العودة إلى تفاصيل المؤلَّف القبيلة كأفق سياسي في الجزائر

القبيلة كأفق سياسي في الجزائر

Algeria: Tribe as a Political Horizon

‏يزيد بن هونات *

الملخّص

* مخبر الأنثروبولوجيا الاجتماعية، مركز جاك بارك. يشكر كاتب هذه السطور آن ماري بريزبار وبيار بونت اللذين تفضا بمراجعة هذا النص والتعليق على صيغته الأولى. ** ترجمة: هشام عبد الصمد. (((الولاية هي الوحدة الإدارية والترابية الأساسية في الجزائر. وهي أقرب إلى المحافظة. وعادة ما يكون مركزها مدينة تمثل القطب الإداري للجهة. وتعد الجزائر اليوم 8.4 ولاية

Abstract

The honorary president of the Algerian League for the defense of human rights, Yahia Ali Abdelnour pointed out, in 2011, in the independent daily paper El Watan, the necessity of an in depth reconsideration of the political system. He was then referencing to the tribe, meaning the local nearness and the solidarities of some government members, which deserves to be questioned. Indeed, it turns out that if the tribe has no political power in Algeria, it nevertheless seems to remain a political horizon, an idealized shape (positive or negative) of a political system, which directs or justifies, very often a posteriori, the political actions, on a local scale as well as national.

الكلمات المفتاحية:
  • دولة وطنية
  • مخيال سياسي جزائري
  • أطلس صحراوي
  • جبال القصور
  • قبيلة
Keywords:
  • Nation State
  • French Colonialism
  • Algerian Political Imaginary
  • Tribe
  • Democracy
  • Institutionalization

يتناول هذا البحث مفارقة مثيرة: لا توجد اليوم في الجزائر قبائل، بالمفهوم الكاسيكي للكلمة؛ فقد تاشت منذ فترة تحت ضربات السياسة الاستعمارية وسياسة الدولة الوطنية المستقلة. والجزائريون يتوقون اليوم إلى إعادة بناء الدولة على قواعد مؤسساتية صلبة وإلى تحقيق الديمقراطية بوسائل العصر. هناك في الوقت ذاته حضور قوي للقبيلة في المخيال السياسي الجزائري يجعل منها أفقًا سياسيًا غامضًا لا يتحقق في الواقع.

في 7 شباط/فبراير 0112، نشر رجل القانون الجزائري علي يحيى عبد النور رسالة مفتوحة على أعمدة اليومية المستقلة Watan El يحث فيها الحكومة الجزائرية، وخاصة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، على القيام بمراجعة عميقة تضع حدًّا للمنظومة السياسية القائمة حتى ذلك التاريخ. ويتنزل مكتوب عبد النور في سياق سياسي خصوصي داخلي (غداة الانتفاضة في العاصمة الجزائرية) وإقليمي (فرار الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/يناير، واستقالة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك المرتقبة يوم 14 شباط/فبراير). والافت لانتباه في هذا النقد الحاد للوضع السياسي الجزائري قول الكاتب «إن حالة الأفول التي تعيشها السلطة يجب أن تفسح المجال للديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية. فالمناصب الأساسية في الحكومة ‏اليوم يحتلها أناس ينتمون إلى الجهة نفسها بل إلى الولاية نفسها، تلمسان، بل إلى بعض القبائل. لقد تخطينا الجهوية إلى القبلية»‏. هذه الإحالة إلى القبيلة، للدلالة على تقارب الانتماءات المحلية وما يعنيه من تضامن بين جزء من أعضاء الحكومة، تستحق أن نتوقف عندها. ورغم أن استخدام عبد النور لفظ القبيلة (أو العرش

(2) Ali Yahia Abdennour, «Le Peuple algérien veut un changement de régime et non un changement dans le régime,» El Watan , 7/2/2011.

في اللهجة الجزائرية)، لإيحاء بأن هناك ثلة من المسؤولين السياسيين من الأصل الجهوي نفسه (تلمسان) تسيطر على الحكم، لم يكن موفَّقًا، فإن الإشارة تستوقفنا لأن المقصود منها كان التشديد على المنطق الماضوي والرجعي في اشتغال السلطة، وعلى أن هناك تعارضًا قائمًا بين حكومة خاضعة

لمنطق قبلي متخلف ومجتمع «مدني» (ينتمي إليه عبد النور) يتطلع إلى الديمقراطية والحرية والعدالة في بُعدها الاجتماعي، وخاصة الحقوقي الإنساني. وهكذا، يبدو أن التشهير بالقبلية حلّ محل التظلم

من الجهوية بوصفها شكلً من الانتداب السياسي يقوم على الانتماء إلى الجهة نفسها، وهي ممارسة طالما انتقدها الماحظون. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن عبارة بعض القبائل التي تقتسم «المناصب الأساسية» داخل الطاقم السياسي تحيل إلى النمط الخلدوني الكاسيكي، حيث تشكل القبائل (ذات المخيال البدوي الريفي) والعصبية المقترنة بها دعامة للسالة الحاكمة. ربما يتبادر إلى الذهن، بعد قراءة مستفيضة لرسالة عبد النور، أن لفظي قبيلة وقبلية وردا بصفة عرضية، لكن اللجوء إلى هذا القاموس بالذات ليس عفويًا؛ فمرجعية القبيلة، وإن لم تكن محورية في الخطاب

السياسي، تنطوي على دلالة مهمة نظرًا إلى تواترها في التحليات النقدية للنظام السياسي القائم،

