العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نظريات الخصوبة: هل يتصف الديموغرافيون بالحياد؟

نظريات الخصوبة: هل يتصف الديموغرافيون بالحياد؟

Fertility Theories: Are Demographers Neutral?

هنري لوريدون| Henri Leridon *

** Translated by Mada Shuraiki ترجمة مدى شريقي|

الملخّص

* باحث أول فخري، المركز الوطني للدراسات السكانية، باريس. ** أستاذة علم الاجتماع في جامعة تشرين، سورية. *** هذا النص ترجمة عن الفرنسية للدراسة المنشورة في:

Abstract

This article retraces the history of fertility theories as illustrated by 23 founding texts grouped together in a single volume Les théories de la fécondité (2014). Until recently, no reliable statistics were available for the analysis of fertility behaviours, which were treated rather as a question of philosophy, morals, political science or religion. It was not until the birth of the social sciences in the nineteenth century that the first real theories of fertility started to emerge. At that time, the demographic transition in Europe and the accompanying social and economic transformations gave rise to new demographic behaviours for which a theoretical framework was needed. Many new disciplines were brought into play, including anthropology, sociology, economics, political science and psychology. Paradoxically, demographers were slow to develop theoretical approaches, doubtless because the discipline first made its name as a quantitative science. Indeed, no overarching, generally acknowledged theory of fertility has yet been developed. These different approaches are illustrated through a series of pioneering texts. They present theories drawn from a wide range of disciplines and include analyses from the perspectives of birth control and gender.

الكلمات المفتاحية:
  • خصوبة
  • نظريات السكان
  • تعدد التخصصات
  • سلوك ديموغرافي
  • محددات الخصوبة
Keywords:
  • Fertility
  • Theories of Population
  • Multidisciplinary
  • Demographic Behaviour
  • Determinants of Fertility

ملخص: تتتبع الدراسة تطوّر نظريات الخصوبة من خلالثلاثة وعشرين نصًا تأسيسيًا،

مجمّعة ضمن كتاب مرجعيّ بعنوان نظريات الخصوبة (2014). والحال أنّ التفكير في

سلوكات الخصوبة بقي خلال مراحل زمنية طويلة غير قادر على الاستناد إلى أيّ بيانات

إحصائية موثوقة، بل اندرج بالأحرى في إطار الفلسفة أو الأخلاق أو العلوم السياسية أو

الدين، ولم تظهر نظريات فعلية عن الخصوبة إلا مع ولادة العلوم الاجتماعية بحلول القرن

التاسع عشر. وأدّى التحول الديموغرافي الذي شهدته أوروبا في تلك الفترة، وما رافقه

من تحولات اجتماعية واقتصادية، إلى ظهور سلوكات ديموغرافية مستجدّة، ونجم عن

ذلك نشوء أطر نظرية جديدة، تسهم فروع معرفية جديدة عدة في تسليط الضوء على هذه

التحليلات: الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية وعلم النفس. لكن

من المفارقة أنّ الديموغرافيا تأخّرت في تطوير مقارباتها النظرية، ويرجع ذلك، بلا شك،

إلى أنها عملت على تثبيت أركانها باعتبارها علمًا كّماّ يًا. لذا، فإنه ممن نظرية متّفق عليها

في شأن الخصوبة اليوم، وسيجري عرض هذه المقاربات المتنوعة من خلال مجموعة

مختارة من النصوص الرائدة، والنظريات من مختلف الاختصاصات، والتحليلات المتعلّقة

بضبط النسل ومقاربات النوع الاجتماعي.

Abstract: This article retraces the history of fertility theories as illustrated by 23 founding texts grouped together in a single volume Les théories de la fécondité (2014). Until recently, no reliable statistics were available for the analysis of fertility behaviours, which were treated rather as a question of

* باحث أول فخري، المركز الوطني للدراسات السكانية، باريس.

Emeritus Senior Researcher, Institut national d’études démographiques, Paris. Email: leridon@ined.fr

** أستاذة علم الاجتماع في جامعة تشرين، سورية.

Professor of sociology at the University of Tishreen, Syria. Email: mada.shuraiki@yahoo.fr

*** هذا النص ترجمة عن الفرنسية للدراسة المنشورة في:

Population , vol. 70, no. 2 (2015), pp. 331–373.

philosophy, morals, political science or religion. It was not until the birth of the social sciences in the nineteenth century that the first real theories of fertility started to emerge. At that time, the demographic transition in Europe and the accompanying social and economic transformations gave rise to New demographic behaviours for which a theoretical framework was needed. Many New disciplines were brought into play, including anthropology, sociology, economics, political science and psychology. Paradoxically, demographers were slow to develop theoretical approaches, doubtless because the discipline first made its name as a quantitative science. Indeed, no overarching, generally acknowledged theory of fertility has yet been developed. These different approaches are illustrated through a series of pioneering texts. They present theories drawn from a wide range of disciplines and include analyses from the perspectives of birth control and gender.

مقدمة

ليست مساعي فهم سلوك الخصوبة، بل ضبطه أحيانًا، مطمحًا حديث العهد؛ ذلك أنّ كلّ

تفكير في مستقبل مجتمع بشريّ ما يكاد يمرّ حتمًا في لحظة معيّنة بتحليل لأنماط التكاثر

Reproduction، ولمدى قدرة الأخير على تأمين بقاء السكان أو نموّهم. بيد أنّ هذه التأملات

الفكرية بقيت في مراحل زمنية طويلة عاجزةً عن أن تستند إلى بيانات إحصائية موثوقة؛ فكانت تأخذ بالأحرى طابعًا فلسفيًا أو أخلاقيًا، أو مرتبطًا بالعلوم السياسية، أو بالدين بطبيعة الحال.

والواقع أنه بدا غنيًا عن البيان، فترة طويلة، اعتقاد ضرورة تبنّي هدف يقوم على تهيئة الظروف

الملائمة لإنجاب أكبر عدد ممكن من المواليد، نظرًا إلى انخفاض احتمالات بقاء الأطفال على

قيد الحياة حتى سنّ البلوغ (أو انطلاقًا من الرغبة في زيادة عدد السكان في مواجهة المجموعات السكانية الأخرى). تهدف هذه الدراسة إلى تقديم معلومات عن المقاربات النظرية التي أثّرت في أعمال الديموغرافيين منذ قرنين من الزمن. وهي تعيد عرض مقدّمة مؤَّل نشره المركز الوطني للدراسات السكانية في باريسفٍ

INED في سلسلة "نصوص أساسية" (ّيُنظر النّص المؤطّر أدناه)، مخّصصٍ لنظريات الديموغرافيا، ويركّز على المقاربات النظرية للظواهر الديموغرافية وليس على مناهج التحليل أو جمع البيانات. ومن يَطرح مع ذلك قضايا جوهرية ومشكلات في التفسير المعلوم أنّ بعض الخطوات المنهجية التطبيقية قد تعكس تساؤلات نظرية.

(((ينظر:

Norman B. Ryder, "La mesure des variations de la fécondité au cours du temps," in: Henry Leridon (dir.), Les théories de la fécondité , Les manuels et textes fondamentaux (Paris: INED, 2014), ch. 4.

اختيار المقالات المنتقاة في "نظريات الخصوبة" بالنظر إلى عدد المقالات التي اقتُبست في العمل لكن من دون الاحتفاظ بها باعتبارها مقالات مرجعية، يبدو جليًا أنه كان في الإمكان تضمين العديد من النصوص الأخرى. وليس

تُرجمت وأعيد عرضها هنا إقرارٌ بأهميتها دون في انتقائنا للنصوص الثلاثة والعشرين التي غيرها، بل هو مجرّد خيار متعَّمَد يهدف إلى تغطية مجال نظريات الخصوبة في أوسع نطاق

ممكن، مع وجود عنصرِ ذاتيةٍ مفرّ منه. وتوجد مقالات جيدة جًّدًا عديدة لم نعرضها هنا، لا

ويرجع ذلك ببساطة إلى أنّ آخرين سبق أن تناولوا موضوعها. وأعطينا الأفضلية للنظريات "الراسخة" على حساب تلك الناشئة مؤّخ رًا والتي من غير الممكن قياس مدى أهميتها

بعد، مع إحالة القارئ إلى المراجع العديدة المذكورة لإثراء معرفته بالموضوع. وأخيرًا،

تشكّل المقالات ذات الصّلة بموضوعنا، والتي تمتد إلى نطاق الموضوع الأوسع للتحول

الديموغرافي، مجالَ مؤَّلمَ آخر سيُنشر في عافٍ 2016 في سلسلة "نصوص أساسية"، لذا

فإننا لم نضمّنها هنا.

أولا: المقاربات  الأولى للخصوبة

ترجع بدايات "التنظير" للخصوبة إلى أواخر القرن السابع عشر، والقرن الثامن عشر بوجه خاص، وذلك مع ولادة "الحساب السياسي" Arithmétique Politique في إنكلترا، ثمّ في إطار المناقشات التي تناولت تطوّر السكان الأوروبيين. فعلى سبيل المثال، ألقى تشارلز مونتسكيو على الدين مسؤولية التناقص المفترَض في أعداد السكان الأوروبيين منذ الحقبة الرومانية. وفي الرسالة 113 من روايته

رسائل فارسية، نجده ينسب إلى رضي المقولة الآتية: "بعد إجراء حسابات بأقرب ما يكون إلى الدقّة في أمور مثل هذه، وجدتُ أنّ الأرض لا تكاد تضمّ اليوم  عُشر ماكان عليها من بشرٍ في زمن قيصر. والمدهش في الأمر أنّها تخلو من السكان أكثر فأكثر يومًا بعد يوم". بل إنّ قيمة "العُشر" هذه ما لبثت أن أصبحت "واحدًا في الخمسين" في بعض الطبعات اللاحقة. وهذا تأكيد لن يعود [مونتسكيو] إلى تبنّيه في مؤلّفه روح القوانينلعام  1748، وجدل عقيم ما دمنا لا نمتلك في شأنه أيّ بيانات ديموغرافية ذات موثوقية معقولة.

(2)  William Petty, Cinq essais sur l’arithmétique politique , M. Dussauze & M. Pasquier (trad.) (Paris: Giard et Brière,

(((رضي أو ريدي Rhédi هو شخصية من شخصيات مؤلّف رسائل فارسية لمونتسكيو، وهو فيلسوف يعيش في مدينة البندقية، وتقوم مراسلات عديدة بينه وبين الشخصيتين الرئيستين في الكتاب: أوزبك Usbek وريكا Rica. (المترجمة)

(4)  Charles de Montesquieu, Lettres Persanes , P. Brunel (dir.), vol. 2 (Amsterdam: Cl. Philibert, 1765 [1721)]), Lettre CXIII [113], p. 102.

(((حول الجدل الدائر عن السكان وانخفاض أعدادهم في القرن الثامن عشر، ينظر:

Carol Blum, Croître ou périr: Population, reproduction et pouvoir en France au xviiie siècle , Études et enquêtes historiques (Paris: INED, 2013).

اجتذب سؤال، يبدو أول وهلة هامشًّيًا نوعًا ما، اهتمام المراقبين في وقت مبكّر جدًا، وهو سؤال نسبة

الجنس عند الولادة Rapport de masculinité à la naissance. فعلى الرغم من أنّ جون غرونت كان قد بيّن بالفعل، استنادًا إلى إحصاءات من مدينة لندن، أن نسبة الجنس تقع عند حٍّدٍ يتجاوز قليل

مئة مولود ذكر لكلّ مئة مولودة أنثى، فإنّ النقاش ظلّ مفتوحًا في ما يخصّ الأهمية العامة التي تقدّمها

هذه النتيجة. ورأى مونتسكيو "أنّ قانون تعدّد الزوجات هو مسألة حسابية"، مجادل بأنّ "الروايات المتعلّقة بآسيا تخبرنا أنّ عدد الولادات من الإناث هناك يتجاوز كثيرًا ولادات الذكور"، وبذا فإنّ

"قانون المرأة الواحدة في أوروبا، والقانون الذي يسمح بعدّة نساء في آسيا، يرتبطان نوعًا ما بالمناخ". ومع ذلك، يظلّ مونتسكيو حذرًا، ويرى أنّ تعدد الزوجات "لا يفيد النوع البشري مطلقًا" على أيّ حال.

وفي المقابل، يزيح جامع البيانات الكبير يوهان بيتر سوسميلش، والمحلّل الدقيق جان باتيست موهو كلّ هذا التردد جانبًا، بل إنّ سوسميلش رأى في فائض الذكور الطفيف عند الولادة مظهرًا من

مظاهر العناية الإلهية، يستبقُ فرط الوفيات بين الذكور surmortalité des hommes قبل سنّ البلوغ ووقت الزواج. قدّم لنا أولئك الذين بذلوا أولى الجهود، لجمع البيانات الإحصائية عن تطور السكان، معلوماتٍ مفيدةً عن مستويات الوفيات والخصوبة وتبايناتها، من دون ادّعاء المضيّ بالتحليل التفسيري إلى حدود بعيدة،

ونذكر في هذا الصدد مؤَّلَفات غرونت وسوسميلش وموهو. ويقدّم مؤَّلَف غرونت بعنوان ملاحظات طبيعية وسياسية مستندة إلى قوائم الوفياتعرضًا لبعض وجهات النظر التي تتناول دينامية السكان باستخدام حسابات بدائية جًّدًا، ولكن بلا أي مطمح تفسيري أو معياري. أمّا الكتاب الذي وضعه

القس سوسميلش المعنون ب  النظام الإلهي في تغيرات الجنس البشري، مُثبتًا وفق الولادات والوفيات وانتشار النّوع، فيقدّم توليفًا لأفضل ما  في المعرفة الديموغرافية في ذلك الحين، ويبحث في "وسائل زيادة أعداد السكان أو خفضها"، فيذكر منها بوجه خاص الدين والقوانين الزراعية والتطلّع إلى الرفاه، ويحمل رؤية متفائلة تستند إلى مبادئ الديانة المسيحية، وتخلص (منذ مئتين وخمسين عامًا) إلى أنّه

(((نشير إلى أنّ الترجمة الحرفية عن الفرنسية لتعبير masculinité de Rapport هي "نسبة الذكور إلى الإناث"، بيد أنّنا اعتمدنا مع

ذلك التعبير الأكثر شيوعًا في الإشارة إلى هذا المفهوم وهو "نسبة الجنس"، المأخوذ عن الإنكليزية Ratio Sex، ومن المتداول أيضًا

تسميته "نسبة النوع". (المترجمة)

(7)  John Graunt, Observations naturelles et politiques répertoriées dans l’index ci–après et faites sur les bulletins de mortalité , E. Valquin (trad.), Classiques de l’économie et de la population (Paris: INED, 1977 [1662]). (8)  Charles de Montesquieu, De l’Esprit des Lois , 2 ème ed. (Genève: Barrillot et fils, 1750). (9)  Ibid., Livre XVI, ch. IV. (10)  Johann Peter Süssmilch, L’Ordre divin dans les changements du genre humain, prouvé d’après la naissance, la mort et la propagation de l’espèce , Études et enquêtes historiques (Paris: INED, 1998 [1741]). (11)  Jean–Baptiste Moheau, Recherches et considérations sur la populat i on de la France , Edition annotée par E. Vilquin, Classiques de l’économie et de la population (Paris: INED, 1994 [1778]).

(((1 في ما يخصّ هذه المسألة المتعلّقة بنسبة الجنس، ينظر:

Eric Brian & Marie Jaisson, Le sexisme de la première heure: Hasard et sociologie (Paris: Raisons d’agir, 2007). (13)  Graunt.

في وسع أربعة عشر مليارًا من البشر العيش على سطح الأرض. أما  كتاب موهو بعنوان بحوث

وتأّملّات في أحوال سكان فرنسا فهو عبارة عن تجميع لجزأين مختلفين تمامًا: يستعرض  الأول البيانات

المتاحة عن السكان الفرنسيين ويناقشها، في حين يستكشف الثاني (ولعلّ من كتبه هو وكيل الملك على مقاطعة مونتيون، وكان موهو سكرتيرًا له) "أسباب تقدّم السكان وانحلالهم"، لا سيما "الأسباب

السياسية والمدنية والأخلاقية" التي تؤثّر في الخصوبة، كالأديان والخيارات السياسية والتشريعات المتعلقة بالزواج والإرث والضرائب و"الأعراف". ومعلومٌ عن موهو ارتيابه الشهير بشأن انتشار وسائل

ضبط النسل: "لقد بدأت هذه الأسرار البغيضة، والتي لا يعرفها حيوان آخر ما خلا الإنسان، في التسلل فعل إلى الأرياف؛ ها نحن نخدع الطبيعة حتى في القرى". نستطيع أن نجد في جميع النصوص المنشورة التي تتناول قضايا السكان، بدءًا من القرن السابع عشر،

شروحات مُسهبة تبحث في مسبّبات سياقٍ خصوبٍّيٍ معيّن، أو في دواعي تطوّره، لكن من دون أن تستند

هذه الأفكار بالفعل إلى بيانات، أو تخضع للاختبار على محكّ التعميم. ولم تظهر النظريات الحقّ في مجال الخصوبة إّل بعد نشأة "العلوم الاجتماعية" في القرن التاسع عشر، والحال أنّ العديد من هذه الفروع المعرفية الجديدة يمتلك بحقّ مشروعية تناول هذا الموضوع: الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية وعلم النفس، والديموغرافيا بطبيعة الحال.

ثانيًا: ليست نظرية واحدة، بل مجموعة نظريات

1. علم كمّي

بناء على ما سبق، من المفارقة أن تكون الديموغرافيا قد تأخّرت في تطوير مقاربات نظرية خاصة بها،

وهذا تركها شيئًا فشيئًا عرضةً لتدخلات الفروع المعرفية المنافِسة التي غزَتها. وقد عبّر نيثين كيفيتز عن

ذلك بقوله: "اتّسمت نشأة الديموغرافيا بفرادتها؛ ذلك أنّ العلم لم يتّصف بنزعة توسعية قط، بل إنه انسحب من حدوده ذاتها ليُخلّف وراءه نوعًا من الأرض المحايدة No Man’s Land التي في وسع

التخصصات الأخرى اجتياحها". ولعلّنا نجد تفسير ذلك في أنّ الديموغرافيا، بوصفها علمًا وُلد

جزئًّيًا من رحم الإحصاء، أرادت أن تثبت ذاتها باعتبارها علمًا كميًا يقع على الحدّ الفاصل بين "العلوم

الصلبة" Sciences dures و"العلوم الرخوة" Sciences molles. ويُقال أحيانًا أيضًا إنّ الديموغرافيا،

إلى جانب علم الاقتصاد، هي أكثر العلوم الاجتماعية كمّيةً، ليس لأنها تتعامل مع الكثير من الأرقام

فحسب، بل لأنها طوّرت كذلك صيغًا رياضيّة تعبّر عن تطوّر السكان. وعندما نشأت "المختبرات"

الديموغرافية عشيّة الحرب العالمية الثانية أو بعدها، مثل مكتب البحوث السكانية في جامعة برنستون

(14)  Süssmilch. (15)  Moheau, p. 273. (16)  Nathan Keyfitz, "Introduction: Biology and demography," in: Nathan Keyfitz (ed.), Population and Bi o logy (Liège: Ordina Editions; IUSSP, 1984), p. 1.

(((1 تعبيران يستخدمان للإشارة إلى العلوم الطبيعية والشكلية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، على التوالي. (المترجمة)

Office for Population Research، أو المركز الوطني للدراسات السكانية في باريس، حرص أغلبية أعضائها – وقد جاؤوا بالمناسبة من خلفيات علمية – تُعتبر أعمالهم مندرجةً في مجال علم على أّل الاجتماع، أو في مجال أيّ فرع معرفيّ آخر من فروع العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن هذا المنطلق،

جاء رفض كِّلِ ما من شأنه أن يُعدّ تفسيرًا ينطوي على مجازفة في تناول البيانات المتاحة: الوقائع،

لا شيء سوى الوقائع! ويتذكّر كاتب هذه السطور، الذي تتلمذ على يد لوي هنري، الانتقادات اللاذعة التي وجّهها إليه معلّمه في شأن المسودات الأولى من مقالاته، إذ بدا له أنّ الشروحات فيها لم تكن

موثّقة بما يكفي، أو أنها محض أحكام شخصية. ولعلّنا نلاحظ بالفعل أنّ هنري، الذي قدّم للديموغرافيا إسهامات هائلة، لم يقم بعمل "تنظيري" (أو حتى توليفي) في ما يتعلّق بالنتائج التي توصّل إليها، تاركًا

لقرّائه في الكثير من الأحيان مهمّة "تدبّر أمرهم" في التعامل مع الكميات الهائلة من البيانات التي عمل

على تجميعها والتحقّق منها بدقة. وتجدر الإشارة إلى أنه ما من نظرية متّفق عليها في شأن الخصوبة، وما من اتفاق حتى على عدد صغير من النظريات التي تتيح تصنيفًا للديموغرافيين تبعًا لها، وتثير نقاشًا دائمًا. وهذه ملاحظة يتقاسمها

معظم المؤلّفين الذين عملوا على مراجعة مختلف مقاربات الخصوبة، وفي ما يأتي ثلاثة أمثلة على ذلك. كتبت سوزان غرينهالغ في عام 1990: "كلما ازداد فهمنا لخصوصية انخفاض الخصوبة، ابتعدنا عن [تبنّي] نظرية عامّة عن تحولات الخصوبة". أما بخصوص الموضوع الأشمل المتعلّق

بالتحول الديموغرافي، فقد كتب جون كليلاند وكريس ويلسون: "من الواضح أنّ من غير الممكن التوصّل إلى تقويم نهائي لأيّ نظرية خاصة [عن التحوّل الديموغرافي]، لا باعتماد البيانات التاريخية،

ولا المعاصرة". وتمحور الانشغال الرئيس لدراستهما على مقارنة البيانات التاريخية التي تسمح بتحليل التحول الديموغرافي في البلدان المتقدمة، بنتائج المسوحات التي أجريت في عدد كبير من

البلدان النامية (من نوع مسح الخصوبة العالمي Enquête mondiale de la fécondité (EMF)/ World

Fertility Survey). أما ديرك فان دو كا، فقد كتب في سياق محاولته إنجاز عمل متكامل عن محددات الخصوبة، ما يأتي: "لا توجد حتى الآن 'حكاية مثبتة' واحدة، مُجمَع عليها بين المختصّين، تخّص

الإطار والشروط الضرورية الكافية لإحداث تأثير رئيس في الخصوبة".

(((1 يمكننا ملاحظة أنّ المجموعة الواسعة المكونة من عشرين مليونًا من المؤلّفات التي يقدّم غوغل Google مسحًا رقميًا لها،

تُظهِر بواسطة برنامج Viewer NGram أنّ تعبير "نظريات الخصوبة" يظهر على نحو متقطع (في المؤلّفات المكتوبة بالفرنسية) بدءًا

من منتصف القرن التاسع عشر، لا سيما في الفترات 1855–1845 و 1930–1920، ولا يتّسع نطاق استخدامه اتساعًا كبيرًا إلا بدءًا من

عام 1975. أما في المجموعات المكتوبة باللغة الإنكليزية، فلم يظهر تعبير "نظرية الخصوبة" إّل بحلول القرن العشرين، وخصوصًا

بدءًا من عام 1975 كما هو الحال بالنسبة إلى اللغة الفرنسية.

