حراك 22 فبراير 2019 وانتفاضات الربيع العربي: حدود سردية الاستثناء الجزائري؟
22 February 2019 Hirak and Arab Spring Uprisings: The Limits of the Algerian Exception Narrative?
الملخّص
تتدبر هذه الدراسة حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر من منظور عابر لثلاثة اختصاصات، هي: سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، والسياسة المقارنة، والعلاقات الدولية، وتقارنه بالموجة الأولى لانتفاضات الربيع العربي (2011)، موظّفةً سردية "الاستثناء الجزائري" أداةً تحليليةً للمقارنة. وتسعى إلى فحص الحجج التي تعزز هذه السردية في خطوة أولى، ثم تفكيكها ومناقشة حدودها في خطوة ثانية؛ ما يسمح بفهم الخصوصية المحلية التي تميّز حراك 22 فبراير من غيره من الانتفاضات العربية، وإعادة وضعه في سياقه الإقليمي، بوصفه جزءًا من ظاهرة اجتماعية إقليمية لها ديناميات، وفي النتيجة آثار عابرة للأوطان.
Abstract
Abstract: This study examines the 22 February 2019 Hirak in Algeria using a trans– disciplinary perspective spanning the sociology of social movements, comparative politics, and international relations. It compares it to the first wave of Arab Spring uprisings (2011), using the "Algerian exception" narrative as an analytical tool for comparison. The paper begins by examining the narrative’s arguments, then debates its limitations. This approach allows for an understanding of the Hirak’s local particularity that distinguishes it from other Arab uprisings and permits it to be recontextualized as part of a regional social phenomenon, with transnational dynamics and, thus, repercussions.
- حراك 22 فبراير 2019
- الحركات الاحتجاجية
- انتفاضات الربيع العربي
- الجزائر
- الاستثناء الجزائري
- 22 February Hirak
- Protest Movements
- Arab Spring Uprisings
- Algeria
- the Algerian Exception
محمد حمشي * وعبد النور بن عنتر ** |
ملخص: تتدبر هذه الدراسة حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر من منظور عابر لثلاثة
اختصاصات، هي: سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، والسياسة المقارنة، والعلاقات الدولية،
وتقارنه بالموجة الأولى لانتفاضات الربيع العربي (2011)، موظّفةً سردية "الاستثناء الجزائري"
أداةً تحليليةً للمقارنة. وتسعى إلى فحص الحجج التي تعزز هذه السردية في خطوة أولى، ثم
تفكيكها ومناقشة حدودها في خطوة ثانية؛ ما يسمح بفهم الخصوصية المحلية التي تميّز حراك
22 فبراير من غيره من الانتفاضات العربية، وإعادة وضعه في سياقه الإقليمي، بوصفه جزءًا من
ظاهرة اجتماعية إقليمية لها ديناميات، وفي النتيجة آثار عابرة للأوطان.
الجزائر، الاستثناء الجزائري.
Abstract: This study examines the 22 February 2019 Hirak in Algeria using a trans– disciplinary perspective spanning the sociology of social movements, comparative politics, and international relations. It compares it to the first wave of Arab Spring uprisings (2011), using the "Algerian exception" narrative as an analytical tool for comparison. The paper begins by examining the narrative’s arguments, then debates its limitations. This approach allows for an understanding of the Hirak’s local particularity that distinguishes it from other Arab uprisings and permits it to be recontextualized as part of a regional social phenomenon, with transnational dynamics and, thus, repercussions.
Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies; and Assistant Professor, Doha Institute for Graduate Studies (Corresponding Author). Email: mohammed.hemchi@dohainstitute.edu.qa
Professor, University of Paris 8, France. Email: abenantar@univ–paris8.fr
مقدمة: حالة الجزائر بوصفها استثناءين لا استثناءً واحدًا؟
في البدء، كانت انتفاضة 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 في تونس في إثر إضرام محمد البوعزيزي النار في نفسه. وبعد أقل من عشرين يومًا من الاحتجاجات الشعبية التي أخذت في الانتشار من مدينة
تونسية إلى أخرى، وبعد الإعلان عن وفاة البوعزيزي بيوم واحد، شهدت مدن جزائرية عديدة بين يومي 5 و 7 كانون الثاني/ يناير 2011 احتجاجاتٍ عنيفةً سُميت "انتفاضة الزيت والسكّر". لقد حدث ذلك
مبكرًا، إذ استغرق وصول عدوى الانتفاضة التونسية إلى بلدان عربية أخرى أسابيع، بل أيامًا (مصر
في 25 كانون الثاني/ يناير، واليمن في 27 كانون الثاني/ يناير، والبحرين في 14 شباط/ فبراير، وليبيا في 15 شباط/ فبراير، وسورية في 17 شباط/ فبراير، والمغرب في 20 شباط/ فبراير، من عام 2011). لكن انتفاضة الجزائر حينها لم تتطور إلى ثورة شعبية، ولم تكن لها آثار جذرية، على غرار بلدان عربية أخرى. ثمة روايات عديدة عن انتفاضة الجزائر. قيل إن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية الرئيسة (السكر والزيوت النباتية أساسًا)، بنسبة تجاوزت 40 في المئة، دفع الناس إلى الخروج إلى الشارع للاحتجاج.
ومن تفصيلات هذه الرواية أن الاحتجاجات بدأت سلميةً، غير أن "مخربين" جرفوها بعيدًا، فتحولت إلى أعمال شغب ومواجهات عنيفة مع قوى الأمن. وقيل إن الباعة المتجولين في بعض أحياء العاصمة أشعلوا شرارة الانتفاضة، احتجاجًا على عزم الحكومة القضاء على الأسواق الموازية، ثم أجّجها استياءُ
الناس من انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الغذائية الرئيسة، فتحولت إلى اشتباكات دامية بين المحتجين وشرطة مكافحة الشغب، سقط فيها قتلى من المحتجين وجرحى من هؤلاء وأولئك. وقيل إن الشبان المنتفضين، باعةً متجولين وأفرادًا غاضبين، حدَتهم الرغبة في محاكاة الانتفاضة التونسية،
إدراكًا منهم أن أوضاعهم لم تكن مختلفةً عن أوضاع الشباب في تونس. وقيل إن الأوليغارشية النافذة استغلت الاستياء الشعبي وانتفاضة تونس في الجوار الشرقي، فحرّكت الشارع للضغط على الحكومة،
ودفعِها نحو التراجع عن تفعيل قانونٍ يلزم كبار المتعاملين الماليين والتجاريين باستعمال الصكوك والتحويلات المالية من أجل القضاء على الاقتصاد الموازي. لا نركّز في هذه الدراسة على انتفاضة 5 كانون الثاني/ يناير 2011، لكننا نعتقد أنها مدخل جيّد للمقارنة
بين حراك 22 فبراير 2019 وثورات الربيع العربي التي في سياقها نشبت تلك الانتفاضة. ويستمد منطق هذا المدخل حجته من ثلاثة ادعاءات رئيسة: الادعاء الأول مفاده أن الاحتجاجات التي شهدتها مدن جزائرية في أثناء انتفاضة 5 كانون الثاني/ يناير لم تكن محلية خالصة، إذ كان لبداية مد الربيع العربي في تونس أثرٌ فيها. أما الادعاء الثاني ففحواه أن خُبوَّ شرارة تلك الاحتجاجات، في ظرف أيام قلائل، حدث بفعل
ديناميات محلية أكثر منها إقليمية، ولذلك ظلت الجزائر منيعة على عدوى الربيع العربي سنواتٍ أخرى لاحقة (2019–2011). وأما الادعاء الثالث فيقول إن مساحة التمايز بين أثر المحلي والخارجي تزداد ضآلة كلما ابتعدنا عن انتفاضة 5 كانون الثاني/ يناير 2011 واقتربنا من حراك 22 فبراير.2019
(((مقارنةً بما بات يعرف ببلدان الربيع العربي، التي شهدت ثورات شعبية كانت لها آثار جذرية، لم تختلف المغرب عن الجزائر، أما البحرين فقد شهدت ثورة شعبية (إذا أخذنا في الحسبان معيار الانتشار والأمد) لكن من دون أثر جذري.
إن هذا اللاتمايز بين أثر المحلي والخارجي في حراك 22 فبراير هو ما يسوغ أهمية البحث في وجوه شبَهه واختلافه عن انتفاضات الربيع العربي؛ إذ كيف يمكن فهم بقاء الجزائر في منأى عن تلك
الانتفاضات طوال ثماني سنوات، على الرغم من أنها شهدت احتجاجاتٍ عنيفةً أبكر من بلدان الربيع العربي نفسها؛ احتجاجاتٌ سرعان ما (أ)خمدت، تمامًا مثلما حدث مع احتجاجات وادي ميزاب بين عامي 2013 و 2015، واحتجاجات الجنوب المناهضة لاستخراج الغاز الصخري في عام 2015؟ لِنها لم تتخذ بُعدًا وطنيًا وظلت محدودة الانتشار؟ أم لأن مطالبها ظلت محدودة من حيث القضايا
التي انصبّت عليها؟ أم لأنها انزلقت نحو أعمال شغب وعنف وتخريب فمنحت السلطة القائمة مبررًا
لقمعها وإخمادها بالقوة الخشنة؟ أم لأنها لم تتطور إلى حركة اجتماعية؟ أم لأن فاعلين سياسيين (من المعارضة أساسًا) لم يبرُزوا ويتصدوا لتسييسها وتحويلها إلى قوةٍ للضغط على السلطة القائمة؟ أم لأن
الجميع، مجتمعًا وسلطةً، تعلّم من تجربة "العشرية السوداء"، في تسعينيات القرن العشرين، أَّلَّ "يُلدغ من جحر مرتين"؟ أم أن السياق الإقليمي، المفعم بمخاوف أوروبا من تعاظم الاضطراب الأمني في جوارها الجنوبي، لم يكن مُسه لً لانتقال عدوى الربيع العربي من تونس غربًا؟ أم لأن كل ذلك قد ضافر بعضُه بعضًا؟ ليست هذه أسئلةً للإجابة عنها في هذه الدراسة، لكننا نسوقها من أجل الحجاج بأن دراسة حراك 22 فبراير 2019، في علاقته بسجل الانتفاضات والاحتجاجات التي سبقته محليًا من ناحية، وعلاقته
بانتفاضات الربيع العربي إقليميًا من ناحية أخرى، إنما تقتضي مقاربة عابرة للتخصصات. وإذا عدنا
إلى الروايات عن أسباب نشوب انتفاضة 5 كانون الثاني/ يناير 2011، التي أوجزناها في البداية، للَاحظنا أنها تستقي من خلفيات متعددة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أسباب خبوّها. وجميعها يرتبط إما بالسياق
المحلي، أو الإقليمي الذي ينتج ويعيد إنتاج فعل الاحتجاج بوصفه حركة اجتماعية ممتدة/ قابلة للامتداد عبر الزمان والمكان. بمناسبة الذكرى الأولى لانتفاضة 5 كانون الثاني/ يناير، جالت مراسلة دويتشه فيلهفي حي باب الواد الشعبي، في الجزائر العاصمة، حيث اشتعلت شرارة الاحتجاجات، وحيث تعجّ الشوارع
بالباعة المتجولين، ونقلت شهادات بعض الشبان هناك، نقتبس منها إحداها هاهنا: "عندما كنا نشاهد ما يحدث في تونس وقصة محمد البوعزيزي، رأينا أنفسنا كلنا البوعزيزي. [لقد] أثرت حادثة حرقه نفسه كثيرًا، خاصةً أننا نعاني نفس الظروف التي كان يعيشها". ثم أشار الشاب المتحدث
إلى "أن احتجاج الشارع التونسي تزامن مع حديث عن عزم السلطات في الجزائر على القضاء على التجارة غير الشرعية (الباعة المتجولون من دون ترخيص قانوني)، وقال 'أنا شخصيًا لو يلمس
أحدهم طاولتي، سأحرق هذا البلد ولا أحرق نفسي فقط [...] لقد انفجرت انتفاضتنا إثرها لأن الأمر يخص مصدر رزقنا'". ثم أشار إلى أن من سماهم "البلطجية" هم من "استغلوا الفرصة للسرقة
(((أبرزها تلك التي حدثت في منطقة القبائل (1981)، وفي قسنطينة وسطيف شرق البلاد (1986)، وفي الجزائر العاصمة ومدن أخرى (1988)، وفي منطقة القبائل (2001)، وفي منطقة الأوراس (2004). ينظر: عبد النور بن عنتر، "الحراك الجزائري: سرديات
وسرديات مضادة"، سياسات عربية، مج 10، العدد 55 (آذار/ مارس 2022)، ص.9
والاعتداء لتنتشر إشاعة أن مصدر الاحتجاج هو ارتفاع أسعار الزيت والسكر في الوقت الذي كان الأمر أكبر من ذلك". بدت هذه الشهادة كأنها شهادة على أن حركة احتجاجية عابرة للحدود كانت في طور التشكل حينها، ولا يمكن الحديث عنها إلا على هذا النحو؛ فتدني الأوضاع المعيشية وتدهور قدرة المواطن الشرائية والشعور بالإحباط وتراكم المظالم كان ماثلً قبل 5 كانون الثاني/ يناير 2011، وظل ماثلً بعده، وتلك عوامل محلية تضافرت مع عامل العدوى الإقليمية، فأنتجت انتفاضة لم تكن أقل عنفًا من أحداث الانتفاضة التونسية. لكن التعبئة لتصعيد الفعل الاحتجاجي وتنظيمه وإطالة أمده أخفقت ولم تصمد سوى أيام قلائل، وهنا كانت الغلبة للعوامل المحلية (عنف الدولة، وسياسة شراء السلم الاجتماعي، والذاكرة الجمعية، وغيرها)، مع أثر خارجي بارز، لكنه أقل أهمية (موقف القوى الدولية المحافظ على الوضع القائم). لقد شكّلت الجزائر حينها استثناءً مثيرًا للانتباه، إذا أخذنا في الحسبان التراكم الذي ميّز سجل
الاحتجاجات في البلاد. ولم تتمكن السلطة من تجنّب هزات الربيع العربي واهتزازاته فحسب، بل إن عواصف شتاء 2011 انقشعت عنها وهي أقوى مما كانت عليه، حيث باتت الجزائر رمزًا للاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، وصارت القوى الدولية ترى فيها فاعلً إقليميًا لا يُستغنى عنه،
لا سيما في مكافحة الإرهاب. ولاحقًا، بات واضحًا أنه كلما بعدت المسافة الفاصلة عن اندلاع الربيع
العربي، وتفاقمت تداعياته (انتشار الحروب الأهلية في ليبيا واليمن وسورية، وتحول الأخيرة إلى بؤرة للإرهاب العابر للحدود)، تَعزَّز وضع السلطة القائم في الجزائر. لا مبالغة إذا قلنا إن السلطة في الجزائر تلقّت هذه التطورات بشكل من أشكال الغرور. لقد كانت تزداد قناعة بأن الجزائر باتت حصنًا منيعًا ضد الاضطرابات التي اجتاحت المنطقة (والتي حملتها رياح خريف 2016 وزرعتها في ريف الحسيمة في المغرب). وهكذا، سار سلوك النظام الحاكم على نهج يناقض تمامًا ديناميات الربيع العربي (أو على الأقل مسوغاته في المقام الأول)، إذ تبنّى نموذج "التغيير من أجل اللاتغيير"، ومَنْهجَ الفساد بأشكاله، وعزّز سياسة شراء السلم الاجتماعي على حساب التنمية،
واستمر في تغذية مشاعر الحرمان والسخط الجمعية. ثم إنه، وهو الأهم من كل ذلك، اتجه نحو إشاعة الشعور الجمعي بالإذلال والمهانة. في ربيع 2013، أصيب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بسكتة دماغية نُقل في إثرها إلى فرنسا للعلاج، وعاد منها مُقعدًا عاجزًا عن الحركة والكلام، بل عن الظهور إلا لمامًا على كرسي متحرك. ومع ذلك،
(((ينظر: رتيبة بوعدمة، "عام بعد احتجاجات الجزائر.. شبان الأحياء الفقيرة يبحثون عن الخ ص"، دويتشه فيله، 2012/1/4، شوهد في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3Dn1j4U (((كان أحد الشعارات التي رفعت في اليمن، "علي عبد الله صالح، تونِسنا لا تصومِلنا"، إذ إن لتونس والصومال دلالاتهما في وعي المحتجين، سياسيًا واقتصاديًا.
