بين الهوية والقلق والحرب: حزب الله وتراجيديا غزة
Identity, Anxiety, and War: Hezbollah and the Gaza Tragedy
الملخّص
تستكشف هذه الدراسة اللغز المحيّر الكامن وراء انخراط حزب الله ضدّ الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة على غزة، فتطرح أسئلة من قبيل: لمَ اقتصرت حربه على المنطقة الحدودية بين لبنان وإسرائيل؟ ولمَ لم ينخرط في قتال واسع مع إسرائيل شبيه بحرب عام 2006؟ ولمَ ولج الحربَ في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر، على الرغم من القيود الداخلية والإقليمية كلها التي واجهها؟ تعتمد الدراسة على نظرية الأمن الأنطولوجي، وعلى مجموعة من البيانات الأولية، وتخلص إلى أن حزب الله واجه مأزقًا: فإنْ هو امتنع عن دعم حلفائه الفلسطينيين، فسيهدّد ذلك أمنه الأنطولوجي (كينونته الأساسية، وسمعته، ودوره باعتباره حركة مقاومة)؛ وإنْ هو انخرط، خلاف ذلك، في حرب واسعة ضد إسرائيل، فسيعرّض أمنه المادي للخطر. وقصد التصدي لهذا المأزق، انخرط حزب الله في حرب مقيّدة، الهدف منها استعادة أمنه الأنطولوجي والحفاظ على تماسك محور المقاومة وبقائه؛ هذا المحور الذي ينتمي إليه على الصعيد الإقليمي، وحزب الله في قيامه بذلك، كان يسعى لرسم المستقبل أيضًا، على نحو ما تُحاجّ به هذه الدراسة.
Abstract
Abstract: This study explores Hezbollah’s puzzling engagement in Israel’s ongoing military campaign in Gaza. Why has it limited its war to the Lebanese– Israeli border area? Why did not it engage in a full–scale combat akin to the 2006 war with Israel? Why did the movement, despite all the domestic and regional constraints it faced, enter war on 8 October? Drawing on Ontological Security Theory and primary data, the article finds that Hezbollah faced a predicament: if it abstained from supporting its Palestinian allies, it would threaten its ontological security (core being, reputation, and role as a resistance movement); conversely if it engaged in extensive warfare, it would endanger its physical security. To address this predicament, Hezbollah engaged in constrained warfare that aimed to restore its ontological security and preserve the cohesion and survival of the regional Axis of Resistance. The study argues that, in this way, Hezbollah was also constructing the future.
- حزب الله
- الأمن الأنطولوجي
- القلق
- غزة
- الحرب
- الهوية
- Hezbollah
- Ontological Security
- Anxiety
- Gaza
- War
- Identity
ملخص: تستكشف هذه الدراسة اللغز المحيّر الكامن وراء انخراط حزب الله ضدّ الحملة
العسكرية الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، فتطرح أسئلة من قبيل: لمَ اقتصرت حربه على
المنطقة الحدودية بين لبنان وإسرائيل؟ ولمَ لم ينخرط في قتال واسع مع إسرائيل شبيه بحرب
عام 2006؟ ولمَ ولج الحربَ في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر، على الرغم من القيود الداخلية
والإقليمية كلها التي واجهها؟ تعتمد الدراسة على نظرية الأمن الأنطولوجي، وعلى مجموعة
من البيانات الأولية، وتخلص إلى أن حزب الله واجه مأزقًا: فإنْ هو امتنع عن دعم حلفائه
الفلسطينيين، فسيهدّد ذلك أمنه الأنطولوجي (كينونته الأساسية، وسمعته، ودوره باعتباره حركة
مقاومة)؛ وإنْ هو انخرط، خلاف ذلك، في حرب واسعة ضد إسرائيل، فسيعرّض أمنه المادي
للخطر. وقصد التصدي لهذا المأزق، انخرط حزب الله في حرب مقيّدة، الهدف منها استعادة
أمنه الأنطولوجي والحفاظ على تماسك محور المقاومة وبقائه؛ هذا المحور الذي ينتمي إليه
على الصعيد الإقليمي، وحزب الله في قيامه بذلك، كان يسعى لرسم المستقبل أيضًا، على
نحو ما تُحاجّ به هذه الدراسة.
Abstract: This study explores Hezbollah’s puzzling engagement in Israel’s ongoing military campaign in Gaza. Why has it limited its war to the Lebanese– Israeli border area? Why did not it engage in a full–scale combat akin to the 2006 war with Israel? Why did the movement, despite all the domestic and regional constraints it faced, enter war on 8 October? Drawing on Ontological Security Theory and primary data, the article finds that Hezbollah faced a predicament: if it abstained from supporting its Palestinian allies, it would threaten its ontological security (core being, reputation, and role as a resistance movement); conversely if it engaged in extensive warfare, it would endanger its physical security. To address this predicament, Hezbollah engaged in constrained warfare that aimed to restore its ontological security and preserve the cohesion and survival of the regional Axis of Resistance. The study argues that, in this way, Hezbollah was also constructing the future.
Professor of Political Science and International Relations, Doha Institute for Graduate Studies, and University of St Andrews, Scotland. Email: adham.saouli@dohainstitute.edu.qa
مقدمة: اللغز المحيّر
يُنظَر إلى مسألة انخراط حزبالله في حرب غزة (2024–2023) بعين الحيرة، فالحزب
انطلق منذ بداية الحرب في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في قتال عسكري مكثّف ومكلف مع إسرائيل، جرى احتواؤه ضمن المناطق الحدودية بين لبنان وإسرائيل في الغالب، لكن، يرى كثيرون من أنصاره ممّن يشعرون بالغضب حيال حملة الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل على
غزة، أنّ الحزب أحجم عن خوض حرب شاملة ضدّها، على نحو حربه في عام.2006 يطرح سلوك حزب الله المحيّر أسئلة نظرية وإمبريقية كثيرة، منها مثل: ما الدافع وراء سلوكه في
هذه الحرب؟ ولمَ لم يمتنع ببساطة عن هذه المواجهة مع جيش أقوى منه، تدعمه الولايات المتحدة
الأميركية؟ في مقابل أسئلة من قبيل لمَ لم يلتزم الحزب بمثُله العليا وسردياته المروية عن "المقاومة"
و"وحدة الجبهات" ضد الاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأميركية، حيث ينخرط جراء ذلك في حرب واسعة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، سأستند إلى نظرية الأمن الأنطولوجي Ontological Security، وإلى بيانات إمبريقية أولية، أصوغ من خلالها حجتَين: تحاجّ الأولى بأن السلوك العسكري لحزب الله يمكن وصفه
بأنه حرب مق دةَّConstrained Warfare. ويتضمن هذا النوع من الحروب محاولات متعمّدة، يشنّها
الفاعل المعني، حزب الله في هذه الحالة، لتقييد استخدامه القوة الكاملة، بغية احتواء ردة فعل أعدائه وردعهم. وهذه المحاولات الواعية لتقييد قوّته، تمليها عليه معرفته بالقيود المُدرَكة، وهي في حالة
حزب الله: انعدام اليقين في شأن نيات إسرائيل، والاعتبارات اللبنانية الداخلية، والخوف من التدخّل المباشر للولايات المتحدة الأميركية، وغياب بيئة سياسية إقليمية مواتية، بما فيها عدم رغبة إيران في حرب شاملة. بيد أنّ التصور المفهومي الذي يجعلها حربًا مقيّدة، لا يفسر مع ذلك سبب انخراطه فيها ابتداءً. ولتفسير مشاركة حزب الله في الحرب، تقول حجتي الثانية إن انخراطه في الحرب المقيّدة كان مدفوعًا
بقلقه على أمنه الأنطولوجي في المقام الأول. والأمن الأنطولوجي لا يتّصل بالأمن المادي للفاعل،
بقدر ما يتعلق بفهمه ل "ذاته"، وهويته وصِلتها بالآخرين، ودوره وسمعته في البيئة الاجتماعية. لقد ولّدت الحملة الدموية التي شنّتها إسرائيل ردًا على هجوم حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، القلق أو انعدام الأمن الأنطولوجي عند حزب الله الذي كان قد عزّز، على مدى عقود من الزمن، هويته السياسية وسمعته باعتباره "حركة مقاومة"، تعتزم تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي. وبناءً على
هذا، فقد واجه حزب الله مأزقًا استراتيجيًا: فإنْ هو نأى بنفسه عن الحرب، فسيتهَّدَد أمنه الأنطولوجي،
وإنْ هو انخرط في حرب واسعة، فسيعرّض أمنه المادي للخطر. ويكشف ردّه على هذه المعضلة
وسلوكه في الحرب، سعيَه الحثيث للموازنة بين الرغبة في استعادة أمنه الأنطولوجي والحاجة إلى
(((لا يُقصد بمفردة مادي هنا المقابل اللاتيني Matériel، بل تقابلها كلمة Physical على النحو الوارد في النص، وهذه ةُت تَرجم عاد
إلى فيزيقي أو جسدي في الأدبيات حتى في حالة المنظمات/ الحركات/ الدول/ الجماعات، لكننا نفضّل ترجمتها إلى مفردة مادي
التي تحيل إليهما معًا، في صورة أمن جسدي للأفراد المشكلين للمنظمة وقدراتها التي تملكها على الأرض. (المترجمة)
الحفاظ على أمنه المادي. وللحدّ من قلقه، انخرط حزب الله في حرب مقيّدة، ليس حفاظًا على أمنه
الأنطولوجي فحسب، بل أيضًا للحفاظ على هوية "تحالف المقاومة" الإقليمي الأوسع وتماسكه من الناحية الاستراتيجية، ما يعني أنه يسعى في الوقت نفسه لصوغ المستقبل. وهذه نتيجة تخلص بنا إلى تبصّرات إمبريقية ونظرية في خصوص المناقشات الجارية بشأن العلاقة بين الأمن الأنطولوجي والأمن المادي. سأعرض حجتي في ثلاثة مباحث؛ أدرس في الأول، العناصر الرئيسة في نظرية الأمن الأنطولوجي، ما يتيح لي استخلاص الأساس النظري الذي يسمح بفحص "كينونة" حزب الله أو هوية الحركة وأهدافها الدينية والسياسية في المبحث الثاني. وأستكشف في الثالث ردة فعل حزب الله على حرب غزة. فأبدأ بتعريف الحرب المقيّدة، وأشرح سبب انخراط الحزب فيها، قبل أن أوضح كيف حاول
استعادة أمنه الأنطولوجي في أعقاب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.