(19)  Susan Greenhalgh, "Towards a Political Economy of Fertility: Anthropological Contributions," Population and Development Review , vol. 16, no. (November 199), pp. 85–106;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 12.

(20)  John Cleland & Chris Wilson, "Demand Theories of the Fertility Transition: An Iconoclastic View," Population Studies , vol. 41, no. 2 (July 1987), p. 11. (21)  Dirk Van De Kaa, "Anchored Narratives: The Story and Findings of Half a Century of Research into the Determinants of Fertility," Population Studies , vol. 50, no. 3 (November 1996), p. 390.

يمكننا، بلا شك، تناول "نظرية التحول الديموغرافي"، التي حظيت بانتشار واسع منذ نحو خمسين عامًا، باعتبارها تتضمّن فعليًا نظرية عن الخصوبة والعوامل التي قد تسهم في تطوّرها بما يحقّق انتقالها من المستويات المرتفعة تقليدًّيًا إلى المستويات (الأضعف) التي تسجّلها المجتمعات المعاصرة الأكثر تقّد مًا. ومع أننا سنمتنع هنا عن الإشارة، صراحةً، إلى التحول الديموغرافي الذي سيشكّل موضوع مجلّد لاحق من سلسلة "نصوص أساسية"، فإننا نستطيع أن نراهن مع ذلك، من دون مجازفة كبيرة، على أنّ هذا العمل الآخر سيتوصّل في نهاية المطاف إلى خلاصة مماثلة لنتائجنا. ويمكننا أن نستشهد في هذا الصدد بالخيبة العظيمة التي نجمت عن النشر الموجَز لدراسة برنستون الكبرى عن التحول في أوروبا، والتي توصّلت إلى استحالة تعيين مؤشّرات مشتركة لبدء انخفاض الخصوبة في مختلف البلدان. والواقع أنّ هذا الفشل النسبي هو في الأساس نتاج فشلٍ في التحليلات ذات المنظور الكليّ

Macroscopique الصرف، المستندة إلى مؤشرات إحصائية وطنية وإقليمية. وكان من شأن الانتقال إلى مستوى المنظور الجزئي Microscopique (بالاعتماد أساسًا على مسوح نجزت خصّيصًا لهذا أُ الغرض) أن أبرزَ أهمية العوامل الثقافية والفردية. كذلك يمكن العثور على تفصيل نظريّ في شأن الخصوبة في مؤَّلفٍ بعنوان النظرية العامة في السكان نشره ألفريد سوفي في جزأين. والواقع أنّ هذا الكتاب الذي يقدّم لنا عرضًا تكثيفيًا وافيًا لآراء المؤِّلِف، بما في ذلك تلك التي سيعزّز من تعمّقه فيها لاحقًا، هو في المقام الأول عمل في مجال الاقتصاد؛ ذلك أنّ المؤِّلِف ينشغل بقضايا النمو الديموغرافي والحد الأمثل للسكان والشيخوخة والهجرة، والعلاقات التي تربطها بالنمو الاقتصادي والتوظيف. وانطلاقًا من قناعته بجدوى النمو الديموغرافي، أقلّه إلى حدود معدّل معيّن، يصبح من المنطقي تمامًا أن يستحضر في المجلّد الثاني من كتابه هذا "العوامل الاجتماعية للخصوبة"، و"منع الحمل" أو "الروح المالتوسية". غير أنه يكتفي بجرد للأفكار المطروحة في تفسير السلوك الإنجابي من دون تقديم أيّ عناصر جديدة. وبناء عليه، لسنا هنا أيضًا بصدد نظريّة في الخصوبة.

2. مساهمات الفروع المعرفية الأخرى

يحصل الديموغرافيون غالبًا على تكوين معرفي مزدوج، ولذلك نجد الواحد منهم يبحث في تخصّصه الثاني (علم الاجتماع أو الاقتصاد... إلخ) عن مراجع يستند إليها لبناء نظرية تسمح له بشرح السلوك الملاحَظ. ولا شكّ في أنّ المقاربات "الموضوعاتية" الأكثر تأثيرًا كانت تلك التي اتّبعها الاقتصاديون. غير أنّه لمن السذاجة الاعتقاد بقدرة كلّ فرع معرفي على تناول جانب معيّن من سلوك الخصوبة بصورة مستقلة. وكما سبق أن أشار وارن روبنسون وسارة هاربيسون، فإنّ "هنالك أوجه تشابه

(22)  Ansley Coale & Susan C. Watkins (eds.), The Decline of Fertility in Europe (Princeton: Princeton University Press,

(23)  Alfred Sauvy, Théorie générale de la population (2 vol.), 3 ème ed. (Paris: PUF, 1966 [1963]).

مهمة بين المقاربات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية". ويكمن الخطر أيضًا في أن يعتقد كلّ فرع معرفي امتلاكه الحقيقة بمفرده لمجرّد أنّ اختبارًا إحصائيًا، مثل، أثبت أنّ المتغيرات المتضَّمَنة

فيه تعكس معظم التباين الواجب تفسيره. لانأخذ مث ل بسيطًا يعكس سهولة التوصّل إلى قناعات من هذا القبيل. في بحث يتناول العوامل المفسّرة

لتباينات الخصوبة بين ولايات الهند المختلفة، اقترح باحثان تحليلاتٍ ترتكز إلى المنهجية ذاتها، وهي الانحدار المتعدد  Régression multiple، مع اعتماد كلّ ولاية بوصفها وحدة ملاحظة. وتوصّل ك. س. زكريا وسوليكا باتيل في عام 1984 ا إلى أنّ عددًا قليل من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية (وفي مقدّمتها المستوى التعليمي للمرأة) يُفسّر 91 في المئة من التباين في معدل المواليد Taux de

natalité. وفي عام 1985، توصّل أنيل كومار جاين، وبدرجة مماثلة من الثقة (تفسير 90 في المئة من التباين)، إلى نتائج تؤكّد الدور الرئيس لمتغيرات ثلاثة: العمر عند الزواج، ووفيات الرضّع، واستخدام وسائل منع الحمل. وبذا، يكون في وسع كلّ واحد من هؤلاء التباهي بقيامه بتعيين المتغيرات الرئيسة للخصوبة الهندية، لكنّ قائمتَي المتغيرات تظهران في المقابل منفصلتَين تمامًا! والحال أنّ من المفهوم تمامًا أن تكون الدراستان على صواب؛ ذلك أنّ القائمتَين ليستا مستقّلتَ ين، والمتغيرات

الاجتماعية – الاقتصادية التي اعتمدتها الدراسة خذت في الأولى تؤثّر في الواقع في المتغيرات التيأُ الاعتبار في الدراسة الثانية. في المقابل، نجد توافقًا أكبر في الآراء حين يتعلّق الأمر بالطروحات المرتبطة بالأُطر التحليلية؛ أي بالجهود المبذولة لتنظيم مختلف المتغيّرات الواجب أخذها في الاعتبار – وهي كثيرة – على نحو يتيح

فهم الروابط بينها وتقويم تأثير كلّ واحدٍ منها، وهو تأثير يتوقّف في حدّ ذاته على السياق الاجتماعي والاقتصادي. وتؤدّي هذه الأعمال دورًا أقرب إلى قيود تحول دون اعتماد براهين مضللة، وأخطاء التفسير، تمامًا مثلما يتيح حساب مؤشرات الخصوبة، من قبيل المعدلات العمرية Taux par âge، تصحيحَ الانطباعات الخاطئة التي يخلّفها حساب محض معدل للمواليد. وإننا إذ نعرض هذه المقالات

قبل التقديم النظري، فذلك بهدف تبيان ضرورة اختيار المؤشرات الصحيحة دائمًا، وفهم السياق قبل

الشروع في التحليل النظري. رت معظم الأعمال الواردة تاليًا بعد عامُنشِ 1960، بيد أنّ الأفكار الواردة فيها لم تنبثق من العدم،

وسنبدأ أول بتقديمٍ لبضع مقالات يمكن عدّها "رائدة"، ونُشرت بين عامَي 1890 و 1956. وتظّل منهجيات [هذه المقالات] غير مؤكّدة، للأسباب التي ناقشناها سابقًا، وغالبًا ما يعكس أسلوبها ولغة

(24)  Warren Robinson & Sarah F. Harbison, "Toward a Unified Theory of Fertility," in: Thomas Burch (ed.), Demographic Behavior: Interdisciplinary Perspectives on Decision–Making (Boulder: Westview Press, 1980), p. 225. (25)  K. C. Zachariah & Sulekha Patel, "Determinants of Fertility Decline in India: An Analysis," World Bank Staff Working Paper , no. 699, The World Bank (1984). (26)  Anil Kumar Jain, "The Impact of Development and Population Policies on Fertility in India," Studies in Family Planning , vol. 16, no. 4 (1985), pp. 181–198.

كتابتها أنماطَ التفكير والاهتمامات في عصرها. لكنها أثّرت، بطريقة أو بأخرى، في أعمال أجيالٍ تالية من الديموغرافيين، وبدا من المهم بالنسبة إلينا أن نخصّص لها مساحة هنا. في وسعنا أخيرًا التساؤل عن ردود الفعل الرّاجعة المحتملة. فقد كان مسعى جميع الأعمال الواردة

حتى الآن هو تفسير سلوك الخصوبة، التي تسهم بعد ذلك في تطور السكان. بيد أنّ في إمكان هذا التطور أن يؤثر في الخصوبة نفسها، وهو ما تعبّر عنه النظرية التي اُّتُفق على تسميتها "فرضية إيسترلين"

L’hypothèse Easterlin. كذلك يمكننا إدماج متغيّر الخصوبة في نموذج عامّ للتطور السكّاني،

وإدماج المتغيرات الاقتصادية أو غيرها، والتي يكون كلّ متغيّر فيها سببًا ونتيجةً في آن.

ثالثًا: الروّاد الأوائل

1. مالتوس ومنتقدوه

لا غنى لنا عن بدء مراجعتنا هذه بالتطرّق إلى روبرت مالتوس. وسنتجنّب هنا عرض مجمل إسهام

نتاجه الذي أثار الكثير من النقاش والجدل، لكننا سنتناول بالبحث مقتطفًا من الطبعة الخامسة من المقالة l’Essai، وفيها شرح لمفهوم "القيود الأخلاقية" Contrainte morale، وهي الوسيلة المفضّلة لضبط الخصوبة وفق رؤية مالتوس. وقد تعّرضةّت الطبع الأولى لانتقادات حادة، أكان

من أولئك الذين ألقوا اللوم على مالتوس لأنه يدعو إلى الخضوع للنظام القائم (على الفقراء أن يكافحوا لتجاوز ظروفهم باستخدام أساليبهم الخاصة)، أم من آخرين ممن عجزوا عن تقبّل

فكرة السعي لتخفيض عدد مخلوقات الرّب. وانطلاقًا من إدراك توماس الطابع الفظّ والتبسيطي

لمحاجّته، عمد إلى تأليف نسخة غنيّة ومعدّلة للغاية، لكنه أدرج فيها مجازَ المأدبة Banquet

الشهير الذي ما لبث أن أزاله من الإصدارات اللاحقة: "ذلك أنّ الرجل المولود في عالَم مستحَو ذٍ

عليه مسبقًا، إن هو عجِز عن الحصول على موارد عيشه من والديه اللذين له الحق في مطالبتهما بها، وإن كان المجتمع ليس في حاجة إلى عمله، فليس له أيّ حقّ في المطالبة بأصغر لقيمة طعام،

وهو في الواقع فائض عن الحاجة وما من مكان شاغر له في مأدبة الطبيعة الكبيرة". ويستبدل مالتوس بالتنظيم المستنِد إلى الوفياتضرورةَ وجود "قيود أخلاقية". وبهذا، ما عادت المسألة تتعلّق بتعديل النمو الديموغرافي بما يتوافق مع الموارد، بل بتقليص الفجوة بينهما والحدّ من الموانع التي تحول دون ذلك. ولذلك، يطلب من الأزواج خفض خصوبتهم طوعًا، ومن العازبين الشباب تجنّب الزواج ما لم يتأكّدوا من قدرتهم على إعالة أسرة. ولأنه ليس من الوارد أن يعظ قسّ

(((2 سنعود إلى هذا عند تقديم الدراسة الأخيرة في مجموعتنا المنتقاة:

Richard Easterlin, "America’s Baby Boom and Bust, 1940–80: Causes and Consequences," in: Richard Easterlin (ed.), The Reluctant Economist (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), pp. 205–218;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: 23. ch.), (dir Leridon. (((2 ترجمة غوستاف موليناري في مقدمة الطبعة الفرنسية لعام 1889، ص 16، وتظهر العبارة في نسخة الأصل الإنكليزية في الفصل السادس من الكتاب الرابع.

أنجليكاني داعيًا إلى استخدام وسائل منع الحمل، وأكثر من ذلك إلى الإجهاض، فقد كان التعفّف

الخيار الوحيد الذي يمكن طرحه، وهذا هو القيد الأخلاقي الذي ورد في المقتطف الذي ترجمه جيرمان بريفوست Germain Prévost وبيير بريفوست Pierre Prévost، وأعاد غوستاف موليناري

Gustave Molinari نشره لاحقًا.

وكما ذكرنا سابقًا، فقد تعّرضلّت أفكار مالتوس لانتقادات شديدة خلال حياته، بدأها أوً أولئك الذين

اعتزم المؤِّلِف دحض أفكارهم حدّ التشكيك فيها في عنوان المؤَّلَف نفسه، لكن يظلّ كارل ماركس أحد أشدّ خصومه ضراوةً، والذي يرى أنّ مستوى السكان يتحدّد أساسًا من خلال أنماط الإنتاج وسبل توزيع الثروة، ومن ثم فإنّه من غير الممكن أن يستند حافز ضبط النسل إلى ضرورة اقتصادية، وهذه مسألة سنعود إليها لاحقًا. وستشكّل هذه القضية موضوع مناقشات حادة في أوساط أولئك الذين جاؤوا بعد ماركس، لكن من دون أن تفضي إلى تقدّم ملحوظ في الأفكار النظرية المتعلّقة بالسلوك الإنجابي. وفي منتصف القرن التاسع عشر، أراد لامبرت أدولف كيتليه إدراج "القوانين الاجتماعية" في سلسلة القوانين الفيزيائية التي أخذ العلم يشهد توّس عًا في الكشف عنها يومًا بعد يوم، فنجده يتحدّث عن "القوى الأخلاقية" كغيرها من القوى المادية، ويضع اللبنة الأولى ل "الميول" Penchants، أو "الاتجاهات" Tendances التي سيطلق عليها الديموغرافيون ببساطة تسميتَي المعدلات Taux والنسب الاحتمالية Quotients، وسيسمّيها علماء الاقتصاد "نزوعات" Propensions و"تفضيلات" Préférences. ومع ذلك، سيظلّ التحليل في كتابه هذا تجريدًّيًا إلى حدّ بعيد.

2. الخصوبة والتقدّم

تطلّب الأمر انتظار حلول نهايات القرن التاسع عشر لنشهد ظهور مقاربة تتّصف بالجدّة بحقّ، وهي فكرة "الحراك الاجتماعي صعودًا" Capillarité sociale التي صاغها أرسين دومون في كتابه نقص السكان والحضارة، وقدّم فيه "المبدأ الجديد في السكان". فما  عاد فائض السكان هو ما تخشاه أوروبا اليوم، بل "نقص السكان". ويقترح دومون تفسيرًا بسيطًا ومقنعًا لانخفاض الخصوبة المشاهَد في

العديد من البلدان، وهو أنّ السياق الاقتصادي والاجتماعي الجديد الناجم عن الدخول في التصنيع

والتنمية الاقتصادية يفتح آفاق ارتقاءٍ اجتماعي Promotion Sociale لا تتيحها المجتمعات التقليدية، الأمر الذي يدفع الأزواج إلى الحدّ من عدد أطفالهم، إما بغية تسهيل ارتقائهم بتقليل النفقات والقيود الأسرية، أو من أجل تركيز جهودهم على عدد محدود من الأطفال لضمان حصولهم على فرصة

(29)  Thomas Robert Malthus, "De la contrainte morale et de l’obligation qui nous est imposée de pratiquer cette vertu," in: Thomas Robert Malthus, Essai sur le principe de population , 5 ème ed. (Paris: Guillaumin, 1889), pp. 30–45;

ويرد الفصل أيضًا في: Leridon (dir.), ch. 1. (((3 "مع ملاحظات بخصوص تخمينات السيد [وليام] غودوين William] Godwin [وكوندورسيه ومؤلّفين آخرين".

(31)  Lambert Adolphe Quetelet, Du système social et des lois qui le régissent (Paris: Guillaumin, 1848);

وعمل كيتليه لاحقًا على إنجاز المزيد من الأعمال الإمبريقية.

لارتقائهم اجتماعيًا. وسيعمد العديد من المؤِّلِفين إلى تبنّي هذه الفكرة، ولا تزال تُستَخدم

بصورة أو بأخرى حتى يومنا هذا، فعلى سبيل المثال حين يأخذ منحنى الخصوبة شكل حرف U (أو J)، فإننا نسوّغ بسهولةٍ وجود نقطة منخفضة بفكرة أنّ فئات الطبقة الوسطى هي الأكثر حساسية لإمكانية

الصعود الاجتماعي Ascension sociale. ويلخّص المقتطف المعنون ب "المبدأ السكاني الجديد" دًاّأطروحة المؤِّلِف جّي. وفي سياق البحث عن محددات تدنّي الخصوبة في البلدان الأوروبية، يقدّم أدولف لاندري أوّل تفسير شامل للتحوّل الديموغرافي من النظام الديموغرافي القديم إلى النظام الحديث. ومنذ مقالته المعنونة

ب "النظريات الثلاث الرئيسة في السكان"، والتي نُشرت في مجلة Scientia في عام 1909، يؤكّد بوضوح هذا التغيّر الرئيس، متحدّثًا عن "النظامَين الديموغرافَّيَين [...] اللذين تعاقبا على فرنسا"، وهما الضبط

بالعزوبة والزواج المتأخّرا أول، ثم "الحدّ الإرادي من الإنجاب ضمن الزواج"ثانيًا. ولم يأتِ على

ذكر فكرة أنّ انخفاض المولودية Natalité لربما  يكون حدث نتيجة انخفاض الوفيات Mortalité إلا  من أجل دحضها (أقله في ما يخصّ الحالة الفرنسية). وعلى الرغم من أنه يوافق على نظرية دومون، لكنه يفضّل التأكيد على السبب الحقيقي لتناقص المولودية Dénatalité، وهو روح عام 1789 [أي روح الثورة الفرنسية وما حملته من تغيّرات فكرية واجتماعية]، أي "عقلنة الحياة" Rationalisation de la vie

المقترنة بفكرة التقدم. ولا يبدو له أنّ تأثير هذا السبب سيقف عند حدّ، ومن الواضح أننا عاجزون عن وقف آثاره وغير قادرين تمامًا على التنبؤ بحدوده: "حركةٌ واسعة تتبدّى في النفوس، وتحِّرِرها من الخضوع

المستمرّ منذ قرون [...] للسلطة الراسخة [...]. نحن نطمح إلى إصلاح المجتمع، وإعادة بنائه وفق رؤى

عقلانية". وجلٌّيٌ أنّ هذا الاتجاه نحو عقلنة متزايدة للسلوك، في جميع المجالات بما في ذلك تلك

التي تمسّ وهبَ الحياة، هو اتجاه خطير لا يبدو أن لاندري يأسف له على أيّ حال، وإن يكن قلقًا بشأن

آثاره: "مهما تكن الانخفاضات التي نصل إليها [تصل إليها المولودية]، فلن تعاود الارتفاع "؛ وهذا في نظره موضوع قلق جديّ في ما يخصّ تطوّر المجتمعات الغربية.

(32)  Arsène Dumont, "Nouveau principe de population," in: Dépopulation et civilisation: Étude démographique (Paris: Vigot Frères éditeur, 1890; Economica, 1990), ch. VI, pp. 72–91;

ويرد الفصل أيضًا في: Leridon (dir.), ch. 2. (((3 سنرى ذلك مع أدولف لاندري وفيليب أرييس.

(34)  Dumont. (35)  Adolphe Landry, "Les trois théories principales de la population," Scientia (1909);

وترد أيضًا فصل في:

Adolphe Landry, La Révolution démographique: Études et essais sur les problèmes de la population (Paris: INED, 1982 [1909]), pp. 169–192; Leridon (dir.), ch. 3. (36)  Landry, p. 181. (37)  Ibid., p. 40. (38)  Ibid. (39)  Ibid., p. 191.

وسيتناول مؤِّلِف مؤثّر هو موريس هالبواكس في خاتمته ل  الموسوعة الفرنسية Encyclopédie française لعام 1936 تحليلات دومون ولاندري، إلى جانب استحضاره مقاربات كوندورسيه Condorcet ومالتوس وماركس، لكنه يضيف إليها بُعدًا جينيًا إلى حدّ ما: "إنّ خصائص الطبقات الدنيا، القابلة للانتقال، تميل إلى الانتشار في الأمة بأكملها"، وبذا يؤثّر الفقراء تدريجيًا – بفضل التحولات  –  الاجتماعية في "الطبقات النبيلة والغنيّة ". وسيعطي هالبواكس الأفضلية، بوجه خاص، ل "تمّثلّات الجماعة" Représentations de groupe ا بدل من "الدوافع العقلانية الفردية"، وهو تعارضٌ سنناقشه باستفاضة لاحقًا. أما في الولايات المتحدة الأميركية، فقد كان فرانك نوتشتاين من أوائل الذين فسّروا انخفاض المولودية في البلدان الصناعية بظهور "ضبط

عقلاني" للخصوبة، وبانتشار وسائل منع الحمل، لكننا نجد نشأة جهودٍ بحثية تتناول اتجاهات ثلاثينيات القرن العشرين في إطار عمل صندوق ميلبانك التذكاري الخصوبة وعواملها منذ منتصف Milbank Memorial Fund، الذي قدّم دعمًا كبيرًا بوجه خاص للمسح الضخم الذي جري في أُ

إنديانابوليس في عام 1941 وُنةُرت نتائجه في الفترشِ1958–1943. وقد اقتصر إجراء هذا المسح على المناطق الحضرية، وشمل أزواجًا من "العرق" الأبيض، وعمل أوّل مرة على قياس "درجة التخطيط للإنجاب"، وأظهر أساسًا أنّ الاختلافات في الخصوبة تبعًا لدرجة التخطيط لم تنجم سوى عن تباينات في فاعلية منع الحمل، أما الخصوبة "المحتملة" للأزواج فلم تسجّل أيّ تغيّر. وبذلك استُبعدت فرضية التباينات البيولوجية.

3. قياس الخصوبة

تتّسم الدراسة التي كتبها نورمان رايدر، في ختام الجزء الأول من الكتاب الصادر في عام 1956، بطابع أكثر تقنية، بيد أننا نخصص لها مكانًا هنا، انطلاقًا من فكرة أنّ من شأن امتلاك دقة أكبر في قياس الخصوبة السماح بالتوصل إلى تحليل نظري أفضل، أو الحيلولة على الأقلّ دون الوقوع في أخطاء التفسير. فعلى سبيل المثال، تزوّدنا بيانات الخصوبة تبعًا لترتيب الولادة Rang de naissance بمعلومات عن بعض أهداف الأزواج المتعلّقة بتقليل خصوبتهم: أيسعون لتجنّب أيّ ولادات على الإطلاق (وهو ما تكشف عنه نسبة الزيجات التي تبقى في حالة عدم إنجاب؛ أي عديمة الخصوبة

(40)  Maurice Halbwachs & Alfred Sauvy, "Conclusion: La politique de population," in: Maurice Halbwachs & Alfred Sauvy, Le point de vue du nombre , Classiques de la population et de l’économie (Paris: INED, 2005 [1936]), p. 356. (41)  Frank Notestein, "Population: The Long View," in: Theodore Schultz (ed.), Food for the World (Chicago: University of Chicago Press, 1945), pp. 36–57.