(5) Louisa Dris–Aït Hamadouche, "Le soulèvement populaire algérien à l’aune du printemps arabe," Pouvoirs , vol. 1, no. 176 (2021), p. 17.
(ت)رشح لعهدة رابعة في عام 2014 وفاز بها. وتوقّع الجزائريون مغادرته الحكم مع نهاية عهدته الرابعة، إلا أن الحملة لصالح ما عرف حينها "خيار الاستمرارية" وشت بغير ذلك، بل تخللتها أقوال وأفعال، رسمية حتى، لم تكن لدى الجزائريين طريقة أخرى لتلقّيها سوى بوصفها مهينةً لشعبٍ بذل الدماء والأشلاء للخلاص من مهانة الاستعمار إلى كرامة الاستقلال. فبدأ سؤال "كيف لبلد بحجم الجزائر أن يقوده رجل مُقعد عاجز عن الكلام؟" في تغذية شعور شعبي مرير بالإذلال، وبات الناس يشعرون أن الجزائر غدت أيَّ شيء سوى أن تكون "جزائر العزة والكرامة" التي وعد بها بوتفليقة حين وصل إلى الحكم في عام 1999. وفي حين كان هذا الشعور الجمعي يتغذى على إهانات رجال السلطة ومُواليها، كان غرور هؤلاء، المتولد من وهم "الاستثناء الجزائري" من عدوى الربيع العربي، "يمدهم في طغيانهم يعمهون"، إلى الحد الذي أعلِن معه عن ترش (ي)ح بوتفليقة لعهدة خامسة فيُ 10 شباط/ فبراير 2019؛ ليكون ذلك بمنزلة القادح لحراك 22 فبراير، الذي بدأ باحتجاجات محدودة ضد عهدته الخامسة في مدينتَي بجاية وخنشلة شرق الجزائر، تحولت إلى انتفاضة شعبية عارمة. وهكذا، ساد نقاش ردحًا من الزمن بشأن ماهية هذا الحراك؛ أهو حركة احتجاجية/ اجتماعية محلية المنشأ؟ أم "ربيع عربي" متأخر؟ أم "ربيع جزائري" ممتد على مدى الأعوام الثلاثين التي تلت احتجاجات 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، التي أنهت حقبة حكم الحزب الواحد (1989–1962)، أو ربما على مدى أطول من ذلك؟ هذا ما تشتبك معه هذه الدراسة، في محاولة لتبيّن وجوه الشبه والاختلاف بين
حراك 22 فبراير وانتفاضات الربيع العربي. وكما نلاحظ من هذه المقدمة، لا يمكن البناء على خلفية
(((على سبيل المثال لا الحصر، توعّد أحد القادة الحزبيين البارزين، ممن طالب بوتفليقة بالترشح، قائلً: "انتصرنا، وما زلنا ننتصر.
سننتصر في انتخابات 2019، وفي انتخابات 2024، وفي انتخابات 2029، وفي انتخابات 2034". وتمنّى آخر للحالمين بالتغيير
أحلامًا سعيدة، ونومًا هنيئًا. وقال آخر: "إننا مع رئيس الجمهورية حيًّا وميتًا، إننا معه قلبًا وربًّا" (أي قلبا وقالبًا، لكن الأولى في اللهجة
المحلية أقوى وأبلغ). ينظر التقرير الذي بثته قناة البلاد الجزائرية: "حراك 22 فيفري: القصة الكاملة"، يوتيوب، 2020/2/23، شوهد
في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3VgUUQE
وقال أحدهم: "مرشحنا بوتفليقة، واللعنة على آباء من لا يحبوننا"؟ ينظر مثلً: "عمار بن يونس: حنا مرشحنا بوتفليقة وينعل بو لي
ما يحبناش!!"، يوتيوب، 2014/3/3، شوهد في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3CuDOWS وقال آخر: "حتى لو انتخبَنا خمسةٌ في المئة وعارضَنا خمسٌ وتسعون في المئة، فسيكون الرئيس [أي بوتفليقة] شرعيًا"؟ ينظر مثلً:
"مواقف ' بلقاسم ساحلي ' بخصوص العهدة الخامسة لبوتفليقة قبل الحراك وبعد الحراك!؟"، يوتيوب، 2019/10/31، شوهد في
2023/3/14، في: https://bit.ly/3VmTFja
لا يتسع المقام للاستفاضة في ذلك، ولا جدوى منه، وثمة حجاج يقول إن الانتفاضة كانت انتفاضةً من أجل الكرامة الشعبية، أكثر مما كانت ضد ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، وهو الرئيس العاجز الذي لم يخاطب الأمة سبع سنين كاملة، ويصوّت على مقعد
متحرك (حدث ذلك في انتخابات 2014 الرئاسية)، ينظر: "بوتفليقة يقترع على كرسي متحرك ويصافح الحاضرين... دون
تصريحات"، سي إن إن بالعربية، 2014/4/17، شوهد في 2023/3/14، في: https://cnn.it/3erXUJp ويُكرَّم إطارٌ خشبي يضمّ صورته، بدلً منه (خلال اجتماع لرؤساء البلديات، في مطلع عام 2018، "وضع المجتمعون صورة عملاقة
للرئيس بوتفليقة على خشبة المسرح، ووضعوا وشاحًا بالعلم الجزائري لتكريمها". وتكرر الأمر مع منظمة المحامين الجزائريين التي
فعلت الشيء نفسه أثناء احتفالٍ باليوم الوطني للمحامي. وفي 5 تموز/ يوليو 2018، وأثناء الاحتفالات بعيد الاستق لاا، حُملت
صورة بوتفليقة في إطار خشبي ضخم "متقدمة الموكب الاستعراضي لتشكيلات أمنية وعسكرية، لتسير تحت حراسة مشددة قبالة المنصة الرسمية للاحتفالات التي ضمّت كبار الشخصيات والمسؤولين الحكوميين بالبلاد". ينظر: عبد القادر بن مسعود، "تحضر
الصورة ويغيب الأصل.. كيف تسبب المناسبات الوطنية الجزائرية الحرج لبوتفليقة؟" ساسة بوست، 2018/7/9، شوهد في
2023/3/14، في: https://bit.ly/3SVJ399
معرفية واحدة في هذا الاشتباك. إننا أمام حركة احتجاجية (أو اجتماعية إذا جاز لنا تخطّي الجدل المفهومي بشأنهما)، يتقاطع فيها الاجتماعي مع السياسي والاقتصادي، ويتداخل المحلي مع الإقليمي والدولي. وبناء عليه، نركّز على ما يمكن جلبه إلى طاولة هذا النقاش من تأملات من ثلاثة اختصاصات أساسية: سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، والسياسة المقارنة، والعلاقات الدولية. من هذا المنظور، تسعى هذه الدراسة إلى معالجة الإشكالية التالية: إذا كانت الانتفاضات الشعبية العربية تتشارك عمومًا الهدف الاستراتيجي ذاته؛ أي إطاحة الأنظمة القائمة واستبدالها بأنظمة ديمقراطية تستجيب للتطلعات الشعبية نحو الحرية والكرامة والعدالة والتنمية، فإنها تتشابه/ تتماثل في عوامل وتتمايز في أخرى. تتركز وجوه التمايز أساسًا في السياق المحلي لكل انتفاضة، من حيث أسبابها وطرائقها الاحتجاجية وخبرتها ومآلاتها. ثم، إذا كان من الصعب التقليل من أهمية السياق الإقليمي، فإنه من الصعب أيضًا التقليل من مركزية السياق المحلي لكل بلد، وهو ما يظل المحدد الرئيس لطرائق الاحتجاج ومآلاتها. لذلك، فإن الإجابة عن سؤال التشابه/ التماثل والتمايز ينبغي أن تلقي الضوء أيضًا على وجوه التآثر (أي التأثير والتأثر في الوقت نفسه) بين مآلات الانتفاضات وطرائق الاحتجاج فيها. تبدو هذه الإشكالية طموحة ومتطلبة، وهي كذلك، بيد أننا سنركز في هذه الدراسة على مقارنة حراك 22 فبراير في الجزائر بانتفاضات الربيع العربي. ونستعمل ما نسميها "سردية الاستثناء الجزائري" أداةً تحليلية للمقارنة، إذ سنبيّن وجوه تمايزها من خلال فحص حججها، في حين نبيّن وجوه تشابهها/
تماثلها مع انتفاضات الربيع العربي من خلال الوقوف على حدودها. وكما سيتبين لاحقًا، لا تخلو سردية "الاستثناء الجزائري" من مفارقة، فهي تقول: إذا كانت الجزائر قد شكلت استثناءً ولم تشهد
انتفاضةً على غرار انتفاضات الربيع العربي في عام 2011، فإنها حتى وهي تشهد حراكًا متأخرًا في عام
2019، ما زالت تشكّل استثناءً ما دام مختلفًا عن غيره من الانتفاضات العربية، بموجتَيها. بعد تقديم هذه السردية في المبحث الأول من الدراسة، ننحو في المبحث الثاني اتجاهًا جدليًا للمقارنة
نفحص من خلاله الحجج التي تعزّز تلك السردية، ثم نعود بعدها، في المبحث الثالث، إلى تفكيكها ومناقشة حدودها، وإعادة وضع حراك 22 فبراير في سياقه الإقليمي بعد أن نتبيَّن خصوصيته المحلية.
ونأمل أن يوفر ذلك أساسًا يمكن البناء عليه في توسيع وتعميق فهمنا لسؤال تشابه/ تماثل وتمايز الحالة الجزائرية ضمن حراك الربيع العربي الأوسع، الذي شهدته المنطقة طوال العشرة أعوام ونيف الماضية.
أولا: تسمية الحراك حراكًا بوصفه صورة ذاتية عن الاستثناء الجزائري
بتقويمٍ بسيطٍ لتسلسل الاحتجاجات العربية خلال الفترة 2020–2010، وبصرف النظر عن انتفاضتَي العراق ولبنان، في 1 و 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، على التوالي، يمكننا فهم المقولة الشائعة القائلة إن الجزائر كانت أبطأ البلدان العربية وصولً إلى "لحظة الربيع العربي". فقد قُمعت فيها احتجاجات 5 كانون الثاني/ يناير 2011، أو أنها لم تكن قد نضجت كي تتحول إلى انتفاضة على منوال الموجة
الأولى من انتفاضات عام 2011، في حين تأخر وصول موجة عام 2019 الثانية أسابيع بعد أن بدأت من السودان في 19 كانون الأول/ ديسمبر.2018 لكن الجزائريين يحتفظون في مخيالهم الجمعي بصورة مختلفة عن الذات Self–image، فحواها أن البلاد عاشت "لحظة ربيعها العربي" الخاصة بها قبل انتفاضة تونس بأكثر من عشرين سنة. وسواء أتعلّق الأمر بطبيعة الانتفاضة (العفوية والوطنية؛ أي غير المحدودة جغرافيًا) أو شعاراتها ومطالبها (تغيير
النظام القائم والانتقال إلى الديمقراطية وتكريس التعددية السياسية)، فإن الجزائر شهدت ما شهدته بقية البلدان العربية في وقت أبكر بكثير. وقد شعر الجزائريون، عشية حراك 22 فبراير 2019، أنهم سبق واختبَروا آمال الربيع العربي وآلامه، بل إن ما حققوه من آمالٍ في خريف 1988 وما تكبّدوه من آلامٍ إبان
"العشرية السوداء" في تسعينيات القرن العشرين، يفوق ما حققته وتكبدته بلدان الربيع العربي في عام 2011. فقد تمكنت الجزائر حينها من طيّ صفحة نظام الحكم الأحادي وتحقيق آمال الانتقال إلى نظام
تعددي، على الرغم من خيباته الكثيرة، كما أنها تكبدت آلام الاضطرابات الأمنية، التي لا يتردد البعض في اعتبارها حربًا أهلية، وما تخللها من مَآسٍ ومِحنٍ وتضحيات. لن يفيدنا استعراض جدل الأرقام هاهنا، ونكتفي بالقول إن الحصيلة كانت مئات الآلاف من القتلى والمعطوبين والمختطفين، ومزاجًا شعبيًا قاتمًا يستبد به الإرهاب والترهيب. مع بداية الحراك، تحولت هذه المحنة في مخيال الجزائريين إلى منحة، وساد بينهم وعيٌ بأن ما حدث
مع أفول القرن العشرين ينبغي ألا يتكرر مع بزوغ القرن الحادي والعشرين. وبمرور الأسابيع، واتساع حجم المسيرات وتمسّكها بسلميتها، ومع إحجام قوات الأمن، في المقابل، عن استخدام العنف، تحوّل هذا الوعي إلى مصدر للاعتزاز بالنفس. ومن هنا، تشكلت سردية "الاستثناء الجزائري". وكانت أبرز مكوناتها رفض تسمية الحركة الاحتجاجية ثورةً، على غرار ثورات الربيع العربي عام 2011؛ فسُميت حراكًا، وأطلق المحتجون بعضُهم على بعض تسميةَ "حراكيين" بدلً من "ثوار"، وناهضوا أيّ ربط، أكان صريحًا أم ضمنيًا، بين حراك الجزائر وثورات الربيع العربي. لا شك في أن الخوف وإشاعته بين الناس يعدان أداة أساسية تلجأ إليها السلطة، بغضّ النظر عن السياق والبلد. وقد بينت أدبيات وفيرة كيف يجري توظيف الخوف لأغراض سياسية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالإرهاب. ولا شك أيضًا في أن خطاب السلطة في الجزائر عشية حراك 22 فبراير لم يشذّ عن القاعدة (وإن كانت نسبية)، إذ تبنّت خطاب أمننة "الربيع العربي" ووظّفته بكثافة. وبُني هذا
(((تضاف إلى ذلك دلالتان أساسيتان: الأولى عامة، فحواها أن الثورة غالبًا ما ترتبط بالتمرد على الوضع القائم، بل بالعمل المسلح
أيضًا، والثانية خاصة بالسياق الجزائري، إذ بدا ضروريًا أن يجري تمييز حراك 22 فبراير، مهما كان ثوريًا، من ثورة التحرير المسلحة
التي افتكت الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي بين عامي 1954 و 1962. عن نقد مفهوم الثورة في سياق الربيع العربي، ينظر:
Yadh Ben Achour, Tunisie: Une révolution en pays d’islam (Tunis: Cérès éditions, 2017).
