محاضرةٌ فارقة: مناهضةُ مناهضةِ النسبية
Distinguished Lecture: Anti Anti-Relativism
الملخّص
يناقش كليفورد غيرتز في هذه المقالة مناهضة مناهضةِ النسبية، وغرضه ليس الدفاع عن النسبية؛ بل نقد مناهضة النسبية بوصفها خطابًا. ثمّ يلحظ كيفية تصور الأنثروبولوجيا على أنها مصدر كل الشرور بسبب ارتباطها بالنسبية الثقافية. فيتساءل عن أسباب ظهور هذا الخطاب، ويحاجّ بأن الأنثروبولوجيا، تاريخيًا، لم تكن حقلًًا نسبيًا، ولم تكن النظرية الأنثروبولوجية، بوصفها كذلك، هي التي جعلت الحقل يبدو كأنه حجة ضخمة ضد الإطلاقية في الأحكام الإدراكية والجمالية والأخلاقية، بل كانت البيانات الأنثروبولوجية. وفي هذا الصدد، تستكشف المقالة ردتَي فعل رئيستَين تسمان مناهضة النسبية: محاولة العودة إلى مفهوم مستقل عن السياق عن "الطبيعة البشرية"، مع التركيز على مفهوم الانحراف الاجتماعي؛ ومحاولة العودة إلى مفهوم آخر ذي صلة هو "العقل البشري".
Abstract
Abstract: In this article, Clifford Geertz offers a rigorous critique of anti– relativism. He does not seek to defend relativism so much as criticize anti– relativism as a discourse, deriding the association of anthropology with cultural relativism. He questions the reasons for the emergence of this discourse, and argues that, historically, anthropology was not a relative field, nor was it anthropological theory that has made the field seem to be a massive argument against absolutism in thought, morals, and esthetic judgment, but rather anthropological data. In this regard, the article explores two main reactions that characterize anti–relativism: the attempt to reinstate a context–independent conception of "human nature", with an emphasis on social deviance; and in turn to reinstate the "human mind".
- النسبية
- النسبية الثقافية
- الأنثروبولوجيا
- الثقافة
- الطبيعة البشرية
- العقل
- Relativism
- Cultural Relativism
- Anthropology
- Culture
- Human Nature
- Human Mind
Distinguished Lecture: Anti Anti–Relativism
ملخص: يناقش كليفورد غيرتز في هذه المقالة مناهضة مناهضةِ النسبية، وغرضه ليس الدفاع
عن النسبية؛ بل نقد مناهضة النسبية بوصفها خطابًا. ثمّ يلحظ كيفية تصور الأنثروبولوجيا
على أنها مصدر كل الشرور بسبب ارتباطها بالنسبية الثقافية. فيتساءل عن أسباب ظهور
هذا الخطاب، ويحاجّ بأن الأنثروبولوجيا، تاريخيًا، لم تكن حقلً نسبيًا، ولم تكن النظرية
الأنثروبولوجية، بوصفها كذلك، هي التي جعلت الحقل يبدو كأنه حجة ضخمة ضد
الإطلاقية في الأحكام الإدراكية والجمالية والأخلاقية، بل كانت البيانات الأنثروبولوجية.
وفي هذا الصدد، تستكشف المقالة ردتَي فعل رئيستَين تسمان مناهضة النسبية: محاولة
العودة إلى مفهوم مستقل عن السياق عن "الطبيعة البشرية"، مع التركيز على مفهوم الانحراف
الاجتماعي؛ ومحاولة العودة إلى مفهوم آخر ذي صلة هو "العقل البشري" ****.
Abstract: In this article, Clifford Geertz offers a rigorous critique of anti– relativism. He does not seek to defend relativism so much as criticize anti– relativism as a discourse, deriding the association of anthropology with cultural relativism. He questions the reasons for the emergence of this discourse, and argues that, historically, anthropology was not a relative field, nor was it anthropological theory that has made the field seem to be a massive argument against absolutism in thought, morals, and esthetic judgment, but rather anthropological data. In this regard, the article explores two main reactions that characterize anti–relativism: the attempt to reinstate a context–independent conception of "human nature", with an emphasis on social deviance; and in turn to reinstate the "human mind".
Professor of Social Science, Institute for Advanced Study in Princeton, US (1926–2006).
Algerian Translator. Email: omriasoltani@gmail.com
American Anthropologist , New Series, vol. 86, no. 2 (June 1984), pp. 263–278.
أولا
لا ينفق الباحث وقتًا وجهدًا أفضل من طرقه ما يُرهب. وما أود السعي وراءه هاهنا هو
النسبية الثقافية. وليس همّي النسبية لذاتها، إذ هي بين ظهرانينا مثل أسطورة ترانسيلفانيا
Transylvania، بل الرهبة غير المؤسَّسة المرتبطة بها. وهي بلا أساس، لأن العواقب الأخلاقية
والفكرية التي يُفترض عمومًا أنها تنسِل من النسبية – مثل الذاتية، والعدمية، وانعدام الاتساق،
والميكافيلية، والغباء الأخلاقي، والعمى الجمالي وغيرها – لا تنبع منها في واقع الحال، ولأن العوائد التي يُفترض أن تتأتى من الإفلات من قبضتها، والمتعلقة في الغالب بمعرفة أكثر نقاءً، تُعدّ مضللة. لكي أكون أكثر تحديدًا، ليس في نيّتي أن أدافع عن النسبية Relativism، فهذا مصطلح قُتل بحثًا
على أيّ حال، وقضية خيضت بشأنها معارك الأمس، بل هدفي أن أهاجم مناهضة النسبية Anti–
Relativism، التي يبدو لي أنها تشهد صعودًا واسعًا وتتخذ شكل نسخة مبسطة عن خطأ قديم. فأيا
كانت النسبية الثقافية أو أيااًّ كانت أصولها (وليس ثمة واحد في المئة من منتقديها يعرف ذلك)، فإنه
تُستخدم هذه الأيام شبحًا لإبعادنا عن طرائق معيّنة في التفكير لدفعنا في اتجاه آخر. وبما أن طرائق
التفكير التي نُدفع عنها تبدو لي أكثر إقناعًا من تلك التي نُدفع نحوها، وبما أنها تنتمي إلى قلب التراث الأنثروبولوجي، أود أن أطرقها في هذه المقالة. وشأن ذلك شأن طرد الشياطين؛ لا مناص من أن نمارسه، لا أن ندرسه فحسب. يهدف العنوان الكاشف، الذي اخترتُه ليكون مرآة أقدّم من خلالها هذا الجهد، إلى مواجهة وجهة نظر بدلً من الدفاع عن وجهة النظر التي تدّعي أنها تتعارض معها. وقد دارت في ذهني عند اختياره مماثلة – منطقية، وليست تتعلق بالجوهر، ولذلك أثق بأنها سهلة الاستساغة – هي ما سُمي، في
ذروة أيام الحرب الباردة (ولا شك في أنكم تتذكرون ذلك)، "مناهضةَ مناهضةِ الشيوعية". وهي لقب أطلق على من عارضوا منا بشدة ماُ اعتقدنا أنه هوس بالخطر الأحمر، وقد أطلقه علينا من عدّوا هذا الخطر حقيقة مركزية في الحياة السياسية المعاصرة، مع تلميح – غير صحيح في الغالبية العظمى من الحالات – مفاده أننا كنا، بموجب قانون النفي المضاعف Negative Double the of law The، نحمل شيئًا من المودة السرية تجاه الاتحاد السوفياتي.
(((منطقة تاريخية في رومانيا، أو الإمارة الأسطورية التي ارتبط بها اسم دراكولا، الأمير الذي تحوّل إلى مصاص دماء. وبقدر
ما تبدو المدينة واقعية على الأرض، تزداد حكاياها الرمزية والفانتازية رسوخًا في الأسطورة والخيال. فالمنطقة، صعبة التضاريس،
شكّلت طريقًا صعب المنال أمام العثمانيين في سعيهم نحو الغرب. وواقعيًا، كانت المنطقةَ المفتوحة فعلً في اتجاه الغرب المتقدم
والمستنير أمام شرقها المتأخر الغارق في الخرافة. ورمزيًا، دم دراكولا رمز يحمل التلويث إلى الدم النقي. وهنا مصدر الاستعارة في
هذا النص؛ إذ الخوف من النسبية غير مؤسس تمامًا مثل الخوف من منطقة. (المترجمة) (((في كتاب تاريخ عن الأنثروبولوجيا Une histoire de l’anthropologie، يقول روبار دو لييج Deliège Robert في الفصل الذي خصصه لكليفورد غيرتز، إن غيرتز يفضّل البقاء غامضًا حين يتعلق الأمر بالحسم بين رؤيتَين، وإنه يُكثر من استخدام الأقوال المأثورة
للتدليل على أفكاره. يصدّق هذا النص بالفعل على هاتين الملحوظتين. فغيرتز لا يفصل هنا في قضية النسبية، بل يقاربها من زاوية
معاكسة. وفي النص استعارات كثيفة وأقوال مأثورة واستعانة بإحالات من الأدب. وسيلاحظ القارئ أننا آثرنا في ترجمتها أسلوبَين؛
البحث في معناها العميق بما يلائم سياقها وكثافة الرمز فيها، وترجمتها حرفيًا بحسب موضعها في النص ومقصِد المؤلف. الإحالات
الكثيرة عل النص تتبع الغرض نفسه من هذا الهامش، وهو المساعدة في تبسيط النص وتقريبه للقارئ. (المترجمة)
أعيد القول إني أستخدم هذه المماثلة بالمعنى الشكلي؛ فلستُ أعتقد أن النسبيين شأنهم شأن الشيوعيين، ولا أن مناهضي النسبية هم مثل مناهضي الشيوعية، ولا أن أيّ شخص (أو لا يكاد أيّ شخص) يتصرف مثل
جوزيف مكارثي McCarthy Joseph. يمكننا أن نبني مماثلة مشابهة باستخدام الجدل بشأن الإجهاض. فمن يعارضون منا القيود القانونية المتزايدة على الإجهاض ليسوا، فيما أراه، مؤيدين للإجهاض، بمعنى أن نعتقد أن الإجهاض أمر رائع، وأنه كلما زاد معدل الإجهاض زادت رفاهية مجتمع ما؛ بل نحن "مناهضون لمناهضة الإجهاض" لأسباب أخرى لا أحتاج إلى سردها. في هذا الإطار، لا يعمل النفي المضاعف
بالطريقة الاعتيادية، وهاهنا تكمن جاذبيته البلاغية؛ إذ يمكّننا من رفض شيء من دون أن نلزم أنفسنا ما بما نرفضه، وهذا تحديدًا ما أريد أن أفعله مع مناهضة النسبية. لا مناص، إذًا، من مقاربة هذه المسألة برويّة، عبر التفسير والتبرير شيئًا فشيئًا، لأنه كما يخبرنا الفيلسوف
وعالم الأنثروبولوجيا جون لاد؛ "جميع التعريفات الشائعة ل [...] النسبية صاغها معارضوها [...] وهي تعدّ تعريفات مطلقة". (ينصبّ تركيز لاد المباشر على كتاب إدوارد ويسترمارك Edward
Westermarck الشهير؛ لذلك فهو يقصد "النسبية الأخلاقية" على وجه الخصوص، لكن الفكرة هاهنا عامة: في حالة "النسبية المعرفية" يمكننا أن نحيل على هجوم إسرائيل شيفلر على توماس كون Kuhn Thomas، وبشأن "النسبية الجمالية" نحيل على النقد الذي كاله واين بوث Booth Wayne لستانلي فيش Fish Stanley). وكما يقول لاد أيضًا، فإن نتيجة ذلك هي أن النسبية، أو أيّ شيء يبدو مثل
النسبية تحت هذه التعريفات العدائية، يجري تعريفه بالعدمية. فأن تقول إن الأسس "الصلبة" للأحكام
(((سياسي جمهوري أميركي وعضو الكونغرس في خمسينيات القرن العشرين. مصدر شهرته هو ادّعاؤه، في ذروة الحرب الباردة،
بأن المتعاطفين مع الاتحاد السوفياتي يتخللون الحكومة الأميركية نفسها، بل امتدت ممارساته بناءً على هذا الادعاء إلى المثقفين
خارج الدوائر السياسية. لذلك سُويت المكارثية في المخيّلة العامة، بالاضطهاد الفكري والثقافي. (المترجمة) (((فيلسوف وأنثروبولوجي أميركي، اهتم خاصة بالصلة بين الأنثروبولوجيا والأخلاق. (المترجمة)
(5) John Ladd, "The Poverty of Absolutism," in: Edward Westermarck: Essays on His Life and Works , Acta Philosophica Fennica 34 (Helsinki: The Philosophical Society of Finland, 1982), p. 161.
(((فيلسوف وسوسيولوجي فنلندي اشتهر بدراساته عن الزواج وعاداته والتابوهات المتعلقة به، لا سيما سفاح القربى. أشهر كتبه:
The History of Human Marriage الصادر عام 1891، وصدرت الترجمة العربية بعنوان موسوعة تاريخ الزواجعام
2001، عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر في بيروت. وكتب أيضًا أصول الأفكار الأخ قااية وتطورها The Origin and
عام 1906 المترجمة). (Development of the Moral Ideas (7) Israel Scheffler, Science and Subjectivity (Indianapolis: Bobbs–Merrill, 1967).
شيفلر هو أستاذ الفلسفة والتعليم في هارفارد. صدر أشهر كتبه عام 1960 وعنوانه اللغة في التعليم The Language of Education. (المترجمة) (((مفكر وفيلسوف أميركي مختص في فلسفة العلوم وتاريخها، ورائد من رواد فكرة التراكم العلمي، صاحب الكتاب الشهير عن بنية الثورات العلمية. (المترجمة)
(9) Wayne Booth, "A New Strategy for Establishing a Truly Democratic Criticism," Daedalus , no. 112 (1983), pp. 193–
بوث هو أستاذ الأدب والنقد الأدبي في الولايات المتحدة، اشتهر بدراسته عن البلاغة والسرد القصصي. (المترجمة) (1((ناقد ومنظّر أدبي أميركي اهتم خاصة بنظرية التأويل والسبب في اختلاف القراءات أو الاستجابات للنص الواحد، وإذا ما كان القارئ يخلق النص بدلً من اكتشافه. سكّ مصطلح "الجماعة المُؤوِّلة" community Interpretive. (المترجمة)
(11) Ladd, p. 158.