(((4 ينظر ملخّص أعمال ستيكس ونوتشتاين:

Regine Stix & Frank Notestein, Controlled Fertility (Baltimore: The Williams and Wilkins Co., 1940).

(((4 ينظر العرض التقديمي:

Clyde Kiser, "L’enquête d’Indianapolis sur la fécondité," Population , vol. 5, no. 2 (1950), pp. 271–290. (44)  Ryder.

تمامًا)، أم أن غايتهم هي أن يقتصر نسلهم على طفلين أو ثلاثة؟ ويمكن أن تتباين التفسيرات النظرية بشدّة تبعًا للحالة، غير أنّ من المستحيل التمييز مع ذلك بين الحالتين في ضوء مؤشّر إجمالي بسيط للخصوبة، فضل عن معدل المواليد. ويلفت لوي دبلن وألفريد لوتكا، في مقالتهما الصادرة في عام 1925، الأنظار إلى واقع أنّ معدل النمو الطبيعي Taux d’accroissement naturel (أي الفرق بين معدل المواليد ومعدل الوفيات) هو مؤشّر ضعيف في التعبير عن الديناميات "الجوهرية" للسكان؛ ذلك أنّ عدد المواليد المشاهَد في العام  t يعتمد في الواقع على التركيب العمري للسكان في التاريخ ذاته (إذ لا يسهم في المولودية سوى النساء اللواتي في سنّ الإنجاب)، وهو تركيب ينجم في حدّ ذاته عن التطورات السابقة التي شهدتها الخصوبة والوفيات. وفي ديناميات المجموعات السكانية المستقرة Populations stables، التي يعمد الباحثان إلى تقديم عناصرها الرئيسة في ملحق دراستهما، ينجم عدد الولادات عن مزيج من معدلات الخصوبة العمرية Taux de fécondité par âge ونسبة النساء في كلّ عمر من الأعمار. وفي المستقبل، يجب أن يعتمد تحليل تطور السكان، كما في حالة حساب التوقعات الديموغرافية Perspectives démographiques، على استخدام المعدلات العمرية Taux par âge؛ فهذه المعدلات هي التي يجدر بنا العمل على تفسيرها والتنبؤ بها. وقد حدث هذا الإنجاز بطبيعة الحال بالتوازي مع النقاش الذي تناول مفهوم "معدل التكاثر" Taux de reproduction، الذي وضع أسسه روبرت كوتشينسكي في عام 1931، ثمّ أدمجه لوتكا في أحد نصوصه الأخيرة في عام 1947. تطوّر النقاش في شأن قياس التكاثر "الخام" Brute أو الصافي Nette في فترة ما  بين الحربين العالميّتين (بين عامَي 1920 و 1940) في سياق مولودية آخذةٍ في الانخفاض. ومع أنّ القضية الرئيسة تمثّلت في أخذ الوفيات في الاعتبار (وكانت بدورها في تناقص)، فقد طُرحت أيضًا قضية الفرق بين المؤشّر "المقطعي" Transversal المتحَّصَل من جمع المعدلات العمرية الملاحَظة في عام  تقويمي واحد، والمؤشّر "الطولاني" Longitudinal المتحَّصَل من جمع المعدلات داخل جيل واحد. وهذه مسألة أعيد طرحها بعد الحرب العالمية الثانية، وكان من أهم محلّليها نورمان رايدر ونيثين كيفيتز

(45)  Louis Dublin & Alfred Lotka, "On the True Rate of Natural Increase," Journal of the American Statistical Association , vol. 20, no. 151 (1925), pp. 305–339. (46)  Robert R. Kuczinski, Fertility and Reproduction: Methods of Measuring the Balance of Birth and Death (New York: Macmillan, 1931). (47)  Alfred Lotka, "Evaluation of some Methods of Measuring Net Fertility with Special Regard to Recent Developments," Congrès International UIESP, Washington, 1947, pp. 717–730.

(((4 ويُسمّى أيضًا معدل التكاثر الإجمالي في ترجمة عن الإنكليزية Rate Reproduction Gross. (المترجمة)

(49)  Norman B. Ryder, "The Process of Demographic Translation," Demography , vol. 1, no. 1 (1964), pp. 74–82. (50)  Nathan Keyfitz, Applied Mathematical Demography (New York: Springer Verlag, 1985).

في الولايات المتحدة، وبيير دو بوا ولوي هنري، ثمّ رولان بريسا في فرنسا. ويبيّن رايدر، في

مقالته الصادرة في عام 1956، أهمية التحليل باستخدام الأفواج Analyse par cohort، لا سيما حين تتأثر معدلات الخصوبة اللحظية Taux de fécondité du moment بميكانيزمات تأخير الإنجاب، أو تعويض الولادات التي قد تحدث في مراحل زمنية معينة، فتؤثّر في التقويم الزمني لإنجاب الذرية؛ ذلك أنّ كلّ توليف مقطعي Synthèse transversale ضمنًا على إعطاء فكرة مغلوطة عن الذرّية ينطوي

الكلّية Descendance finale في كلّ جيل. ونجد كذلك المزيد من العرض التقني في هذا الصدد في دراستين أخريين نشرهما المؤلّف نفسه في عامَي 1956 و 1964؛ إذ يدعو – وفق ما أشارت

إليه ملاحظتنا الأولية – إلى قياس الخصوبة تبعًا لمرتبة الأمومة Parité والمدة المنقضية من الزواج

. Durée de mariage

أثيرت هذا المسألة من جديد بعد انتهاء طفرة المواليد Baby boom حين انخفضت الخصوبة في بعض البلدان الأوروبية ملامِسةً مستوياتٍ لم  تصل إليها من قبل قط. وبرز حينها شكّ مشروع في أنّ الانخفاض

في المؤشّر الظرفي Indicateur conjoncturel لم  يأتِ انعكاسًا لانخفاض الذرّية الكلّية فحسب (أي

الكم Quantum)، بل عكَس أيضًا تأجيل الولادات إلى سنّ تزداد تأُّخةُ رًا (أي الوتير Tempo). وقد

أدّت فكرة وضع مؤشرات "مقطعية" مصَّحَحة للوتيرة إلى التوصّل إلى مؤشرات  مُرضية إلى حدّ ما– إذ

لا يمكننا حقيقةً الفصل بين التأثيرَين إلا في نهاية الفترة الإنجابية للأجيال المعنية – لكنها أسهمت

بالتأكيد في تحسين قدرتنا على الحكم على اتجاهات الخصوبة.

رابعًا: أطر تحليلية منظمة

1. أخذ العوامل المُحِدِّدة في الاعتبار

تراكمت الفرضيات شيئًا فشيئًا، وتراكمت معها المتغيّرات الواجب أخذها في الاعتبار؛ ما فرض

ضرورة تنظيمها. وأدت إحدى الدراسات دورًا رئيسًا في ذلك، وهي دراسة كينغزلي ديفيز وجوديث

بليك الصادرة عام 1956. فبعد قيامهما بإعداد قائمة بمجموعة كبيرة من الدراسات الإثنولوجية، اقترحا تمييز مستويات عدّة للمتغيرات المؤثّرة في الخصوبة، وأطلقا على هذا المتغيرات تسمية

(51)  Pierre Depoid, Reproduction nette en Europe depuis l’origine des statistiques d’état civil , Statistique générale de la France, Études démographiques, vol. 1 (Paris: Imprimerie nationale, 1941). (52)  Louis Henry, "Réflexions sur le taux de reproduction," Population , vol. 1, no. 1 (1965), pp. 53–76. (53)  Roland Pressat, L’analyse démographique. Concepts, méthodes, résultats , 3 ème ed. (Paris: PUF, 1973). (54)  Ryder, "La mesure des variations." (55)  Norman B. Ryder, "Problems of Trend Determination During a Transition in Fertility," Milbank Memorial Fund Quarterly , vol. 34, no. 1 (1956), pp. 5–21; Ryder, "The Process of Demographic Translation."

(((5 ينظر على سبيل المثال:

John Bongaarts & Griffith Feeney, "On the Quantum and Tempo of Fertility," Population and Development Review , vol. 24, no. 2 (1998), pp. 271–291; Jean–Louis Rallu & Laurent Toulemon, "Les mesures de la fécondité transversale, I. Construction des différents indices," Population , vol. 48, no. 1 (1993), pp. 7–26.

"الوسيطة" Intermédiaires، وهي التي تؤثّر العواملُ الاجتماعية – الاقتصادية من خلالها في الخصوبة، وتشتمل على "الأعراف الاجتماعية" المرتبطة بشدّة ببيئة الانتماء والتي تتحكّم في سلوكات الخصوبة والزواجية Nuptialité وغيرها من المتغيرات الوسيطة، و"خصائص البنى الاقتصادية والاجتماعية" التي تحدد موقع الفرد ضمن الجماعة. وقد أثبت هذا التصنيف أنه مثمر جدًا، وكان من شأن القائمة الطويلة من "المتغيرات الوسيطة" التي وضعها ديفيز وبليك أن أوجبت الاهتمام بالعديد من العوامل التي كانت مهمَلةً إلى حدّ بعيد حتى ذلك الحين. لكنها أفضت أيضًا إلى الوقوع في خطأ كبير، فعلى امتداد ما يقرب من عشرين عامًا، وقع في الغالب تجاهل لدور الرضاعة الطبيعية – إذ كان غائبًا عن قائمتهما – بما في ذلك في الاستمارات والمسوح الديموغرافية

خلال الستينيات وحتى منتصف السبعينيات، وذلك على الرغم من عديد الأعمال التي أظهرت أهميته. لكن كما سيتبيّن لاحقًا، فقد كان الزواج والرضاعة الطبيعية المتغَّيَرين الرئيسَين في البلدان

ذات الخصوبة المرتفعة. وبالمثل، أدّى البحث في مصادر تاريخية تتناول حالة الخصوبة في المجتمعات التي لم تمارس بعُد ضبط النسل، إلى أن يعرّف لوي هنري مفهوم الخصوبة الطبيعية Fécondité naturelle، الذي

طرحه منذ عام 1953 (قبل دراسة ديفيز وبليك) في مقالته المعنونة ب "الأسس النظرية لمقاييس الخصوبة الطبيعية"، ثم في عام 1961، وكذلك في مقالة أخرى نرت باللغة الإنكليزية فيشِ عام 1961 وحقّقت نجاحًا كبيرًا. وفي غضون ذلك نشر هنري أعماله التي تقوم على نمذجة

عمليات تشكّل الأسرة، مبّي نًا أنّ الخصوبة "في النظام الطبيعي" تشكّل الأساس الذي يمكن أن

"يُبنى عليه تحليل الخصوبة "الموجّهة Dirigée. ويمكننا القول أيضًا إنّ الخصوبة الطبيعية تشكّل الجوهر الرئيس في دراسة المتغيرات الوسيطة عند ديفيز وبليك، وينطبق القول ذاته على المحددات التقريبية Déterminants proches التي سيعمل جون بونغارتز على تطويرها لاحقًا.

(57)  Kingsley Davis & Judith Blake, "Social Structure and Fertility: An Analytic Framework," Economic Development and Cultural Change , vol. 4, no. 3 (April 1956), pp. 211–235;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: 5. ch.), (dir Leridon.

(58)  Louis Henry, "Fondements théoriques des mesures de la fécondité naturelle," Revue de l’Institut international de statistique , vol. 21, no. 3 (1953), pp. 135–151. (59)  Louis Henry, "La fécondité naturelle: Observations, théories, résultats," Population , vol. 16, no. 4 (1961), pp. 625–636;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 6.

(60)  Louis Henry, "Some Data on Natural Fertility," Eugenics Quarterly , vol. 8, no. 2 (1961), pp. 81–91. (61)  Louis Henry, "Fécondité et famille: Modèles mathématiques," Population , vol. 12, no. 3 (1957), pp. 413–444;

ثمّ لاحقًا في المقالتين الآتيتين:

Louis Henry, "Fécondité et famille: Modèles mathématiques (II)," Population , vol. 16, no. 1 (1961), pp. 27–48; Louis Henry, "Fécondité et famille: Modèles mathématiques (II)," Population , vol. 16, no. 2 (1961), pp. 261–282.

نجد المفهوم نفسه مترجمًا إلى العربية بتعبير "الخصوبة المضبوطة"، استنادًا إلى المصطلح المقابل بالإنكليزية: Controlled

Fertility. (المترجمة)

ويعِّرِف هنري في دراساته المختلفة الخصوبة الطبيعية بأنها الخصوبة المشاهدة في غياب أّي

ضبطٍ للنسل، وتحكمها العوامل الفيزيولوجية. ومع ذلك، لا  يقتصر الأمر عند هذا الحد؛ إذ يركز هنري أساسًا على دراسة الخصوبة ضمن الزواج، وهو يدرك تمامًا أنّ العمر عند الزواج – الذي يتحدّد بشدّة بالبيئة الاجتماعية – يؤثّر على نحو مباشر في الذرّية الكلّية، تمامًا مثلما تعِّيِن الرضاعة

الطبيعية (وهي ممارسة فردية، لكنها تتحدّد اجتماعًّيًا إلى حدّ بعيد) الفترات الفاصلةَ بين المواليد

Intervalles entre naissances. وفي الواقع، يشير هنري إلى أن اختياره لكلمة "طبيعية" بدل من "بيولوجية" يهدف تحديدًا إلى تجنّب الالتباس. وبالنظر إلى أنّ جهود الزوجَين للمباعدة بين

المواليد، أو الحدّ من عددهم، ستؤدّي إلى خفض معدلات الخصوبة في فئة العمر الواحدة، تبعًا لعدد الأطفال الذين سبق إنجابهم، فإننا نحظى بذلك بطريقة بسيطة للكشف عن الانتقال من النظام الطبيعي إلى النظام الموجّه.

2. النمذجة

في إحدى مداخلاته في عام 1973، قدّم أنسلي كول استعراضًا سريعًا ودقيقًا لتطور الخصوبة في البلدان النامية. وبعد افتتاح تحليله باقتباس طويل مأخوذٍ عن نوتشتاين، يخلص إلى وجود ثلاثة شروط ضرورية لبدء انخفاض الخصوبة في مجتمعٍ ما، على النحو التالي: يجب أن تدخل الخصوبة في نطاق الاختيار الواعي والحساب العقلاني، وأن يُنظَر إلى انخفاضها باعتباره أمرًا مفيدًا مع مراعاة البيئة الاقتصادية والاجتماعية، وأن تتوافر تقنيات فعّالة للتحكّم فيها. وهكذا يصير ممكنًا فهم سبب فشل بعض برامج تنظيم الأسرة؛ ذلك أنّ توفير وسائل منع حملٍ للنساء لن يكون كافيًا في حال لم يُستوفَ الشرطان الآخران. وسنتناول لاحقًا على نحو واسع هذه النقاط المختلفة التي طرحها كول. وفضل عن ذلك، اقترح كول سابقًا وفق المنطق ذاته حساب مؤشّرات أربعة تهدف بصورة رئيسة

(((6 يمكن العثور على تفصيلات أخرى عن مفهوم الخصوبة الطبيعية، في:

Henry Leridon, "Fécondité naturelle et espacement des naissances," in: Annales de démographie historique 1988 (Paris: EHESS, 1989), pp. 21–33. (63)  Frank Notestein, "Economic Problems of Population Change," in: Proceedings of the Eighth International Conference of Agricultural Economists (London: Oxford University Press, 1953). (64)  Ansley Coale, "La transition démographique," in: UIESP, Actes Conférence UIESP, Liège, 1973 , vol. 1 (Liège: UIESP, 1973), pp. 53–72;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 7.

(65)  Ansley Coale, "Factors Associated with the Development of Low Fertility: An Historic Summary," in: Proceedings of The World Population Conference , Belgrade, 1965 , vol. II (New York: United Nations, 1966), pp. 205–209;

ينظر أيضًا:

Etienne Van De Walle, The Female Population of France in the Nineteenth Century (Princeton: Princeton University Press, 1974).

إلى توفير إمكانيةٍ لإجراء المقارنات بين التحليلات التي تستند إلى المسوح المختلفة التي أنجزها مشروع برنستون عن التحوّل في أوروبا، المذكور سابقًا. ويجري التعبير عن مؤشّر الخصوبة

الكلية) f I Fécondité totale (رٍ للزواجيةّ بدلالة مؤّش) m I (Nuptialitéرٍ للخصوبة الشرعيةّ ومؤّش) g I (Fécondité légitime رٍ للخصوبة خارج الزواج عند الضرورةّ ومؤّش) h I Fécondité légitime (، وتوحّد جميع المؤشّرات معيارًّيًا تبعًا للتركيب العمري ضمن الفترة الإنجابية، ويتمثّل الهدف من ذلك في فصل تأثيرات الزواج المتأخر إلى حدّ ما عن تأثيرات ضبط النسل ضمن الزواج. ثم أسهمت مقالة أخرى قدّمها كول وتراسلفي في عام 1974 في المضيّ خطوة جديدة إلى الأمام، وذلك بالاستفادة من

توصيف معدلات الخصوبة العمرية Taux de fécondité par âge للكشف عن تسارعٍ في انخفاضها مع تقدّم العمر، وهو أوّل مظهر من مظاهر انخفاض الخصوبة إرادًّيًا (المؤشّر m في نمذجة هذين المؤِّل)فَنِي. وتطلّب الأمر امتلاك المزيد من المعلومات بغية المضّي  قُدمًا. ولأنّ البيانات اللازمة لمتكن متاحةً دائمًا في الإحصاءات المأخوذة عن سجلّ الأحوال الشخصية État civil، كان لا بد من التفكير في جمع بيانات مخصّصة باستخدام المسوح. والحال أن مفهوم المسح الإحصائي التمثيلي Enquête statistique representative كان حديث العهد بداية الخمسينيات، لكنّ زخم العمل به ما لبث أن بدأ في الستينيات وتعزّز في السبعينيات مع البرنامج الكبير لمسح الخصوبة العالمي، والذي شارك فيه أكثر من أربعين دولة نامية في الفترة 1981–1974 من خلال تصميم مشترك للاستقصاء بالعينة، والاستبيان، وبرنامج الجدولة. والواقع أنّ إحدى المزايا الكبرى لهذه الأداة [أي المسح الإحصائي التمثيلي] هي أنها تتيح إمكانية الحصول – على المستوى الفردي – بُعدًا على العديد من المتغيرات الأخرى التي قد تحمل تفسيريًا، لا سيما من نوع تلك المُدرَجة في المخطط التحليلي الوارد تاليًا. وكان من الضروري في الوقت نفسه التوليف بين المعلومات المتاحة لتجميعها في عدد محدود من المتغيرات التي يُستحسن إن أمكن أن تكون قابلة للمقارنة بين دراسة وأخرى. وهذا هو المنهج الذي اتّبعه بونغارتز، ونقدّم هنا لنسخة لاحقة عنه ترجع إلى عام 1992. وترتبط المحددات التقريبية

(66)  Ansley Coale & James Trussell, "Model Fertility Schedules," Population Index , vol. 40, no. 2 (April 1974), pp. 185–258.

(((6 ينظر المراجعة التي أجراها يوجين غريبينيك في عام:1981

Eugene Grebenik, The World Fertility Survey and its 1980 Conference (London: ISIWFS, 1981). (68)  John Bongaarts, "A Framework for Analyzing the Proximate Determinants of Fertility," Population and Development Review , vol. 4, no. 1 (1978), pp. 105–132. (69)  John Bongaarts, "The Fertility–Inhibiting Effects of the Intermediate Fertility Variables," in: Allan Hill & William Brass (eds.), The Analysis of Maternity Histories (Liège: IUSSP; Derouaux–Ordina, 1992), pp. 219–241;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 8.

وثيقًا ارتباطًا بونغارتز وضعها التي Proximate determinants/ Déterminants proches بالمتغيرات الوسيطة Intermediate Variables/ Variables Intermédiares، غير أنّ فكرة المؤِّلِف

قامت على تجميع المتغيّرات المشاهَدة في عدد محدود من المؤشّرات. واعتبر استنادًا إلى النتائج

المتاحة مسبقًا بشأن تحوّل الخصوبة، أكان في الديموغرافيا التاريخية أم في البلدان النامية، أنّ في الإمكان التعبير عن معدلات الخصوبة في عمر معيّن بوصفها حصيلة لعوامل خمسة: مستوى

مرجعي ("الخصوبة البيولوجية العظمى"، المأخوذة من البيانات التاريخية)، وأثر الزواجية) m C (، وأثر العقم النفاسي) i C Stérilité post partum (الذي يتحدّد بتواتر الإرضاع الطبيعي ومدّته، وأثر استخدام وسائل منع الحمل) c C (، وأثر الإجهاض) a C (. وتراوح قيمة كلّ واحد من هذه المؤشرات الأخيرة بين 0 و 1، معِّبِرةً بذلك عن التأثير التخفيضي لكلّ متغيّر. ويسهُل حساب مؤشّر

الزواجية (إذ يكفي أن نعرف الحالة الزواجية لكلّ امرأة شملها المسح)، في حين يكون الانتقال من مدة الإرضاع الطبيعي (المشاهَدة) إلى مؤشّر العقم النفاسي أعقد قليل، أما الانتقال من النسب (المشاهَدة) لاستخدام وسائل منع الحمل المختلفة إلى المؤشر الذي يقيس أثره) c C (فيستند إلى فرضيات أكثر خلافية. وبالنسبة إلى مؤشر أثر الإجهاض، فيُعيّن عادةً عند القيمة 1 بفعل غياب

بيانات موثوقة عن تواتر حدوث الإجهاض المتعمّد، وبذا ليس لنا أن نُفاجأ كثيرًا بأنّ المؤشّر

"يُحبَك" بصورة سيئة إلى حدّ بعيد. ونستطيع من خلال المسوح من نوع مسح الخصوبة العالمي،

Enquêtes démographiques et de santé (EDS/ DHS) ثمّ المسوح الديموغرافية والصحية

لاحقًا، حساب المؤشرات الرئيسة الأربعة، ومستوى الخصوبة. وفي إمكاننا، على سبيل المثال، إعادة حساب قيمة معدل الخصوبة البيولوجية الأعظمي Taux de fécondité biologique maximum (TFBM) انطلاقًا من جميع المؤشرات الأخرى. وعند تطبيقه على الخصوبة الكلية (المؤشر التركيبي Indice synthétique) في تسعة وعشرين من مسوح الخصوبة العالمية، راوح بقيمة نظرية معدل الخصوبة البيولوجية الأعظمي بين عشرة أطفال إلى أكثر من ستة عشر طفل تساوي 3.15. والحقيقة أننا لا نستطيع أن نتوقّع أن يقدّم لنا هذا النموذج أكثر من حدود ما يقدر عليه بالفعل، في ضوء الافتراضات المطروحة. وهو يعمل جّي دًا إلى حدّ معقول في مجموعة

متنوعة من المواقف، وبكميات مقتصَدة من المعلومات؛ ما يعطيه قيمة مضافة. وتجدر الإشارة إلى أنّ النمذجة شهدت توسيعًا لنطاقها على يد جون هوبكرافت ورودريك ليتل، وذلك من خلال تجزئة السنوات المعيشة إلى سلسلة من الفترات التي تمثّل حالات مختلفة من درجة التعرّض لخطر الحمل. ومن الناحية العملية، تغطّي البيانات المتاحة في المسوح الديموغرافية

السنوات الخمس السابقة على المسح (على الأكثر). وبإجراء حسابات معقدة نسبيًا، تسمح هذه

(70)  Susheela Singh, John Casterline & John Cleland, "The Proximate Determinants of Fertility: Sub–National Variations," Population Studies , vol. 39, no. 1 (March 1985), pp. 113–136. (71)  John Hobcraft & Roderick J. A. Little, "Fertility Exposure Analysis: A New Method for Assessing the Contribution of Proximate Determinants to Fertility Differentials," Population Studies , vol. 38, no. 1 (March 1984), pp. 21–45.