كما في الأشكال البديلة الواردة في المطالب السياسية، المحلية منها على وجه الخصوص. وتكمن المفارقة في الوزن الضعيف والدور الهامشي للقبائل في المشهد السياسي الوطني الجزائري. فالمجتمع ‏الجزائري تجاوز التنظيم القبلي إلى حد بعيد؛ ذلك أن السياسات الاستعمارية (الحرب وانتزاع الأماك العقارية والتفقير...) والسياسات المنتهَجة بعد الاستقال أفضت إلى اضمحال القبائل في

ولايات الشمال، ولم يتبق من التنظيم القبلي سوى بعض الرواسب في جهات الجنوب القليلة السكان. لا يمكننا بالطبع فهم النظام السياسي الجزائري اليوم بالعودة إلى أنماط التنظيم القبلي، ويجب في الوقت نفسه التسليم بأن القبيلة لا تزال مرسومة في الأفق السياسي، فكرًا أو واقعًا، وهمًا أو حقيقة،

وسواء كانت محل نقد أو محل إطراء. هذا الأفق لا يفسر وحده هيكلة الواقع السياسي الجزائري، لكنه يؤثر بطريقة ما في توجيه هذا الواقع. وخاصة القول هي أن على الرغم من أن القبيلة في الجزائر

ضعيفة الوزن السياسي، فإنها تشكل أفقًا وشكلً مثاليًا (سلبًا أو إيجابًا) داخل المنظومة السياسية يوجه

الفعل السياسي على الصعيدين الوطني والمحلي، ويبرره لاحقًا في كثير من الأحيان.

مخيال القبيلة

خال فترة الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) الممتدة من سنة 1962 إلى سنة 1980، اتسمت الخطابات الأيديولوجية المتعلقة بالقبائل في الجزائر بالازدواجية؛ فرغم رفض الواقع القبلي ونفي كل تاريخ قبلي للشعب الجزائري، فإن القيم القبلية، أو بصفة أدق القيم الاجتماعية المنسوبة إلى التنظيم القبلي، كانت محل تثمين. فالجزائر القبلية بدعة استعمارية، على حد تعبير الرئيس هواري بومدين خال اجتماع شعبي سنة 1968:

(3) Yazid Ben Hounet: «Des tribus en Algérie?: À propos de la déstructuration tribale durant la période coloniale,» Cahiers de la Méditerranée , no. 75 (2007), pp. 150-171, and L’Algérie des tribus: Le Fait tribal dans le Haut Sud-Ouest contemporain , connaissance des hommes (Paris: L’Harmattan, 2009).

لقد حاول الاستعمار وعماؤه نفي وجود الشعب الجزائري من دون جدوى، وذهبا إلى حد تقديمه إلى العالم على أنه فسيفساء من قبائل وعشائر متناحرة لا رابط بينها. باءت هذه المحاولة بالفشل، كما هُزم الاستعمار الذي لم يتمكن طوال 132 سنة من فهم واقع هذا الشعب وقيمه الأخاقية، وتجاهل الحقائق التاريخية البديهية التي تقيم الدليل على وحدة الشعب الجزائري التي صقلتها المعارك والتضحيات المشتركة عبر القرون (تيزي وزو 24 تشرين الأول/أكتوبر.1968)‏

في هذا الاتجاه، دأبت الدولة الجزائرية الفتية على رسم صورة موحدة للدولة والشعب الجزائريين منذ القدم، وهذه الإرادة الأيديولوجية ترفض أي تصور للجزائر كبلد مكوَّن من قبائل «لا رابط بينها». لكن

تمثُّل القبيلة كتنظيم عتيق لا يتنافى مع تثمينها كمنظومة اجتماعية قائمة على المساواة والتضامن، وهي

ذاتها قيم النظام الاشتراكي الذي يمتاز على القبيلة بحداثته، فا غرابة إذًا في أن يسعى هذا النظام إلى إعاء بعض «سمات» التنظيم القبلي في أثناء المرحلة الثالثة من الثورة الزراعية المتعلقة بإصاح النظام الرعوي في مناطق السباسب والصحراء الكبرى. كتبت صحيفة الثورة الأفريقية لسان حال الحزب الحاكم، الصادرة بتاريخ 9 كانون الثاني/يناير 1975: «لقد قام الاستعمار بتحطيم التنظيم القبلي القديم، وقضى في الوقت نفسه على أشكال الانضباط والتضامن التقليديين وما يتصل بهما من تدابير موروثة عن الأجداد تمكّن من المحافظة على المراعي، وتكوين المخزون الاحتياطي تحسبًا لفترات الجفاف». يؤكد هذا الخطاب الذي طورته جبهة التحرير والدولة أن الاستعمار عمد إلى تقويض النظام القبلي (وهو ما حدث فعا) وتعويضه بنظام إقطاعي، وإلى طمس مبادئ المساواة والتضامن. في الواقع ظلت المسألة القبلية كما مسألة الزوايا‏ (ذات الارتباط الوثيق بها) من الموضوعات المحرَّمة بعد

الاستقال وطوال فترة الحزب الواحد؛ فالأيديولوجيا الاشتراكية كانت تطمح إلى تقديم صورة مثالية للجزائر لا تشوبها أي شائبة قبلية‏. لكن موضوع القبيلة عاد إلى الفضاء العمومي في السنوات الأولى من القرن الجاري، وفي إثر عشرية التسعينيات الدموية‏ مع بداية استقرار الوضع السياسي في الباد.