أولا: الأمن الأنطولوجي
لا يمكن أن تفسر الأطر السائدة التي تدرس أسباب الحرب سلوك حزب الله وتصرّفه إبّان الحرب،
فلا هو بالسلوك "الدفاعي"، ولا هو بالسلوك "الهجومي"، كما في الواقعية الجديدة؛ إذ يقول الواقعيون الجدد الذين يركزون على الدول في المقام الأول، إن الفاعلين السياسيين ليسوا متأكدين، بأيّ حال،
من نيّات أعدائهم تحت ظروف نظام دولي يوصف بالفوضوي Anarchic، ومن ثمّ، ليس بين أيديهم
من خيار آخر سوى التصرف على نحو دفاعي حالما يشعرون بوجود تهديد، محاولين ردعه واستعادة الوضع الراهن في النتيجة، أو، كما في الواقعية الهجومية، التصرف على نحو وقائي من خلال الهجوم. وفي حين قد يكشف سلوك حزب الله عن محاولات ردع عدوّه، بل استباق سلوكه، فإنّ هذه الأطر
تعتمد على عوامل مادية لتفسير الفعل السياسي، وتتوقع أن الفاعلين يتصرفون ب "عقلانية"، أي إنهم يقيّمون التوازن العسكري، ثم يتّخذون إما قرار "الموازنة" في مواجهة التهديد أو القوة، وإما "مسايرة
الطرف الأقوى" Bandwagon. بيد أنّ سلوك حزب الله لم يمتثل لأٍّيٍ من هذه التوقعات، ولا يزال
(2) Nina C. Krickel–Choi, "The Concept of Anxiety in Ontological Security Studies," International Studies Review , vol. 24, no. 3 (2022), pp. 1–21; Bahar Rumelili, "Integrating Anxiety into International Relations Theory: Hobbes, Existentialism, and Ontological Security," International Theory , vol. 12, no. 2 (2020); Felix Berenskötter, "Anxiety, Time, and Agency," International Theory , vol. 12, no. 2 (2020). (3) John Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics (New York/ London: W. W. Norton & Company, 2001); Stephen M. Walt, The Origins of Alliances (Ithaca, NY/ London: Cornell University Press, 1987); Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading, MA/ London: Addison Wesley, 1979). (4) Mearsheimer; Walt; Waltz.
يمكن أن يعني المصطلح "مسايرة الطرف الأقوى" على نحو حرفي، اللحاق بالقاطرة، لكنه في هذه الحالة قد يتضمن معاني مثل الاستسلام أو الاسترضاء أو الخضوع أو التبعية لمن يقود القاطرة، ما يجعل القبض على عنصر العقلانية المفترض في المصطلح صعبًا. لذلك فضّلنا ترجمته إلى مسايرة، لنحافظ على اتجاه النص في حالة حزب الله، باعتبار أن الطرف "الأضعف" يملك "خيارات"
حال وجود تهديد، حيث يمنحه ذلك نوعًا من "الفاعلية" التي لا تتصل بكونه أقل قوة من الناحية المادية فحسب، بل يملك منظورًا
مستقبليًا لأمنه الأنطولوجي. (المترجمة)
يخوض حربًا مقيّدة مع إسرائيل، على الرغم من القوة العسكرية الساحقة التي واجهها، ممثلة في
إسرائيل والولايات المتحدة. ونرى كيف يُلقى بالوزن التحليلي في هذه المقاربات النظرية على الأمن
المادي للفاعلين، لا على أمنهم الأنطولوجي. تكشف صيرورة حزب الله على المدى الطويل أنّ سلوكه في هذه الحرب ليس مفاجئًا في عمومه. وقد
حاججتُ في موضع آخر بأن الصيرورة السياسية لحزب الله تجمع بين "الفعل العقلاني الموجّه الذي
يرتبط بقيمة ما"، كما يقول ماكس فيبر، والسلوك "العقلاني النفعي" الذي يهدف إلى وضع "القناعات قيد التنفيذ"، مع الأخذ في الحسبان "أرجحَّيَة النجاح". ويفتح لنا هذا الأمر نقطة ولوج إلى مناقشة
الأمن الأنطولوجي؛ إذ تصوغ سلوكَ حزب الله هويتُه وعقيدتُه الدينية والسياسية، وهو ما سأتناوله بعد
قليل؛ ولذلك كانت الهوية السياسية مهمة في فهم سلوكه، ما يقرّبنا خطوة من المقاربات البنائية لفهم
السلوك السياسي. وهنا تفترض البنائية أن هويات الفاعلين التي تمدّهم بعدسة فكرية لفهم الذات في صلتها بالآخر، تشكل الكيفيةَ التي يميّزون بها الصديق من العدو، كما تحمل مجموعة من القيم
والأعراف التي لا تصوغ معايير السلوك الاجتماعي والسياسي فحسب، بل تُنشئها أيضًا. ومن خلال السرديات، أي القصص والذكريات عن الذات والأمة، يعيد الفاعلون السياسيون إنتاج الهويات لتسويغ سلوكهم وجعله ممكنًا (كما في مثال حكومة ما تريد إقناع شعبها بالدخول في حرب ما). لكن،
تتّسم الهويات والسرديات المرتبطة بها بأنها مرنة؛ إذ يمكن التلاعب بها وتفعيلها وتعطيلها من الفاعلين
السياسيين في سعيهم وتحقيق أهدافهم. فهل كانت مشاركة حزب الله في الحرب دالةً على هويته؟ بقدَر محَّدَد فحسب؛ إذ ربما قال قائل إن هويته باعتباره حركة مقاومة إسلامية هي التي صاغت سلوكه، لكن الهوية في حد ذاتها لا يمكن أن تفسر وحدها سلوكه. فقد كان في إمكانه الزعم أن المخاوف اللبنانية (وهي هوية أخرى يحملها)، والمخاطر التي تهدّد بقاءه (التدخّل الأميركي المحتمل)، تتطلّب منه ضبط النفس؛ أو ربما أمكنه استخدام القيم الإسلامية لتسويغ اختياراته. لكن حزب الله لم يفعل ذلك. في المقابل، يمكن استخدام الافتراضات البنائية للمحاَّجَة بأنه تدخّل لأنه حركة إسلامية، وربما وقع ضحية ما يسمّيه
بعض الباحثين "الفخ الخطابي" Rhetorical Entrapment، أي السرديات والمثُل التي تصوغ هويات
الفاعلين، فتُنشئ توقعاتٍ لسلوكهم. لكن، يكشف النظر في الأحداث الماضية، أن حزب الله أظهر
أنه لا الهوية وحدها، ولا خطابه، هو ما قيّد أفعاله. فعلى سبيل المثال، حين تدخّل في سورية في
(((بشأن هذا الموضوع، يراجع:
Adham Saouli, Hezbollah: Socialisation and its Tragic Ironies (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2019), p. 32. (6) Alexander Wendt, Social Theory of International Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1999); Jeffrey Checkel, "Norms, Institutions, and National Identity in Contemporary Europe," International Studies Quarterly , vol. 43, no. 1 (1999), pp. 83–114. (7) Adham Saouli, "Intellectuals and Political Power in Social Movements: The Parallel Paths of Fadlallah and Hizbullah," British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 41, no. 1 (2014), pp. 97–116. (8) Frank Schimmelfennig, "Rhetorical Entrapment in EU–Turkey Relations," in: Wulf Reiners & Ebru Turhan (eds.), EU–Turkey Relations (Cham: Palgrave Macmillan, 2021).
عام 2012 لدعم نظام تسلّطي يقمع شعبه، كان مستعدًا لتجاوز هويته وخطابه بوصفه حركة تسعى لتحرير "المستضعفين في العالم"، وذلك لوجود تهديد كان يشمل أمنه المادي. أحاجّ في هذا الصدد بأن أفضل إطار قد يفسر سلوك حزبُ الله هو نظرية الأمن الأنطولوجي، وهي نظرية تبلورت في حقول علم النفس وعلم الاجتماع. ثم اعتمد علماء العلاقات الدولية على تصورات عالم الاجتماع أنتوني غيدنز الذي ركز على الأفراد، ونقلوا نظرية الأمن الأنطولوجي إلى العلاقات الدولية، ليستكشفوا كيف يمكن تطبيق المفاهيم نفسها على الدول. ولذلك، اعتُمدت النظرية في تراث الواقعية الكلاسيكية الذي افترض أن سلوك الدولة، وبخلاف الدوافع المادية، يتشكل من خلال عوامل أخرى، مثل الخوف والعار والشرف، وكذلك اعتُمدت النظرية في البنائية التي تركّز على الهوية والقيم. فاستخدمت مي درويش في دراستها عن الشرق الأوسط، نظرية الأمن الأنطولوجي، لتشرح سبب ظهور القلق لدى المملكة العربية السعودية في الفترة 2018–2012 بسبب صعود الحركات الإسلامية؛ واستخدمها أمل جَّمَال ليفهم المنطق وراء "أمننة" إسرائيل للمواطنين الفلسطينيين؛ واستعان بها محمد مهدي برجاوي لإجراء مقارنة بين تدخّل حزب الله في سورية ومشاركته في العراق. فما نظرية الأمن الأنطولوجي؟ وكيف تفسّر سلوك حزب الله في حرب غزة؟ يتعلق الأمن الأنطولوجي للفاعلين السياسيين بأمن "ذواتهم" و"كينونتهم"، لا أمنهم المادي فحسب. يتعلق الأمر هنا ب "الشعور الشخصي بالماهية الذي يمكّن من/ يحفّز على الفعل والاختيار".
