جدل الجامعة والمواطَنة والديمقراطية
The Debate on University, Citizenship and Democracy
الملخّص
تعمل هذه الورقة على تحليل العاقة بين التعليم الجامعي والثقافة المساندة للديمقراطية، رغم صعوبة إيجاد عاقة مباشرة بينهما، خاصة إذا فُحصت كمتغيرات وحيدة. وموضوع البحث ليس العلاقة بين متغيرين هما نسبة عدد المتعلمين ودرجات تحصيل هم العلمي من جهة، واحتمال نشوء الديمقراطية وثباتها إذا نشأت من جهة أخرى، بل هو الثقافة السياسية للمتعلمين وقيمهم. يستند هذا المبحث إلى استطلاعات الرأي للمؤشر العربي لسنة 2015 ، وهي الاستطلاعات التي أظهرت أن المواقف من الديمقراطية والمواطنة لا تتغيّر بموجب درجة التعليم على مستوى اتجاهات الرأي حيال الديمقراطية نظريًا، لكن في المقابل تظهر التغيرات كلما كانت الأسئلة تتطلب موقفًا عينيًا وعمليًا. ويقدم المبحث تحليلً تفسيريًا لهذه النتائج في دراسة مقارنة بين التأثيرات المختلفة للمؤسسات الجامعية ولتعميم التعليم بالنسبة إلى أوروبا والحالة العربية وعلاقتها بالديمقراطية والمواطنة، وباعتبار أن من المفترض أن تكون الجامعة، من خال التجمعات الكبيرة للشباب الآتي من مناطق مختلفة وخلفيات اجتماعية مختلفة، بوتقة صهر كبرى للأمة وبيئة طبيعية للمواطنة.
Abstract
In this essay, Bishara explores the relationship between university education and democratic culture. Moving beyond the relationship between the two – that is the ratio of the number of educated and their education degrees and the attendant potential for democracy and its stability – Bishara focuses instead on the political culture of those who are educated, and their values. His conclusions are based on the 2015 Arab Opinion Index, which showed that stances on democracy and citizenship do not change based on one’s education degree. He also presents an interpretive analysis of these results in a comparative study between the different impacts of university institutions and free universal education in Europe on the one hand, and the Arab status quo and its relationship with democracy and citizenship on the other – this in view of the fact that universities are meant to bring together large masses of youth coming from different areas and social backgrounds, and to be a major melting pot of the nation, and a natural environment for citizenship.
- الجامعة
- مواطنة
- التعليم الجامعي
- ديمقراطية
- المؤشر العربي
- الثقافة السياسية
- University
- Citizenship
- Democracy
- Political Culture
- Arab Opinion Poll
تعمل هذه الورقة على تحليل العاقة بين التعليم الجامعي والثقافة المساندة للديمقراطية، رغم صعوبة إيجاد عاقة مباشرة بينهما، خاصة إذا فُحصت كمتغيرات وحيدة. وموضوع البحث ليس العاقة بين متغيرين هما نسبة عدد المتعلمين ودرجات تحصيلهم العلمي من جهة، واحتمال نشوء الديمقراطية وثباتها إذا نشأت من جهة أخرى، بل هو الثقافة السياسية للمتعلمين وقيمهم. يستند هذا المبحث إلى استطاعات الرأي للمؤشر العربي لسنة 2015، وهي الاستطاعات التي أظهرت أن المواقف من الديمقراطية والمواطنة لا تتغيّر بموجب درجة التعليم على مستوى اتجاهات الرأي
حيال الديمقراطية نظريًا، لكن في المقابل تظهر التغيرات كلما كانت الأسئلة تتطلب
موقفًا عينيًا وعمليًا. ويقدم المبحث تحليلً تفسيريًا لهذه النتائج في دراسة مقارنة بين
التأثيرات المختلفة للمؤسسات الجامعية ولتعميم التعليم بالنسبة إلى أوروبا والحالة العربية وعاقتها بالديمقراطية والمواطنة، وباعتبار أن من المفترض أن تكون الجامعة، من خال التجمعات الكبيرة للشباب الآتي من مناطق مختلفة وخلفيات اجتماعية مختلفة، بوتقة صهر كبرى للأمة وبيئة طبيعية للمواطنة.
يصعب إيجاد عاقة مباشرة بين التعليم الجامعي والثقافة المساندة للديمقراطية، ولا سيما إذا فُحصت العاقة بينهما كمتغيرات وحيدة، وإذا تناول الفحص التأثير والتأثر خال مدة زمنية قصيرة. فنظرية التحديث عمومًا تجد عاقة بين الديمقراطية ودرجة انتشار التعليم في دول مختلفة،
وكذلك اتساع حجم الطبقة الوسطى، وغير ذلك من المتغيرات التي تشير إلى تجذّر عملية تحديث المجتمع، وهذا صحيح عمومًا وصحيح تاريخيًا خصوصًا، بمعنى أن الديمقراطية اللبرالية تحديدًا
نشأت في المجتمعات التي تتوافر لدى مواطنيها القدرة على المشاركة السياسية – الاجتماعية وتبادل الرأي في الشؤون العامة والتعبير عن الرأي ونشره وإدارة الحوار والتنوع، وغير ذلك، في الفضاء العمومي. هذه كلها تشترط انتشار المعرفة والتعليم وتقليص عدد ضحايا الجهل والأميّة.