وقد طُرحت مسألة القبيلة في بداية حركة المواطَنة التي تشكلت خال ربيع «القبائل» (أي الجهة) سنة 0012، وتحديدًا عند تكوين تنسيقية العروش والدوائر والبلديات‏. غير أن استعمال القرى المتمردة كلمة عروش كانت له دلالته القوية: لئن لم تتوخ التنسيقية لا في طرق عملها ولا في مطالبها أي اتجاه قبلي (باستثناء إشارات عابرة من طرف بعض الممثلين)، فإن استخدام كلمة عروش في تسمية التنسيقية ذاتها كخيار تسمية أول هو أمر لافت لانتباه، ولعله يرمي إلى تعزيز الشرعية المحلية للحركة.

(4)  Citations du président Boumediène , sélectionnées par Khalfa Mameri (Alger: Société nationale d’édition et de dif- fusion, [s. d.]).

(((الزاوية (ج. زوايا) مؤسسة دينية إسامية تابعة لولي صالح ولها وظائف عدة: الإيواء والتدريس والضيافة...

(6) Yazid Ben Hounet, «Gérer la tribu?: Le Traitement du fait tribal dans l’Algérie indépendante (1962-1989), » Cahiers d’Etudes Africaines , no. 191 (2008), pp. 487-512. (7) Abderrahmane Moussaoui, De la violence en Algérie: Les Lois du chaos , études méditerranéennes (Arles: Actes Sud; [Aix-en-provence]: MMSH, 2006). (8) Yazid Ben Hounet, «Quelques réflexions sur les événements récents de Kabylie: À propos de la question tribale en Algérie,» Awal: Cahiers d’études berbères Awal, cahiers d’études berbères (Paris), no. 29 (2004), pp 33-42; Judith Scheele, Village Matters: Knowledge, Politics and Community in Kabylia, Algeria , African Anthropology (Woodbridge, Suffolk; Rochester, NY: James Currey, 2009.

تلقفت الصحافة الجزائرية بعد ذلك موضوع القبيلة. وفي آب/أغسطس 0012 خصصت صحيفة

الحرية ‏ ملفًا لموضوع القبيلة من ضمن عناوينه: العروش تعيّن رؤساء القائمات في الانتخابات؛

العروش تسير الحياة الاجتماعية والاقتصادية في جهاتها؛ القبائل على مفترق الطرق. في أيلول/سبتمبر 003 2، أكدت صحيفة المجاهد، الموالية للسلطة، في تعليقها على زيارة الرئيس بوتفليقة لجهة النعيمة، أن «ممثلي الجهة عبّروا عن وفائهم للرئيس وعن التزامهم بمساندة

مجهوداته من أجل إصاح الوضع ودفع النمو‏». وفي شباط/فبراير 004 2، أشادت يومية وهران (Le Quotidien d’Oran) في أحد عناوينها بمساندة قبائل تيديكلت لبوتفليقة‏. وفي شباط/فبراير

005 2، ورد في ملف لصحيفة لكسبراس (L’Express) مخصص لنشاط الشبكات الجزائرية: «من ‏ليس له قبيلة يستند إليها فليذهب إلى الجحيم! كان ذلك جواب بلعيد عبد السام لبعض من انتقدوه عند ترشحه في قريته قرب سطيف، وذلك عشية الدور الأول لانتخابات التشريعية في [كانون الأول/] ديسمبر 1991. وكان بلعيد عبد السام في قطيعة مع حزبه (جبهة التحرير الوطني) الذي لم يدرجه ضمن قائماته، فتقدم كمرشح مستقل. ولم تكن تلك هي الحالة الوحيدة؛ فبمناسبة الانتخابات

الديمقراطية الأولى في الجزائر، هرع كلّ المترشحين من أنصار الحكومة أو من المعارضة (إساميين أو ديمقراطيين) باحثين عن جذورهم». بحسب الصحف تلك، أصبحت القبيلة فاعا سياسيًا حقيقيًا، وشرعيًا على نحو خاص، بل أكثر

من ذلك: ربما يكون التجذر داخل الفضاء القبلي قد أصبح ضمانًا لشرعية سياسية مؤكَّدة ومعلَنة. وما يدعم ذلك هو أن منذ بضع سنوات، وتحديدًا في تشرين الأول/أكتوبر 1999، وجّه نائب في

المجلس الشعبي الوطني رسالة نقدية إلى رئيس الجمهورية يثير فيها على الخلفية نفسها مشكلة الأصول الاجتماعية لبعض السياسيين في المستويات العليا للدولة (مثل أحمد اويحيى‏). يُستخلَص ممّا سبق أن القبيلة تبرز هنا كأفق سياسي وكتصور (وهمي أحيانًا) يؤثر في قراءة الحياة السياسية

المحلية والوطنية، كما يؤثر في الخطاب المطلبي و/أو في خطاب الشرعية السياسية، وهذا يدل على حضورها القوي في المخيال السياسي الجزائري. الأسباب متعددة، لكننا لا نعرف أيها الأكثر فعالية بدقة: فهو مخيال مستوحى، على المدى الطويل، من التاريخ المغاربي، وخاصة من المثال الخلدوني‏. من المؤكد اليوم أن المجتمع الجزائري تتخلله أمثلة سياسية أخرى لم نأت إليها، وهو يتوق إلى أشكال حوكمة مغايرة (خارج القبيلة والقبلية). ولعل من المفيد التذكير هنا بأن القبائل أدت دورًا مهمَّا

(((الحرية، 5 -.2001/8/7

(1((المجاهد،.2003/9/8

(11) «Les Tribus du Tidikelt soutiennent Bouteflika,» Le Quotidien d’Oran , 16/2/2004.

