلك. في حالات كهذه، تتولد لدى الزعماء دوافع قوية للإخلال باستقرار مشهد نخبة النظام لمنع هذه الشبكات من التشكّل. استطاع حافظ الأسد تعزيز سلطته نهاية الثمانينيات في سورية، من خلال تشكيل شبكة نخب مستقرة كانت خاضعة له بوضوح وعاملة في إطار نظام ذي آليات متطورة لمكافحة الانقلابات، فضلً عن أنها لا تُمثِّل أي تهديد لحكمه. أدى الانتقال إلى حكم بشار الأسد إلى إعادة تشكيل مشهد النخبة، ناقلً موضع السلطة من المؤسسات السياسية والبيروقراطية في اتجاه مجموعة صغيرة من الجهات الفاعلة الخاصة التي ساعدت في تشكيل نشاط القطاع الخاص وتنظيمه. وجرى بالتزامن مع ذلك إضعاف الفاعلين السياسيين والمؤسسات السياسية بإخلال شبكاتها، ولكن بدلً من تطهير هذه الشبكات، فقد ظلّت ضعيفة بسبب التبدلّات المستمرة التي كانت عرضة لها. أما في أثناء الحرب الأهلية، فقد أدى تعاظم احتياجات النظام إلى حالة من لامركزية السلطة القسرية والاقتصادية. ونظرًا إلى ضعف الأسد، فقد كان وسيظلّ من مصلحته إضعاف

الشبكات السياسية التي يمكن أن تدعم انتقالً لزعيم جديد، والشبكات الاقتصادية التي قد تدعم خليفة محتملً له.

References

المراجع

العربية

الأحمر، المولدي. القبيلة في الثورة السورية: المفهوم وقيمته. تونس: منشورات تبر الزمان،.2018 باروت، محمد جمال. العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصاح. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 الجمهورية العربية السورية، رئاسة مجلس الوزراء. "القانون رقم /10/ لعام 2018 القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية وذلك بمرسوم بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012".

2018/4/2:. في https://bit.ly/3sFeitf

الجمهورية العربية السورية، مجلس الشعب. "المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2017 وإلغاء الاتحاد النسائي." 2017/4/23:. في https://bit.ly/3oP7RCG صولي، أدهم ورايموند هينبوش. "الدولة العربية مقاربة سوسيولوجية تاريخية." عمران. مج  10، العدد 37 (صيف 2021).

الأجنبية

A. Hinnebusch, Raymond. "State and Civil Society in Syria." Middle East Journal. vol. 47, no. 2 (Spring 1993). _______. "The Political Economy of Economic Liberalization in Syria." International Journal of Middle East Studies. vol. 27, no. 3 (1995). Al Ahsan, Syed Aziz. "Economic Policy and Class Structure in Syria: 1958–1980." International Journal of Middle East Studies. vol. 16, no. 3 (August 1984). Alatassi, Siham. "The Role of the Syrian Business Elite in the Syrian Conflict: A Class Narrative." British Journal of Middle Eastern Studies (May 2021). Aldassouky, Ayman. "The Economic Networks of the Fourth Division During the Syrian Conflict." Middle East Directions– Wartime and Post–Conflict in Syria. European University Institute (January 2020). at: https://bit.ly/3sEzQGn Al–Kattan, Rashad. "Mapping the Ailing (but resilient) Syrian Banking Sector." Syria Studies. vol. 7, no. 3 (2015). Awad, Ziad & Agnès Favier. "Elections in Wartime: The Syrian People’s Council (2016–2020)." European University Institute, Robert Schuman Centre for Advanced Studies (April 2020). at: https://bit.ly/33jStqB _______. "Syrian People’s Council Elections 2020: The Regime’s Social Base Contracts." Syria Transition Challenges Project, Geneva Centre for Security Policy and European University Institute – Middle East Directions Programme, Research Project Report No. 2 (October 2020). at: https://bit.ly/3uKyc8Z Daher, Joseph. "The Syrian Chambers of Commerce in 2020: The Rise of a New Business Elite." Middle East Directions– Wartime and Post–Conflict in Syria. European University Institute (November 2020). at: https://bit.ly/3gHJyCv _______. "The Syrian Presidential Palace Strengthens its Concentration of Power: The Rift Makhlouf–Assad." Middle East Directions– Wartime and Post–Conflict in Syria. European University Institute (May 2020). at: https://bit.ly/3sDbsVC _______. "The Paradox of Syria’s Reconstruction." Carnegie Middle East Center. 4/9/2019. at: https://bit.ly/34Ylrwo De Mesquita, Bruce Bueno et al. The Logic of Political Survival. Cambridge/ London: MIT Press, 2005. Drysdale, Alasdair. "The Syrian Political Elite, 1966–1976: A Spatial and Social Analysis." Middle Eastern Studies. vol. 17, no. 1 (January 1981). Gandhi, Jennifer & Jane Lawrence Sumner. "Measuring the Consolidation of Power in Nondemocracies." The Journal of Politics. vol. 82, no. 4 (October 2020). Geddes, Barbara, Joseph Wright & Erica Frantz. "Autocratic Breakdown and Regime Transitions: A New Data Set." Perspectives on Politics. vol.12, no. 2 (2014). Haddad, Bassam. Business Networks in Syria: The Political Economy of Authoritarian Resilience. Stanford: Stanford University Press, 2011. Heydemann, Steven. "Reconstructing Authoritarianism: The Politics and Political