(9) Saouli, Hezbollah , pp. 158–202. (10) Ronald D. Laing, The Divided Self: An Existential Study in Sanity and Madness (London: Penguin Books, 1969). (11) Anthony Giddens, Modernity and Self–Identity: Self and Society in the Late Modern Age (California: Stanford University Press, 1991). (12) Jef Huysmans, "Security! What Do You Mean? From Concept to Thick Signifier," European Journal of International Relations , vol. 4, no. 2 (1998), pp. 226–255; Jennifer Mitzen, "Ontological Security in World Politics: State Identity and the Security Dilemma," European Journal of International Relations , vol. 12, no. 3 (2006), pp. 341–370; Brent J. Steele, Ontological Security in International Relations: Self–Identity and the IR State (New York: Routledge, 2008). (13) Ned Richard Lebow, The Tragic Vision of Politics: Ethics, Interests, and Order (Cambridge: Cambridge University Press, 2003); Steele, pp. 35–40. (14) Wendt. (15) May Darwich, "The Ontological (In)Security of Similarity Wahhabism versus Islamism in Saudi Foreign Policy," Foreign Policy Analysis , vol. 12, no. 4 (2016), pp. 469–488. (16) Amal Jamal, "Ontological Counter–Securitization in Asymmetric Power Relations: Lessons from Israel," International Studies Review , vol. 22, no. 4 (2019), pp. 932–956. (17) Mohamad–Mehdi Berjaoui, "The Ideational and Material Factors of Hezbollah’s Foreign Policy: The Case Studies of Syria and Iraq 2003–2017," University of St Andrews, 2023. (Unpublished Thesis) (18) Rumelili, p. 266. (19) Mitzen, p. 344.
وقد قدم برنت ستيل تمييزًا مفيدًا بين هذين "التصورَين عن الأمن"، أي الأمن التقليدي والأمن
الأنطولوجي، وهو الذي أعتمده في الجدول. الجدول يوضح التصوّرات المفهومية عن الأمن التقليدي والأمن الأنطولوجي
| األأمن التقليدي | الأمن الأنطولوجي | |
|---|---|---|
| الأمن بوصفه | بقاء | كينونة |
| فاعلون "يتهيكلون" بفِعل | تأوزيع السلطة | الأفعال الروتينية باعتبارها هوية ذاتية |
| الرهان/ مصدر انعدام الأمن | الخوف (في مواجهة التهديد) | القلق (انفصال غير مريح عن الذات) |
| نتاج القرار الخاطئ في مواجهة الرهان | أذى مادي | عار |
| قاياس النتيجة | التغير في القدرات المادية؛ حالات الوفاة؛ الضرر | الفرق بين السردية البيوغرافية والسلوك الفعلي؛ خطابي |
| التغير البنيوي | تغير في توزيع السلطة | المواقف الحرجة ذات الطابع الروتيني؛ تغير في الهوية الذاتية؛ تغير في روتين الفاعل |
المصدر:
Brent J. Steele, Ontological Security in International Relations: Self–Identity and the IR State (New York: Routledge, 2008), p. 52.
يوفر الأمن الأنطولوجي شعورًا بالوجود، أي بذاتٍ جوهرية تمدّ الأفراد بشعور الاستقرار والاستمرارية،
ما يجعله بالغ الأهمية من نواحٍ عدة؛ إذ يتمكّن الأفراد والجماعات بفضله من التصرف في العالم بوصفهم فاعلين، لديهم أهداف، إذ إن الوجود في العالم يتطلّب شعورًا بالذات، وهويةً تضع الفاعل
في علاقة مع الآخرين ضمن بيئة اجتماعية، على نحو يعين على تمييز الصديق من العدو، على سبيل المثال. وتقدّم الهويات عدسة فكرية (ثقافية ودينية وسياسية) لفهم العالم، ومن ثم العثور على الهدف والمعنى الذي يطويه. يكمن خلف الإحجام عن الفعل الاجتماعي Social Action هدفٌ أساسي، تعكسه الرغبة في تقليص انعدام اليقين والمخاطر، والإبقاء على هوية اجتماعية مستقرة مع مرور الوقت، أي إن الهدف هو استحضار "انعدام اليقين إلى مستويات قابلة للتحمل"، وفي قيامهم بذلك، يُنشئ الفاعلون
الاجتماعيون، سواء أكان عن قصد أم عن غير قصد منهم، أفع لًا روتينية، تجعل العالم مساحة قابلة للتنبؤ نسبيًا، حتى لو انطوت هذه القدرة على التنبؤ أو الروتين، على صراع مستدام مع العدو (" توازن
القوى" أو "قواعد الاشتباك" بمفردات الأمن التقليدي). ويوفر نشوء الأفعال الروتينية على هذا النحو
(20) Steele, p. 52. (21) Mitzen, p. 346.
مساحة للفاعلين حتى يركزوا طاقاتهم اليومية على مهمات أو تهديدات محددة، ما يعني أنّ "الأفعال الروتينية "تُعدّ استجابات إدراكية وسلوكية مبرمجة داخليًا، ردًا على معلومات أو محفّزات ما. وهكذا، فإن أحد العناصر الأساسية في نظرية الأمن الأنطولوجي هو الهوية الاجتماعية للفاعلين، أي الكيفية التي ينظرون بها إلى العالم، وإلى أنفسهم، وكيف يأملون أن يُنظر إليهم، وكيفيُدرَكون فعليًا ضمن سياقهم الاجتماعي. وفي نظر غيدنز: "أنْ تكون آمنًا أمنًا أنطولوجّيًا، يعني أنْ تمتلك [...]
إجابات عن الأسئلة الوجودية الأساسية التي تطرحها الحياة البشرية برمّتها على نحو ما". ويُعاد إنتاج الكيفية التي يدرك بها الفاعلون العالم وكيف يجري الحكم عليهم من الآخرين وتستدام بوساطة الفعل والسرد؛ إذ ينبغي أن تتماشى تصرفات الفاعلين أو سلوكهم مع هويتهم الاجتماعية، ولا سيما ما تعلق منها بالمعايير الأخلاقية والأهداف الاجتماعية والسياسية التي تدعو إليها هذه المعايير والدور الذي تضطلع به ضمن بيئة اجتماعية ما. ثم يجري تذويت هوية الفاعل ودوره على نحو ينتهي إلى تشكيل شعوره بالذات؛ إذ "تتشكل الهويات المرتبطة بالأدوار وتُستدام على نحو علائقي؛ لأنها تعتمد على الآخرين في تحُّقُقها". لذلك، إذا قدّمت نفسك للعالم على أنك اشتراكي، فالمتوقع منك أن تتصرف مثل اشتراكي، فتنضم إلى نقابتك المهنية على سبيل المثال، وتدعم الفقراء والمهمّشين، وتشارك في الإضراب، إلى غير ذلك كله. فإذا ما فعلت خلاف ذلك، فقد يُنظر إليك على أنك منافق، ما قد يؤثر في روابطك الاجتماعية مع الآخرين، وقد يؤثر في إحساسك بذاتك. فالسرديات، أو "سرديات الذات"، كما سمّاها غيدنز، تروي قصة "الكيفية التي تُفهم بها الهوية من الذات والآخرين". وفي حالة الفاعلين السياسيين، تتضمن السرديات ذكريات عن الذات/ الأمة/ المجتمع/ الحركة التي تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، والُم ثُل السياسية والأخلاقية التي تمنح معنى للحياة والسلوك،
ومسوّغاتٍ للعمل السياسي. وسواء أكان الأمر عن قصد أم عن غير قصد، ترسم السرديات توقعات
اجتماعية، حيث يُتوَّقَع منك أن تتصرف وفقًا للسرديات التي تدفع بها، والأهداف التي تعِد بها، والتي تُشرّع مع مرور الوقت في صوغ سلوكك، فتتيح لك القيام بالفعل، أو تقيّدك عن إتيانه. ماذا يحدث حين يتعرّض أمن الفاعل الأنطولوجي للتهديد؟ في التصوّر التقليدي للأمن، تُفضي
الخسارة في الحرب أو الهجوم على بلد ما، إلى ضرر مادي؛ ولذلك يخاف Fear الفاعلون السياسيون من مثل هذه الاحتمالات. فالتهديد الذي يتعرّض له الأمن الأنطولوجي للفاعل لا يسبّب الخوف
بصفته هذه، بل القلق Anxiety الذي هو "انفصال غير مريح عن الذات"، وثمة فارق بين الخوف والقلق؛ إذ عادة ما يتوجّه الخوف إلى هدف محدد، مثل الخوف من الموت أو البقاء المادي أو الهزيمة
(22) Ibid.
(((2:نُقلت عن Steele, p. 51.
(24) Mitzen, p. 357. (25) Steele, p. 10. (26) Ibid., p. 52.
في الحرب، في حين يحدث القلق "حين تتعرّض هوية شخص ما لتهديداتٍ"ٍ ما. وبالاعتماد على
أفكار بول تيليش، تقول بهار روميليلي إن ثمة ثلاثة أنواع من القلق، يتعلق أولها بالقلق من الموت، أما النوعان الآخران، فيتعلقان بالأمن الأنطولوجي، ويتضمنان تهديدات للكينونة الروحية والأخلاقية للفاعل. فقد يسبّب التهديد الذي يشمل المستوى الروحي "القلقَ من انعدام المعنى"؛ وقد عبّر عنه
تيليش ب "فقدان الاهتمام المطلق، وفقدان المعنى الذي يمنح الوجود معنى". أما التهديدات التي يتعرض لها الوجود الأخلاقي فتتضمن عدم قدرة الفاعل على الوفاء بالمسؤوليات الأخلاقية التي حدّدها لنفسه على نحو يولّد لديه "القلق من الإدانة"، أو من "العار" الاجتماعي. متى يكون الأمن الأنطولوجي للفاعلين مهددًا؟ يحدث انعدام الأمن الأنطولوجي حين يتعطّل الروتين على نحو يسبب القلق وعدم القدرة على التنبؤ وانعدام اليقين عند الفاعلين، وهو ما يسمّيه ستيل،
بالاعتماد على غيدنز، المواقف الحرجة Critical Situations، التي تهدد الأمن الأنطولوجي للفاعلين (ولا يتعلق الأمر هنا بالدول فحسب، الأمر الذي تهتم به معظم أدبيات نظرية الأمن الأنطولوجي)، ما يجبرها على العمل لاستعادته. لقد هدّد هجوم حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الذي
أفضى إلى حرب، هوية حزب الله، بوصفه حركةَ مقاومةٍ إسلامية التوجّه، بعد أن فاجأ الحركة الإسلامية
التي هو عليها. وحدث أن أرغم الرُّدُ الإسرائيلي، الذي يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية عقل، حزبَ الله على الفعل. فكان عليه أن يفعل حتى تضيق الفجوة بين شعوره بذاته وسرديته بصفته حركة
مقاومة، وسلوكه الفعلي الذي كان مقّي دبّا بالعوامل التي سنناقشها في الصفحات التالية. لكن حزالله
لم يكن يفعل ذلك لاستعادة أمنه الأنطولوجي فحسب، على نحو ما سأبيّنه، بل كانت مشاركته المقَّيَدة
في الحرب، أيضًا، خطوة استراتيجية كان يرنو بها إلى بناءٍ للمستقبل. تتعامل الأدبيات المتعلقة بنظرية الأمن الأنطولوجي مع الأفعال الروتينية باعتبارها غايات للفاعلين الساعين للأمن الأنطولوجي، أو باعتبارها "تفضي بالضرورة إلى فاعلية Agency محافظة ملتزمة بالاستمرارية، بدل من التغيير"، ويناقش الباحثون في هذه النظرية إذا ما كان "القلق يكبح التغيير أو يشجعه"، والفرقَ بين "القلق الاعتيادي والقلق الوجودي". ف "قواعد الاشتباك" التي أبقت الحدود اللبنانية – الإسرائيلية هادئة نسبيًا منذ حرب عام 2006، لا ينظر إليها حزب الله على أنها نهاية، بل فاصل
زمني يسبق حربًا مستقبلية ستُخاض لتحرير فلسطين، ويعتقد أنها حرب حتمية وضرورية ويواصل
(27) Ibid., p. 51; Rumelili; Krickel–Choi. (28) Paul Tillich, The Courage to Be (New Haven/ London: Yale University, 2000).