في البداية أتيحت لأقلية من هذه المجتمعات المشارَكة في الانتخابات، ولكن النزعات الشمولية
السلطوية والأيديولوجيات الشمولية نشأت أيضًا في المجتمعات الحديثة، وانتشرت فيها لا في
المجتمعات التقليدية. هذا يعني أن الحداثة شرط للديمقراطية اللبرالية، غير أنها ليست شرطًا كافيًا؛
فثمة عوامل أخرى لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند دراسة نشوء الظاهرة التاريخية المتمثّلة في هذا
المركَّب المتميز من الحقوق السياسية والحريات المدنية والآليات السياسية - الاجتماعية المتفَق عليها للحفاظ على هذه الحقوق والحريات، ومأسسة انتخاب المواطنين ممثليهم دوريًا في سلطة تشريعية
منفصلة نسبيًا عن السلطة التنفيذية، والحفاظ على استقال القضاء. فهذه الظاهرة التاريخية الغنية
في تركيبها لا يفسرها عامل واحد، ولا سيما إذا كنا نبحث في عملية نشوئها التاريخي التدريجي. أمّا
إمكانية تعميمها وإعادة بنائها في مجتمعات لا تتوافر فيها بالضرورة شروط نشوئها التاريخية، فإنها موضوع آخر، وقلما يميّز الباحثون بين الأمرين.
يتضمن معيار التنمية البشرية لأمم المتحدة، الذي بات مدرسيًا، ثاثة مؤشرات أساسية هي: التعليم
ومعدل دخل الفرد ومدة حياة الأفراد المتوقعة عند الولادة، بناءً على متوسطٍ ما. وتتصدر الدولَ التي
ينتشر فيها التعليم من حيث الكم والكيف، كلٌّ من بلجيكا وأستراليا وفنلندا والدنمارك، بينما نجد في
نهاية القائمة دولً مثل التشاد ومالي وبوركينا فاسو والنيجر. وتُعتبر الدول الأولى جميعها دولً ديمقراطية
بحسب معايير كلٍّ من مجلة The Economist والمنظمة غير الحكومية Freedom House. أمّا الدول
التي تقع في نهاية قائمة التنمية البشرية، فليست دولً ديمقراطية إلا من حيث كونها تُجري انتخابات من
حين إلى آخر، حتى لو أدت هذه الانتخابات في كل مرة إلى احتراب أهلي. لكن سلّم الديمقراطية وسلّم
التعليم ليسا متطابقين بالضرورة على طول القائمة، خصوصًا إذا استثنينا قمة القائمة وأسفلها. هذا أولً؛
وثانيًا، لا يشكل الواحد منهما سببًا والثاني نتيجة، بل ثمة تفاعل بينهما. كما أن هناك عوامل أخرى مهمة
لم تؤخذ بعين الاعتبار، وربما تساهم في زيادة التنمية البشرية واحتمالات الديمقراطية في آن معًا. من المعروف أن ثمة أنظمة دكتاتورية مهتمة بالتحديث، أو أنظمة سلطوية ريعية قادرة على الإنفاق على التعليم، بل وتعميم مجّانيته وديموقراطيته بحيث يوفر فرص تحصيله لأكبر عدد ممكن من الناس،
من دون أن يؤدي ذلك إلى توسعٍ في الحريات المدنية والحقوق السياسية. ولكن لا شك أن في حالة
نشوء تحول ديمقراطي، يمكن اعتبار المجتمعات الأكثر تعلمًا أنها أكثر من غيرها احتضانًا للتحول
الديمقراطي، ولا سيما حين يتميز التعليم بالجودة التي تشتمل على تطوير مهارات المتعلم ومعارفه
النقدية، والحس بقيمة الذات بحيث يكون المتعلم قابلً لنقد نفسه ومحيطه، ومتطلعًا إلى المشاركة
والتأثير. فإذا أخذنا تونس على سبيل المثال، نجد أن النظام الاستبدادي الذي كان قائمًا فيها ساهم في
تطوير التعليم بتخصيص الجهد والمال وتوفير الرؤية الازمة لذلك. ولا نعرف الكثير عن وجود عاقة مباشرة بين درجة التعليم وتفجّر الثورة الديمقراطية في تونس، ولكن حين بدأ التحول الديمقراطي بعد
سقوط النظام، كان المجتمع التونسي أكثر من المجتمع المصري، على سبيل المثال، جاهزية لاحتضانه، وكانت النخب السياسية التونسية أقدر على صنع حلول وسط؛ فالتعليم في المجتمع المصري ليس بالقدر نفسه من المستوى والانتشار اللذين يتمتع بهما التعليم في تونس، وهذه المقارنات العينية تفيد عندما تتشابه الظروف. ويمكننا أن نقدّر من دون مجازفة كبرى أن انتشار التعليم عامل مهم في هذه
الحالة، ولكن من غير إهمال عوامل أخرى، مثل قوة الجيش في مصر مقارنة بقوة الجيش في تونس، وأهمية مصر بالنسبة إلى دول الخليج المعارضة للتحول الديمقراطي، وغيرهما من العوامل.