الإدراكية أو الجمالية أو الأخلاقية قد لا تكون متاحة، أو إن تلك المقدمة مشكوك فيها على أيّ حال،
يعني أن تجد نفسك متّهمًا بعدم الإيمان بوجود العالم المادي، وبالتفكير أن المتع واحدة Pushpin
Poetry as Good as، وأنك تعتبر هتلر مجرد شخص ذي ميول غير اعتيادية، أو ربما مثلما وُصفتُ أنا شخصيًا، "حاشاي" [بلا] رأي سياسي على الإطلاق. إن الفكرة التي مفادها أن الشخص الذي
لا يتمسك بآرائك يحمل آراءً تعاكسها، أو ليس لديه رأي ببساطة، ومهما كانت مريحة لمن يخشون من
أن الواقع سيختفي ما لم نؤمن به بشدة، لم تُعِن على تلمّس ضوء الوضوح في نقاش مناهضة النسبية، بل
انتهت إلى عدد كبير جدًا من الأشخاص الذين قضوا وقتًا طويلً جدًا يسهبون في وصف ما لا يؤيدونه مقارنةً بما قد يكون مفيدًا. لكل هذا صلة مباشرة بالأنثروبولوجيا؛ لأن فكرة النسبية، التي لم تُعرَّف على النحو الصحيح، هي التي أربكت السلام الفكري العام بطبيعة الحال. فمنذ البدء، حين كانت النظرية في الأنثروبولوجيا لا تزال تطورية، أو انتشارية، أو تدرس الأصول الأولى Elementargedankenisch، وقبل أن تصير نسبية، كانت الرسالة التي اعتقدنا أننا نحملها إلى العالم الواسع هي أن ثقتنا برؤانا وأفعالنا الخاصة، وعزمنا على حمل الآخرين على تشارُكها، قد قامت على أسس غير صحيحة، ما دام الناس يبصرون الأشياء على نحو مختلف ويفعلونها بطريقة مختلفة، سواء أكان في ألاسكا أم في أونتركاستو Entrecasteaux. وهذه الفكرة أيضًا تُفهم على نحو سيئ. فلم تكن النظرية الأنثروبولوجية، على النحو الذي هي عليه، هي التي جعلت حقلنا يبدو مثل حجّة ضخمة تُساق ضد الإطلاقية في الفكر والأخلاق والأحكام الجمالية؛ بل كانت البيانات الأنثروبولوجية التي جُمعت، مثل الأعراف والجماجم وأرضيات المعيشة والمفردات اللغوية. إنّ الفكرة التي مفادها أن فرانز بواس Boas Franz وروث بندكت Ruth Benedict وملفيل هيرسكوفيتس Herskovits Melville، بمساعدة أوروبية من ويسترماك، هم من أصابوا حقلنا الدراسي بفيروس النسبية، وأن ألفرد كروبر Kroeber Alfred وكلايد كلوكهون
(1((هي عبارة للفيلسوف جيريمي بنثام عن المنفعة أو اللذة المتأتية من المنفعة. وال Pushpin هنا هي لعبة بين الأطفال تقضي بأن يحاول كل واحد منهم غرز الدبوس في جسد الآخر مرحًا. (المترجمة)
(13) Paul Rabinow, "Humanism as Nihilism: The Bracketing of Truth and Seriousness in American Cultural Anthropology," in: Norma Haan et al. (eds.), Social Science as Moral Inquiry (New York: Columbia University Press, 1983), p. 70.
(1((بلدة فرنسية تقع في الجنوب الشرقي لفرنسا. (المترجمة) ((1(من أوائل الأنثروبولوجيين الأميركيين، ويمكن عدّه أبا النسبية الأميركية في الأنثروبولوجيا؛ إذ تتلمذ على يديه عدد من علماء
الأنثروبولوجيا المعروفين مثل ألفريد كروبر، وإدوارد ساپير، وملفيل هيرسكوفيتس، وروث بندكت، ومارغريت ميد. (المترجمة) 1(((مساعدة بواس، وتُعدُّ أول امرأة في تاريخ الإثنولوجيا. علت شهرتها بعد نشر كتابها أنماط الثقافة Patterns of Culture.
(المترجمة) 1(((أنثروبولوجي أميركي اهتم بدراسة ثقافات الأفارقة في الولايات المتحدة، واعتنى بمفهوم التثاقف. أهم كتبه أسس
المترجمة). (Les Bases de l’anthropologie culturelle الأنثروبولوجيا الثقافية
((1(أنثروبولوجي أميركي من الرواد، اعتنى خاصة بالعلاقة بين الثقافة وعلم الآثار، واهتم بانتشار الثقافات بين المراكز الثقافية. وهو تلميذ فرانز بواس. (المترجمة)
Kluckhohn Clyde وروبرت ريدفيلد Redfield Robert، بمساعدة مماثلة من كلود ليفي–ستروس Claude Lévi–Strauss، قد جاهدوا لتخليصنا منه، ليست سوى واحدة من الأساطير التي تفسد هذا النقاش برمّته. بل حتى مونتين تمكّن من استخلاص استنتاجات نسبية، أو ذات مظهر نسبي، حين أخبر، مثلما سمع، أن الكاريبيين لا يرتدون بناطيل قصيرة، ولقد لحظ ذلك من دون حاجة إلى أن يقرأ كتابأنماط الثقافة Patterns of Culture. وقبله بزمن طويل، توصّل هيرودوت إلى وجهات نظر مماثلة، مثلما نعتقد، وهو يفكر في "بعض الهنود من الجنس المسمى كلانتيين Callatians "، الذين قيل إن الرجال بينهم يأكلون أجساد آبائهم الموتى. إن التأثر بالنسبية، أو على نحو أكثر دقة الأنثروبولوجيا المتأثّرة بالنسبية، المبثوثة في أوصال من يتعاملون أكثر من غيرهم مع مادتها وبياناتها، كامنٌ في الحقل في حدّ ذاته ضمنًا، وربما في الأنثروبولوجيا الثقافية على وجه الخصوص، وكذلك في الأركيولوجيا واللغويات الأنثروبولوجية والأنثروبولوجيا الفيزيائية. ولن يسعنا بعد القراءة طويلً عن الأمومية عند قبائل نايار Nayar، أو القرابين عند الأزتك، أو تصريف الفعل verb عند قبائل الهوبي، أو تلافيف الدماغ التي تحيل على الانتقال من البشر الأوائل، إلا أن نشرع في التفكير، مثلما قال مونتين، في أنّ "كل رجل يصف بالبربرية كلَّ ممارسة ليست ممارستَه الخاصة [...] لأنه ما ن معيار آخر للعقل نملكه غير مِ مثال وأفكار مستقاة من وجهات نظر البلد الذي نعيش فيه وعاداته". وليس من المرجَّح أن تختفي
((1(أنثروبولوجي أميركي وعالم اجتماعي اختص بنظرية الثقافة. اهتم بدراسة العلاقة بين السلوك والثقافة من خلال دراساته عن هنود نافاهو في الولايات المتحدة. (المترجمة) (2((أنثروبولوجي أميركي اهتم بدراسة التغير الثقافي بين الفلاحين في المكسيك وفي أميركا الوسطى. (المترجمة) (2((أنثروبولوجي وإثنولوجي فرنسي ذائع الصيت، ورائد دراسات القرابة البنيوية التي تسمّى غالبًا باسمه، وهي بنيوية "عقلية"
وليست "تنظيمية" سعت إلى اكتشاف حقائق العقل البشري مثلما يقول روبار دو لييج في كتابه المعروف عن تاريخ الأنثروبولوجيا الذي ستصدر ترجمتنا له قريبًا. (المترجمة) (2((فيلسوف فرنسي ومن رواد عصر النهضة في فرنسا، كتب في الأخلاق والعلم وفن الحياة. (المترجمة)
(23) Pierre Villey (ed.), Les Essais de Michel de Montaigne (Paris: Universitaires de France, 1978), pp. 202–214.
(2((سكان قبيلة هندية اشتهرت خاصة بأن الأبناء يأكلون أجساد آبائهم المتوفين احترامًا وتقديسًا. (المترجمة)
(25) Herodotus, History of Herodotus (New York: Appleton, 1859–1861), Bk. 3, Ch. 38.
(2((قبيلة هندية تقوم على النسب الأمومي، لذلك لديها عادات لافتة في الزواج والجنس. (المترجمة) (2((قبائل من السكان الأصليين الهنود في الولايات المتحدة، تعيش اليوم في محمية قرب أريزونا، وخضعت للدراسة لجهة عاداتها اللغوية خاصة. (المترجمة)
(28) Villey (ed.), p. 205; Todorov, p. 1. (29) Henry Bagish, "Confessions of a Former Cultural Relativist," in: Elvio Angeloni (ed.), Anthropology (Guilford: Dushkin Publishing, 1983);
وللاطلاع على مناقشة مفصلة بخصوص نسبية مونتين من وجهة نظر مماثلة لتلك التي أتبناها، يُنظر:
Tzvetan Todorov, "Montaigne: Essays in Reading," in: Gerard Defaux (ed.), Yale French Studies , vol. 64 (New Haven: Yale University Press, 1983), pp. 113–144.
هذه الفكرة، مهما كانت المشكلات التي تنطوي عليها، ومهما عرب عنها على نحو أدقّ، إلا أُ إذا اختفت الأنثروبولوجيا نفسها. لقد جاءت ردة فعل النسبيين ومناهضي النسبية في آن واحد، كلٌ بحسب توجهاته، في وجه هذه الحقيقة ذاتها، التي اكتُشف، تدريجيًا، أنها مشتركة كلما مضى مشروعنا قدمًا، وكلما صارت النتائج
التي توصلنا إليها أكثر ظرفية. إن إدراكنا أن الأخبار الواردة من أماكن أخرى عن زواج الأشباح، والتلويث الطقسي للطهارة، وطقوس الجنس الفموي التلقينية، والقرابين الملكية، والجنس مع المراهقين غير العابئين (هل سيكون مفاجئًا أيضًا لو جرأتُ على قول ذلك؟)، هي التي تجعل التفكير يميل بطبيعته
في اتجاه منظار يقول إن هذه لَهي "أشياءٌ وأعرافٌ مختلفة تمامًا"، قد أدى إلى نقاشات تناوبت ما بين
السخط واليأس والابتهاج، سعت جهدها إلى إقناعنا إما بمقاومة هذا الميل باسم العقل، أو تبنّيه على
الأساس ذاته. إن ما يبدو كأنه نقاش بشأن الآثار الأوسع للبحوث الأنثروبولوجية هو في واقع الأمر نقاش بشأن كيفية التعايش معها. يصل النقاش برمّته إلى بؤرة التركيز بمجرد أن ندرك هذه الحقيقة، وأن يُنظر إلى "النسبية" و"مناهضة
النسبية" على أنهما ردتا فعل عامتان على الطريقة التي يؤثّر بها ما سماه كروبر الدافع الطارد للأنثروبولوجيا في إحساسنا بالأشياء؛ حيث الأماكن البعيدة، والأزمنة البعيدة، والأنواع البعيدة، والقواعد النحوية البعيدة. فقد تبيّن أن التنازع المفترض بين دعوة بندكت وهيرسكوفيتس إلى التسامح وبين العاطفة غير
المتسامحة التي دعوا بها إلى ذلك، ليس التناقض البسيط الذي تصورّه كثيرون من المناطقة الهواة،
بل هو تعبير عن مدركات ناجمة عن التفكير في قبائل زوني وداهومي، مفادها أن العالم لأنه مليء بأشياء بلا عدد، فإن التسرع في إصدار الأحكام يعدّ جريمة، لا محض خطأ. وبالمثل، فإن الحقائق العابرة للثقافات التي ذكرها كروبر وكلوكهون تَبيّن أنها ليست مجرد هوس تعسفي وشخصي على
النحو الذي تبدو عليه – تحدّث كروبر في الغالب عن مسائل إبداعية وفوضوية مثل الهذيان والحيض، كلوكهون فتحدّث عن مسائل اجتماعية فوضوية مثل الكذب وقتل أفراد من داخل المجموعة – بل أما
هي تعبير عن انشغال ناجم عن التفكير في الأنثروبوسفي عمومه [أي الإنسان]، مفاده أنه إذا لم يجرِ
تجذير شيء في كل مكان، فلا ما يمكن تجذير أيّ شيءٍ في أيّ مكان. إنّ النظرية هاهنا – إذا كان هذا
هو الاسم الذي ينبغي أن نطلقه على ما تقدّمه هذه النصائح الجادة بشأن الكيفية التي ينبغي أن ننظر بها إلى الأشياء إذا كنا نريد أن نتمتع باللباقة – هي بالأحرى تبادل للتحذيرات أكثر من كونها مناقشة تحليلية. ما يُعرض علينا هاهنا هو أن نختار بين قلق وقلق. فما يريدنا النسبيون أن نقلق منه هو النزعة المحلية Provincialism؛ الخطر من أن مدركاتنا ستكون باهتة،
وعقولنا مقيدة، وتعاطفنا محصور بسبب ما شربناه من مجتمعنا ومنحناه قيمة قصوى. أما أُ ما يريدنا مناهضو النسبية المفوهون أن نقلق منه، وبإفراط شديد كما لو أن أرواحنا تعتمد عليه، فهو نوع من الأنثروبيا الروحية، وموت حراري للعقل، يكون فيه كل شيء مهمًا، ومن ثمّ غير مهم مثل كل شيء آخر: فكل شيء مقبول،
وللناس فيما يعشقون مذاهب، وأنت حر في خياراتك مسؤول عنها، وأعرف ما أحب، ولكن ليس في الجنوب، وحتى تفهم ينبغي أن تتسامح مع كل شيء tout comprendre, c’est tout pardonner.
مثلما اقترحتُ قبل قليل، في رأيي أن النزعة المحلية تجسد الانشغال الحقيقي بما يحدث بالفعل في
العالم. (على الرغم من انطواء الأمر على مبالغة هاهنا أيضًا: إذ قد "يفشل المرء الفشل الذريع وهو
يبذل قصارى جهده"، مثلما يقول جيمس ثوربر في إحدى شذراته "الأخلاقية" اللافتة)؛ ذلك أن مشهد الأعداد الهائلة من قراء الأنثروبولوجيا مستنزَفين وسط إطار ذهني كوزموبوليتاني كهذا لا يملكون فيه
رأيًا بشأن ما هو صحيح وما هو غير صحيح، أو جيد، أو جميل، يبدو لي أمرًا خياليًا. قد يكون ثمة
بعض العدميين الحقيقيين، على طول شارع روديو درايف Drive Rodeo أو حول ساحة تايمز سكوير Square Times، لكنني أشكّ في أن كثيرين منهم صاروا عدميين بسبب الحساسية المفرطة لمزاعم الثقافات الأخرى؛ وعلى الأقل معظم الأشخاص الذين ألتقي بهم وقرأتُ لهم وقرأتُ عنهم،
وأنا شخصيًا معهم، ملتزمون جدًا بشيء محدود. لقد اصطنعت مناهضة النسبية القلق الذي تقتات ما
عليه؛ تمامًا مثل "عيون الطفولة التي تخشى لوحات الشيطان الملونة".