الطريقة من حيث المبدأ بالتوصّل إلى تقدير أفضل لمختلف المتغيرات الوسيطة، ولتأثير العوامل الاجتماعية – الاقتصادية. وهكذا دخلنا عصر "الديموغرافيا الجزئية " Microdémographie التي تفترض توافر بيانات فردية، والتي شهدت تطورًا خاصًا خلال السبعينيات مع الصياغة الرياضية لعملية التكاثر، وإنشاء نماذج المحاكاة الجزئية Microsimulation. وانصبّ الاهتمام الرئيس من جديد هنا على تقييم الوزن المحتمَل لكلّ متغيّر؛ فعلى سبيل المثال تتوقف الفترة الفاصلة بين ولادَتين

Intervalle entre deux naissances، وهي طريقة لقياس "إيقاع" الإنجاب (تعبّر تقريبًا عن معكوس

تواتر الإنجاب؛ أي معكوس معدل الخصوبة) على مجموعة من المكوّنات، مثل خطر الحمل شهريًا – احتمال الحمل Fécondabilité  – أو فترة الإيقاف النفاسي Temps mort post–partum. ومع ذلك، في حال واجهنا صعوبة في الحصول على تقدير مسبق لأثر انخفاض قيمة احتمال الحمل إلى النصف في الخصوبة النهائية Fécondité finale، على سبيل المثال، فسيكون في وسع النموذج أن يسمح لنا بالإجابة عن هذا السؤال بدقة كافية. كذلك نستطيع التوصّل إلى تفسير تامّ لمستويات خصوبة السكان القدماء من دون تضمين الضبط الإرادي للنسل. وهذا منهج لا ينطوي على نظرية، بل على وسيلة لقياس الأثر المحتمل لهذه الفرضية النظرية أو تلك. نقترح أخيرًا في الشكل (1) مخّططً ا عامًا لمختلف المتغيرات المؤثّرة في الخصوبة ومستويات تدخّلها

والتفاعلات في ما بينها، ويمكنه أن يكون أيضًا دليل مرشدًا للمقاربات الموضوعاتية التي ستأتي

(72)  Henry, "Fécondité et famille: Modèles mathématiques"; Robert G. Potter & James M. Sakoda, "Family Planning and Fecundity," Population Studies , vol. 20, no. 3 (March 1967), pp. 311–328; Mindel C. Shep & Jane Menken, Mathematical Models of Conception and Birth (Chicago: University of Chicago Press, 1973). (73)  John C. Barrett, "A Monte Carlo Simulation of Human Reproduction," Genus , vol. 25, no. 1–4 (1969), pp. 1–22; Hannes Hyrenius & Ingemar Adolfsson, A Fertility Simulation Model (DM 1) , Reports 2 (Göteborg: Demographic Institute, 1964); Albert Jacquard, "La reproduction humaine en régime malthusien: Un modèle de simulation par la méthode de Monte–Carlo," Population , vol. 22, no. 5 (1967), pp. 897–920; Henry Leridon, Human Fertility: The Basic Components (Chicago: The University of Chicago Press, 1977); Jeanne Clare Ridley & Mindel C. Sheps, "An Analytic Simulation Model of Human Reproduction with Demographic and Biological Components," Population Studies , vol. 19, no. 3 (1966), pp. 297–310.

نشير هنا إلى أنّ ألفريد لوتكا كان قد طرح في ختام مداخلته في مؤتمر باريس للسكان في عام 1973 مبدأ طريقة المحاكاة التي تُعرف

اليوم باسم "طريقة مونت كارلو" Méthode de Monte–Carlo. وتنطوي على إجراء عمليات سحب عشوائية متكررة، واقترح لوتكا – في غياب الآلات الحاسبة الإلكترونية – تقنية يدوية ماهرة، لكنها بطيئة للأسف. ينظر:

Alfred Lotka, "Quelques résultats récents de l’analyse démographique," in: Théorie générale de la population I: Congrès international de la population, Paris, 1937 (Paris: Hermann, 1938), pp. 96–107.

وكان الفيزيائي والإحصائي نيكولاس ميترولوليس Metropolis Nicholas قد وضع قواعد هذه الطريقة في عام 1947 وفقًا لموسوعة

ويكيبيديا.

"Nicholas Metropolis," Wikipédia , accessed on Octobre 2013, at: https://tinyurl.com/yc 6djh7v

(((7 ينظر مخطط ديفيز وبليك في: Davis & Blake. (((7 ينظر على سبيل المثال في شأن فاعلية طرائق الإنجاب المدعوم طبيًا Procréation assistée: Leridon (dir.).

لاحقًا، وهو مستوحى من عمل كينغزلي ديفيز وجوديث بليك، واستئنافه في مؤَّلَف رودولف بولاتاو ورونالد لي.

خامسًا: المقاربات الموضوعاتية

1. إسهامات التاريخ

على الرغم من وجود عدد لا يُحصى من الأعمال التي تتناول تاريخ السكان، فإنّ قلّة من بينها فحسب هي التي تقترح إطارًا نظريًا لتحليل الخصوبة – وهو عمل بدا من دون شكّ بلا جدوى في كثير من الأحيان، نظرًا إلى عدم توافر بيانات دقيقة بما يكفي، أو لافتراض أنّ الخصوبة كانت مستقرة Stable خلال الفترة المدروسة. وحين نجد مثل هذا الإطار، فإنه يكون غالبًا مخّص صًا للمجتمع الذي خضع للدراسة فحسب. ويبرز من بين المؤِّلِفين الأنكلوسكسون اسمَا بيتر لاسليت وإدوارد ريغلي، ولكنّ ذلك لا يعني إقصاء المؤرخين الفرنسيين، وقد لجأ كثيرون منهم إلى طرائق الديموغرافيا التاريخية كما وضعها لوي هنري. وسنكتفي هنا بذكر جاك دوباكييه وجان بيير بارديه. وعلى الرغم من أن مساهمته كانت تتعلّق خصوصًا بتاريخ الزواجية، فإن دراسة جون هاينال لفتت الأنظار إلى الفروق الكبيرة في العمر عند الزواج في أوروبا ما قبل التحول، وهي فروق تركت آثارها في الذرية الكلّية في الأجيال. وقد بدت لنا المساهمة الكبيرة لأعمال المؤرّخ "غير الأكاديمي" فيليب أرييس في تطوير تاريخ الذهنيات L’histoire des mentalités مثيرةً للاهتمام. ففي مداخلة موجزة تعود إلى عام 1982، يختصر أفكاره عن تطوّر الخصوبة في أوروبا الغربية كالتالي: اتّسم النظام الديموغرافي التقليدي بمراقبة صارمة لحياة الشباب الجنسية مع حظرٍ للولادات خارج إطار الزواج. ولم يكن هنالك

(76)  Davis & Blake. (77)  Rodolfo A. Bulatao & Ronald D. Lee (eds.), Determinants of Fertility in Developing Countries , 2 vol. (New York: Academic Press, 1983). (78)  Peter Laslett & Richard Wall, Household and Family in Past Time (Cambridge: Cambridge University Press, 1972); Edward A. Wrigley, "The Fall of Marital Fertility in Nineteenth Century France: Exemplar or Exception? Part II," European Journal of Population , vol. 1, no. 2–3 (1985), pp. 141–177; Edward Wrigley & Roger Schofield, The Population History of England, 1541–1971 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1981). (79)  Michel Fleury & Louis Henry, Des registres paroissiaux à l’histoire de la population: Manuel de dépouillement et d’exploitation de l’état civil ancien (Paris: INED, 1956). (80)  Jean–Pierre Bardet & Jacques Dupâquier, "Contraception: Les Français les premiers, mais pourquoi?" in: Jean– Pierre Bardet (dir.), Dénatalité: L’antériorité française: 1800–1914 (Paris: Seuil, 1986), pp. 3–34; Jean–Pierre Bardet & Jacques Dupâquier (dir.), Histoire des populations de l’Europe , 3 vol. (Paris: Fayard, 1997–1999). (81)  John Hajnal, "Age at Marriage and Population Marrying," Population Studies , vol. 7, no. 2 (1953), pp. 111–136.

حظر للعلاقات الجنسية قبل الزواج، لكن على "ألا تنطوي على مخاطر"؛ ما شجّع على تطوير ممارسات إيروتيكية ملائمة. وحين بدأ الأزواج في التخطيط لحياتهم وذريتهم، أصبحت الأسرة أكثر تمركزًا حول الطفل ومستقبله، الأمر الذي دفع إلى الحدّ من عدد الأطفال (وهنا نعود إلى فكرة دومون). وبناء عليه، فقد اعتبر أرييس أنّ وسائل ضمان التحكم في الإنجاب [ضمن الزواج] جاءت من الخبرة المكتسبة في سنّ الشباب، لا سيما باللجوء إلى العزل Coïtus interruptus. وتتابع الدراسة مفِّسِرة ظاهرة طفرة المواليد التي حدث خلالها تكريس "الطفل – الملك"، قبل أن يُخلَع بعدها عن العرش.

2. إسهامات الأنثروبولوجيا

إلى جانب السكان القدامى الذين سعى المؤرّخون لفهم سلوكاتهم الأسرية والإنجابية، تشكّل المجتمعات المعاصرة التي درسها علماء الأعراق مصدرًا لا يكاد ينضب للمشاهدات التي تسهم في فهم هذه السلوكات في سياقات متنوعة إلى أبعد حدّ. وكان التوليف الذي قدّمه ديفيز وبليك قد بيّن ذلك، بيد أنّ علينا الذهاب إلى ما هو أبعد من التحليلات الوصفية التي تعبّر عن الوضع القائم في مجتمع معيّن. وقد ركّزت المقاربة الأنثروبولوجية كثيرًا على دراسة نظُم القرابة Systèmes de parenté التي من شأنها أن تزوّدنا بصورة غير مباشرة بمعلومات عن تنظيم الإنجاب، لكنّ الأخير قلّما كان الموضوع المحوري للتنظير. وقد اقترح جون كالدويل في هذا الصدد مقاربة مثيرة للاهتمام بوجه خاص، وتتعزّز أهميتها نظرًا إلى استخدامها بعض المحاجّات الاقتصادية التي سنعمل على عرضها لاحقًا. وهي تنطلق من ملاحظة أنّ الذرية الكبيرة العدد لا تنطوي على مساوئ دائمًا، حتى على المستوى الاقتصادي الصرف. ففي المجتمعات الأفريقية التقليدية على سبيل المثال، يسهم الأطفال والشباب في موارد الأسرة، وتكون السلطة في أيدي الرجال الأكبر سنًا. أما في المجتمعات الحديثة، وعلى العكس من ذلك، يجب على الوالدين الإنفاق لرعاية أبنائهم وتعليمهم من دون أن يأملوا "منفعة" مالية لاحقة. وبناء عليه، فقد حدث انقلاب في "تدفّق الثروة" Flux de richesses الذي كان يتّجه من الأبناء إلى الآباء، وبات عليه الآن أن يتبع مسارًا معاكسًا. ولعلّ إحدى أهم الفوائد المتحصّلة من أعمال كالدويل هي إظهار أنّ بداية التحديث لا تفضي بالضرورة إلى انتقال فوري من النظام الأول إلى الثاني؛ إذ قد يكيّف أفراد معيّنون في المجتمع أنماط تنظيمهم الاجتماعي وإنتاجهم الاقتصادي بصورة تُبقي على الفائدة من الخصوبة المرتفعة (بإرسال أحد الأطفال للعمل في المدينة

(82)  Philippe Ariès, "Deux motivations successives pour le déclin de la fécondité en Occident, version française révisée de la communication au séminaire UIESP," in: Charlotte Höhn & Rainer Mackensen (eds.), The Determinants of Fertility Trends: Theories Re–Examined (Liège: IUSSP; Derouaux–Ordina, 1982);

أعيد نشر المقالة لاحقًا فصل في: Leridon (dir.), ch. 9.

(83)  John C. Caldwell, "The Wealth Flows Theory of Fertility Decline," in: Höhn & Mackensen (eds.), pp. 169–188;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 10.

على سبيل المثال، مع الإلزام بأن يعود دخله كامل أو جزء منه لصالح الجماعة التي ينتمي إليها.) ولا تحدث زعزعة في استقرار النظام بحق إلا حين تكفّ الأجيال الشابة عن قبول التبعية التراتبية للأجيال الأقدم. الشكل (1) مخطّط لتحليل محددات الخصوبة

اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ

" اﻟﻄﻠﺐ ﻋﻠﻰ اﻷﻃﻔﺎل " ﺗﻔﻀﻴﻼت، ﻋﻮاﺋﻖ

اﻧﺘﺸﺎرﻳﺔ اﻟﻨﻈﺮة إﻟﻰ اﻷﻃﻔﺎل:

اﻟﻘﻴﻤﺔ واﻟﻤﺴﺎوئ ﻋﺪد اﻷﻃﻔﺎل اﻟﻤﺮﻏﻮب ﻓﻴﻪ

" اﻟﻌﺮض ﻣﻦ اﻷﻃﻔﺎل " دواﻓﻊ ﺿﺒﻂ اﻟﻨﺴﻞ

اﻟﺨﺼﻮﺑﺔ اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ

- اﻧﻌﺪام اﺣﺘﻤﺎل اﻟﺤﻤﻞ اﻟﻨﻔﺎﺳﻲ

)ﺑﻌﺪ اﻟﻮﺿﻊ.(

- اﻟﺰﻣﻦ اﻟﻼزم ﻟﺤﺪوث اﻟﺤﻤﻞ.

وﺳﺎﺋﻞ ﺿﺒﻂ اﻟﻨﺴﻞ

- اﻟﻌﻘﻢ اﻟﻨﻬﺎﺋﻲ. - ﻣﺪة اﻟﻘﺪرة اﻹﻧﺠﺎﺑﻴﺔ. ﻋﺪد اﻷﻃﻔﺎل اﻟﻤﺮﻏﻮب ﻓﻴﻪ اﻟﺨﺼﻮﺑﺔ

ﺗﻜﻠﻔﺔ ﺿﺒﻂ اﻟﺨﺼﻮﺑﺔ

اﻟﺬرﻳﺔ اﻟﺤﺎﻟﻴﺔ

ﺗﻜﻠﻔﺔ اﻟﻮﺻﻮل

اﻟﺬرﻳﺔ اﻟﻨﻬﺎﺋﻴﺔ

ﺗﻜﻠﻔﺔ اﻻﺳﺘﺨﺪام

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى:

Rodolfo A. Bulatao & Ronal D. Lee (eds.), Determinants of Fertility in Developing Countries , vol. 2 (New York:

يُكثِر كالدويل من استخدام اللغة الاقتصادية، وإن يكن من أجل تقويضها بعض الشيء. فنجده يتكلّم على "الّرضلّا"، لكن بهدف التأكيد على تنوّعه؛ فإلى جانب المكافآت الاقتصادية، يذكر على سبي

المثال الافتخار بالانتماء إلى أسرة كبيرة العدد، ومع أنه لا يُقصي حسابات التكلفة والمنفعة، لكنه يشترط احتسابها على امتداد حياة كاملة؛ ذلك أنّ حالةً ما قد تتسم بأنها غير ملائمة في لحظة زمنية ما، ثم تصير ملائمة في سنّ متقدمة، وأخيرًا فهو يشدّد على حقيقة أن الجميع ليسوا في وضع يسمح لهم

باتخاذ قرارات مستقلة، فالنساء على وجه الخصوص يخضعن غالبًا لأزواجهنّ في ما يتعلّق باختيارات

الإنجاب. وعلى الرغم من أنّ نظرية "تدفق الثروة" اجتذبت الكثير من الباحثين في فروع معرفية متنوعة،

دﻳﻦ اﻟﻤﺆﺳﺴﺎت اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ

ﻣﺆﺳﺴﺎت اﻷﻋﺮاف اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ اﻟﻈﺮوف اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻟﺒﻴﺌﻴﺔ

اﻗﺘﺼﺎد ﻧﻮع

اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ

اﻟﺒﻨﻰ اﻷﺳﺮﻳﺔ، ﺻﻼت اﻟﻘﺮﺑﻰ،

اﻟﻌﻼﻗﺎت ﺑﻴﻦ اﻷﺟﻴﺎل أﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ اﻟﺨﺼﺎﺋﺺ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ

اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ

ﺗﺎرﻳﺦ إﻧﺠﺎﺑﻲ اﻟﺰواﺟﻴﺔ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻹﻧﺠﺎﺑﻴﺔ ﺳﻴﺎﺳﺎت

Academic Press, 1983).

تبيّنت صعوبة التحقّق منها بأمثلة ملموسة، وذلك بسبب عدم توافر البيانات المكتملة بما يكفي في هذا

الصدد، لا سيّما الكمية منها.

3. الإطار المؤسسي والسياسي

استندت المقاربة الأنثروبولوجية إلى الملاحظة الدقيقة لسلوك الفاعلين، بيد أنها أدمجت في الوقت نفسه البيئة المجتمعية. ومع تطور دولة الرفاه États providence، يميل البعد المؤسّسي والسياسي

إلى طمس دور البيئة الأسرية أو العشائرية، وفي هذا يقدّم جوفري ماكنيكول أمثلةً على التفاعل بين الدولة والهياكل المحلية Structures locales. ففي مقاطعة غوانغدونغ الصينية، عمد النظام الشيوعي إلى تضييق الخناق على الوحدات المحلية الموجودة (الأسر والجماعات والقرى)، وذلك بتقليص دورها شيئًا فشيئًا لصالح فرق و"ألوية" جديدة. وبذا فقد جاء انخفاض الخصوبة فيها استجابةً لتطوّر

البنى الريفية وللحوافز الاقتصادية، أكثر منه استجابةً للحملات الوطنية الموجّهة مباشرة لصالح

تنظيم الولادات. وفي بالي، اعتمد الحزب الشيوعي في البداية أيضًا هياكل محلية معقّدة (من سبعة مستويات)، تمامًا مثلما فعلت المنظمات الإسلامية التي جاءت بعده، ثمّ سمح لها بعد ذلك بإدارة

تدابير السياسة الأسرية بصورة مباشرة من خلال القرى الصغيرة. في حين تقدّم بنغلاديش مث ل مضادًا؛ إذ كانت الإقطاعيات المحلية فيها، خلال السبعينيات، لا تزال أقوى من أن تفسح المجال أمام السياسة الوطنية لتكون فاعلة، أقلّه ما دامت للأسر والتجمعات الريفية مصلحة اقتصادية في الاحتفاظ بعدد كبير من الأطفال. تقترح سوزان غرينهالغ منهجًا أكثر من مجرد إطار نظري حقيقي، وتقول إنه يندرج ضمن "منظور

تحليلي جديد" يشكّل في نظرها نطاقًا تحليليًا قادرًا على إدماج العديد من المقاربات النظرية. وهي

تنطلق من البيئة السياسية والاجتماعية – الاقتصادية للبلد الناشئة عن القوى الوطنية والدولية الكبرى، مثل تطور اقتصاد السوق أو العولمة، والتي تعمل بأساليب تتباين بين بلد وآخر أو جماعة وأخرى. ويجب أن يكون البحث متعدّد المستويات، ويندرج في المدى الزمني الطويل، ويهتم بمختلف القوى السياسية المؤثّرة، ويجمع بين النوعي والكمي. وتقدّم دراستها ثلاثة أمثلة متناقضة جدًا، من كلّ من سيراليون واليابان وصقلية. وكان الهدف في ما يخصّ اليابان هو العمل على تفسير ضعف استخدام

وسائل منع الحمل الحديثة (الحبوب واللولب). وفي إشارةٍ إلى سامويل كولمان، تُسلّط الضوء أول على أطباء أمراض النساء (الذين يحققّون أرباحًا أكبر من الإجهاض المتعمّد)، ثمّ على برامج

تنظيم الأسرة (التي تبيع الواقي الذكري على نطاق واسع)، وعلى البيروقراطية غير التقدمية. ونرى هنا أنه ليس في وسع العقلانية الفردية ولا القيود الاقتصادية ولا تُقدّم إجابة معقولة العلاقات الزوجية أن

(84)  Geoffrey McNicoll, "Institutional Determinants of Fertility Change," in: Höhn & Mackensen (eds.), pp. 147–168;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 11.

(85)  Greenhalgh. (86)  Samuel Coleman, Family Planning in Japanese Society: Traditional Birth Control in a Modern Urban C ulture (Princeton: Princeton University Press, 1983).

عن السؤال المطروح. لكنّ غرينهالغ تقرّ، حالها في ذلك كحال ماكنيكول وكالدويل، أنّ من الصعب

تنفيذ المنهج المقترَح؛ نظرًا إلى طبيعة البيانات التي سيلزم جمعها. ويجب في السياق ذاته أن نستشهد بعمل جون كاسترلاين الذي يضع في مركز تحليلاته التشكّل التدريجي للدول القومية، المجهّزة بوسائل تدخّل تزداد فاعلية يومًا بعد يوم. وتتمثّل مهمّة الدولة على نحو مباشر في أن تضمن الأمن الداخلي والحدود لمواطنيها، وأن تحلّ من ثم محلّ الأسر والعشائر ومختلف جماعات القرابة التي كان من المفترض حتى حينه أن تتولّى توفير هذا الأمن لأفرادها؛ ما يحدّ إذًا من شرعيّتها التقليدية. أما على نحو غير مباشر، فتعمل الدولة على إنشاء أشكال

جديدة من التضامن وأساليب مبتكرة للتواصل بين جميع المواطنين، وذلك من خلال تحديث أساليب الإنتاج الزراعي، وخلق فرص عمل جديدة في القطاع الثانوي، وتوفير نوع من الحماية الاجتماعية. ومن الضروري، بالنسبة إلى كاسترلاين، قياس درجة تطوّر الدولة في مجتمع معين قياسًا صحيحًا، من

أجل التوصل إلى فهم العواقب المحتملة لما يجري من تحولات وتدّخلّات. وفي ما يتعلّق بدور الدولة في التحولات الاقتصادية الكبرى، لا بد من العودة إلى ماركس الذي حظيت مفاهيمه بتحليل جيّد على يد جورج سيمونز. ومع تطور النظام الرأسمالي القائم على

العمل المأجور على حساب المؤسسة العائلية Entreprise familiale والأعمال الحِرفية، تتراجع بطبيعة الحال مصلحة الأفراد في الحفاظ على خصوبة عالية. ولكن من منظور الاقتصاد الكلي، تؤمّن

الخصوبة المرتفعة في أوساط الطبقات العاملة قوّة عملٍ وفيرة ("الجيش الاحتياطي" Armée réserve)

وتمارس ضغطًا على مستوى الأجور: "من خلال إنتاج تراكم رأس المال، وبقدر ما تنجح في القيام بذلك، تُنتج الطبقة العاملة بنفسها إذًا أدوات تقاعدها أو تحوّلها إلى فائض نسبي في السكان. هذا

هو قانون السكان الذي يميّز العصر الرأسمالي ويتوافق مع نمط إنتاجه الخاص". وبناء عليه،

لا تميل الدولة بالضرورة إلى تشجيع تحديد النسل، لكن إن حدث انتشارٌ لهذا الأخير، فسيكون رَّدَ

فعلٍ على الظروف المعيشية القاسية التي تعيشها الطبقة العاملة في المناطق الحضرية. ويصعب، إذًا، تحديد "مذهب" ماركسي في هذا الشأن، وسنجد مثل هذا الغموض العقائدي قائمًا في موقف الحزب الشيوعي الفرنسي مطلع الستينيات حين عارض نشر وسائل منع الحمل والحقّ في الإجهاض، في حين شجّعتها الأحزاب الشيوعية في العديد من دول أوروبا الشرقية، أو لم تعارضها.