(((ينظر: بن عنتر، ص 10، هامش 14،.15 (((المقصود بأمننة الربيع العربي Securitization بناؤه خطابيًا بوصفه تهديدًا وجوديًا وشيكًا لا لبقاء الدولة واستقرارها فحسب، بل
لأمن المجتمع المادي ورفاهيته المادية وتماسكه الاجتماعي أيضًا.
الخطاب على استراتيجية كبح التعبئة الاجتماعية للحراك عبر إشاعة الخوف من مخاطر ثلاثة: العودة إلى "العشرية السوداء" ومآسيها إذا تحولت المظاهرات إلى مواجهات عنيفة مع قوى الأمن (أو إذا لجأت الدولة إلى إنزال قوات الجيش إلى الشوارع، مثلما حدث عام 1992)، وتسلل جماعات إرهابية إلى صفوف المتظاهرين واستغلال المسيرات والتجمعات لارتكاب عمليات تفجيرية، وتحوّل الاحتجاجات إلى "ربيع عربي" في نسخته المجهضة، لا سيما في سورية وليبيا واليمن. قد يكون نأيُ الحراك بنفسه عن الربيع العربي، اسمًا ومسمى، "دلالةً على موقف دفاعي"، إذ واجه المحتجون استراتيجية السلطة القائمة على التخويف المزدوج، من "الربيع العربي" و"العشرية السوداء"، باستراتيجية مزدوجة تقوم، من ناحية، على الإصرار على التعبئة السلمية استبعادًا لاحتمال حدوث أيّ انزلاق نحو العنف، وقطعًا للطريق أمام أيّ محاولة لإضفاء الشرعية على قمع المسيرات عبر العنف. ومن ناحية أخرى، تقوم على تمييز حراك الجزائر من "ثورات الربيع العربي"، بموجتيه الأولى والثانية، وخاصة أن حراك السودان الذي سبقه كان قد شهد هو الآخر أعمال شغب واشتباكات عنيفة بين المحتجين وقوى الأمن. اللافت للانتباه في حالة الجزائر هو أن المتظاهرين، مثلهم مثل النخب الحاكمة والمعارِضة، كانوا ينهلون من المخيال الأمني نفسه، ومن الثقافة السياسية الوطنية نفسِها التي صقلتها ثورة عام 1954 ضد الاحتلال الفرنسي. لقد تبنّى الحراك خطابًا وطنيًا لا تختلف نبرته ومفرداته عن خطاب السلطة، ردًّا على مسألتين أساسيتين في صراعه معها حول الديناميات الخطابية لإضفاء الشرعية ونزعها: رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدولة من ناحية، والخارج بوصفه تهديدًا من ناحية أخرى. وإنه لجدير بالذكر هنا أن للسردية الرسمية عن الخارج بوصفه تهديدًا (المبني اجتماعيًّا عبر الخطاب)، تبعاتٍ
جمةً، لأن المتّهَم بالتواطؤ مع الخارج في النتيجة يُتهم بالمساس بالأمن الوطني ويُرمى بخيانة الوطن. وهذه السردية هي أيضًا ما يسمح ببناء خطاب حول تعاضد "عدو الخارج" و"عدو الداخل". ومن ثم، يهدف نأيُ الحراك بنفسه عن ثورات الربيع العربي أساسًا إلى تفنيد مقارنة السلطة بينه وبين تجارب سورية وليبيا واليمن لرفع "فزّاعة" الحرب الأهلية وحتمية انهيار الدولة. لقد رفض الحراك
(((1 بن عنتر، ص 10. بعد ستة أيام فقط من بداية الحراك، وفي كلمة له أمام البرلمان، ذكَّر أحمد أويحيى، الوزير الأول آنذاك،
بإضراب عام 1991 الذي قادته الجبهة الإس مااية ل نإإقاذ حينها، وبالربيع العربي في سورية، مشككًا في سلمية الحراك، قائ:
"المسيرات في سورية بدأت بالورود وانتهت بالدماء". ينظر: "أويحيى يحذّر: مسيرات سوريا بدأت بالورد وانتهت بالدم"، الشروق
أونلاين، 2019/2/28، شوهد في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3Cw5g6l (((1 تسمى في الخطاب "المأساة الوطنية"، وقد استخدمت هذه التسمية في النصوص القانونية الخاصة بالمصالحة الوطنية. ينظر على سبيل المثال: الجمهورية الجزائرية للديمقراطية الشعبية، "أمر رقم 01–06 مؤرخ في 28 محرم عام 1427 الموافق 27 فبراير سنة
2006، يتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية"، الجريدة الرسمية، السنة 43، العدد 11،.2006/2/28 (((1 بن عنتر، ص.11–10 (((1 المرجع نفسه، ص.11
(14) Farida Souiah, "Rhétorique de l’ingérence et lutte pour la légitimité," Mouvement , vol. 2, no. 102 (2020), p. 36.
منطق هذا التشبيه، وعمل على تحرير وعي ناشطيه من بطش هاجس "العشرية السوداء". وإذا لم يكن ثمة بُدٌّ من التشبيه، فلا بأس أن يكون في حالة مصر، لكن وفق منطق مغاير تمامًا، مفاده أن حراك الجزائر يجب ألّ يقود إلى حكم عسكري، وهذا ما عبَّر عنه شعار "دولة مدنية ماشي عسكرية" (أي
"دولة مدنية، لا عسكرية"). لم تكن تسمية الاحتجاجات بالحراك ابتكارًا جزائريًا غير مسبوق، فهو مأخوذ من البيئة الإقليمية العربية، ويمكن اعتباره استعارةً عن الحراك الجنوبي في اليمن عام 2009، أين استُخدم اللفظ أول مرة بهذا المعنى، ومن جوار الجزائر الأقرب أيضًا؛ من حراك الريف في المغرب عام 2016. والواقع أن الخطاب الرسمي تبنّى التسمية نفسَها، بل أضاف إليها لاحقًا نعت "المبارك". ولم يكن ذلك، في نظرنا،
استرضاءً للحراك فحسب، خاصة مع تمسّكه بسلميته، أو تطبيعًا لسياسة "مرافقة الحراك" التي اتّبعتها
المؤسسة العسكرية لاحقًا، بل كان أيضًا رسالة طمأنة للخارج مفادها أن النظام الحاكم ممسك بزمام الأمور، وأن الجزائر، المعوَّل عليها في تأمين الاستقرار الإقليمي في منطقة المغرب العربي–الساحل،
لن يصيبها ما أصاب بلدان الربيع العربي الأخرى، ما دامت هذه الاحتجاجات تمثّل "مجرد حراك"، لا "ثورة" تهدد توازنات القوة الإقليمية إذا ما أتت على استقرار الجزائر داخليًا. وحتى على المستوى
الأكاديمي، لم يشهد مصطلح الحراك أيّ نقد أو مراجعة. واستعُمل المصطلح على نطاق واسع
بوصفه تعبيرًا عن حركة احتجاجية تولّف بين عدة حركات احتجاجية كانت محدودة في الأصل. مع كل ذلك، فإن استعارة التسمية من حالات إقليمية أخرى لم تكن لتشوش على صورة حراك الجزائر عن ذاته، بوصفه استثناءً، وبوصفه صناعةً جزائريةً خالصة؛ فنعتَ نفسه بالحراك "السلمي"،
و"الحضاري"، و"المبارك" (وكذلك نعتته السلطة نفسها التي استهدفها الاحتجاج)، و"الواعي"، و"المُلهِم"، و"المبهِر"، و"التاريخي". ولكل نعتٍ من هذه نعتٌ مغايرٌ مقابلٌ يتحدد من خلاله المعنى
الذي يكرس صورة الحراك عن نفسه بوصفه استثناءً متمايزًا من حالات عربية أخرى؛ فالحراك السلمي
يقابله العنيف الدموي (اشتباكات وقتلى وجرحى)، والحضاري يقابله الهمجي (أعمال شغب وتدمير للممتلكات وتخريب للشارع بوصفه فضاءً عامًّا)، والمبارك خلاف القابل للشيطنة، والواعي غيرُ
الطائش الذي تعوزه الفطنة لما يحاك ضده على أيدي مناوئيه في الداخل والخارج، والملهم والمبهر
(((1 تدل الشعارات التي رفعها المتظاهرون على ثقل صدمة أزمة التسعينيات وإرادتهم تجنّب أيّ عنف: "الجزائر ليست سورية"،
"الجيش والشعب إخوة"، "الشرطة والشعب أخوة"، "العشرية السوداء انتهت وسنبني عشرية بيضاء"، وغيرها. ينظر:
Faouzia Zeraoulia, "The Memory of the Civil War in Algeria: Lessons from the Past with Reference to the Algerian Hirak," Contemporary Review of the Middle East , vol. 7, no. 1 (2020), p. 43.
(((1 بن عنتر، ص.11 (((1 على الرغم من هذا التشارك في التوصيف (الحراك)، فإن السياقات الوطنية أنتجت مفرداتها الخاصة، مُثريةً الحقل المعجمي
للانتفاضات العربية، حيث ضمنت مفردات عربية قديمة دلالات جديدة، تشير إلى المعنى ذاته، وهي: أزلام النظام (تونس وليبيا)، والفلول (مصر)، والشبيحة (سورية)، والعصابة (الجزائر)، فضلً عن عبارتين متداولتين في مختلف الدول المعنية: بقايا النظام،
ورموز النظام السابق. ينظر: المرجع نفسه، ص.10 (((1 وتحتفظ جل الأدبيات الصادرة باللغتين الفرنسية والإنكليزية بالتسمية نفسها، مع حرف استهلال كبير ورقنها بخط مائل
. Hirak
يقابلهما العادي الذي يمرّ عليه مؤرخ الاحتجاجات العالمية مرور الكرام، والتاريخي خلاف الحدث
العارض الذي لا يترك خلفه أثرًا يُعتدّ به في الآماد الطويلة durée Longue. والواقع أن نعت السلمي كان لازمة لكل النعوت الأخرى. فلم تكن العين لتخطئ مشاهد العائلات الفتية، أزواجًا، شُبانًا وشاباتٍ، وأطف لً ورُضَّعًا في عرباتٍ مدفوعةٍ بالأيدي، ومشاهد النساء في زحام
المسيرات من دون مضايقة، صبايا وعجائز، محجبات وغير محجبات وملتحفات "الحايك" التقليدي. وكذلك مشاهد الورود التي يهديها المتظاهرون إلى رجال الشرطة، ويبادلونهم العناق، ومشاهد التضامن الاجتماعي بين قادمين من خلفيات متنوعة، سياسية وأيديولوجية ومذهبية وثقافية ولغوية وديموغرافية وحضرية. لقد دبت الحياة في الشارع مج لً للاحتجاج. وبدلً من أن يتحول إلى رمز للفوضى والصدام بين هؤلاء وأولئك، تحوّل إلى ما يشبه محًّلًّ للاحتفاء باستعادة الفضاء العام وحيازته
من جديد، ممزوجًا بالاستياء والرغبة الجامحة في التغيير والانعتاق، وتحوّل أيضًا إلى بوتقة تستوعب
الصراعات السياسية والاجتماعية والثقافية التي طالما أجّجتها السلطة القائمة ووظّفتها أداةً للبقاء. ولم
تكن العين لتخطئ أيضًا مشاهد الناس يلتقون قادمين من كل حدَب وصوب، يتبادلون أطراف الجدال،
ويقتسمون الماء والطعام، ويفترقون بعد أن ينبري في كل مرة متطوعون لتنظيف المكان من خلفهم. وحتى حين بدأت بوادر الانقسام في صفوف الحراك تلوح في الأفق، خاصة حول الخيار الدستوري الذي فرضته المؤسسة العسكرية، حافظ الشارع على مظاهر سلمية الحراك، ولم يتطور الجدال المحتدم بين أنصار الخيار الدستوري ومناوئيه إلى اشتباكات عنيفة، لا بين المتظاهرين أنفسهم، ولا بين المتظاهرين وقوى الأمن. وحين بدأت أرقام المصابين بفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) في الارتفاع، بُعيد الذكرى السنوية الأولى للحراك، تحولت أماكن عامة إلى فضاءات لتوعية الناس
بمخاطر الوباء على الصحة العامة، ووُزعت الأقنعة والمعقمات، إلى أن تصاعدت الأصوات، من
داخل الحراك نفسه، داعيةً إلى تعليق تلقائي للمسيرات إلى حين. وهكذا، تشكّلت صورة الحراك عن ذاته بوصفه استثناءً جزائريًا لا نظير له في جواره الإقليمي. ولم يتردد البعض في الذهاب إلى حد
الدعوة إلى ترشيحه لنيل جائزة نوبل للسلام.