((1(بلعيد عبد السام شغل منصب رئيس حكومة (1992 -.)1993

((1(بشأن هذه المرحلة، انظر: Farid Benramdane, «Complexe généalogique et déficit identitaire structurel: A partir de la lettre de Abdelkader Hadjar,» Algérie Littérature , nos. 43-44 (Septembre-octobre 2000)

تولى أحمد أويحي بين سنتي 0080112 و 2 منصب رئاسة الحكومة. وقد شغل هذا المنصب قبل ذلك في مناسبتين، الأولى من سنة 1995 إلى سنة 1998 والثانية من سنة 0032 إلى سنة.2006

(14) Yazid Ben Hounet, «De quelques approches des rapports tribus/pouvoirs politiques au Maghreb,» Insaniyat: Revue algérienne d’anthropologie et de sciences sociales , nos. 39-40 (2008), pp. 91-104.

في تاريخ الجزائر السياسي، وبصفة أشمل في تاريخ الباد المغاربية، سواء في أثناء حكم السالات (الزيانية والمرينية وغيرها) أو في أثناء العهد العثماني. ويستمد مخيال القبيلة جذوره من التقاليد ‏الإسامية ومن ماحم قبائل شبه الجزيرة العربية التي تؤسس للنموذج القبلي، وعادة ما تُدرج القبيلة في شمال أفريقيا ضمن شكل التنظيم الاجتماعي «التقليدي»، بكل ما يتضمنه هذا التصنيف من معان إيجابية وسلبية مرتبطة ب«التقليد»، أي بوصفه قيمة ثابتة وعائقًا في الآن ذاته. في منطقة القصور (في الأطلس الصحراوي)، حيث ميدان أبحاثي، تُستدعَى القبيلة في الغالب كمرجع للتضامن يوفر حدًّا أدنى من الثقافة السياسية. ويعني ذلك أن القبيلة تمثّل في التصور المحلي ذلك التنظيم الضامن لنوع من الأمن والتضامن الاجتماعي في غياب أشكال أخرى أكثر تطورًا، أو

هي تنظيم اجتماعي وسياسي أرقى. وفي هذا السياق شرح لي رئيس بلدية سابق مزايا القبلية كما يلي:

الموجود هنا هو القبلية لأنه ليس لدينا غيرها. وهي شكل اجتماعي استمر على امتداد قرون عديدة. ليست لنا ثقافة سياسية. من حسن حظنا أن هناك القبلية. القبيلة هي الأمن وقطب التضامن. القبلية شيء جيّد شرط توفر الصدق. فهي مفيدة إذا ما أحسنا استعمالها.

داخل القبيلة تنعدم الحواجز بين الفقراء والأغنياء. لا بل هناك تضامن بينهما، ورؤساء القبائل هم الذين جلبوا أعضاء قبائلهم في أثناء حرب التحرير.

قيل لي أكثر من مرة أنه لولا القبلية لكانت العشرية السوداء (أي التسعينيات) أكثر قسوة في المنطقة. لكن في الواقع لا تتحول القبيلة، بوصفها مفهومًا يحيل إلى واقع متغير‏، إلى حجة متواترة الاستخدام إلا

في أثناء الأزمات والمراحل الانتقالية، كما سأتولى التدليل على ذلك من خال نموذج جبال القصور.

القبيلة في جبال القصور (الأطلس الصحراوي): الكلمات والأشياء

القبيلة مفهوم واسع الاستعمال، ولذلك يشوبه نوع من الغموض الذي يجعله بمثابة الكيس الذي ‏يمكن أن يحوي كل شيء. لكن على المستوى المحلي، تُستعمل مرادفات لهذا اللفظ، مثل كلمة العرش (...). ولهذا السبب، يحسن بنا أن نحافظ هنا على استعمال ما عنته الترجمة الفرنسية لهذا الواقع عبر جمعه في كلمة قبيلة Tribu) (، ولا بد هنا من بعض التوضيح.

(15) Pierre Bonte et Yazid Ben Hounet , «La Tribu à l’heure de la globalization: Introduction,» Etudes rurales , no. 184 (2010), pp. 13-32, and Paul Dresch, «Les Mots et les choses: L’Identité tribale et son contexte en Arabie,» Etudes rurales , no. 184 (2010), pp. 185-202. (16) Yazid Ben Hounet, «La Tribu comme champ social semi autonome,» L’Homme , no. 194 (Avril-Juin 2010), pp. 57-74.

((1(ولهذا السبب قدّم أندريه بيتاي بعض التوضيحات عند تطبيق المفهوم على الميدان الهندي. انظر: André Béteille, «À

propos du concept de tribu,» Revue Internationale des Sciences Sociales , vol. 32, no. 4 (1980), pp. 889‑892.

وممّا لا شك فيه أن غموض هذا المفهوم سببه أيضًا أن بعض علماء الأنثربولوجيا طبّقوا مفهوم «المجتمع القبلي» على مجموعات

اجتماعية شديدة الاختاف، وهو ما جعل لفظ القبيلة يفتقر إلى الدقة. وتقيم كيفية استعمال ماكس غلوكمان عبارة «المجتمع القبلي»

الدليل على ذلك، إذ يقول: «أعني ب ‹المجتمع القبلي› ذلك الشكل من الجماعة التي كانت سابقًا توصف بعبارة ‹المجتمع البدائي›،

Max Gluckman, Politics, Law, and Ritual in Tribal Society (Chicago: Aldine Pub.:وهو لفظ تم التخلي عنه تمامًا». انظر

Co., 1965), p. xv.

إن لفظ القبيلة ليس مستعملً في جبال القصور، وبشكل أوسع في الجزائر، للتعبير عن شكل من التنظيم الاجتماعي يتميز بالنزعة الحربية أو بمعارضة السلطة المركزية (بحثًا عن النفوذ)، ولا حتى من منظور تطوري جديد اعتمادًا على نشاطه الاقتصادي (القائم أساسًا على الفاحة وتربية الماشية).