ثانيًا
هل يبدو فعلً أنني أبالغ؟ هل من المؤكد أن مناهضي النسبية، الذين يؤمنون بأن جلجلة الأجراس المصنوعة من القرع لا تسبب الرعد وأن أكل البشر أمر جلل، غيرُ قادرين على أن يكونوا أكثر إثارة؟
لنستمع، إذًا، إلى وليام جاس، الروائي والفيلسوف، والشخصية المهمة، والمراقب الدقيق لطرائق علماء الأنثروبولوجيا: سواء أكنا علماء أنثروبولوجيا أم لا، اعتدنا جميعًا أن نسمي قصار القامة، وسكان الأدغال
والجزر، الذين يعيشون في أماكن بعيدة، "السكان الأصليين". ثم أدركنا الغطرسة غير العلمية في ذلك. حتى أكبر مجلّتنا كان يمكنها أن تنشر صورهم عراةً من دون شعور
بالاستياء، لأن صدورهم المتدلية أو المدببة كانت غير إنسانية بالنسبة إلينا مثل ضرع بقرة. وسرعان ما عدنا إلى رشدنا وجعلناهم يرتدون الألبسة. لقد آل الأمر بنا إلى فقدان الثقة بوجهة نظرنا ويقيننا المحلي، واعتنقنا النسبية، على الرغم من عهرها وشرورها، ومضينا إلى تأييد المساواة اللطيفة بين الثقافات، كل منها تقوم بمهمتها في اندماج وتنظيم المجتمعات والإخبار عنها. لقد كان الشعور الكبير بالتفوق أحد أعباء الرجل الأبيض، واستُبدل هذا
الوزن الزائد، بعد التخلص منه، بإحساس ثقيل بالذنب يساويه في المقدار. ومثلما قد نتوقع من الجرّاح الذي يقول "لقد مات للأسف"، يهتف عالم الأنثروبولوجيا وهو
يبتعد عن الثقافة التي استطلعها من فوره مثلما يتخلص المرء من ملابس العمل، قائلً: "يا لها
(3((أكبر أحياء التسوق على مستوى العالم، ويقع في بيفرلي هيلز في لوس أنجلوس؛ حيث أغلب العلامات التجارية والمصممين والاستثماريين وأصحاب الفنادق والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي الفاخرة عبر العالم، يملكون عقارات هناك. ربما كانت الإحالة هنا إلى شيوع أنماط اللامبالاة المرتبطة بالاستهلاكية الفجّة التي تقترب من العدمية. (المترجمة) (3((أو ميدان التايمز الشهير في مانهاتن بنيويورك، حيث يقع أكبر موقع للترفيه والتسوق والسياحة أيضًا. (المترجمة) (3((أي إن الأطفال يخشون اللوحات ذات المضامين الشريرة، لأنهم لا يدركون أنها مرسومة غير مؤذية، فكيف بالبالغين وهم يدركون ذلك؟! هذه استعارة تحيل على خوف مناهضي النسبية من النسبية الثقافية وتهمة العدمية التي ألصقوها بها. (المترجمة)
(33) William Gass, "Culture, Self, and Style," Syracuse Scholar , no. 2 (1981), pp. 53–54.
من طريقة رديئة للعيش!" فحتى مع رزوح السكان الأصليين تحت براثن الفقر، يكسوهم الغبار والقروح، وحتى لو داست عليهم أقدامٌ أقوى سوّتهم استواء الطريق، وحتى لو ماتوا تحتها
بسرعة؛ يلاحظ المراقب، مع ذلك، مدى هدوئهم، وكيف تتكرر ابتسامهم، أو يندر الشجار بين أطفالهم. يمكننا أن نحسد زوني على طرائقهم السلمية ونافاهو على "قلوبهم السعيدة". من المذهل الكيفية التي شعرنا بها بالهدوء حين توصلنا إلى أن ثمّة وظيفة معيّنة تؤديها
التابوهات الغذائية، أو ختان الإناث. وإذا كنا قد شعرنا بالضيق، من الناحية الأخلاقية، حيال مسائل القرابين البشرية أو صيد الرؤوس، فمن الواضح أن سبب ذلك هو أننا كنا لا نزال رهن وجهة نظر أوروبية حديثة وضيقة، وأننا لم نملك أيّ تعاطف، وأننا لم نفهم، ولم يكن في
مقدورنا فهمُ كل ذلك. لكننا حين صادفنا بعض المراهقين في قبائل الساحل التي تمضي
الصيف عاطلة وقد سُمح لهم بممارسة الجنس من دون تابوهات، تساءلنا عما إذا قد مكّنهم
ذلك من تجنّب الضغوط التي يعانيها شبابنا، وأملنا في دواخلنا ألا يكون ذلك صحيحًا. لقد عمد بعض علماء الأنثروبولوجيا إلى انتزاع وجهة النظر الأخلاقية، العزيزة على توماس إليوت Eliot Thomas وماثيو أرنولد Arnold Matthew ورالف إيمرسون Emerson Ralph، من كل أساس ترسو عليه (حيث العلم والفن كلاهما يطفو في تيار الصيرورة)، وسمّوا أيّ إيمان بالمعرفة الموضوعية "أصولية"، كما لو كانت الحرفية الإنجيلية
الظلامية نفسها. ودافعوا عن قابلية الإنسان للتغيير، وعن الطابع السوسيولوجي لما لا يمكن أن نعدّه معرفة تحت مثل هذه الظروف، بل هو محض دوغما أو "رأي" ليس إلا. إن هذه الرؤية المضخّمة ل "وجهة النظر الأنثروبولوجية" إنما تنبثق من ضبابية الحجج الكاريكاتورية التي لم تُهضم ابتداءً (يقول جاس أيضًا إن ماري دوغلاس متشككة، بينما فاته أن أسلوب بندكت
الساخر فاق أسلوبه الخاص)؛ لذلك فهي رؤية تفتح الباب لأسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة. لكن التّهم
الآتية من داخل المهنة في حدّ ذاتها ليست أقل خطورة، على الرغم من أنها غير معلنة على النحو الذي يليق بالعلم. يلاحظ إيان جارفي Jarvie Ian أن النسبية (أي الموقف القائل إن جميع التقييمات هي تقييمات تتعلق بهذه المعايير أو تلك، وأن المعايير تنبع من الثقافات)". تنسل منها هذه النتائج غير المقبولة؛ وهي أنها حين تحدّ من التقييم النقدي للأعمال البشرية تنتزع منا سلاحنا، وتجرّدنا من إنسانيتنا، وتذرنا بلا قدرة على الشروع في تفاعل تواصلي؛
(3((شاعر وكاتب مسرحي وناقد أدبي ولد في الولايات المتحدة وعاش في إنكلترا، نال جائزة نوبل في الأدب (1948)، واعتُبر أبا
الحداثة في الشعر. (المترجمة) ((3(كاتب وناقد أدبي وتربوي إنكليزي. كتب في الأدب والتاريخ واللاهوت والفن. (المترجمة) (3((كاتب وشاعر وفيلسوف أميركي، ورائد النزعة الترانسندنتالية Transcendentalism في أدب الولايات المتحدة. (المترجمة) (3((فيلسوف إنكليزي تتلمذ على يد كارل بوبر في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية قبل أن ينتقل إلى كندا. تأثر بدوركهايم وبالوظيفية والعقلانية. (المترجمة)
(38) Ian Jarvie, "Rationalism and Relativism," The British Journal of Sociology , no. 34 (1983), pp. 45–46.
ما يعني بلا قدرة على النقد العابر للثقافات، والعابر للثقافات الفرعية. خلاصة القول، لا تترك النسبية أيّ مجال للنقد على الإطلاق [...] فوراء النسبية تلوح العدمية في الأفق. تكمن في الواجهة ما يشبه الفزاعة وجرس إعلان الإصابة بالجذام مقارنة بالخلفية. وما من شك في أن لا أحد منا، نحن الذين نرتدي الملابس وفي كامل قوانا العقلية، قد يندفع نحو تبنّي وجهة نظر قد تجرّدنا
من إنسانيتنا إلى الحد الذي يجعلنا غير قادرين على التواصل مع أياٍّ كان. أم المستويات العليا التي قد
يصل إليها التحذير من هذه اللّعوب التي ستقصقص قواك النقدية، فتجعل من النسبية تفسيرًا صالحًا
لكل الكوارث الحديثة، بحسب مثال أخير أسوقه هنا، هو الفصل الافتتاحي الموسوم ب "عالم نسبي" A Relativistic World" " في كتاب بول جونسون الحاد عن تاريخ العالم منذ عام 1917؛ وعنوانه العصر الحديث ("جحيم النسبية " " Relativism of Inferno The " هو عنوان المراجعة التي نشرها هيو توماس للكتاب في ملحق التايمز الأدبي The Times Literary Supplement، ويبدو لي عنوانًا
أكثر ملاءمة)؛ حيث لينين، وهتلر، وعيدي أمين، وبوكاسا، وسوكارنو، وماو، وجمال عبد الناصر، وداغ همرشولد Hammarskjöld Dag، والبنيوية، وال "نيو ديل"، والهولوكوست، والحربان العالميتان، وعام 1968، والتضخم، وعسكرة الشنتو، ومنظمة الأوبك، واستقلال الهند، كلها تُعدّ نتيجة لشيء
يسمى "بدعة النسبية" Heresy Relativist The. وثمة "ثلاثي عظيم من العلماء الألمان واسعي الخيال" وهم نيتشه، وماركس، وفرويد (بمساعدة من جيمس فريزر Frazer George James، ومساهمتنا نحن الأنثروبولوجيين) دمروا القرن التاسع عشر أخلاقيااًّ مثلم دمّره ألبرت أينشتاين معرفيًا
بنفيه الحركة المطلقة Motion Absolute، ومثلما دمّره جيمس جويس Joyce James جماليًا بنفيه
السرد المطلق. Narrative Absolute.
(39) Paul Johnson, Modern Times: The World from the Twenties to the Eighties (New York: Harper & Row, 1983).
جونسون هو كاتب وصحافي ومؤرخ إنكليزي، كتب عن تاريخ الشعب الأميركي وتاريخ اليهود. عُرِف بعدائه للشيوعية ونزعته
المحافظة. تُرجم كتابه المثقفون Intellectuels إلى اللغة العربية عام 1998 عن دار شرفات، وعام 2018 عن دار رؤية. (المترجمة)
(40) Hugh Thomas, "The Inferno of Relativism," Times Literary Supplement , 8/7/1983, p. 718.
توماس هو سياسي ومؤرخ إنكليزي وعضو مجلس اللوردات. وهو مؤيد لمارغريت تاتشر في الثمانينيات، عُرف بنزعته المحافظة.
(المترجمة) (4((الأمين العام الثاني للأمم المتحدة. توفي بعد أن سقطت الطائرة الخاصة التي كانت تحلّق به مع زملائه فوق وسط أفريقيا. ولا يزال موته/ مقتله لغزًا إلى اليوم. (المترجمة) (4((حزمة الإصلاحات الاقتصادية، والسياسية ضمنًا، التي نفّذها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، استجابةً لتداعيات الكساد
الكبير الذي أعقب الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929؛ مثل قوانين الحد الأدنى من الأجور، وفرض ضريبة على الأثرياء، وتخفيف القيود على السياسة الاقتصادية. وقد أدت إلى الهجوم والاستياء بعد أن عانى منها الأقل حظًا. (المترجمة) 4(((بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ألغى الحلفاء تقاليد الشنتو بوصفها دينًا للدولة في اليابان، وأُلغيت في دستور ما بعد الحرب
ومُنعت عن معابدها الأموال والمساعدات وحوّلت إلى منظمات دينية. لقد عدّوها السبب في نمو الروح القومية الشرسة والقتالية
عند اليابانيين، وحملوها النتائج الكارثية للحرب! (المترجمة) 4(((من أوائل علماء الأنثروبولوجيا الموسوعيين. وُلد في إسكتلندا وتخرّج في كامبريدج. صاحب كتاب الغصن الذهبي The
Golden Bough. (المترجمة) ((4(كاتب وشاعر وروائي إيرلندي ملأ الدنيا وشغل الناس، حتى عُدّ أحد أشهر أدباء النصف الأول من القرن العشرين. كاتب الرمز
ومدشنه حتى صار موضوعًا في العلوم الاجتماعية لشساعة ما أثاره أسلوبه في الكتابة من نقاشات. وهو صاحب رواية يوليسيسأو
عوليس Ulysses التي تُرجمت إلى لغات العالم ومنها اللغة العربية. (المترجمة)
وصف ماركس عالمًا تعدُّ الديناميةُ المركزية فيه هي المصلحة الاقتصادية. وبالنسبة إلى
فرويد، كان الدافع الأولي جنسيًا [...] أما نيتشه، ثالث الثلاثة، فكان ملحدًا أيضًا [...]
[وقد] رأى في [موت الإله] [...] حدثًا تاريخيًا سيكون له تداعيات مهمة [...] لقد أفضى
تراجع الدافع الديني وانهياره بين الأعراق المتقدمة إلى فراغ هائل في نهاية المطاف. وتاريخ العصر الحديث هو في جزء كبير منه، تاريخُ الكيفية التي [مُلئ] بها هذا الفراغ.