(((2 ينظر تيليش، مقتبس في: Rumelili, p. 260.
(30) Ibid. (31) Steele, p. 52. (32) Ibid., p. 12. (33) Anthony Giddens, The Constitution of Society (Cambridge: Polity Press, 1984). (34) Rumelili, p. 269. (35) Krickel–Choi, p. 3.
الاستعداد لها، وقد أسميتُ ذلك "صناعة الحرب" War–making. فصناعة الحرب، أي الاستعداد الممتد لها والمشاركة فيها من حين إلى آخر، يجعل حزب الله يعاني قلقًا من نمط القلق "الاعتيادي" إذا جاز لنا التعبير، الذي يعايشه الفاعلون في ظروف الفوضى. في حين يُختبَر انعدام الأمن الأنطولوجي،
أو القلق الوجودي، في الحلقات الحرجة Critical Episodes، كما في الحرب الأخيرة على غزة. فها هنا، يهدد القلق الأمنَ الأنطولوجي للفاعل، ما يولّد شعورًا بانعدام اليقين بشأن أفعال الآخرين، وعلامَ سيتكَّشَف المستقبل، ومكان الفاعل ودوره ضمن سياق اجتماعي ما. قبل أن ندرس كيفية استجابة حزب الله للحلقة الحرجة المتمثلة في الحرب على غزة، يجدر في البداية استكشاف كينونته، والهوية الدينية والسياسية لهذا الحزب الإسلامي ومساره السياسي منذ بدايته.
ثانيًا: كينونة حزب الله
أنْ ندرس الأمن الأنطولوجي من خلال حالة حزب الله، فذلك ينطوي على فائدة، فهو ليس فردًا نحتاج إلى "رفعه" ليضاهي مستوى الدولة، كما في الدراسات المبكرة في نظرية الأمن الأنطولوجي، ولا هو دولة ينبغي التعامل مع هويتها المؤسسية والمتنازع بشأنها عادة، بل هو حركة سياسية مسلحة، تشَّكَل جوهرُها، وشعورُها بذاتها، ومسيرتها السياسية على مر الزمن من خلال عقيدة دينية سياسية، تتحدّد
فيها مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي أمدّتها بشعور الهدف والمعنى. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أنّ هوية حزب الله ثابتة، بل الواقع أنها تطوّرت بمرور الوقت، بفعل انخراطه السياسي في داخل
لبنان، وحربه التي يبنيها ضد إسرائيل. يعدّ حزب الله، بصفته حركة سياسية مسلّحة، نتاج صعود الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، وُلد في الفترة 1982–1978، بُعيد الغزو الإسرائيلي لبيروت (1982)، ومستلهمًا مثُل الثورة
الإسلامية في إيران (1979). ويعتبر نفسه حركة إسلامية عابرة للحدود الوطنية، ويرى نفسه في ميثاقه الاستراتيجي المسمّى الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين في العالم (1985)، "جزءًا من أمة الإسلام
في العالم [...] ترتبط مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام". وفي هويته الإسلامية ذات الرافد الشيعي، يعتبر حزب الله نفسه أيضًا جزءًا من حركة تاريخية، تبدأ
بإمامة علي بن أبي طالب، واستشهاد ابنه الإمام الحسين (عليهما السلام)، وسلسلة الأئمة الخلفاء الذين يصلون إلى الإمام محمد المهدي؛ وهو الإمام الثاني عشر، والمهدي المنتظر الذي اختفى في عام 869 م، ويعتقد الشيعة أنه سيعود ليملأ الأرض قسطًا وعدل، مثلما مُلئت جورًا وفسادًا. ويُنظر إلى
(36) Saouli, Hezbollah.
(((3 فضّل استخدام مفردة "الحلقةأُ " Episode الحرجة في حالة حزب الله، بدل من "الموقف" Situation، حيث تشير الحلقات إلى
حدث يمثل جزءًا في سلسلة من الأحداث التي هي في هذه الحالة، الصراع الممتد منذ عقود بين حزب الله وإسرائيل.
(38) Berenskötter, p. 275.
(((3 يعتمد هذا المبحث، في جزء كبير منه، على الفصل الثاني من كتابي "أن تكون حزب الله:"
Saouli, Hezbollah , pp. 45–85.
الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني في إيران، وأوصلت ولاية الفقيه إلى سدّة الحكم الديني السياسي في إيران، باعتبارها علامةً بارزةً على طريق عودة الإمام المهدي. وحزب الله "يلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة"، تتمثل في الولي الفقيه؛ وهو الإمام الخميني حتى وفاته في عام 1989، ثم آية الله خامنئي منذ ذلك الوقت. وينظر الحزب إلى الفقيه على أنه "نائب المهدي" الذي، إضافة إلى مسؤوليته باعتباره زعيمًا دينيًا للأمة الإسلامية، يمهّد الطريق أيضًا لعودة المهدي. تتعلق هذه الملحوظة الأخيرة بالمستقبل، وهي على قدر من الأهمية في فهم الرسالة السياسية التي يتبنّاها حزب الله. فقد حدد الحزب لنفسه مجموعة من الأهداف السياسية الواضحة منذ ظهوره؛ إذ
دعت الرسالة المفتوحة إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والأميركي في لبنان، تمهيدًا لتحرير فلسطين من الصهيونية – حيث يعتقد أن تحرير القدس واجب ديني سياسي على كل مسلم – وتحرير المنطقة من الهيمنة الأميركية. ويمنح حزب الله معنى دينيًا وسياسيًا لهذه الصراعات السياسية؛ إذ لا يعتقد قادته
أن الجهاد ضد الاحتلال الإسرائيلي و"الاستكبار" الأميركي، يُعدّ واجبًا دينيًا فحسب، بل هو، كمايقول
نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله: "جزء من الجوانب العملية والواقعية لعملية التمهيد لعودة المهدي". وهكذا، فإنه أكثر من مجرد مقاومة لبنانية، بل "جنود الله لنصرة المهدي المنتظر". تعدّ هذه العناصر الدينية والسياسية مكوّنات أساسية في هوية حزب الله وشعوره بكينونته؛ إذ هي ضرورية
لتماسكه الداخلي، وقدرته على تعبئة الأعضاء والاحتفاظ بهم، وفهم العالم الذي توجد فيه وتشكيله، وتسويغ الأفعال والقرارات، أي تحيله فاعل هادفًا في العالم. أهم من ذلك، أن هذه العناصر هي التي حددت مسار انخراط حزب الله في لبنان والمنطقة وطبيعته – أي الكيفية التي يسعى بها الفاعلون للاندماج في السياقات الاجتماعية والسياسية، أو تغييرها، أو الحفاظ عليها. وبالنظر إلى هذا العمق الأيديولوجي، أعطى حزب الله للحرب مع إسرائيل الأولوية السياسية، وجعلهُ ذلك يتبنى المقاومة في خطابه، ويحاول جاهدًا الحفاظ على الاستقرار الداخلي في لبنان، باعتباره ضمانَ حربه مع إسرائيل. وقد تأثر نموّه وتطوّره بأولويته في مقاومة إسرائيل وشرعنة وجوده المسلح في لبنان في الفترة –1982
2000. وكان نجاحه في دحر إسرائيل من لبنان في عام 2000، وتحرير جميع المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وصموده في حربه مع إسرائيل في عام 2006، الذي اعتبره "نصرًا إلهيًا"،
عوامل عزّزت في زمنها هويته ورسالته الدينية والسياسية. ويشير قاسم إلى أن إيمان الحزب بالله
والنبي والمهدي المنتظر، جعل ذلك كله ممكنًا. وقد استمر هدف تحرير فلسطين في صوغ رسالة
حزب الله، على الرغم مما يؤكده من أن استمرار وضعه المسلح في لبنان مرُّد ه "حماية" البلاد ضد إسرائيل.
(40) Ibid., pp. 63–67. (41) Ibid., p. 70.
(((4 ينظر إبراهيم أمين السيد Ibrahim Amin al–Sayyid، في: Ibid. (((4 للاطلاع على مناقشة مستفيضة لمفهوم التنشئة الاجتماعية، ينظر: Ibid., pp. 26–32.
(44) Ibid., pp. 124–125.
