الثقافة السياسية لدى الشباب النوبي في مصر: الحراك النوبي نحو قضية العودة نموذجًا
The Political Culture of Nubian Youth in Egypt: The Nubian Movement Towards the Issue of Return as a Case Study
الملخّص
تسعى الدراسة لمعرفة الدور الذي أدته الثقافة السياسية للشباب النوبي في إثارة الحراك النوبي تجاه العودة إلى النوبة القديمة، ومدى تحقيق هذا الحراك أهدافه، وما إذا كانت المشاركة فيه قد ارتبطت بمستوى الوعي والثقافة السياسية، وتحاول الوصول إلى تصور الشباب النوبي لكيفية تنفيذ العودة. وهي دراسة وصفية تحليلية، تعتمد على أدوات البحث الأنثروبولوجي في جمع مادة كيفية، وتعتمد في تحليل بيانات تلك المادة على مدخل تأويل الثقافة عند كليفورد جيرتز. وقد خلصت إلى أن القيم السياسية التي نشرتها ثورة 25 يناير أدت إلى بزوغ بوادر ثقافة سياسية جديدة لدى الشباب النوبي أسهمت في إحياء قضية العودة، لكنها توصلت إلى أن هؤلاء الشباب لا يملكون حاليًّا من الأدوات ما يسمح لهم بإدارة تلك القضية.
Abstract
Abstract: The study seeks to identify the role played by the political culture of the Nubian youth in reviving the Nubian movement towards returning to the old Nubia, the extent to which this movement achieved its goals or not, and the relation between participation in this movement and levels of awareness and political culture. Finally, it explores the Nubian youth’s perception of how to implement the return process. It is a descriptive analytical study that relies on anthropological research tools to collect qualitative data and on Clifford Geertz’s approach to the interpretation of culture to analyse it. The study concludes that the political values proliferated by the 25 January Revolution revealed signs of a New political culture among Nubian youth that helped revive the issue of return, yet also that these young people do not currently have the tools to manage this issue.
- الثقافة السياسية
- الحراك النوبي
- قضية العودة
- ثورة 25 يناير
- مصر
- Political Culture
- Nubian Movement
- the Issue of Return
- 25 January Revolution
- Egypt
The Political Culture of Nubian Youth in Egypt:
The Nubian Movement Towards the Issue of
Return as a Case Study
ملخص: تسعى الدراسة لمعرفة الدور الذي أدته الثقافة السياسية للشباب النوبي في إثارة
الحراك النوبي تجاه العودة إلى النوبة القديمة، ومدى تحقيق هذا الحراك أهدافه، وما إذا
كانت المشاركة فيه قد ارتبطت بمستوى الوعي والثقافة السياسية، وتحاول الوصول إلى
تصور الشباب النوبي لكيفية تنفيذ العودة. وهي دراسة وصفية تحليلية، تعتمد على أدوات
البحث الأنثروبولوجي في جمع مادة كيفية، وتعتمد في تحليل بيانات تلك المادة على
مدخل تأويل الثقافة عند كليفورد جيرتز. وقد خلصت إلى أن القيم السياسية التي نشرتها
ثورة 25 يناير أدت إلى بزوغ بوادر ثقافة سياسية جديدة لدى الشباب النوبي أسهمت في
إحياء قضية العودة، لكنها توصلت إلى أن هؤلاء الشباب لا يملكون حاليًّا من الأدوات
ما يسمح لهم بإدارة تلك القضية.
Abstract: The study seeks to identify the role played by the political culture of the Nubian youth in reviving the Nubian movement towards returning to the old Nubia, the extent to which this movement achieved its goals or not, and the relation between participation in this movement and levels of awareness and political culture. Finally, it explores the Nubian youth’s perception of how to implement the return process. It is a descriptive analytical study that relies on anthropological research tools to collect qualitative data and on Clifford Geertz’s approach to the interpretation of culture to analyse it. The study concludes that the political values proliferated by the 25 January Revolution revealed signs of a New political culture among Nubian youth that helped revive the issue of return, yet also that these young people do not currently have the tools to manage this issue.
Professor of Anthropology, National Center for Social and Criminological Research, Egypt. Email: dr.aelshenawy70@yahoo.com
المنح الصغيرة بدورته الثالثة (2019)، الممول من الوكالة السويدية للتنمية الدولية SIDA.
مقدمة
مرّ نحو ستين عامًا على تهجير أبناء المجتمع النوبي (1964) من موطنهم الأصلي إلى موطنهم الحالي، من أجل إنشاء السد العالي لحماية مصر من فيضان مياه نهر النيل. ووفقًا لبعض التقديرات، فإنه بحلول عام 1970 كان بالفعل قد جرى تهجير حوالى 50000 نوبي بعيدًا عن أراضيهم. وعلى الرغم من وصف تهجيرهم حينها بأنه عمل رائد، وتجربة جديدة على مصر في تهجير مجتمع محلي بأسره، فإن "الهجرة جاءت في ظروف صعبة بالنسبة للأهالي"، وما زالت تأثيرات هذه العملية تلقي بظلالها وانعكاساتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية على حياة عشرات الآلاف من النوبيين. ومنذ وقوع تلك الحادثة وهم يطالبون الدولة بتنفيذ وعودها، وإعادتهم إلى أقرب مكان إلى قراهم الأصلية. ويحمل غالبًا تعبير أبناء المجتمع النوبي عن تجربة تهجيرهم، وعن شعورهم بأنهم مهجَّرون مرارة شديدة، بخاصة لدى المسنّين. ويشير العديد من الدراسات التي جرت عقب التهجير إلى أن حياة المهجر في النوبة الجديدة هي فترة لا يرتاح لها النوبيون كثيرًا، بعدما تسبب هذا التهجير في غرق النوبة القديمة، وإبعاد النوبيين عن بيئتهم الزراعية إلى أماكن الأحوال المعيشية فيها قاسية.
(1) Maja Janmyr, "Human Rights and Nubian Mobilisation in Egypt: Towards Recognition of Indigeneity," Third World Quarterly , vol. 38, no. 3 (2017), p. 718.
(((يحيى درويش، "تهجير أهالي النوبة: تجربة إدارية رائدة لتهجير المجتمعات المحلية"، مجلة الإدارة، مج 1، العدد 2 (1968)، ص.24 (((مصطفى جاويش، النوبة: أزمة هوية أم قضية أقلية (القاهرة: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2016)، ص.6 (((شريف محيي الدين، "التهجير الداخلي في مصر: حالة النوبة المصرية"، الملف المصري، العدد 30 (2017)، ص 32؛
Nesma Mansour, "Discourses around Nubians: A Critical Discourse Analysis of Egyptian Social Studies and History Textbooks," Master Thesis, American University in Cairo, Cairo (2017), p. 5.
(((يقصد بالنوبة الجديدة قرى التهجير بمركز نصر النوبة، التي جرى تهجير النوبيين إليها عام 1964، وتقع في منطقة أراضي
الاستصلاح الزراعي بمركز "كوم أمبو" شمال مدينة أسوان على مساحة طولها 60 كيلومترًا، وعرضها 3 كيلومترات. وقد أ نشئت القرى
النوبية على شكل هلال، تتخلله طرق ممهدة للمواصلات، تربط جميع القرى النوبية بمدينة أسوان. وبلغ عدد القرى الجديدة 43 قرية ومركزًا إداريًّا واحدًا، إضافة إلى الخدمات والمرافق ال زاامة. وتحمل كل قرية اسمها القديم نفسه، وجرى توزيع الجماعات
النوبية عرقيًّا بالتوزيع نفسه الذي كان في النوبة القديمة. محمد عبده محجوب، "التهجير والتوطين في المجتمعات المستحدثة:
دراسة حقلية في المجتمع النوبي المصري"، في: مصطفى عمر حمادة، دراسات أنثروبولوجية في المجتمع والثقافة (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2005)، ص.76 (((يقصد بالنوبة القديمة الموقع الأصلي للقرى النوبية خلف السد العالي، الذي يمتد شم لً من الحدود المصرية السودانية، حتى
أسوان على طول نهر النيل، بين الشلالين الأول والثاني بعمق 350 كيلومترًا. وتسمى "النوبة السفلى"، مع العلم أن بلاد النوبة قد
كوَّنت قديمًا وحدة جغرافية متميزة، يسكنها شعب متماثل جنسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، حتى جاء الاستعمار الإنكليزي ليقسم النوبة عام
1899 قسمين: القسم الشمالي، ويسمى "النوبة المصرية"، والقسم الجنوبي التابع لدولة السودان، ويسمى "النوبة العليا". ليزلي
جرينر، سدّ عال فوق أرض النوبة (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966)، ص 17؛ ماهر أحمد زكي، هكذا تكلم
النوبيون، موسوعة نوبية (القاهرة: ماهر زكي المحامي، 2001)، ص.154–153 (((محمد رياض وكوثر عبد الرسول، رحلة في زمان النوبة: دراسة للنوبة القديمة ومؤشرات التنمية المستديمة (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 226؛
Yehya Serag, "Nubian Resettlement Challenges between Past Memories and Present Setting," Sustainable building conference SB13–Cairo (2013), p. 8.
وقد بدأ الحديث عن الرغبة في العودة إلى النوبة القديمة عقب التهجير بمدّة قصيرة، ولكن هذه الرغبة اقتصرت على المسنّين، بسبب الحنين إلى المجتمع القديم ونمط حياته المفضل. وتوضح دراسات كثيرة أن فكرة العودة بدأت على استحياء وعدم ثقة بجدواها، ولم يكن حولها إجماع كبير بين النوبيين، لكن توطين جماعات "غير نوبية" في بعض مناطق النوبة القديمة، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية للنوبيين جاء ليفجر القضية النوبية ويثير حق النوبيين في العودة، بعدما جرى "توزيع 2300 فدان بالنوبة القديمة على المزارعين المضارّين بتطبيق قانون العلاقة بين المالك والمستأجر، بجانب تخصيص أراضي بحيرة ناصر لاستيعاب البطالة الزراعية، وتوطين 75 ألف عامل بالمنطقة من المحافظات الأخرى". وأدّت تلك القرارات دورًا كبيرًا في الحشد تجاه قضية العودة من جديد، بل توريثها للأجيال الشابة. ولذا تعدّ سياسات ما بعد التهجير هي المشكلة الكبرى التي أدت إلى صدامات بين الحكومة والنوبيين، إضافة إلى مشكلات التهجير والمجتمع الجديد. ويتفق موقف أبناء الجماعة النوبية بقرى التهجير على وجه الخصوص كثيرًا مع ما أشارت إليه الأمم المتحدة عندما أكدت أن "الشعوب الأصلية تواجه كثيرًا من التحديات، وتُنتهك حقوقها الإنسانية مرارًا؛ إذ يحرمون من السيطرة على تنميتهم استنادًا إلى قيمهم وحاجاتهم وأولوياتهم؛ وهم مبخوسو التمثيل سياسيًّا، ويفتقدون النفاذ إلى الخدمات، وكثيرًا ما يجري تهميشهم عندما يتعلق الأمر بمشاريع تؤثر في أراضيهم، ويقعون ضحايا للإجلاء القسري نتيجة لمشاريع من قبيل استغلال الموارد الطبيعية"، ويعدّ إنشاء المجتمع النوبي الجديد مث لً للتهجير الإجباري والاستيطان في بيئة جديدة. ومن الملاحظ عقب ثورة 25 يناير حدوث ازدياد في الحراك النوبي تجاه قضية العودة إلى النوبة القديمة. ويتسم هذا الحراك بأن أغلب أفراده هم من الشباب، وهو ما حاولت الدولة علاجه من خلال العديد من الإجراءات التي تهدف إلى احتواء أبناء الجماعة النوبية، والتخفيف من حدة مشكلاتهم، والاعتراف بهم بوصفهم جماعة عرقية متمايزة بالمجتمع المصري، وذلك من خلال تخصيص مادة
(((يعني النوبيون بالعودة إعادة توطينهم بالأراضي التي انحسرت عنها المياه حول بحيرة ناصر بعد استقرار منسوبها، وتمكينهم من استغلالها، ومنحهم الأولوية في ذلك؛ إذ تعدّ تلك الأراضي جزءًا من القرى النوبية القديمة. ويطالب الشباب النوبي حاليًّا بالعودة
إليها، على أن توزع عليهم وفقًا لتقسيم القرى القديم نفسه. (((زكي، ص.141–140 ((1(محمد الكفراوي، "النوبة والنوبيون في مصر بين نسيان الدولة والتهديد بالانفصال"، جريدة السياسي الإلكترونية، 2009/3/19،
شوهد في 2019/1/29، في: https://tinyurl.com/4xwbuksj
((1(الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، مكتب المفوض السامي، مكافحة التمييز ضد الشعوب الأصلية (نيويورك/ جنيف: 2007)،
شوهد في 2019/1/1، في: https://bit.ly/3WXAqx6
(((1 محجوب، ص.44 (((1 يقصد بالحراك النوبي التحركات التي ينتهجها أبناء الجماعة النوبية من أجل العودة إلى النوبة القديمة، والتي اختلف شكلها من مرحلة زمنية إلى أخرى وفقًا للواقع السياسي في مصر. فالأجيال المبكرة في هذا الحراك اكتفت بإرسال المكاتبات الرسمية
للمسؤولين من أجل مساعدتهم على تحقيق العودة، ثم تطور هذا الحراك حتى بلغ أوجه عقب ثورة.25 يناير
دستورية (المادة 236) لأبناء النوبة تضمن عودتهم إلى النوبة القديمة بعد تنميتها؛ وهو ما لم تُتّخَذ
أي إجراءات لتنفيذه حتى الآن. ومن ثمّ، أدى ذلك إلى حدوث بعض أشكال المواجهة بين الجماعة
النوبية وأجهزة الدولة من أجل تنفيذ تلك المادة، والعودة إلى النوبة القديمة. وفي هذا الإطار، نسعى إلى معرفة دور الثقافة السياسية لدى الشباب النوبي في إثارة واستمرار الحراك النوبي تجاه العودة إلى النوبة القديمة، ومدى تحقيق هذا الحراك أهدافه، وكذلك مدى تعبير أحداث ذلك الحراك ومواقفه عن ثقافة سياسية واعية بأبعاد القضية النوبية ذاتها، إضافة إلى تقييم دور ثورة 25 يناير في تغيير صور هذا الحراك وفاعليته. ولتحقيق ذلك، سوف نبدأ بعرض مختصر ومركّز حول النوبة القديمة، ومراحل تهجير أهلها، قبل أن نتناول في المبحث الثاني الإطار النظري والمنهجي للدراسة، ثم نعرض بعد ذلك مصادر تشكيل الثقافة السياسية للشباب النوبي وتحولاتها، تليه صور الحراك النوبي قبل ثورة 25 يناير وعقبها، وأهم الآليات المستخدمة في الحشد تجاه قضية العودة، وأهم المكاسب التي تحققت من خلال ذلك الحراك، ثم نتناول الأدوار التي أدتها الثقافة السياسية لدى الشباب النوبي في استمرار الحراك النوبي، ويلي ذلك عرض للموقف الراهن للشباب النوبي بقرى التهجير من قضية العودة، وأهم مقترحاتهم لتنفيذ العودة، ثم نختتم الدراسة بعرض أهم نتائجها التي توضح الدور الذي أدته الثقافة السياسية في إثارة الحراك النوبي واستمراره.