في رأيي أن الأفكار التي تؤكد العاقة بين انتشار التعليم ومستواه من جهة والديمقراطية ونشوئها واستقرارها في المجتمعات من جهة أخرى تعود إلى تقاليد التنوير التي وجدت تعبيرًا عنها في نظريات
التحديث أيضًا. والمثال الذي يعود إليه كثير من الباحثين بشأن هذا الموضوع، والذي استخدم معطيات إحصائية، هو كتابات سيمور مارتن لبست، خصوصًا مقاله المنشور سنة 1959 تحت عنوان
«بعض المتطلبات الاجتماعية للديمقراطية». تفترض نظريات التحديث أن التعليم يساهم في تمكين المواطن من ممارسة المواطَنة الفاعلة وتشكيل رأي والمشاركة في مداولات عقانية وتطوير الحاجة إلى احترام كرامته العقلية والجسدية... وغير ذلك، وهذا يعزز قابلية المجتمعات للديمقراطية. وثمة نماذج إحصائية متأخرة تؤكد هذه النظرية، من ذلك،
مثلً، كليمنتي الذي كتب أن الدول التي كانت في سنة 1960 تتمتع بمتوسط درجة تعليم لسكانها من أربع سنوات تعليمية هي جميعها الآن (سنة 0072) دول ديمقراطية، في حين أن الدول التي كان لديها متوسط درجة تعليم من سنة واحدة في سنة 1960 كانت لا تزال حتى سنة 0002 تُحكم بأنظمة حكم سلطوية. ويصل الباحث في نموذجه النظري وتطبيقه الإحصائي (الذي يعتمد على نظرية العدالة التوزيعية، ويطبّقها على «توزيع التعليم» أيضًا، وليس على توزيع الثروة فقط) إلى نتيجة مفادها أن
المؤثر في متغير التعليم ليس مستوى التعليم الذي تحصّله نخبة صغيرة وإنما درجة انتشار التعليم التي
هي العامل الرئيسي الذي يشجع على المشاركة السياسية ويساند الديمقراطية. هذه هي النتيجة التي توصل إليها بعد مقارنة إحصاءات 140 دولة في الفترة الواقعة بين سنتي 1965 و 0002، مجيبًا بذلك
عن بحوث أخرى أُجريت وأُكد فيها أن عامل التعليم ليس مهمًا، وأن تثبيت العاقة بين التعليم والتحول
الديمقراطي ناجم عن حذف عوامل أخرى كثيرة تؤثر فيهما، أي أن ارتفاع مستوى التعليم والديمقراطية ربما يكونان نتائج لأسباب أخرى تحذفها النماذج الإحصائية، مثل التجربة الاستعمارية السابقة ووجود تجارب ديمقراطية سابقة في مثل هذه البلدان، وغيرهما من العوامل. يُطرح هنا سؤالان مهمان يرتبط أحدهما بالآخر، ولهما، في رأينا، عاقة بنشوء الديمقراطية: أولً،
ما هو مدى انتشار التعليم في مجتمع من المجتمعات؟ وثانيًا، هل يساهم التعليم في ردم الفجوة
الاجتماعية بين الطبقات بمساهمته في نقل أبناء الفقراء إلى الطبقات الوسطى؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بعقد مقارنة بين فجوات في الدخول تظهر كلما ازدادت سنوات التعليم. ونحن نرى أن ردم الهوة وضعف الاستقطاب الطبقي هما من العوامل المهمة في الحفاظ على تعددية سياسية تستند إلى طبقة وسطى واسعة تساهم في اندماج الفئات المختلفة، وفي تاحم المجتمع. نعتقد أن في حالة تعميم النموذج الديمقراطي على مجتمعات تفتقر إلى ظروف نشوئه التاريخية ولا تمر بالسيرورة التاريخية التدريجية نفسها التي قادت إليه، تزداد أهمية عامل وجود نخبة اجتماعية
(1) Seymour Martin Lipset, «Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy,» American Political Science Review , vol. 53, no. 1 (March 1959), pp. 69-105. (2) Amparo Castello-Climent, «On the Distribution of Education and Democracy,» Journal of Development Economics , vol. 87, no. 2 (October 2008), p. 179.
(((المصدر نفسه، ص 180.
(4) Daron Acemoglu [et al.], «From Education to Democracy?,» American Economic Review , vol. 95, no. 2: Papers and Proceedings of the One Hundred Seventeenth Annual Meeting of the American Economic Association, Philadelphia, PA, January 7-9, 2005 (May 2005), pp. 44-49, on the Web: <http://www.jstore.org/stable/4132788>.
وفكرية متنورة ومؤمنة بهذا النموذج وترغب في تعميمه. فهل وجود مثل هذه النخبة مرتبط أصلً بانتشار التعليم؟ هذا سؤال مهم. ومن الطبيعي أن نكمل هذا السؤال بسؤال آخر، وهو: هل تُنشئ
الجامعات العربية مثل هذه النخبة؟ وهل يُتوقَّع منها ذلك أصلً؟ هذا مبحث مختلف عن العاقة بين انتشار التعليم ودرجة التعليم من ناحية وإمكانية نشوء نظام ديمقراطي وترسخه من ناحية أخرى، وليس موضوعه العاقة بين متغيرين هما نسبة عدد المتعلمين ودرجات تحصيلهم العلمي من جهة، واحتمال نشوء الديمقراطية وثباتها إذا نشأت، بل إنه متعلق بثقافة المتعلمين السياسية وقيمهم، وتحديد ما إذا هي قيم ديمقراطية أم لا. وهو يفترض أن ثمة أهمية للثقافة الديمقراطية وانتشارها، ووجود ديمقراطيين في عملية التحول الديمقراطي.
يقترح بعض النماذج النظرية إذًا أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي في مجتمع ما، أصبح هذا المجتمع
مهيَّأً للتحول الديمقراطي. وفي السياق نفسه، كلما ازدهر المجتمع اقتصاديًا ازدادت إمكانية تحوّل
المجتمع إلى الديمقراطية. تعتمد هاتان الفرضيتان على دراسات طُبّقت على مجتمعات غربية وعلى
مجتمعات أميركا الاتينية أيضًا (خال ما سُمّي موجات التحول الديمقراطي). بطبيعة الحال، شهدت
المجتمعات العربية نموًا اقتصاديًا كبيرًا خال العقود الخمسة الماضية، كما شهدت نموًا في مستويات
التعليم ما قبل الجامعي بشكل خاص، ولا سيما منه ما يؤلف اليوم التعليم الأساسي، إضافة إلى النمو السريع للتعليم الجامعي قياسًا بما كان عليه قبل ذلك. التحصيل العلمي في منطقة الشرق الأوسط، للذين تبلغ أعمارهم 25 سنة فأكثر للسنوات 1975 و 1985 و 2000
(((عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0072)، ص.23-22
(6) Ahmed Galal, The Road not Traveled: Education Reform in the Middle East and North Africa , MENA Development Report (Washington, DC: World Bank, 2008), p. 99, Available online: <http://siteresources.worldbank.org/INTMENA/ Resources/EDU_Flagship_Full_ENG.pdf>.