على المستوى الإقليمي، يُعدّ حزبالله جزءًا رئيسًا في "محور المقاومة"، وهو التحالف الذي يربط
إيران بحرسها الثوري الإسلامي والنظام السوري وأنصار الله (االمعروفون باسم الحوثيين) وحركة الجهاد الإسلامي، وكذلك بحركة حماس، على الرغم من خلافاتهما العرَضية، ثم صارت الحركات
العراقية التي تتبع ولاية الفقيه جزءًا في هذا التحالف الإقليمي على مدار العقد الماضي. ويتشارك
التحالف أهدافَ حزب الله (وكذلك إيران)، على الرغم من وجود بعض الاختلافات، بل يمكن القول قًا لاستراتيجية حزبيُعدّ تحُّق إنه الله في الرسالة المفتوحة التي أعلنت أن طموحه هو "أن يكون لبنان
جزءًا لا يتجزأ من الخريطة السياسية المعادية لأميركا والاستكبار العالمي وللصهيونية العالمية، التي
يحكمها الإسلام وقيادته العادلة". وبعد ثلاثين عامًا من ذلك التاريخ، كرر النائب في البرلمان
اللبناني عن حزب الله، محمد فضل الله، الرسالة نفسها في أعقاب الانتفاضات العربية، قائل إن ثمة حاجة إلى تجاوز الحدود السياسية إذا ما تعرّض "الأمن القومي" للتهديد، وهو ما يسوّع تدخّل الحزب
في بلدان أخرى. لقد كان الحفاظ على التحالف، من الناحية المادية والأنطولوجية، هدفًا استراتيجيًا
له، ويفسّر هذا الهدف، على سبيل المثال، التدخل "الاستباقي" المثير للجدل والمكلف للحزب في
سورية دعمًا لنظامها التسلّطي في الفترة 2013–2012 الذي هدف إلى منع تغيير النظام، مع ما كان
سينجرّ عنه من تفكك في التحالف. ففي تلك الحرب، كان الأمن المادي لحزب الله على المحك.
وكان أنْ نجح جنبًا إلى جنب مع إيران وروسيا، في إنقاذ نظام بشار الأسد في نهاية المطاف، الأمر الذي
كشف عن قدرات حزب الله ونفوذه الإقليمي، وعزّز مرة أخرى شعوره بكينونته ورسالته. خلال العقد الماضي، شرع حزب الله وغيره من التنظيمات الفلسطينية، في الحديث عن مفهوم فضفاض هو وحدة الجبهات أو الساحات، خاصة تلك المحيطة بإسرائيل، استعدادًا ل "الحرب الكبرى". وفي آب/ أغسطس 2022، أفادت تقارير أن حسن نصر الله، التقى القادة الفلسطينيين لبحث "وحدة الساحات". ورًّدًا على تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضد لبنان في أيار/ مايو 2023، قال نصر الله: "لستم أنتم من تهدّدون بالحرب الكبرى، وإنما نحن الذين نهدّدكم بها"، وأضاف أن "أي حرب كبرى ستشمل كل الحدود، وستضيّق مساحاتها وميادينها بمئات آلاف
المقاتلين". مما لا شك فيه، إذًا، أن مسار حزب الله منذ ولادته والسرديات التي أشاعها، خاصة في العقد الماضي، عزّزت له سمعة معيّنة، وإنْ شابها استقطاب. وقد ركّزت سردياته على قوته العسكرية
وإنجازاته الملموسة والأهداف التي وعد بها، ومن بين هذه الأهداف تحرير فلسطين. ومن خلال هذا الخطاب، رفع سقف التوقعات، ولا سيما بين أنصاره أنفسهم.
(45) Ibid., pp. 130–131. (46) Adham Saouli, "Hezbollah’s Military Intervention in Syria: Causes and Consequences," in: Raymond Hinnebusch & Adham Saouli (eds.), The War for Syria: Regional and International Dimensions (London: Routledge, 2020). (47) Kassem Kassir, "The Phrases of 'Unity of Fields [of Battle]’, 'Unity of Fronts' or 'Axis of Resistance': Between Slogan and Reality," Policy Paper , Institute for Palestine Studies, 20/11/2023, accessed on 28/3/2024, at: https://tinyurl.com/c3ayy233
((4(محمد همدر، "هل ستواجه إسرائيل 'الحرب الكبرى' على عدة جبهات"، بي بي سي عربي، 2023/10/11، شوهد في
2024/3/28، في: https://tinyurl.com/4d4ttd2n
ثالثًا: السابع من تشرين الأول/ أكتوبر: القلق والحرب المقيّدة
أعلن محمد الضيف، القائد العسكري لحركة حماس، في كلمته المسجلة بعد هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر: "يا إخوتنا في المقاومة في لبنان وسورية والعراق وإيران، هذا هو اليوم الذي ستلتحم فيه الجبهات". وقد أدى هجوم الحركة إلى حدوث حلقة حرجة استجلبت القلق وانعدام اليقين إلى ساحة حزب الله الذي أكد أنه لم يكن على علم به. فكان دوره وسمعته بصفته حزبًا مقاومًا
في العالم العربي الإسلامي، ومسؤوليته الأخلاقية المتصوّرة التي تنبع من شعوره بكينونته، على المحك،
ويدعوه كل ذلك لأن يتحرك. كانت العلامات الأولية لهذا القلق تتمثل في سلوكه العسكري المنضبط في الأسابيع الأولى من الحرب، الأمر الذي أثار انتقادات من حلفائه وكثيرين من مؤيديه في العالم العربي الذين دعوه إلى التحرك على نحو أكبر، ثم في الصمت "الغامض" لأمينه العام حسن نصر الله في الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب. بيد أنّ حزب الله كان بصدد اتخاذ خطوات تهدف إلى استعادة أمنه الأنطولوجي، الأمر الذي كان يتعمّق بعد أن استحال الرّد الإسرائيلي حملةَ إبادة جماعية في غزة.
فبحلول اليوم التاسع من الحرب، على سبيل المثال، قتلت إسرائيل ما يزيد على 2600 فلسطيني. واتخذت استجابة حزب الله بُعدَين مترابطَين، فانخرط في ماأصفه هنا ب "الحرب المقيّدة"، وفي مجموعة
من الأفعال الرمزية والخطابية، بغية الحفاظ على هويته الاجتماعية، وكان الغرض من ذلك تحقيق هدفَين: استعادة أمنه الأنطولوجي والحفاظ على أمنه المادي؛ لأن حزب الله واجه معضلة مفادها أنه إنْ هو بقي على الحياد فسيخاطر بأمنه الأنطولوجي، وإنْ هو انخرط في حرب واسعة لا يمكن التنبؤ بها فسيعرّض
أمنه المادي للخطر. ولاحتواء القلق، حاول أن يرأب فجوتَين: أولاهما تلك القائمة بين سرديته عن الذات وسلوكه الفعلي في هذه الحلقة، وثانيتهما الحفاظ على استمرارية هذه الهوية الاجتماعية (بما تحمله من لُماثُل) في المستقبل. لنستكشف أوً سبب انخراط حزب الله في حرب مقيّدة. لقد أربكت هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر أكثر من سبعة عشر عامًا من الاستقرار النسبي
على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وهو روتين أبقى على ما وصفه كثيرون ب "قواعد الاشتباك" التي ضبطت إيقاع العلاقات بين حزب الله وإسرائيل على الحدود. وقد انتهى ذلك كله في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حين هاجم حزب الله مواقع إسرائيلية في مزارع شبعا المحتلة، ما أدّى إلى رد إسرائيلي. وخلال الشهور الستة الأولى من الصراع (وقت كتابة هذه الدراسة)، صعّد الطرفان
(((4 المرجع نفسه. (((5 ينظر خطاب حسن نصر الله الذي ألقاه في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، في: "السيد نصر الله: طوفان الأقصى
أسّس لمرحلة تاريخية جديدة، وكل الاحتمالات في جبهتنا مفتوحة"، تلفزيون المنار، 2023/11/3، شوهد في 2024/3/28، في:
https://tinyurl.com/43wnksd7
(((5 "تحدّث عن دور حزب الله... خالد مشعل للعربي: مستعدون لكل السيناريوهات"، التلفزيون العربي، 2024/1/16، شوهد
في 2024/3/28، في: https://tinyurl.com/2afnd4cn
(((5 "محور الممانعة... الفكرة وحدودها (4): حزب الله والضرب ضمن قواعد الاشتباك،" الجزيرة نت، 2024/1/31، شوهد في
2024/3/29، في: https://tinyurl.com/mttzxuby (53) "Rights Expert Finds 'Reasonable Grounds' Genocide is Being Committed in Gaza," UN News , 26/3/2024, accessed on 3/4/2024, at: https://tinyurl.com/bdhtea98
مستوى الصراع، لكنهما أبقيا الحرب في نطاق المناطق الحدودية بين لبنان وإسرائيل في الغالب، مع محاولات قصر الأهداف على المسلّحين من كلا الجانبين. في المواجهة المتبادلة على الحدود، حاول كل طرف ردع الطرف الآخر، ما أفضى إلى تصعيد تدرّجي،
لكنه منضبط للصراع. فاستهدف حزب الله كاميرات المراقبة والمواقع الإسرائيلية على الحدود، في حين استهدفت إسرائيل قادة حزب الله من العسكريين، وأسقطت بحلول السادس من آذار/ مارس 117 قنبلة فوسفورية على المناطق الحدودية. واستخدم حزب الله صواريخه الموجّهة المعروفة
بدقّتها، ولا سيما صواريخ كورنيت وبركان، في حين نجحت إسرائيل، مدعومة بقدرات استخباراتية كثيفة، في استهداف القادة العسكريين لحزب الله، وكذلك قادة حماس العاملين في لبنان. ففي الثاني من كانون الثاني/ يناير 2024، اغتالت إسرائيل نائب رئيس الحركة، صالح العاروري، في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله. وتضمّنت أهداف حزب الله المعلنة، كما سنرى، دعم غزة
لزيادة الضغط على إسرائيل و"ردعها" عن غزو لبنان. وفي المقابل، سعت إسرائيل لكبح قدرات حزب الله، واستهداف بنيته التحتية العسكرية، وحثّ لبنان على تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 1701، ودقّ إسفين سياسي بين حزب الله وعموم اللبنانيين. والحال هذه، يبقى السؤال القائم: ما العوامل التي قيّدت حرب حزب الله مع إسرائيل؟ ولمَ كانت حربًا
محدودة، لا حربًا شاملة، كما في عام 2006؟ تتضمن الحرب المقيّدة المحاولات الهادفة التي يقوم بها
المقاتلون لتقييد استخدامهم للعنف بسبب اعتبارات سياسية وأخلاقية وعسكرية. وقد حدد دونالد ستوكر بعض القيود التي تلجم سلوك الدولة، لكنها تنطبق في هذا الصدد على حزب الله؛ وتشمل انعدام اليقين في خصوص نيّات العدو، والخوف من "تدخّل طرف ثالث"، والبيئة الجيوسياسية، والبيئة
الداخلية، والأهداف السياسية المحدودة.