ولقد أدرك نيتشه عن حق أن أكثر البدائل احتم لً هو ما سماه "إرادة القوة" [...] لقد حلت مكان المعتقد الديني أيديولوجيا علمانية، ومن شغلوا مناصب رجال الدين الشموليين صاروا سياسيين شموليين [...] وحملت نهاية النظام القديم، التي استصحبت مشارف عالم بلا مرشد انحرف في اتجاه عالم نسبي، دعوةً إلى عصابات رجال الدولة للبروز. ولسرعان ما برزوا من فورهم. ربما لم يتبقَّ شيء نضيفه بعد كل هذا، باستثناء ما قاله جورج ستوكينج، موجِزًا ما قاله آخرون: "النسبية الثقافية، التي دعمت الهجوم على التحيز إلى العرق، [يمكن] اعتبارها نوعًا من التحيز العرقي الجديد الذي برّر الوضع التقني الاقتصادي المتخلف للشعوب التي كانت مستعمرة ذات
يوم". أو ما قاله ليونيل تايغر، موجزًا رأيه الخاص: "إن الحجة النسوية التي مفادها ["عدم الضرورة الاجتماعية للقوانين التي وضعها النظام البطريركي"]، تعكس النسبيةَ الثقافية التي لطالما وسمت علومًا
اجتماعية رفضت أن يتحدد السلوك البشري بالعمليات البيولوجية". التسامح الطائش والتعصب الطائش، والتفلّت من الأيديولوجيا والهوس بالأيديولوجيا، ونفاق المساواة وتسطيح المساواة، كلها تنبع من العجز نفسه. النسبية الثقافية تولّد كل شيء سيئ، مثلها مثل الرفاهية ووسائل الإعلام والبرجوازية والدوائر الحاكمة. لم يكن من السهل على علماء الأنثروبولوجيا، الذين يمارسون مهنتهم ويتأملونها على نحوٍ ما، أن يظلوا بمعزلٍ عن التأثر بطنين القلق الفلسفي المتصاعد في كل مكان حولهم، على الرغم من انكفائهم على نزعتهم المحلية الخاصة. (لم أذكر النقاشات الحادة التي نجمت عن إحياء النظرية السياسية والأخلاقية، وظهور النقد الأدبي التفكيكي، وانتشار المزاج المناهض للأسسية Nonfoundationalist في الميتافيزيقيا والإبستيمولوجيا، ورفض الرؤية الخطية Whiggery والنزعة
(46) Johnson, p. 48.
(4((كاتب ومؤرخ أميركي، اشتهر بتأريخه للأنثروبولوجيا الثقافية في الولايات المتحدة والأنثروبولوجيا الاجتماعية في إنكلترا. تركزت أبحاثه حول المركزية العرقية التي أثّرت في عمل الأنثروبولوجيين الفيكتوريين خاصة. (المترجمة) ((4(نفضّل عبارة التحيز إلى العرق ترجمة لمفردة Racism بدلً من عنصرية. (المترجمة)
(49) George Stocking, "Afterword: A View from the Center," Ethnos , no. 47 (1982), p. 176.
((5(أنثروبولوجي أميركي مهتم بتجسير الهوة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية لا سيما البيولوجيا، ويشغل منصب مستشار في وزارة الدفاع الأميركية في مجال مستقبلات البيوتكنولوجي. (المترجمة)
(51) Lionel Tiger & Joseph Sepher, Women in the Kibbutz (New York: Harcourt Brace Jovanovich/ Harvest, 1975), p. 16.
الميثودية Method–ism في تاريخ العلم). ذلك الخوف من ألّ يترك لنا إلحاحنا على الاختلاف والتنوع والغرابة والانقطاع وعدم القابلية للمقارنة والتفرد، وما إلى ذلك – أو ما أسماه وليم إمبسون سيركًا أنثروبولوجيًا صاخبًا عملاقًا [ترك] كل مقصوراته مشرّعة " – شيئًا لنقوله سوى أن الأمور مختلفة في أماكن أخرى، وأن الثقافة بوصفها ثقافة نمت وامتدت وأضحت أكثر كثافة. ولقد أضحت كثيفة جدًا، في واقع الأمر، إلى الحدّ الذي دفعنا ذلك إلى بعض الاتجاهات المعتادة في محاولة، غير مدروسة مثلما أعتقد، لكبحها. يمكننا أن نعثر على أساسٍ لهذا الافتراض الأخير في عدد بأس به من المواضع في الفكر لا والبحوث الأنثروبولوجية المعاصرة – من مذهب المادية الهاريسية على طريقة "كل ما ينشأ ينبغي أن يتقارب" Converge must Rises that Everything، وصولً إلى التطورية الكامنة في فكرة "الفجوة الكبرى" البوبرية (حيث نحن "نملك علومًا [...] ومعرفة القراءة والكتابة، ونظريات تتنافس، ومفهومًا ديكارتيًا للمعرفة [...] وهم لا يملكون)". لكنني أريد في الوقت الحالي التركيز على مسألتَين مهمتَين أو لنقل شائعتَين على أيّ حال: محاولة العودة إلى مفهوم مستقل عن السياق
((5(شاعر وناقد أدبي إنكليزي. نشر أشهر كتبه في النقد الأدبي عام 1930، وعنوانه سبعة أنماط من الغموض Seven types of ambiguity، وقد تُرجم إلى اللغة العربية عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر عام 2000. (المترجمة)
(53) William Empson, Collected Poems (New York: Harcourt, Brace and World, 1955).
وجرى الاستشهاد بالنص ذاته لغرض معاكس في:
Clyde Kluckhohn, "Education, Values and Anthropological Relativity," in: Clyde Kluckhohn (ed.), Culture and Behavior (New York: Free Press, 1962), pp. 292–293.
((5(نسبة إلى مارفن هاريس Harris Marvin. (المترجمة) ((5(أي إن كل شيء لا بد من أن يرتد إلى نقطة واحدة؛ أو نقطة أوميغا Point Omega مثلما يسمّيها الفيلسوف الفرنسي بيير تيلار
دو شاردان Chardin de Teilhard Pierre، حيث ينتهي إليها كل تطور واتجاه ووعي. (المترجمة) ((5(للمزيد حول الموضوعات المذكورة في هذا الاقتباس، يمكن الاطلاع بشأن المادية على:
Marvin Harris, The Rise of Anthropological Theory (New York: Crowell, 1968);
وعن العلم و"الفجوة الكبرى"، يُنظر:
Ernest Gellner, Spectacles and Predicaments (Cambridge: Cambridge University Press, 1979);
وعن معرفة القراءة والكتابة، يُنظر:
Jack Goody, The Domestication of the Savage Mind (Cambridge: Cambridge University Press, 1977);
وعن النظريات المتنافسة، يُنظر:
Robin Horton, "Tradition and Modernity Revisited," in: Martin Hollis & Steven Lukes (eds.), Rationality and Relativism (Cambridge: MIT Press, 1982), pp. 201–260;
وعن المفهوم الديكارتي للمعرفة، يُنظر:
Steven Lukes, "Relativism in Its Place," in: Hollis & Steven Lukes (eds.), pp. 261–305; Bernard Williams, Descartes: The Project of Pure Enquiry (Harmondsworth: Penguin, 1978);
وعن كارل بوبر الذي تنسِل منه كل هذه البركات، يُنظر:
Karl Popper, Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge (London: Routledge and Kegan Paul, 1963); Karl Popper, Objective Knowledge: An Evolutionary Approach (Oxford: Clarendon Press, 1972).
ل "الطبيعة البشرية" حصنًا ضد النسبية، وبالمثل، محاولة العودة إلى مفهوم مشابه للمفهوم القديم الآخر، ألا وهو "العقل البشري". وهنا أيضًا أكرر أنه لا بد من أن تكون واضحًا حتى لا تُتّهم، تحت طائلة افتراضٍ مفاده أنه "إذا كنت
لا تؤمن بآرائي فأنت تؤمن بآراء تعارضني" مثلما أشرتُ آنفًا، بالمحاجّة من أجل مواقف سخيفة
لا يحملها أيّ شخص جاد، وربما حُملت هنا أو هناك بحماس مؤقت سرعان ما تبخّر – مثل التأريخية
الراديكالية التي ترى أن الثقافة في كل مكان، أو الإمبريقية البدائية التي ترى أن الدماغ لوح أسود. فليست المسألة إذا ما كان البشر كائنات بيولوجية ذات خصائص جوهرية؛ فالرجال لا يستطيعون الطيران، والحمام لا يستطيع الكلام. ولا يتعلق الأمر بما إذا كان بينهم قواسم مشتركة في الأداء العقلي أينما صادفناهم؛ فسكان بابوا يحسدون، والسكان الأصليون في أستراليا يحلمون. إنما المسألة هي ما الذي سنفعله بهذه الوقائع التي لا خلاف عليها حين نبدأ في شرح الطقوس، أو تحليل النظم البيئية، أو تفسير تسلسل الحفريات، أو مقارنة اللغات.
ثالثًا
يتخذ هذان الاتجاهان نحو استعادة التصورات الخالية من الثقافة عما نعتبره الهومو Homo الأساسي والجوهري من دون إضافات عاقلة Sapiens، عددًا من الأشكال الشديدة التباين من دون اتفاق كبير خارج مضمونها العام، أحدهما طبيعوي، والثاني عقلاني. على الجانب الطبيعوي، نجد السوسيوبيولوجيا والتوجهات التكيفية المفرطة الأخرى. لكن لدينا أيضًا منظورات تنبثق من التحليل النفسي، والإيكولوجيا، وعلم الأعصاب، وعلم السلوك القائم على التعلم بالعرض والانطباع الذهني، وبعض أنواع النظرية التنموية، وبعض أنواع الماركسية. أما على الجانب العقلاني، فلدينا بطبيعة الحال التعقلية الجديدة Intellectualism New المرتبطة بالبنيوية والتوجهات المنطقية المفرطة الأخرى. لكننا نذكر أيضًا منظورات تنبثق من علم اللغة التوليدي، وعلم النفس التجريبي، وأبحاث الذكاء الاصطناعي، ومايكروسوسيولوجيا الخدع والخدع المضادة، وبعض أنواع النظرية التنموية، وبعض أنواع الماركسية. إن محاولات إبعاد شبح النسبية، سواء عن طريق الانزلاق إلى أسفل السلسلة الكبرى للوجود Being of Chain Great The، أو الانتقال فيها صعودًا – ما بين سلوك حيواني كامن، أو عقل لجميع الثقافات – لا تتضمن مشروعًا واحدًا، ضخمًا ومنسقًا، بل حشدًا فضفاضًا من المشروعات
التي لا امتزاج فيها، وكل منها يضغط من أجل قضيته الخاصة وفي اتجاهه الخاص، مثل خطيئة واحدة يقابلها خلاص متعدد. ولهذا السبب أيضًا، فإن هجومًا، مثل هجومي، على الجهود التي تروم استخلاص مفاهيم مستقلة عن
السياق ل "الطبيعة البشرية" أو "العقل البشري"، انطلاقًا من أسئلة بيولوجية أو نفسية أو لغوية، أو أبحاث ثقافية في هذا الصدد (مثل مؤسسة ملفات ميدان العلاقات البشرية Files Area Relations Human
((5(مؤسسة أبحاث في الأنثروبولوجيا الثقافية تابعة لجامعة ييل في الولايات المتحدة، تأسست عام 1949. (المترجمة)
وغيرها)، لا ينبغي أن يُفهم خطأ على أنه هجوم على تلك الأبحاث بما هي برامج بحثية. فحتى لو كانت
السوسيوبيولوجيا، كما أعتقد، برنامجَ بحثٍ متهالكًا محكومًا بالاضمحلال بسبب اضطراباته الداخلية
الخاصة، وإذا كانت علوم الأعصاب برنامجًا تقدميًا على وشك تحقيق إنجازات استثنائية (إذا ما استخدمنا
نعوت إيمريه لاكاتوش اللافتة)، فإن دعوة علماء الأنثروبولوجيا إلى إيلاء اهتمامهم للاستنتاجات العلمية، في مزيج متنوع ربما، من حقول البنيوية، والنحو التوليدي، وعلم سلوك الحيوان، والذكاء الاصطناعي، والتحليل النفسي، والإيكولوجيا، والمايكروسوسيولوجيا، والماركسية، وعلم النفس التنموي بين هذا وذاك، تقع خارج ما نتحدث عنه هاهنا؛ إذ لا يتعلق الأمر على أيّ حال، بصلاحية العلوم، سواء
أكانت حقيقية أم مفترضة. فما يهمّني، ويجب أن يشغلنا جميعًا، هو المحاور التي تترسخ على الأرض
بنشاط بمساعدة هذه العلوم، يحدوها إصرار متزايد يقترب من الإنجيلية. لولوج كل هذا من الجانب الطبيعوي، يمكننا التوقف عند كتاب ماري ميدجلي، وحش وإنسان: ونتخذ منه بيانًا Beast and Man: The Roots of Human Nature)1978(جذور الطبيعة البشرية
متوازنًا ومعتدلً عن هذا الموقف؛ حيث أفضى إلى نقاش عام حظي بقبول واسع – ويصعب فهم لم لأنه كان أقرب إلى تصريحات في معظمه. على إيقاع عبارة "ذات مرة كنت أعمى، لكني اليوم أبصر"، الواردة في كتاب رحلة الحاج Pilgrim Progress؛ التي تجسد مث لً عن النغمة المميزة لمثل هذه الخطابات خلال السنوات الأخيرة، تقول ميدجلي: دخلتُ هذه الغابة بنفسي أول مرة قبل زمن، بعد أن انزلقتُ نحوها عبر جدار الحديقة القاحلة الصغيرة، المزروعة في ذلك الوقت تحت اسم الفلسفة الأخلاقية البريطانية. فعلتُ ذلك في محاولة للتفكير في الطبيعة البشرية ومشكلة الشر. لقد اعتقدتُ أن الشرور في العالم حقيقية، وأنّ كونها كذلك ليس خي لً مفروضًا علينا من ثقافتنا الخاصة، ولا خي لً أنشأناه بإرادتنا وفُرض على العالم. ومثل هذه الافتراضات ضلال. فنحن لا نختار ما نكره. تجعل الثقافة التفاصيل مختلفة من دون شكّ، لكننا نستطيع أن ننتقد ثقافتنا بعد ذلك. فما المعيار [لاحظ المفرد] الذي نستخدمه لنقدها؟ ما البنية الأساسية للطبيعة البشرية التي صُممت الثقافة لاستكمالها والتعبير عنها؟ في هذه المجموعة المتشابكة
من الأسئلة، وجدتُ بعض التوضيحات التي عمل عليها علماء النفس منذ فرويد ويونغ، تخص مبادئ بدا أنها توفر الأمل، ولكنها لم تكن واضحة تمامًا بالنسبة إليّ. واختطّ
علماء الأنثروبولوجيا مجالات أخرى، وبدا أن لديهم بعض الاهتمام بمشكلتي، لكنهم كانوا يميلون [...] إلى القول إن ما يشترك فيه البشر لم يكن مهمًا جدًا في النهاية، وإن
مفتاح كل الألغاز [يكمن] في الثقافة. وقد بدا لي هذا سطحيًا [...] ثم وقعتُ [أخيرًا]
(58) Imre Lakatos, The Methodology of Scientific Research (Cambridge: Cambridge University Press, 1976).