(87)  John Casterline, "The State, Social Stratification and Fertility Transition," in: UIESP, Congrès international de la population, New Delhi, 1989 (Liège: UIESP, 1989), pp. 309–314. (88)  George Simmons, "Theories of Fertility," in: Ghazi Farooq & George Simmons (eds.), Fertility in Developing Countries: An Economic Perspective on Research and Policy Issues (London: Macmillan, 1985), pp. 25–55. (89)  Karl Marx, Le Capital: Critique de l’économie politique, Livre Premier: Le développement de la production capitaliste III (Paris: Éditions Sociales, 1968), ch. 25, p. 74.

(((9 للاطلاع على مراجعة أكثر شمولية للمقاربات المؤسسية، ينظر:

Victor Piché & Jean Poirier, "Les approches institutionnelles de la fécondité," in: Hubert Gérard & Victor Piché (dir.), Sociologie des populations (Montréal: Pum/Aupelf–Uref, 1995), pp. 117–137.

4. مقاربات الاقتصاد الجزئي

عمل الاقتصاديون "الكلاسيكيون" خلال الستينيات على استعادة المقاربة الاقتصادية بالكامل وتجديدها، إلى حدّ أننا إذا أردنا الإقرار بوجود نظرية في الخصوبة، نُح قّ لنا أنُرجع إليهم الفضل

في ذلك. وقد كان أوائل المنظّرين للسكان علماء اقتصاد في الغالب، بيد أنّ ابتكار "الإنسان الاقتصادي" Homo economicus؛ الفاعل العقلاني الذي يمكن التنبّؤ بسلوكه، هو الذي سيوفّر

إطارًا لدراسة السلوك الإنجابي باعتباره حالة خاصة من بين الاختيارات المتاحة أمامه، وذلك باللجوء

إلى بعض التعديلات. ولا شكّ في أنّ المؤَّلَف المؤِّسِس في هذا الصدد هو عمل هارفي ليبنشتاين

لعام 1957. ويقوم مبدأ منهجه باختصار على التالي: يمكن تحليل "الطلب على الأطفال" في إطار نظرية الاقتصاد الجزئي المتعلّقة بالطلب على استهلاك "السلع المعمّرة". وهذه الأخيرة (التي

لا تختفي باستهلاكها كحال السلع الاستهلاكية الجارية مثل الغذاء والترفيه والطاقة... إلخ) تحقّق منفعةً تنجم في حدّ ذاتها عن أذواق المستهلكين وتفضيلاتهم مقارنةً بالسلع الاستهلاكية الأخرى،

ويحدث الاختيار تحت ضغط قيدٍ قوي، وهو دخل الأسرة المعيشية. وتتوقّف زيادة استهلاك السلعة مع ازدياد الدخل على "مرونة" هذه الاستجابة، لكن يمكن أن يتدخّل عامل "الجودة" أيضًا، ويتوقّف السعر الذي يكون المرء على استعداد لدفعه لقاء اقتناء سلعة ما على جودة الأخيرة وعلى درجة الرضا التي يتحصّل عليها منها. وكذلك يمكن أن تقود الخدمات التي يقدّمها الطفل للوالدين، على

المدى القصير أو الطويل، إلى خفض قيمة تكلفته. أمّا "العرض" من الأطفال، فيُعتَبر أكبر كثيرًا من

الطلب، وهو عبارة عن عدد الأطفال الذين يمكن أن ينجبه الزوجان في حال الغياب التامّ لوسائل

منع الحمل، وما من ضرورة إذًا لتعيينه كميًا. كان غاري بيكر، الحائز على جائزة نوبل لعام 1992، صاحب الفضل في هذه المقاربة، ويعدّ نصّه

المؤسس لعام 1960 أحد أكثر النصوص التي يجري الاستشهاد بها. فبعد تطويره الأفكار السابقة، يعمد إلى مقاربة النظرية مع المعطيات الإمبريقية. وخلافًا لما قد  يُتوقّع، لاترتفع الخصوبة عمومًا مع ارتفاع

الدخل، أقلّه ليس على نحو منتظم. ومن أجل حلّ هذا التناقض، لا بدّ من إدراج التفضيلات و"تأثيرات الجودة" المذكورة سابقًا؛ ما يعني "إضفاء صبغة سوسيولوجية" على الاستدلال القائم. وُذ يّلت مقالة

بيكر بتعقيب لجيمس إس. ويزينبيري James S. Duesenberry يشير فيه إلى هذا التناقض فيقول:

"يدرس الاقتصاد آليات الاختيار عند الأفراد، ويشرح علم الاجتماع ل  مَ لايمتلكون الخيارات"ِ؛

ما يعني أنّ الضّغط الواقع على القرارات الفردية يبلغ من القوّة حًّدًا يجعل من المتعذّر مراعاة العقلانية

الاقتصادية الصّرف. وإذا كان "نجاح" النمذجة الاقتصادية لا يتحقق إلا من خلال التلاعب بكثافة

بمفاهيم من قبيل "جودة الأطفال" المرغوب فيها، أو مراعاة الرضا النفسي الصّرف للوالدين، فلعلّه

(91)  Harvey Leibenstein, Economic Backwarness and Economic Growth (New York: John Wiley, 1957). (92)  Gary S. Becker, "An Economic Analysis of Fertility," in: Demographic and Cultural Change in Developed Countries , Universities–National Bureau Conference 11 (Princeton: Princeton University Press, 1960), pp. 209–231;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 13.

(93)  Becker, p. 233.

ما من داعٍ للخوض فيها أساسًا. وفي هذا، تشكّك جوديث بليك في مبدأ تصنيف الأطفال "سلعًا

معمّرة"، وبصورة أعمّ ستواجه المقاربة الاقتصادية صعوبة في إدماج عناصر سلوكية "غير عقلانية"

مثل الحاجة إلى الإنجاب، وقدرة الأفراد على اتخاذ القرار الصحيح في سياق معلوماتٍ منقوصة أو

علاقات قّو.ّ في غير صالح المرأةةٍ وجاءت مساهمة هارفي ليبنشتاين في وقتٍ لاحق على شكل حصيلة شمولية عَرضها على الاتحاد

الدولي للدراسات العلمية للسكان UIESP/ IUSSP، وفيها يعيد النظر في مقاربة "التكلفة والمنفعة" في ما يخصّ الأطفال مع تحديد مختلف أبعاد هذا المفهوم، وطرحِ مسألة العلاقة بين

الدخل وعدد الأطفال. ووفقًا له، لا يختار الأفراد الأكثر ثراءً إنجاب عدد قليل نسبيًا من الأطفال

سعيًا منهم لإنجاب أطفال ذوي "جودة أفضل" مثلما يفترض بيكر على سبيل المثال، بل يعود الأمر

إلى أنّ الإنفاق المخصّص للأطفال يكون أعلى في أوساط الأغنياء منه في أوساط الفقراء. ويضاف

إلى ذلك أثر المنافسة، في الميزانية، مع نفقات تخصّ "المكانة" وتهدف إلى الحفاظ على المنزلة

الاجتماعية للفئات الأكثر ثراءً، وتؤدي من ثم إلى تخفيض المبالغ المخصصة للإنفاق على الأطفال.

بيد أنّ ليبنشتاين يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقترح التخلّي نوعًا ما عن فرضية عقلانية السلوك،

مستخدمًا في ذلك مصطلحات مستعارة من مفردات التحليل النفسي: "تشير العقلانية الانتقائية

Rationalité selective إلى فكرة أنّ الأفراد يسعون للوصول إلى تسوية بين السلوك الذي يرغبون في تبنّيه في غياب العوائق (الهو)، والسلوك الذي يرغبون في إظهارهم أنهم يتبنونه في ما يخص

المعايير (الأنا الأعلى). [...] ومن هنا فإن (أ) الشخصية، و (ب) مدى أخذ العوائق في الاعتبار، يحددان معًا درجة العقلانية التي  تُحشَد في عملية اتخاذ القرار وفي الأداء". ولاشك في أنّ التعبير

عن هذه المفاهيم بمعادلة رياضية ليس بالأمر اليسير، لذلك تأخذ المناقشة اللاحقة في بقية الدراسة طابعًا كيفيًا. استمرّت الأدبيات الاقتصادية في التزايد، وُأنجِزت خطوة جديدة بإدماج مفهوم "تخصيص الوقت"

Allocation des temps في إطار نظرية الاقتصاد المنزلي الجديد New Home Economics التي اقترحها بيكر منذ عام 1965، ومفادها أنه يمكن استغلال وقت كلّ واحد من أعضاء الأسرة بطرائق مختلفة، منها على سبيل المثال رعاية الأطفال، أو مزاولة نشاط مهني خارج المنزل. والحال أن في وسعنا أن نخمّن أنّ الموازنة [في الوقت] تعتمد، من بين أمور أخرى، على الدخل المتوقّع من هذا

النشاط وتكلفة الأطفال. ووفق هذه المقاربة، تواجه الأسرة المعيشية عوائق مزدوجة تخصّ إجمالي

الدخل وإجمالي الوقت المتاح، وتتجه مساعيها إلى تعظيم "دالّة المنفعة الأسرية" التي تأخذ في الاعتبار مختلف منتجات الأسرة (الأطفال والصحة وما إلى ذلك). وقد أسهم في هذه النمذجة بوجه

(94)  Judith Blake, "Are Babies Consumer Durables? A Critique of the Economic Theory of Reproductive Motivation," Population Studies , vol. 22, no. 1 (March 1968), pp. 5–25. (95)  Harvey Leibenstein, "The Economic Theory of Fertility," in: IUSSP, Proceedings of the IUSSP Conference, Mexico, 1977 , vol. 2 (Liège: IUSSP, 1977), pp. 49–63;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 14.

خاص كلّ من روبرت ويلز، وثيودور وليام شولتز، الحاصل على جائزة نوبل في عام 1979، وثيودور بول شولتز. ولنلاحظ هنا أنّ الحلّ الرياضي يُنتِج معادلة تربط العدد  النهائي للأطفال بمتغيرات من قبيل مستوى دخل كلّ واحد من الشريكين، ومستوى تعليمهما، وما إلى هنالك؛ وهي معادلة طرحها باحثون آخرون بصورة كلاسيكية، ومن دون المرور بالنظرية الاقتصادية. ومع ذلك، فللأخيرة ميزة واحدة هي تعيين دلالة المعامِلات في المعادلة والتقليل بعض الشيء من عشوائية المعالجة. علينا أن نذكر أخيرًا المنهج المبتكر الهادف إلى تحقيق تكامل أفضل بين الديموغرافيا والاقتصاد الذي

اقترحه ريتشارد إيسترلين؛ وهو اقتصاديّ مشهور آخر أبدى اهتمامًا كبيرًا بالقضايا الديموغرافية؛ إذ

يتبع مقاربة الاقتصاد الكلاسيكي المتعلّقة بتوازن العرض والطلب، ويعمل على إثرائها في مستويات عدة. فيبدأ أول بتطوير الجانب المتعلّق بالعرض، الذي يُعتَبر عادةً فائضًا مقارنةً بالطلب، وتكون

الذرية المتوقعة) n C (Descendance attendue مساويةً لعدد  الأطفال الذين سينجبهم الزوجان في غياب أيّ وسيلة لضبط النسل، لكن على أن تُؤخذ في الاعتبار المتغيرات المساهمة في تعريف الخصوبة الطبيعية (ينظر الشكل 1)، واحتمالات البقاء على قيد الحياة حتى سنّ البلوغ. وليس هذا العدد [المعِّبِر عن الذرية المتوقّعة] واحدًا لجميع الأزواج، وقد يكون أدنى من عدد الأطفال

المرغوب فيه. ويُعبّر الأخير عن الطلب) d C (Demande d’enfants، ويمكن الحصول عليه من

خلال الاستجواب المباشر في المسوح، ويتوصّل [الأزواج] إليه (إذا لم تتجاوز قيمته قيمَة n C) في حال استخدام وسائل منع حمل ذات فاعلية تامّة. لكن ليس من اليسير تحقّق الشرط الأخير، فيدرج

إيسترلين هنا "تكلفة الوصول إلى وسائل منع الحمل"،) c R (Coûts d’accès à la contraception، وهي ليست تكلفة مالية فحسب، بل نفسية أيضًا، كأن تضطر المرأة إلى مخالفة رغبة زوجها أو بيئتها الاجتماعية أو دينها، أو أن يكون من الصعب عليها الحصول على معلومات حول الوسائل الممكنة. ولكن لسوء الحظ، فإنّ من الصعب جًّدًا حساب تكلفة الوصول إلى وسائل منع الحمل، وسيكون على إيسترلين الاكتفاء بالاعتماد على مقاييس غير مباشرة إلى حدّ بعيد، مثل عدد وسائل منع الحمل المعروفة [للمرأة]، لأنه السؤال الوحيد الذي تطرحه بعض المسوح. وما لبثت هذه

(96)  Robert Willis, "A New Approach to the Economic Theory of Fertility Behavior," Journal of Political Economy , vol. 81 (Suppl. II), (April 1973), pp. S14–S64; Robert Willis, "Economic Theory of Fertility Behavior," in: Theodore Schultz (ed.), Economics of the Family: Marriage, Children and Human Capital (Chicago: University of Chicago Press, 1974), pp. 25–80. (97)  Schultz (ed.), Economics of the Family. (98)  T. Paul. Schultz, "The Value and Allocation of Time in High Income Countries: Implications for Fertility," in: Kingsley Davies et al. (eds.), Below–Replacement Fertility in Industrial Societies (Cambridge: Cambridge University Press, 1987), pp. 87–110. (99)  Richard Easterlin, "An Economic Framework for Fertility Analysis," Studies in Family Planning , vol. 6, no. 3 (March 1975), pp. 54–63;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 15.

الترسيمة، الأكثر اكتم ل من نمذجة الاقتصاد الجزئي المعتادة، أن أصبحت بمنزلة أساس للتحليلات التي نجدها في المؤلّف الجماعي الذي أنجزه بولاتاو ولي. ويظلّ من الصعب، في جميع هذه المقاربات، أن تُؤخذ في الاعتبار المنافع المتوقّعة من وجود الأطفال بعد عشرين عامًا أو أكثر. ومع ذلك، ووفق باحثين من أمثال ميد كين، يمكن في بعض المجتمعات أن ينظر الوالدان إلى أطفالهما باعتبارهم نوعًا من التأمين الفعلي ضدّ المخاطر: خطر الترمّل المبكّر للأم، ومساعدة الوالدين الباقيين على قيد الحياة حتى سنّ الشيخوخة. ويبقى هذا الضمان قائمًا ما دام الأطفال أنفسهم أحياءً؛ أي مدة زمنية تفوق ما يمكن أن تقدّمه أيّ وثيقة تأمين. ومن أجل تخفيض المخاطر، ايُعدّ إنجاب ذكرَين يصلان إلى سنّ البلوغ هدفًا معقول؛ أي ما يساوي إنجاب خمسة مواليد إن كانت الوفيات بين الولادة وسنّ عشرين عامًا تبلغ نحو 20 في المئة. وسيغيب تمامًا الدافع إلى تحديد النسل تحت هذه العتبة [عتبة إنجاب خمسة مواليد]. والحال أنّ هذا المثال يُظهِر أنّ في الإمكان التوسع في الحساب الاقتصادي في اتجاهات عديدة.

5. المقاربات الاجتماعية - الثقافية و"القيم"

رأينا سابقًا أنّ لدى السوسيولوجيا الكثير لتقدّمه في موضوعنا، وهو ما أوضحه رونالد فريدمان، أو جوفري هوثورن. وكذلك الأمر بالنسبة إلى علم النفس، لكنّ الأعمال التي قدّمها علماء النفس عن الخصوبة ظلّت مقتصرة على الجوانب الكيفية، أو محدودة بعدد صغير من الحالات، ونتيجة لذلك لم تسهم هذه الأعمال إلا على نحو محدود في النقاش الديموغرافي. وتدور التحليلات كثيرًا حول مفهوم "القيم" Valeurs التي تقود قرارات الأفراد والأزواج؛ إذ تتجه المحاولات إلى قياس طبيعتها ونطاقها ومحدّداتها. وتقدّم لنا دراسة رون ليستاغ ودومينيك ميكرز، التي اتسمّت بكونها تقنّيةً إلى حدّ بعيد وصعبة بعض الشيء لاستخدامها أساليب إحصائية ليست معروفةً كثيرًا اليوم مثل التحليل إلى المكونات

الرئيسة Analyse en composantes principals والارتباط المقنّن Corrélation canonique، مث ل

(100)  Bulatao & Lee (eds.). (101)  Mead Cain, "Fertility as an Adjustment to Risk," Population and Development Review , vol. 9, no. 4 (1983), pp. 688–702; Mead Cain, "Women’s Status and Fertility in Developing Countries: Son Preference and Economic Security," Working Paper , no. 110, The Population Council (1984). (102)  Ronald Freedman, The Sociology of Human Fertility: A Trend Report and Bibliography (Oxford: Blackwell,

(103)  Geoffrey Hawthorn, The Sociology of Fertility (London: Collier–MacMillan, 1970).

(((10 ينظر قائمة المراجع التي باتت قديمةً بالفعل، في:

James Fawcett, Psychologie et population: Sujets de recherche sur le comportement en matière de fécondité et de planification de la famille (New York/ Paris: The Population Council, 1970).

جيدًا على المعالجة الكمية الصارمة للمفاهيم السوسيولوجية الكلاسيكية، وهي معالجة نجح ليستاغ في طرحها في مجمل أعماله. ويشير المؤِّلِفان إلى أفكار إنغلهارت حول مفهوم ما بعد المادية Post–matérialisme؛ أي الحالة التي تسود فيها الأفكار والتطلعات غير المادية على البحث عن مصادر مالية، وكذلك إلى أفكار جون سيمونز و"فرضية إيسترلين" التي سنأتي على ذكرها لاحقًا. وقد عمدا، باستخدام بيانات مأخوذة عن مسوح استقصاءات القيم الأوروبية European Values Surveys، إلى إنشاء ثلاثة أنواع من المؤشّرات: المتغيّرات "التابعة" الواجب شرحها، مثل النزعة العائلية Familialisme (مقبولية الطلاق، ودلالة صلات القربى، والتسامح إزاء عدم الامتثالية Non–conformisme)؛ والمتغيرات "المستقلّة" التفسيرية، مثل التديّن، والموقف المادي/ ما بعد المادي، والإيثار Altruisme... وما إلى هنالك؛ والمتغيرات "الضابطة" مثل الجنس والعمر والدخل والمستوى التعليمي وغير ذلك. ونذكر من بين الاستنتاجات العديدة التي توصّل إليها التحليل استمراريةَ تقدير صلات القربى لدى أغلبية كبرى من الأوروبيين، على الرغم من تراجع ترسيخها في الدين المؤسسي أو الشخصي، وأنّ الأجيال الأحدث تتصف بكونها أكثر انحيازًا إلى ما بعد المادية، وأكثر "استياءً" من أسلافها، كما أنها أقل قومويةً و"أخلاقويةً" كثيرًا، وأنّ التعاون بين الأجيال، الذي تأسست عليه المنظومات الاجتماعية الأوروبية (مثل التقاعد والمساعدات الأسرية)، آخذ في التراجع بسبب تطوّر الفردانية Individualisme والتعددية Pluralisme، وغياب المحاسبة لأولئك المتطفّلين على هذه المنظومات. وفي العموم، يعتبر ليستاغ وميكرز أنّ هذه التطورات تسمح بالتوقع ببقاء الخصوبة الأوروبية عند مستوى منخفض. ويؤكّد سام بريستون هذه التحليلات إلى حدّ بعيد في حالة الولايات المتحدة، ويعزو واقع التراجع النسبي في قيمة الأمومة إلى النقاشات التي تناولت موضوع السكان خلال السبعينيات؛ ذلك أنّ الأشخاص الذين يعبّرون عن القلق الأكبر إزاء هذه المشكلة هم أنفسهم الذين لديهم العدد الأقل

(105)  Ron Lesthaeghe & Dominique Meekers, "Value Changes and the Dimension of Familism in the European Community," European Journal of Population , vol. 2, no. 3–4 (May 1987), pp. 225–268;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 16. (((10 ينظر بوجه خاص:

Ron Lesthaeghe, "A Century of Demographic and Cultural Change in Western Europe: An Exploration of Underlying Dimensions," Population and Development Review , vol. 9, no. 3 (1983), pp. 411–435; Ron Lesthaeghe & Johan Surkyn, "Cultural Dynamics and Economic Theories of Fertility Change," Population and Development Review , vol. 14, no. 1 (March 1988), pp. 1–45. (107)  Ronal Inglehart, The Silent Revolution: Changing Values and Political Styles among Western Publics (Princeton: Princeton University Press, 1977). (108)  John Simons, "Reproductive Behaviour as Religious Practice," in: Höhn & Mackensen, pp. 131–145;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 17؛ وينظر أيضًا:

John Simons, "Culture, Economy and Reproduction in Contemporary Europe," in: David Coleman & Roger Schofield (eds.), The State of Population Theory: Forward from Malthus (Oxford: Basil Blackwell, 1986), pp. 256–278.