1. عدم اليقين في خصوص نيّات إسرائيل
أخذ حزبُ الله على حين غرّة حال الهجوم الذي نفّذته حماس ضد إسرائيل في السابع من
تشرين الأول/ أكتوبر. ففي هجوم جوي وبحري منسّق وصادم، تسلّلت حماس إلى الحدود بين غزة
(54) Justin Salhani, "Israel’s Toxic Legacy: White Phosphorus Bombs on South Lebanon," Aljazeera , 25/3/2024, accessed on 29/3/2024, at: https://tinyurl.com/4mmw3cxu (55) Lyse Doucet, "Hamas Deputy Leader Saleh al–Arouri’s Assassination Sparks Wider War Fears," BBC , 3/1/2024, accessed on 3/4/2024, at: https://tinyurl.com/2hrztbwc
(((5 أعلن حسن نصر الله عن هذه الأهداف خلال خطابه الأول، في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023. ينظر: "السيد نصر الله: طوفان الأقصى أسّس لمرحلة تاريخية جديدة، وكل الاحتمالات في جبهتنا مفتوحة."
(57) "Israel’s Defence Minister Says Strikes Will Increase Againt Hezbollah," Euronews , 30/3/2024, accessed on 3/4/2024, at: https://tinyurl.com/mrxz2k3p (58) Donald Stoker, Why America Loses Wars: Limited War and US Strategy from the Korean War to the Present (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), pp. 86–87. (59) Ibid., pp. 86–88.
وإسرائيل، وهاجمت بلدات صغيرة وقواعد عسكرية ومهرجانًا موسيقيًا في الهواء الطلق، وأطلقت في
الوقت نفسه آلاف الصواريخ على إسرائيل، ما أسفر عن مقتل ما يقرب من 1139 إسرائيليًا بين مدنيين
وعسكريين، واختطاف نحو 250 آخرين. وردًا على أعنف هجوم شهدته إسرائيل في تاريخها، أعلنت حكومتها اليمينية المتطرفة، برئاسة نتنياهو، حالة الحرب، وفعّلت المادة 40 من قانونها الأساسي، وحشدت زهاء 300 ألف جندي من الاحتياط. وأعلنت أن هدفها المعلن هو القضاء على حماس في غزة وإطلاق سراح الرهائن؛ أما الهدف الآخر، فكان رغبتها في استعادة قوة الردع. وأمر وزير دفاعها، يوآف غالانت؛ فرض حصار كامل على غزة وقطع الكهرباء ومنع دخول الغذاء والوقود. وأعلن: "نحن نقاتل حيوانات بشرية". وأضاف أنه "أزال كل القيود"، وأن "من يقطع الرؤوس ويقتل النساء والناجين من الهولوكوست، سنقضي عليه بلا هوادة، وبكل ما أوتينا من قوة". في الأسابيع والشهور التي تلت، استهدفت الهجمات الجوية والبحرية والبرية الإسرائيلية البنية التحتية المدنية في غزة، بما في ذلك المباني والمستشفيات والمدارس والجامعات، ما أسفر (حتى وقت كتابة هذه الدراسة) عن مقتل أكثر من 30 ألف شخص، بينهم 13 ألف طفل، إضافة إلى إصابة 71 ألف شخص، وتشريد 80 في المئة من السكان، وهذه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية. وكانت محكمة العدل الدولية قد خلصت إلى أنه "من المعقول أنّ أفعال إسرائيل ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية". وأفضت التهديدات الإسرائيلية ب "تحويل بيروت إلى غزة"، إلى أن وجد حزب الله صعوبة في التنبؤ بالطريقة التي ستتصرف بها إسرائيل؛ إذ خشي من أن تستغل هجومَ حماس والدعم الإقليمي والدولي الذي حصلت عليه لمهاجمته، وربما القضاء عليه. وها هنا يكمن تهديد أمنه المادي.
2. التخوف من تدخّل طرف ثالث
ثمة قيد آخر يتمثل في الخوف من التدخّل الأميركي في الحرب؛ إذ عرضت الولايات المتحدة الدعم العسكري والدبلوماسي والاقتصادي لمساندة إسرائيل، وأرسلت إلى شرق البحر الأبيض المتوسط حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد التي تضم "أكثر من 75 طائرة ومعدات إطلاق كهرومغناطيسية"، تحمل "خمس مدمرات مزوّدة برادارات للدفاع الجوي وصواريخ اعتراضية من طراز آيجيس Aegis ".
(((6 ا نقل عن:
Emanuel Fabian, "Defense Minister Announces 'Complete Siege' of Gaza: No Power, Food or Fuel," The Times of Israel , 9/10/2023, accessed on 21/2/2024, at: https://tinyurl.com/4bm355nr
(((6 ا نقل عن:
Emanuel Fabian & Jacob Magid, "Gallant: Israel Moving to Full Offense, Gaza Will Never Go Back to What It Once Was," The Times of Israel , 10/10/2023, accessed on 22/2/2024, at: https://tinyurl.com/2tx4ypyr (62) "Rights Expert Finds 'Reasonable Grounds' Genocide is Being Committed in Gaza." (63) Tovah Lazaroff, "Netanyahu to Hezbollah: If you Attack, We’ll Turn Beirut into Gaza," The Jerusalem Post , 7/12/2023, accessed on 3/4/2024, at: https://tinyurl.com/mshcahc6
((6(ينظر المقابلة التي أجريت مع نعيم قاسم على قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال: "نعيم قاسم، حلقة خاصة"، قناة إل بي سي، 2024/3/5، شوهد في 2024/4/3، في: https://tinyurl.com/5dv4khtc
وأرسلت إلى الخليج حاملةً مماثلة هي يو إس إس دوايت أيزنهاور. وقد استكملت بذلك أفرادها العسكريين البالغ عددهم 30 ألفًا، ب 2000 من مشاة البحرية. وحذّر الرئيس الأميركي جو بايدن حزب الله وإيران من التدخل في الحرب، حيث أوضح مستشاره للأمن القومي أنّ "تحريك الرئيس هذه القطع [كان] رسالة ردع واضحة لتوضيح أن هذه الحرب لا ينبغي لها أن تشهد أي تصعيد". ولقد أسهم سعي الولايات المتحدة لتجنّب التصعيد في ردع أي هجوم إسرائيلي وقائي ضد حزب الله.
3. البيئة الجيوسياسية
القيد الثالث هو البيئة الجيوسياسية، حيث أثار هجوم حماس على إسرائيل إدانة دولية واسعة؛ إذ دانته القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، ودعمت "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وهو الموقف الذي لم يتغيّر جذريًا خلال الشهور الثلاثة الأولى من
الحرب، على الرغم من الكارثة الإنسانية في غزة. وكانت علاقات القوى الإقليمية في المنطقة، ومنها المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، مع حركة حماس، قد شهدت توترًا
سابقًا على الحرب؛ إذ كانت تعدّها حركة "متطرفة" (في عام 2014، صنّفت هذه القوى جماعة الإخوان المسلمين التي خرجت حركة حماس من رحمها، على أنها منظمة إرهابية). وعلى الرغم من التصريحات الرسمية المدروسة التي أطلقتها الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة بشأن هجوم حماس، حيث ألقت باللائمة على الاحتلال الإسرائيلي، داعية إلى ضبط النفس، فإنها لم تعارض هزيمة الحركة وإضعاف محور المقاومة الذي تقوده إيران. واستغرق الأمر ما يقرب من شهر قبل أن يجتمع القادة العرب والمسلمون في السعودية ويطالبوا ب "وقف فوري للعمليات العسكرية"، الأمر الذي لم يسفر عن أثر عملي في الحرب، بأي حال من الأحوال. لقد أفضت عوامل مثل الدعم الغربي العلني لإسرائيل وإذعان الحكومات العربية ومعاناة سورية المشلولة اقتصاديًا والمجزأة سياسيًا،
وغياب أيّ تدخّل روسي أو صيني جوهري، إلى تقييد تصرفات حزب الله، مهّد دًا بعزله أو عزل إيران،
(65) "The Three Steps on America’s Ladder of Military Escalation," The Economist , 25/10/2023, accessed on 31/10/2023, at: https://cutt.ly/CeoBvbqP (66) Peter Baker & Farnaz Fassihi, "Fearing Escalation, Biden Seeks to Deter Iran and Hezbollah," The New York Times , 15/10/2023, accessed on 24/2/2024, at: https://cutt.ly/SeoBv6RS (67) Edward Wong, Ronen Bergman & Julian E. Barnes, "Biden and Aides Advise Israel to Avoid Widening War with Hezbollah Strike," The New York Times , 20/10/2024, accessed on 26/2/2024, at: https://tinyurl.com/yx4s2wv5 (68) "US Vetoes Another UN Security Council Resolution Urging Gaza War Ceasefire," Aljazeera , 20/2/2024, accessed on 28/2/2024, at: https://tinyurl.com/5dcr8ap9 (69) Hassan Abu Hannieh, "Why Does Saudi Arabia Describe Hamas as a Terrorist Organisation?" Middle East Monitor , 9/3/2018, accessed on 2/3/2024, at: https://tinyurl.com/bdhxn2s (70) "Saudi Arabia Declares Muslim Brotherhood 'Terrorist Group'," BBC News , 7/3/2014, accessed on 2/3/2024, at: https://tinyurl.com/yc53es5a (71) Aziz El Yaakoubi & Nayera Abdallah, "Arab and Muslim Leaders Demand Immediate End to Gaza War," Reuters , 12/11/2023, accessed on 26/2/2024, at: https://tinyurl.com/4dfsmrys
راعيه الإقليمي. ومثلها مثل الولايات المتحدة، أعلنت إيران أكثر من مرة أنها لا تريد حربًا إقليمية، وهو ما يلقي الضوء جزئيًا على ضبط النفس الذي اتّسم به حزب الله. فلم تكن البيئات الإقليمية (والدولية)
مواتية لخوض حرب شاملة.