(5((فيلسوفة بريطانية عملت محاضرة في جامعة نيو كاسل لسنوات. اهتمت بدراسة الع قااة بين الفلسفة والأخ قاا والعلوم
التجريبية. وكتبت عن نظرية الارتقاء Religion as Evolution، وترجم الكتاب إلى اللغة العربية بعنوان رهبان التطور، عام.2020 (المترجمة)
على تبصّر آخر، وهذه المرة كان توسيعًا لحدود علم الحيوان التقليدي، على يد باحثين
درسوا طبيعة الأنواع الأخرى [كونراد لورنز Lorenz Konrad، ونيكولاس تينبرغن
Tinbergen Nikolaas، وآرونوس إيبس–إيبسفلدت Irenäus Eibl–Eibesfeldt،
وديزموند موريس Morris Desmond]. أبحاثهم الكثيرة عن معرفة ماهية هذه الطبيعة كانت حديثة، لكنها تتبع تقاليد دارون، وأرسطو أيضًا؛ لقد ارتبطت بمشكلات انصبّ عليها
اهتمام أرسطو في الماضي، ثم باتت ملحّة اليوم. إنّ الافتراضات التي تتخلل إعلان الضمير هذا ربما كانت افتراضات ترتد على صاحبها؛ وهي أن التخيلات التي فرضتها علينا الأحكام الثقافية (هل أن الفقراء لا قيمة لهم، وأن السود دون البشر، وأن النساء غير عقلانيات؟) ليست جوهرية على نحو كافٍ لتشكّل الأساس الحقيقي للشر، وأن هذه الثقافة هي الجليد والبيولوجيا والكعك، وأنه ليس لدينا خيار فيما ينبغي أن نكره (الهيبيون؟ أم رؤساء العمل؟ أم المثقفون؟ أم النسبيون؟)، وأن الاختلاف ضحل، والتشابه عميق، وأن لورنز واضح وفرويد غامض. فكل ما حدث هو أن حديقةً جرى استبدالها بأخرى، وظلت الغابة على بعد عدة جدران. الأهم من ذلك هو: ما نوع هذه الحديقة التي "يلتقي فيها دارون وأرسطو"؟ وأيّ نوع من المكروهات
تصير غير اختيارية؟ وأيّ نوع من الوقائع تعدّ ضد الطبيعة؟ حسنًا، هي علاقات الإعجاب الجنسي المتبادل، والسادية، ونكران الجميل، والرتابة، ونبذ المقعدين، وأمور أخرى غيرها، على الأقل عندما تمارَس بإفراط: يمكّن استيعاب
هذه الفكرة ["أن ما هو طبيعيليس محض حالة أو نشاط [...] بل مستوىمعيّن من هذا
الشرط أو النشاط يشكّل نسبة من بقية حياة الفرد"] من علاج الصعوبات التي شملت مفاهيم، مثل مفهوم طبيعي، وجعلت كثيرين يعتقدون أنها غير صالحة للاستخدام. فهي
إلى جانب معناها القوي، الذي يوصي بشيءٍ ما، تملك معنى ضعيفًا؛ إذ تعدّ السادية في المعنى الضعيف أمرًا طبيعيًا. ما يعني أنها تحدث فحسب، وينبغي أن نعترف بذلك
[...] لكننا بالمعنى القوي والمكتمل قد نقول إن السلوك السادي سلوك غير طبيعي؛ بمعنى أن السياسة القائمة على مثل هذا الدافع الطبيعي، والتي تمتد عبر حياة الفرد لتصير
(6((عالم بيولوجي نمساوي ذائع الصيت بفضل كتاباته عن أنظمة السلوك والعدوانية عند الإنسان والحيوان. يعدّ مؤسس علم
سلوك الحيوان في العصر الحديث (الإيتولوجيا)، ومن الباحثين المؤثرين في مجال الصلة بين العالم الطبيعي والعالم الاجتماعي. (المترجمة) (6((عالم هولندي في علم سلوك الحيوان والنمط الاجتماعي بين الحيوانات؛ وهو الميدان الذي حصل فيه على جائزة نوبل عام 1973. (المترجمة) (6((عالم حيوان نمساوي، وأحد مؤسسي علم سلوك الحيوان رفقة كونراد لورنز الذي تتلمذ على يديه. (المترجمة) 6(((عالم حيوان إنكليزي وباحث في السوسيوبيولوجيا. من مؤلفاته التي تُرجمت إلى اللغة العربية: القرد العاري: دراسة في
التطور العضوي والاجتماعي والجنسي للإنسان Animal Naked Ape: A Zoologist’s Study of the Human The. (المترجمة)
(64) Marry Midgeley, Beast and Man: The Roots of Human Nature (Ithaca: Cornell University Press, 1978), pp. xiv–xv,
التشديد وارد في الأصل.
نشاطًا منظمًا، مثلما قال [الأسقف] بتلر، "تتعارض مع التكوين الكامل للطبيعة البشرية."
إن موافقة البالغين على أن يعضّ بعضهم بعضًا في السرير تُعدّ أمرًا طبيعيًا، أما أن يتنمّر
المدرسون على الأطفال من أجل إشباعهم الجنسي فليس كذلك؛ إذ إن ثمة شيئًا غير
صحيح في هذا النشاط يتجاوز الضرر الفعلي الذي يسببه. يمكننا العثور على أمثلة لهذا الأمر الخاطئ – غير الطبيعي – لا تشمل الغير بوصفهم ضحايا، مثل النرجسية المتطرفة، والانتحار، والهوس، وسفاح القربى، وعلاقات الإعجاب المتبادل الخاصة. ونقول "إنها حياة غير طبيعية"، بمعنى أن مركزها تغيّر محله. الأمثلة الأخرى التي تشمل الغير بوصفهم
ضحايا هي العدوانية الموجهة، ونبذ المقعدين، ونكران الجميل، والانتقام، وقتل الأب. كل هذه الأشياء تعدّ طبيعية من حيث إن ثمّة دوافع معروفة تدفع نحوها، وهي جزء من
الطبيعة البشرية. لكنّ العدوان المعاد توجيهه وغيره يمكن وصفه بأنه غير طبيعيحين نفكر في الطبيعة بالمعنى الكامل؛ لا بوصفها تجميعًا للأجزاء، بل كلً منظّمًا. وهذه أجزاء من
شأنها أن تدمر شكل هذا الكل إذا سُمح لها بالاستحواذ عليه. فضلً عن أنها تضفي الشرعية على إحدى أكثر المغالطات شيوعًا في النقاش الفكري في الوقت الحاضر، بتأكيدها شكلً قويًا من الحجّة ثم دفاعها عن شكلها الضعيف (السادية طبيعية طالما أنك
لا تعضّ بشدة)، فإن هذه اللعبة الصغيرة من التلاعب بالمفهوم (قد يكون الطبيعي غير طبيعي عندما نفكر في الطبيعة "بالمعنى الكامل")، تكشف عن الأطروحة الأساسية في كل هذه الحجج عن الطبيعة البشرية: وهي أن الفضيلة (الإدراكية والجمالية والأخلاقية على حد السواء) هي بالنسبة إلى الرذيلة مثل اللياقة للفوضى، والحالة العادية للشذوذ، والرفاهية للمرض. ومهمة الإنسان، كما هي الحال بالنسبة إلى رئتيه أو غدته الدرقية، هي الاشتغال على النحو الصحيح. وتحاشي المقعدين قد يكون خطرًا على صحتك. أو كما يقول ستيفن سالكيفر، عالم السياسة وأحد تلامذة ميدجلي: ربما يكون أفضل نموذج أو نظير متطور لعلم اجتماعي وظيفي مناسب هو ذلك الذي يوفّره الطب. بالنسبة إلى الطبيب، تصير السمات الجسدية للكائن الفردي قابلة للفهم في ضوء التصور الأساسي للمشكلات التي تواجه هذا النظام المادي الموجّه ذاتيًا، وفي ضوء
الإحساس العام بالحالة الصحية للكائن الحي، أو تلك التي تعمل على نحو جيد ولها صلة بتلك المشكلات. ففهم المريض يعني فهمه/ فهمها على أنه/ أنها أكثر صحة أو أقل مقارنةً ببعض المعايير الثابتة والموضوعية للرفاهية الجسدية، وهو النوع القياسي الذي يسميه الإغريق Arete. وتُترجم هذه الكلمة الآن عادةً إلى "التيمة"، لكنها في الفلسفة السياسية
(65) Midgeley, pp. 79–80.
التشديد وارد في الأصل. ويرِد مثال "الرتابة" في الهامش أسفل النص كما يلي: "الرتابة في حد ذاتها تعدّ حدًّا غير اعتيادي."
(66) Stephen Salkever, "Beyond Interpretation: Human Agency and the Slovenly Wilderness," in: Haan et al. (eds.), p. 210.
عند أفلاطون وأرسطو، تشير ببساطة إلى السمة المميزة أو الامتياز النهائي للموضوع في أيّ تحليل وظيفي. وهنا أيضًا يمكن أن ننظر في أيّ مكان داخل الأنثروبولوجيا هذه الأيام، وسنعثر على أمثلة وافرة عن
عودة الحياة لطريقة التفكير القائمة على أن "كل شيء يرتدّ إلى..." (جينات، وكينونة الأنواع، وهندسة دماغية، وتكوين نفسي وجنسي... إلخ). هُز تقريبًا أيّ شجرة وسيسقط منها من دون شك أناني إيثاري
Altruist Selfish، أو بنيوي يدرس علم الجينوم. لكنني أعتقد أنه ربما من الأفضل، أو بصورة أقل مراوغة على الأقل، لو استعنّا بمثال لا يكون هدفًا مكشوفًا أو سهل المنال، أو نصًا يدحض نفسه. لذا اسمحوا لي أن أتفحص بإيجاز شديد، آراء ملفورد سبيرو، ولا سيما أحدث آرائه، وهو أحد أكثر الإثنوغرافيين خبرة، وأحد المنظّرين المهمين لدينا، إضافة إلى كونه أحد أشرس من ناظر في هذا السجال. قد تكون ثمّة أمثلة أكثر وضوحًا وباحثون أقل
ضبابية وحذرًا في آرائهم ومن ثمّ أفضل من غيرهم لإثارة الرهبة في النفس، لكننا مع سبيرو، على الأقل،
نتعامل مع شخصية هامشية – على شاكلة ديسمن مورِس لا Morris Desmonf أو روبرت أردري Ardrey Robert – ممن قد تتعرض للرفض بسهولة بحجة أنها هاوية أو مروّجة أفكار، بل مع شخصية
رئيسة تقع في مركز الحقل أو بالقرب منه جدًا. أحدث جولات التوغل المهمة التي أنجزها سبيرو في "عمق" أنثروبولوجيا الهومو – إعادة اكتشافه للرومانسية العائلية الفرويدية في كتابه الخاص عن الكيبوتس في البداية، ثم في كتاب مالينوفسكي عن جزر تروبرياند – معروفة وقد تكون، مثلما قد أجرُؤ على القول، مقنعة لقرائها، أو غير مقنعة،
شأنها شأن أيّ نظرية في التحليل النفسي من النوع الكلاسيكي. لكن ما يشغلني هنا أيضًا مختلف؛
وهو مناهضة النسبية على طريقة "هذا هو الإنسان" Everyman Comes Here التي يبنيها انطلاقًا من ذلك. ولمزيد من الفهم، يلخّص مقاله الجديد تقدُّمَه من التباساته السابقة وصولً إلى تبصراته
الحالية. "الثقافة والطبيعة البشرية" " Nature Human and Culture "، هو عنوان المقال الذي يلتقط حالة مزاجية عامة وانحراف المواقف الذي يعرف انتشارًا أوسع مقارنةً بمنظوره النظري المأزوم الذي فقد أهميته. ينتمي مقال سبيرو، مثلما ذكرت، إلى مزاجٍ تمثّله عباراتٌ على شاكلة "حين كنتُ طفلً كنتُ أتحدث مثل طفل، لكنني اليوم وقد كبرت، تخليت عن الأشياء الطفولية"، وهو مزاج بارز جدًا في الأدبيات المناهضة للنسبية على نحو عام. (ربما كان عليه أن يعنون مقاله على خطى أنثروبولوجي – ويبدو أن النسبية تشكّل عنده خطرًا واضحًا وحاضرًا ونهائيًا – حيث آخر من جنوب كاليفورنيا
(6((أنثروبولوجي أميركي. يهودي هاجر رفقة عائلته إلى الولايات المتحدة. مهتم بقضايا الدين وعلم النفس. كتب عن الجندر والثقافة في مستوطنات الكيبوتس في إسرائيل. (المترجمة)
(68) Melford Spiro, "Culture and Human Nature," in: George Spindler (ed.), The Making of Psychological Anthropology (Berkeley: University of California Press, 1978), pp. 330–360.