من الأطفال (لكن قد يتعلّق الأمر ببساطة بعقلنةٍ لسلوك مكتسب مسبقًا). وهو يعتقد أيضًا أنّ تطوّر

العرض المتاح من وسائل منع الحمل أدّى إلى حدّ بعيد إلى تآكل بعض المنظومات الفكرية، لا سيما تلك النابعة من الديانات المسيحية. وأخيرًا فإنه يؤكّد، شأنه شأن ليستاغ، صعود الفردانية

الذي يرى فيه استجابةً للتغيرات في البيئة الاجتماعية – الاقتصادية، وليس ديناميكية مستقلّة بذاتها. يبدو، إذًا، حضور الدين قويًا في هذه التحليلات، كحاله في الأعمال التاريخية. ويسعى جون سيمونز

للذهاب إلى ما هو أبعد من مجرّد التناول البسيط للدين، أو الممارسة الدينية، بوصفه متغيرًا تفسيريًا

من بين مجموعة متغيرات أخرى. ويعتقد أننا يجب أن نرى في الدين نظامًا من المعاني التي تصوغ

كلّ سلوك، ولا تقتصر على السلوك الإنجابي وحده. ووفق إميل دوركهايم Émile Durkheim، ينتج كلّ مجتمع تصوًّرًا مثاليًا ومقّد سًا عن نفسه، ويتجلى في الدين. وبناء عليه، فإنّ في وسع نظام

المعاني المعدّة لهذا الغرض أن تُضفي صفة القداسة على الإنجاب في حدّ ذاته. ويقدّم لنا سكان الهوتريتس Huttérites ا مث ل جّيدةّا على ذلك، وهم طائفة أناباتستي تعيش في الولايات المتحدة

وكندا، وقد حافظت على خصوبة مرتفعة جًّدًا (تصل إلى نحو عشرة أطفال لكل زواج) في سياق نمط

حياة ريفي ومقتصِد بلا  شك، لكنه يسجّل حالات وفيات تضاهي قيمها في الدول الصناعية، ويحظى

التعليم فيه (للفتيات كما الفتيان) بأولوية. لكن في هذا المجتمع، تكون "وظيفة الأسرة هي إنجاب أرواح جديدة [...] وليس الأطفال امتدادًا ل 'أنا' والديهم، بل هم عطايا الله التي تنتمي إلى الجماعة، بل لعلّها تنتمي أيضًا إلى الكنسية التي هي جسد المسيح"، وفق ما يقتبسه سيمونز من قول أحد أعضاء الهوتريتس. وهذا موقف أقلّوي إلى حدّ بعيد بلا شك، لكن يمكن العثور عليه في أصوليات دينية أخرى في وقتنا الحاضر. وبالعودة إلى تفسير سيمونز للانخفاض التاريخي للخصوبة، فإنه يرى فيه تأثير الإصلاح Réforme البروتستانتي؛ ذلك أنه بإعادته الاعتبار للفرد، حتى ضمن السياق الديني والمسيحي، فتحَ الطريق أمام رؤية إيجابية للوقائع الأرضية ولقدرة الإنسان على تعديلها. وتجدر

الإشارة، وفق ملاحظة المؤِّلِف، إلى أنّ الحالة الفرنسية تبقى لغزًا في سياق هذا التفسير، لأن فرنسا ظلّت كاثوليكية بأغلبية ساحقة. تنطوي دراسة سيمونز على جانب آخر مثير للاهتمام، هو أنها تقترح تفسيرًا لطفرة المواليد التي شهدتها

أوروبا (والتفسيرات من هذا النوع قليلة). ونلاحظ في إنكلترا على الأقل بعد الحرب العالمية الثانية أنها

(109)  Samuel Preston, "Changing Values and Falling Birth Rates," Population and Development Review , vol. 12 (Supp.) (1986), pp. 176–200. (110)  Simons, "Reproductive Behaviour as Religious Practice."

(((11 أي تقول بتجدد المعمودية. (المترجمة) (((11 لفت سكّان الهوتريتس أنظار الديموغرافيين منذ زمن طويل، إلى حدّ أنهم جعلوا منهم مصدرًا شائعًا لقيمة الخصوبة

"الأعظمية" في العديد من أعمال النمذجة، كما يظهر في أعمال هنري وكول وبونغارتز. وعلى ما يبدو لم تنافس على هذا الرقم القياسي للخصوبة سوى الأجيال الأولى من النساء الفرنسيات المهاجرات إلى الكيبيك في القرن السابع عشر:

Jacques Henripin, La population canadienne au début du xviiie siècle , Cahier 22 (Paris: INED, 1954).

[أي طفرة المواليد] قد ترافقت بانتعاش في الالتزام الديني، في وقت ساد فيه ميلٌ إلى اعتقاد استمرارية تراجع الشعور الديني. ويتبع وولفغانغ لوتز المسار ذاته، فيعتبر أنّ الدين لا يؤثّر في السلوك الفردي مباشرةً فحسب (رفض الإجهاض، على سبيل المثال)، لكنه يُنتِج على نحو أوسع مجمل منظومة المعايير في المجتمع، ويشكّل جزءًا من هويّته الثقافية عمومًا. وهو يقدّم تحليلاته على المستوى الكليّ، ويسلّط الضوء على الأدوار المتمايزة للبيئة الثقافية والدين السائد، على نحو مستقل عن المتغيّرات الاجتماعية – الاقتصادية المأخوذة في الاعتبار. في المقابل، يستخدم النصّ الذي كتبه جيمس فوسيت في عام  1983 القيمة مصطلح (Value بالإنكليزية) بمعنى آخر؛ إذ يعبّر عن القيمة التي يقرنها الوالدان بالطفل. ويبدو أننا نرجع هنا إلى المفاهيم الاقتصادية المتعلّقة بالتكاليف والرضا، لكن في سياق أوسع كثيرًا؛ فشبكة تحليل التكلفة والرضا التي استخدمها فوسيت، والمستوحاة من دراسات لوي هوفمان ومارتن هوفمان، تضمّ ما لا يقلّ عن ثمانية وعشرين بندًا. وتتناول الدراسة من ناحيةٍ العواملَ البنيوية المؤثّرة في هذه المتغيّرات (الحالة الاجتماعية – الاقتصادية، والعوامل الثقافية، والأدوار المنوطة بكل جنس)، ومن

ناحيةٍ أخرى عواقبَ هذه القيم في سلوك الخصوبة. وتظهر الدراسات في شأن النقطة الأخيرة أنّ العامل الأكثر دلالةً في انخفاض الخصوبة هو اختفاء الدور الاقتصادي للطفل، يليه ارتفاع مستوى التطلّعات لدى الزوجين والحياة الأسرية، ومراعاة الرضا المستقبلي الذي يمكن أن يحققه الطفل. وأخيرًا، إذا ما أعلن معظم هؤلاء المؤلّفين عن تحفّظهم الشديد إزاء القوة التفسيرية لمقاربات الاقتصاد

الجزئي، فإن ذلك يرجع إلى اقتناعهم بأنّ هذه المقاربات فشلت في أن  تُدرِج كمايجب القوى التي تحدّد الاتجاهات التاريخية للخصوبة؛ ما  يدفعنا إلى رؤيتها بالأحرى باعتبارها أدواتٍ لتحليل تباينات الخصوبة في لحظة زمنية معينة (أو بوصفها استجابات آنية لتغّيرٍ في السياق الاقتصادي للأسرة)، وليست أدوات لدراسة الاتجاهات على المديَين المتوسط والطويل.

(113)  Wolfgang Lutz, "Culture, Religion and Fertility: A Global View," Genus , vol. 43, no. 3–4 (December 1987), pp. 15–35. (114)  James Fawcett, "Perceptions of the Value of Children: Satisfactions and Costs," in: Bulatao & Lee (eds,), pp. 429–457;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 18.

(115)  Lois W. Hoffman & Martin L. Hoffman, "The Value of Children to Parents," in: James Fawcett (ed.), Psychological Perspectives on Population (New York: Basic Books, 1973), pp. 19–76.

(((11 ينظر:

Rodolfo Bulatao, "On the Nature of the Transition in the Value of Children," Current Studies on the Value of C h ildren Papers , no. 60–A, East–West Population Institute (1979).

(((11 راجع أيضًا النقد الصارم في: Cleland & Wilson.

6. ضبط النسل وبرامج تنظيم الأسرة

لن نجد في هذا القسم "نظريات" حقيقية وجديدة، بل إنّ بعض الباحثين اعتبر أنّ الديموغرافيين خاضوا غمار مخاطرة كبيرة حين عملوا مع دعاة تنظيم الأسرة، مبتعدين بذلك عن مجال الديموغرافيا "العلمية". لكنّ هذا الموضوع ظلّ ملهمًا بشدّة على مدى عقدين من الزمن على الأقل، ويبدو لنا إذًا

أنّ من الضروري تحديد أسسه النظرية الرئيسة. فبدءًا من مطلع خمسينيات القرن العشرين، جريت أُ

دراسة طولانيّة في منطقة البنجاب في الهند، هي دراسة خانّا Khanna Study الهادفة إلى اقتراح وسائل

لمنع الحمل، وتتبّع مدى قبولها في أوساط السكان، وقياس أثرها في معدل المواليد. وبعد مرور

ثماني سنوات، وعند انتهاء البرنامج، لوحظ فشله في الحصيلة؛ إذ سجّلت درجة من قبول وسائل منع

الحمل بالتأكيد، ولكن من دون أن تترك تأثيرًا في المولودية. وبالعودة إلى القرية ذاتها في عام 1969،

أدرك الباحثون أنّ المولودية انخفضت في نهاية المطاف خلال السنوات التي تلت مغادرتهم، من دون يُذكر في استخدام وسائل منع الحمل تسجيل تغيّر. ولوحظ بذلك أنّ تطور الخصوبة لا يرتبط

بالضرورة بممارسة منع الحمل. خلال الستينيات، وفي مواجهة النمو القياسي لسكان العالم (مُس جّل المعدل الأعلى في عا 1965)،

احتشد عدد من الهيئات الدولية من أجل نشر الحدّ من النسل في البلدان النامية. واعتمد المروّجون

لذلك على ملاحظة وجود فجوة بين عدد الأطفال في الأسرة (المُشاهَد)، والعدد "المرغوب فيه" المعلن

عنه من النساء. وجاءت هذه الملاحظة من مسوح المعرفة والمواقف والممارسات Connaissances, Attitudes et Pratiques (CAP)، أو KAP بالإنكليزية، التي أظهرت في الغالب ضعف المعرفة بوسائل منع الحمل، وضعفًا أشدّ في استخدامها، وتسجيل عدد مرغوب فيه من الأطفال أدنى من العدد الفعليّ. وأفضى ذلك إلى الاستنتاج أنّه يكفي أن نقدّم للأزواج المعنيين وسائل فاعلة لضبط

نسلهم، لكي يتبنّوها ويحدّوا من ذريتهم. والحال أنّنا رأينا سابقًا في نصّ أنسلي كول المقتبَس

سابقًا أنّ الأمور لم تكن على هذه الدرجة من البساطة، وعبّر أحد أكثر دعاة تنظيم الأسرة حماسةً (وأحد

أهم المموّلين الدوليين)، هو جون دي. روكفيلر الثالث John D. Rockefeller III، عن تبدّل كبير في

الموقف. ففي عام 1974، "السنة الدولية للسكان"، أدلى بالتصريح التالي أثناء مؤتمر بوخارست الذي نظّمته الأمم المتحدة: "ومع ذلك، فقد تراكمت الأدلّة، لا سيما خلال السنوات العشر الأخيرة، على أنّ تنظيم الأسرة وحده لا يكفي. وتبيّن أنّ النساء اللواتي يلجأن إلى تنظيم الأسرة هنّ أساسًا أولئك اللواتي

أنجبن مسبقًا عددًا كبيرًا من الأطفال. [...] وإنني لأعتقد اعتقادًا راسخًا الآن أنّ مسار العمل الوحيد

القابل للتطبيق هو تضمين السياسة السكانية على نحو حاسم في سياق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وفق أسلوب من شأنه أن يجعلها مقبولةً في المستويات الأعلى في الدولة، فتحظى بكل

(118)  John B. Wyon & John E. Gordon, The Khanna Study: Population Problems in the Rural Punjab (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971).

(((11 للاطلاع على عرض عام لمسوح المعرفة والمواقف والممارسات، ينظر:

W. Parker Mauldin, "Application of Survey Techniques to Fertility Studies," in: Mindel C. Sheps & Jeanne Claire Ridley (eds.), Public Health and Population Changes (Pittsburg: University of Pittsburg, 1966), pp. 93–118.

ما تحتاجه من دعم [...] إنّ أفضل طريقة لحثّ الأفراد على تنظيم أسرهم هي إيقاظ الأمل في نفوسهم بأنّ ظروف العيش وفُرصه سوف تتحسّن عمومًا". وأعقب ذلك إطلاق دعوة لإعادة النظر في "مفهومنا عن النمو الاقتصادي" وضرورة الحد منه في سياق الواقع القائم على موارد موزّعة على نحو غير متساوٍ، ومعّرض ة لخطر النضوب. وبناء عليه، يمكن القول

إن جهود الديموغرافيين لم تكن عبثًا؛ فقد أتاح برنامج المسوح الدولي، ولا سيما مسح الخصوبة العالمي

الذيُأطِلُِق قبل فترة وجيزة، أن يرتكز على إشكالّيةٍ أوسع نطاقًا مقارنةً بماٍّ سبقه من مسوح. يعكس النصّان اللذان كتبهما رونالد فريدمان في عام 1966، وتشارلز ويستوف وأكينرينولا بانكوليه

في عام 1996، مسار التقدّم المُحرز خلال نحو ثلاثين عامًا. ويستأنف النص الذي كتبه فريدمان

مداخلةً كان قد قدّمها في ختام أحد أوائل المؤتمرات الدولية عن برامج تنظيم الأسرة. واستنادًا

إلى النجاحات الأولى للبرامج التي نجزت في كوريا وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ، إلى جانب أُ "المؤشرات الواعدة" في بلدان أكثر أهمية (باكستان والهند وتركيا وتونس)، يخلص المؤلّف بحذر إلى أنّ في الإمكان التوصّل إلى نتائج جيّدة في المجموعات السكانية الصغيرة، وربما في قطاعات

كبيرة من المجموعات السكانية الأوسع، وذلك في حال استيفاء عدد من الشروط المواتية وهي: وفيات (رضّع) آخذة في الانخفاض، ومسيرة تنمية اجتماعية فاعلة، ورغبة لدى الأزواج في الحدّ من عدد مواليدهم. ويعوّل بشدّة على الشبكات الاجتماعية القائمة لتعزيز نشر وسائل منع الحمل، ووجود

أخصائيين اجتماعيين فاعلين، والإدارة الجيدة للبرامج. والواقع أنّ انخفاض معدلات الخصوبة الذي لاوحظ في البلدان المذكورة أسهم في دعم تفاؤل فريدمان، وإن حدث ذلك أحيانًا بعد وقت أطول قليل من المتوقع. أضف إلى ذلك أن اللولب كان أعجوبة وسائل منع الحمل في تلك المرحلة، وقد جرى التعويل عليه كثيرًا، وأصبح أكثر الطرائق استخدامًا في العالم (14 في المئة من النساء في سنّ الإنجاب

اللواتي يعشن في علاقة اقتران في عام 2011)، وبما يتجاوز استخدام حبوب منع الحمل (12 في المئة ومعها الوسائل الهرمونية الأخرى)، والواقي الذكري (8 في المئة) والوسائل التقليدية (7 في المئة)، ولا يتفوّق عليها سوى تعقيم الإناث (19 في المئة). وبالنظر إلى قائمة الشروط التي وضعها فريدمان، يمكننا بطبيعة الحال أن نتساءل عن مقدار انخفاض الخصوبة الذي يمكن ربطه فعليًا ببرنامج بعينه. وقد رأينا مث ل على "نجاح" برنامج لم يرافقه انخفاض

(120)  John Rockefeller III, "L’accroissement de la population: Le rôle des pays développés," in: UIESP, Conférence mondiale des Nations unies sur la population, Bucarest, 1974 , Série d’exposés sur la population (Liège: UIESP, 1974). (121)  Ronald Freedman, "Family Planning Programs Today," in: Bernard Berelson (ed.), Family Planning and Population Programs (Chicago: The University of Chicago Press, 1966), pp. 811–825;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 19.

(122)  Charles F. Westoff & Akinrinola Bankole, "The Potential Demographic Significance of Unmet Needs," International Family Planning Perspectives , vol. 22, no. 1 (March 1996), pp. 16–20;

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 20.

(123)  United Nations, World Contraceptive Use 2011 (Wallchart) (New York: United Nations, 2011).

في الخصوبة إلا بعد إيقافه (دراسة خانّا)، كما أننا نفهم بذلك أيضًا "التبدّل" الذي طرأ على [موقف] روكفيلر في منتصف السبعينيات. تتناول دراسة ويستوف وبانكوليه مسألة "الطلب على وسائل منع الحمل"، من خلال التوسع في مفهوم "الحاجة غير الملبّاة إلى وسائل منع الحمل" Besoins contraceptifs insatisfaits.

وعلى اعتبار أنّ المبدأ الرئيس لبرامج تنظيم الأسرة كان قد قام على تقليص الفجوة بين الولادات المرغوب فيها والولادات الفعلية، حاول الباحثان تقويم نسبة النساء اللواتي صرّحن في أحد

المسوح الديموغرافية بأنّه لم تعد لديهنّ رغبة في إنجاب الأطفال (أو أنّه ليست لديهنّ رغبة في الوقت الحاضر)، واللواتي على الرغم من ذلك لا يستخدمن أيّ وسيلة لمنع الحمل. ولكنّ

في هذا إغف ل لحقيقة أنّ البعض منهنّ يمكن أن يكون عقيمًا مسبقًا، أو في مرحلة حملٍ أو انقطاع طمث نفاسي Aménorrhée post–partum. وقد طرح جون بونغارتز طريقة لأخذ هذه الحالات في الاعتبار، ويذهب ويستوف وبانكول إلى أبعد من ذلك، فيأخذان في الاعتبار على سبيل المثال النساء اللواتي ينتمين إلى المجموعة السابقة، ولكنهن يصرّحن بعدم رغبتهنّ في استخدام

وسائل منع الحمل. وفي المقابل، يجب أن تؤخذ في الاعتبار النساء اللواتي يستخدمن وسيلة ضعيفة الفاعلية من وسائل منع الحمل (أو يستخدمنها بطريقة تُضعف فاعليتها) واللواتي قد يرغبن في تغيير الوسيلة. والحال أنّ مجمل هذه التحسينات يهدف إلى إدراك مفهوم "الحاجة غير الملبّاة" بأفضل ما يمكن، من أجل التوصل إلى قياس للاحتياجات التي يتيح الانضمام إلى

البرنامج فرصةً حقيقية لتلبيتها. هذا ويكمن وراء فكرة تنظيم الأسرة نقاشٌ آخر يتناول مدى صلاحية مفهوم "الخصوبة المرغوب فيها" Fécondité désirée. وكما سبق أن ذكرنا، فإنّ هذا سؤال يُطرح في جميع المسوح الديموغرافية، وتكون الإجابات عنه بمنزلة مدخلات في النمذجة الاقتصادية، كما في حالة قياس الاحتياجات غير الملبّاة. وكان تشارلز ويستوف ونورمان رايدر قد بيّنا ضعف القيمة التنبّئية للنيات

المعلنة، لا سيما على المستوى الفردي. فحين تقول امرأة متزوجة لم تنجب أطف ل بعدُ أنها ترغب في إنجاب اثنين، ستكون احتمالية أن تنجب طفلين بالضبط ضعيفةً في نهاية المطاف. وأحد أسباب ذلك هو أنّ النيات يمكن أن تتطور بمرور السنوات وتبعًا للتجربة المعيشة. ومع ذلك، تكون القيمة التنبّئية أعلى كثيرًا على المستوى الجمعي؛ إذ يحدث تعويض جزئي

(124)  Westoff & Bankole. (125)  John Bongaarts, "The KAP–Gap and the Unmet Need for Contraception," Population and Development Review , vol. 17, no. 2 (June 1991), pp. 293–313. (126)  Charles F. Westoff & Norman Ryder, "The Predictive Validity of Reproductive Intentions," Demography , vol. 14, no. 4 (November 1977), pp. 431–453. (127)  Ronald Lee, "Aiming at a Moving Target: Period Fertility and Changing Reproductive Goals," Population Studies , vol. 34, no. 2 (July 1980), pp. 205–226.

ل "الأخطاء"، فضل عن أنّ الرغبة المعلنة تظلّ أفضل مؤشّر فردي من بين جميع المتغيرات الأخرى التي يمكن استخدامها لتحليل قيمة التنبؤ بالخصوبة (الحالة الزواجية ومدة الاقتران والدخل والدين... إلخ).

7. مقاربات النوع الاجتماعي

كثيرًا ما يُقال "إنّ الإنجاب هو في المقام الأول قضية تخصّ النساء"، وهو كذلك بلا شك، لكن يلزم

أول أن يُكاُ نّ في وضع يتيح لهنّ أن يتّخذن بأنفسهنّ قرار إذا مكنّ يرغبن في إنجاب طفل أم لا، وأن يتاح لهنّ الوصول إلى وسائل منع الحمل اللازمة. ومن هنا، فقد هدفت البحوث التي تتناول النوع الاجتماعي إلى وضع مكانة المرأة وقدرتها على الفعل في مركز الاهتمام. وفي هذا الصدد، تنطلق دراسة كارين أو. ميسون المعنيّة بدراسة حالة البلدان النامية، ومثلها دراسة كونستانتينا سافيليوس

روثتشايلد، من وجهة نظر تنطوي إلى حدّ ما على مفارقة، وهي أنّه من غير الممكن فهم التغير في مكانة المرأة أو في دورها إلا من خلال تغيّر مكانة الرجل ودوره. وفي مسار يتماشى مع مقاربة

رودولف بولاتاو ورونالد لي، تقدّم ميسون مراجعة للمتغيرات الوسيطة التي من الممكن أن تتأثّر بوضع المرأة. وتخلص إلى أنه لناحية "العرض من الأطفال"، يؤدّي العمر عند الزواج (الذي يُفلت غالبًا من

الاختيار الحرّ للمرأة) الدور الرئيس، أما لناحية "الطلب"، فتكون الغلبة لمختلف الأبعاد المتعلّقة بقيمة

الأطفال. وتجدر الإشارة أيضًا إلى "التكاليف النفسية" المتزايدة الناجمة عن الطفل حين يشوّش على العلاقة العاطفية بين الزوجين، وإلى مسألة تقاسم القرارات المتعلّقة بمنع الحمل. وإجم ل، ترى ميسون أنّ اللامساواة بين الجنسين بالمعنى الضيق لا تترك سوى أثر محدود في الخصوبة، وتفضّل الإحالة إلى أثر البنى الاجتماعية. في حين ترى روثتشايلد، في ما يخصّ البلدان النامية أيضًا، أنّ التغيير العميق لا يمكن أن يحدث إلا من خلال زيادة متزامنة في مستويات تعليم الذكور والإناث. وتختلف الإشكالية في البلدان الصناعية التي سبق أن انخفضت خصوبتها بالفعل. ففي مجتمع يزداد فردانية يومًا بعد يوم، تتراجع قيمة الأسرة وتأثيرها، وهذه مسألة كنا قد أشرنا إليها سابقًا. ومع ذلك،

(((12 ينظر على سبيل المثال:

Aart C. Liefbroer, "Changes in Family Size Intentions Across Young Adulthood: A Life–Course Perspective," European Journal of Population , vol. 25, no. 4 (November 2009), pp. 363–386;

ومن المفيد الاّطلّاع على العدد الكامل من هذه المجلة المخصص لهذا الموضوع:

European Journal of Population , vol. 25, no. 4 (November 2009). (129)  Maria Rita Testa & Laurent Toulemon, "Family Formation in France: Individual Preferences and Subsequent Outcomes," Vienna Yearbook on Population Research , no. 4 (2006), pp. 41–75. (130)  Karen O. Mason, "The Impact of Women’s Social Position on Fertility in Developing Countries," Sociological Forum , vol. 2, no. 4 (1987), pp. 718–745. (131)  Constantina Safilios–Rothschild, "The Demographic Consequences of the Changing Roles of Men and Women in the 1980’s," in: IUSSP, Proceedings of the IUSSP Conference, Helsinski, 1978 , vol. 3 (Liège: IUSSP, 1978), pp. 39–49. (132)  Ibid.