فإذا اختزلنا مفهوم القبيلة في أحد هذين الشكلين من التنظيم الاجتماعي أو في كليهما، يمكننا القول بأن القبائل اندثرت في الجزائر. وفي ما يخصني، أعني بلفظ القبيلة كيانًا اجتماعيًا يؤلف - بشكل

خاص - بين قيمتين: الأصل (وهو ما يمكّن من تمييز المجموعات والأفراد وتصنيفهم انطاقًا من النسب المزعوم) والتضامن (الذي يربط أشخاصًا يدّعون الانتماء إلى أصل مشترك). وبذلك، تكون

القبيلة عبارة عن مجموعة من الأقارب ذات نسب موحد (أمّ ي أو أبوي) وتعمل كشخص جماعي

‏يمكن تجنيده لغايات متعددة. في منطقة جبال القصور (وبصفة أعم في منطقة السهول العليا والصحراء)، تُطرح باستمرار مسألة الأصل لتحديد الأشخاص، لأن كلمة أصل كثيرة الاستعمال خافًا لكلمة النسب؛ فالأصل يفترض

أن كل إنسان يرتبط بكيان محدد. وتعريف الأصل يمكّن من تحديد الموقع والمكانة بالنسبة إلى الآخرين. وتكمن أهمية هذه الممارسة في قيمتها المعيارية وفي تأثير المرجعية القبلية في هيكلة الهويات المحلية؛ فمسألة الأصل تحيل بشكل أوسع إلى الانتماء القبلي وإلى القبيلة (العرش). في الجزائر، يُستخدم لفظ العرش بكثرة، ويتضمن في اللهجات المغاربية أيضًا معاني متعددة. وربما

يحيل اللفظ إلى القبيلة (كما في الهضاب العليا في قسنطينة)، أو إلى مجموعة يربطها نسب ذكوري (مثلما هي الحال في المناطق التونسية الداخلية)، أو إلى كونفدرالية قبليّة (كما في جبال القبائل).

ويُستعمل اللفظ نفسه كتصنيف لأراضي الجماعية المرتبطة بالفرق الاجتماعية التي تسمى عندئذ

‏أرض عرش. كما يُستعمل في منطقة جبال القصور بشكل عام للدلالة على مجموعات قبلية ذات

(18) Pierre Bonte [et al.], La Quête des origines: Anthropologie historique de la société tribale arabe: Mélanges pour Mokhtar Ould Hamidoun (Paris: Edition de la Maison des sciences de l’homme, 1991), p. 15.

سواء تعلق الأمر بقبائل أو بنظم اجتماعية ترتكز على القرابة، فقد بيّن كثير من علماء الأنثروبولوجيا أن القرابة التي قد تكون

بيولوجيا مزعومة هي فاعلة اجتماعيًا، وهذه الأخيرة هي التي كانت محل اهتمامهم. وتحدث جاك بيرك بوضوح عن القبيلة باعتبارها

شعارًا اسميًا، ورفض مع بيار بورديو التفسير الجينيالوجي لاتفاق حول أهمية الاسم كهوية مرجعية. انظر: Jacques Berque,

« Qu’est-ce qu’une tribu nord-Africaine?,» dans: Eventail de l’histoire vivante: Hommage à Lucien Febvre, offert par l’amitié d’historiens, linguistes, géographes, économistes, sociologues, ethnologues , 2 vols. (Paris: A. Colin, 1953), vol. 1, pp. 261-271, and Pierre Bourdieu, Sociologie de l’Algérie , que sais-je?; 802 (Paris: Presses universitaires de France, 1958).

ولفت ابن خلدون الانتباه في عصره إلى الطابع الخيالي للنسب والدور الأساسي لعاقات الرحم وصلة الأرحام في تماسك القبيلة؛ إذ يذكر: «بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والالتحام». انظر: Abd al-Raḥmân ibn Muḥammad

Ibn Khaldûn, Discours sur l’histoire universelle , traduction nouvelle, préface et notes par Vincent Monteil, collection Unesco d’œuvres représentatives. Série arabe, 3 vols. (Beyrouth: Commission libanaise pour la traduction des chefs- d’œuvre, 1967-1968), p. 200.

يتضح، بحسب هؤلاء الكتّاب، أن المرجعيات الحقيقية هي العائات والفرق، أمّا القبيلة، فهي لا تعدو أن تكون تجميعًا لهذه

التنظيمات الاجتماعية. وقد ضع بورديو الفرقة في قلب التكوينات القبلية.

(19) Jacques Berque, « ‘Arsh,» dans: Encyclopédie de l’Islam , tome 1 (Leiden: E. J. Brill; Paris: G. P. Maisonneuve et Larose, 1960), pp. 681-682.

أحجام متباينة، أو لإشارة إلى كونفدرالية قبلية أو إلى أحد مكوناته، وهذا يزيده غموضًا. على سبيل المثال، قد يحيل لفظ العرش في هذه المنطقة إلى مجموعة من القبائل، مثل عمور، أو إلى قبيلة واحدة من ضمنها، مثل سوالة. فإذا سألنا شخصًا عن عروش المنطقة، فإنه يشير في الوقت عينه إلى

المجموعة البدوية، أي إلى عمور والقبائل الثاث المكوِّنة لها (سوالة وأولاد سليم وأولاد بوبكار)،

وأيضًا أولاد سيدي أحمد المجدوب، وهي قبيلة «مرابطين» مقيمة في المنطقة. وفي بعض الأحيان يحيل لفظ العرش إلى أهل القصور (أي إلى سكان القصور في المنطقة). خاصة القول هي أن لفظ العرش يشير إلى مجموعات شاملة، أو إلى وحدات مشمولة. كما يشير إلى كلّ وحدة تكوّن جسمًا يشترك أعضاؤه في أصل واحد؛ فالكيان المقصود بعبارة عرش يرتبط بتموقع