أولا: الإطار العام للدراسة: قضية تهجير النوبيين
1. نبذة عن النوبة القديمة
انقسمت النوبة القديمة إلى 39 قرية، تضم كلٌّ منها عددًا من النجوع يقع على جانبي النيل. وقد توزعت هذه القرى جغرافيًّا على أساس عرقي إلى ثلاث جماعات، هي: • الكنوز: يقطنون المنطقة الشمالية، ويتكلمون اللغة الكنزية (الماتوكية)، وهم موزعون على.17 قرية • عرب العليقات: هم مجموعة عربية يقطنون المنطقة الوسطى، وقد توزعوا على خمس قرى. • الفاديجا: ويقطنون المنطقة الجنوبية، وقد توزعوا على 17 قرية، ولهم لغة خاصة بهم. وقد اتسمت الحياة في النوبة القديمة بعزلة نسبية عن العالم الخارجي، ويرجع ذلك إلى موقعها وبُعدها
عن مراكز التجمع الكبرى في الشمال، وطبيعتها الجبلية الجرداء، وعدم وجود طرق برية بها صالحة
(((1 تنص المادة (236) من الدستور المصري (2014) على أن "تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون. وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها
خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون". ينظر: جمهورية مصر العربية، مجلس النواب، دستور جمهورية مصر
العربية (نيسان/ أبريل 2019)، مادة (236)، ص 100، شوهد في 2023/5/22، في: https://shorturl.at/kBLS7 ((1(صدقي ربيع، النوبة بين القديم والجديد (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1964)، ص 51–48؛ زكي، ص.74–69
Ahmed Shetawy & Mohamed El–Shafie, "The Myth of Nubia, Egypt: A Vivid Potential or Desert Mirage," (2013), p. 7, accessed on 18/5/2023, at: https://bit.ly/3mBEzoq
للانتقال، فضلً عن توزع سكانها على نحو 600 نجع. وكانت صلتهم الوحيدة بالعالم الخارجي هي نهر النيل، وهو ما أدى إلى ارتباطهم بشاطئ النهر؛ وهو أمر ترتب عليه عدم وجود اتصال بين الجماعات الثلاث المكونة للمجتمع النوبي. وقد حدد الموقع والنيل شخصية النوبة؛ إذ بلورها في العزلة والهامشية ومحدودية الإنتاج. ولذلك كانت الهجرة من المجتمع النوبي في بعض الأوقات هي الآلية الوحيدة لتحسين ظروف الحياة سواء كانت داخل مصر، أو خارجيًّا إلى الدول العربية، أو
إلى الدول الأجنبية، ويشير كثير من الدراسات إلى قِدَم ظاهرة الهجرة من المجتمع النوبي. خريطة بلاد النوبة القديمة
المصدر (بتصرف): "النوبة القديمة | Old Nubia "، فيسبوك، شوهد في 2023/5/1، في: https://shorturl.at/grxZ4 ((1(فاروق أحمد مصطفى، "النوبة والتنمية والتغير"، في: مقدمة ودراسات أنثروبولوجية، ج 3 (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1993)، ص.73 ((1(محمد عباس إبراهيم، الثقافات الفرعية (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1985)، ص.46–44 (((1 فاروق عبد الجواد شويقة، "دراسة في إيكولوجية النوبة المصرية كبيئة في طور التكوين"، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، مج 33، العدد 1 (1976)، ص.154–153 ((1(كوستاز، "دراسة عن النوبة والنوبيين"، في: علماء الحملة الفرنسية، موسوعة وصف مصر، ج 3: دراسات عن المدن والأقاليم
المصرية، ترجمة زهير الشايب (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002)، ص 195؛ وولتر إمري، مصر وب داا النوبة، ترجمة تحفة حندوسة (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008)، ص 14–13؛ جرينر، ص 14، 47؛ محجوب، ص.73
2. مراحل تهجير النوبيين
أتى التفكير في ضرورة تهجير النوبيين في دولتَي مصر والسودان بسبب غمر مياه البحيرة الناتجة من إنشاء السد العالي للمنطقة الممتدّة من الشلال الأول في مصر حتى منطقة "دال" في السودان. وقامت مصر بتهجير النوبيين المصريين إلى منطقة "كوم أمبو"، إضافة إلى منطقة "إسنا"، في حين قام السودان بترحيل النوبيين السودانيين إلى منطقة "خشم القربة" بولاية "كسلا"، وهكذا تفرَّق شملهم على نحوٍ
دائم. ومرّت عملية تهجير المجتمع النوبي بعدة مراحل: • عقب إنشاء خزان أسوان عام.1902 • عقب التعلية الأولى للخزان عام.1912 • عقب التعلية الثانية للخزان عام 1933. • التهجير الأخير عام 1964، ويعدّ أقسى تلك التحركات وأصعبها، حيث اضطر النوبيون إلى التخلي عن وطنهم التاريخي نهائيًا، وشعر الناس بعده بنوع من فقدان الهوية في إثر إغراق النوبة
بأكملها في أعماق بحيرة صناعية. وقد صاحب عملية التهجير العديد من المشكلات؛ تمثَّل أهمها في المشكلات الخاصة بتوزيع المساكن وجودتها، وضعف التعويضات، والمشكلات المتعلقة بجودة الحياة وقلّة فرص العمل، وكذلك المشكلات المتعلقة بالزراعة وتربية المواشي نتيجة اختلاف البيئة. وأدى ذلك إلى ظهور العديد من المطالب لدى النوبيين، يتلخص أهمها في تنفيذ الوعود القديمة التي قُدِّمت لهم قبل عملية التهجير، والتي يتضح عند تحليلها أن غالبيتها مطالب اجتماعية اقتصادية تنموية ترتبت على ظروف التهجير. ويمكن أن نلخص أهم هذه المطالب فيما يلي: • الحفاظ على خصوصية الثقافة النوبية. • سرعة إنشاء قرى العودة في النوبة القديمة.
(((2 زكي، ص.100–99
Alexander La Bianca, "The Aswan High Dam: Backbone of Egypt’s Economic Development," Fulton School of Engineering (2014), pp. 2–4; Nicolas S. Hopkins & Sohier R. Mehanna (eds.), Nubian Encounters: The Story of the Nubian Ethnological Survey 1961–1964 (Cairo: The American University in Cairo Press, 2010).
((2(محمد محمود الجوهري، الأنثروبولوجيا: أسس نظرية وتطبيقات عملية (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988)، ص 443؛
Lilli Zabrana, "Abandoned Nubian Villages in Upper Egypt: Material Culture in Social Anthropological Field Studies," Egyptian & Egyptiological Documents, Archives, Libraries (2013), pp. 197–199, accessed on 20/5/2023, at: https://bit.ly/3gO4p4y
(((2 زكي، ص.172
Zeina Elcheikh, "Interpretation in Cultural Tourism: Nubian Culture in Southern Egypt," Furnace , no. 1 (2015), p. 19, accessed on 20/5/2023, at: https://tinyurl.com/2p93stpt
• المساعدة على زراعة النوبة القديمة وتعميرها. • حل مشكلة انهيار عدد كبير من مساكن النوبة الجديدة. • تمليك النوبيين البيوت التي تسلّموها بالنوبة الجديدة. • توزيع الأراضي والبيوت على النوبيين المغتربين. • إعادة النظر في قيمة التعويضات التي صرفت للمهجَّرين. • تمثيل النوبيين في السلطة التشريعية. • أن تكون الأولوية في التوظيف والعمل لأبناء النوبة في المشروعات التي تتم حول البحيرة. ويمكن أن نستخلص من هذه المطالب أن ملابسات عملية التهجير ونتائجها أدت إلى شعور النوبيين دائمًا بأنهم ضحايا لتلك العملية التي أدت إلى ازدهار مصر وغرق موطنهم الأصلي.
ثانيًا: الإطار النظري والمنهجي
1. مشكلة البحث وأهميته
تكمن مشكلة البحث في معرفة الدور الذي أدّته الثقافة السياسية للشباب النوبي في إثارة الحراك تجاه العودة إلى النوبة القديمة واستمراره، ومدى تحقيق هذا الحراك أهدافه، وهل ارتبطت المشاركة في الحراك النوبي بمستوى الوعي والثقافة السياسية بالقضية النوبية؟ أم أن هناك عوامل أخرى أدت إلى ذلك؟ وأثر ذلك في صور هذا الحراك ومراحله قبل ثورة 25 يناير وعقبها، والدور الذي أدّته تلك الثورة وتغيرات المجال العام الناشئة عنها في إحياء ذلك الحراك بقوة. كما تسعى الدراسة إلى معرفة أسباب "تجمُّد" هذا الحراك في السنوات الأخيرة، وهل نجحت أجهزة الدولة في إضعاف الحشد خلف مسألة العودة، ومن ثمّ نجحت في "تجميدها" في الوقت الراهن. ومن ثمّ، تبرز أهمية الدراسة في سعيها إلى الوصول إلى فهمٍ أفضلَ وأدق لرؤية الشباب النوبي ومطالبه فيما يتعلق بكيفية التخطيط لعملية العودة وتنفيذها، بما لا يضر مصالح الدولة العليا، أو مصالح أبنائها من النوبيين، والحفاظ على حقوقهم التاريخية والثقافية، وذلك في إطار من حقوق المواطنة الكاملة وواجباتها، وبهدف تحقيق الاندماج بين جميع فئات المجتمع المصري، مع الاعتراف بخصوصية كل جماعة.
2. مراجعة الأدبيات
يشير العديد من الدراسات التي أجريت عقب عملية التهجير بهدف تقييم التجربة إلى اختلاف مواقفُ النوبيين من العودة في ذلك الحين، وإلى أن الاتجاه نحو العودة أو البقاء في النوبة الجديدة قد ارتبط
((2(أحمد القاضي، "النوبيون: الخصوصية والأصالة المصرية"، تقارير معلوماتية، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، العدد 32 (2009)، ص 13؛ زكي، ص 149–146،.265–264
بالأوضاع والمصالح الخاصة لفئات النوبيين الاجتماعية المختلفة. وقد بدأ الجدل حول أوضاع النوبيين في النوبة الجديدة، وإبراز الجوانب السلبية للتهجير مع البدء في تنفيذ مشروعات تنمية منطقة "بحيرة ناصر"، التي تضم الموطن النوبي القديم، وظهرت معه المطالبة بالعودة. فقد كانت هناك آراء معلنة تعبِّر عن الرغبة في العودة من خلال العمل بمشروعات تنمية بحيرة ناصر، مقابل آراء أخرى
ترى في المطالبة بالعودة طلبًا غير رشيد، حيث أتيحت لهم في النوبة الجديدة خدمات وفرص عمل
ربما لا تتيسر فيما يُقام من مجتمعات مستحدثة في المنطقة المحيطة ببحيرة ناصر. وفي هذا السياق
يشير "محجوب" إلى أن الفئات غير الراغبة في العودة هي في الغالب من الشباب الذين بلغوا مرحلة النضج في النوبة الجديدة، ولا تشدّهم إلى النوبة القديمة ذكريات وعلاقات عاطفية بعيدة المدى، وقد أتيحت لهم في النوبة الجديدة فرص أفضل للتعليم والعمل، وكوَّن بعضهم أسرًا ووضعًا اجتماعي ا، ومن
ثمّ فليس من السهل أن يطالبوا بالعودة من دون مبرر. وهذا ما أكدته دراسة مصطفى؛ إذ يشير إلى
أن "هناك تغيرًا كبيرًا أحدثته التنمية في النوبة الجديدة؛ هذا التغير دفع بعض كبار السن إلى التنازل عن
القيم المتعلقة بالعودة، نظرًا لاستقرارهم في المجتمع الجديد، أما الأجيال الجديدة فيرفضون رفضًا باتًا
فكرة العودة إلى أرض الأجداد". كما تجدر الإشارة إلى ارتباط المطالبة بالعودة أو التعبير عن رفضها بما أتيح للنوبيين من فرص في النوبة الجديدة؛ فمن حصلوا على أراضٍ وبيوت لا يفكرون في العودة، وعلى العكس من ذلك فمن يعيشون على إعانة الشؤون الاجتماعية ولم يحصلوا على بيوت هم أشد المطالبين بالعودة، ويرون أن التهجير أضرّ بهم. ومن خلال التحليل التاريخي للعديد من الدراسات التي تناولت موقف أبناء المجتمع النوبي من قضية العودة قديمًا، يمكننا القول إنه كان هناك اختلاف جيلي نحو العودة؛ إذ يتشبّث بها بعض المسنّين
فقط، أما الأجيال الشابة فقد توارت عنها فكرة العودة لجهلها بمضمونها ومحتواها. وتلخّص ماجا جانمير أسباب محدودية محاولات حشد النوبيين من أجل العودة عقب تهجيرهم في: "عدم وجود تمييز بين الجماعات في المجتمع المصري، والمساواة في حقوق المواطنة، وعدم وجود حدود رسمية تفصل بين أهل النوبة وبقية المصريين، وتنامي المشاعر القومية لدى العديد من النوبيين الداعمين لبناء الدولة، والشعور بالتضحية من أجل الصالح العام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، انقسام الجماعات النوبية ذاتها حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها لتحقيق التغيير وأولوياته، فضلً عن الصراع حول من له الحق في الحديث باسم أهل النوبة، والفجوة بين الأجيال النوبية، وعدم وجود مؤسسات تعبِّر عن
حقوقهم ومشكلاتهم".
(((2 محجوب، ص.59 (((2 المرجع نفسه، ص.114–111 (((2 مصطفى، "النوبة والتنمية..."، ص.120–118 (((2 محجوب، ص.115
(28) Maja Janmyr, "Nubians in Contemporary Egypt: Mobilizing Return to Ancestral Lands," Middle East Critique , vol. 25, no. 2 (2016), pp. 130–133.