اختار لنصه عنوان "اعترافات أحد رواد النسبية الثقافية السابقين" " Former a of Confessions
." Cultural Relativist
يبدأ سبيرو دفاعه بالاعتراف بأنه حين ولج حقل الأنثروبولوجيا أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، وانطلاقًا من خلفية ماركسية والعديد من الدورات في الفلسفة البريطانية، تكيّف على نحو مسبق مع وجهة
نظر إيكولوجية جذرية للإنسان تفترض أن العقل صفحة بيضاء، ووجهة نظر اجتماعية حتمية للسلوك، ووجهة نظر في الثقافة تقوم على النسبية الثقافية، ثم يروي لنا حكاية بحثه الميداني بوصفه تجربة تعليمية وموعظة لعصرنا، وسردية لا تحكي عن الكيفية التي تخلّى بها عن هذه الأفكار فحسب، بل كيف استبدلها بأفكار معاكسة. ففي إفالوك Ifaluk، اكتشف أن الأشخاص الذين أظهروا قدرًا ضئيلً جدًا من العدوانية
الاجتماعية يمكنهم أن يُبتَلوا بمشاعر عدائية. وفي إسرائيل، اكتشف أن الأطفال "الذين نشؤوا في [النظام]
الجماعي والتعاوني" في الكيبوتس، والذين جرت تنشئتهم اجتماعيًا ليكونوا معتدلين ومحبّين وغير
قادرين على المنافسة، استاؤوا من محاولات حملهم على تقاسم السلع، وعندما اضطروا إلى القيام بذلك شبّوا مقاومين وعدائيين. وفي بورما، اكتشف أن الإيمان بمؤقتية الكينونة الواعية؛ أي النيرفانا البوذية وفك
الارتباط مع الواقع، لم يؤدِّ إلى تضاؤل الاهتمام بالأمور المادية المباشرة التي تعجّ بها الحياة اليومية. باختصار، أقنعتني [دراساتي الميدانية] أن الكثير من الاستعدادات والدوافع ثابتة من الناحية الثقافية [و] الكثير من التوجهات الإدراكية [كذلك]. تنبع هذه التصرفات والتوجهات الثابتة من الثوابت البيولوجية والثقافية لعموم البشر، وهي تشمل تلك الطبيعة البشرية العالمية التي، جنبًا إلى جنب مع الآراء الأنثروبولوجية التي تلقّيتها، كنتُ قد رفضتها في السابق
باعتبارها تحيزًا عرقيًا آخر. بصرف النظر عما إذا كان الأمر يتعلق بمشاهد عن شعوب، من ميكرونيسيا إلى الشرق الأوسط، يدعون إلى الأخلاق، ويملؤهم السخط، ويسعون خلسة لتحقيق مصالح تتعلق بالمتعة، ينقصنا التأكد من الشك الضمني بأن بعض التحيز العرقي يكمن في رؤية سبيرو للطبيعة البشرية العالمية. لكنّ ضوء الوضوح لن ينقصنا لمعرفة ما يفصح عنه سبيرو بصراحة؛ وهو الأفكار البغيضة الناتجة من النسبية البغيضة، بحيث اللجوءُ إلى الوظيفية الطبية صُمِّم لشفائنا من: مفهوم النسبية الثقافية [...] الذي جرت الاستعانة به لخوض معركة ضد المفاهيم العرقية بوجه عام، ومفهوم العقلية البدائية على وجه الخصوص [لكن] النسبية الثقافية استُخدمت
(69) Bagish.
عن خطاب ملتبس آخر عن "مشكلة النسبية" من الجهة الأخرى من العالم (عرضتُ هنا ما اعتقدتُ أنه وجهة نظر معقولة تسدّ الفراغ
الذي تركته النسبية الأخلاقية، والتي بدا أنها تتراجع بحلول الثمانينيات بدلً من أن تتأكد، ص 12)، يُنظر:
Elvin Hatch, Culture and Morality: The Relativity of Values in Anthropology (New York: Columbia University Press,
(7((جزر في المحيط الأطلسي، يقطنها سكان أصليون وتشكل معًا ما يسمى فدرالية ميكرونيزيا. (المترجمة)
(71) Spiro, pp. 349–350.
أيضًا، على الأقل من بعض علماء الأنثروبولوجيا، لإدامة نوع من العرقية العكسية؛ أي إنها استُخدمت أداةً قويةً للنقد الثقافي، مع ما يترتب على ذلك من انتقاص للثقافة الغربية والعقلية التي أنتجتها. لقد انتهى تبنّي فلسفة البدائية [...] إلى استخدام صورة الإنسان البدائي [...] وسيلةً لمتابعة المساعي الشخصية الطوباوية، و/ أو نقطة ارتكاز للتعبير عن الاستياء الشخصي من الرجل والمجتمع الغربي ين. واتخذت الاستراتيجيات المعتمدة عدة أشكال، وهذه أمثلة
عنها: 1. محاولات إلغاء الملكية الخاصة، أو انعدام المساواة، أو العدوانية في المجتمعات الغربية تملك فرصة واقعية ومعقولة للتحقق، لأن مثل هذه الأوضاع يمكن العثور عليها في العديد من المجتمعات البدائية. 2. مقارنةً ببعض البدائيين على الأقل، فإن الرجل الغربي منافس فريد، ومحبّ للحرب، وغير متسامح مع الانحراف، ومتحيز على أساس الجنس،
وما إلى ذلك. 3. جنون العظمة ليس بالضرورة مرضًا، لأن التفكير المصاب بجنون العظمة يتم إضفاء الطابع المؤسسي عليه في مجتمعات بدائية معينة؛ والشذوذ الجنسي ليس انحرافًا، لأن الشاذين جنسيًا يعدّون نجومًا ثقافية في بعض المجتمعات البدائية؛ والزواج الأحادي
لا يمكن أن يستمر، لأن تعدد الزوجات هو الشكل الأكثر شيوعًا للزواج في المجتمعات البدائية. بقطع النظر عن إضافة بعض العناصر الأخرى إلى القائمة اللانهائية من المكروهات غير الاختيارية، فإن إقحام فكرة "الانحراف"، التي يجري تصورها على أنها خروج عن قاعدة متأصلة شأنها شأن عدم انتظام ضربات القلب، لا بوصفها تمثّل شاردة إحصائية على نحو زواج الإخوة المتعددين من نفس المرأة Polyandry Fraternal، هو ما يشكّل الخطوة الحاسمة حقًا وسط كل هذا الضجيج والنفخ في مصطلحات "العرقية العكسية" و"المهمات الطوباوية" و"فلسفة البدائية"، لأنه من خلال هذه الفكرة عن صديق الشارع The Lawgiver’s Friend، يحدث الانتقال الذي تحدثت عنه ميدجلي من الطبيعي الطبيعي (العدوان، وانعدام المساواة) إلى الطبيعي غير الطبيعي (جنون العظمة، والشذوذ الجنسي). وبمجرد أن يدسّ هذا البعير أنفه في خيمة السيرك، فالمقصورات كلها تواجه مشكلات. وكم من المشكلات يمكن رؤيتها أوضح مما حوته المقالة التي كتبها روبرت إدجرتون Robert Edgerton، وجاءت مكمّلة لمقالة سبيرو في المجلد نفسه، وعنوانها "دراسة الانحراف: إنسان هامشي
أم إنسان عادي؟" The Study of Deviance: Marginal Man or Everyman?" ". عقد إدجرتون
(72) Ibid., p. 336.
((7(Lawgiver The عند الإغريق هو المشرّع في مجلس الشيوخ، وعند روسو وفلسفة الأنوار هو من يضطلع بسنّ القوانين المدنية
التي تجسد الانتقال من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني، وموسى عليه السلام هو صاحب الشريعة في العهد القديم واليهودية. (المترجمة) (7((يقصد بالسيرك حقل الأنثروبولوجيا. (المترجمة) ((7(أستاذ الأنثروبولوجيا الفخري في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس UCLA. كتب عشرات الكتب وحاجّ ضد فكرة المجتمعات
البدائية المسالمة والمتناغمة، مركّزًا على صراعاتها. له كتاب مجتمعات معتلة: محاجّة ضد التناغم في المجتمع البدائي)1992(
. (المترجمة) Sick Societies: Challenging the Myth of Primitive Harmony
مراجعة مفيدة وانتقائية إلى حدٍ ما، لدراسة الانحراف في الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا والسوسيولوجيا، كما أقحم أيضًا عمله الخاص واللافت عن المتخلّفين عقليًا في أميركا والمخنثين جنسيًا في أفريقيا،
بحيث توصّل بدوره، وبصورة مفاجئة على أيّ حال – مثل فكرة أضاءت في رأسه من تلقاء نفسها – إلى
استنتاج مفاده أن المطلوب لجعل مثل هذا البحث مثمرًا حقًا، هو تصوّرٌ عن الطبيعة البشرية يكون
مستقلً عن السياق – حيث إن "إمكانات السلوك المشفّر وراثيًا التي نتشاركها جميعًا" هي "أساس
ميلنا [العالمي] إلى الانحراف". ويدفع إدجرتون هاهنا ب "غريزة" الإنسان في الحفاظ على نفسه، وآلية الكرّ والفرّ لديه، وعدم تحمّله الملل، ثم يسوق حجّة عن تأليه الأبطال الخارقين والإباحية البدائية،
اعتقدتُ ببراءة أنه استقاها من الأنثروبولوجيا، ليقترح علينا أنه إذا سارت الأمور على ما يرام في الجانب
العلمي، فقد يصير في مقدورنا، متى آن الأوان، ألّ نحكم على أفرادٍ فحسب، بل على مجتمعاتٍ بأكملها بأنها منحرفة، أو قاصرة، أو فاشلة، أو غير طبيعية: أهم من ذلك هو عجزنا عن اختبار أيّ افتراض بشأن الصحة النسبية للمجتمع. لقد تأخرت
تقاليدنا النسبية في الأنثروبولوجيا عن القبول بإمكانية أن يكون ثمّة مجتمع منحرف؛ أي
إنه يتعارض مع الطبيعة البشرية [...] لكن فكرة المجتمع المنحرف تعدّ مركزية في تقليد الاغتراب في السوسيولوجيا والحقول العلمية الأخرى، وهي بذلك تشكّل تحدّيًا للنظرية
الأنثروبولوجية. وبما أننا لا نعرف سوى القليل عن الطبيعة البشرية [...] فلا يمكننا أن نقول: كيف أن مجتمعًا قد فشل، فضلً عن سؤال: كيف فشل [...] لكن إلقاء نظرة سريعة على القصص المنشورة في أيّ صحيفة عن ارتفاع معدلات جرائم القتل والانتحار
والاغتصاب وغيرها من جرائم العنف، ينبغي أن تكون كافية لشد الانتباه إلى أن السؤال لا يتعلق بالنظرية فحسب، بل بمسائل البقاء وسط العالم الحديث. رُفعت الأقلام وجفّت الصحف بهذا القول. لقد أدى الخوف من النسبية، الذي يتجدد عند كل منعطف
مثل هوسٍ يذهل الألباب، إلى موقفٍ صار فيه التنوع الثقافي، عبر المكان والزمان، سلسلةً من التعبيرات، بعضها صحي وبعضها الآخر غير صحي، عن واقع مستقر وضمني هو الطبيعة الجوهرية للإنسان، والأنثروبولوجيا، محاولة لرؤية جوهر ذلك الواقع من خلال ضباب تلك التعبيرات. هذا المفهوم الفضفاض للطبيعة البشرية، والتخطيطي، والمتطلّب من حيث المحتوى، والمتوافق مع كل الأشكال بدءًا من ويلسون، ولورينز، مرورًا بفرويد، وماركس، وصولً إلى بنثام، وأرسطو (بل يُفترض
أن أحد العباقرة الذي سأغفل هويته قد لحظ أن "إحدى السمات المركزية للطبيعة البشرية هي انفصال القضاء")، تحوّل إلى أساس يُبنى عليه فهم السلوك البشري، والقتل، والانتحار، والاغتصاب [...]
فيتوقف الانتقاص من الثقافة الغربية نهائيًا. ربما بعض الآلهة التي تشبه الآلات أفضل مما لو كانت
واعية.
(7((اليوهيمرية Euhemerism مذهب يقول إن الآلهة في الأساطير كانت بشرًا جعلهم الناس أبط لً وآلهة بعد أن ضخّموا سيرتهم
بعد مماتهم. (المترجمة)
(77) Robert Edgerton, "The Study of Deviance, Marginal Man or Everyman," in: Spindler (ed.), p. 470.
رابعًا
سأكون أكثر إيجازًا إلى حد بشأن الاستحضار الآخر؛ "العقل البشري" الذي دُفع به ضد النسبية مثل ما صليب يحمي من دراكولا. في رأيي أن ثمّة تماثلً كبيرًا في النمط العام، إن لم يكن في التفاصيل الجوهرية؛
إذ نعثر على الجهد نفسه للترويج للُغة مُثلى عن تفسير "الواقع" ("لغة الطبيعة"، مثلما أسماها ريتشارد
رورتي، مهاجمًا الفكرة على أنها خيال علمي)، والخلاف الجامح نفسه بشأن أيّ لغة يتعلق ب: هل
هي اللغة عند كلود شانون Shannon Claude، أم فرديناند دو سوسير Saussure de Ferdinand، أم جان بياجيه Piaget Jean؟ ثمة الميل ذاته نحو النظر في التنوع على أنه سطح، والعالمية على أنها عمق. والرغبة نفسها في تمثيل تفسيرات المرء ليس على أنها بناءات تُحمل على موضوعاتها – مجتمعات
وثقافات ولغات – في محاولة لفهمها نوعًا ما وإلى حدٍ ما، بل باعتبارها جواهر Quiddities لمثل هذه الموضوعات تُفرض على تفكيرنا. ثمة اختلافات أيضًا بطبيعة الحال؛ إذ حفَّز على عودة الطبيعة البشرية بوصفها فكرة تنظيمية التقدمُ في علم الوراثة ونظرية الارتقاء، وفي حالة العقل البشري جرى الأمر على يد علماء اللغة وعلوم الكمبيوتر وعلم النفس الإدراكي. ترى الأولى النسبيةَ الأخلاقيةَ مصدرًا لجميع عللنا، ويلقي الثاني باللائمة على النسبية المفهومية. ويقابل الانحيازَ إلى مجازات خطاب العلاج واستعاراته (الصحة والمرض، طبيعي وغير طبيعي، وظيفة واختلال) من جهة، ميلٌ إلى الخطابات الإبستيمولوجية (المعرفة والرأي، الواقع والوهم، الصواب والخطأ) من جهة أخرى. لكنّ هذه الاختلافات لا تكاد تبرز في مواجهة الدافع المشترك نحو التحليل النهائي، أننا وصلنا الآن إلى العلم والتفسير. إن ربط نظرياتك بشيء يسمّى بنية
العقل هو وسيلة فعالة لعزلها عن التاريخ والثقافة وربطها بشيء يسمّى تكوين الإنسان. وفيما يتعلق بالأنثروبولوجيا بوصفها كذلك، ثمّة اختلاف آخر يولد من باقي الاختلافات على نحوٍ ما،
وعلى الرغم من أنه يبدو نسبيًا (يجب أن تعذروا التعبير) أكثر منه راديكاليًا، فإنه يعمل على دفع نوعَي
النقاش في اتجاهات متباينة إلى حدٍ ما، بل متناقضة. فتكتيك الطبيعة البشرية يعيد إلى مركز اهتمامنا أحدَ مفاهيمنا الكلاسيكية – هو "الانحراف الاجتماعي" – في حين ينتهي تكتيك العقل البشري إلى استعادة
(78) Richard Rorty, "Method and Morality," in: Haan et al. (eds.), pp. 155–176;
يُنظر أيضًا:
Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature (Princeton: Princeton University Press, 1979).