الأشخاص في تفاعلهم مع الآخرين، وبأهمية المجموعات الموجودة في مجال معيّن. وهاكم مثالً

لذلك: يمكن لشخص ما أن يعرّف نفسه بانتمائه إلى عرش عمور عندما يكون مخاطبه غريبًا عن هذه

المجموعة، في حين نجده يحدد انتماءه إلى السوالة أو أولاد سليم أو أولاد بوبكار إذا كان مخاطبه من داخل مجموعة عمور. مثال آخر: لا توجد في جنوب ولاية نعامة إلا فرقة أولاد سيدي تاج التابعة لأولاد سيدي الشيخ (وما بقي من القبيلة يوجد في ولاية البياض المتاخمة). ولهذا السبب، فإن كلمة عرش هي المفردة المستعملة بكثرة للدلالة على هذه الفرقة التي أصبحت تحمل، مع مرور الزمن، معاني الوجاهة والاستقالية؛ فسيدي أبو عمامة، الولي الذي قاد المقاومة ضد التدخل الفرنسي انطاقًا من سنة 1881 ينتمي إلى أولاد سيدي تاج. وإذا سألنا أحدًا عن القبائل التي تعمر منطقة الجنوب الغربي العليا، فإنه يجيب بأنها العمور وأولاد سيدي أحمد المجدوب وأولاد سيدي الشيخ، أي المجموعات الكبيرة ذات الأصول المتباينة نسبيًا. وفي الواقع، فإن لفظة القبيلة المعروفة على

نطاق واسع عند الناس قليلة الاستعمال في المنطقة، وغالبًا ما يستعملها الغرباء، وبالتالي تقتصر

الإجابة المذكورة على المجموعات القبلية الكبرى. يُستعمل أيضًا لفظ الفرقة للتعبير عن وحدات دقيقة محدودة الحجم وتتمتع باستقالية نسبية، لكنها

ترتبط بأقسام أخرى تشترك معها في النسب، أو بالأحرى في الأصل المزعوم. تنحدر كلمة الفرقة من فرق، أي قسم وفصل، وبناء على ذلك فإن الفرقة كيان يرتبط بمجموعة اجتماعية شاملة هي القبيلة ويشكل أحد مكوناتها. والقبائل المكوِّنة لكونفدرالية عمور لا يُنظر إليها بوصفها فرقًا، بل إن تفرعاتها

أو أقسامها فقط هي التي تعرَّف كذلك. وهناك تفسيران لاستعمال اللغوي الشائع لهذا اللفظ: أولهما

إحالته إلى وحدات موجودة فعليًا، وإن تكن في تحول مستمر، وثانيهما انطواؤه على مضمون له

دلالته بالنسبة إلى السكان، إذ يعبّر عن تاريخ وثقافة محليين. وبالفعل، لا يكفي أن يستخدم الناس

في تعاماتهم كلمات تحيل إلى العالم القبلي كي يكون هذا العالم موجودًا فعلً، بيد أن تعميم هذا القاموس يدفع إلى القول بأن استعماله يستجيب لغايات ذهنية وملموسة في آن واحد. هذا إضافة إلى أن فعل التسمية في حد ذاته يساهم في مسار تشيئة الوحدات الاجتماعية؛ فلكي يكون للقبيلة وجود

معترف به، لا بد أن يكون هذا الاسم متداولً لدى عناصرها ولدى سكان المنطقة. إن هذه الماحظات تهدف إلى التساؤل عن أسباب استمرارية الانتماء القبلي أو إعادة تنشيط المشاعر المرتبطة به.

كنت تناولت في دراسات سابقة أسباب استمرارية الهوية القبلية في هذه المنطقة وكيفية هذه ‏الاستمرارية. لكن ذلك لا يعني أن القبيلة تساهم باستمرار في التعبئة السياسية ‏. وسأحاول في ما يلي تفسير كيف أن عودة مقولة القبيلة تتم في سياقات انتقالية معيّنة تهدف إلى إرساء أشكال

التعبئة الجماعية وإضفاء الشرعية عليها. وبذلك تصبح استعادة مرجعية القبيلة مبررًا لمعقولية الفعل

الجماعي - عبر تنزيله ضمن التقاليد القبلية الصالحة (أو القيم الصلبة) - وطاقة تعبوية باعتبارها تستند إلى روابط قارة وأساسية وموثوقة، أو هكذا يُنظر إليها. قبل الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1830)، مارست كونفدرالية عمور (موضوع هذا البحث) الانتجاع في جبال القصور من الشرق إلى الغرب، وهي تتكون من القبائل الثاث الكبرى السالفة الذكر: سوالة وأولاد سليم وأولاد بوبكار. وفي سنة 1957، بلغ عدد أفراد سوالة 3765 فردًا، وأولاد بوبكار

3908 أفراد، وأولاد سليم 1500 فرد‏. ومنذ ذلك التاريخ، وعلى حد علمي، لم يجرِ تعداد بحسب الانتماء القبلي، لذلك تصعب معرفة عدد السكان المنتمين إلى كونفدرالية عمور. لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار نسبة سكان عمور من مجموع السكان، يمكن تقدير عدد المنتمين إليها بحوالى 00045. نسمة يعيشون في منطقة الجنوب الشرقي العليا، فيكونون بذلك المجموعة الأكثر عددًا في القسم