وفي الإطار ذاته، يضيف السيد حامد أن من أسباب إضعاف الموقف النوبي تاريخيًّا حالة الفُرقة التي يعانيها النوبيون على مدار تاريخهم، حيث يتضامنون في نطاقات ضيقة نتيجة لحالة العزلة النسبية التي كانوا يعيشونها قديمًا، ثمّ يضعف موقفهم في حالة القضايا التي تحتاج إلى إجماع بينهم، وأن "الثقافة النوبية" مجرد إطار عام يجمع النوبيين تحت مظلته، في حين تكون "جماعة القرية" هي الوحدة الاجتماعية الأشد تماسكًا وتضامنًا في المجتمع النوبي، ومن ثمّ تكون العامل الرئيس لضعف الجماعة النوبية وتفككها. كما وضعت ماجا جانمير مسارين يمكن أن يستفيد منهما النوبيون في الوقت الراهن في تحديد مطالبهم على أسس قانونية، بما لا يتعارض مع وحدة الدولة وحقوق المواطنة، وهما: • العودة إلى النوبة القديمة في ضوء اعتبار العودة إلى الأراضي الأصلية أحد حقوق الإنسان، وأحد الحقوق الدولية للسكان الأصليين. • التحول من "الحق في العودة إلى الحق في التنمية"، الذي سيشتمل بالضرورة على العودة، ويعدّ هذا المسار أكثر حيادية، ومن ثمّ، يمكن أن يسهم في تحقيق التعبئة وراءه على نحو أوسع. وعلى عكس ما سبق، تشير دراسة الصادق، وهي دراسة حديثة تتناول ضمن قضاياها موقف الشباب النوبي من قضية العودة، إلى مدى التحول الحادث في هذا الموقف؛ إذ أشارت إلى "موافقة %55.3 من عينة الدراسة على العودة إلى النوبة القديمة، في حين رفضتها النسبة الباقية من العينة، و[يرجع] ذلك كما أشاروا إلى كونهم مستقرين في مناطق معيشتهم الحالية"، وتخلص إلى أن الرأي العام النوبي منقسم في ذلك الأمر بين رغبة من يضيق بهم الحال في محل إقامتهم في العودة، وبين الرافضين لها من المستقرين في حياتهم الجديدة، وأن من يطالبون بالعودة هم المسنّون الذين عاشوا بالنوبة القديمة، والشباب الذين لا يجدون فرصًا للمعيشة، ويأملون الرجوع خلف السدّ نظرًا إلى خصوبة الأراضي وتوافر الثروة السمكية هناك. ويخلص الباحث إلى أن العودة هي رأي شخصي، وأن هذا الأمر هو أمر جدلي لا يجتمع فيه أبناء النوبة على قلب رجل واحد، وهو في مصاف الأمن القومي للبلاد في المقام الأول. وفي نهاية هذا العرض الموجز، يمكننا القول إن هناك اختلافًا تاريخيًّا بين النوبيين أنفسهم حول قضية العودة وجدواها وإمكانية تحقيقها، سواء بين أبناء الجيل الواحد وفقًا لاختلاف مصالحهم، أو أبناء الأجيال المختلفة وفقًا لفرص العمل والحياة الكريمة المتاحة لهم، أو وفقًا للموطن الحالي بالنوبة الجديدة أو بالمحافظات الأخرى شم لً حيث توجد فرص حياة أفضل مقارنة بمغامرة العودة.
((2(السيد حامد، "آخر لقاء مع د. السيد حامد بالكويت"، نوبتي، 2009/3/2، شوهد في 2019/9/8، في:
https://tinyurl.com/mz9smukf (30) Janmyr, "Nubians…," pp. 139–143.
(((3 معتز محمد علي الصادق، "الثقافة السياسية لأبناء النوبة في مصر: دراسة ميدانية لعينة من النوبيين في محافظتي الأقصر وأسوان"، رسالة ماجستير، قسم العلوم السياسية والإدارة العامة، جامعة أسيوط، أسيوط، 2020، ص.220–211
3. منهجية البحث
أ. الإطار النظري
اعتمدت الدراسة الراهنة في تحليلها لبياناتها على مدخل تأويل الثقافة عند كليفورد جيرتز الذي يهتم بتفسير المعاني الكامنة خلف السلوك الظاهري؛ ولن يتأتى ذلك إلا من خلال الفهم الكامل لثقافة المجتمع، وفهم المعاني الكامنة وراء الأفعال أو الأنماط الثقافية. ولذا اعتمدنا على هذا المدخل من أجل فهم أحد جوانب المسألة النوبية من خلال خبرات أبنائها، وبالاعتماد على وجهة نظرهم، لمعرفة ما يقصدونه بأفعالهم وتحركاتهم تجاه العودة، بهدف الكشف عن المعاني والدوافع الكامنة خلف تلك التحركات، ومن خلال الفهم الكامل لها في إطار ربط ذلك التحليل بالواقع الاجتماعي والثقافي والتاريخي لعملية التهجير من جهة، وبالثقافة السياسية الموجهة لتلك التحركات من جهة أخرى، بمرام معرفة دور الثقافة السياسية لدى الشباب النوبي في إحياء الحراك النوبي واستمراره، وهل كان ذلك الحراك يعتمد أساسًا على الثقافة السياسية، أم أن هناك جوانب أخرى ذات دور أشد تأثيرًا في ذلك الحراك، وصولً إلى الخطوات التي يقترحها هؤلاء الشباب
بهدف تنفيذ عملية العودة. وفي هذا السياق، استخدمت الدراسة منهج التحليل الكثيف؛ حيث يركز جيرتز في بحثه عن شبكات المعاني التي تتكون منها الثقافة على الوصف الكثيف أو العميق Description Thick، الذي يمكن من خلاله دارس الثقافة أن يقدم تحليلً متعمقًا بقصد تأويل الظاهرة الثقافية التي ينبغي دراستها. ويهتم الوصف الكثيف بدلالة ما نلاحظه في إطار سياقه الثقافي، ولذا ينبغي الاهتمام بالظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية المحيطة بالظاهرة الثقافية موضع البحث، من أجل الوصول إلى تأويل حقيقي لها. وسنحاول من خلال مدخل جيرتز للتأويل الرمزي تحليل الأدوار التي يقوم بها الشباب النوبي خلال السنوات الأخيرة من أجل المطالبة بالعودة إلى النوبة القديمة، وسبل الضغط على الدولة لتحقيق ذلك،
(32) Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures (New York: Basic Books, 1973), p. 24.
(((3 أحمد أبو زيد، "الرموز والرمزية: دراسة في المفهومات"، المجلة الاجتماعية القومية، مج 28، العدد 2 (1991)، ص 177؛
حسين فهيم، قصة الأنثروبولوجيا، فصول في تاريخ علم الإنسان، سلسلة عالم المعرفة 98 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1986)، ص 234؛
Scott Hudson et al., "Symbolic and Interpretive Anthropologies," Department of Anthropology, College of Arts & Sciences , p. 3, accessed on 20/5/2023, at: https://tinyurl.com/3eehj79f
((3(السيد حافظ الأسود، الأنثروبولوجيا الرمزية: دراسة نقدية مقارنة للاتجاهات الحديثة في فهم الثقافة وتأويلها (الإسكندرية:
منشأة المعارف، 2002)، ص 121–117؛ نجوى الشايب، ديناميات تغير التراث الشعبي في المجتمع المصري، دراسة لعادات الطعام
وآداب المائدة، سلسلة تقارير بحث التراث والتغير الاجتماعي (القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الآداب، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، 2002)، ص 31؛
Mary Le Cron Foster, "Symbolism: The Foundation of Culture," in: Tim Ingold, Companion Encyclopedia of Anthropology (London: Routledge, 1997), pp. 370–371.
أملً في الحصول على حقوقهم التاريخية، وتحسين أوضاعهم المعيشية، والبحث عن فرص حياة أفضل في موطنهم "القديم الجديد"، لمعرفة مدى نجاحهم أو إخفاقهم في ذلك.
ب. منهجية الدراسة الميدانية
تعتمد هذه الدراسة الكيفية على أدوات البحث الأنثروبولوجي في جمع مادة كيفية من خلال المقابلات المفتوحة (الفردية والجماعية)، وذلك للحصول على المادة العلمية الكافية. • عينة البحث جرت الدراسة مع مجموعة من الشباب النوبي تراوح أعمارهم بين 18 و 35 عامًا، يقيمون في ثلاث
من قرى التهجير بمركز نصر النوبة في محافظة أسوان، وهم أبناء من جرى تهجيرهم عقب بناء السد العالي، ويمثل هؤلاء الشباب الكتلة الكبرى في التحرك خلف قضية العودة. وقد روعي أن تكون تلك القرى ممثلة للمجموعات النوبية الثلاث، وهي: – الكنوز: قرية كلابشة. – العرب: قرية المالكي. – الفاديجا: قرية بلانة.)1(كما رُوعي في اختيارهم التنوع من حيث النوع والمستوى التعليمي والاجتماعي وطبيعة العمل،
وجرى تقسيمهم إلى فئتين هما: 18 شابًّا لعقد حلقات نقاشية جماعية معهم حول قضايا الدراسة، يمثل كل 6 منهم إحدى قرى الدراسة
الثلاث. 18 من الشباب لعقد عدد من المقابلات الفردية، يمثل كل 6 منهم إحدى قرى الدراسة الثلاث. • الأنشطة المنجزة – المقابلات الفردية مع بعض الإخباريين من أبناء الجماعات النوبية المختلفة من الشباب. – الحلقات النقاشية الجماعية مع عدد من الشباب النوبي، وقد روعي في اختيارهم أن يكونوا على استعداد للتعاون والحديث بحرية وعمق حول جوانب الدراسة. – دليل العمل: استُخدم بوصفه أداةً أساسية للدراسة، وقد روعي في تصميمه أن يشمل جميع الجوانب المتعلقة بالدراسة، وقام بتحكيمه اثنان من الأساتذة. – تحليل مضمون بعض كتابات ومنشورات بعض المواقع والنشطاء النوبيين على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعكس إلى حد بعيد مطالبات بعضهم ورؤيتهم لقضية العودة وأولوياتها، كما استُخدم مضمون هذه المنشورات في تحديد عدد من قضايا النقاش خلال المقابلات الفردية والجماعية.
– تحليل نتائج بعض الدراسات التاريخية عن المجتمع النوبي، ومدى قِدَم مشكلاته، وتطور سبل التعامل مع تلك المشكلات. – جرى التطبيق الميداني خلال الفترة تشرين الثاني/ نوفمبر – كانون الأول/ ديسمبر 2020.
ثالثًا: الثقافة السياسية للشباب النوبي
1. مقدمة حول الثقافة السياسية
مفهوم الثقافة السياسية
يعود جلّ الباحثين في إرساء مفهوم الثقافة السياسية بوصفه مفهومًا نظريًّا تحليليًّا إلى العمل المرجعي
لكل من غابريال ألموند وسيدني فيربا حول الثقافة المدنية، حيث يعرّفان الثقافة السياسية بأنها
الاتجاهات السياسية إزاء النظام السياسي بعناصره المختلفة وأنماط توزيعها بين أعضاء الأمة. كما نجدها تعرّف لدى لوسيان باي بأنها "مجمل القيم الأصلية والمشاعر والمعرفة، التي تعطي شكل
العملية السياسية وجوهرها"، ولدى جوردن مارشال بأنها "المعايير والقيم والرموز التي تساعد في إضفاء الشرعية على نظام القوة السياسية القائم في المجتمع". أما قاموس بلاكويل للعلوم السياسية فيعرفها بأنها "توجهات الأفراد نحو المؤسسات السياسية والمواثيق والتقاليد". وفي سياقاتنا العربية، يعرفها أسامة عبد الباري بأنها "نسق المعتقدات الواقعية والرموز والقيم التي تحدد الموقف إزاء الأحداث السياسية والتي تتأثر بالظروف والأحداث الموضوعية داخل المجتمع". كما نجد المفهوم يشمل نظرة الأفراد لنظامهم السياسي بصورة كلية، بحيث إن مرتكزات الثقافة السياسية وأبعادها هي الاعتقاد والمعرفة والآراء والعواطف الخاصة بالأفراد تجاه نظامهم السياسي. ويعرّف كمال المنوفي الثقافة السياسية بأنها "مجموعة القيم السياسية السائدة في المجتمع التي تحدد
اتجاهات الأفراد ومشاعرهم وسلوكياتهم وذلك في إطار علاقتهم بالنظام السياسي". وقد حددها
(35) Gabriel A. Almond & Sideny Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (Princeton: Princeton University Press, 1963), p. 13.
(((3 مذكور في: صليحة كبابي، "الهوية والثقافة السياسية كمدخل للتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط"، جامعة منتوري
قسنطينة، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 46 (2016)، ص.240 ((3(جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مج 1، ترجمة محمد الجوهري [وآخرون]، المشروع القومي للترجمة 163 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص.518 (((3 مذكور في: أحمد تهامي عبد الحي، "الثقافة السياسية للتحول الديمقراطي"، مجلة الديمقراطية، مج 8، العدد 31 (2008)، ص.103 (((3 أسامة إسماعيل حسن عبد الباري، "الثقافة السياسية المتغيرة لدى الشباب المصري: دراسة مقارنة بين جيلين مختلفين"، مجلة
كلية الآداب، جامعة الزقازيق، العدد 45–44 (2008)، ص.148 (((4 دينا صبيح مسعود شقير، "أثر الثقافة السياسية في تكوين الاتجاهات السياسية لدى طلبة الجامعة الأردنية"، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، عمّان، 2015، ص.1 ((4(كمال المنوفي، مفهوم الثقافة السياسية: دراسة نظرية تأصيلية (القاهرة: المركز المصري للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، 2008)، ص.34
المنوفي بستة أزواج هي: الحرية والإكراه، الثقة والشك، المقاومة والخنوع للسلطة، المساواة والتدرج، العلمانية والدينية، الولاء الوطني والولاء المحلي. يبقى أن نشير إلى أنه من المهم بالنسبة إلى مرامنا التحليلي في هذا البحث التأكيد على أنّ الثقافة السياسية للمجتمع ليست حقيقةً متجانسة وثابتة؛ إذ يوجد العديد من الثقافات السياسية الفرعية Political Subcultures، وأن الثقافات السياسية الوطنية تتكون من تعددية الثقافات الفرعية وصهرها. فالثقافة السياسية تعدّ جزءًا من الثقافة العامة للمجتمع، كما تعدّ من طرائق التفكير، والشعور والسلوك السياسي
الخاص بالأفراد، وخصائصها هي خصائص الثقافة ذاتها مطبقة على مستوى السياسة؛ فهي ثقافة فرعية تتأثر بالثقافة الأشمل، ومبنية على مفاهيم المواطنة الحق وقيمها والمساواة أمام القانون واحترام الرأي الآخر والمشاركة السياسية وتكافؤ الفرص، وهي أيضًا مرتبطة بالتنشئة السياسية التي تؤهل الأفراد للمشاركة في الحياة السياسية بمسؤولية ووعي، ويتحدد السلوك السياسي للفرد انطلاقًا من الثقافة السياسية لمجتمعه. كما أن لكل مجتمع خصوصية تعكسها ثقافته السائدة بين أبنائه، تلك الثقافة التي اكتسبها عبر ميراثه التاريخي والحضاري وواقعه الجغرافي والتركيب الاجتماعي وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي فيه. ولذا، نجد أن اندماج أبناء المناطق الطرفية مثل النوبة والواحات في المجتمع المصري لم يترتب عليه اختفاء خصوصيتهما الثقافية بتأثير البناء الاجتماعي وعملية التنشئة الاجتماعية. وتحتوي الثقافة السياسية على أربعة مكونات أساسية هي: المعارف والمعلومات المتداولة لدى شعب أو جماعة، والقيم والعادات والتقاليد السائدة، والاتجاهات أو مدى القبول والرفض التي تبلور نوعًا من الوعي، إضافة إلى ميول لتغيير الواقع، والسلوكيات والممارسات السياسية لدى مجتمع أو جماعة بعينها، ونعني بها تغير السلوك السياسي نحو مواجهة السلطة بمطالبهم. وتقوم الثقافة السياسية على ثلاث مصادرات ضمنية:
(((4 المرجع نفسه. (((4 وفقًا لستيفن وايت، يمكن تعريف الثقافة الفرعية السياسية "العمودية" بأنها تتعلق بالسمات الاجتماعية أو الديموغرافية
المشتركة لأعضائها، مثل التمييز بين الثقافة السياسية "الجماهيرية" والثقافة السياسية "النخبوية" لصناع القرار السياسي وشركائهم، في حين ترتبط الثقافة الفرعية السياسية "الأفقية" على نحو أساسي بالمناطق والانتماءات الفرعية. ينظر:
Stephen White, "Political Culture and Political Sub–cultures," in: Stephen White, Political Culture and Soviet Politics (London/ Basingstoke: Macmillan Press, 1979), pp. 143–165.