رورتي هو أستاذ الفلسفة والإبستمولوجيا في جامعة ستانفورد، اهتم بدراسات النفعية والبراغماتية وفلسفة العقل. يحاجّ رورتي بأن
المعرفة شأن داخلي ولغوي؛ أي إن المعرفة متعلقة باللغة والفاعل، حيث إن الموضوعات في العالم الخارجي ليست شرطًا مسبقًا،
ومن ثم فالوقائع متعلقة باللغة والمفردات فهي إذًا مؤقتة. (المترجمة) ((7(عالم رياضيات أميركي يُعزى إليه تطوير نماذج اللغة الحسابية التي صارت أساس أنظمة المعلومات والإنترنت اليوم.
(المترجمة) ((8(لغوي سويسري ورائد من الرواد في القرن العشرين، ترتبط باسمه النظرية البنيوية في اللسانيات اليوم. (المترجمة) ((8(عالم نفس وفيلسوف سويسري. أسهم من خلال نظريته في التطور الإدراكي لا سيما عند الأطفال، ومن ذلك كيفية اكتساب اللغة. (المترجمة)
مفهوم آخر – هو الفكر "البدائي (المتوحش، الابتدائي، الأمي)". إنّ المخاوف المناهضة للنسبية التي تتجمع حول ألغاز السلوك في أحد الخطابين، تتجمع في الخطاب الثاني حول ألغاز الإيمان. لقد تجمّعت، على وجه التحديد، حول معتقدات "لاعقلانية" (أو "غامضة"، أو "قبل منطقية"، أو "عاطفية"
أو "غير إدراكية"، بمفردات الحاضر). ففي حين كانت ممارسات مزعجة مثل صيد الرؤوس، والعبودية، [...]، وتقييد القدم، هي التي دفعت علماء الأنثروبولوجيا إلى الالتفاف حول راية الطبيعة البشرية، يحدوهم الانطباعُ أنها الطريقة المناسبة لتسويغ المسافة الأخلاقية المتخذة إزاءها، فإن تصورات مستبعدة مثل جوهر السحر، ووصايا الحيوانات، والملوك الآلهة، والتنين ذي القلب الذهبي والقرن في قاعدة رقبته (وأنا هنا أستبق مث لً سأفصل فيه بعد قليل)، هي التي جعلتهم يتجمّعون حول راية العقل البشري،
يحدوهم الانطباعُ أنها الطريقة المناسبة للدفاع عن التشكّك الإمبريقي الذي تبنّوه بشأنها. وليست الطريقة التي يتصرف بها المختلف ثقافيًا مصدر القلق الأكبر، بل الكيفية التي يفكر بها، وهذا أسوأ. وهنا أيضًا ثمّة عدد كبير نسبيًا من المنظورات العقلانية أو العقلانية الجديدة في الأنثروبولوجيا
بدرجاتٍ متفاوتة من الوضوح، والحجّية، والاتساق، والشعبية، ليس متوافقًا تمامًا أحدها مع الآخر؛
إذ يستدعي بعضها ثوابت شكلية تسمى عادةً الكليات الإدراكية، ويستدعي بعضها ثوابت تنموية عادة ما تسمّى المراحل الإدراكية، وبعضها يستدعي ثوابت إجرائية عادة ما تسمى العمليات الإدراكية.
بعضها بنيوي، وبعضها يتبع تقليد كارل يونغ، وبعضها على خطى بياجيه، وبعضها يتابع آخر الأخبار الواردة من معهد ماساتشوستس للتكنولوحيا MIT، أو مختبرات بل Labs Bell، أو كارنيجي ميلون Carnegie–Mellon. وكلها تسعى إلى شيء ثابت مفاده أننا حين نصل إلى أرض الواقع، نصون العقل من الغرق. ومن ثمّ، فإن ما تتشاركه هذه الخطابات ليس محض اهتمامٍ بأدائنا العقلي فحسب، بل ما يشبه اهتمامًا
بتركيبتنا البيولوجية، وهو أمر لا جدال في فائدته، سواء في حدّ ذاته أو في تحليل الثقافة. وإذا لم تكن كل الاكتشافات المفترضة لما أسميناه "العلوم الإدراكية" اكتشافات حقيقية، فبعضها من دون شكّ سيكون، وسيغير على نحو بالغ طريقة تفكيرنا بشأن الكيفية التي نفكر بها، وكيفية تفكيرنا فيما نفكر فيه. ما تتشاركه بعد ذلك، من كلود ليفي–ستروس إلى رودني نيدهام Needham Rodney، بالعودة إلى الوراء، ليس من دون جدال في فائدته، ألا وهو النظرة التأسيسية للعقل. وتعني وجهةَ نظر ترى العقل – مثله مثل "وسائل الإنتاج" أو "البنية الاجتماعية" أو "التبادل" أو "الطاقة" أو "الثقافة" أو "الرمز" التي تنتمي إلى خلاصة المقاربات الشاملة في النظرية الاجتماعية (ومثل "الطبيعة البشرية" بطبيعة الحال) – مصطلحًا لا يُعلى عليه في التفسير، والنور الذي يسطع وسط ظلمة النسبية.
((8(مختبرات للابتكارات وبراءات الاختراع مقرّها في نيوجرسي في الولايات المتحدة. (المترجمة) ((8(جامعة خاصة للأبحاث والتطوير مقرّها في بنسلفانيا في الولايات المتحدة، تستقطب المبدعين والمبتكرين في المجالات
التقنية. تأسست عام 1912. (المترجمة) ((8(أنثروبولوجي إنكليزي وأستاذ الأنثروبولوجيا في أكسفورد. عُرف باهتمامه بدراسات القرابة وبحماسه لبنيوية كلود ليفي–
ستروس قبل أن ينتقدها لاحقًا، منتقدًا أيضًا ما أسماه رؤية ثنائية تهيمن على أفكار الأنثروبولوجيين. (المترجمة)
سواء أكان الخوف من النسبية، الذي يشبه عدو البطل الخارق بألف وجه The Anti–hero with a Thousand Faces، هو الذي يوفر جزءًا مهمًا من الزخم للعقلانية الجديدة ويعمل مبرّرًا رئيسًا لها، كما حدث
في حالة الطبيعوية الجديدة Neo–naturalism، فليس من الصعب ملاحظته من خلال المجموعة الجديدة الممتازة من المواعظ المناهضة للنسبية الواردة في الكتاب الذي حرره مارتن هوليس وستيفن لوكيس بعنوان العقلانية والنسبية Rationality and Relativism، ومعه دراسة جريئة صُمِّمت خصيصًا لدفع
الآخرين إلى المستوى المراد من السخط. وُلد الكتاب في خضمّ ما سُمّي "جدل العقلانية"، الذي يبدو
أن قصص إدوارد إيفان إيفانز–بريتشارد Edward Evan Evans–Pritchard، وأمور أخرى غيرها، قد أطلقته في العلوم الاجتماعية البريطانية وفي قسم معتبر من الفلسفة البريطانية (جدل "هل ثمة حقائق مطلقة يمكن مقاربتها تدريجيًا بمرور الوقت من خلال عمليات عقلانية، أو أن جميع أنماط التفكير وأنظمته
صالحة على قدم المساواة إذا نُظر إليها من داخل أطرها المرجعية المتسقة داخليًا؟)". لذلك فهو يغطي،
على نحوٍ ما، كل جوانب مقولة العقل في خطر Danger In Reason! وتبدأ افتتاحية المحررَين بعبارة كأنها
دعوة إلى إقامة المتاريس على طريقة كروموِل: "إن إغراءات النسبية دائمة ومنتشرة [...] وطريق المتعة والإغراء إلى النسبية [...] ممهد بمزاعم مقنعة". ويستجيب علماء الأنثروبولوجيا الثلاثة في الكتاب بحماسٍ لهذه الدعوة لإنقاذنا من أنفسنا. فيحاجّ
إرنست غيلنر بأن الفكرة التي مفادها أن آخرين لا يؤمنون بما نؤمن نحن، أحفاد غاليليو، بشأن كيفية تجميع الواقع معًا ليست حجّة ضد الفكرة القائلة إن ما نؤمن به لا يمثل "الرؤية الوحيدة
الحقيقية" المنشودة. بل يعتقد ذلك متأكدًا حتى حين يبدو له أن هؤلاء الآخرين، بمن فيهم سكان الهيمالايا، لم يعودوا يعارضونه. ويدافع روبن هورتون عن "نواة إدراكية مشتركة"، و"نظرية أولية"
((8(في الدراما، لا يشير عدو البطل الخارق إلى منافسه الشرير بالضرورة، بل إلى بطل خارق لا يحتكم إلى كونه خيرًا، باعتبار أنه
يتصرف لمصلحته الشخصية غالب الوقت، بصورة غير أخلاقية بالنسبة إلى أخلاقيات الجمهور في كثير من الأحيان، وأحيانًا يصحب
البطل الخارق ويسبّب له المتاعب مثل "لوكي" شقيق "ثور" بالتبنّي في سلسلة أفلام Thor، لذلك فهو، على عكس البطل الخارق،
شخصية صراعية. (المترجمة)
(86) Hollis & Lukes (eds.).
((8(ثمة أيضًا بعض المقالات التي تُعدّ أكثر اعتد لً وتقتسم الاختلافات بينها، كتبها كل من إيان هاكينغ وتشارلز تايلور ولوكيس،
لكن أولاها فقط يبدو خاليًا حقًا من الإنذارات المتخيلة.
(88) Bryan Wilson, Rationality (Oxford: Blackwell, 1970); Allan Hanson, "Anthropologie und die Rationalitätsdebatte," in: Hans Peter Duerr (ed.) , Der Wissenschaftler und das Irrationale , vol. 1 (Frankfurt am Main: Syndikat, 1981).
((8(أنثروبولوجي إنكليزي وأستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية في أكسفورد ورائد من الرواد. اشتهر بأبحاثه الميدانية عن قبائل الأزاندي والنوير في السودان. عُرف عنه قطعه مع الوضعية وإصراره على بحوث الميدان، وعدم إيمانه بعلم يختص بالمجتمع
تحكمه القوانين Nomothétiques من دون إيلاء أهمية لحكايا الرمز ولطبيعة المجتمعات وظواهرها المتباينة. (المترجمة) ((9(الاقتباسات الواردة مأخوذة من غلاف الكتاب، وهي تعكس محتوياته على الأقل.
(91) Hollis & Lukes, p. 1. (92) Ernest Gellner, "Relativism and Universals," in: Hollis & Lukes (eds.), pp. 181–200. (93) Horton.
هورتون هو فيلسوف وأنثروبولوجي إنكليزي. تركّزت اهتماماته في أنثروبولوجيا الأديان، لا سيما في أفريقيا التي عاش فيها سنوات
طويلة. (المترجمة)
كونية من الناحية الثقافية وذات اختلافات ضئيلة عن العالم بوصفه مليئًا بموضوعات دائمة ومتوسطة الحجم تترابط بفعل مفهوم "الدفع والجذب" في السببية، وخمس ثنائيات مكانية (يسار – يمين، أعلى – أسفل... إلخ)، وثلاثية زمنية (قبل – في الوقت نفسه – بعد)، واثنين من الفروق الفئوية (بشري – غير بشري، ذات – آخر)، ووجود كل ذلك دليل على أن "النسبية محكوم عليها بالفشل، في حين أن الكونية قد تنجح يومًا ما". لكنّ دان سبيربر، كان أكثرهم ثقة بأرضيته العقلانية (منظور جيري فودور Fodor Jerry الحسابي عن التمثلات العقلية)، ويملك رؤية وحيدة حقيقية خاصة به (هي أن "لا وجود لواقع غير حرفي")، لذلك فهو من يبني الهجوم الأقوى بين الثلاثة. فيقول إن النسبية ماكرة لعوب (فتجعل "الإثنوغرافيا غير قابلة للتفسير، وعلم النفس بالغ الصعوبة")، لذلك فهي ليست موقفًا غير قابل للدفاع عنه فحسب، بل لا موقف لها على الإطلاق؛ فأفكارها أنصاف أفكار، ومعتقداتها شبه معتقدات، وافتراضاتها شبه افتراضات. ف "الشعارات النسبية" مثل عبارة "الشعوب التي تنتمي إلى ثقافات مختلفة تعيش في عوالم مختلفة" ليست معتقدات واقعية، لأنها تشبه قصة التنّين ذي القلب الذهبي والقرن عند قاعدة رقبته، حين دعاه أحد مخبريه المسنّين من ال "دورزي" Dorze ببراءة، أو ربما ليس ببراءة، إلى تعقّب الناس وقتلهم (وحذرًا منه من الحقائق غير الحرفية فقد رفض). بل هي تمثلات نصف متشكّلة وغير محددة،
وبدائلُ ذهنية مؤقتة تنتج عندما نحاول، ونحن أقل حذرًا من أجهزة الكمبيوتر، معالجة معلومات أكثر
مما تسمح به قدراتنا المفهومية المتأصلة. قد تكون هذه التنانين ذات القلوب البلاستيكية وبلا قرون مفيدة في بعض الأحيان؛ فتارة تملأ الفجوات إلى أن نتمكن من تسريع قوتنا الإدراكية، وهي تارة أخرى لعبة ممتعة نتسلى بها ونحن ننتظر ذلك، بل هي من حين إلى آخر "مصادر إيحاء في التفكير الإبداعي [الحقيقي]"، لكنها ليست حقيقية حتى في أعين من يدافعون عنها، لأنهم لا يفهمونها ولا يستطيعون فهمها. إن هي إلا كلام أكاديمي، متطور إلى حدٍ ما، من النوع الامتثالي، والسطحي، والمضلل، و"المراوغ في تأويلاته"، والأناني: أفضل دليل ضد النسبية [...] هو نشاط علماء الأنثروبولوجيا في حدّ ذاته، في حين أن أفضل دليل على النسبية [هو] في كتابات علماء الأنثروبولوجيا [...] عندما يعيد علماء الأنثروبولوجيا بناء خطواتهم [في أعمالهم]، فإنهم يحولون الحدود الثقافية الضحلة وغير المنتظمة التي لم يجدوا صعوبة في عبورها [في بحوثهم الميدانية]، إلى فجوات لا يُسبر
(94) Ibid., p. 260. (95) Dan Sperber, "Apparently Irrational Beliefs," in: Hollis & Lukes (eds.), pp. 149–180.