(((1 هذا السرد مستوحى من معاينة مباشرة لمسيرات الحراك، سواء في الجزائر، أين ظل أحدنا حاضرًا من بداية الحراك في شباط/
فبراير إلى أوائل تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أو في المهجر، أين ظل الآخر موجودًا طوال فترة المسيرات التي نظمتها الجالية الجزائرية
في فرنسا. ويمكن العودة أيضًا إلى آلاف المواد، السمعية البصرية والمكتوبة، والتقارير الإعلامية على الإنترنت التي توثق كل ذلك. (((2 ينظر: ناصر جابي، "لماذا لا يتم ترشيح الحراك الشعبي في الجزائر إلى جائزة نوبل للسلام؟"، القدس العربي، 2021/3/28، شوهد في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3Enm56b. وفي نسيان/ أبريل 2019، قال الرئيس التونسي الأسبق، المنصف المرزوقي، الذي كان أول رئيس تونسي بعد الثورة: إن "الثورة الجزائرية من أنجح ثورات الربيع العربي"، فهي "ب دماء"، وإن "منسوب الوعي مرتفع لدى
الجزائريين". ينظر: "المرزوقي: الثورة الجزائرية من أنجح ثورات الربيع العربي"، وكالة الأناضول، 2019/4/9، شوهد في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3EjaDbz. وبُعيد استقالة بوتفليقة، نقل والد ناصر الزفزافي، أبرز ناشطي حراك الريف في المغرب، رسالة من سجنه
حيث كان معتقلً، قال فيها: "أحييك أيها الشعب الجزائري العظيم على تحقيقك لأولى مطالبك بإسقاطك العهدة الخامسة [...] كيف
لا! وأنت بلحمتك صنعت الأمجاد في الماضي، وها أنت اليوم تصنعها من جديد، وأعطيت كما إخوانك وأخواتك في الريف دروسًا
للعالم بأسره في النضال السلمي الحضاري". ينظر: "الزفزافي يحيّي الجزائريين: أنحني لكم إجلً أيها الأحرار!"، أصوات مغاربية،
2019/4/5، شوهد في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3EwzJEd. للمزيد، ينظر: "حراك الجزائريين يُبهر أحرار العالم"، الب داا،
2019/4/5، شوهد في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3WRa3ZS. ولا شك في أن مثل هذه الإشادات رسّخت أكثر فأكثر سردية
الاستثناء الجزائري.
قدّمنا في هذا المبحث سردية الاستثناء الجزائري، وكيف حُبكت عبر صورة ذاتية شكّلها حراك 22 فبراير عن نفسه. وعلى الرغم من أن هذه السردية ناهضت تسمية الاحتجاجات "ربيعًا عربيًا" أو حتى "ثورة
شعبية"، على غرار بقية ثورات الربيع العربي، فإنها في نهاية المطاف استقرت عند نسخة مغايرة من الربيع العربي؛ ربيع عربي على الطريقة الجزائرية l’Algérienne Arab Spring à. وننتقل الآن إلى فحص حدود هذه السردية، عبر النظر في أوجه التشابه/ التماثل والتمايز بين حراك 22 فبراير وانتفاضات الربيع العربي في موجتها الأولى.
ثانيًا: حجج سردية الاستثناء الجزائري
نتناول في هذا المبحث وجوه التمايز الرئيسة بين حراك 22 فبراير وانتفاضات الربيع العربي؛ وهي جملة من الحجج التي يمكن سوقها لفهم المنطق الذي تقوم عليه سردية الاستثناء الجزائري. وتشمل وجوه التمايز العناصر التالية: البعد الوطني وتجاوز الانقسامات والولاءات والانتماءات المتعددة الأبعاد، والسلمية، ومواجهةُ السلطةِ اللينةُ للاحتجاجات، وحراك المهجر، وإجماع السلطة والحراك على رفض التدخل الخارجي، والتوافق الاستراتيجي بين الداخل والخارج على أن الاستقرار المحلي لازمةٌ للاستقرار الإقليمي. وكما أشرنا في المقدمة، تتطلب مناقشة هذه الحجج خلفيات معرفية متعددة: سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، والسياسة المقارنة، والعلاقات الدولية. ويسري ذلك أيضًا على النقاش في المبحث الثالث لاحقًا.
1. حراك وطنيّ يتجاوز الانقسامات
تميّز حراك 22 فبراير ببعده الوطني، الذي تجاوز الولاءات والانتماءات والانقسامات ذات الأبعاد
المتعددة، بخلاف جل الاحتجاجات العربية عمومًا؛ إذ لم تتمكن انتفاضات البحرين وليبيا وسورية واليمن، على سبيل المثال، من تجاوز الانقسامات الأيديولوجية والطائفية والانتماءات التقليدية. ففي البحرين، لم تساند الأقلية السنية الانتفاضة، لأن حاملها الاجتماعي كان شيعيًّا، وتمكّن الخطاب
المعادي للنفوذ الإيراني من تعبئة تحالف عربي – سني دفع نحو قمع الانتفاضة الشعبية، ثم نحو التدخل العسكري الخليجي لنجدة النظام الحاكم في البحرين. وقد أدى حضورُ هذه الانتماءات والولاءات البارزُ إلى طغيان سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع انتفاضات الربيع العربي؛ فجاء التدخل من الخارج في ليبيا حمايةً للشعب من النظام، والتدخل من الخارج في البحرين حمايةً للنظام من الشعب. أما الانقسام السياسي بين القوى الإسلامية والقوى المناوئة لها فقاد إلى إجهاض الانتفاضة المصرية، مؤديًا في نهاية المطاف إلى استعادة النظام التسلطي قوته، بعد انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 أكثر من أيّ وقت مضى. أما في ليبيا وسورية واليمن، فقد أدت ديناميات الانقسامات الداخلية (الطائفية والقبلية والمناطقية)، متضافرةً مع دينامية التدخلات الخارجية، إلى إجهاض
(21) Hamadouche, pp. 21–22. (22) Abdennour Benantar, "Arab Democratic Uprisings: Domestic, Regional and Global Implications," New Global Studies , vol. 5. no. 1 (2011), pp. 1–7.
الانتفاضات الشعبية وحوّلتها إلى حروب أهلية دامية. وتُستثنى من ذلك الانتفاضة التونسية التي
تتشارك مع حراك الجزائر ميزة تجاوز الانقسامات. سَلِم حراك الجزائر من هذه الانقسامات المتعددة، على الرغم من محاولات السلطة تغذية بعض
التوترات في صفوفه، مثل سعيها لدقّ إسفين بين الناطقين بالأمازيغية والناطقين بالعربية، إذ قرر قائد أركان الجيش، أحمد قايد صالح، في 19 حزيران/ يونيو 2019، منع رفع الراية الأمازيغية من دون أن يستند إلى أساس قانوني، وكذلك الدعم، على مستوى الخطاب الرسمي، الذي خصّت به تيارًا،
برز لاحقًا في صفوف الحراك، يتسمى بالباديسية–النوفمبرية، حاول بثّ خطاب كراهية تجاه منطقة القبائل التي تضم جزءًا من الناطقين بالأمازيغية، إضافة إلى إصرارها على التعامل قضائيًا مع ناشطي
الحراك. أثارت هذه المحاولات التي لم تخلُ من سلطوية (نسبة إلى السلطة) توتراتٍ ومخاوفَ في صفوف الحراك، لا سيما بسبب سلسلة الاعتقالات والإدانات القضائية، إلا أنه تمكّن من المحافظة على وحدته وتجانسه، ومن ثم تماسكه. لقد نجح الحراك في التوفيق سلميًا بين تعدديته السياسية والأيديولوجية ووحدة صفوفه وأهدافه.
ولا بد من أن تركيبته الاجتماعية ساهمت في الحد من مفعول التباينات الأيديولوجية داخله؛ فحضورُ
الشباب القويُّ ممن لم يشهدوا الصراعات الأيديولوجية والسياسية إبان العقود السابقة ساهم في تعزيز
مطواعية الحراك، وكان وراء شعارات مثل "لن تخيفوننا بالعشرية [السوداء"]. في مقابل ذلك، تسبب الاستقطاب الأيديولوجي في تقويض قدرة (بقية) الانتفاضات العربية على مواجهة السلطة. وحتى حين حدث التغيير، ساهم هذا الاستقطاب في إجهاض العملية الانتقالية، كما هي الحال في تونس بعد إعلان الرئيس قيس سعيّد حالة الاستثناء في 25 تموز/ يوليو 2021، أو ساهم في القضاء عليها
تمامًا كما حدث في مصر، أو أفضى إلى حرب أهلية كما هي الحال في ليبيا (وإن كان عامل التدخل
الخارجي قد شوّه الفعل الاحتجاجي فيها باكرًا). لم تكن قدرة حراك الجزائر على تجاوز الانقسامات السياسية والأيديولوجية استثناءً إقليميًا فحسب،
بل كانت استثناءً محليًا أيضًا إذا ميَّزناه، بوصفه حركة احتجاجية عفوية، من كتلة المجتمع المدني
والأحزاب السياسية المنظَّمة. لقد فاجأ نشوب الحراك هذه التنظيمات، واضطرت في نهاية المطاف إلى ركوب أمواجه بدلً من تأطيره، أو بالأحرى بعد أن أخفقت في تأطيره. لكن ذلك يعود في جزء منه إلى تباينٍ بين حالة الجزائر وحالات عربية أخرى؛ فعلى سبيل المثال، تفتقر الجزائر، بخلاف حالتي تونس ومصر، إلى فواعل وسيطة، إذ ما من مقابلٍ في الجزائر للاتحاد العام التونسي للشغل، وشتَّان بين الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" أو جماعة الإخوان المسلمين في
(23) Hamadouche, pp. 22–23. (24) Ibid., p. 23.
((2(ينظر: أحمد قاسم حسين ومحمد حمشي، "القصعة وأ كلَتُها: التدخلات الخارجية في ليبيا بعد الربيع العربي"، في: أحمد
قاسم حسين (محرر)، ليبيا: تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات،.)2022
مصر وحركة "بركات" أو حركة مجتمع السلم (إخوانية التوجه) في الجزائر، لا سيما من حيث القدرة على التسييس والتعبئة – ونقصد بالتسييس هنا القدرة على تأطير المطالب الاجتماعية وتحويلها إلى مطالب سياسية – وهو جوهر الدور الذي تؤديه الفواعل الوسيطة. لقد بقيت الطبقة السياسية حبيسة خياراتها الأيديولوجية التي رفضتها تركيبة الحراك وشعاراته، إذ تجمّع التقدميون في تكتل "قوى البديل
الديمقراطي" وتبنّوا خريطة طريق، في حين شكّل المحافظون ائتلافًا أفصح هو الآخر عن خريطة طريق مغايرة للخروج من الأزمة. وقد انهار هذا الائتلاف بمجرد الإعلان عن تنظيم انتخابات رئاسية، وانقسمت أطرافه بين مشارك ومقاطع، في حين استمر التكتل في المواجهة مع السلطة من دون أن ينجح في توسيع صفوفه وتعزيزها. ولم ينجح القطبان في الاجتماع مع ناشطين بارزين في الحراك إلا مرة واحدة، في 24 آب/ أغسطس 2019، للاتفاق حينها على أرضية سياسية مشتركة، وكان ذلك قبل أن يعلن رئيس أركان الجيش عن قرار المضي في تنظيم انتخابات رئاسية، مثيرًا مرةً أخرى انقسام الطبقة
السياسية، على الرغم من أن السياق الاجتماعي والسياسي، بفضل الحراك، كان حينها مواتيًا لها كي
تؤدي الدور المتوقع منها ويمنحها ورقة ضغط هائلة في مواجهة السلطة.
2. حراك سلميّ
تُعدّ السلمية ميزةً أساسية من ميزات حراك 22 فبراير؛ فخلال الموجة الأولى للربيع العربي، سرعان
ما تخلل العنفُ الانتفاضاتِ الشعبيةَ، وكان متبادلً بين المتظاهرين وقوى الأمن. وحتى الانتفاضة التونسية عرفت نوعًا من العنف، وإن كان محدودًا، وفضلً عن أن شرارتها كانت عنيفة؛ أي إضرام البوعزيزي النار في نفسه، فقد وقع خلالها ما بين 300 إلى 500 ضحية. وفي سورية، بدأت الانتفاضة سلمية، لكن سرعان ما غمرها العنف، لتبلغ حصيلتُه، بين آذار/ مارس 2011 وكانون الثاني/ يناير 2012، أكثر من 5000 ضحية. أما في ليبيا، فقد تحوّلت الانتفاضة بسرعة إلى حرب أهلية أدت إلى 15–10 ألف قتيل بين شباط/ فبراير
وتشرين الأول/ أكتوبر 2011. وأوقعت الانتفاضة المصرية 900 ضحية في عامها الأول. في حين تسببت الانتفاضة اليمنية في وقوع أكثر من 350 ضحية في عامها الأول أيضًا. أما في البحرين، فكانت حصيلة الانتفاضة 55 ضحية في بلد يبلغ تعداد سكانه حوالى نصف مليون نسمة. أما حراك الجزائر، فلم يسجّل
سوى وفاة شاب واحد متأثرًا بجروح من جرّاء إصابته بطلق رصاص مطاطي. لم يختلف الأمر مع انتفاضات الموجة الثانية، إذ سجلت الانتفاضة السودانية، مثلً، 40 قتيلً خلال الشهر الأول من عمرها فحسب. وشهدت انتفاضة 17 تشرين (تشرين الأول/ أكتوبر 2019) في لبنان
(26) Hamadouche, p. 24–25.