(((4 هيثم عبد المجيد مسلم الصرايرة، "تأثير الثقافة السياسية على السلوك السياسي لدى طلبة الجامعات الأردنية ")2014–2013(، أطروحة دكتوراه، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، عمّان، 2014، ص.2–1 (((4 محمد المتوكل على الله حسن سليمان، "الثقافة السياسية وعلاقتها بقيم المواطنة لطلاب الجامعات المصرية: دراسة حالة
لطلبة كلية التربية الرياضية للبنين – جامعة حلون"، المجلة العلمية للتربية البدنية وعلوم الرياضة، العدد 77 (2016)، ص.342 ((4(علية حسين والسيد حامد، "الثقافة السياسية: بحث أنثروبولوجي في الواحات والنوبة"، في: الثقافة السياسية في مصر بين
الاستمرارية والتغيير، أعمال المؤتمر السنوي السابع للبحوث السياسية، ج 1: القاهرة، 7–4 كانون الأول/ ديسمبر 1993، كمال المنوفي وحسنين توفيق (محرران) (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1994)، ص.44 ((4(محمد أحمد علي عدوي، "تداعيات الثورة على الثقافة السياسية في المجتمعات العربية"، مجلة الديمقراطية، مج 11، العدد 42 (2011)، ص.87
• تقر بوجود تباينات في الثقافة السياسية، ليس بين المجتمعات فقط، ولكن بين أفراد المجتمع الواحد أيضًا. • تمارس هذه الفروق آثارًا مختلفة سواء على مستوى السلوك السياسي أو على مستوى نجاعة
المؤسسات القائمة. • تتعرض مكونات الثقافة السياسية من قيم ومعتقدات ومشاعر، لتغير بطيء يمكن ملامسته بوضوح عند الأجيال المتعاقبة. ويتم هذا التغيير إما بطريقة مخطط لها عن طريق النظام السياسي من أجل التعايش مع تطورات قد تصيب المجتمع، وإما بطريقة غير مخطط لها ترتبط بالظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتاريخية للمجتمع. وتختلف الثقافة السياسية لدى الجماهير عن تلك السائدة بين النخبة الحاكمة، كما تختلف من نظام سياسي إلى آخر. فعادة ما تكون المجتمعات ذات النظام التعددي أشد ميلً إلى دعم قيم التعدد والتنوع الثقافي والإثني والديني والسياسي، أما النُّظم الشمولية فتكون أشد اهتمامًا وتأكيدًا لقيم الطاعة
والرضا، ولذا يجب على النظرة الشاملة للنظام السياسي أن تأخذ في الحسبان بيئته الثقافية التي تؤثر في أدائه؛ إذ إن سلوك الأفراد داخل مختلف الأبنية السياسية يتحدد جزئيًّا بقيمهم السياسية. وكذلك
تؤثر الثقافة السياسية في الثقافة العامة للمجتمع عن طريق قيامها بمساندة استمرار أوضاع معينة أو السعي لتغييرها، كما أنها تتأثر بها أيضًا. وتتمثل وظائف الثقافة السياسية في معرفة طبيعة البناءات والنظم السياسية، وتحليل العلاقة بين المواطنين والسلطة السياسية، ودراسة عملية المشاركة السياسية وكيفية تحديثها، وخلق الشخصية القومية، وتوجيه السلوك السياسي ودعمه؛ وهو ما يعني أنها تعمل على ترشيد السلوك السياسي للأفراد داخل المجتمعات، وطرق التعبير عن المطالب والمصالح السياسية، ونشر الوعي السياسي وتوسيع المشاركة السياسية داخل المجتمع؛ إذ يعدّ الوعي السياسي أحد أبعاد الثقافة السياسية بصفة عامة.
(((4 أحمد بن حوكا، "الثقافة السياسية الحضرية في الوطن العربي: العلاقة بين الاتجاه نحو الديمقراطية والاحتجاج السياسي"،
المستقبل العربي، مج 39، العدد 458 (2017)، ص.40–39 (((4 شقير، ص.2 (((5 المنوفي، ص.4 (((5 سليم، ص.281 (((5 علياء الحسين محمد كامل، "الثقافة السياسية بين الرفض والتكيف لدى الشباب السوداني: دراسة سوسيو أنثروبولوجية
ميدانية"، حوليات آداب عينشمس، مج 45 (كانون الثاني/ يناير – آذار/ مارس 2017)، ص.163 ((5(حليلو نبيل، "الثقافة السياسية: الأنماط والوظائف"، مجلة المفكر، العدد 17 (2018)، ص.222–220 (((5 أحمد محمد عبد الرحمن العايدي، "تأثير العولمة على الثقافة السياسية المصرية ودورها في قيام ثورة 25 يناير 2011 "، مجلة
البحوث المالية والتجارية، العدد 4 (2017)، ص.101 (((5 أسامة رأفت سليم، "واقع المشاركة السياسية في الريف المصري بعد ثورتي 25 يناير و 30 يونيو: دراسة ميدانية في قرية
مصرية"، حوليات آداب عينشمس، مج 44، العدد 2 (نيسان/ أبريل – حزيران/ يونيو 2016)، ص.281
2. مصادر تشكيل الثقافة السياسية للشباب النوبي
تنقسم مصادر تشكيل الثقافة السياسية إلى قسمين، المؤسسات الرسمية (الإعلامية، والتعليمية، والدينية، والعسكرية وتشمل الجيش والشرطة، والأحزاب)، والمؤسسات غير الرسمية (الأسرة، وجماعة الرفاق، والنوادي، والمنظمات غير الحكومية). وعلى الرغم من أهمية هذه الوسائل جميعًا، فإنّ هناك مؤسسات تؤدي دورًا أهم من غيرها. وتعدّ التنشئة السياسية أكبر العوامل الاجتماعية المؤثرة في تشكيل الثقافة السياسية؛ فهي تشكل محددًا رئيسًا للسلوك السياسي للأفراد، كما أنها بمنزلة مؤسسات المدخلات التي تقوم بدور نقل الثقافة السياسية أو تغييرها، وإحلال ثقافة سياسية جديدة محلها، وخلق الانتماء والولاء للوطن والنظام السياسي، والإعداد لشغل الأدوار في النظام السياسي، ويكون الناتج منها هو أنماط الثقافة والقيم والتوجهات السياسية التي تظهر لدى الأجيال السياسية الشابة. وتشير نتائج الدراسة إلى وجود تباين كبير بين الأدوار التي أدتها تلك المؤسسات في تشكيل الثقافة السياسية للشباب النوبي، وتأتي في مقدمتها أدوار المؤسسات غير الرسمية، مثل الأسرة، والنوادي والجمعيات النوبية، والإعلام غير الرسمي، التي تُعَدّ بالنسبة إلى القضية النوبية أهم مؤسسات نقل الثقافة السياسية وتشكيلها، من خلال أدوارها في تشكيل القيم والتوجهات السياسية لدى الأجيال الشابة، وتوعيتهم بالتطور التاريخي لقضيتَي التهجير والعودة إلى النوبة القديمة، وهو ما سنوضحه ببعض التفصيل في جزء قادم. أما عن أدوار المؤسسات الرسمية، مثل المؤسسات التعليمية، والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية، والجيش والشرطة، فلم يكن لها دور ملحوظ في التنشئة السياسية للشباب النوبي، وبخاصة فيما يتعلق بقضية العودة، نظرًا إلى ضعف أو محدودية أو تقنين أدوار تلك المؤسسات في
المجتمع المصري، إضافة إلى تعمد عدم طرح نقاط الخلاف الخاصة بالقضية النوبية في المجال العام خلال السنوات القليلة الماضية.
رابعًا: الحراك النوبي تجاه قضية العودة
1. صور الحراك النوبي قبل ثورة 25 يناير
شهدت مصر في تسعينيات القرن الماضي محاولات لإثارة قضية النوبيين بوصفهم أقلية مضطهدة. وفي هذا الصدد عُقد مؤتمر في قبرص، نظمه مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية عام 1994، بعدما فشل في عقده في القاهرة، لمناقشة "مشكلات الأقليات في الوطن العربي"، ووضع من بينها
(((5 كامل، ص.168 (((5 رندا عماد محمد صبري [وآخرون]، "تأثير مؤسسات التنشئة السياسية على تشكيل الثقافة السياسية في المجتمع المصري"،
مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية، جامعة أسيوط، العدد 66 (2019)، ص.3 (((5 عبد الحي، ص.107–103
ما يسمى "قضية الأقلية النوبية"؛ ويُعَدّ هذا أول طرح أكاديمي لمشكلة النوبيين باعتبارهم أقلية في مصر. وتلا ذلك مؤتمر أقباط المهجر (تشرين الثاني/ نوفمبر 2005)، وهو أول وأكبر مناسبة بدأ من خلالها عرض القضية النوبية خارج مصر؛ إذ وجّه خلاله ما عُرف باسم "النداء العالمي لإنقاذ النوبة
في مصر والسودان"، وتضمّن هذا النداء بعض العبارات التي أثارت الرأي العام في مصر، نذكر منها ما يلي: "أوقفوا عمليات التطهير الثقافي والعرقي التي تجري باستمرار في المنطقة النوبية. إن حكومتي مصر والسودان تعملان بتنسيق تام لتدمير النسيج النوبي المتماسك. إن الحكومة المصرية تمارس سياسة التفرقة وتكتيكات التطهير الثقافي، وذلك بتشجيع توطين العرب وغير النوبيين داخل الأراضي النوبية. إن النوبة تواجه الآن تهديدًا حقيقيًّا وخطيرًا، ولا يستطيع النوبيون الآن بمفردهم مقاومة هذه المذبحة
السرية المستمرة. إن حماية النوبيين مبدعي التاريخ تعتبر أيضًا مسؤولية دولية. أدناه – نناشد الشعوب المتمدنة والأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن تأتي عاجلً نحن – الموقعين لإنقاذ النوبيين وأراضيهم وثقافتهم وتراثهم". وقد بلغ عدد توقيعات هذا النداء 236 توقيعًا من شخصيات مصرية وسودانية وعالمية، وهو ما جعل هذا النداء يوجّه الاهتمام إلى القضية النوبية ومشكلات النوبيين في مصر بصورة أكثر جدية من الفترة
الطويلة التي سبقته. وبدأت الحكومات المصرية المتعاقبة تتعامل مع طلبات النوبيين بصورة أشد فاعلية مما سبق. ويهمنا فقط في هذا الإطار ما تعكسه بعض عبارات هذا النداء من صورة النوبي لدى ذاته، وكذلك صورته للآخر سواء كان المصري الذي تسبب في أزمته، أو الدولي الذي يمكن أن ينقذ البشر كما أنقذ الأثر من قبل، أو العربي الذي ليس له الحق في مشاركته في موطنه القديم.
2. آليات حشد الشباب النوبي للحراك تجاه قضية العودة
أ. التنشئة الاجتماعية
تشير استجابات عينة البحث إلى أن "الأهل" يمثلون آلية الحشد الأولى في ترسيخ فكرة العودة لدى الشباب، ويرجع ذلك إلى حرصهم على توريث التاريخ والثقافة النوبية بغض النظر عن موطن إقامتهم، وإصرارهم على توريث "فكرة العودة" ضمن الإرث الثقافي والتراثي لأبنائهم وأحفادهم بالشكل الذي يجعل منها مظلة يتجمع أسفلها النوبيون إلى الأبد؛ وذلك من خلال عدة وسائل، من أهمها الحكايات
(((5 حجاج أدول، "النداء العالمي لإنقاذ النوبة"، Odoul – ادول، فيسبوك، 2019/1/2، شوهد في 2019/1/2، في:
https://tinyurl.com/2p8kvzs6
المستمرة حول عظمة الحضارة النوبية القديمة، والظلم الذي وقع على النوبيين تاريخيًّا، وتهجيرهم
أكثر من مرة، وسوء تنفيذ عملية التهجير، ومصاعب الحياة في المجتمع الجديد، والوعود المتتالية بتحسين أحوالهم المعيشية أو عودتهم إلى موطنهم الأصلي. وفي هذا الإطار يذكر أحد الشباب: "الأهل دايمًا كانوا هم الموجه الأول ناحية العودة، وكانوا دايمًا يفكرونا بالمآسي اللي مروا بيها، في التهجير وفي العيشة هنا في البداية، وده طبعًا أثر في كثير من الشباب، ولكن بعد كده حصلت حاجات ثانية كتير زودت الفكرة دي عند الشباب، وأهمها إن مفيش شغل هنا، ولا سكن نتجوز فيه، في الوقت اللي أرض أجدادنا بتتوزع على الأغراب في النوبة القديمة"، وكما تظهر تلك العبارة أهمية دور الأهل في زرع فكرة العودة لدى الأبناء، تظهر أيضًا أهمية دور الأجهزة الرسمية في ذات الاتجاه. وأورث ذلك شعورًا لدى الأجيال الشابة بأن لا شيء يحدث، كما يشير أحد الشباب: "الموضوع لو خلص المرة دي زي كل مرة على مفيش.. مش حيبقى فيه نوبة تاني". وهكذا تُعدّ عملية التنشئة الاجتماعية بكل ما تتضمنه من إرث ثقافي نوبي من أكبر العوامل الاجتماعية المؤثرة في تشكيل الثقافة السياسية للشباب النوبي، حيث ساعدت على تشكيل سلوكهم السياسي انطلاقًا من الثقافة السياسية لمجتمعهم تجاه مختلف القضايا التي تواجههم. ومن ثم، يمكننا القول إن التنشئة الاجتماعية للشباب النوبي قد أهّلتهم للمشاركة في الحياة السياسية بمسؤولية ووعي بأبعاد قضاياهم. كما ساعدت على تكريس الانتماء والولاء للهوية النوبية بالأساس.