بالنسبة إلى العاقة بين درجة التعليم وتوافر ثقافة ديمقراطية أو موقف مساند للديمقراطية عند الأفراد، أظهرت دراسة مبنية على الباروميتر العربي أن ليس ثمة عاقة من هذا النوع، وهو ما جعله يطرح
سؤالً لا عن نظرية التحديث وإنما عن نوع التعليم الذي يتلقاه الطالب في الجامعات العربية. وتأكد في إحصاءات أخرى أن موقف الجامعيين من مساندة الديمقراطية لا يختلف عن موقف غير الجامعيين، ولكنه بالمجمل موقف مساند لها. فكيف نربط بين توافر موقف مساند للديمقراطية لدى الأغلبية واستمرار الأنظمة السلطوية، أو تعثّر المحاولات الأولى في التحول الديمقراطي بعد سنة 011.2 سوف نحتاج خال البحث إلى تمييز جديد، وهو التمييز بين الموقف المساند للديمقراطية نظريًا وتوافر قيم ديمقراطية لدى الفرد تساهم في صمود الموقف النظري في الممارسة
الديمقراطية عمليًا. يمكننا أيضًا الاستناد إلى دراسة مدى تأييد المواطنين في بلدان المنطقة العربية للديمقراطية بالتقاطع
مع مستويات تعليمهم ودخل أُسرهم الاقتصادية، وذلك بالاعتماد على بيانات استطاعات المؤشر العربي لسنة 0152؛ فهذا المؤشر يتضمّن منذ انطاقته على مجموعة من المؤشرات التي تقيس
مدى انتشار بعض القيم الديمقراطية الأساسية لدى المواطنين، وذلك بالاعتماد على مجموعة من التحليات والاختبارات الإحصائية لفحص العاقة بين الترابط بين اتجاهات المستجيبين نحو الديمقراطية ومستوى تعليمهم، فاختُبرت المؤشرات التالية: -اتجاهات المستجيبين نحو بعض المقولات السلبية بشأن النظام الديمقراطي، ومتضمنة في استطاع المؤشر العربي، ومن شأنها قياس مدى رواج هذه المقولات من عدمه: • في النظام الديمقراطي يسير الأداء الاقتصادي للباد بشكل سيئ. • يتسم النظام الديمقراطي بأنه غير حاسم/مليء بالمشاحنات. • الأنظمة الديمقراطية غير جيدة في الحفاظ على النظام العام. • النظام الديمقراطي يتعارض مع الإسام. • مجتمعنا غير مهيَّأ لممارسة النظام الديمقراطي. ويفترض المؤشر العربي أن مدى موافقة المستجيبين على هذه العبارات أو معارضتهم لها يعكس
درجة تأييد الديمقراطية، وما أسميناه أعاه موقفًا من الديمقراطية أو تقييمًا لها. وعند تحليل اتجاهات
المستجيبين ذوي التعليم الجامعي نحو هذه العبارات، مقارنةً باتجاهات نظرائهم ممن هم من ذوي
التعليم الأقل من جامعي (أمي/ملم، ابتدائي، متوسط، ثانوي)، نجد أن الفروق طفيفة جدًّا بين نسب
(((عامر مهدي دقو، «العاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي،» عمران، السنة 4، العدد 13 (صيف 2015)، ص.26 (((المؤشر العربي استطاع سنوي يُنفذه المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات في البلدان العربية التي يتاح فيها تنفيذ
الاستطاع وتتوافر فيها الأطر الإحصائية العامة، لسحب العينات الممثلة لمجتمعاتها، وذلك بهدف الوقوف على اتجاهات الرأي العام العربي نحو مجموعة من الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما في ذلك اتجاهات الرأي العام نحو قضايا
الديمقراطية وقيم المواطَنة والمساواة والمشاركة المدنية والسياسية. انظر الموقع الإلكتروني: <http://www.dohainstitute.org/
release/7a3ec170-23c7-430b-9c7d-306ad03b4a15>.
التأييد لهذه العبارات (أي المعارضين للنظام الديمقراطي) عند المستجيبين ذوي التعليم الجامعي
ونسب تأييد المستجيبين ذوي التعليم الأقل من جامعي. وعند اختبار هذه النتائج إحصائيًا من
خال اختبار t-Test واختبارANOVA الذي يفحص وجود عاقة جوهرية من الناحية الإحصائية، يظهر أن هنالك عاقة ترابطية بين مستوى تعليم المستجيبين وموقفهم من الديمقراطية، إلا أن هذه العاقة ضعيفة جدًا؛ إذ إن الفروق بين اتجاهات المستجيبين ذوي التعليم الجامعي نحو الديمقراطية واتجاهات المستجيبين من ذوي التعليم الأقل من جامعي ضئيلة، ولا يُعتدّ بها إحصائيًا؛ أي إنها غير
جوهرية من الناحية الإحصائية. المستجيبون المؤيدون والمستجيبون المعارضون للمقولات الخمس السلبية عن النظام الديمقراطي، بحسب مستواهم التعليمي المستوى التعليمي
| المستوى التعليمي | ||
|---|---|---|
| أقل من جامعي | جامعي | |
| أوافق بشدة/أوافق | 33.0 | 28.7 |
| أعارض/أعارض بشدة | .760 | 71.2 |
| المجموع | 100 | 100 |
-تأييد المستجيبين للنظام الديمقراطي من خال قياس: • اتجاهات المستجيبين نحو عبارة «النظام الديمقراطي قد يكون له مشكاته لكنه أفضل من غيره.» • اتجاهات المستجيبين نحو مدى ماءمة نظام سياسي ديمقراطيتتنافس فيه جميع الأحزاب مهما كانت برامجها، من خال الانتخابات النيابية، وتشكل الحكومات على أساس نتائج الانتخابات ليكون نظامًا سياسيًا في بلدانهم. يقيس هذا الجزء مدى تفضيل المستجيبين لأنظمة الديمقراطية؛ أي كلما زادت الموافقة على العبارتين السابقتين كان المستجيبون أكثر دعمًا للنظام الديمقراطي بصفة عامة، ولأن يكون هو النظام
السياسي الحاكم في بلدانهم. وعند تحليل اتجاهات المستجيبين نحو هاتين العبارتين بالتقاطع مع مستوياتهم التعليمية، مُقسمة بين ذوي التعليم الجامعي وذوي التعليم الأقل من جامعي، بيّنت النتائج
أن النِّسب تكاد تتطابق بين المستجيبين من ذوي التعليم الجامعي ونظرائهم من ذوي التعليم الأقل من
جامعي. وتدل اختبارات ال t-Test وال ANOVA الإحصائية أيضًا على عدم وجود عاقة ترابطية بين التأييد للنظام الديمقراطي والتعليم الجامعي.