الجنوبي لولاية نعامة. وإذا اعتبرنا العائدين من المغرب الأقصى من أهل الخيام الذي هاجروا زمن حرب التحرير، فإن من المرجح أن تكون أولاد بوبكار حاليًا القبيلة الأكثر عددًا، تليها قبيلة سوالة،

في حين تُعتبر قبيلة أولاد سليم الأقل عددًا. ويمكن تقدير نسبة السكان الذين يعيشون تحت الخيام

بين 0302 و في المئة من جملة أهالي عمور. وحتى سنة 1980، كانت الإحصاءات تُظهر أحجام مجموعات الرحل بحسب انتمائها القبلي، ولكن السلطات أحجمت منذ ذلك التاريخ عن اعتماد هذا المقياس. أمّا أعضاء الكونفدرالية الباقون، فيعيشون أساسًا في بلدات عين صفرة وتيوف وسفيسيفة

ومُغرار، فتضم عين صفرة عددًا وافرًا من المنتمين إلى هذه القبيلة، حيث يوجد فيها 0004 ساكن

على سفوح جبال مكتر وعيسى، وتحيط بها من الغرب كثبان رملية واسعة ومن الشرق الطريق الوطنية الرابطة بين نعامه وبشّار. في بداية ثمانينيات القرن الماضي، قنن أهالي عمور نظامًا للمصالحة والتعويض في حالة القتل أو

مسّ الحرمة الجسدية: وهكذا أصبحت جميع الفرق التابعة للكونفدرالية بمعية سكان قصر سفيسيفة

(إحدى القرى التقليدية في الجهة) وعائات أولاد زياد (سالة مستقرة حديثًا في المنطقة) تساهم في ‏دفع الديّة. ويُعيَّن على رأس كل فرقة مسؤول واحد أو مسؤولان يشرفان على جمع المبلغ الذي

(20) Ben Hounet: «Des tribus en Algérie?»; «Gérer la tribu?»; L’Algérie des tribus , and «La Tribu comme champ so- cial».

(2((مثلما بيّن ذلك هشام داوود (0042: 247) بخصوص العراق، إذ يذكر أن «(...) القبائل والمجموعات المحلية ليست

معنية في مجملها بالبحث عن السلطة باستمرار: فالعاقات بين أغلبية أعضاء القبائل المهمة لا تتحدد عادة إلا عند مستوى الحياة

Hosham Dawod, «Tribus et pouvoirs en Irak,» dans: Hosham Dawod, dir., Tribus et pouvoirs:الاجتماعية العادية». انظر en terre d’Islam , sociétales (Paris: A. Colin, 2004), p. 247. (22) Bisson, Le Gourara: Étude de géographie humaine (Alger: Imprimerie Imbert, 1957), 223 p.

(2((لا يندرج في هذا النظام كل من القبائل والسالات الأخرى، مثل أولاد بو دخيل (سكان قصر عين صفرة) وأولاد سيد تاج الذين يساهمون في الدية بطريقة مستقلة.

تحدده عائلة الضحية، والذي يتغير بحسب سن/جنس القتيل: 80 ألف دينار جزائري للطفل، 100 ألف دينار جزائري للمرأة، 120 ألف دينار جزائري للرجل. وجرى في سنة 0082 توحيد قيمة الدية: 100 ألف دينار جزائري في الحالات كلها، أي من دون اعتبار لسن الضحية أو جنسه. والماحَظ أن

قيمة الدية في الفقه المالكي والعرف البدوي تقدَّر ب 100 جمل، وبالتالي تبدو قيمة المبلغ المعتمَد

لدى عمور أقل كثيرًا ولا تتجاوز ثمن عشرة خرفان‏. ويعلَّل هذا الفارق من جهة بغاء المعيشة، ومن

جهة ثانية بتحمّل المتهم (أو شركة التأمين عندما يتعلق الأمر بحادث، وهو الأكثر تواترًا)، مصاريف

جبر الأضرار والخسائر ودفعها إلى عائلة الضحية لدى القضاء المدني، ودفع الخطية التي تحدَّد لاحقًا لدى القضاء الجزائي؛ فالهدف من الدية ليس التعويض الفعلي لفقدان شخص بقدر ما هو إحال المصالحة بين الأطراف المحلية المختلفة. لئن وجِدت الدية لدى هذه القبيلة منذ آماد بعيدة، فإنها لم تكن على هذه الشاكلة؛ فثمن الدم كان في الأساس من مشمولات الفرق، أي العائات الذكورية المعنية، ولم يكن محل ترتيب محكم وفق مبالغ مضبوطة مسبقًا، يسهر عليها مسؤولون مُعيَّنون لهذا الغرض. يتم الاتفاق، ويحدَّد المبلغ، ويحدد

الوسطاء والحكماء ثمن الدم بحسب منطق عرفي غير رسمي. أمّا إذا تعلق الأمر بالقتل عمدًا، يصبح

نظام دية التصالح غير فاعل، وفي هذه الحالة، وعندما تقبل عائلة الضحية مبدأ التعويض، تتحمّل

عائلة‏ المتهم وحدها جمع المبلغ المطلوب، وغالبًا ما يكون باهظًا (بين 100 ألف و 004 ألف