ب. الهوية النوبية
تتضح علاقة الهوية بالثقافة السياسية من خلال الدور الذي تؤديه الهوية وطريقة توظيفها من جانب الأفراد عبر تبنّي سلوك ثقافي معين، ويستمد الفرد إحساسه بالهوية من خلال إحساسه بأنه يشترك مع عدد كبير من أفراد الجماعة في عدد من المعطيات والمكونات والأهداف. ويتقلد الإحساس بالهوية مكانه باعتباره أحد المكونات الأساسية للثقافة السياسية. فللهوية نمطان: فهي فردية وجماعية؛ إذ تشير الهوية الجماعية إلى الشعور بالانتماء إلى وطن وشعب معين، وهي جانب حيوي من نشاط الحركة الاجتماعية، وتتميز بأنها هوية جماعية تتجاوز حدود أي مجموعة فردية بمنظمة ما، في حين أنها رغم ذلك تحتفظ بخصوصية محدودة. كما تعدّ دعاوى الهوية سمة مميزة للحركات الاجتماعية الجديدة بطرق متعددة، وتؤكد منظورات الحركة الاجتماعية أن البحث الجمعي عن هوية يمثل مظهرًا
(((6 كبابي، ص.240 (((6 عبد الله الشاهر، "الثقافة السياسية ودورها في إعادة تكوين الوعي الوطني"، مجلة الفكر السياسي، مج 19، العدد 66 (2018)، ص.16 (((6 المنوفي، ص.28 ((6(كيت ناش، علم الاجتماع السياسي المعاصر: العولمة والسياسة والسلطة، ترجمة ذبيب بن محمد الدوسري (الرياض: دار جامعة الملك سعود للنشر، 2017)، ص 208–204؛
Mario Diani, "The Concept of Social Movement," Sociological Review , vol. 40, no. 1 (1992), pp. 421–440.
رئيسًا من مظاهر تشكيل الحركة، وهو ما ينطبق على التحركات النوبية إلى حد بعيد. إنّ دور "الهوية النوبية" واستخدامها في الحشد تجاه العودة يتضحان في الرغبة في الحفاظ عليها، من خلال التمسك بعادات الحياة والتراث النوبي وتوارثهما، والحرص على إبرازها في المواقف المختلفة، وتوريث الأبناء تاريخ المجتمع النوبي القديم، ومساوئ عملية التهجير، وحتمية العودة، والرغبة في إنشاء قرى نوبية فقط لإحياء الثقافة النوبية، والشعور بالتمايز النوبي مقارنة بالجماعات الأخرى، إضافة إلى الحرص على التحدث باللغة النوبية وتعلّمها وتعليمها خوفًا عليها من الاندثار. وعلى الرغم من التغيرات العديدة التي طرأت على المجتمع النوبي بمختلف أجياله، فإن هناك من لا يزال يصرّ على أن "النوبيين لم يفقدوا هويتهم، وسوف تبقى النوبة، وسيظل النوبيون متماسكين
متمسكين بوحدتهم وقوميتهم ولغتهم". وعمومًا، نلاحظ في تصورات الشباب النوبي غلبة الصورة
الرومانسية لما جرى توارثه أو ترويجه عن المجتمع والشخصية النوبية قديمًا و"النمط العام المتخيل"
لصورة المجتمع النوبي المنشود الذي يأمل الشباب إقامته في الموطن الأصلي.
ج. الجمعيات النوبية
يمكن النظر إلى الجمعيات النوبية باعتبارها منظمات غير حكومية تؤدي دورًا مؤثرًا وكبيرًا في المجتمع
النوبي، ليس فيما يتعلق بالقضايا السياسية فحسب، بل بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية أيضًا، وهو الدور الذي حافظ كثيرًا على استمرارية المجتمع النوبي وتماسكه حتى الآن. وهدفت الجمعيات النوبية في المحافظات المصرية، وفي بعض الدول الأخرى في بدايتها، إلى مساعدة المغترب النوبي على مواجهة مشكلات الاستقرار من ناحية، وربطه ببيئته الأصلية من ناحية أخرى. وتعدّ هذه الجمعيات أحد المظاهر الدالة على التماسك والتضامن بين النوبيين؛ وقد "اقتصرت في البداية على عضوية أفراد القبيلة الواحدة، ثم تطورت إلى جمعيات قروية تقوم على أساس القرابة الإقليمية، كما حافظت الجمعيات النوبية بالإضافة إلى الأسرة على التراث الثقافي النوبي المتميز، بجانب توفيرها للإحساس بالتميز الثقافي عن بقية العناصر السكانية الأخرى داخل المدينة". وعقب التهجير، ازدهرت فكرة إنشاء الجمعيات والروابط والأندية النوبية داخل النوبة وخارجها، بل خارج مصر أيضًا، وأدّت أدوارًا كبيرة ومهمة في التكافل الاجتماعي بين النوبيين من القرى والعائلات نفسها، والربط بينهم وبين ذويهم وعائلاتهم في قرى التهجير بكوم أمبو. وبناءً عليه، فقد عمل النوبيون على
الحفاظ على تماسكهم الاجتماعي بجهودهم الذاتية، فضلً عن المحافظة على تمايزهم العرقي المبني على التفرد الثقافي.
((6(سيد فارس، "الحركات الاجتماعية الجديدة والعنف: بحث في الأنثروبولوجيا السياسية"، حوليات آداب عينشمس، مج 45، العدد 3 (تموز/ يوليو – أيلول/ سبتمبر 2017)، ص.135 ((6(سيد الحسن محمد خير إدريس، كيفية الحفاظ على التراث النوبي (نصر النوبة: عنيبة، 2010). (غير منشور). (((6 إبراهيم، ص 75،.153–152 (((6 محيي الدين شريف، النوبة حكايات وذكريات (القاهرة: دار العلوم للطباعة، 1986)، ص.33
وأدّت تلك الجمعيات دورًا كبيرًا في الحشد خلف قضية العودة من خلال ربط أبناء الجماعة النوبية بقضايا مجتمعهم وذويهم. وتمثل ذلك الدور في الإعلان عن تأييدهم لتلك التحركات، أو الإعلان عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو الحشد للمشاركة الفعلية فيها.
د. وسائل التواصل الاجتماعي
أصبحت وسائل التواصل الحديثة تؤدي دورًا مركزيًّا في تشكيل الثقافة السياسية للشباب النوبي. فالتَّقدم التكنولوجي والتقني في مجال الاتصالات يعدّ من أبرز الأدوات التي تؤثر في الثقافة السياسية، وذلك من خلال شبكة الإنترنت، خصوصًا أن أعدادًا كبيرة من الفئات الشابة تستخدمها؛ ويظهر ذلك جليًا في التأثير في الثقافة السياسية المصرية. ويمكن أن تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي في مسيرة
الأحداث السياسية بطريقتين، هما إتاحة حرية التعبير، والانتشار السريع للأخبار، فالتفاعل والحوار والجدل والنقاش السياسي الذي أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي قد أفرز حالة مختلفة من الوعي لدى الشباب المستخدم لهذه الوسائل الإعلامية الجديدة. وبصورة عامة، تشير الدراسات إلى أنه منذ منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي، بدأ معدل التغير في الثقافة السياسية يتسارع مع ظهور وسائل الإعلام الجديدة التي أحدثت تغيرات ثقافية في تنشئة أفراد المجتمع؛ ولذا فإن أهم ما يميِّز
شبكة المعلومات هو أنها تتيح للشباب أن يشاركوا في تبني مواقف من القضايا العامة. وفي هذا الإطار، يشير الشباب النوبي بعينة الدراسة إلى "المواقع والصفحات النوبية على شبكة الإنترنت" باعتبارها حاليًّا أهم المصادر التي يتحاورون من خلالها، وقديمًا كان ذلك في صورة منتديات
لبعض النشطاء النوبيين، ثم تطور مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح الحوار يجري من خلال عدة تطبيقات ومواقع من أهمها فيسبوك وتويتر، بحكم انتشارهما بكثافة في المجتمع المصري؛ إذ أصبح اليوم لكل قرية ولكل جمعية نوبية داخل مصر وخارجها صفحة على تلك المواقع. ومن الجدير بالملاحظة أن هذه المواقع الإلكترونية أتاحت للشباب النوبي التعرف بكثافة على مجتمع النوبة القديمة من خلال المنشورات المتنوعة والصور التي تُنشَر على تلك المواقع، كما استطاعت هذه المواقع أن تجمع نوبيي مصر والسودان تحت اسم النوبة مجددًا، وكثيرًا ما نجد حوارات وتبادلً للمعلومات بين الشباب من الجانبين حول الموضوعات الخاصة بالمجتمع النوبي. وإضافة إلى ما سبق، أتاحت هذه المواقع للشباب المصري غير النوبي معرفة الثقافة النوبية وعاداتها وتقاليدها.
(((6 العايدي، ص.104 (((6 منى جابر عبد الهادي هاشم، "مصداقية تناول صحافة المواطن لقضايا الصراع ودورها في تشكيل الثقافة السياسية للشباب"،
المجلة المصرية لبحوث الإعلام، جامعة القاهرة، العدد 60 (2017)، ص.350 (((7 نهى طارق عباس حسن، "التغير في الثقافة السياسية المصرية وثورة يناير 2011: دراسة ميدانية للشباب المصري"، مجلة
الاستقلال، العدد 8 (2017)، ص.161 ((7(علي ليلة، "تأثير الفيسبوك على الثقافة السياسية والاجتماعية للشباب"، مجلة ركائز معرفية، مج 1، العدد 1 (2013)، ص –128
كما أدّت هذه المواقع دورًا رئيسًا في الحشد لقضية العودة عقب الثورة، بدايةً من التعريف بالقضية،
ومشكلات التهجير من خلال نشر العديد من المعلومات والصور المعبرة عن ذلك، وكذلك تبادل الآراء حول كل ما يتعلق بالحراك النوبي، وخطواته، ونتائجه. ويتمثل هذا الدور وفقًا لما يوضحه بعضهم في عدة جوانب؛ "فيه صفحات كتير بتتكلم في الموضوع زي صفحة بلاد النوبة وصوت النوبة، كل الصفحات النوبية بتناشد بالتحرك نحو القضية، فيه صفحات تدعو إلى التظاهر لاسترداد الأرض.. وعرض قضايا المعتقلين، إثارة القضية في المجموعات الخاصة بأهل النوبة هي طريقة لتحريك الموقف، الحشد على الصفحات النوبية فيه موضوعات كتير من أهمها إثارة مشاعر أبناء النوبة". ويقدم أحد المشاركين في عينة البحث مث لً لذلك قائلً: "من سمع عن قضية معتقلي الدفوف لم يكن يعرف طبيعة مطالبها، لكن المهم لديهم ما شاهدوه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي من اعتقالات لشباب النوبة، فكان الأمر مجرد تعصب لأبناء ثقافتهم". ومن الملاحظ أيضًا أن أغلب تلك الصفحات تحولت عن القضية كثيرًا خلال السنوات الأخيرة نظرًا
إلى التغيرات التي طرأت على المجال العام في مصر، على العكس من الأدوار التي كانت تؤديها خلال مراحل الحراك النوبي عقب ثورة 25 يناير. ويقتصر نشاطها في الفترة الحالية على نشر تاريخ المجتمع النوبي، وملامح ثقافته المتميزة، إلا أن بعضها ما زال يواظب على نشر بعض ما يتعلق بالتهجير ومشكلاته حرصًا على استمرارية التذكير بالقضية من جهة، والتمسك بالأمل في نجاح جهود العودة من جهة أخرى، وبصورة عامة ينتشر استعمال تلك الصفحات أكثر بين جيل الشباب.
ه. الأوضاع المعيشية والخدمات
تشير الشكاوى المتكررة من الأوضاع المعيشية وحالة الخدمات المختلفة بمجتمع التهجير إلى صعوبة عملية التهجير. ومن ثمّ، فقد أدّت تلك الأوضاع دورًا مهمًّا في الحشد خلف قضية العودة، وهو
ما أدى إلى استمرار هذه القضية رغم جهود الدولة في حلّها. وينقسم الشباب في تقييمهم للأوضاع المعيشية والخدمات الاجتماعية ودورها في إثارة قضية العودة وتأجيجها. فبعض المستجيبين غير راضين تمامًا عن مستوى أي خدمات في قرى التهجير؛ فالخدمات إما غير متاحة، وإما غير كافية، وإما سيئة، أو سرعان ما تتلف لسوء التنفيذ أو غياب الصيانة، وهم يشعرون بإهمال شديد من المسؤولين ويرون أنهم لا يسعون لحل مشكلاتهم الأساسية، في حين يرى بعض آخر منهم أن الأوضاع الحالية في قرى التهجير أفضل كثيرًا مقارنة بالفترات السابقة، وأن الأمر يتطلب الانتظار حتى تُؤتي المشروعات
الحالية ثمارها. وحول الدور الذي تؤديه الخدمات والمرافق المتاحة بكل من قرى التهجير والنوبة القديمة في الحشد تجاه قضية العودة، تشير نتائج الدراسة إلى حيوية هذا الدور. وعلى الرغم من أن النوبة
((7(لمزيد من التفاصيل، ينظر: فاروق مصطفى [وآخرون]، أولوية الحاجات الاجتماعية في المجتمع النوبي: دراسة بمحافظتي
أسوان وقنا (القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 2010)؛ أحمد عبد الموجود الشناوي، "الأوضاع المعيشية في
النوبة الجديدة بين عوامل الاستقرار ودوافع العودة"، المجلة المصرية للعلوم الاجتماعية والسلوكية، العدد 7 (نيسان/ أبريل.)2023
القديمة ليست أفضل ح لً من قرى التهجير، سواء من حيث إتاحة الخدمات أو كفاءتها، فهناك قبول ضمني بين هؤلاء الشباب لتلك الظروف في النوبة القديمة؛ إذ إنهم لن يعانوا كثيرًا في حال
العودة نتيجة لعدم اختلاف الأوضاع عما يعيشونه حاليًّا، إضافة إلى الأمل في تحسّن الأوضاع في
النوبة القديمة في حال عودة أعداد كبيرة من النوبيين إليها، سواء تم ذلك بجهود الدولة أو بجهود الأفراد. وفي هذا السياق، يقول بعض الشباب: "الخدمات والمرافق مالهاش علاقة بالعودة.. كل المناطق فيها مشاكل حتى العاصمة، مادام هنا مشاكل وهناك مشاكل يبقى من حقنا نحاول في مكان تاني". وتوضح النتائج التي توصلنا إليها أن قضية الخدمات قد تُعدّ حافزًا للعودة، لا عامل رفض لها. بمعنى أن سوء الخدمات بقرى التهجير قد يُعدّ دافعًا للفرار منها والعودة إلى النوبة القديمة، أما سوء الخدمات أو نقصها في النوبة القديمة، فلن يكون عاملً لرفض فكرة العودة، بل إنه قد يكون حافزًا للعمل على تحسين تلك الخدمات من أجل إنجاح عملية العودة. نخلص مما سبق إلى أن هناك مجموعة من العوامل التي تضامنت معًا في الحشد تجاه إعادة إثارة قضية العودة في السنوات الأخيرة، وأن الثقافة السياسية بما تشمله من قيم ومعايير وآراء ومعارف تشكل توجهات الأفراد نحو المؤسسات والقضايا السياسية قد أدّت دورًا مهمًّا في الحشد لتلك القضية، فهي لم تكن قديمًا العامل الرئيس في ذلك الحشد، وأن ما جرى من تحركات في الفترات السابقة يمكن اعتباره نوعًا من "رد الفعل" على مشكلات مجتمع التهجير.