(((اختبار t-Test هو من أهم الاختبارات الإحصائية وأكثرها استخدامًا في البحوث والدراسات للكشف عن وجود اختافات
جوهرية ذات دلالات إحصائية بين نتائج متغير تابع في مجموعتين من العينة نفسها. يقيس اختبار ANOVA الفروق بين متوسط النتائج لثاث مجموعات أو أكثر (متغير مستقل واحد لثاث مجموعات أو أكثر)، وما إذا كانت هذه الفروق ذات دلالة إحصائية.
Soleman H. Abu-Bader, Using Statistical Methods in Social Science Research: With a لمزيد من المعلومات انظر: Complete SPSS Guide , Rev. Ed. (Chicago, IL: Lyceum Books, 2011), pp. 221–247.
| المستوى التعليمي | |||
|---|---|---|---|
| أقل من جامعي | جامعي | ||
| 2.77 | 5.67 | أوافق بشدة/أوافق | المستجيبون المؤيدون والمستجيبون المعارضون لمقولة أن النظام الديمقراطي قد يكون له مشكاته، لكنه أفضل من غيره بحسب مستواهم التعليمي |
| 22.8 | 23.5 | أعارض/أعارض بشدة | |
| 100 | 100 | المجموع | |
| 83.8 | 81.7 | مائم جدًا/مائم | اتجاهات المستجيبين نحو مدى ماءمة النظام الديمقراطي ليكون نظامًا سياسيًا فإي بلدانهم بحسب مستواهم التعليمي |
| 16.1 | 18.4 | غير مائم إلى حد ما/غير مائم على الإطاق | |
| 100 | 100 | المجموع | |
- مدى قبول المستجيبين بمبدأ تداول السلطة عند تحليل اتجاهات المستجيبين بحسب مستواهم التعليمي نحو مدى قبولهم بأحد المبادئ الأساسية في النظام الديمقراطي (مبدأ تداول السلطة)، وذلك من خال سؤالهم «هل تقبل أم تعارض استام حزب سياسي لا تتفق مع أفكاره وبرنامجه للسلطة إذا ما حصل على عدد أصوات يؤهله للحكم
ضمن انتخابات حرة ونزيهة؟»، أظهرت النتائج أن هنالك فروقًا في نسب الذين يقبلون بذلك بين المستجيبين ذوي التعليم الجامعي مقارنةً بالمستجيبين من ذوي التعليم الأقل من جامعي، كما هو مبين في الجدول أدناه. وعند إجراء اختبار «مربّع كاي» (Chi-Square) الإحصائي لفحص العاقة
بين مستوى التعليم للمستجيبين ومدى قبولهم بمبدأ تداول السلطة، أظهرت النتائج وجود عاقة ترابطية متوسطة القوة وليست ذات أهمية، لكن لا يمكن إهمالها. لا تفحص الأسئلة أعاه وجود قيم ديمقراطية، بل تشخص موقفًا نظريًا من الديمقراطية، قد لا ترافقه
قيم ديمقراطية. وفي رأينا أن ما يتحكم في سلوك الأفراد في الممارسة أمور عدة، مثل القيم والعصبيات والمصالح وغيرها من الدوافع، وليس المواقف النظرية. ونحن نتوقع أن تنخفض في حالة المجتمعات العربية التي نفحصها نسبة من يحملون قيمًا ديمقراطية
إلى ما دون نسبة من يتبنّون تجاه الديمقراطية موقفًا نظريًا إيجابيًا، وذلك عند توجيه أسئلة عينية أكثر،
أي إن النسبة تنخفض كلما ازداد السؤال عينية وقربًا من ظروف الفرد العينية. ناحظ في ما يلي نسبًا مختلفة عند الإجابة عن سؤال هو أقرب إلى قياس القيم. والسؤال هذا
لا يشخص موقفًا نظريًا، بل يتساءل عن سلوكيات محددة لدى الفرد محكومة بقيم، وهي قبوله أو
عدم قبوله حكم حزب يختلف معه إذا وصل إلى الحكم من طريق انتخابات.
((1(اختبار «مربع كاي» يُعرف أيضًا باسم اختبار «مربع كاي بيرسون»، ويُستخدم لمقارنة توزيع متغير واحد بالعاقة (الرابطة) بين
متغيرين، بشرط أن تكون هذه المتغيرات متغيرات فئوية. انظر: Abu-Bader, p. 285.