4. البيئة الداخلية
عمل حزب الله منذ ظهوره في عام 1982 عند تقاطع ساحتَين: المجتمع اللبناني المنقسم، حيث سعى جهدَه لشرعنة وجوده المسلح؛ وصناعةالحرب War Making مع إسرائيل (ينظر الصفحات السابقة) التي تضمنت قت ل عرضيًا واستعدادًا مستمرًا للحرب. وقد أسهم تحقيق التوازن بين الضغوط
الناشئة من هاتين الساحتَين في صوغ التطور السياسي لحزب الله. وقد تزامنت هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر مع سياق كان لبنان يعاني فيه شلل سياسًّيًا وأزمة اقتصادية، فقد كان بلا رئيس
للجمهورية، ولا محافظ لمصرفه المركزي، مع حكومة تصريف أعمال وبرلمان يسوده انقسام شديد. وفوق ذلك كله، انقسامات تعانيها البلاد منذ اغتيل رئيس وزرائها السابق رفيق الحريري في عام 2005. وقد انتهى مزيج الاغتيال والحرب السورية التي انضم إليها حزب الله في عام 2012، ونفوذه السياسي والعسكري في البلاد، إلى تعميق هذه الانقسامات، وإلى شلل سياسي وتأكّل الدولة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، اندلعت انتفاضة على المستوى الوطني ضد الطائفية والفساد والإخفاقات الاقتصادية، لكنها فشلت في اقتلاع النخبة السياسية، وتعمّقت الأزمة الاقتصادية التي كانت الأسوأ في تاريخ البلاد؛ إذ أدت إلى انهيار العملة وخسارة أكثر من 98 في المئة من قيمتها المسجلة في وقت سابق من عام 2023، وارتفاع معدل التضخم إلى 171 في المئة في عام 2022، وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 36 في المئة، وزيادة مستويات الفقر، وارتفاع معدل البطالة من 11 في المئة في عام 2019، إلى 30 في المئة في عام 2022، وبقاء نصف السكان تقريبًا
تحت خط الفقر. أضف إلى ذلك أن وجود اللاجئين السوريين، وجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)، وانفجار مرفأ بيروت في عام 2020، قد أدت كلها إلى تفاقم الأزمة. وقيّدت هذه العوامل
المحلية كلها والمعارضة الواسعة لدخول حزب الله في حرب مع إسرائيل، حتى في صفوف حلفائه، تصرّفاته العسكرية. وربما خشي الحزب من أن تتسبب الحرب في أزمة لاجئين كارثية، خاصة
بالنسبة إلى سكان جنوب لبنان الذين يشكلون قاعدته الاجتماعية الرئيسة. وخلافًا لحرب عام 2006، لن يجد اللاجئون بالضرورة مناخًا مضيافًا في أجزاء أخرى من لبنان هذه المرة، وسورية المفككة لن تكون خيارًا ملائمًا لهم للجوء.
(72) Saouli, Hezbollah. (73) The World Bank, "Lebanon: Normalization of Crisis is No Road to Stabilization," 16/5/2023, accessed on 2/3/2024, at: https://tinyurl.com/2jk6z5va (74) The World Bank, "The World Bank in Lebanon," 2/11/2022, accessed on 2/3/2024, at: https://tinyurl.com/237dynt5
(((7 نقولا ناصيف، "عون: حذّرت حزب الله وخائف عليه"، الأخبار، 2024/3/15، شوهد في 2024/4/3، في:
https://tinyurl.com/498a8wcz
5. الأهداف السياسية المحدودة
لاحظ ستوكر أن رسم أهداف محدودة للحرب قد يشكل في حد ذاته قيدًا على السلوك، وقد تفعل القوى العظمى ذلك، لأنها لا تتعامل مع الحرب باعتبارها أمرًا وجوديًا. أما في حالة حزب الله، فإن
رسمه أهدافًا سياسية محدودة، ينبع من الطبيعة المقِّيِدة للحرب، على النحو الذي استكشفناه سابقًا.
وكان قد أعلن عن أن أهدافه السياسية من وراء دخول الحرب هي "دعم ومساندة غزة"، وأن حربه مع بعد أن توقف إسرائيل هجومها على غزةإسرائيل لن تنتهي إّل. لقد قيّدت العوامل المذكورة سابقًا تصرّفات حزب الله، ومنعته من الانخراط في حرب واسعة.
ويعكس ضبط النفس الذي تصرّف به الحزب انشغ ل بأمنه المادي، وقد كان في إمكانه، من الناحية
النظرية، أن يبقى على الحياد، حفاظًا على بقائه وسلامة لبنان، لكنه لم يفعل، ولا يزال يخوض حربًا مكلفة، وإن كانت مقيّدة. فبحلول 10 آذار/ مارس 2024، كان حزب الله قد فقد ما يقرب
من 222 عنصرًا من عناصره، و 35 عنصرًا من الجماعات المسلحة اللبنانية والفلسطينية الأخرى،
وجنديًا لبنانيًا واحدًا، و 42 مدنيًا لبنانيًا، وثلاثة صحافيين، فضل عن نزوح نحو 90 ألف نسمة
من جنوب لبنان، وتوقّف المدارس والشركات في المناطق الحدودية، ومعاناة القطاعين الزراعي والسياحي. ويرى حزب الله أن هذا "المستوى من الحرب كان ضروريًا كواجب [أخلاقي] تجاه
فلسطين". في النظر إلى هذه الضغوط المتعددة المستويات، سوّغ نصر الله مشاركة حزب الله في الحرب، مؤكدًا:
"قرارنا واءَم ما بين الرؤية الاستراتيجية والحاجة إلى مساندة غزة، ومراعاة المصالح الوطنية اللبنانية ".
وعلى نحو ما تفترضه نظرية الأمن الأنطولوجي، فإن "الأمن الأنطولوجي يمكنه أن يتعارض مع الأمن المادي". وحزب الله، بانضمامه إلى الحرب، كان يحافظ على هويته ويعيد إنتاجها؛ ذلك أنّ "الشرط الحاسم للفهم المستقر للذات هو أن تدعمه الأفعال بمرور الوقت"، فكان من شأن القيام بخلاف ذلك أن يعرّضه للعار والإدانة، لكنه ربما انتهى أيضًا إلى تأكّل استراتيجيته الطويلة المدى، مثلما يرِد في
هذه الدراسة. ولذلك كان حزب الله، إضافة إلى الحرب، يحاول استعادة أمنه الأنطولوجي من خلال الخطاب وإعادة إنتاج سردياته.
(76) Stoker, p. 87.
(((7 ينظر: "السيد نصر الله: طوفان الأقصى أسّس لمرحلة تاريخية جديدة، وكل الاحتمالات في جبهتنا مفتوحة."
(78) "Death Toll in Lebanon," Lorient Today , Instagram, 8/10/2023–3/3/2024, accessed on 30/3/2024, at: https://tinyurl.com/bd2nv5kz (79) Salhani.
(((8 ينظر: "نعيم قاسم، حلقة خاصة." (((8 "النص الكامل لكلمة السيد نصر الله بالذكرى السنوية الرابعة لاستشهاد القائدَين سليماني والمهندس"، تلفزيون المنار،
2024/1/4، شوهد في 2024/3/29، في: https://tinyurl.com/yznw9y5v (التشديد في النص من إضافتنا)
(82) Mitzen, p. 342; Steele, p. 2. (83) Mitzen, p. 344.
في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كتب نصر الله رسالة إلى وسائل الإعلام المرتبطة بحزب الله، يطلب منها تسمية جميع المقاتلين الذين يسقطون في المعركة ب "الشهداء على طريق القدس". وأضاف أن هذه التسمية، جاءت "تأكيدًا على هوية التضحيات التي تقَّدَم في سبيل الله تعالى على حدودنا اللبنانية مع فلسطين المحتلة [...] والإعلان عن ارتقاء أي شهيد جديد بالشهيد على طريق القدس". وفعل الكلام في هذا الصدد يخدم أكثر من غرض؛ إذ يؤكد من جديد المثُل الدينية والسياسية والالتزامات الأخلاقية التي يحملها حزب الله، وهو أمر مهمّ للاستقرار الأيديولوجي لذاتيته الخاصة،
لكنه موجّه أيضًا إلى إعادة التأكيد على التزامه تجاه حلفائه الإقليميين، ويدعم فعله هذا التحالف،
ذلك أن حزب الله من خلال دفعه بفكرة "على طريق القدس"، إنما يعمل على صوغ المستقبل أيضًا؛ إذ تبقى الرموز مهمة بغية الاحتفاظ بالأعضاء والإبقاء على شرعية الحزب. ولْنقارن ذلك بحركة أمل، وهي حركة لبنانية شيعية أخرى، انضمت أيضًا إلى الحرب، وإنْ على نطاق أضيق، حيث تصف مقاتليها الذين سقطوا في الحرب أنهم شهداء "الدفاع عن الجنوب ولبنان". ورًّدًا على سؤال حول سبب تباين الشعارات، قال مسؤول في أمل: "نختلف معه في الرؤية العسكرية والاستراتيجية. هو مع وحدة الساحات في محور المقاومة، ونحن مع وحدة أراضي الجنوب ولبنان". وعلى نحوٍ أثار غضب كثيرين من اللبنانيين، وربما بتكلفة سياسية باهظة، فتح حزب الله الجبهة الجنوبية أمام الجماعات الفلسطينية المسلحة الأخرى، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي، للقيام بعمليات ضد إسرائيل. وقد خدم الإجراء أغراضًا؛ إذ لم يرغب حزب الله في أن يسَّو ى بالنُظم
العربية التي تلُام على إغلاقها الحدود في وجه الجماعات التي تريد محاربة إسرائيل، وُتتّهم بأنها "تحمي" حدود هذه الأخيرة. بيد أنه كان يؤكد أيضًا التزامه الديني والسياسي بالمعركة المشتركة ضد إسرائيل التي توحّد أعضاء محور المقاومة، في سعي منه، مرة أخرى، لتضييق الفجوة بين خطابه
وسلوكه. وقد شدّد نصر الله في خطابات عدة على الكيفية التي هبّت بها "الساحات" و"الجبهات"
المختلفة لمساندة غزة، في كل من لبنان وسورية واليمن والعراق، ودور إيران الحاسم في دعم هذه الجهود وتنسيقها؛ الجهود التي بدأت قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. ويؤكد نصر الله أن ما قام به الحزب إنما يربط أفعال الماضي بالحاضر، المتمثل في حرب غزة، وبالمستقبل. ولدحض الاتهامات التي حاولت إدانة حزب الله، نظرًا إلى عدم انخراطه بالقدر الكافي في الحرب،
استخدم نصر الله خطاباته للدفع بأهمية التضحيات التي يتحمّلها الحزب لأجل غزة، والثمن المقابل
الذي تدفعه إسرائيل، فيستعيد بذلك أمنه الأنطولوجي. وقد أكد ذلك بقوله: "اليوم جبهة لبنان استطاعت
(((8 للاطلاع على الرسالة، ينظر: "نصر الله طلب تسمية عناصر حزب الله الذين سقطوا منذ تشرين الأول بالشهداء على طريق
القدس"، النشرة، 2023/10/25، شوهد في 2024/2/3/29، في: https://tinyurl.com/5n6ex3b3 ((8(ينظر: آمال خليل، "شهداء الحركة 'على طريق لبنان' | أمل في قلب المواجهة: عودة إلى الجذور"، الأخبار، 2024/2/6، شوهد في 2024/4/3، في: https://tinyurl.com/muzpn5es. والشكر هنا لوسيم مروة، لأنه لفتني إلى هذه الفكرة.