3. صور الحراك النوبي عقب ثورة 25 يناير
تشير العديد من الدراسات إلى أن ثورة 25 يناير مثَّلت نقطة تحوّل في مسيرة الحقوق النوبية؛ إذ ازداد
الخطاب الرسمي للدولة حرصًا على احترام مطالب النوبيين وتقديرها، واعتبارها مطالب مشروعة ومستحقة، ومحاولة تلبية تلك المطالب أو دراستها على أقل تقدير. وفي هذا السياق، عُقدت عدة اجتماعات رفيعة المستوى بين وفود وقيادات نوبية ورؤساء جميع الحكومات التي تشكَّلت عقب الثورة للوصول إلى حلول مرضية لمشكلات النوبيين، إلا أن ذلك لم ينعكس على الأرض في شكل خطوات وإجراءات حقيقية أو كافية بالنسبة إلى معظم النوبيين. وقد امتدت تلك المقابلات لتشمل تقريبًا جميع المرشحين لرئاسة الدولة (عام 2012)، الذين أغدقوا الوعود على النوبيين بحل مشكلاتهم
سواء بقرى التهجير، أو توفير الحلول التي تسمح لهم بالعودة إلى أراضيهم القديمة، وأدى ذلك إلى زيادة إحساس أبناء الجماعة النوبية بأهمية تجمعهم خلف القضية، وأهمية أصواتهم الانتخابية في تحريكها، كما نتج من ذلك وعي لدى الشباب النوبي بعدالة قضيتهم. وهناك إجماع على الدور المحوري الذي أدته ثورة 25 يناير في إحياء الحراك النوبي وتعزيزه؛ إذ كان هذا الحراك مقتصرًا فيما سبق على بعض المحامين والقادة الشعبيين وقليل من الشباب، وهو الأمر
(((7 محيي الدين، ص 32؛ Shetawy, p. 2.
الذي اختلف كثيرًا بعدها، حين بدأ هذا الحراك في اجتذاب المزيد من الشباب النوبي بعدما قدمت الثورة للشباب نموذجًا مثاليًّا للتغيير السلمي. وقد أسهمت تلك الظروف في دفع كثير من الشباب النوبي إلى التمسك بحقه في العودة. على نحوٍ عام، يمكننا القول إن الثقافة السياسية للشباب النوبي تمتعت في ذلك الوقت بمجموعة من السمات والخصائص من أهمها: المشاركة الإيجابية، ومشاركة المرأة، والطابع السلمي للتحركات، والقدرة على التنظيم. كما ارتبطت التحركات النوبية في تلك الفترة بالمجال العام المصري، الذي سادته اعتراضات ومسيرات في كل ما يتعلق بالقضايا الفئوية، وتمثلت أهم الأحداث المتصلة بالقضية النوبية فيما يلي: • دستور 2012: طالبت الناشطة النوبية منال الطيبي بضرورة النص على القضية النوبية، وحق النوبيين في العودة صراحة في الدستور، وعندما رُفض طلبها تقدمت بالاستقالة من الجمعية
التأسيسية للدستور؛ وهو ما جرى تلافيه في دستور عام 2014. • دستور 2014: جرى اختيار الأديب النوبي حجاج أُدول ضمن لجنة الخمسين التي أعدت الدستور المصري. ووُضعت مادة في الدستور خاصة بالنوبيين ومن شابههم من جماعات عرقية، تعترف أول مرة صراحة بحقوق أهل النوبة. وإضافة إلى ذلك، حصل النوبيون على بعض الحقوق التي كانوا يطالبون بها منذ مدة طويلة؛ إذ أصبح لهم نائب يمثلهم في مجلس النواب المصري. وبناءً على تلك المادة الدستورية يلخص الشباب النوبي حاليًّا كل مطالبهم في ضرورة تطبيقها؛ إذ يشير أحدهم إلى ذلك بقوله: "إحنا مش بنطالب غير بحقوقنا اللي الدولة قالت عليها في الدستور.. مش إحنا اللي كتبنا الدستور". وعلى الرغم من أن هذه الاستحقاقات الدستورية كان يجب أن تكون نقطة تحوُّل في القضية النوبية، ورغم مرور نحو 9 سنوات على إقرار الدستور المصري، فإن تلك المادة لم تنعكس على أرض الواقع. كما اصطدمت طموحات العديد من النوبيين في العودة ببيع بعض أراضي النوبة القديمة ضمن مشروع "المليون ونصف فدان" بموجب القرار رقم 355، وبموافقة البرلمان على القرار بالقانون رقم 444 لسنة 2014، القاضي باعتبار أراضي 16 قرية نوبية قديمة أراضي حدودية عسكرية، وهو ما يمنع أبناءها من العودة إليها أبدًا. واتخذ بعض أهالي النوبة، على إثر هذا القرار، خطوات تصعيدية جديدة استكم لً للجهود المبذولة من قبْل في استعادة الحقوق النوبية.
(((7 جاويش، ص.9 ((7(القضية النوبية والحقوق الثقافية: معتقلو الدفوف نموذجًا (القاهرة: مركز هردو لدعم التعبير الرقمي، 2017)، ص.14 (((7 جاويش، ص.11 ((7(القضية النوبية والحقوق الثقافية، ص.14
• قافلة العودة: في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 م الاتحاد النوبي، نظَّ ما عُرف ب "قافلة العودة النوبية"، التي كانت عبارة عن انطلاق عدة سيارات من قرى التهجير في مركز نصر النوبة، بهدف الوصول إلى أراضي النوبة القديمة الواقعة خلف السد، في احتجاج واضح على القرار رقم 444، وللمطالبة بحق العودة، وإعلان مطالب أهالي النوبة، والاحتجاج على بيع بعض أراضي النوبة ضمن مشروع "المليون ونصف فدان". • قضية معتقلي الدفوف: في أيلول/ سبتمبر 2017، قام بعض أهالي النوبة بتنظيم احتفالية غنائية باستخدام الدفوف، وهي الآلة الأكثر استخدامًا في فن الغناء النوبي. ووقف المحتفلون يغنون
أغاني نوبية تراثية خاصة بالتهجير، في رفضٍ واضح وسلمي للقرارات التي تمنعهم من العودة إلى الأراضي التي هي حق لهم بالتاريخ، وطالبوا بتفعيل مواد الدستور التي تناولت حقوقهم، وإنشاء الهيئة العليا لإعادة توطين النوبيين. وانتهت الاحتفالية بمهاجمة قوات الأمن لها، والقبض على عدد من المشاركين فيها.
4. الموقف من نتائج التحركات السابقة
تشير استجابات المستجيبين المشاركين في تلك الأحداث إلى أنه يغلب عليهم الشعور بالإحباط الشديد نتيجة ما ترتب على تلك التحركات؛ إذ لم تحقق النتائج المرجوة. وفي الوقت نفسه، تمكّن بعضهم من تحقيق بعض المكاسب الشخصية نتيجة التقرب من المسؤولين. ولذا يرجع الكثيرون خيبة الأمل التي يشعر بها الشباب النوبي حاليًّا إلى "موقف هذه الشريحة من المستفيدين، وغياب الإرادة
السياسية لعودة النوبيين". وفي هذا السياق، يُجمع المستجيبون على عدم حرص الأجهزة الرسمية على تحقيق عودة النوبيين وفقًا لمواد الدستور؛ بل يرون أن الواقع يوحي بعكس ذلك. وفي واقع الأمر، فإن الشباب لا يعون كثيرًا مبررات الدولة تجاه هذا الأمر.
5. أهم مكاسب الحراك النوبي
تتمثل أهم المكاسب التي تحققت نتيجة لتلك التحركات، ولمرحلة ما بعد الثورة عمومًا، في أن النوبيين أدركوا حدود التحرك المتاح لهم، كما يشير إليه أحد الشباب بقوله: "إننا عرفنا إمكانياتنا، وحدودنا.. الأحلام كانت كبيرة أوي". كما استطاع الشباب النوبي فرز قياداته الفعلية التي تصدرت المشهد خلال مراحل الحراك النوبي من خلال مواقف حقيقية يمكن من خلالها الحكم على مدى صدقيتهم. ويعكس
(((7 هو كيانٌ جرى تشكيله عقب التهجير الأخير عام 1964. يوجد مقرّه في مركز نصر النوبة، ويضم ممثلين لجميع القرى النوبية
بالنوبة الجديدة، والهدف من تأسيسه توفير إطار للتعاون بين أبناء المجتمع النوبي في قرى التهجير يساعد على حل المشكلات التي تواجههم من جهة، ومن جهة أخرى ربط أبناء المجتمع النوبي المغتربين بمجتمعهم الأصلي، من خ لاا فروع الاتحاد في المحافظات والدول الأخرى، التي انتشرت مع مرور الوقت بهدف مساعدة هؤلاء المغتربين لذويهم في قرى التهجير على التغلب على صعوبات الحياة، وبخاصة قلة الدخل وقلة فرص العمل. ((7(القضية النوبية والحقوق الثقافية، ص.16 (((8 يتفق ذلك مع نتائج دراسة أخرى أشارت عينتها من الشباب والناشطين السياسيين إلى إحباطهم من نتائج ثورة 25 يناير، وانخفاض نسبة رضاهم عن الأوضاع في مصر، ورغبة بعضهم في الهجرة: حسن، ص.161
الواقع الحالي ما يمكن أن نطلق عليه "التخبط والانصراف" عن القضية لدى الشباب نتيجة عدم الثقة ببعض القيادات السابقة، وعدم الالتفاف خلف قيادات جديدة يمكن أن تشكل كتلة قوية خلف القضية تستطيع بتوحدها تحقيق مكاسب جديدة تفيد في بث الحياة في القضية من جديد. كما يرى العديد من الشباب أن "التعويضات" التي يجري صرفها في الوقت الحالي هي أحد المكاسب الناتجة من التحركات السابقة، ولكن بما يمكن تسميته "أثرًا جانبيًا"؛ إذ يرون أن العودة هي العلاج الناجع للقضية، وأن قبول تلك التعويضات يعدّ اعترافًا رسميًّا من النوبيين بالتخلي عن قضية العودة إلى الأبد، إذ يؤدي القبول بها إلى إضعاف القضية الأساسية، وإضعاف الحشد خلفها.
خامسًا: الثقافة السياسية لدى الشباب النوبي واستمرار الحراك تجاه العودة
1. الصور الحالية للحراك النوبي
أدت التغيرات العديدة التي طرأت على المجال العام في مصر عقب 30 حزيران/ يونيو 2013، وإغلاق ذلك المجال على نحو لا يسمح بالتظاهر والمعارضة العلنية لسياسات الدولة، أو النشر في بعض الموضوعات والقضايا سواء بوسائل الإعلام التقليدية، أو وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى المعاناة التي تعرض لها بعض الشباب ممن شاركوا في الحراك النوبي، إلى توقف الشباب عن المشاركة بفاعلية في إثارة تلك القضية، ولو على نحو مؤقت. ويهمنا أن نوضح أن ذلك الأمر لا يقتصر على قضية العودة فحسب، وإنما هو جزء من المجال العام الحالي في المجتمع المصري. وتماشيًا مع تطورات هذا الوضع، توقف هذا الحراك تمامًا على أرض الواقع، وتحوَّل إلى "حراك افتراضي" اقتصر لدى بعض الناشطين القدامى على الحديث عن تاريخ النوبة وإعادة نشر منشورات قديمة عن النوبة أو التهجير، وتوقف بعضهم تمامًا عن الكلام عن القضية بعد التخوين الذي لاقاه. ومن ناحية أخرى نجحت سياسات الدولة في السنوات الأخيرة (عام 2019) في تفتيت الكتلة الرئيسة في ذلك الحراك من خلال مجموعة من القرارات السياسية، يتمثل أهمها في تقدير التعويضات وصرفها للمتضررين تاريخيًّا، أو ورثتهم، من بناء خزان أسوان، وبناء السد العالي، وعملية التهجير. ونجح ذلك إلى حد بعيد في استبعاد جزء كبير من المغتربين من قضية العودة نتيجة اكتفائهم بتلك التعويضات، والعمل على تحسين الأوضاع المعيشية وتطوير قرى التهجير في إطار مشروع "حياة كريمة"؛ وهو ما يرى بعضهم أنه ينعكس سلبيًا على قضية العودة بأكملها.