هنا تنخفض النسبة كما نرى، ويزداد الترابط بين درجة التعليم والقيم الديمقراطية. في المحصلة النهائية، وبالاعتماد على نتائج الاختبارات السابقة في ما يتعلق بالعاقة بين التعليم الجامعي ودعم الديمقراطية، نجد أن
| المستوى التعليمي | ||
|---|---|---|
| أقل من جامعي | جامعي | |
| أقبل | 53.9 | 61.6 |
| أعارض | .641 | 38.4 |
| المجموع | 100 | 100 |
العاقة بين التعليم الجامعي ودعم الديمقراطية إمّا غير موجودة وإمّ ا ضعيفة وغير جوهرية من
الناحية الإحصائية، حتى في حال وجود عاقة ترابطية. ولكن العاقة تصبح أوثق كلما انخفضت النسبة؛ أي كلما انخفضت نسبة المواقف المؤيدة للديمقراطية (ولا سيما على مستوى القيم) ازدادت الفجوة بين المتعلمين وغير المتعلمين. ونحن نتوقع أن تنخفض النسبة أكثر إذا سألنا عن اسم حزب عيني، أو إذا سألنا عن حق غير المسلم (أو غير السني أو غير الشيعي في بعض البلدان) إذا كانت طائفة المستجيب للسؤال مختلفة. في هذا السياق، من المفيد تحليل اتجاهات الرأي العام نحو مدى قبوله أو معارضته تولّي منصب رئيس الوزراء في بلده على أساسٍ جندري أو إثني أو ديني أو مذهبي محدد؛ فقد سُئل المستجيبون
في البلدان المستطلعة آراء مواطنيها ضمن المؤشر العربي لعام 0152، عن مدى قبولهم أو معارضتهم
تولّي امرأة منصب رئيس الوزراء. وفي البلدان التي تتضمن مجتمعاتها تنوعًا ثقافيًا/إثنيًا، سُئل
المستجيبون إن كانوا يقبلون رئيس الوزراء من مكونٍثقافي أو إثني من غير أصل المستجيب الثقافي والإثني. وفي المجتمعات التي تتضمن تنوعًا دينيًا، سُئل المستجيبون إن كانوا يوافقون أو يعارضون
تولّي منصب رئيس الوزراء شخص من دينٍ غير دين المستجيب. وفي المجتمعات التي تتضمن تنوعًا
مذهبيًا، سُئل المستجيبون إن كانوا يوافقون أو يعارضون تولّي منصب رئيس الوزراء شخص من
مذهبٍ غير مذهب المستجيب. تُظهر النتائج أن مستويات القبول لدى مواطني المنطقة العربية نحو كلٍّ من هذه العبارات أقل من
مستويات انحيازهم إلى النظام الديمقراطي، وأقل من نسب قبولهم استام حزبٍ سياسي يختلفون مع
مبادئه وبرامجه. وعند تحليل اتجاهات الرأي العام لكل سؤالٍمن هذه الأسئلة بالتقاطع مع مستوى
المستجيبين التعليمي (أقل من جامعي، وجامعي فأعلى)، يظهر أن نسب الموافقين بين المستجيبين الجامعيين أعلى منها بين المستجيبين ذوي التحصيل التعليمي الأقل من الجامعي بنحو سبع نقاط
مئوية، وهي نسب جديرة بالماحظة ومرتفعة مقارنة بالنتائج التي أظهرها تحليل التقاطعات السابقة
(1((سُئل المستجيبون في الكويت عن رئيس مجلس الأمة (النواب) بدل من رئيس الوزراء، وسئل المستجيبون في السعودية عن
رئيس مجلس الشورى.
((1 رح هذا السؤال في موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان وفلسطين والأردن والعراق والسعودية والكويت. (طُ
((1 رح هذا السؤال في مصر والسودان وفلسطين ولبنان والأردن والعراق (طُ.
((1 رح هذا السؤال في الجزائر والعراق والسعودية والكويت ولبنان (طُ.
اتجاهات المستجيبين نحو قبولهم أو معارضتهم لاستام حزب سياسي لا يتفقون مع أفكاره وبرنامجه للسلطة إذا ما حصل على عدد أصوات يؤهله للحكم ضمن انتخابات حرة ونزيهة، بحسب مستواهم التعليمي المستوى التعليمي
المتعلقة باتجاهات الرأي العام نحو الديمقراطية. وعند اختبار هذه النتائج إحصائيًا، للوقوف على
وجود عاقة ترابطية بين المستوى التعليمي للمستجيبين واتجاهاتهم في كل سؤالٍمن الأسئلة السابقة، باستخدام اختبارَي ANOVA و t-Test الإحصائيين، تُظهر النتائج وجود عاقة ترابطية بين
مستوى تعليم المستجيبين ومواقفهم على تولّي منصب رئيس الوزراء امرأة أو شخص من ديانة غير ديانتهم أو من مذهب غير مذهبهم أو من مكون ثقافي/إثني غير مكونهم الثقافي/الإثني. ومن المهم تأكيد أن هذه العاقة الترابطية عاقة قوية تسمح بالقول إنه كلما ارتفع مستوى التعليم للمستجيب إلى جامعي فأعلى، ارتفعت نسبة قبوله لتلك العبارات. اتجاهات المستجيبين نحو قبولهم أو معارضتهم تولّي منصب رئيس الوزراء في بلدانهم امرأة أو شخص من مذهب غير مذهب المستجيب، أو شخص من ديانة غير ديانة المستجيب أو من أصل ثقافي/إثني غير أصل المستجيب الثقافي/الإثني، بحسب مستواهم التعليمي
| المستوى التعليمي | ||
|---|---|---|
| جامعي فأعلى | أقل من جامعي | |
| امرأة | ||
| 60 | 53 | أوافق بشدة/أوافق |
| 40 | 74 | أعارض/أعارض بشدة |
| 100 | 100 | المجموع |
| من ديانة غير ديانتك (مسيحي) | ||
| 46 | 39 | أوافق بشدة/أوافق |
| 54 | 61 | أعارض/أعارض بشدة |
| 100 | 100 | اإلمجموع |
| من أصول ثقافية/إثنية غير أصلك الثقافي/الإثني | ||
| 26 | 65 | أوافق بشدة/أوافق |
| 38 | 44 | أعارض/أعارض بشدة |
| 100 | 100 | المجموع |
| من مذهب غير مذهبك | ||
| 48 | 41 | أوافق بشدة/أوافق |
| 52 | 59 | أعارض/أعارض بشدة |
| 100 | 100 | المجموع |
في محاولة لاستكمال الصورة الناتجة هنا، من المفيد – في رأينا - إدخال عامل آخر ذي عاقة بالتعليم، ولا يتعلق بمستوى التعليم ولا بانتشاره فحسب، بل يتعلق أيضًا بوضع الخريجين الاقتصادي. وهو لا يقيس الموقف من الديمقراطية، ولكنه ربما يصلح لقياس الاستعداد للمشاركة في الاحتجاج ضد النظام القائم، وهو نظام استبدادي. وكان لهذا العامل، في رأينا، أهمية في ثورات 0112 وما بعدها؛ فالاستعداد لاحتجاج يرتفع عند خريجي الجامعات العاطلين من العمل. ولكن هذا لا يعني ميلً أكبر إلى تبنّي برنامج ديمقراطي؛ إذ يمكن أن يترافق الاستعداد لاحتجاج مع تبنّي أيديولوجيات غير ديمقراطية.