Economy of Post–Conflict Reconstruction in Syria." POMEPS Studies. POMEPS. 10/9/2018. at: https://bit.ly/3JoTlJR. _______ (ed.). Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited. New York: Springer, 2004. _______. Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict, 1946–1970. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1999. Institute for the Study of War, Joseph Holliday. The Assad Regime: From Counterinsurgency to Civil War. Washington, DC: 2013. at: https://bit.ly/3LuYn9v Khoury, Philip Shukry. "Continuity and Change in Syrian Political Life: The Nineteenth and Twentieth Centuries." The American Historical Review (December 1991). _______. Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920–1945. Princeton: Princeton University Press, 2014. Kuran, Timur. "Now Out of Never: The Element of Surprise in the East European Revolution of 1989." World Politics. vol. 44, no. 1 (October 1991). Lawson, Fred H. "Private Capital and the State in Contemporary Syria." Middle East Report. no. 203 (1997). Leenders, Reinoud & Antonio Giustozzi. "Outsourcing State Violence: The National Defence Force, 'Stateness' and Regime Resilience in the Syrian War." Mediterranean Politics. vol. 24, no. 2 (October 2019). Nyrup, Jacob & Stuart Bramwell. "Who governs? A New Global Dataset on Members of Cabinets." American Political Science Review. vol. 114, no. 4 (2020). Omran, Mohammed. "Privatization, State Ownership, and Bank Performance in Egypt." World Development. vol. 35, no. 4 (2007). Rahman Khan, Shamus. "The Sociology of Elites." Annual Review of Sociology. vol. 38 (August 2012). Sadiki, Larbi, Heiko Wimmen & Layla Al-Zubaidi (eds.). Democratic Transition in the Middle East: Unmaking Power. London/ New York: Routledge, 2013. Seawright, Jason. "The Case for Selecting Cases that are Deviant or Extreme on the Independent Variable." Sociological Methods & Research. vol. 45, no. 3 (April 2016). Shamaileh, Ammar. "Political Succession, Crony Capitalism and Economic Development in Syria." The 116 th American Political Science Association’s Virtual Annual Meeting and Exhibition, "Democracy, Difference, and Destabilization". 9-13/9/2020. _______. "Never Out of Now: Preference Falsification, Social Capital and the Arab Spring." International Interactions. vol. 45, no. 6 (2019). Svolik, Milan. The Politics of Authoritarian Rule. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. The World Bank. "Armed Forces Personnel, Total – Syrian Arab Republic." at: https://bit.ly/3oOCesZ