(((8 مشروع قومي يهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية، وتوفير الخدمات بالريف المصري بالشكل الذي يؤدي إلى تحسين نوعية الحياة، وتوفير الحياة الكريمة لأبنائه. ووفقًا للبيانات الرسمية المتاحة، جرى رصد 700 مليار جنيه مصري للإنفاق على هذا
المشروع. ولمزيد من التفاصيل، ينظر: "عن حياة كريمة"، حياة كريمة، شوهد في 2023/5/1، في: https://bit.ly/3HsQuB9
2. الحراك النوبي بين الحقوق التاريخية وواجبات المواطنة
تمثل قيم المواطنة أحد المتغيرات التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة، كما تعدّ أحد العوامل التي تؤثر وتتأثر بها. وتعدّ العلاقة بين المواطنة والمشاركة السياسية علاقةً وظيفية؛ إذ تؤدي المشاركة السياسية وظيفةً مهمة بتجسيدها لمضمون المواطنة شكلً ومضمونًا. كما تفسح المواطنة بما تمنحه من حقوق وواجبات المجال أمام الفرد ليمارس مشاركته السياسية. وتعرف العلاقة بين الفرد والدولة من حيث الحقوق والواجبات، ومن حيث المواطنة والانتماء، وكل منهما مبني على الآخر، وتتجاوز المواطنة في الدولة الحديثة مجرد الانتماء، مع أنها تقوم عليه، والسلف التاريخي للمواطنة هو الانتماء إلى جماعة، والتمتع بمزايا العضوية المرتبطة بواجبات ومسؤوليات تجاهها؛ والحديث هنا لا يدور حول حقوق من جهة وواجبات من جهة أخرى، بل حول مجموعة وظائف تشكل هوية الشخص. وعلى هذا النحو، تتحدد أدوار الفرد ومسؤولياته باعتباره مواطنًا، ومن أهمها: • عدم التآمر على الدولة بأي حالٍمن الأحوال. • الالتزام بالمرجعية القانونية للدولة، وأساسها الدستور. • أداء دوره ومسؤولياته في مجال عمله. • الحرية المسؤولة والتعبير عن الرأي بطرق قانونية وشرعية. • المطالبة بالحقوق في إطار شرعي وقانوني. كما يتضح موقف المواطن من الولاء الوطني والولاء المحلي بناءً على مدى الشعور بالمواطنة، ومدى
تفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ومدى تفضيل المصلحة الوطنية على المصلحة المحلية (وهو ما اتضح من موقف الأهالي عند بناء السد العالي وقبولهم بالتهجير)، ومدى الوعي بأنواع وأسباب وأساليب حل المشكلات الخاصة والمحلية والوطنية. وفي إطار ما سبق، يمكننا النظر إلى مشاركة الشباب النوبي في هذا الحراك باعتباره أحد مجالات التعبير عن ثقافتهم السياسية من جهة، ومظهرًا من مظاهر المواطنة لديهم من جهة أخرى. كما أن
الجزء الأكبر من قضية العودة يدور في إطار مفهومي الحقوق والواجبات، وهما القائمان الأساسيان
(((8 سليمان، ص.343 ((8(محمود المحمد، "المشاركة السياسية وأثرها في تنمية قيم المواطنة"، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، مج 35، العدد 5 (2013)، ص.249 (((8 فاطمة الزهراء سالم محمود مصطفى، "رفع الوعي السياسي للمواطن المصري في ضوء مدخل التعلم القائم على المواطنة
المستدامة: رؤية مقترحة"، آفاق جديدة في تعليم الكبار، جامعة عين شمس، العدد 20 (2016)، ص.198–197 ((8(عزمي بشارة، "جدل الجامعة والمواطنة والديمقراطية"، عمران، مج 4، العدد 15 (شتاء 2016)، ص.146 (((8 مصطفى، "رفع الوعي..."، ص.198 (((8 المنوفي، ص.36
في قضية المواطنة؛ ولذلك ينادي بعض النوبيين بمراعاة حقوق المواطنة وعدم التمييز في قضيتهم. كما يوضح الموقف الحالي مدى التغير الذي طرأ على موقف المجتمع النوبي من المصلحة الوطنية العامة، بعدما عانى إهمال الأجهزة المختلفة لأبسط حقوقه الأساسية. وهو ما يمثل خطورة على وحدة المجتمع حيث تبدأ "المشكلة الحقيقية عندما يصبح للتمايز الثقافي وجود سياسي مميز، وتتعقد المشكلة أكثر عندما ترتبط هذه الجماعة بقصد الدفاع عن (حقوقها"). وتتمثل أهم الأسس التي يستند إليها الشباب في مطالباتهم بالعودة في عاملين أساسيين هما: "نصوص الدستور المصري، والوعود التاريخية التي قدمتها الدولة للنوبيين على مدار تاريخهم"؛ إذ يؤكد جميع الشباب والكبار أنّ الدولة كانت تعدهم دائمًا بالعودة إلى أراضيهم أو تعويضهم على نحو مناسب،
وهي الوعود التي يصفها أحدهم بقوله: "تبخرت من حكومة للثانية حتى وصلنا لمادة الدستور اللي في طريقها للتبخر". يضاف إلى ما سبق بعض الأسس الأخرى التي يشير إليها الشباب، وتتمثل في "الحقوق التاريخية للنوبيين، توزيع الدولة لأراضي النوبة القديمة على غير النوبيين، الإحساس بالظلم، الإحساس بالاستهانة"؛ وهي من الأسباب التي تحرّك الكثيرين وتعظِّم المشكلة في نظرهم. وفي هذا
السياق، يشير أحد المستجيبين إلى أن "القضية النوبية قضية هوية وكيان؛ عايز أحس بوجودي وتميزي، وأيضًا قضية حقوق، ولكنها عند ناس ثانين قضية حقوق فقط". ويتضح دور الثقافة السياسية في التحركات النوبية الأخيرة بدايةً من متابعة تلك التحركات، ومبرراتها، وتداعياتها، والتضامن خلفها، أو المشاركة فيها أو عدمها. وتشير النتائج إلى متابعة جميع المستجيبين بقرى التهجير لكل ما يتعلق بقضية العودة، ومشاركة العديد منهم في المسيرات أو الوقفات التي تمّت
من أجل العودة، أو اعتراضًا على بعض القرارات الرسمية؛ ومن ثمّ، فهي متابعة مبنية على موقف واقعي. وسواء أراد هؤلاء الشباب العودة أم لا، فإنهم مشاركون وليسوا متابعين فقط. بل يمكننا القول إنه من السهل استشعار مدى اهتمامهم بذلك. وفي الوقت ذاته هناك بعض الشباب الذين يتخذون موقفًا دفاعيًّا قويااًّ عن الحقوق النوبية من دون وعي بالمقصود بهذه الحقوق، وإنم هو – إن صح
التعبير – "وعي موروث" من معاناة الأجيال السابقة، وسوء استغلالها، وعدم تقديرها كما يجب.
سادسًا: العودة بين الآمال والواقع
بدايةً، تثار كثيرًا مجموعة من التساؤلات حول فكرة العودة، وهل هي فكرة عاطفية أم عملية يمكن
تنفيذها؟ وهل يمكن تحقيقها بالجهود الذاتية أم أنها يجب أن تكون خطة دولة؟ وهل تقتصر على النوبيين فقط، أم يمكن أن تنجح رغم ضمّها لأطياف عديدة من المجتمع المصري متمايزة ثقافيًّا
وعرقيًّا؟ وفي هذا السياق، يقترح البعض "أن تكون هناك قرى نوبية وأخرى غير نوبية على الامتداد
الكبير لمنطقة بحيرة النوبة".
((8(برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.39 (((8 رياض وعبد الرسول، ص.12
1. الموقف الراهن للشباب النوبي في قرى التهجير من قضية العودة
تشير النتائج إلى وجود رغبة جماعية لدى جميع المستجيبين في قرى التهجير في العودة إلى النوبة القديمة. وتمثل وجه الاختلاف الوحيد بينهم في توقيت هذه العودة؛ إذ أشار أغلبهم إلى أنهم مستعدون للعودة: "من اليوم إن سُمح لنا"، في حين أشار الباقون إلى رغبتهم أيضًا في العودة، ولكن بشروط
يتمثل أهمها في ضرورة إنهاء دراستهم أولً، وتوفير فرصة عمل بديلة لهم، وتهيئة المجتمع للحياة بحيث لا يقل عن مستوى الحياة في المدن، على أن تخصص لهم أجزاء مستقلة من المنطقة حتى يكونوا أكثر انسجامًا وقدرة على تكوين مجتمع "تسوده القيم النوبية النابعة من أصل الحضارة النوبية".
وتعكس المقولة السابقة درجةً من الاقتناع أصبحت موجودةً لدى جزء من قطاع الشباب بأنّ العودة لن تكون للنوبيين فقط؛ وهو ما تحرص الدولة على تأكيده من خلال العديد من القرارات المتعلقة بالمنطقة باعتبارها جزءًا من أرض مصر بصورة عامة، وليست خاصة بفئة من المصريين فقط. ومن الجدير بالملاحظة أنه لم يشر أي من المستجيبين أو أي ممن جرت مقابلتهم على مدار فترة التطبيق الميداني بقرى التهجير إلى فكرة "الاعتياد على الحياة في مقر ميلادهم وإقامتهم الحالية بقرى التهجير"، وكأن الأهل قد نجحوا في غرس فكرة في الأبناء بأن هذا ليس هو المقر الأساسي لهم، مع العلم أنه دائمًا كان هناك مطالبون بالعودة باعتبارها قضية "هوية وكيان" يجب الحفاظ عليه لا طمسه، وهؤلاء هم الطرف الأشد قوة وإصرارًا على العودة، ولكننا نراهم الأقل عددًا الآن نظرًا إلى مرور نحو
ستين عامًا على التهجير حاليًّا، ومن ثمّ فقدت قضية العودة منزلتها لدى كثيرين "بحكم الزمن لا بحكم
التخاذل".
2. أهم مقترحات الشباب بشأن تنفيذ عملية العودة
في سبيل التغلب على العديد من المشكلات التي تواجه عملية العودة، يدعو البعض إلى ما أسموه "العودة الطوعية"، ولم تنحصر هذه الدعوة في صورة فكرة في أذهان الشباب النوبي، وإنما جرت بلورتها في صورة مقترحة قابلة للتنفيذ. وتتلخص في العودة الطوعية إلى ضفاف النهر، وأن يتكفل الراغبون بكل سبل العيش لهم ولذويهم، وذلك باتباع ما يلي: • اختيار الأماكن المرتفعة بجوار النيل لبناء المنازل باستخدام خامات من الطبيعة. • يجري بناء أول منزل بمشاركة الجميع في صورة مضيفة للمجموعة وسكن لهم إلى حين بناء كل شخص منزله الخاص، على المساحة التي ترضيه، ويصبح هذا المنزل نواة للقرية كلها. • زراعة الشاطئ بالخضراوات الضرورية بالتوازي مع عملية البناء. • يتم التنقل داخليًّا بين التجمعات الجديدة من خلال "توكتوك" لسهولة حركته وتوفيره للوقود. • الهدف الأساسي هو الوجود والاستقرار، وتتوافر في المنطقة كل الاحتياجات الضرورية لذلك، ولا ينقص تنفيذ هذه الفكرة إلا التكاتف.
ويتضح مما سبق أن هناك تصورًا شبه متكامل لدى بعض الشباب من أجل تنفيذ عملية العودة. وفي إطار خبراتهم السابقة، فهم يحاولون ألا يعتمدوا في تنفيذ فكرتهم الحالية على الدولة، كما أنهم لا يحاولون فرض الأمر عليها؛ ويتضح هذا في اسم المبادرة ذاتها ووصفها ب "الطوعية"، ولكن لا يعني ذلك أن هناك إجماعًا لدى الشباب النوبي على الانضمام إلى تلك المبادرة. ويتضح ذلك في قول أحدهم: "ربنا يهدي شباب النوبة ويتعاونوا على نجاح الفكرة". كما يضع المستجيبون في قرى التهجير مجموعة من المقترحات بهدف تنفيذ عملية العودة، يتمثل أهمها في "أن تكون العودة للمهجرين بالمناطق الصحراوية في المقام الأول"، وذلك في ضوء مجموعة من المعايير، تتمثل في: • أن تكون العودة على أساس قروي، بمعنى أن أبناء كل قرية يقيمون معًا حتى تحافظ كل جماعة
على وحدتها. • العودة إلى الأماكن الأصلية لكل قرية قدر الإمكان، أو إعطاء الأولوية لأبناء القرى المتاحة مواقعها في الوقت الحالي. • توفير أماكن بديلة لمن غرقت المواقع الأصلية لقراهم تحت مياه بحيرة ناصر. • تنمية الدولة لمنطقة البحيرة قبل تنفيذ عملية العودة من أجل ضمان نجاحها، وذلك بتوفير الخدمات والمرافق الأساسية والاجتماعية.
سابعًا: خلاصة
خلصنا من خلال هذه الدراسة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من الثقافة السياسية النوبية يقوم على مبدأ العصبية
والشعور بالولاء والانتماء إلى الجماعة النوبية؛ إذ إن الثقافة النوبية لا يزال لها تأثير كبير في أبنائها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية؛ عبر تزويدهم بالقيم والعادات والتقاليد النوبية الأصيلة. وعلى الرغم من انتشارهم في المجتمع المصري، فإن ثقافتهم الفرعية ما زالت تميل إلى الحفاظ على مقوّماتها،
والتمسك بالأعراف والقيم التقليدية، ويتجلّى ذلك في استخدام البعد الثقافي في الحشد لقضية العودة رغم أنها ليست قضية ثقافية فحسب. وقد أدت ثورة 25 يناير، والقيم السياسية التي نشرتها، ولو بصورة مؤقتة، إلى بزوغ بوادر ثقافة سياسية جديدة لدى الشباب النوبي، وأسهمت قيم تلك الثقافة ومعاييرها في إحياء قضية العودة من خلال توجيهها للموقف السياسي للشباب النوبي تجاه مسألة العودة من جهة، والمؤسسات السياسية من جهة أخرى، وهو ما تبلور في التحركات الفعلية الرامية إلى تحقيق العودة إلى النوبة القديمة، باستخدام آليات جديدة تختلف عن السبل التي اتبعتها الأجيال السابقة. هذا مع العلم أن ارتفاع مشاركة الشباب النوبي في النشاط السياسي عقب ثورة 25 يناير لا يعبر عن ارتفاع مستوى ثقافتهم السياسية وحدها مقارنة بالفترات السابقة، وإنما يمكن اعتباره أيضًا نتيجة لمدخلات أخرى متعلقة بالمجال العام،
وما طرأ عليه من تغير في ثقافة المجتمع العامة، ومن ضمنها ثقافته السياسية، وهو ما نتج منه ذلك الحراك السياسي. ومن خلال ما عرضناه سابقًا، يمكننا القول إن الثقافة السياسية لم تكن هي العامل المفسر الوحيد للحراك النوبي الجديد، بل كانت ضمن عوامل أخرى؛ بعضها يعود إلى المؤثرات المتوارثة من الأجيال السابقة، وبخاصة الأدوار التي أدتها الأسرة في تأكيد قضية الحقوق النوبية المتوارثة، والهوية النوبية وتمايزها، وكذلك أدوار النوادي والجمعيات النوبية في الحفاظ على تماسك الجماعة النوبية ووحدتها داخل مصر وخارجها، ختامًا بالدور الكبير الذي قامت به وما زالت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة المتمثلة في فيسبوك وتويتر، من حشد ونشر كل ما من شأنه إثارة هذا الحراك، أو على الأقل الإبقاء على شعلته متقدة إلى فرصة أخرى أكثر ملاءمة. وينبغي لنا أن نضع في الاعتبار أن جميع تلك العوامل يمكن النظر إليها من جهة أخرى باعتبارها مؤسسات ومصادر للتنشئة السياسية للشباب النوبي. كما خرجت الدراسة الميدانية بمجموعة من النتائج المهمة المتعلقة بالثقافة السياسية لدى الشباب النوبي وعلاقتها بالمسألة النوبية، يتمثل أهمها فيما يلي: • تأثرت الثقافة السياسية للجماعة النوبية إلى حد بعيد بالظروف والأحداث التي وقعت داخل المجتمع المصري بصفة عامة، والمجتمع النوبي بصفة خاصة، وهو الأمر الذي انعكس على نظرتهم الكلية ومواقفهم من النظام السياسي سابقًا وفي الوقت الحالي. وفي هذا السياق نجد أن تغير صور الحراك النوبي عقب ثورة 25 يناير يعود إلى تغير الثقافة السياسية لأفراد الجماعة النوبية، إذ سادتها القيم السياسية الداعمة للتغيير، وبخاصة بين الشباب، بفعل تغير الظروف السياسية في المجتمع المصري، بينما كانت التحركات السابقة تبدأ وتنتهي غالبًا بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية
في قرى التهجير. ما • زالت الأمور لم تحسم حتى الآن بالنسبة إلى الصورة التي يمكن من خلالها تطبيق المادة الدستورية (236)، بما لا يضيِّع حقوق النوبيين، ولا يضر بمصالح الدولة. لا • يملك الشباب النوبي من الأدوات السياسية أو قوى الضغط ما يسمح لهم بإدارة ملف بهذه الحساسية، وبخاصة في ظل الأوضاع الحالية في مصر. • هناك بعض "الانصراف"، وإحساس عام بعدم جدوى التحركات التي تمّت من أجل العودة لدى
بعض الشباب. ويرجع ذلك إلى وجود تباين بين المواقف "النظرية" والأفعال "الواقعية" لبعض النوبيين، وتعدد التوجهات السياسية للمجموعات المشاركة في هذا الحراك، ورؤيتها لأولويات القضية، وعدم الاتفاق على ممثلي الجماعة النوبية. كما أدى الاختلاف بين الأجيال إلى حالة من الصراع والتعارض فيما بينهم حول أشد المسارات فاعلية، وكيفية التعامل مع الحلول التي تطرحها الدولة، ويرجع ذلك إلى اختلاف قيم الثقافة السياسية الموجهة لكل جيل ومعاييرها.