ما من دليل على أنّ أدوار الرجال والنساء تتطوّر بهذه السرعة، ولا يحول دخول النساء مجال العمل

المأجور على أوسع نطاق دون بقاء عملهّن ثانويًا غالبًا ضمن علاقة الشريكين، وجزئيًا في سوق

العمل. وفي هذا الصدد، تصفهنّ إيفا بيرنهاردت بالعاملات الإضافيات Supplementary Workers،

وتعلّق آمالها على أن تؤدّي التغييرات الملحوظة في السلوك إلى تغييرٍ في القيم، وإلى إعادة التوازن لصالح المرأة. ويشير بيتر ماكدونالد تحديدًا إلى أنّ علاقات النوع الاجتماعي والمواقف المتعلقة به يمكن أن تتباين في تطوّرها بين مستوى القيم الفردية والقيم العائلية؛ إذ يمكن أن يدعم المجتمع المساواة بين

الجنسين في مختلف مجالات الحرية الفردية (لا سيما الاقتصادية والسياسية)، ويحتفظ في الوقت نفسه بأشكال دعمٍ للزواج والأسرة (أو يتسامح مع آليّات عملٍ فيها) لا تحدّ بأيّ حال من عدم المساواة

بين الجنسين. ويستخدم ماكدونالد تعبير "الإنصاف بين الجنسَين" Équité de genre/ Gender

Equity، ويعتقد أنّ الانتقال من الخصوبة المرتفعة إلى الخصوبة المنخفضة يفترض بداهةً حدوث تحسّن في الإنصاف داخل الأسرة، حيث تكون المرأة بحق في وضعٍ يمكّنها من قرار عدد الأطفال

الذي تريد إنجابه. بيد أنه يعتقد مع ذلك أنّ الاحتفاظ بدرجة عالية من عدم الإنصاف داخل الأسرة في إطار سياقٍ عام يتّصف بتراجعٍ في انعدام المساواة في مجالات الحياة الأخرى، يمكنه في نهاية

المطاف أن يؤدي بالنساء إلى إنجاب عدد من الأطفال أدنى مما يرغبن فيه؛ وهذا في نظره أحد أسباب الخصوبة الضعيفة جدًا في أوروبا. ومن الواضح تمامًا أنّ قضية النشاط الاقتصادي للنساء تحتلّ موضعًا مركزيًا هنا، وقد كانت

حاضرةً بالفعل في العديد من المقاربات السابقة، أكانت الأنثروبولوجية (يؤدي الدخول في النشاط الاقتصادي المأجور إلى تغيير في مكانة المرأة، فيزيد من استقلاليتها، ويعدّل من اتجاه "تدفّق الثروة" داخل الأسرة)، أم المتعلّقة بالبيئة المؤسسية (مع ظهور وظائف جديدة في القطاع الثانوي، مفتوحة أكثر أمام النساء)، أم الاقتصادية بالطبع، لا سيما مع تحليل "تخصيص الوقت" Allocation des temps المتاح ضمن الأسرة المعيشية. وعلى نحو أعّم،ّ يُعدّ النشاط المهني، إلى

جانب المستوى التعليمي والوضع الاجتماعي، أحد متغيرات الحالة الاجتماعية – الاقتصادية التي نجدها حاضرةً في كلّ تحليل. ونجد إجماعًا على فكرة أنّ ممارسة نشاط اقتصادي خارج منزل

الأسرة نّيُخّفض من الوقت الذي من الممكن تخصيصه لتنشئة الأطفال وتعليمهم، ويمكنه م ثم

أن يؤدي إلى خفض العدد المرغوب فيه من الأطفال. ولذلك، فإنه يمثّل اتجاهًا رئيسًا في تطور

خصوبة المجتمعات، بالتزامن مع تطوّرها الاقتصادي التدريجي واستطالة التقويم الزمني للولادات

Calendrier des naissances فيها. ويمكننا مع ذلك أن نتصور وجود أساليب لتيسير التوافق بين

(133)  Eva Bernhardt, "Changing Family Ties, Women’s Position and Low Fertility," Stockholm Research Reports in Demography , no. 46, University of Stockholm, Section of Demography (1988);

للاطلاع على النسخة الفرنسية، ينظر: Leridon (dir.), ch. 22.

(134)  Peter McDonald, "Gender Equity in Theories of Fertility Transition," Population and Development Review , vol. 26, no. 3 (September 2000), pp. 427–439.

النشاط المهني والحياة الأسرية، وأنّ من شأن وضعها موضع التنفيذ أن يتصدّى للأثر السلبي الذي يخلّفه تطوّر النشاط الاقتصادي الأنثوي.

8. الأبعاد الأخرى

نفتتح هنا قائمة الموضوعات الإضافية هذه بالتساؤل عن الدور الذي من المحتمل أن تؤديه المؤشّرات القياسية البيولوجية Paramèters biologiques. فقد أظهرت التحليلات الواردة سابقًا، على نطاق واسع، أنّ المتغيّرات السلوكية هي التي هيمنت على تطوّر الخصوبة خلال العقود الأخيرة، حتى

إن ضمّنت المعطيات الفيزيولوجية في مفهوم الخصوبة الطبيعية. ونجد في مؤَّلفَي رونالد غراي

وهنري ليريدون وألفريد سبيرا، وجيمس وود، عرضًا للمعارف المتاحة حول هذا الموضوع. فتاريخيًا، لاُوضعت البيولوجيا موضع تساؤل،  سيما مع كورادو جيني الذي أرجع زيادة طول المسافة

الفاصلة بين الزواج وإنجاب الطفل الأول إلى تراجع في القدرة على التوالد Fertilité، أو "الغريزة التناسلية" Instinct génésique، لكنّ أعمال لاندري ما لبثت أن أزاحت تحليلاته جانبًا. كذلك

نوقش أثر التغذية في الآونة الأخيرة، فخلال الخمسينيات، حصدت أطروحة خوسيه دي كاسترو Josué de Castro بعض النجاح، وهو يرى أنّ سوء التغذية يثير الغريزة الجنسية، ويزيد من ثمّ من

خصوبة السكان المعنيين. ولم تصمد أطروحته هذه أمام الفحص والتمحيص، ثمّ سادت بعد ذلك

الأطروحة المعاكسة القائلة إنّ نقص التغذية يقلّل الخصوبة من خلال تأثيره في الجهاز الهرموني الذي ينظّم الجهاز التناسلي الأنثوي. وتصبّ في هذا الاتجاه الأمثلة عن حالات الأزمات الحادة (المجاعات

ومعسكرات الاعتقال وما إلى ذلك)، أو الحمية الفردية المفرطة، أو فقدان السعرات الحرارية بعد بذل مجهود بدنيّ مفرط، لكنّ التأثير يظلّ محدودًا على المدى الزمني الطويل. وقد أثيرت في

الآونة الأخيرة مخاوف تتعلق باحتمال حدوث انخفاض في القدرة الإنجابية عند الذكور، لكن لا يبدو أنّ الانخفاض المحتمل في احتمال الحمل يكفي وحده لإحداث انخفاض كبير في الخصوبة.

(((13 ينظر على سبيل المثال مناقشة ثيفينون ولوسي عن فاعلية السياسات الأسرية:

Olivier Thévenon & Angela Luci, "Reconciling Work, Family and Child Outcomes: What Implications for Family Support Policies?" Population Research and Policy Review , vol. 31, no. 6 (December 2012), pp. 855–882. (136)  Ronald Gray, Henry Leridon & Alfred Spira (eds.), Biomedical and Demographic Determinants of Reproduction (Oxford: Clarendon Press, 1993). (137)  James W. Wood, Dynamics of Human Reproduction: Biology, Biometry, Demography (New York: Walter de Gruyter, 1994). (138)  Corrado Gini, "Decline in the Birth–Rate and 'Fecundability' of Women," The Eugenics Review , vol. 17, no. 4 (1926), pp. 258–274. (139)  Rose E. Frisch, "Demographic Implications of the Biological Determinants of Female Fecundity," S ocial Biology , vol. 22, no. 1 (Spring–Summer 1975), pp. 17–22.

(((14 للاطلاع على رؤية عامة في هذا الشأن، ينظر:

W. Henry Mosley (ed.), Nutrition and Human Reproduction (New York: Plenum Press, 1977).

(((14 ينظر على سبيل المثال:

Bernard Jégou, Pierre Jouannet & Alfred Spira, La fertilité est–elle en danger? (Paris: Inserm; La Découverte, 2009).

كذلك يمكننا الإشارة إلى النظريات السوسيوبيولوجية Sociobiologiques باعتبارها تنويعات على المقاربات الأنثروبولوجية، وتقوم على تعظيم عقلانية الجماعة على حساب عقلانية الفرد الذي سيكون عليه إما أن يتكيف أو يهلك. كذلك كنّا قد ذكرنا مرّات عديدة الأثر المحتمل لانخفاض الوفيات عمومًا، ووفيات الرضّع خصوصًا،

والذي وجدنا فيه أحيانًا – على الرغم من المثال المضاد في المسح الذي أجرته الدراسة الصادرة عن برنستون في دول أوروبية – محّدلاّ دًا رئيسًا، بل غنى عنه، لانخفاض الخصوبة. والحال أنّ الوضع

أكثر تعقيدًا بعض الشيء مما يبدو عليه، والواقع أنّ وفيات الرضع ترتبط ارتباطًا إيجابيًا بالخصوبة

بأشكال عدّة، أبرزها التأثير الفيزيولوجي الناجم عن انقطاع الإرضاع الطبيعي والذي يؤدي في حدّ ذاته إلى عودة الإباضة بسرعة، إلى جانب تأثير الإحلال الذي من شأنه أن يحثّ الأسر التي تفقد طفل في سنّ صغيرة على تعويضه. وقد بيّن دوف فريدلاندر أنّ أثر انخفاض الوفيات يتوقّف بوجه خاص على

الظروف الاقتصادية التي يحدث ضمنها، ولا يؤدي انخفاضه تلقائيًا إلى خفض الخصوبة. وإنه لمن المغري دائمًا الاعتقاد أنّ تطور الذهنيات أو السلوكات يحدث خطوةً بخطوة، في ما يشبه انتقال

العدوى بين أفراد أو جماعات. وسبق أن أشرنا إلى ذلك مرّات عديدة، في ما يتعلّق بمقبولية تنظيم الأسرة

على سبيل المثال. واقتُرحت تحليلات متنوعة لعملية الانتشار Processus de diffusion هذه منذ العمل الذي كتبه إيفرت روغرز في عام 1962، وقامت [هذه التحليلات] على أساس جغرافي، إلى جانب تناول مختلف قنوات الاتصال. أما لوي روزيرو–بيكسبي وجون كاسترلاين فيقدّمان وجهة نظر مغايرة نوعًا ما من خلال نمذجة التحولات بين ثلاث "حالات" ممكنة: خصوبة طبيعية غير مضبوطة، وحالة

"كمون" (يوجد طلب على وسائل منع الحمل، لكنه غير متبلورٍ بعد)، وخصوبة مضبوطة. ويمكن أن تكون المؤشرات القياسية التي تحدد معدلات الانتقال من حالة إلى أخرى خارجية المنشأ بالمطلق (مثل تنفيذ سياسة تحثّ على ضبط النسل)، أو قد تكون داخلية المنشأ جزئيًا تحت تأثير عدوى داخلية.

ونحن هنا قريبون جًّدًا من النمذجة الوبائية لانتشار الأمراض المعدية. شهدت إحدى النظريات بعض النجاح في أميركا اللاتينية خلال الثمانينيات والتسعينيات، وهي نظرية "مالتوسية الفقر" Malthusianisme de pauvreté؛ إذ شهدت دول عديدة في أميركا اللاتينية انخفاضًا حاًّدًا في الخصوبة، وحدث الأمر في بعض الأحيان بدءًا من الطبقات الأكثر حرمانًا. وبذا فقد حاول

بعض الباحثين في هذه البلدان التوصّل إلى تفسيرٍ وفق الرؤية الماركسية الجديدة، يكون تحديد النسل

(142)  Edward Wilson, Sociobiology: The New Synthesis (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1975). (143)  Dov Friedlander, "The Effect of Child Mortality on Fertility: Theoretical Framework of the Relationship," IUSSP, Proceedings of the IUSSP Conference, Mexico , 1977, vol. 1, pp. 183–200. (144)  Everett Rogers, Diffusion of Innovations (New York: The Free Press of Glencoe, 1962). (145)  Robert D. Retherford & James A. Palmore, "Diffusion Processes Affecting Fertility Regulation," in: Bulatao & Lee (eds.), pp. 295–339. (146)  Luis Rosero–Bixby & John Casterline, "Modelling Diffusion Effects in Fertility Transition," Population Studies , vol. 47, no. 1 (March 1993), pp. 147–167.

بموجبه استجابةً للفقر المتزايد. ولكنّ هذه المقاربة افتقرت، للأسف، إلى القبول الواسع، ولم تسفر عن امتدادات نظريّة خارج أميركا اللاتينية.

9. الخصوبة بوصفها متغّيأّرًا داخلي المنش

إذا كانت الخصوبة تحدّد سرعة نمو عدد السكان (بالاشتراك مع الوفيات والهجرة)، ففي وسعنا، إذًا، تصوّر أنّ الأخيرة تؤثّر بدورها في مستوى الخصوبة. وقد كان هذا الأمر في نهاية المطاف منبع الخطاب

المالتوسي؛ إذ لأنّ النمو السكاني كان سريعًا جدًا، لم يعد أمام الأفراد من خيارٍ آخر سوى الحدّ من عدد أطفالهم. وإذا كانت هذه "الاستجابة" فعالة، نصبح أما ميكانيزم ضبط ذاتي لعدد السكان، من خلال الخصوبة. ومن النادر جدًا أن يجري التعامل مع الخصوبة على هذا النحو باعتبارها متغيرًا

داخلي المنشأ في إطار نموذجٍ للتطور الديموغرافي. وهكذا، فسّر جاك دوباكييه التوازن الاستتبابي

Equilibre homéostatique الذي لربما كان سائدًا في فرنسا القديمة، حينما بدا السكان – الريفيون في مجملهم تقريبًا – في حالة شبه توازن على المدى البعيد. وكانت الفكرة أنه في سياق كان يصعب

فيه على الشاب أن يتزوّج ما  لم يكن مالك أرضٍ أو مستصلحًا لها، يكون العمر عند الزواج بمنزلة متغيّر

تصحيحٍ للوفيات، لأنه في حال حدوث أزمة وفيات حادّة (وهي حالة كانت شائعة نسبيًا في القرنين

السابع عشر والثامن عشر) تخلو أماكن في المزارع؛ ما يفسح المجال أمام تحُّقُق استقلالية أسرع في أوساط الشباب، وقدرةٍ على الزواج في سٍّنٍ أصغر. ونتيجةً لذلك، ينجب هؤلاء في أعمار أصغر من تلك التي كانت قائمة في النظام "العادي"، ويصير في إمكانهم إنجاب أعداد أكبر؛ ما يعمل على تعويض الفاقد الناجم عن الأزمة. وقد تحقّق ماسيمو ليفي–باتشي من ذلك أيضًا في توسكانا، من خلال دراسته الدقيقة للوفيات بين عامَي 1560 و.1840 وحظيت الفرضية المالتوسية بمثال توضيحيّ جديد في أوّل نموذج شامل (والوحيد حتى اليوم)

ل "النظام البيئي العالمي" الذي وضعه جاي فوريستر Jay Forrester لنادي روما  Club de Rome

(((14 ينظر:

M. Eugenia Cosio–Zavala, "Les deux modèles de transition démographique en Amérique latine: Le malthusianisme de pauvreté," in: Francis Gendreau (dir.), Les transitions démographiques dans les pays du Sud (Paris: Estem Aupelf–Uref, 2001), pp. 41–52;

وبالنسبة إلى حالة البرازيل:

Thomas Merrick & Elza Berquo, "The Determinants of Brazil’s Recent Rapid Fertility Decline," Report , no. 23, Committee on Population and Demography (1983);

أما بالنسبة إلى حالة الأرجنتين، فينظر:

Susana Torrado, Procreacion en la Argentina: Hechos e Ideas (Buenos Aires: Ediciones de la Flor; Centro de Estudios de la Muje, 1993). (148)  Jacques Dupâquier, "Le mécanisme autorégulateur de populations traditionnelles," Revue de l’Institut de sociologie , no. 2 (1972), pp. 177–211. (149)  Massimo Livi–Bacci, "La société italienne devant les crises de mortalité," Conférences au Collège de France, Dipartimento Statistico, Universita Di Firenze, Florence, 1978.

أوائل السبعينيات. وكانت المتغيّرات المتفاعلة هي الموارد الغذائية، والموارد الطبيعية (الطاقة

والمعادن)، والإنتاج الصناعي، والتلوث البيئي، وسكان العالم. ويغذّي عدد كبير من المتغيرات الوسيطة (يتجاوز الثمانين) النماذج الفرعية الناظمة للمتغيرات الخمسة الرئيسة. ففي النموذج الفرعي الديموغرافي على سبيل المثال، تتوقّف الخصوبة على العدد المرغوب فيه من الأطفال (الذي يتحدّد بدوره من خلال العمر المتوقع Espérance de vie ومستوى المعيشة)، وفاعلية وسائل منع الحمل (التي تتوقّف على مدى نشاط قطاع الخدمات المعني بنشر المعرفة عن تنظيم الأسرة). وفي المحاكاة "المعيارية"، يتزايد عدد السكان أول ليصل إلى 12 مليار نسمة، ثم ينهار إلى 6 مليارات؛ إذ يؤدي العجز في الموارد الطبيعية والغذائية إلى زيادة الوفيات من دون أن يكون الانتعاش المرافق في الخصوبة كافيًا للتعويض عنها. وكما نعلم، فقد تعرّض النموذج لانتقادات

حادة، ولم يحظَ بأيّ متابعة لاحقة، وذلك للصعوبة البالغة في تلخيص العلاقات السببية المتعددة التي عمل على تطبيقها في صورة معادلات بسيطة. وكانت الفرضية التي طرحها ريتشارد إيسترلين في عام 1978 أكثر جاذبية. وارتكزت المقاربة في شكلها الأولي على مفهوم الدخل النسبي، مع إمكان إجراء المقارنات بين الوالدين والأطفال، أو بين مختلف الفئات العمرية ضمن السكان. وقامت في صيغتها الأكثر اختصارًا وذات الصبغة الديموغرافية الصرف، على جعل الخصوبة تتوقّف على التركيب العمري للسكان، الذي ينجم (جزئيًا) عن النمو

السابق للخصوبة. والفكرة هنا هي أنّ الأزواج يحدّدون خصوبتهم تبعًا للصعوبات التي يواجهونها عند دخولهم سوق العمل وفي بداية حياتهم المهنية؛ فإذا كثُرت حالات التقاعد (بسبب الاتساع النسبي في ذروة الهرم السكاني، مقارنةً بالفئة العمرية 25–20 عامًا)، يكون الدخول إلى سوق العمل يسيرًا، وتصبح بدايات الحياة المهنية واعدة؛ ما يدفع الشبان والشابات إلى الاقتران وبدء تأسيس ذريتهم في مرحلة مبكرة نسبًّيًا، ويكون العكس صحيحًا في حال كان الخروج من النشاط الاقتصادي أكثر ندرة. ويتّسم تنفيذ النموذج ببساطته الشديدة؛ إذ تكفي – في ما يخص النسخة الديموغرافية الصرف – مقارنة عدد الأفراد في الأعمار 64–35 عامًا بعددهم في الأعمار 34–15 عامًا. ويقدّم إيسترلين في دراسته لعام 2004 نسخة مكثّفة عن مقالة عام 1978، والتي تأخذ في الاعتبار مختلف المتغيرات الاجتماعية – الاقتصادية من قبيل المستوى التعليمي والأسعار والبطالة. وقد حقّقت الفرضية نجاحًا جيدًا عند تطبيقها في الفترة 1975–1930 في مجموعة من البلدان، بما في ذلك

الولايات المتحدة وفرنسا، وتتمثّل إحدى أهمّ فوائد هذا النموذج في ما  ينطوي عليه من بعدٍ تنبّئي؛

على اعتبار أنّ أعداد السكان الذين تراوح أعمارهم بين 15 و 64 عامًا تتحدّد إلى حدّ بعيد بأعداد

(150)  Denis Meadows et al., The Limits to Growth. A Report for the Club of Rome’s Project on the Predicament of Mankind , 3 rd ed. (New York: Universe Books, 1972). (151)  Richard Easterlin, "What will 1984 be Like? Socioeconomic Implications of Recent Twists in Age Structure," Demography , vol. 15, no. 4 (November 1978), pp. 397–432. (152)  Easterlin, "America’s Baby Boom and Bust, 1940–80."

المواليد الواقعة قبل خمس عشرة سنة فما فوق. وبذا فإنّ انخفاض الخصوبة الملاحَظ بين عام 1960 والفترة 1980–1975، كان ينبغي له أن يفسح المجال لاحقًا أمام عودة الارتفاع [في الخصوبة] فترةً تمتد إلى ما لا يقلّ عن 15 سنة، لكن الأمور لم تسر على هذا النحو (على الرغم من أنّ الانخفاض توقّف، أقلّه في عدد من البلدان)؛ ما أفقد الفرضية الكثير من صدقيتها، أو أدى على الأقل إلى الاعتقاد أنها لا تعكس سوى جزء من الواقع. يتصّف النموذج السابق في الحقيقة بطابع دوريٍ عمل الباحثون على الانتفاع منه، فدرس رونالد لي

شكليًا وإمبريقيًا إمكان حدوث مثل هذه الدورات، وخلص إلى أن نشوء دورة فعلية يتطلّب أن تتصف

الاستجابة الديموغرافية للتغير في المتغير الاقتصادي بمرونة عالية. واستكملت ديان ماكونوفيتش لاحقًا هذه التأملات. كذلك طُرحت تساؤلات بشأن "الانهيار الداخلي" للمنظومة الديموغرافية عند استقرار نظام خصوبة ضعيفة. فإذا أصبحت تجربة الأسرة الضئيلة العدد هي السائدة لدى الغالبية العظمى من السكان، أليس لانا عندها أن نخشى بأّل تأخذ الأجيال اللاحقة في الاعتبار أَّيَ نموذج آخر، ولا سيما أنّ شيخوخة

السكان تفسح المجال أمام إعطاء المزيد من السلطة للفئة الأكبر سنًا من السكان، والتي هي في الوقت ذاته الأقلّ اهتمامًا بسياسات دعم المولودية؟

خاتمة

لا يزال في إمكاننا فتح آفاق جديدة، والمغامرة في بعض الأحيان بتجاوز حدود الديموغرافيا. فلنذكر على سبيل المثال تأثير بيير بورديو في طريقة تلقّي الاستراتيجيات الإنجابية وبنائها، أو تأثير منظّري التغير الاجتماعي من أمثال كالفن غولدشايدر، أو منظّري التطوّرات الثقافية مثل فرانك لوريمر،

أو يوجين هاميل. والحال أنّ الصفحات الآنفة لا تحمل أيّ مطمح موسوعيّ، بل تهدف إلى تقديم

عدد من المقالات المرجعية ووضعها في سياقها، وفي وسع القارئ الرجوع إلى العديد من الخلاصات الأخرى التي تتناول موضوعنا. وقد أتيحت لنا الفرصة هنا لذكر المؤَّلَف الذي تولّى تنسيقه رودولفو

(153)  Ronald D. Lee, "The Formal Dynamics of Controlled Populations and the Echo, the Boom and the Bust," Demography , vol. 11, no. 4 (November 1974), pp. 563–584. (154)  Diabe J. Macunovich, "Relative Cohort Size: Source of a Unifying Theory of Global Fertility Transition?" Population and Development Review , vol. 26, no. 2 (June 2000), pp. 235–258. (155)  Wolfgang Lutz, Vegard Skirbekk & Maria Rita, "The Low Fertility Trap Hypothesis: Forces that may Lead to Further Postponement and Fewer Births in Europe," Vienna Institute of Demography (2005). (156)  Pierre Bourdieu, "Stratégies de reproduction et modes de domination," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 105 (1994), pp. 3–12. (157)  Calvin Goldscheider, Population, Modernization and Social Structure (Boston: Little Brown & Co., 1971). (158)  Frank Lorimer, Culture and Fertility (Paris: UNESCO, 1954). (159)  Eugene Hammel, "A Theory of Culture for Demography," Population and Development Review , vol. 16, no. 3 (September 1990), pp. 455–485.