نشأت الجامعات في الغرب من تقاليد المدرسة الكاتدرائية التابعة لأديرة أو الكنائس، ومن سمنار الاهوت، أو بمبادرة من الملوك أو المجالس المدنية في المدن الحرة. ودرّست بشكل عام المنطق
والاهوت والطب والقانون والباغة، مع تشديدات مختلفة في شمال أوروبا وجنوبها، ومرت بتطور كبير مع اكتشافات متعلقة بكتابات أرسطو في القرن الثاني عشر، ثم بنشوء النزعة الإنسانية وتغلغلها داخل الجامعات، وتطورت بشكل متسارع بعد الثورتين العلمية والصناعية، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع أن هاتين الثورتين تطورتا خارج الجامعة، وأدخلتا التعليم الجامعي الدوغمائي في مأزق. على الرغم من أن الجامعات حافظت منذ البداية على نوع من حرية التعبير للتمكين من الجدل بطرح نقيض الشيء لإثباته، بما في ذلك إمكانية نفي وجود الله خال الجدل من أجل إثباته، فإن الطابع الرئيسي بقي ثيولوجيًا ودوغمائيًا في فلسفة الطبيعة. ولم يصبح الاكتشاف العلمي، بمعنى اكتشاف
الطبيعة وقوانينها، هدف الانشغال الجامعي إلّ في وقت متأخر. وإلى أن أصبح البحث العلمي من محددات أجندة الجامعات، مع تعميم نموذج الجامعة الألمانية (في الحقيقة نموذج جامعة برلين التي
أُسست سنة 1801) على أوروبا نهاية القرن التاسع عشر والذي بلوره فيلهلم فون هومبولدت في فكرة الجامعة، كجماعة الباحثين والأساتذة والطاب المنشغلين بالمعرفة الموضوعية لغرض المعرفة، أجريت غالبية البحوث العلمية المهمة خارج الجامعة، وتحققت الاكتشافات العلمية الكبرى في القرنين الثامن والتاسع عشر خارجها أيضًا، ونشأت الروابط والجمعيات العلمية، كما انشغل العلماء كأفراد ببحوثهم، ونشأ توتر بين العلماء المشتغلين بالاكتشاف العلمي والجامعات المحافظة وأساتذتها، ولا سيما في أقسام الاهوت وأساليبها القائمة على المنهج الاستنباطي وتطبيقات فلسفة أرسطو في الطبيعة والأخاق وغيرها؛ فالمنهج الاستقرائي التجريبي ومنهج الشك العقاني وغيرهما من مناهج نشأت خارج الجامعات.
(15) Thorsten Nybom, « The Humboldt Legacy: Reflections on the Past, Present, and Future of the European Universi- ty,» Higher Education Policy , vol. 16, no. 2 (June 2003), pp. 141-159.
على كل حال، ما عاد فهم الجامعة في القرن العشرين ممكنًا من دون تشجيع حب الاستطاع والاكتشاف العلمي ومهاراته، بما فيه النقد والشك، والمنهج الاستقرائي في جمع المعطيات وتصنيفها، والمنهج الاستنباطي في اشتقاق المقولات الخاصة من العامة، وفي تطبيق القوانين وغيرها. وأصبح هذا، إلى جانب التدريس، هدف العملية التعليمية، ولا سيما في الدرجات الأكاديمية العليا. وممّا ساعد على
ذلك نخبوية التعليم وحالة الإدارة الذاتية للجامعات، وهي تقليد أخذ منذ البداية باعتبار الجامعة، بحكم تعريفها، رابطة أو أخوية بين متعلمين ومعلمين ذات طابع «كوربوراتي» تشبه الروابط الحرفية. وفي البدايات الأولى، كان الطاب سادة الجامعة، فهُم الذين شكّلوا بينهم رابطة لغرض التعلم.
ومع جميع التطورات التاريخية التي مرت بها الجامعة، ظل هذا الأمر يميّزها، الأمر الذي حوّل فضاء
الجامعة إلى نوعٍ من الحرم الجامعي الذي يُفترض أن تحترمه السلطات. والإدارة الذاتية متعلقة أولً،
وقبل كل شيء، بقرار منح الشهادة؛ فللجامعة سلطة منح الشهادة، والحق في اتخاذ القرار بمنحها أو عدم منحها بناءً على معاييرها هي، أي المعايير التي حددتها لا معايير من خارجها. وتكمن درجة
استقالية الجامعة في درجة استقالية إدارتها، وفي معاييرها الأكاديمية ورفضها فرض معايير أخرى عليها من خارج المؤسسة الجامعية. وفي عصرنا، وجدت مبادئ الإدارة الذاتية والحرية الأكاديمية تعبيرًا رصينًا عنها في إعان بولونيا 1988 الذي وقّعته غالبية رؤساء الجامعات الأوروبية. ومع تعميم التعليم في أوروبا، وانضمام فئات واسعة من المجتمع إليه، كان هذا التقليد قد أصبح راسخًا، وأقصد بالتحديد التقليد العلمي بمؤسساته وألقابه ومناهجه من جهة، وتمتّع المعايير
الأكاديمية بنوع من الاستقالية من جهة أخرى. لهذا، لم يكن من السهل أن يؤثر فيه دخول فئات من خلفيات اجتماعية وثقافية غير نخبوية إلى الجامعة. لقد تمكنت الجامعات الغربية من تحويل تدفق فئات واسعة من السكان إلى الجامعات إلى قوة دافعة بزيادة حجم النخبة العلمية، وبتفاعل أكبر مع الاقتصاد الوطني والقطاعات الإنتاجية، من صناعة وزراعة وخدمات وإدارة وغير ذلك. وكان تعميم التعليم في الغرب ودمقرطة العملية التعليمية عاملين خاّقين في تطوير العلم والمعرفة، ولا سيما أنهما جاءا مرتبطين بتطور نظام اقتصادي اجتماعي رأسمالي يقوم على تطور مستمر للحاجات وسبل سدّها وتثوير أدوات الإنتاج، وحوّل العلم إلى قوة الإنتاج الرئيسية. من الناحية القيمية، نشأت في الجامعات نظريات اجتماعية واقتصادية محافظة وأخرى نقدية...