(((2 كان شعار "سلمية سلمية" أبرز شعارات الحراك التي ظلت مرفوعة في مسيراته منذ أسابيعه الأولى. (((2 عن سلمية الحراك من منظور المتظاهرين، ينظر:
Fatma Oussedik, "Penser pour demain, penser la silmiya (Le Pacifisme) en Algérie: Vue des Marches," Maghreb– Machrek , vol. 3, no. 245 (2021), pp. 57–74. (29) Hamadouche, p. 20.
((3("السودان: ضباط الأمن ي حااقون المحتجين المصابين داخل مستشفى"، منظمة العفو الدولية، 2019/1/10، شوهد في 2023/3/14، في: https://bit.ly/2RqyQ8Y. وتشير التقارير المتواترة إلى سقوط عشرات آخرين من القتلى في الاحتجاجات التي لا تزال مستمرة، وإن على نحو محدود جغرافيا ومتقطع زمنيا، إلى غاية كتابة هذه الدراسة.
سقوط قتيلين، في أقل من شهر على بدايتها، فضلً عن أعمال شغب وتخريب واسعة، وصدامات عنيفة بين المتظاهرين وقوى الأمن. ومثلما هي حال انتفاضة تشرين (1 تشرين الأول/ أكتوبر 2019) في العراق، التي كانت حصيلتها أسوأ، نظرًا إلى مئات القتلى وآلاف الجرحى الذين سقطوا في أثناء
المواجهات مع قوى الأمن قبل أن تكمل الأشهر الثلاثة الأولى من عمرها، فإنه يصعب الفصل بين الاجتماعي والطائفي في مثل هذه الانتفاضات. كيف يمكن تفسير تميّز حراك 22 فبراير بسلميته من بقية انتفاضات الربيع العربي؟ لا شك في أن لتراكم
الخبرة، المحلية خاصة، والتعلم، الإقليمي خاصة، أثرًا في الفعل الاحتجاجي في الجزائر. إنها خبرة
مزدوجة تستقي من سجل الاحتجاجات المحلية، السابقة على الحراك، فضلً عن احتجاجات الربيع العربي الإقليمية. محليًا، اتسمت الحركات الاحتجاجات السابقة في عمومها بالعنف، لكنها ساهمت
في نهاية المطاف في إعادة إنتاج الوضع القائم؛ ذلك أن الشرعية الأمنية للنظام الجزائري تتغذى أيضًا من وجود العنف. لذلك، يبدو أن المحتجين كانوا واعين باستراتيجية تفويت الفرصة على السلطة، كي لا تستغل عنف الاحتجاج في إضفاء الشرعية على العنف المضاد، لقمع المسيرات من ناحية، وتأجيل مطالبها من ناحية أخرى. أما إقليميًا، فقد أدى التطور العنيف للانتفاضات العربية، باستثناء
الحالة التونسية (وإن على نحو محدود كما بيَّنَّا سابقًا)، إلى جعل المحتجّين أشد حذرًا، بل نفورًا،
من العنف؛ خوفًا من أيّ انزلاق أمني خشية أن تسوء الأمور وتنتهي إلى نهايات مماثلة لما آلت إليه في الجوار الإقليمي. فضلً عن ذلك، تميّز حراك 22 فبراير بكونه انتفاضة شاملة ضمّت في صفوفها كل قطاعات المجتمع.
وسمحت طبيعةُ الحراك العابرةُ للأجيال بنقل خبرة الاحتجاجات السابقة إلى جيل الشباب من خلال المجموعات التي كانت تتشكل بعد نهاية كل مظاهرة للنقاش. وتميّز الحراك أيضًا، مثلما أشرنا في
المبحث السابق، بحضور قوي للنساء، أفرادًا وضمن عائلات خرجت كاملة للمشاركة في المسيرات. وبناء عليه، فقد حدَّ الحضور الكثيف لمتظاهرين من فئات لم تعتد عليها الشوارع، مثل الأطفال والشيوخ و (النساء) العجائز من إمكانية لجوء قوى الأمن إلى القمع، كما حدَّ أيضًا من نزعة الشباب للرد على استفزازاتها.
((3("لبنان: المتظاهرون يشيعون مواطنًا قتل في الاحتجاجات المتواصلة ضد الطبقة الحاكمة"، فرانس 24، 2019/11/14، شوهد
في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3sGOOft
(((3 "إحصائية أممية: حصيلة احتجاجات العراق أكثر من 400 قتيل و 19 ألف جريح"، الجزيرة نت، 2019/12/4، شوهد في
2023/3/14، في: https://bit.ly/3FuxT7F (33) Hamadouche, p. 21. (34) Ibid.
(((3 في شتاء 2022، تناقلت تقارير إع مااية خبر إقدام مجموعة من الأطفال على السير إلى مقر رئاسة إحدى بلديات ولاية تبسة، شرق الجزائر، للمطالبة بتغيير حارس أحد الم عااب الجوارية، بدعوى إساءته معام تااهم وحرمانهم من ارتياده للعب. ينظر: "تبسة: بعد غلق الملعب الجواري ومنعهم من اللعب، أطفال يحتجون بطريقة سلمية"، يوتيوب، 2022/11/4، شوهد في
2023/3/14، في: https://bit.ly/3UAOD1M (36) Hamadouche, p. 21.
3. مواجهة لينة للحراك: أولوية الدستوري - القضائي على الأمني
تميّز حراك 22 فبراير من كل الانتفاضات العربية الأخرى (بموجتَيها) بعدم لجوء السلطة إلى قمع
الاحتجاجات بأدوات خشنة. ويمكن المحاجّة بأن سلمية الحراك في حدّ ذاتها كانت عاملً أساسيًا
في دفع السلطة إلى الإحجام عن استعمال القمع في مواجهة المتظاهرين، مع قدرتها على ذلك. وحسبنا أن امتناع السلطة عن اللجوء إلى القمع يعود إلى أربعة عوامل أساسية: أولها، سلمية الحراك التي حيّدت أيّ جنوح للسلطة نحو استخدام العنف. وثانيها، الانقسامات بين أجنحة السلطة بشأن
الطريقة الأنسب للتعامل مع الحراك، لا سيما بعد أن اتضح لبعضها أن طريقتها في التعامل مع الحراك تمنحها فرصة تاريخية، وربما شرعية، للتخلص من منافسيها. وثالثها، تخوّف السلطة من أن يتسبب لجوؤها إلى العنف في وقوع عدد كبير من الضحايا، خاصة مع تصاعد أعداد المشاركين في المسيرات والمظاهرات، ما سيعيد عجلة الاضطرابات الأمنية التي شهدتها تسعينيات القرن العشرين إلى الدوران، والواضح أنها لم تعد مستعدة لتحمّل المسؤولية السياسية والأمنية، لا محليًا ولا دوليًا، عن أيّ انزلاق
أمني. ورابعها، وجود نوع من التناغم الضمني بين غايات القوى الخارجية ووسائل السلطة الجزائرية، حيث تدعم الأولى خريطة طريق الأخيرة في مقابل إحجامها عن استخدام العنف ضد المتظاهرين. يرجّح، أيضًا، أن التغطية الإعلامية المكثّفة، التي يخضع لها الحدث في زمننا المعاصر، سواء من الإعلام التقليدي أو الجديد، ساهمت في كبح جماح القمع الذي يمكن أن تمارسه السلطة في وجه متظاهرين يرفعون شعار "سلمية، سلمية"، بخلاف ما شهدته احتجاجات ثمانينيات القرن العشرين. ويمكن إضافة عامل آخر يتمثل في تعلّم السلطة، محليًا وإقليميًا، توظيف أدوات أخرى بديلة لتشتيت
الحراك وتجريده من زخمه، يمكن وصفها بالقمع اللين، غير المرئي، الذي وإن أثار ردّة فعل إعلامية، محلية و/ أو دولية، فهي أقل ضجيجًا مما يثيره استعمال العنف الخشن وما يترتب عليه من سقوط ضحايا وتحوّل الاحتجاجات إلى أعمال شغب، يتخللها عنف متبادل بين المتظاهرين وقوى الأمن. وقد تمثّلت تلك الأدوات أساسًا في إعادة تشكيل مطالب الحراك خطابيًا، لتتحول من مطالب سياسية
بالتغيير الجذري إلى مطالب دستورية بإصلاح الوضع القائم ومن ثم المحافظة عليه. أما الأداة الأخرى فهي تسييس القضاء المتزايد، عبر حملة مستمرة من الاعتقالات والإدانات التي لم تستهدف رموز الفساد في نظام بوتفليقة فحسب، بل شملت أيضًا رموز الحراك وناشطيه.
4. حراك في المهجر أيضًا
تميّز حراك 22 فبراير في الجزائر من بقية الانتفاضات العربية بانخراط الجالية الجزائرية في المهجر،
لا سيما في فرنسا، في مسيرات ووقفات احتجاجية موازية لتلك التي شهدها الداخل. ووفقًا لديديي لوساوت، تميّز حراك الجزائر من كل الحركات الاحتجاجية في العالم العربي عامَي 2011 و 2019
بالانخراط المبكر والمنتظم للجزائريين المقيمين خارج البلاد، لا سيما في فرنسا أين تعيش أكبر جالية جزائرية في العالم. للتعبئة الاحتجاجية في المهجر قواسم مشتركة مع التعبئة في الوطن الأم. وعلى الرغم من أن ما يمكن تسميته حراك المهجر كان امتدادًا لحراك الداخل، فإنه تطور في سياق مغاير.
فبحكم جغرافيته، عبّر حراك المهجر عن التفافه حول ناشطي حراك الداخل وتضامنه معهم ومؤازرة
لهم. أما شعاراته ومطالبه، فقد وُجهت إلى السلطة القائمة في الجزائر، وإلى السلطة الفرنسية (في حالة الحراك في فرنسا)، وحتى إلى الهيئات الدولية والمنظمات الحقوقية غير الحكومية. كان حراك المهجر سبّاقًا في التعبئة، وسابقًا على تاريخ 22 شباط/ فبراير 2019 في الداخل. فأول تجمع
شعبي للجزائريين في فرنسا ضد عهدة بوتفليقة الخامسة كان في 17 شباط/ فبراير 2019، في ساحة الجمهورية في باريس. ومنذ ذلك التاريخ، ظلت تلك الساحة تشهد بانتظام مظاهرات وتجمعات منتظمة، يشارك فيها عشرات الآلاف من الأشخاص كل يوم أحد (يوم الإجازة الأسبوعية الرسميّ في
فرنسا)، مطالِبين بالتغيير في الجزائر، ورافعين الشعاراتِ نفسَها التي رفعها حراك الداخل، فضلً عن
تجمعات احتجاجية في مدن فرنسية أخرى، وإن كانت أقل حجمًا وانتظامًا من حراك باريس، الذي تفرّد
بحجمه، من حيث عدد المشاركين، وانتظامه (أيام الأحد). لقد احتفت التجمعات الأسبوعية للمحتجين الجزائريين وبعض المسيرات التي نظّموها في باريس بالأحداث المفصلية في تاريخ الجزائر (أحداث 8 مايو 1945، والفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، وعيد الاستقلال في عام 1962، والخريف الأمازيغي في عام 1980، وأحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988، والخريف الأسود في عام 2001). وبالتحاق المهاجرين الجزائريين عن بعد بالحركة الاحتجاجية في وطنهم الأم، فإنهم كانوا يشاركون في إعادة إنتاج رموز يضعونها في "أداءات طقوسية" للتهديد بالتسلطية القائمة في الجزائر. لقد كانوا يتملّكون خطاب الحرب التحريرية، معيبين على السلطة العبث به وتوظيفه، حاملين شعارات من قبيل "البلد بلدنا ونحن من يقرر"، و"دولة مدنية لا عسكرية"، و"سئمنا من هذه السلطة". وفي هذا السياق، يحمل المحتجون الجزائريون في المهجر "وطنية عن بعد".
5. إجماع في الداخل على رفض التدخل الخارجي
كان التدخل الخارجي ملازمًا لانتفاضات الربيع العربي، خاصة في موجتها الأولى، إذ تعرّضت جل
بلدانها (باستثناء تونس إلى حدٍّ ما) للتدخل السياسي الذي مارسته "القوى المضادة للثورات"، التي نجحت في مسعاها في مصر باستعادة النظام التسلطي عبر إطاحة أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في
البلد. لكن التدخلات الخارجية الأسوأ تمثّلت في التدخل العسكري الذي ساهم في تمزيق أوصال كل من ليبيا وسورية واليمن. وفي الحالتين (التدخل السياسي والعسكري)، أدت دول عربية دورًا أساسيًا،
سواء في التدخلات السياسية أو العسكرية، لكن ليس دائمًا للغرض نفسه. ففي البحرين، كان التدخل الخارجي لحماية النظام القائم وإنقاذه من المطالب الشعبية، أما في ليبيا فكان ضد النظام انتصارًا للمطالب الشعبية، وكذلك كان الأمر في سورية واليمن أيضًا. لقد تحولت قوى عربية عُرفت باعتدالها
((3(ينظر: ديديي لوساوت، "القيام بالحراك في باريس: مشاهد ثورة ضد النظام الجزائري"، ترجمة لحسن زغدار، سياسات عربية، مج 10، العدد 55 (آذار/ مارس.)2022 (((3 المرجع نفسه.