بولاتاو ورون لي، وإسهامات وارِن روبنسون وسارة هاربيسون وجورج سيمونز وسامويل بريستون أو ديك فان دو كا. ويجب أن نضيف أيضًا الأعمال التي حرّرها شارلوت هوهن ورينر

ماكينسن وكنّا قد كتبنا مقدّمتها، وتلك التي حرّرها دومينيك تابوتان وآخرون، ولا سيما إسهام

جون بوارييه وفيكتور بيشيه، أو دراسة موني ناغ، أو الفصل الذي ألّفه بارت دي بوين في رسالة في الديموغرافيا من تحرير غرازييلا  كازيلي وجاك فالان وغيوم فنش. لكن لا بد لنا من الإشارة في نهاية هذا العرض إلى أننا لا نزال لا نحوز تفسيرًا متّفقًا عليه لطفرة المواليد

في الغرب في مرحلة ما بعد الحرب العالمية، ولا لأسباب انتهائها، كما أننا لا نعرف سوى القليل عن البلدان التي ليست قادرة في الوقت الحاضر على تعويض مستويات الخصوبة التي قد تبلغها مستقبل أجيالها، فالإنسان الديموغرافي Homo demographicus لم يولد بعد.

المراجع

References Annales de démographie historique 1988. Paris: EHESS, 1989. Bardet, Jean–Pierre (dir.). Dénatalité: L’antériorité française: 1800–1914. Paris: Seuil,

Bardet, Jean–Pierre & Jacques Dupâquier (dir.). Histoire des populations de l’Europe. 3 vol. Paris: Fayard, 1997–1999. Barrett, John C. "A Monte Carlo Simulation of Human Reproduction." Genus. vol. 25, no. 1–4 (1969). Berelson, Bernard (ed.). Family Planning and Population Programs. Chicago: The University of Chicago Press, 1966. Bernhardt, Eva. "Changing Family Ties, Women’s Position and Low Fertility." Stockholm Research Reports in Demography. no. 46. University of Stockholm. Section of Demography (1988).

(160)  Bulatao & Lee (eds.). (161)  Robinson & Harbison. (162)  Simmons. (163)  Preston. (164)  Van De Kaa. (165)  Höhn & Mackensen. (166)  Dominique Tabutin et al. (dir.), Théories, paradigmes et courants explicatifs en démographie (Chaire Quetelet 1997) (Louvain: Academia–Bruylant; Paris: L’Harmattan, 1999). (167)  Jean Poirier & Victor Piché, "Trente ans de recherches explicatives en démographie: Réflexions autour des dangers du cloisonnement," in: Tabutin et al. (dir.), pp. 41–64. (168)  Moni Nag, Factors affecting Human Fertility in Non–Western Societies: A Crosscultural Study , Publications in Anthropology 66 (New Haven: Yale University Press, 1962). (169)  Bart De Bruijn, "Fécondité: Théories, structures, modèles, concepts," in: Graziella Caselli, Jacques Vallin & Guillaume Wunsch (dir.), Démographie: Analyse et synthèse , Les Manuels, vol. 2 (Paris: INED, 2002), pp. 407–447.

Blake, Judith. "Are Babies Consumer Durables? A Critique of the Economic Theory of Reproductive Motivation." Population Studies. vol. 22, no. 1 (March 1968). Blum, Carol.  Croître ou périr: Population, reproduction et pouvoir en France au xviiie siècle. Études et enquêtes historiques. Paris: INED, 2013. Bongaarts, John. "A Framework for Analyzing the Proximate Determinants of Fertility." Population and Development Review. vol. 4, no. 1 (1978). ________. "The KAP–Gap and the Unmet Need for Contraception." Population and Development Review. vol. 17, no. 2 (June 1991). Bongaarts, John & Griffith Feeney. "On the Quantum and Tempo of Fertility." Population and Development Review. vol. 24, no. 2 (1998). Bourdieu, Pierre. "Stratégies de reproduction et modes de domination." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 105 (1994). Brian, Eric & Marie Jaisson. Le sexisme de la première heure: Hasard et sociologie. Paris: Raisons d’agir, 2007. Bulatao, Rodolfo. "On the Nature of the Transition in the Value of Children." Current Studies on the Value of Children Papers. no. 60–A. East–West Population Institute

Bulatao, Rodolfo A. & Ronald D. Lee (eds.), Determinants of Fertility in Developing Countries. New York: Academic Press, 1983. Burch, Thomas (ed.). Demographic Behavior: Interdisciplinary Perspectives on Decision–Making. Boulder: Westview Press, 1980. Cain, Mead. "Fertility as an Adjustment to Risk." Population and Development Review. vol. 9, no. 4 (1983). ________. "Women’s Status and Fertility in Developing Countries: Son Preference and Economic Security." Working Paper. no. 110. The Population Council (1984). Caselli, Graziella, Jacques Vallin & Guillaume Wunsch (dir.). Démographie: Analyse et synthèse. Les Manuels. Paris: INED, 2002. Cleland, John & Chris Wilson. "Demand Theories of the Fertility Transition: An Iconoclastic View." Population Studies. vol. 41, no. 2 (July 1987). Coale Ansley & James Trussell. "Model Fertility Schedules." Population Index. vol. 40, no. 2 (April 1974). Coale, Ansley & Susan C. Watkins (eds.). The Decline of Fertility in Europe. Princeton: Princeton University Press, 1986. Coleman, Samuel. Family Planning in Japanese Society: Traditional Birth Control in a Modern Urban Culture. Princeton: Princeton University Press, 1983. Coleman, David & Roger Schofield (eds.). The State of Population Theory: Forward from Malthus. Oxford: Basil Blackwell, 1986. Davies, Kingsley et al. (eds.). Below–Replacement Fertility in Industrial Societies. Cambridge: Cambridge University Press, 1987.

Davis, Kingsley & Judith Blake. "Social Structure and Fertility: An Analytic Framework." Economic Development and Cultural Change. vol. 4, no. 3 (April 1956). Demographic and Cultural Change in Developed Countries. Universities–National Bureau Conference 11. Princeton: Princeton University Press, 1960. Depoid, Pierre. Reproduction nette en Europe depuis l’origine des statistiques d’état civil. Statistique générale de la France, Études démographiques. Paris: Imprimerie nationale, 1941. Dublin, Louis & Alfred Lotka. "On the True Rate of Natural Increase." Journal of the American Statistical Association. vol. 20, no. 151 (1925). Dumont, Arsène. Dépopulation et civilisation: Étude démographique. Paris: Vigot Frères éditeur, 1890; Economica, 1990. Dupâquier, Jacques. "Le mécanisme autorégulateur de populations traditionnelles." Revue de l’Institut de sociologie. no. 2 (1972). Easterlin, Richard. "An Economic Framework for Fertility Analysis." Studies in Family Planning. vol. 6, no. 3 (March 1975). ________. "What will 1984 be Like? Socioeconomic Implications of Recent Twists in Age Structure." Demography. vol. 15, no. 4 (November 1978). ________ (ed.). The Reluctant Economist. Cambridge: Cambridge University Press,

European Journal of Population. vol. 25, no. 4 (November 2009). Farooq, Ghazi & George Simmons (eds.). Fertility in Developing Countries: An Economic Perspective on Research and Policy Issues. London: Macmillan, 1985. Fawcett, James. Psychologie et population: Sujets de recherche sur le comportement en matière de fécondité et de planification de la famille. New York/ Paris: The Population Council, 1970. ________ (ed.). Psychological Perspectives on Population. New York: Basic Books,

Fleury, Michel & Louis Henry. Des registres paroissiaux à l’histoire de la population: Manuel de dépouillement et d’exploitation de l’état civil ancien. Paris: INED, 1956. Freedman, Ronald. The Sociology of Human Fertility: A Trend Report and Bibliography. Oxford: Blackwell, 1963. Frisch, Rose E. "Demographic Implications of the Biological Determinants of Female Fecundity." Social Biology. vol. 22, no. 1 (Spring–Summer 1975). IUSSP.  Proceedings of the IUSSP Conference, Mexico, 1977. Liège: IUSSP, 1977. ________. Proceedings of the IUSSP Conference, Helsinski, 1978. Liège: IUSSP, 1978. Gendreau, Francis (dir.). Les transitions démographiques dans les pays du Sud. Paris: Estem Aupelf–Uref, 2001.

Gérard, Hubert & Victor Piché (dir.). Sociologie des populations. Montréal: Pum/ Aupelf–Uref, 1995. Gini, Corrado. "Decline in the Birth–Rate and 'Fecundability' of Women." The Eugenics Review. vol. 17, no. 4 (1926). Goldscheider, Calvin. Population, Modernization and Social Structure. Boston: Little Brown & Co., 1971. Graunt, John. Observations naturelles et politiques répertoriées dans l’index ci–après et faites sur les bulletins de mortalité. E. Valquin (trad.). Classiques de l’économie et de la population. Paris: INED, 1977 [1662]. Gray, Ronald. Henry Leridon & Alfred Spira (eds.). Biomedical and Demographic Determinants of Reproduction. Oxford: Clarendon Press, 1993. Grebenik, Eugene. The World Fertility Survey and its 1980 Conference. London: ISIWFS, 1981. Greenhalgh, Susan. "Towards a Political Economy of Fertility: Anthropological Contributions." Population and Development Review. vol. 16, no. (November 199). Hajnal, John. "Age at Marriage and Population Marrying." Population Studies. vol. 7, no. 2 (1953). Halbwachs, Maurice & Alfred Sauvy. Le point de vue du nombre. Classiques de la population et de l’économie. Paris: INED, 2005 [1936]. Hammel, Eugene. "A Theory of Culture for Demography." Population and Development Review. vol. 16, no. 3 (September 1990). Hawthorn, Geoffrey. The Sociology of Fertility. London: Collier–MacMillan, 1970. Henripin, Jacques. La population canadienne au début du xviiie siècle. Cahier 22. Paris: INED, 1954. Henry, Louis. "Fondements théoriques des mesures de la fécondité naturelle." Revue de l’Institut international de statistique. vol. 21, no. 3 (1953). ________. "Fécondité et famille: Modèles mathématiques." Population. vol. 12, no. 3

________. "Fécondité et famille: Modèles mathématiques (II)." Population. vol. 16, no. 1 (1961). ________. "Fécondité et famille: Modèles mathématiques (II)." Population. vol. 16, no. 2 (1961). ________. "La fécondité naturelle: Observations, théories, résultats." Population. vol. 16, no. 4 (1961). ________. "Some Data on Natural Fertility." Eugenics Quarterly. vol. 8, no. 2 (1961). ________. "Réflexions sur le taux de reproduction." Population. vol. 1, no. 1 (1965). Hill, Allan & William Brass (eds.). The Analysis of Maternity Histories. Liège: IUSSP; Derouaux–Ordina, 1992.

Hobcraft, John & Roderick J. A. Little. "Fertility Exposure Analysis: A New Method for Assessing the Contribution of Proximate Determinants to Fertility Differentials." Population Studies. vol. 38, no. 1 (March 1984). Höhn, Charlotte & Rainer Mackensen (eds.). The Determinants of Fertility Trends: Theories Re–Examined. Liège: IUSSP; Derouaux–Ordina, 1982. Hyrenius, Hannes & Ingemar Adolfsson. A Fertility Simulation Model (DM 1). Reports 2. Göteborg: Demographic Institute, 1964. Inglehart, Ronal. The Silent Revolution: Changing Values and Political Styles among Western Publics. Princeton: Princeton University Press, 1977. Jacquard, Albert. "La reproduction humaine en régime malthusien: Un modèle de simulation par la méthode de Monte–Carlo." Population. vol. 22, no. 5 (1967). Jain, Anil Kumar. "The Impact of Development and Population Policies on Fertility in India." Studies in Family Planning. vol. 16, no. 4 (1985). Jégou, Bernard. Pierre Jouannet & Alfred Spira. La fertilité est–elle en danger? Paris: Inserm/ La Découverte, 2009. Keyfitz, Nathan (ed.). Population and Biology. Liège: Ordina Editions; IUSSP, 1984. ________. Applied Mathematical Demography. New York: Springer Verlag, 1985. Kiser, Clyde. "L’enquête d’Indianapolis sur la fécondité." Population. vol. 5, no. 2

Kuczinski, Robert R. Fertility and Reproduction: Methods of Measuring the Balance of Birth and Death. New York: Macmillan, 1931. Landry, Adolphe. "Les trois théories principales de la population." Scientia (1909). ________. La Révolution démographique: Études et essais sur les problèmes de la population. Paris: INED, 1982 [1909]. Laslett, Peter & Richard Wall. Household and Family in Past Time. Cambridge: Cambridge University Press, 1972. Lee, Ronald D. "The Formal Dynamics of Controlled Populations and the Echo, the Boom and the Bust." Demography. vol. 11, no. 4 (November 1974). ________. "Aiming at a Moving Target: Period Fertility and Changing Reproductive Goals." Population Studies. vol. 34, no. 2 (July 1980). Leibenstein, Harvey. Economic Backwarness and Economic Growth. New York: John Wiley, 1957. Leridon, Henry. Human Fertility: The Basic Components. Chicago: The University of Chicago Press, 1977. ________ (dir.). Les théories de la fécondité. Les Manuels et Textes fondamentaux. Paris: INED, 2014. Lesthaeghe, Ron. "A Century of Demographic and Cultural Change in Western Europe: An Exploration of Underlying Dimensions." Population and Development Review. vol. 9, no. 3 (1983).

Lesthaeghe, Ron & Dominique Meekers. "Value Changes and the Dimension of Familism in the European Community." European Journal of Population. vol. 2, no. 3–4 (May 1987). Lesthaeghe, Ron & Johan Surkyn. "Cultural Dynamics and Economic Theories of Fertility Change." Population and Development Review. vol. 14, no. 1 (March 1988). Liefbroer, Aart C. "Changes in Family Size Intentions Across Young Adulthood: A Life– Course Perspective." European Journal of Population. vol. 25, no. 4 (November 2009). Livi–Bacci, Massimo. "La société italienne devant les crises de mortalité." Conférences au Collège de France. Dipartimento Statistico. Universita Di Firenze, Florence, 1978. Lorimer, Frank. Culture and Fertility. Paris: UNESCO, 1954. Lotka, Alfred. "Evaluation of some Methods of Measuring Net Fertility with Special Regard to Recent Developments." Congrès International UIESP. Washington, 1947. Lutz, Wolfgang. "Culture, Religion and Fertility: A Global View." Genus. vol. 43, no. 3–4 (December 1987). Macunovich, Diabe J. "Relative Cohort Size: Source of a Unifying Theory of Global Fertility Transition?" Population and Development Review. vol. 26, no. 2 (June 2000). Malthus, Thomas Robert. Essai sur le principe de population. 5 ème ed. Paris: Guillaumin,

Marx, Karl. Le Capital: Critique de l’économie politique, Livre Premier: Le développement de la production capitaliste III. Paris: Éditions Sociales, 1968. Mason, Karen O. "The Impact of Women’s Social Position on Fertility in Developing Countries." Sociological Forum. vol. 2, no. 4 (1987). McDonald, Peter. "Gender Equity in Theories of Fertility Transition." Population and Development Review. vol. 26, no. 3 (September 2000). Meadows, Denis et al. The Limits to Growth. A Report for the Club of Rome’s Project on the Predicament of Mankind. 3 rd ed. New York: Universe Books, 1972. Merrick, Thomas & Elza Berquo. "The Determinants of Brazil’s Recent Rapid Fertility Decline." Report. no. 23. Committee on Population and Demography (1983). Moheau, Jean–Baptiste. Recherches et considérations sur la population de la France. Edition annotée par E. Vilquin. Classiques de l’économie et de la population. Paris: INED, 1994 [1778]. Montesquieu, Charles de. De l’Esprit des Lois. 2 ème ed. Genève: Barrillot et fils, 1750. ________. Lettres Persanes. P. Brunel (dir.). Amsterdam: Cl. Philibert, 1765 [1721)]. Mosley, W. Henry (ed.). Nutrition and Human Reproduction. New York: Plenum Press,

Nag, Moni. Factors Affecting Human Fertility in Non–Western Societies: A Crosscultural Study. Publications in Anthropology 66. New Haven: Yale University Press, 1962.

Petty, William. Cinq essais sur l’arithmétique politique. M. Dussauze & M. Pasquier (trad.). Paris: Giard et Brière, 1905 [1683]. Potter, Robert G. & James M. Sakoda. "Family Planning and Fecundity." Population Studies. vol. 20, no. 3 (March 1967). Pressat, Roland. L’analyse démographique. Concepts, méthodes, résultats. 3 ème ed. Paris: PUF, 1973. Preston, Samuel. "Changing Values and Falling Birth Rates." Population and Development Review. vol. 12 (Supp.) (1986). Proceedings of the Eighth International Conference of Agricultural Economists. London: Oxford University Press, 1953. Proceedings of the World Population Conference, Belgrade, 1965. New York: United Nations, 1966. Quetelet, Lambert Adolphe. Du système social et des lois qui le régissent. Paris: Guillaumin,1848. Rallu, Jean–Louis & Laurent Toulemon. "Les mesures de la fécondité transversale. I. Construction des différents indices." Population. vol. 48, no. 1 (1993). Ridley, Jeanne Clare & Mindel C. Sheps. "An Analytic Simulation Model of Human Reproduction with Demographic and Biological Components." Population Studies. vol. 19, no. 3 (1966). Rogers, Everett. Diffusion of Innovations. New York: The Free Press of Glencoe, 1962. Rosero–Bixby, Luis & John Casterline. "Modelling Diffusion Effects in Fertility Transition." Population Studies. vol. 47, no. 1 (March 1993). Ryder, Norman B. "Problems of Trend Determination During a Transition in Fertility." Milbank Memorial Fund Quarterly. vol. 34, no. 1 (1956). ________. "The Process of Demographic Translation." Demography. vol. 1, no. 1

Sauvy, Alfred. Théorie générale de la population. 3 ème ed. Paris: PUF, 1966 [1963]. Schultz, Theodore. Food for the World. Chicago: University of Chicago Press, 1945. ________ (ed.). Economics of the Family: Marriage, Children and Human Capital. Chicago: University of Chicago Press, 1974. Shep, Mindel C. & Jane Menken. Mathematical Models of Conception and Birth. Chicago: University of Chicago Press, 1973. Sheps, Mindel C. & Jeanne Claire Ridley (eds.). Public Health and Population Changes. Pittsburg: University of Pittsburg, 1966. Singh, Susheela, John Casterline & John Cleland. "The Proximate Determinants of Fertility: Sub–National Variations." Population Studies. vol. 39, no. 1 (March 1985).

Stix, Regine & Frank Notestein. Controlled Fertility. Baltimore: The Williams and Wilkins Co., 1940. Süssmilch, Johann Peter. L’Ordre divin dans les changements du genre humain, prouvé d’après la naissance, la mort et la propagation de l’espèce. Études et enquêtes historiques. Paris: INED, 1998 [1741]. Tabutin, Dominique et al. (dir.). Théories, paradigmes et courants explicatifs en démographie (Chaire Quetelet 1997). Louvain: Academia–Bruylant; Paris: L’Harmattan,

Testa, Maria Rita & Laurent Toulemon. "Family Formation in France: Individual Preferences and Subsequent Outcomes." Vienna Yearbook on Population Research. no. 4 (2006). Théorie générale de la population I: Congrès international de la population, Paris, 1937. Paris: Hermann, 1938. Thévenon, Olivier & Angela Luci. "Reconciling Work, Family and Child Outcomes: What implications for Family Support Policies?" Population Research and Policy Review. vol. 31, no. 6 (December 2012). Torrado, Susana. Procreacion en la Argentina: Hechos e Ideas. Buenos Aires: Ediciones de la Flor; Centro de Estudios de la Muje, 1993. UIESP.  Actes Conférence UIESP, Liège, 1973. Liège: UIESP, 1973. ________. Conférence mondiale des Nations unies sur la population, Bucarest, 1974. Série d’exposés sur la population. Liège: UIESP, 1974. ________. Congrès international de la population, New Delhi, 1989. Liège: UIESP,

United Nations. World Contraceptive Use 2011 (Wallchart). New York: United Nations,

Van De Kaa, Dirk. "Anchored Narratives: The Story and Findings of Half a Century of Research into the Determinants of Fertility." Population Studies. vol. 50, no. 3 (November 1996). Walle, Etienne Van De. The Female Population of France in the Nineteenth Century. Princeton: Princeton University Press, 1974. Westoff, Charles F. & Akinrinola Bankole. "The Potential Demographic Significance of Unmet Needs." International Family Planning Perspectives. vol. 22, no. 1 (Mar. 1996). Westoff, Charles F. & Norman Ryder. "The Predictive Validity of Reproductive Intentions." Demography. vol. 14, no. 4 (November 1977). Willis, Robert. "A New Approach to the Economic Theory of Fertility Behavior." Journal of Political Economy. vol. 81 (Suppl. II). (April 1973). Wilson, Edward. Sociobiology: The New Synthesis. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1975.

Wolfgang Lutz, Vegard Skirbekk & Maria Rita. "The Low Fertility Trap Hypothesis: Forces that may Lead to Further Postponement and Fewer Births in Europe," Vienna Institute of Demography (2005). Wood, James W. Dynamics of Human Reproduction: Biology, Biometry, Demography. New York: Walter de Gruyter, 1994. Wrigley, Edward A. "The Fall of Marital Fertility in Nineteenth Century France: Exemplar or Exception? Part II." European Journal of Population. vol. 1, no. 2–3

Wrigley, Edward & Roger Schofield. The Population History of England, 1541–1971. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1981. Wyon, John B. & John E. Gordon. The Khanna Study: Population Problems in the Rural Punjab. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971. Zachariah, K. C. & Sulekha Patel S. "Determinants of Fertility Decline in India: An Analysis." World Bank Staff Working Paper. no. 699. The World Bank (1984).