(86) Kassir.
(((8 ينظر: "كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في احتفال يوم الشهيد 2023/11/11 "، تلفزيون المنار، 2023/11/11،
شوهد في 2024/4/3، في: https://tinyurl.com/bdfmpjju
أن تجذب ثلث الجيش الإسرائيلي إلى حدود لبنان [...] ونصف الدفاع الصاروخي الإسرائيلي موجّه
باتجاه لبنان [...] والعمليات أدّت إلى نزوح عشرات الآلاف من المستوطنات وإخلاء عشرات الآلاف في الشمال [...] وهذا كله يشكل ضغطًا نفسيًا وحياتيًا واقتصاديًا ومالّيًا "، وأن "هذه بعض الثمار
المباشرة للمعركة على حدودنا". وإذا كانت الحرب بين حزب الله وإسرائيل مكلفة بالنسبة إلى إسرائيل، فليس من المؤكد إذا ما كانت قد أحدثت أثرًا مباشرًا في سلوك إسرائيل في غزة. يكشف الخطاب المذكور آنفًا كيفية محاولة حزب الله استعادة أمنه الأنطولوجي في هذه الحلقة الحرجة. والواضح أنه حاول، من خلال الحرب المقيّدة وخطاب التسويغ، ربط هويته والتزاماته
الأخلاقية المدرَكة بأفعاله: "هذه المعركة لا غبار عليها على المستوى الشرعي الأخلاقي والشرعي
الإنساني، وهي من أعظم مصاديق الشهادة في سبيل الله". وحاول ربط هذه الحلقة الحرجة بالمستقبل: "نعاهد جميع [شهدائنا] بالمُضيّ في هذا الطريق كمقاومة [...] نحفظ أهدافهم [...]
ونُراكم إنجازاتهم، لنصل إلى النصر النهائي، والنصر النهائي آتٍ آتٍ آتٍ آتٍ إن شاء الله. أجيالنا هذه هي التي ستشهد تحرير فلسطين وتحرير القدس [...] وهذا ما ستثبته الأيام والأسابيع والشهور والسنوات المقبلة". لقد كان حزب الله وهو يحاول استعادة أمنه الأنطولوجي، يعيد أيضًا ترسيخ رؤيته التي تُعدّ أساسية لشعوره بذاتيته، ومن خلال ذلك، كان يحاول أيضًا رسم المستقبل.
خاتمة
حاولت هذه الدراسة تفسير انخراط حزب الله المحيّر في حرب غزة، حيث لم يخُض حربًا شاملة، لكنه
أيضًا لم يبقَ على الحياد. بل، على نحو ما بيّناه، شنّ "حربًا مقيّدة"؛ بهدف استعادة أمنه الأنطولوجي
والتعامل مع القلق الذي أحدثته هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. وخلصت إلى أن حزب الله حاول الموازنة بين استعادة أمنه الأنطولوجي، من دون تعريض أمنه المادي للخطر. ومن خلال الحرب المقيّدة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وسلسلة من الأفعال الخطابية، حاول تضييق الفجوة بين
هويته الاجتماعية وأفعاله، وهكذا كان يحافظ على سمعته ودوره، بصفته "حزب مقاومة"، وتلك التي ترتبط بتحالف محور المقاومة الذي ينتمي إليه. توفر حالة حزب الله تبصّرات نظرية مهمة. أولها أنها توضح كيف يمكن أن يتفاعل الأمن المادي
والأمن الأنطولوجي في خضمّ حلقات حرجة معينة على نحو يساعد في تفسير النتائج. وفي حالة
حزب الله، فإن أهداف الحفاظ على الحزب من الناحية المادية هي التي أسهمت في صوغ مقاربته لاستعادة أمنه الأنطولوجي، وقد مهّدت هذه المحاولات الطريق للحفاظ على هويته والتحالف
(((8 "السيد نصر الله: طوفان الأقصى أسّس لمرحلة تاريخية جديدة، وكل الاحتمالات في جبهتنا مفتوحة." (((8 المرجع نفسه. (((9 "كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في احتفال يوم الشهيد."2023/11/11
الإقليمي الذي ينتمي إليه. وثانيها أنها تكشف أن الفاعلين لا يحتاجون إلى اعتبار الأفعال الروتينية غايات في حد ذاتها، بل قد توفر لهم هذه بيئة قابلة للتنبؤ، حيث تمكّنهم من إعادة إنتاج أمنهم
الأنطولوجي. وفي حالة حزب الله، دركت الأفعال الروتينية أنها فترات زمنية، قد تحدث فيها أُ اضطرابات محتملة. وبالفعل فقد شملت الفترات المستقرة عناصرَ قد تشكّل مكوّنات للاضطرابات
المحتملة في المستقبل، على نحو الاستعداد للحرب. فكينونة حزب الله، إلى جانب شعوره برسالته، ترنو به إلى المستقبل. وفي حين يلوح الخطر في انزلاقه إلى حال السكون أو المحافظة السياسية، فإن الإخفاق في الوفاء برسالته قد يهدّد بفقدانه المعنى، وتقويض دوره وسمعته وعلّته بصفته حزبًا
سياسيًا مسلحًا داخل مجتمع منقسم.
شكر وتقدير
أود أن أشكر مي درويش وعماد منصور ووسيم مروة وفاسيليوس بايبيس Vassilios Paipais، والمحكمين مغفلي الهوية، على ملاحظاتهم واقتراحاتهم في شأن المسَّوَدات الأولى لهذه الدراسة.
وأعبّر عن خالص الشكر لعومرية سلطاني؛ لترجمتها الدراسة من الإنكليزية إلى العربية.
المراجع
References Berenskötter, Felix. "Anxiety, Time, and Agency." International Theory. vol. 12, no. 2
Berjaoui, Mohamad–Mehdi. "The Ideational and Material Factors of Hezbollah’s Foreign Policy: The Case Studies of Syria and Iraq 2003–2017." University of St Andrews. 2023. (Unpublished Thesis) Checkel, Jeffrey. "Norms, Institutions, and National Identity in Contemporary Europe." International Studies Quarterly. vol. 43, no. 1 (1999). Darwich, May. "The Ontological (In)Security of Similarity Wahhabism Versus Islamism in Saudi Foreign Policy." Foreign Policy Analysis. vol. 12, no. 4 (2016). Giddens, Anthony. The Constitution of Society. Cambridge: Polity Press, 1984. ________. Modernity and Self–Identity: Self and Society in the Late Modern Age. California: Stanford University Press, 1991. Huysmans, Jef. "Security! What Do You Mean? From Concept to Thick Signifier." European Journal of International Relations. vol. 4, no. 2 (1998). Hinnebusch, Raymond & Adham Saouli (eds.). The War for Syria: Regional and International Dimensions. London: Routledge, 2020. Jamal, Amal. "Ontological Counter–Securitization in Asymmetric Power Relations: Lessons from Israel." International Studies Review. vol. 22, no. 4 (2019). Kassir, Kassem. "The Phrases of 'Unity of Fields [of Battle]', 'Unity of Fronts' or 'Axis of Resistance': Between Slogan and Reality." Policy Paper. Institute for Palestine Studies. 20/11/2023. at: https://tinyurl.com/c3ayy233
Krickel–Choi, Nina C. "The Concept of Anxiety in Ontological Security Studies." International Studies Review. vol. 24, no. 3 (2022). Laing, Ronald D. The Divided Self: An Existential Study in Sanity and Madness. London: Penguin Books, 1969. Lebow, Ned Richard. The Tragic Vision of Politics: Ethics, Interests, and Order. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Mearsheimer, John. The Tragedy of Great Power Politics. New York/ London: W. W. Norton & Company, 2001. Mitzen, Jennifer. "Ontological Security in World Politics: State Identity and the Security Dilemma." European Journal of International Relations. vol. 12, no. 3 (2006). Rumelili, Bahar. "Integrating Anxiety into International Relations Theory: Hobbes, Existentialism, and Ontological Security." International Theory. vol. 12, no. 2 (2020). Reiners, Wulf & Ebru Turhan (eds.). EU–Turkey Relations. Cham: Palgrave Macmillan,
Saouli, Adham. "Intellectuals and Political Power in Social Movements: The Parallel Paths of Fadlallah and Hizbullah." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 41, no. 1 (2014). ________. Hezbollah: Socialisation and its Tragic Ironies. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2019. Steele, Brent J. Ontological Security in International Relations: Self–Identity and the IR State. New York: Routledge, 2008. Stoker, Donald. Why America Loses Wars: Limited War and US Strategy from the Korean War to the Present. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. The World Bank. "Lebanon: Normalization of Crisis is No Road to Stabilization." 16/5/2023. at: https://tinyurl.com/2jk6z5va _________. "The World Bank in Lebanon." 2/11/2022. at: https://tinyurl.com/237dynt5 Tillich, Paul. The Courage to Be. New Haven/ London: Yale University, 2000. Walt, Stephen M. The Origins of Alliances. Ithaca, NY/ London: Cornell University Press, 1987. Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Reading, MA/ London: Addison Wesley, 1979. Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.