في النظام الإقليمي العربي إلى مصدرٍ لراديكالية إقليمية من نوع آخر، وطفت على السطح جدلية "الثروة" والثورة" مع استقواء الأولى على الثانية وإجهاضها في النهاية. وفي مقابل ذلك، شكّلت حالة الجزائر استثناءً، وظلّت في منأى عن التدخل الخارجي. ثمة إجماع تقليدي في الجزائر على مبدأ رفض التدخل الخارجي، بصرف النظر عن طبيعته أو درجته. وقد تأكّد ذلك بردّات الفعل المنددة، على مستوى الحكومة والمعارضة والحراك، بقرار البرلمان الأوروبي بشأن الوضع في الجزائر، الصادر أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. لكن، ثمة مسألة ينبغي التوقف عندها هاهنا. فالإجماع التقليدي لم يعنِ يومًا أن التدخل الخارجي لم يوظَّف سياسيًا،
عبر اتهامات متبادلة بين تلك الأطراف. فقد نددت السلطة بمجرد بدء الاحتجاجات بوجود تدخّل
خارجي، محذّرةً من تلاعب "أيادٍ خارجية" بمتظاهرين "مغرَّرٍ بهم" وتؤامرها على البلاد، واستمرت
في استعمال هذا الخطاب طوال فترة الحراك. بيد أن السلطة القائمة حينها هي التي خرقت قاعدة رفض التدخل الخارجي؛ سعيًا منها لتمرير أجندتها. ففي بداية الحراك، أرسلت رئاسة الجمهورية
وزير الخارجية حينها، رمطان لعمامرة، إلى عواصم دول كبرى لإقناعها بجدوى خريطة طريق السلطة ودعمها (أي بقاء بوتفليقة في السلطة خارج الإطار الدستوري)، ما أثار حينها سخط الحراك منها بسبب لجوئها إلى الخارج، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وفرنسا، طلبًا لدعم خريطة
طريق الرئاسة. كان تفهُّم القوى الغربية، إضافةً إلى روسيا، لموقف السلطة القائمة في الجزائر على حساب مطالب
الحراك دلالةً على استمرار الرهان على الاستقرار التسلطي بديلً دائمًا من الاستقرار الديمقراطي.
وقد تعزز هذا الرهان مع تداعيات أحداث الربيع العربي واستفحال الأزمات الأمنية في جوار الجزائر الإقليمي (في منطقة الساحل أساسًا)، لا سيما تداعياتها على تدفقات اللاجئين والمهاجرين غير
الشرعيين نحو ضفة المتوسط الشمالية. لقد ضحّت تلك القوى بالاستقرار التسلطي في انتفاضات
عام 2011، في تونس وليبيا وسورية، ومؤقتًا في مصر، لكنها سرعان ما استعادته مع الردّة الانتقالية في مصر، المدعومة عربيًا وغربيًا مع انقلاب تموز/ يوليو 2013، ثم كرّسته موقفًا من الاحتجاجات
المطالِبة بالانتقال الديمقراطي عبر انحيازها الواضح إلى السلطة القائمة على حساب الحراك
(39) Abdennour Benantar, "Recompositions interarabes dans le contexte des révoltes populaires: Un conservatisme vecteur de radicalisation régionale," in: Abdennour Benantar (dir.), Le Maghreb et la crise entre les monarchies du Golfe: Une neutralité positive (Paris: L’Harmattan, 2021), pp. 21–32.
(((4 بعد ثلاثة أيام من اندلاع الحراك الشعبي في 22 شباط/ فبراير 2019، وصف قائد أركان الجيش، في خطاب له في 26 من الشهر نفسه، المتظاهرين بأنهم "مدفوعون نحو المجهول من خ لاا نداءات مشبوهة، ظاهرها التغنّي بالديمقراطية، وباطنها جر
هؤلاء المغرر بهم إلى مسالك غير آمنة، بل غير مأمونة العواقب، مسالك لا تؤدي لخدمة مصلحة الجزائر، ولا تحقيق مستقبلها
المزدهر". وقد حُ ذِ ف هذا المقطع من الخطاب من مواقع عدد من القنوات الإع مااية الجزائرية، لكنه لا يزال منشورًا بالصوت
والصورة على بعض الصفحات على موقع يوتيوب، كما أنه مدونٌ نصًّا في الكثير من التغطيات على المواقع الإخبارية. ينظر:
"الإع ماا الجزائري يسحب تصريح قائد الجيش الذي يصف المتظاهرين بالمُغرر بهم"، عربي بوست، 2019/2/27، شوهد في
2023/3/14، في: https://bit.ly/3pRlYIl
(((4 عبد النور بن عنتر، "العامل الخارجي والانسداد السياسي في الجزائر"، تقارير، مركز الجزيرة للدراسات، 2019/3/21، شوهد
في 2023/3/14، في: https://bit.ly/3U4ImKr
الشعبي في الجزائر، على الرغم من أن هذا الأخير كان قد عبّر منذ بدايته عن رفضه المطلق لأي
تدخل سياسي خارجي في شؤون الجزائر الداخلية، سواء أكان تعزيزًا للسلطة القائمة أم تأييدًا لمطالب الحراك. يمكن إدراج جملة من الأسباب التي تفسر تفرّد حالة الجزائر فيما يتعلق بالتدخل الخارجي في زمن
الحراك الشعبي. أولً، إن طبيعة الاحتجاجات السلمية وطريقة تعامل السلطة معها القائمة على استبعاد العنف، فضلً عن التقليد السائد المناوئ للتدخل الخارجي، شكّل كل ذلك حصنًا منيعًا في وجه التدخل. ثانيًا، كما سبق ذكره، يجعل السياق الإقليمي استقرار الجزائر وتعزيز قدرتها على مقاومة
القوى الجاذبة نحو الاضطرابات، السياسية محليًا والجيوسياسية إقليميًا، مصلحةً أمنية قصوى بالنسبة
إلى القوى الغربية. ثالثًا، لا بد من أن المتدخلين أنفسهم قد تعلّموا من تجارب الربيع العربي عام 2011، إذ باتوا يدركون أن التدخل قد (أو غالبًا ما) يؤدي إلى خلق بؤر توتر ناشئة، أو توسيع أخرى
كانت موجودة قبل التدخل، وظّفوها لكنها تؤرّق مضاجعهم؛ لذلك، صار المتدخلون أشد حذرًا وترددًا. رابعًا، ثمة حسابات تربط مصير بلد بمصير بلد آخر؛ فالقوى الغربية التي "خذلت" الشعبين التونسي والمصري حاولت التكفير عن ذنوبها بتدخلها في ليبيا وسورية. لكن وضع سورية أضحى أشد تعقّدًا، لأن الصين وروسيا اتخذتا موقفًا مغايرًا حيال سورية مقارنة بموقفهما إزاء ليبيا حين فضلتا
عدم عرقلة قرار مجلس الأمن الذي اتخذته قوى غربية ودول عربية ذريعةً لإسقاط نظام معمر القذافي في ربيع 2011؛ فحولت بعدها ليبيا إلى خراب. خامسًا، بحكم سياسة الجزائر الخارجية "المتزنة"، فقد
نأت بنفسها عن الانخراط في صراعات تجعلها عرضةً لتصفية حسابات دولية/ إقليمية جيوسياسية كما حدث مع ليبيا تحت حكم القذافي.
6. توافق استراتيجيّ بين الداخل والخارج على أن الاستقرار المحلي لازمة للاستقرار الإقليمي
تَعُد القوى الكبرى الجزائرَ عاملَ استقرار Stabilizer إقليميًا، لا سيما في سياق الاضطرابات التي
يشهدها فضاء المغرب العربي–الساحل. فهي تعترف لها بدور إقليمي وفقًا لمصالحها الخاصة التي لا تلتقي بالضرورة مع مصالح الجزائر، لكن لا تختلف معها حتمًا. ومن ثمة، فليس من مصلحة الفاعلين الخارجيين زعزعة استقرار الجزائر، على عكس ما تقول به السردية الرسمية. ومن جانبها، لا تقدّم الجزائر نفسها بوصفها عاملَ استقرارٍ فحسب، بل مزوِّدًا بالأمن إقليميًا أيضًا، وهي كذلكَ بحق،
إذ تُعدّ أكثر دول المنطقة ذودًا عن الأمن الإقليمي بالاعتماد على إمكاناتها الخاصة. لكن، للصراعات وجوه أخرى، فعن أيّ استقرار نتحدث؟ ذلك أن استقرار الجزائر الذي ينسجم مع مصالح القوى الخارجية ليس بالضرورة في صالح شعبها. وتلك ربما هي العبرة المستخلصة من حراك 22 فبراير.
(((4 المرجع نفسه؛ عبد النور بن عنتر، "سياسة الجزائر الأمنية: تحولات ومعضلات في سياق القلاقل إقليميًا والحراك داخليًا"،
سياسات عربية، مج 10، العدد 55 (آذار/ مارس 2022)، ص 35،.38 (((4 بن عنتر، "العامل الخارجي والانسداد السياسي في الجزائر".
ثمة توافق استراتيجي بين القوى الكبرى والسلطة القائمة في الجزائر فحواه أن استقرار الأخيرة ضروريٌ لاستقرار المنطقة برمّتها. ولا نقول شططًا إذا حاججنا بأن هذا التوافق الاستراتيجي بات عائقًا أمام التغيير في الجزائر. وعلى الرغم من خطاب السلطة الجزائرية بشأن "الأيادي الأجنبية" المتربصة بأمن البلد واستقراره، فإن القوى الكبرى لا مصلحة لها في زعزعة الاستقرار السائد في الجزائر، وهذا ما يفسّر صمتها وإحجامها عن استخدام خطاب الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية الذي لا تتردد في توظيفه ضد الأنظمة الحاكمة في بلدان أخرى. إنها تثبت المرة تلو الأخرى أن المستلزمات الأمنية إذا تعارضت مع الاعتبارات المعيارية، كانت الغلبة دائمًا للأولى. بناءً على ذلك، يمكن القول إن انعدام الاستقرار الإقليمي، المترتب على أزمتَي ليبيا ومالي، يساهم في تعزيز التسلطية في الجزائر. بيد أن التضحية بالمصالح البعيدة المدى في سبيل مصالح آنية وقريبة المدى مغامرةٌ أمنية بكل المقاييس، ومن شأن أحداث الربيع العربي أن تؤكد ذلك. وثمة، على ما يبدو، خلط بين الاستقرار ووهم الاستقرار. فالسلطة الجزائرية والقوى الخارجية تتغافل عن حقيقية أساسية مفادها أن الاستقرار المستدام يقتضي بالضرورة إجماعًا وطنيًا حول طبيعة النظام وضرورة دولة القانون؛ فالاستقرار التسلطي عابر وزائل بزوال الآليات القمعية التي تفرضه، فهو يحمل دائمًا بذور فنائه في جوفه، وهذا ما تدلّ عليه سلسلة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة، لا سيما احتجاجات حراك 22 فبراير، الذي بيّن أن الاستقرار، الذي هو موضوع سردية داخلية وأخرى خارجية، كان مجرد وهم. وهذا ما يعود بنا إلى نقطة البداية: كيف بدولة غير مستقرة داخليًا أن تكون عاملَ استقرارٍ إقليميًا؟ يترتب على هذه المقاربة لاستقرار الجزائر العديدُ من المخاطر، أبرزها وضعُ النظام، والدولة في النتيجة، في حالة أكثر انكشافًا أمام الضغوط الخارجية، لأن النظام سيجنح للإقبال على تنازلات من أجل كسب الشرعية الدولية، فضلً عن التأثير في دور الجزائر بوصفها مزوِّدًا للأمن في المنطقة، لأنها ستجبر على التركيز على الداخل، كما حدث إبان فترة الحراك. ونلاحظ هنا الفرق بين الاستقرار بوصفه وسيلةً (البعد الظرفي أو التوظيفي) والاستقرار بوصفه غاية (البعد البنيوي). وبناء عليه، فإن توظيف الأزمات في البلدان المجاورة هاجسًا أمنيًا، أو لِنقُل فزاعةً أمنيةً، لمواجهة الاحتجاجات من أجل الإبقاء
على الوضع التسلطي القائم، استراتيجيةٌ غالبًا ما يكون مآلها الفشل؛ فالحكمة تعلّمنا فضائل استلهام نجاحات الآخرين لا الاحتكام إلى إخفاقاتهم لتبرير منع التغيير. ثم إن الديمقراطية تظلّ الوسيلة الأقل مخاطرة باستقرار الدول. ومن البديهي أن يكون رهان السلطة داخليًا، والقوى الخارجية إقليميًا، على الاستقرار التسلطي مآله الفشل.
(44) Abdennour Benantar, "Implications du printemps arabe sur la sécurité en Méditerranée," Cahiers de la Méditerranée , no. 89 (2014), pp. 87–98; Abdennour Benantar, "NATO, Maghreb and Europe," Mediterranean Politics , vol. 11, no. 2 (2006), pp. 167–188.
(((4 بن عنتر، "العامل الخارجي والانسداد السياسي في الجزائر."
ثالثًا: حدود سردية الاستثناء الجزائري
نعود الآن إلى فحص وجوه التشابه/ التماثل بين حراك 22 فبراير وانتفاضات الربيع العربي. وأثناء ذلك، نحاول بيان حدود سردية الاستثناء الجزائري. لكن إبراز حدود السردية وتفكيكها لا يعنيان تقويضها والمحاجّة بأن حراك 22 فبراير كان ظاهرة إقليمية خالصة، أو مجرد حالة أخرى من حالات العدوى التي بدأت من تونس في أواخر عام 2010، وتفشّت شرقًا وغربًا عبر المنطقة العربية، لتصل في آخر موجاتها إلى العراق ولبنان أواخر عام 2019. إن ما نروم بيانه لا يتعدى وضع ظاهرة محلية بامتياز، مثلما بينّاه في المبحث السابق، في سياق إقليمي أوسع، مثلما نحاول بيانه في هذا المبحث.