سبيربر هو أنثروبولوجي فرنسي وعالم اجتماعي وباحث في العلوم الإدراكية. انتقد البنيوية واتجه نحو الرمزية من البوابة الإدراكية؛
أي دور الإدراك في الظواهر الثقافية. ترجم له إلى اللغة العربية كتابه مع دييدر ويلسون، نظرية الصلة أو المناسبة في التواصل
والإدراك La Pertinence: Communication et Cognitio، عن دار الكتاب الجديد المتحدة في بيروت عام 2016. (المترجمة) ((9(فيلسوف ولغوي أميركي، اشتهر بالوظيفية العقلية ومفهوم نمطية العقل، وقال إن العمليات العقلية والتفكير يعملان في صورة
حسابات تتنشئ التمثلات التي تمثل لغة الفكر، وهو عنوان كتابه الأشهر The Langage of Thought. (المترجمة) ((9(إثنية تقطن إثيوبيا. (المترجمة)
غورُها، وبذلك يحمون إحساسهم بالهوية، ويزودون جمهورهم من الفلاسفة والناس العاديين
بما يريد هؤلاء سماعه تمامًا. باختصار، سواء تعلّق الأمر بالإدراك السائد (بقطع النظر عن الكبد وعينيه والعرّافين المسمَّمين، فلقد
فهمنا الأمور على النحو الصحيح في النهاية)، أو اليأس المسكوني Ecumenicalism (بقطع النظر عن أنماط تفسيرية أكثر حداثة وتنوعًا، مثل علم الجينوم، ترى أن لكل شخص التصور نفسه عن العالم)، أو العلموية العدوانية (في أنّ ثمّة أشياء تمثل أفكارًا بالفعل مثل "المواقف الافتراضية" و"المعتقدات
التمثُّلية"، وأشياء تشبه الأفكار مثل أن "هناك تنينًا على الطريق" و"تعيش الشعوب من ثقافات مختلفة في عوالم مختلفة")، فإن إعادة بعث العقل البشري بوصفه نقطة ثابتة في عالم متحول تُبطل مفعول النسبية الثقافية عبر تجريد سلاح التنوع الثقافي من قوته. وكما في حالة "الطبيعة البشرية"، فإن تفكيك الآخر هو ثمن الحقيقة. وربما كان ذلك صحيحًا، لكنه ليس ما يوحي به تاريخ الأنثروبولوجيا، أو
المواد التي جمعتها، أو المثل العليا التي حرّكتها؛ وليس النسبيون وحدهم من يخبرون جمهورهم
بما يودّون سماعه. وثمة بعض التنانين – "النادرة" – التي تستحق الاستقصاء.
خامسًا
إن استقصاء التنانين، لا تدجينها أو كرهها أو إغراقها في بحر النظرية، هو كل ما تدور حوله الأنثروبولوجيا. على الأقل، هذا كان موضوعها مثلما أفهمها أنا، بما أنني لست عدميًا ولا ذاتويًا،
وامتلكتُ، كما ترون، بعض الآراء الحازمة بشأن ما هو واقع وما ليس واقعًا، وما هو جدير بالثناء وما هو غير ذلك، وما يُعدّ معقولً وما لا يُعدّ كذلك. لقد سعينا [يقصد علماء الأنثروبولوجيا]، بمقدار من
النجاح، إلى إبقاء العالم في حالة من اللاتوازن؛ سحبنا البُسط، وقلبنا موائد الشاي، وأطلقنا الألعاب
النارية. فكان من مهمات الآخرين أن يبثّوا الطمأنينة، ومهمتنا نحن أنْ نقلب الاستقرار. سعينا خلف الأسترالوبيثكس Australopithicenes، والماكرين، والمسالمين، ونُصب المغيليث؛ نبيع الاستثنائي، ونتجول في الغريب. كنا تجّار الدهشة. لقد أفرطنا، من دون شك، في هذا الاتجاه؛ فحوّلنا الأفكار الذاتية إلى ألغاز، والألغاز إلى غموض،
والغموض إلى ترّهات. لكنّ هذا التعاطف مع الذي لا يمتثل ويأبى أن ينسجم، والواقع الذي تغيّر موقعه،
قد ربطنا بالموضوع الرئيس للتاريخ الثقافي في "العصر الحديث"، لأن ذلك التاريخ قد تألّف من حقول فكرية تعاقبت وتعيّن عليها، واحدًا تلو الآخر، أن تكتشف كيفية العيش من دون اليقين الذي أطلقها أول
مرة. الواقع الفجّ، والقانون الطبيعي، والحقيقة الضرورية، والجمال الفائق، والسلطة المحايثة، والوحي
(98) Sperber, p. 180.
((9(الحركة التي سعت إلى توحيد المسيحيين والتقريب بين الكنائس المسيحية. (المترجمة) (10((في نظرية التطور، هم أشباه البشر Hominins وأسلاف الإنسان الأوائل منتصبو القامة. (المترجمة) (10((أحجار متراصة ومختلفة الأحجام والأشكال بعضها يشكل نصبًا حجرية غير منتظمة تدعى بهذا الاسم، ويعتقد أن البشر
الأوائل بنوها. (المترجمة)
المتفرد، حتى الأنا الداخلية في مواجهة العالم الخارجي، تعرّضت جميعها لهجوم شديد، بحيث تبدو
اليوم بساطةً مفقودة من ماضٍ أقل إنهاكًا. لكنّ العلم والقانون والفلسفة والفن والنظرية السياسية والدين والإصرار العنيد على الحسّ السائد صمد جميعها، ولم يبدُ من الضروري إحياء البساطة. أعتقد أن التصميم على ألّ نتشبّث بما نجح في السابق وأوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم، وما لم يعُد
اليوم يعمل بنجاح ويُلقي بنا في مآزق متكررة، هو ما يجعل العلم يتحرك قدمًا. نجحت الفيزياء
الأرسطية بالقدر الكافي على الرغم من المفارقات الرواقية حين كان عدّاء الماراثون هو الأسرع. ونجحت ميكانيكا نيوتن بالقدر الكافي على الرغم من الإرباك الذي يُحدثه الفعل عن بعد ما دامت
الأجهزة التقنية لا يمكنها أن تقودنا إلا إلى مسافة قصيرة ومعيّنة من عالمنا الذي ندركه بالحواس.
ولم تكن النسبية – الجنس، والديالكتيك، وموت الإله – هي التي أنهكت الحركة المطلقة والفضاء الإقليدي والسببية الشاملة، بل ظواهر شاردة، وحزم موجية وقفزات مدارية، وقفت أمامها عاجزة. كما لم تكن النسبية – الذاتوية الهيرمينوطيقية المراوغة – هي التي أنهكت (بالدرجة التي أنهكت بها) الكوجيتو الديكارتي، ووجهة نظر الويجريين في التاريخ، و"وجهة النظر الأخلاقية العزيزة جدًا على إليوت وأرنولد وإيمرسون"، بل كانت الوقائع الغريبة هي التي أحرجت مقولاتها، مثل خطوبة الرضع والرسومات التي ليست وهمية. وسط هذا الابتعاد عن الانتصارات القديمة التي التهمتها اللامبالاة، والاكتشافات اللحظية التي تحولت إلى حواجز وعقبات، أدّت الأنثروبولوجيا، في أيامنا هذه، دورًا طليعيًا. فقد كنا أول من أصرّ على
عدد من الأشياء، مثل أن العالم لا ينقسم إلى أتقياء ومؤمنين بالخرافات، وأن ثمة منحوتات في الأدغال ولوحات في الصحاري، وأن النظام السياسي ممكن من دون سلطة مركزية، وأن ثمة عدالة مبدئية من دون قواعد مقنّنة، وأن قواعد العقل لم تتحدد في اليونان، وأن تطور الأخلاق لم يكتمل في إنكلترا. أهم من ذلك أننا كنا أول من أصرّ على أننا نرى حياة الآخرين من خلال عدسات وضعنا الخاص،
وأنهم ينظرون إلى حياتنا من خلال عدسات وضعهم الخاص. ولا عجب أن ينتهي البعض بسبب ذلك إلى الاعتقاد بأن النهاية حلّت، وأن الأنانية الذاتوية دنت، وأن العقل والحكم، وحتى إمكانية التواصل المطلقة قد أفَل جميعها. لقد أحدثت إعادة تموضع الآفاق وتلاشي مركزية المنظورات مثل هذا الأثر من قبل. ومثلما ثمة روبرتو بيلارمين في كل واحد منكم، لحظ أحدهم أن ثمة عقلً دفع البولينيزيين إلى الإبحار بعيدًا عن مرأى الأرض في زوارق من جذع الشجر. وذلك كله إنما يمثّل أقصى ما أمكننا فعله، وفي ضوء قدراتنا. وسيكون من المؤسف، على ما أعتقد، بعد أن بدأت المسافات التي أنشأناها والأماكن الأخرى التي حددناها تشعرنا بالقلق، أن نعود إلى الأغاني القديمة والقصص العتيقة حتى نغيّر إحساسنا بالمعنى وإدراكنا للإدراك، على أمل أن الحاجة
(10((أسقف إيطالي وكاردينال في الكنيسة الكاثوليكية عاصر الفترة التي شهدت أوج ما يمكن تسميته الصراع الديني العلمي على الحقيقة. اشتهر باقتناعه وجوب أن يتوافق الدليل العلمي مع الكتاب المقدس، لذلك وقف في وجه غاليليو غاليلي الذي عرض أمام محاكم التفتيش في القرن السابع عشر، ورفض تدريس نظرية كوبرنيكوس عن أن الأرض كوكب من الكواكب وليست مركزها وأن الشمس ثابتة والكواكب تدور حولها. (المترجمة)
السطحية فحسب هي التي تتغير، وأننا لن نسقط من حافة العالم المسطحة. إن الاعتراض على مناهضة النسبية ليس مردّه رفضها مقاربة "كيف تنظر إلى ما تنظر إليه" الإدراكية، أو رفضها مقاربة "عندما تكون في روما تصرف كالرومان" do Romans the as do , Rome in When الأخلاقية، بل لأنها تتخيل أنه لا يمكن مواجهتهما إلا إذا وُضعت الأخلاق فوق الثقافة والمعرفة فوق الأخلاق
والثقافة معًا. وهذا مما لم يعُد ممكنًا إذا نظرنا من زاوية الأشياء التي ينبغي لها أن تكون على هذا النحو.
فلو أردنا حقائق الوطن، لكنا بقينا في الوطن.
المراجع
References
الأجنبية
Angeloni, Elvio (ed.). Anthropology. Guilford: Dushkin Publishing, 1983. Booth, Wayne. "A New Strategy for Establishing a Truly Democratic Criticism." Daedalus. no. 112 (1983). Defaux, Gerard (ed.). Yale French Studies. vol. 64. New Haven: Yale University Press,
Duerr, Hans Peter (ed.). Der Wissenschaftler und das Irrationale. vol. 1. Frankfurt am Main: Syndikat, 1981. Edward Westermarck: Essays on His Life and Works. Acta Philosophica Fennica 34. Helsinki: The Philosophical Society of Finland, 1982. Empson, William. Collected Poems. New York: Harcourt, Brace and World, 1955. Gass, William. "Culture, Self, and Style." Syracuse Scholar. no. 2 (1981). Gellner, Ernest. Spectacles and Predicaments. Cambridge: Cambridge University Press,
Goody, Jack. The Domestication of the Savage Mind. Cambridge: Cambridge University Press, 1977. Haan, Norma et al. (eds.). Social Science as Moral Inquiry. New York: Columbia University Press, 1983. Harris, Marvin. The Rise of Anthropological Theory. New York: Crowell, 1968. Hatch, Elvin. Culture and Morality: The Relativity of Values in Anthropology. New York: Columbia University Press, 1983. Herodotus. History of Herodotus. New York: Appleton, 1859–1861.
(10((هذه كناية عن أن رفض دراسة الاختلاف، لا يعني عقلً كونيًا؛ لا بل محاصرة للروح النقدية مثل التي سادت القرون السابقة،
حين فضل الناس الإيمان بأن الأرض مسطحة على أن يثقوا في رأي مخالف. ما يعني أن التمسك بنظرة واحدة وكبح الروح النقدية قد يعني عودة العقل القهقرى خوفًا مما يمكن اكتشافه. (المترجمة) (10((تعني العبارة مثلما يتضح من معناها الحرفي، أن المرء يتطبع بطباع المكان أو البلد الذي يزوره. وهي إشارة ترمز إلى "النسبية" الثقافية للعادات والأعراف والسلوكات وقواعد الأخ قاا بين الثقافات المتساوية. الرؤية المعاكسة في هذه الحالة هي نمط من الإطلاقية الأخلاقية التي ترى أن ثمة معايير فوقية أو مطلقة لتقييم أخلاقية الفعل. (المترجمة) ((10(يقصد أن جنّي المجتمعات، التي اضطلعت الأنثروبولوجيا بدراستها والكشف عنها، قد خرج من قمقمه، فلم يعد من
الممكن الهرب منها أو إنكار وجودها أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه. (المترجمة)
Hollis, Martin & Steven Lukes (eds.). Rationality and Relativism. Cambridge: MIT Press, 1982. Jarvie, Ian. "Rationalism and Relativism." The British Journal of Sociology. no. 34 Johnson, Paul. Modern Times: The World from the Twenties to the Eighties. New York: Harper & Row, 1983. Kluckhohn, Clyde (ed.). Culture and Behavior. New York: Free Press, 1962. Lakatos, Imre. The Methodology of Scientific Research. Cambridge: Cambridge University Press, 1976. Midgeley, Marry. Beast and Man: The Roots of Human Nature. Ithaca: Cornell University Press, 1978. Popper, Karl. Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge. London: Routledge and Kegan Paul, 1963. _________. Objective Knowledge: An Evolutionary Approach. Oxford: Clarendon Press, 1972. Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature. Princeton: Princeton University Press, 1979. Scheffler, Israel. Science and Subjectivity. Indianapolis: Bobbs–Merrill, 1967. Spindler, George (ed.). The Making of Psychological Anthropology. Berkeley: University of California Press, 1978. Stocking, George. "Afterword: A View from the Center." Ethnos. no. 47 (1982). Tiger, Lionel & Joseph Sepher. Women in the Kibbutz. New York: Harcourt Brace Jovanovich/ Harvest, 1975. Villey, Pierre (ed.). Les Essais de Michel de Montaigne. Paris: Universitaires de France, Williams, Bernard. Descartes: The Project of Pure Enquiry. Harmondsworth: Penguin,