• تؤدي العوامل الطاردة عن قضية العودة دورًا كبيرًا في تحديد العائدين على نحوٍ قد يفوق العوامل
الجاذبة؛ وهو ما يمكننا القول من خلاله إن جزءًا كبيرًا من مسألة العودة هو وسيلة للبحث عن فرصة
حياة أفضل لا يملك هؤلاء الشباب طريقًا إليها سوى "نوبيتهم". • تدل مبررات العودة على أنه لو جرت تهيئة مجتمعات التهجير على النحو الواجب، وبما يقدم مميزات حياتية أفضل، أو اهتمت الأجهزة الرسمية بدمج الشباب في الخطط والمشروعات الاستثمارية حول البحيرة، لربما فقدت قضية العودة مبررات استدعائها لدى الكثير منذ البداية. • أدت الأجهزة الرسمية دورًا مزدوجًا في إثارة القضية النوبية، وذلك من خلال جذب انتباه الشباب
النوبي للفرص التنموية في المجتمع من خلال المشروعات الاستثمارية التي تنفذ أو تطرح فيه، وكذلك من خلال بعض القرارات التي تجاهلت فيها الردود الممكنة للنوبيين اعتمادًا على طبيعتهم المسالمة. • عملت أجهزة الدولة جاهدةً على الحد من فاعلية الحراك النوبي من خلال المواجهة الأمنية أحيانًا، ومن خلال إضعاف الحشد خلف هذا الحراك أحيانًا أخرى، مما أدى إلى إضعافه وفتوره في السنوات القليلة الماضية على نحو جعل القضية النوبية قضية "افتراضية" في الغالب لا تسمع صداها إلا من خلال وسائط العالم الافتراضي. ورغم ما أفادت به الدراسة في فهم المسألة النوبية، وأهمية نتائجها في تحقيق هدفها الرئيس؛ وهو فهم دور الثقافة السياسية لدى الشباب النوبي في إثارة الحراك النوبي واستمراره تجاه العودة إلى النوبة القديمة، وبخاصة لدى عينتها من الشباب المقيمين في قرى التهجير؛ فإن الوصول إلى فهم شامل لتلك القضية بأبعادها المختلفة يستدعي إجراء المزيد من الدراسات التي تشمل عينات مختلفة من الشباب النوبي من المغتربين في المحافظات الأخرى، إذ تختلف مواقفهم من العودة في ظل اختلاف الظروف المحيطة بهم في المجتمعات التي وُلدوا وعاشوا فيها؛ ومن ثم، فهم لا يملكون من المبررات ما يدفعهم إلى تلك
المغامرة، وبخاصة في ظل العقبات التي تعترض مسارات العودة المختلفة حتى الآن.
References
المراجع
العربية
إبراهيم، محمد عباس. الثقافات الفرعية. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية،.1985 أبو زيد، أحمد. "الرموز والرمزية: دراسة في المفهومات". المجلة الاجتماعية القومية. مج 28، العدد 2 إدريس، سيد الحسن محمد خير. كيفية الحفاظ على التراث النوبي. نصر النوبة: عنيبة،.2010 (غير منشور) الأسود، السيد حافظ. الأنثروبولوجيا الرمزية: دراسة نقدية مقارنة للاتجاهات الحديثة في فهم الثقافة وتأويلها. الإسكندرية: منشأة المعارف،.2002 إمري، وولتر. مصر وبلاد النوبة. ترجمة تحفة حندوسة. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2008
الأمم المتحدة. حقوق الإنسان. مكتب المفوض السامي. مكافحة التمييز ضد الشعوب الأصلية. نيويورك/ جنيف: 2007:. في https://bit.ly/3WXAqx6 بشارة، عزمي. "جدل الجامعة والمواطنة والديمقراطية". عمران. مج 4، العدد 15 (شتاء.)2016 بن حوكا، أحمد. "الثقافة السياسية الحضرية في الوطن العربي: العلاقة بين الاتجاه نحو الديمقراطية والاحتجاج السياسي". المستقبل العربي. مج 39، العدد 458.)2017(الثقافة السياسية في مصر بين الاستمرارية والتغيير. أعمال المؤتمر السنوي السابع للبحوث السياسية. ج 1: القاهرة، 7–4 كانون الأول/ ديسمبر 1993. كمال المنوفي وحسنين توفيق (محرران). القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية،.1994 جاويش، مصطفى. النوبة: أزمة هوية أم قضية أقلية. القاهرة: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية،.2016 جرينر، ليزلي. سدّ عال فوق أرض النوبة. القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة،.1966 جمهورية مصر العربية، مجلس النواب. دستور جمهورية مصر العربية (نيسان/ أبريل).2019 الجوهري، محمد محمود. الأنثروبولوجيا: أسس نظرية وتطبيقات عملية. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية،.1988 حسن، نهى طارق عباس. "التغير في الثقافة السياسية المصرية وثورة يناير 2011: دراسة ميدانية للشباب المصري". مجلة الاستقلال. العدد).2017(8 حمادة، مصطفى عمر. دراسات أنثروبولوجية في المجتمع والثقافة. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، درويش، يحيى. "تهجير أهالي النوبة: تجربة إدارية رائدة لتهجير المجتمعات المحلية". مجلة الإدارة. مج 1، العدد 2.)1968(ربيع، صدقي. النوبة بين القديم والجديد. القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر،.1964 زكي، ماهر أحمد. هكذا تكلم النوبيون. موسوعة نوبية. القاهرة: ماهر زكي المحامي،.2001 سليم، أسامة رأفت. "واقع المشاركة السياسية في الريف المصري بعد ثورتي 25 يناير و 30 يونيو: دراسة ميدانية في قرية مصرية". حوليات آداب عين شمس. مج 44، العدد 2 (نيسان/ أبريل – حزيران/ يونيو
سليمان، محمد المتوكل على الله حسن. "الثقافة السياسية وعلاقتها بقيم المواطنة لطلاب الجامعات المصرية: دراسة حالة لطلبة كلية التربية الرياضية للبنين – جامعة حلون". المجلة العلمية للتربية البدنية وعلوم الرياضة. العدد).2016(77 الشاهر، عبد الله. "الثقافة السياسية ودورها في إعادة تكوين الوعي الوطني". مجلة الفكر السياسي. مج 19، العدد 66.)2018(
الشايب، نجوى. ديناميات تغير التراث الشعبي في المجتمع المصري، دراسة لعادات الطعام وآداب المائدة. سلسلة تقارير بحث التراث والتغير الاجتماعي. القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الآداب، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية،.2002 شريف، محيي الدين. النوبة حكايات وذكريات. القاهرة: دار العلوم للطباعة،.1986 شقير، دينا صبيح مسعود. "أثر الثقافة السياسية في تكوين الاتجاهات السياسية لدى طلبة الجامعة الأردنية". رسالة ماجستير. كلية الدراسات العليا. الجامعة الأردنية. عمّان..2015 الشناوي، أحمد عبد الموجود. "الأوضاع المعيشية في النوبة الجديدة بين عوامل الاستقرار ودوافع العودة". المجلة المصرية للعلوم الاجتماعية والسلوكية. العدد 7 (نيسان/ أبريل.)2023 شويقة، فاروق عبد الجواد. "دراسة في إيكولوجية النوبة المصرية كبيئة في طور التكوين". مجلة كلية الآداب. جامعة القاهرة. مج 33، العدد 1.)1976(الصادق، معتز محمد علي. "الثقافة السياسية لأبناء النوبة في مصر: دراسة ميدانية لعينة من النوبيين في محافظتي الأقصر وأسوان". رسالة ماجستير. قسم العلوم السياسية والإدارة العامة. جامعة أسيوط. أسيوط..2020 صبري، رندا عماد محمد [وآخرون]. "تأثير مؤسسات التنشئة السياسية على تشكيل الثقافة السياسية في المجتمع المصري". مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية. جامعة أسيوط. العدد).2019(66 الصرايرة، هيثم عبد المجيد مسلم. "تأثير الثقافة السياسية على السلوك السياسي لدى طلبة الجامعات الأردنية (2014–2013)". أطروحة دكتوراه. جامعة العلوم الإسلامية العالمية. عمّان..2014 العايدي، أحمد محمد عبد الرحمن. "تأثير العولمة على الثقافة السياسية المصرية ودورها في قيام ثورة 25 يناير 2011 ". مجلة البحوث المالية والتجارية. العدد).2017(4 عبد الباري، أسامة إسماعيل حسن. "الثقافة السياسية المتغيرة لدى الشباب المصري: دراسة مقارنة بين جيلين مختلفين". مجلة كلية الآداب. جامعة الزقازيق. العدد).2008(45–44 عبد الحي، أحمد تهامي. "الثقافة السياسية للتحول الديمقراطي". مجلة الديمقراطية. مج 8، العدد 31 عبد الرسول، محمد رياض وكوثر. رحلة في زمان النوبة: دراسة للنوبة القديمة ومؤشرات التنمية المستديمة. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2014 عدوي، محمد أحمد علي. "تداعيات الثورة على الثقافة السياسية في المجتمعات العربية". مجلة الديمقراطية. مج 11، العدد 42.)2011(غليون، برهان. المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 فارس، سيد. "الحركات الاجتماعية الجديدة والعنف: بحث في الأنثروبولوجيا السياسية". حوليات آداب عين شمس. مج 45، العدد 3 (تموز/ يوليو – أيلول/ سبتمبر.)2017
فهيم، حسين. قصة الأنثروبولوجيا، فصول في تاريخ علم الإنسان. سلسلة عالم المعرفة 98. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1986 القاضي، أحمد. "النوبيون: الخصوصية والأصالة المصرية". تقارير معلوماتية. مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار. العدد 32.)2009(القضية النوبية والحقوق الثقافية: معتقلو الدفوف نموذجًا. القاهرة: مركز هردو لدعم التعبير الرقمي، كامل، علياء الحسين محمد. "الثقافة السياسية بين الرفض والتكيف لدى الشباب السوداني: دراسة سوسيو أنثروبولوجية ميدانية". حوليات آداب عين شمس. مج 45 (كانون الثاني/ يناير – آذار/ مارس كبابي، صليحة. "الهوية والثقافة السياسية كمدخل للتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط". جامعة منتوري قسنطينة. مجلة العلوم الإنسانية. العدد).2016(46 ليلة، علي. "تأثير الفيسبوك على الثقافة السياسية والاجتماعية للشباب". مجلة ركائز معرفية. مج 1، العدد 1.)2013(مارشال، جوردن. موسوعة علم الاجتماع. مج 1. ترجمة محمد الجوهري [وآخرون]. المشروع القومي للترجمة 163. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2000 المحمد، محمود. "المشاركة السياسية وأثرها في تنمية قيم المواطنة". مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية. مج 35، العدد 5.)2013(محيي الدين، شريف. "التهجير الداخلي في مصر: حالة النوبة المصرية". الملف المصري. العدد 30 مصطفى، فاروق [وآخرون]. أولوية الحاجات الاجتماعية في المجتمع النوبي: دراسة بمحافظتي أسوان وقنا. القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية،.2010 مصطفى، فاطمة الزهراء سالم محمود. "رفع الوعي السياسي للمواطن المصري في ضوء مدخل التعلم القائم على المواطنة المستدامة: رؤية مقترحة". آفاق جديدة في تعليم الكبار. جامعة عين شمس. العدد 20.)2016(مقدمة ودراسات أنثروبولوجية. ج 3. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية،.1993 المنوفي، كمال. مفهوم الثقافة السياسية: دراسة نظرية تأصيلية. القاهرة: المركز المصري للدراسات المستقبلية والاستراتيجية،.2008 موسوعة وصف مصر، ج 3: دراسات عن المدن والأقاليم المصرية. ترجمة زهير الشايب. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2002 ناش، كيت. علم الاجتماع السياسي المعاصر: العولمة والسياسة والسلطة. ترجمة ذبيب بن محمد الدوسري. الرياض: دار جامعة الملك سعود للنشر،.2017
نبيل، حليلو. "الثقافة السياسية: الأنماط والوظائف". مجلة المفكر. العدد.)2018(17 هاشم، منى جابر عبد الهادي. "مصداقية تناول صحافة المواطن لقضايا الصراع ودورها في تشكيل الثقافة السياسية للشباب". المجلة المصرية لبحوث الإعلام. جامعة القاهرة. العدد).2017(60
الأجنبية
Almond, Gabriel A. & Sideny Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Princeton: Princeton University Press, 1963. Diani, Mario. "The Concept of Social Movement." Sociological Review. vol. 40, no. 1
Elcheikh, Zeina. "Interpretation in Cultural Tourism: Nubian Culture in Southern Egypt." Furnace. no. 1 (2015). at: https://tinyurl.com/2p93stpt Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973. Hopkins, Nicolas S. & Sohier R. Mehanna (eds.). Nubian Encounters: The Story of the Nubian Ethnological Survey 1961–1964. Cairo: The American University in Cairo Press, 2010. Hudson, Scott et al. "Symbolic and Interpretive Anthropologies." Department of Anthropology, College of Arts & Sciences. at: https://tinyurl.com/3eehj79f Ingold, Tim. Companion Encyclopedia of Anthropology. London: Routledge, 1997. Janmyr, Maja. "Human Rights and Nubian Mobilisation in Egypt: Towards Recognition of Indigeneity." Third World Quarterly. vol. 38, no. 3 (2017). ________. "Nubians in Contemporary Egypt: Mobilizing Return to Ancestral Lands." Middle East Critique. vol. 25, no. 2 (2016). La Bianca, Alexander. "The Aswan High Dam: Backbone of Egypt’s Economic Development." Fulton School of Engineering (2014). Mansour, Nesma. "Discourses around Nubians: A Critical Discourse Analysis of Egyptian Social Studies and History Textbooks." Master Thesis. American University in Cairo. Cairo (2017). Serag, Yehya. "Nubian Resettlement Challenges between Past Memories and Present Setting." Sustainable building conference SB13–Cairo (2013). Shetawy, Ahmed & Mohamed El–Shafie. "The Myth of Nubia, Egypt: A Vivid Potential or Desert Mirage." (2013). at: https://bit.ly/3mBEzoq White, Stephen. Political Culture and Soviet Politics. London/ Basingstoke: Macmillan Press, 1979. Zabrana, Lilli. "Abandoned Nubian Villages in Upper Egypt: Material Culture in Social Anthropological Field Studies." Egyptian & Egyptiological Documents, Archives, Libraries (2013). at: https://bit.ly/3gO4p4y