1. من أجل الكرامة والاعتراف
صار لدينا زخم من المقاربات النظرية للحركة الاحتجاجية، مثل الحرمان النسبي، وتعبئة الموارد، والاختيار العقلاني، وبنية الفرص السياسية، والصراع من أجل الاعتراف، ولا يتسع المقام للتوسع في فحصها جميعًا. ويمكن أن يبني أيّ باحث مقاربة انتقائية، أو حتى توليفية، تدمج فرضيات ومتغيرات متعددة من بين بعض تلك المقاربات أو جميعها. لكننا نود التركيز هنا على نظرية الاعتراف، ونحاجّ
بأنها الأكثر ملاءمةً لتفسير جميع الحركات الاحتجاجية التي عرفتها المنطقة العربية خلال عقد الربيع العربي، وعلى نحو خاص حراك 22 فبراير في الجزائر. تعيد نظرية الاعتراف النظر في فكرة العدل، ليس بوصفه مفهومًا نفعيًا يقتصر على البعد التوزيعي
فحسب، بل بوصفه مفهومًا رمزيًا وأخلاقيًا أيضًا، يمتد ليشمل الاعتراف؛ اعتراف "الآخر" بوجود
"الذات" وهويتها واختلافها وحقوقها، المادية والرمزية على حد السواء. ولا نركز على العلاقة بين الاعتراف والتشكّل المحتمل لثنائية "الأنا والآخر"، كما هي الحال مع الأقلية في مقابل الأكثرية على سبيل المثال. لكننا نلقي الضوء على الصراع من أجل الاعتراف بما هو اعترافٌ بالحقوق والمطالب، ليس بوصفه صراعًا من أجل انتزاع تلك الحقوق والمطالب فحسب، بل بوصفه ضرورةً ملحّةً لمقاومة الشعور بالإذلال الناجم عن طول الحرمان من الاعتراف في حد ذاته. يعبّر مفهوم الصراع من أجل الاعتراف عن "مختلف أشكال النضال التي يخوضها الأفراد والجماعات،
منذ نهاية الحرب العالمية، باسم حركات التحرر الوطني وما تبعها من حركات اجتماعية كحركة الزنوج والنساء، ثم حركة الأقليات بعد انتهاء الحرب الباردة، وبخاصة الأقليات العرقية القومية والجنسية
(((4 للاطلاع على مراجعة موسّعة ومعمقة لهذه النظريات، ينظر:
Erik Neveu, Sociologie des mouvements sociaux (Paris: La Découverte, 1996).
وينظر باللغة العربية أيضًا: دوناتي دي بورتا وماريو دياني، الحركات الاجتماعية: مقدمة، ترجمة نيرة محمد صبري (وندسور،
المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،.)2019 ((4(ينظر: أكسل هونيث، الصراع من أجل الاعتراف، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المكتبة الشرقية، 2015)؛ الزواوي بغورة،
الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل: دراسة في الفلسفة الاجتماعية (بيروت: دار الطليعة،.)2012 (((4 بغورة، ص.14
والثقافية، وما يعرفه العالم العربي من نضال من أجل وضع حد للاستبداد". لماذا العودة إلى ظاهرة الأقليات عند تمثُّل مفهوم الاعتراف؟ لأنها تجسّدُ خير تجسيدٍ ما وصفَه جيل دولوز Deleuze Gille
بالأقلية بوصفها وضعيةً لا صلة لها بالعدد؛ فهي "لا تعني دومًا قلةً في العدد، وهذا ما تؤكده حالة النساء أو السود. فالأقلية يمكن أن تكون أكبر من الأغلبية من حيث العدد، وبالتالي فإن الأقلية تعني بالفعل وضعية، ولكن ليس وضعية من هو قليل العدد، وإنما هي وضعية من فُرضت عليه وضعية القاصر [...] الذي لا يستطيع أن يقود نفسه من دون وصي. وبهذا المعنى، فإن الأقلية هي القاصر الذي ترفض الأغلبية أن يكون مستقلً ومسؤولً عن نفسه". وهكذا، ترتبط هذه الوضعية بالوعي بالظلم وبتجربة المهانة والإنكار. فإذا افترضنا أن الإنكار يعبّر عن عدم الاعتراف بوجود الذات وتقديرها،
بوصفها وضعيةً كما فهمها دولوز، فإن المهانة والإذلال يتعلقان أكثر بالإمعان والتمادي في الإنكار. وحين يبلغ هذا التمادي ذُروةً ما، في لحظةٍ ما، يتّقد قادحٌ ما ليؤجّج ديناميات المقاومة والصراع من
أجل الاعتراف، لا بشرعية المطَالب والحقوق فحسب، بل بوجود المُطالِب وكرامته وتقديره، لذاته ومن الآخر، أيضًا. ليست الشعوب أقلياتٍ في مقابل النخب الحاكمة، بنواها الصلبة وتوابعها، لكنها حين يتراكم لديها الحرمان والإنكار، بأشكاله المادية والرمزية، تصير عرضةً لأن تتحول إلى حالة من الوعي بأنها تعيش وضعية القاصر الذي يُنكِر عليها من يحكمها حقَّها في قيادة نفسها بنفسها، من دون وصي. وحين يكتمل تشكُّل هذه الحالة، تتحرك الشعوب، بوصفها جماعات، نحو النضال من أجل الاعتراف. وكلما تراكم الإنكار، تحوّل النضال إلى صراع متفاوت الحدة من أجل الاعتراف واستعادة الكرامة. وغالبًا ما يتّقد هذا الصراع في أفضية غير تقليدية، كالشوارع والساحات والميادين، تعبيرًا عن النزعة
لافتكاك الاعتراف بحق الشعوب في معارضة السلطة القائمة خارج القنوات التي تهيمن عليها النخب الحاكمة، من برلمانات وأحزاب ومجتمع مدني وغيرها. لقد عبّرت كل الانتفاضات العربية، بصرف النظر عن سيروراتها ومآلاتها، عن توقٍ متجذّر إلى استعادة
الكرامة ورفض الإذعان الاجتماعي الذي ذوَّتتْه الشعوب العربية طوال عقود، وإن كانت قد بدأت في الانعتاق منه مع الإضرابات الاجتماعية التي شهدتها بلدان عربية عديدة في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته. وهنا، تماثَل حراك 22 فبراير مع الانتفاضات العربية، بموجتيها (2011 و 2019)، مرورًا بحراك الريف المغربي عام 2016، ولم يكن استثناءً منها. ومهما اختلفت محددات السياق المحلي
الذي انبثقت فيه الاحتجاجات، فإن المحرك ظل دائمًا نفسه: تراكم الشعور بالظلم (أو "الحُقْرة" كما يُسمى باللهجة الجزائرية المحلية، وفي المغربية "الحﮕرة")، بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ:
(((4 المرجع نفسه. (((5 نقلً عن المرجع نفسه. (((5 المرجع نفسه، ص.15–14 (((5 عبد النور بن عنتر، "إشكالية الاستعصاء الديمقراطي في الوطن العربي"، المستقبل العربي، السنة 24، العدد 273 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2001)، ص.23
الحرمان من الحقوق الأساسية، وقمع الحريات، والاعتقال والتعذيب، بل حتى التصفية الجسدية. والواقع أن الشعور بالظلم، بما هو حرمان من الحق بغير وجه حق، لم يكن حاضرًا وحده، بل غذَّاه
أيضًا شعور جمعي بالإذلال. لقد كان الظلم نارًا تتقد في نفوس الناس، فصُبَّ عليها زيتٌ من الإذلال،
ولم يكن إذلالً فرديًا، بل جماعيًا تكبّده الناس بوصفهم جماعاتٍ، لا بوصفهم أفرادًا فحسب. وبناء
عليه، فقد عبَّر حراك 22 فبراير، شأنه شأن الانتفاضات العربية الأخرى، عن وعي شعبي بالقدرة على
التصرف لاسترجاع الكرامة المسلوبة والخروج من أتون الظلم والإذلال. لا يتسع المقام هنا لاستعراض مظاهر هذا الإذلال في كل حالة على حدة، فالأدبيات والتقارير الإعلامية تفيض بها، وإنما يكفي التذكير بما يكون الناس قد شعروا به في أيّ مكان من المنطقة العربية حيال الشاب التونسي، محمد البوعزيزي، وهو يُضرم النار في جسده الهزيل بعد جدال مع شرطية (وللجنس دلالته في المجتمعات المحافظة) انتهى بصفعها له ومصادرة عربته التي يقتات منها، وهي تصرخ في وجهه "ديغاج"! (Dégage أي "اغرب من هنا)"!، وما يكون الناس قد شعروا به حيال الشاب المغربي، محسن فكري، وشاحنة طحن النفايات تسحق عظامه وتفرم لحمه، ورجل الشرطة الذي أمر بتشغيل الآلة يصيح "اطحنْ مُّو!" (أي "اطحن أمه!" وهي مسبة في اللهجات الدارجة في المجتمعات المغاربية)، وما يكون الناس قد شعروا به حيال أطفال درعا السورية الذين اقتيدوا معتقلين إلى مراكز الشرطة (ويقال إنهم تعرّضوا للتعذيب)، لأنهم كتبوا عباراتٍ تشبه ما تناقلته حينها وسائل الإعلام، التقليدية والجديدة، من
شعارات الربيع العربي على جدران مدرستهم (أو ربما لم يكونوا هم من كتبوها). قد تكون تلك الروايات غير دقيقة، وربما أعيد حبكها لتأجيج الغضب الشعبي وحتى تسييسه، لكننا نحاجّ بأن العبرة في التحليل ليست باستقصاء الكيفية التي جرت بها تلك الأحداث وغيرُها، بل بالكيفية
التي أشيعت بها لتزيد إلى حنق الناس إذلالً على إذلال. وأنَّى لنا أن نفهم كيف تعددت التعبيرات في شعارات المنتفضين، من مكان إلى آخر، في حين ظل المعبَّر عنه واحدًا: "ما يقتل طلق رصاص،
يقتل سكوت الزول" (السودان)، و"عيش، حرية، كرامة إنسانية" (مصر)، و"الشعب السوري ما بينذل" و"الشعب السوري ما بينهان" (سورية)، و"بن علي يا جبان، الشعب التونسي لا يُهان" (تونس)،
و"لا رئيس بالوكالة، الجزائر فيها رجالة" (الجزائر)، فضلً عما جاء في "بيان الكرامة" من إدانةٍ لطقوس الركوع للملك وتقبيل يده (المغرب). ذكرنا آنفًا أن السلطة في الجزائر تلقّت منَعة البلاد من موجة الانتفاضات الأولى بشيء من الغرور، فسار سلوكها على نهجٍ معاكس تمامًا، إذ حافظت على الوضع القائم، وأشاعت الفساد، وعزّزت سياسة شراء
(((5 تحول فعل الأمر (باللغة الفرنسية) هذا إلى شعار لمطالبة النظام القائم بالرحيل في تونس والجزائر، وله مرادفاته المتنوعة في كل انتفاضة عربية أخرى. ((5(عن الشعارات في سياق الانتفاضات العربية، ينظر: نادر سراج، مصر الثورة وشعارات شبابها: دراسة لسانية في عفوية التعبير
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)؛ نادر سراج، الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات
الحراك المدني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)؛ نادر سراج، صرخة الغضب: دراسة بلاغية في
خطابات الانتفاضة اللبنانية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2022
السلم الاجتماعي على حساب التنمية، فاستمرت بذلك في تغذية مشاعر الحرمان والغضب الجمعية، ثم اتجهت نحو بذر الشعور الجمعي بالإذلال. وامتدت سيرورة اختمار هذا الشعور من حملة إعادة انتخاب بوتفليقة لعهدة رابعة عام 2014، التي تخللتها أقوال وأفعال لم تكن لدى الجزائريين طريقة أخرى لتلقّيها سوى بوصفها مهينةً، وصولً إلى الإعلان عن ترش (ي)ح الرئيس العاجز لقيادة "بلد بحجم الجزائر" لعهدة خامسة في عام 2019؛ ليكون ذلك بمنزلة القادح لحراك 22 فبراير الذي بدأ باحتجاجات ضد العهدة الخامسة، تحوّلت إلى انتفاضة شعبية عارمة من أجل التغيير.