دينار جزائري). تلك كانت الممارسات في الفترة السابقة لاستعمار (القتل المتعمد أو غير المتعمد). ومن نافل القول أن في حالات القتل كلها (عمدًا أكانت أم لا) يواصل قضاء الدولة عمله، ويحاكَم المتهم وفق معايير القانون الجزائري. تجدر الإشارة هنا إلى أن إضفاء الطابع الرسمي وتنشيط منظومة المصالحة ومقولة التضامن القبلي جريا على وجه الخصوص في فترتين متمايزتين: الأولىغداة سيرورة الاستقرار الهائل الذي عرفه أعضاء قبيلة عمور في بداية الثمانينيات، والثانية منذ موفى التسعينيات حتى بدايات سنة 0002، وهي فترة تميزت بانفتاح الدولة الجزائرية على اقتصاد السوق والصراع الداخلي، وسيرورة التصالح في المستوى الوطني أو سياسة الرحمة في سنة 1995 والتوافق المدني في سنة 1999 والمصالحة الوطنية في سنة.2005 ففي بداية الثمانينيات، تشكلت منظومة المصالحة المشار إليها آنفًا في المجال الحضري في منطقة عين صفرة عقب مسار استقرار الرحّل الذي تسارعت وتيرته خال السبعينيات. وأعاد أعضاء القبائل

المستقرون في المدينة صوغ مبدأ المصالحة والدية القبليين، وأدرجوا ضمنه سكان قصر السفيسيفة،

(((2 يبلغ الأجر الأدنى في الجزائر 12.000 دينار جزائري (أي تقريبًا ما يعادل 120 يورو.)

(((2 وتعني محليًا أولئك الذين يحملون لقب المتهم وليس بالضرورة العائلة كلها، حتى الدرجة الخامسة التي درسها جوزيف

Joseph Chelhod, Le Droit dans la société bédouine: Recherches ethnologiques:شلهود بالنسبة إلى بدو الشرق الأوسط. انظر sur le ‘orf ou droit coutumier des Bédouins , préface de Jean Carbonnier, petite bibliothèque sociologique internationale. Série A, auteurs contemporains; 12 (Paris: M. Rivière et Cie, 1971).

وكذلك مجموعة أولاد زياد. وهكذا استُعيدت منظومة كاملة متكونة من «مسهول» (عن التعويض) في كل فرقة تتولى تحديد قيمة الدية. ويتعلق الأمر هنا بتنشيط مرجعية القبيلة والتضامن القبلي لإدارة النزاعات المترتبة عن المرحلة الانتقالية الناتجة من عملية استقرار الرحّل. أمّا الفترة الثانية، فهي أيضًا موسومة بعدم استقرار كبير ناتج من الصراع الداخلي الذي عرفته الباد

وانفتاحها على اقتصاد السوق (انخفاض مستوى العيش، ارتفاع نسب البطالة، ارتفاع نسب الإجرام). في هذه الفترة، ساهمت إعادة تنشيط الآليات المحلية في احتواء قسم من النزاعات الداخلية التي لم تتمكن مؤسسات الدولة والقضاء والأمن من حلها كما ينبغي. وكان ذلك درءًا للصراعات المترتبة عن

تلك الخافات والفوضى القبلية التي قد تسببها أحيانًا. وقد واكب هذا التجديدَ تثمين للآليات العرفية والقبلية والمصالحة (ولا سيما الدية)، فكان بمثابة صدى لخطاب التوافق الوطني. يبيّن مثال كونفدرالية عمور أن المرجعية القبلية تتجاوز، حتى ضمن السياقات التي فيها تنظيمات

قبلية، الأغراض القبلية الصرف، أي إن الأمر لا يتعلق بتدعيم التنظيم القبلي ومطالبه السياسية وتثمينها بقدر ما يوظَّف لتحقيق أهداف أخرى تتمثل أساسًا في إدارة النزاعات داخل الوسط الحضري نفسه.

تُستعمل هذه المرجعية في سياقات خصوصية انتقالية تعمل على إرساء أشكال تعبوية جماعية، وإضفاء الشرعية عليها. وكما أشرت إلى ذلك، تصبح استعادة مرجعية القبيلة مبررًا لمعقولية الفعل

الجماعي - عبر تنزيله ضمن التقاليد القبلية الصالحة (أو القيم الثابتة) وطاقتها التعبوية باعتبارها تستند إلى روابط قارة وأساسية وموثوقة، أو هكذا يُنظر إليها.

خاتمة

لئن حافظت القبائل في الجزائر - إلى حد ما - على نفوذها في بعض مناطق السهول العليا والمناطق الصحراوية، فذلك لا يعني أن لها وزنًا في الساحة السياسية الوطنية. ورغم أن موضوع القبيلة عاد للبروز على الصعيد الوطني، ولا سيما منذ ظهور تنسيقية العروش والدوائر والبلديات في منطقة «القبائل»، فإن الواقع القبلي مغاير تمامًا لما تقدمه وسائل الإعام؛ فالصورة التي تسوقها هذه الأخيرة

بشأن منطقة «القبائل» كمجال لقبلية متجددة، ساعدت السلطة السياسية على مواجهة الاحتجاجات بتطبيق مبدأ «الاحتواء»‏، إلا أن القبيلة تبقى في منطقة «القبائل» وفي باقي المجال الجزائري، وربما أبعد من ذلك، أفقًا سياسيًا وشكلً مثاليًا (سلبًا أو إيجابًا) له دور في توجيه الفعل السياسي، وخصوصًا

في أثناء الفترات الانتقالية، حين تنتعش مرجعية القبيلة. هذه المرجعية تضفي نوعًا من الشرعية على الفعل الجماعي، وخاصة خال الحمات الانتخابية، أو تعمل على نفيها كما هي الحال في رسالة عبد النور المفتوحة. وسواء استُخدمت القبيلة في اتجاه سلبي أو في اتجاه إيجابي، فهي لا تزال تغذي المخيال السياسي على المستويين المحلي والوطني.

(26) Mohamed Brahim Salhi, «Entre communauté et citoyenneté: Le Local en contestation. Le Cas de la Kabylie,» dans: Annuaire de l’Afrique du Nord (Paris: Centre national de la recherche scientifique, 2005).