2. ضد تأبيد الرئاسة وتوريثها
غالبًا ما يكون تحديد السببية في الظاهرة الاجتماعية مسألة معقدة، لأن مدخلاتٍ صغيرةً قد تُفضي
إلى نتائج ضخمة وبعيدًا عن مكان وقوعها، لكنها لا تفعل ذلك على الدوام؛ ولا سيما أن مسألة التآثر بين الأسباب ونتائجها (أو بين النتائج وأسبابها) في الواقع الاجتماعي تجعل النتائج قابلة للتحول في مخاض التآثر إلى "أسباب لأسبابها"، خاصةً أن الأسباب الاجتماعية ليست معطاة مسبقًا ولا هي ثابتة، بل في حركية مستمرة. وبناء عليه، من غير الممكن الجزم بأفضلية الحوادث العارضة والمنعزلة في تفسير الانتفاضات العربية، مثل حادثة إضرام البوعزيزي النار في نفسه، مع أنها تحولت إلى لحظة قادحة ومفصلية، لا محليًا فحسب، بل إقليميًا أيضًا. وفي مقابل ذلك، ثمة مقاربات تفسيرية بنيوية،
في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، تركز على تراكم الشعور بالحرمان والإحباط وتفاعلاتها في السياقات المحلية. غير أن المقارنة من شأنها أن تشي بأن الارتباطات السببية التي تبنيها هذه المقاربات يمكن أن تكون قابلة للتعميم على عدد أكبر من الحالات. ومع ذلك، إن كانت ثمة سببية مشتركة، غير بنيوية وقريبة المدى زمنيًا ولا تلتفت إلى الحوادث القادحة،
وتتماثل فيها الانتفاضات العربية عمومًا، فهي تكريس الرئاسة مدى الحياة وتوريث السلطة، اللذان يشيران بوضوح إلى ما يمكن تسميته "تصلب المُلك العربي العضوض". صحيح أن التسلطية الجاثمة على صدور الشعوب العربية ليست ظاهرة جديدة، بيد أن توريث السلطة بحد السيف (وفق المنطق العربي التاريخي "إما يزيد وإما السيف")، امتدادًا للرئاسة مدى الحياة، ساهم في خلق ظروف مواتية للاحتجاج. وحجّتنا في ذلك أن كل البلدان العربية التي شهدت انتفاضات شعبية، باستثناء البحرين
(((5 ينظر: محمد حمشي، "السببية مشكلة في حقل العلاقات الدولية: ما الذي يمكن تعلمه من علم التعقد؟"، سياسات عربية، مج 9، العدد 41 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2019)، ص.68 (((5 يمكن العثور في الروايات السببية السائدة على حوادث عارضة ومنعزلة شبيهة، يجري تقديمها بوصفها عوامل سببية قادحة للانتفاضات، مثل مقتل المدون المصري الشاب، خالد سعيد، بالضرب علنًا على يد عناصر من الأمن المصري في 6 حزيران/ يونيو
2010، ما أدى إلى حملة تعبئة إلكترونية متنامية الاتساع للاحتجاج، أو اعتقال المحامي الليبي، فتحي تربل، في 15 شباط/ فبراير 2011، الذي تولى قضية الدفاع عن ضحايا مجزرة سجن بوسليم التي ارتكبها النظام الليبي عام 1996، أو مقتل بائع السمك المغربي، محسن فكري، طحنًا في شاحنة نفايات على أيدي رجال شرطة في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وغيرها. (((5 عبد النور بن عنتر، "التسلطية السياسية العربية"، فكر ونقد، مج 5، العدد 45 (كانون الثاني/ يناير 2002)، ص 36–27؛ خلدون
حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،
والمغرب بحكم طبيعة نظاميهما السياسيَّين، عرفت ظاهرتَي تكريس الرئاسة مدى الحياة ومحاولة
توريث السلطة. وتبقى سورية النموذج العربي الوحيد الذي نجحت فيه عملية توريث السلطة، في حين فشلت في مصر واليمن وليبيا بفضل الانتفاضات الشعبية. نركز هنا على الرئاسة مدى الحياة وملازِمتها (توريث السلطة)، وما تعبّر عنه من ظلم وإذلال للشعوب،
لأنها تشكّل قاسمًا مشتركًا للانتفاضات الشعبية وعاملً حاسمًا في نشوب حراك 22 فبراير في الجزائر. لقد رُفعت الشعارات نفسها وصُدح بها في كل الانتفاضات، وإن تعدّدت صيغها: "حريات، حريات، لا رئاسة مدى الحياة" (في تونس)، و"ما فيه للأبد ما فيه للأبد، عاشت سورية ويسقط الأسد"، و"الجزائر جمهورية ماشي ملكية". وباستثناء البحرين والمغرب المَلكيتَين بحكم القانون والواقع، فقد شهدت
كل بلدان الربيع العربي، قُبيل انتفاضات الموجة الأولى، إما نزعةً إلى تأبيد الرئاسة (تونس وسورية) أو مسارًا نحو توريثها ابنًا عن أب (مصر وليبيا واليمن). وهذا ما جعل الوعي بمطلب "إسقاط النظام" برمّته ينضج عند هذه المرحلة تحديدًا. غير أن هذا العامل في حالة الجزائر يتضافر مع عامل الإذلال الذي أشرنا إليه آنفًا، إذ تشبث بوتفليقة بالسلطة رغم عجزه عن الحركة والكلام. وكان لسان حال الناس يقول "كيف برئيس عاجز، يتنقل في كرسي مدولب، أن يحكم بلدًا وشعبًا بحجم الجزائر وشعبها؟". فخلال السنوات الأخيرة، غيَّب المرضُ
بوتفليقة، وحضرت صورتُه في إطار خشبي، تحظى بالتكريمات وتشارك في الاستعراضات، في حين أصبح شقيقه وزمرته الحكام الفعليين للبلاد. لقد مثلت "حقبة إطار الصورة الخشبي" إهانة ما بعدها إهانة بالنسبة إلى الجزائريين، فضلً عن صور بوتفليقة وهو في شبه غيوبة يستقبل ضيوفًا أجانب ثم يظهرون على التلفزيون العمومي يشيدون بالمشاورات التي أجروها معه. ومع كل ذلك، كانت ثمة توقّعات بأن العهدة الرابعة ستكون آخر عهده بالرئاسة، إلا أن السلطة أعلنت ترش (ي)حه لعهدة خامسة. حينها، بلغ سيل الإذلال الزبى، فجاء حراك 22 فبراير.
3. لا زعامة ولا تنظيم ولا أيديولوجيا مهيمنة
بخلاف الثورات التي شهدتها أميركا اللاتينية وأفريقيا وحتى الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية، وحتى الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم إبان العقود الأخيرة من القرن العشرين، التي طبعتها الأيديولوجيات اليسارية (الماركسية وغيرها) والقومية العربية والإسلامية، يحاج آصف بيّات بأن
الحركات الاحتجاجية العربية مع مطلع القرن الحادي والعشرين تختلف عن تلك الثورات، ليس من حيث أنماط التعبئة والتنظيم ومعانيها وتصوراتها فحسب، بل خاصةً من حيث السرعة والانتشار والحدة وغياب الأيديولوجيا والتنسيق وغياب أيّ قيادات مؤطرة، فضلً عن غياب الراديكالية،
(58) Benantar, "Arab Democratic Uprisings," pp. 1–7. (59) Hamadouche. (60) Asef Bayat, Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring (Stanford, CA: Stanford University Press, 2017), p. 2.
إذ تنفرد انتفاضات الربيع العربي، بموجيتها، وعلى اختلافها وتنوعها، بغياب أيديولوجيا شاملة أو جامعة ومهيمنة، بل تفتقر إلى أيديولوجيا واضحة المعالم. وقد وصفها بيّات بأنها "زحف هادئ" Quiet
Encroachment بلا أيديولوجيا وبلا قادة، بل بأنها بمنزلة "لاحركات اجتماعية" Nonmovements تتجلى فيها "أفعال جمعية لفاعلين غير جمعيين، يجسّدون ممارسات مشتركة لأعداد كبيرة من الناس
العاديين الذين تؤدي أنشطتهم المتشابهة والمتفرقة في الوقت نفسه إلى إحداث تغير اجتماعي كبير، حتى وإن لم تكن هذه الممارسات موجّهة بأيديولوجيا أو قيادات معترف بها أو تنظيمات". وهكذا، ما عاد الفعل الاحتجاجي محكومًا بتوجهات أيديولوجية طوباوية، سواء أكانت "مدنسة"
أم "مقدسة". وخلال الانتفاضات العربية، صار هذا الفعل فعلً جماهيريًا بعيدًا عن الطليعة، لأن
المشاركة كانت شعبية وعارمة وعفوية ومستقلة لا يقودها أيُّ تنظيم، ولا تستلهم أيَّ زعامة. بيد أن
غياب أيديولوجيا مؤطّرة للاحتجاجات ليس بالضرورة في صالحها، لكن غياب الأيديولوجيا لا يعني أن الأيديولوجيات المذكورة لا وجود لها، بل هي موجودة، لكنها ليست محدِّدةً للسلوك الاحتجاجي، فهي ضعيفة التأثير. ويبدو، في رأي فينسنت جيسي، أن الانتفاضات الشعبية العربية نتاجُ هوية معقدة
متعددة الروافد (وطني، وعروبي – إسلامي، وعابر للأوطان). وهي ليست ثورية ولا راديكالية، على عكس ما كانت عليه الحركات الاحتجاجية إبان القرن العشرين. وفي هذه، لم يشكّل حراك 22 فبراير أيَّ استثناء مقارنةً بانتفاضات الربيع العربي. لقد كان الشباب
المتشبعون بثقافة عابرة للأيديولوجيات، وأحيانًا مناهضة لها، وقود الاحتجاجات. وربما كان للفضاء الافتراضي الذي منه بدأت التعبئة للاحتجاج، وفيه استمر تشكيل المطالب والتداول بشأنها، أثرٌ في
تشبّع الشباب بهذه الثقافة، وقد رأوا أن الأيديولوجيات، وما تشيعه من استقطاب واصطفاف وإقصاء
متبادل، تكبح جماح الحركة، خاصة أنّ التنظيم التقليدي للفضاء السياسي يرتبط أصلً بالانتماءات والصراعات السياسية، بين فصائل أيديولوجية يُقصي بعضُها بعضًا. وطالما أن شعورهم بالتهميش
والإقصاء والحرمان من الاعتراف والمشاركة هو ما يحركهم، فكيف لهم أن يقبلوا بالأيديولوجيات التي زرعت فيهم هذا الشعور، فيعيدوا إنتاج الأسباب نفسها التي دفعت بهم نحو الاحتجاج.
خاتمة
حاولنا في هذه الدراسة تقديم قراءة أولية مقارِنة لحراك 22 فبراير في الجزائر بانتفاضات الربيع العربي (بموجتيه). واستعملنا ما سميناه "سردية الاستثناء الجزائري" أداةً تحليلية للمقارنة، وحاولنا التمييز بين حجج هذه السردية وحدودها. وبيَّنَّا، من خلال فحص حجج السردية، وجوه التمايز بين
((6(آصف بيات، الحياة كسياسة: كيف يقوم الناس العاديون بتغيير الشرق الأوسط، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 100،.139–120 (((6 المرجع نفسه، ص.95
(63) Vincent Geisser, "Les protestations populaires à l’assaut des régimes autoritaires: Une 'révolution' pour les sciences sociales?" L’Année du Maghreb , no. 8 (2012), pp. 7–26. (64) Bayat, pp. 17–18.
حراك 22 فبراير وانتفاضات الربيع العربي، في حين بيَّنَّا وجوه التشابه/ التماثل من خلال الوقوف
على حدودها، وحاججنا بأن تفكيك سردية الاستثناء الجزائري ومناقشة حدودها يمكّناننا من القيام بخطوتين في آن واحد: فهم الخصوصية المحلية التي تميّز حراك 22 فبراير من غيره من الانتفاضات
العربية، وإعادة وضعه في سياقه الإقليمي، بوصفه جزءًا من ظاهرة اجتماعية إقليمية، لها ديناميات،
وفي النتيجة آثار عابرة للأوطان. ولا يعني ذلك أن للسياقين الوزنَ نفسه في التحليل؛ فحين يتعلق الأمر بسيرورة الاحتجاج، يكون للسياق الإقليمي دورٌ أكبر (بداية الحركات الاحتجاجية وتطورها، وخلفياتها وأسبابها البنيوية وقوادحها، وأدواتها ودينامياتها)، لكن السياق المحلي يبرز أكثر فأكثر كلما تعلّق الأمر بالمآلات. لكن هذه المسألة لم تكن موضوعًا مركزيًا في الدراسة، وكما أشارت إليه مقدمتها، نأمل أن توفّر هذه القراءة المقارِنة أساسًا يمكن البناء عليه في توسيع وتعميق فهمنا لسؤال التشابه/ التماثل والتمايز ضمن حراك الربيع العربي الأوسع، الذي شهدته المنطقة طوال العشرة أعوام ونيف الماضية.
References
المراجع
العربية
بغورة، الزواوي. الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل: دراسة في الفلسفة الاجتماعية. بيروت: دار الطليعة،.2012 بن عنتر، عبد النور. "إشكالية الاستعصاء الديمقراطي في الوطن العربي". المستقبل العربي. السنة 24، العدد 273 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2001 ________. "التسلطية السياسية العربية". فكر ونقد. مج 5، العدد 45 (كانون الثاني/ يناير.)2002 ________. "العامل الخارجي والانسداد السياسي في الجزائر". تقارير. مركز الجزيرة للدراسات.
2019/3/21:. في https://bit.ly/3U4ImKr
________. "الحراك الجزائري: سرديات وسرديات مضادة". سياسات عربية. مج 10، العدد 55 (آذار/ مارس.)2022 ________. "سياسة الجزائر الأمنية: تحولات ومعضلات في سياق القلاقل إقليميًا والحراك داخليًا".
سياسات عربية. مج 10، العدد 55 (آذار/ مارس.)2022 بيات، آصف. الحياة كسياسة: كيف يقوم الناس العاديون بتغيير الشرق الأوسط. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 الجمهورية الجزائرية للديمقراطية الشعبية. "أمر رقم 01–06 مؤرخ في 28 محرم عام 1427 الموافق 27 فبراير سنة 2006، يتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية". الجريدة الرسمية. السنة 43، العدد 11،.2006/2/28
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022
سياسات عربية. مج 9، العدد 41 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2019
المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،.2019
العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017
العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022
زغدار. سياسات عربية. مج 10، العدد 55 (آذار/ مارس.)2022
مركز دراسات الوحدة العربية،.1996
الأجنبية
حسين، أحمد قاسم (محرر). ليبيا: تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة. الدوحة/ بيروت:
حمشي، محمد. "السببية مشكلة في حقل العلاقات الدولية: ما الذي يمكن تعلمه من علم التعقد؟".
ديلا بورتا، دوناتيلا وماريو دياني. الحركات الاجتماعية: مقدمة. ترجمة نيرة محمد صبري. وندسور،
سراج، نادر. مصر الثورة وشعارات شبابها: دراسة لسانية في عفوية التعبير. الدوحة/ بيروت: المركز
________. الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني. الدوحة/ بيروت:
________. صرخة الغضب: دراسة بلاغية في خطابات الانتفاضة اللبنانية. الدوحة/ بيروت: المركز
لوساوت، ديديي. "القيام بالحراك في باريس: مشاهد ثورة ضد النظام الجزائري". ترجمة لحسن
النقيب، خلدون حسن. الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة. ط 2. بيروت:
هونيث، أكسل. الصراع من أجل الاعتراف. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المكتبة الشرقية،.2015
Bayat, Asef. Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring. Stanford, CA: Stanford University Press, 2017. Ben Achour, Yadh. Tunisie: Une révolution en pays d’islam. Tunis: Cérès éditions, 2017. Benantar, Abdennour. "NATO, Maghreb and Europe." Mediterranean Politics. vol. 11, no. 2 (2006). ________. "Arab Democratic Uprisings: Domestic, Regional and Global Implications." New Global Studies. vol. 5. no. 1 (2011). ________. "Implications du printemps arabe sur la sécurité en Méditerranée." Cahiers de la Méditerranée. no. 89 (2014). ________ (dir.). Le Maghreb et la crise entre les monarchies du Golfe: Une neutralité positive. Paris: L’Harmattan, 2021.
Geisser, Vincent. "Les protestations populaires à l’assaut des régimes autoritaires: Une 'révolution' pour les sciences sociales?" L ’ Année du Maghreb. no. 8 (2012). Hamadouche, Louisa Dris–Aït. "Le soulèvement populaire algérien à l’aune du printemps arabe." Pouvoirs. vol. 1, no. 176 (2021). Neveu, Erik. Sociologie des mouvements sociaux. Paris: La Découverte, 1996. Oussedik, Fatma. "Penser pour demain, penser la silmiya (Le Pacifisme) en Algérie: Vue des Marches." Maghreb–Machrek. vol. 3, no. 245 (2021). Souiah, Farida. "Rhétorique de l’ingérence et lutte pour la légitimité." Mouvement. vol. 2, no. 102 (2020). Zeraoulia, Faouzia. "The Memory of the Civil War in Algeria: Lessons from the Past with Reference to the Algerian Hirak." Contemporary Review of the Middle East. vol. 7, no. 1 (2020).