وغالبًا ما طُردت النظريات النقدية إلى خارج أسوار الجامعة، ثم عادت إليها بعد عقود من التحولات
السياسية والفكرية، حتى أصبح النقد جزءًا من التقاليد الجامعية. هذه عملية طويلة ومستمرة، ولكن
في المجمل، ساهمت الجامعة في تطوير تقاليد الحوار وتبادل الرأي، وفي إثبات وجهة النطر أو تفنيدها بشكل عقاني. وليس لدي شك في أنها ساهمت أيضًا بصورة إجمالية في تأهيل المثقف
(1((تُعتبر جامعة بولونيا في إيطاليا أقدم جامعة، بحسب التقليد الأوروبي. وقد وص ف هذا الإعان ب«ماغنا كارتا» الجامعات
الأوروبية. و أولمبادئه أن الجامعة مؤسسة مدارة ذاتيًا وتجسّد ثقافة مجتمعها وتنقلها. ويجب أن يكون البحث والتعلم مستقلين
فكريًا وأخاقيًا عن أي سلطة سياسية واقتصادية. أمّا المبدأ الثاني، فهو عدم الفصل بين التعليم والبحث. والثالث أن حرية البحث
والتعليم هي أساس الحياة الجامعية. وقد أعلنت الوثيقة في نهايتها أن الجامعة هي حافظ التقليد الأوروبي الأنسني. ياحَظ من
منطوق الإعان أن الميثاق لم يفصل المهمات العلمية والبحثية عن التقاليد والثقافة الأوروبيين.
للمشاركة في المجال العمومي. أقول «بصورة إجمالية» لأن بعض النزعات التخصصية الضيقة لم تشجع على ذلك، ولكنها في جميع الحالات ساهمت في تخريج متخصصين، وفي توليد بيروقراطية عقانية على الأقل. كما أن التركيز على العقل كأداة في خدمة أي هدف، أي عدم تدخله نقديًا في تحديد الهدف ذاته،
جعل من الممكن أن تنتج الجامعة تقنيين في خدمة مشاريع استبدادية كبرى تقوم على العقانية الأداتية، كما رأت النظرية النقدية التي نشأت بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وجعلت من الحرب العالمية الثانية وإمكانية نشوء الأنظمة الشمولية في مجتمعات متطورة اقتصاديًا وتعليميًا
موضوعًا رئيسيًا لتأماتها. بعد الحرب العالمية الثانية، وفي مرحلة ما بعد الاستعمار بشكل خاص، طرأ على الجامعة كمكان
لإنتاج المعرفة تحوّلٌ كبير لا يستبعد النزعات النقدية بل يشجعها، وأصبحت الجامعة بعد ثورة الطاب
في الستينيات تحديدًا، في أوروبا والولايات المتحدة، فضاءات أكثر لبرالية من مجتمعاتها بشكل عام.
في الحالة العربية، نشأت جامعات واعدة في بداية القرن العشرين، وشهدت انطاقة جيدة بين
الحربين العالميتين، وصولً إلى الستينيات، لناحية مستوى التعليم والأهداف البحثية وتوافر حد أدنى من استقالية المؤسسة الجامعية. ولكن من يحلمون بهذا الزمن، كزمن جميل، ينسون أن الجامعة كانت مقصورة على نخبة صغيرة من السكان هي من أبناء الطبقات الميسورة الذين تلقّى أساتذتهم تعليمًا في الجامعات الغربية، أو من أبناء موظفي جهاز الدولة الاستعمارية، وغير ذلك. وعرفت
الجامعة وجود أساتذة ومتخصصين من الأجانب درّسوا فيها أو مروا بها، كما في الجامعتين الأميركية
واليسوعية في بيروت، والجامعة المصرية في القاهرة، ثم في الاسكندرية أيضًا. لكن الوقت لم يكن كافيًا لترسيخ هذه التقاليد الجامعية؛ فحين نشأت الأنظمة الجمهورية ذات الخطاب الشعبي بقيادة
ضباط في الجيش عمومًا، أُقيمت جامعات كثيرة، وجرى تعميم التعليم لاستفادة من مخرجاته في
تلبية حاجة القطاع العام، المتوسع بشكل مفرط، إلى الكوادر الإدارية والتقنية، ومُكّن أبناء الفاحين،
والفئات الكادحة عمومًا، من التعلم بسبب مجانية التعليم. في هذه الفترة أصبح التعليم الوسيلة
الرئيسية لانتقال من الطبقات الفقيرة إلى الطبقة الوسطى. قامت الجامعات بمهمة نبيلة في تلك المرحلة لناحية تخريج فئة واسعة من المهنيين المتعلمين، من أجل بناء مؤسسات الدولة الحديثة وقطاعات الاقتصاد الوطني المختلفة، ومن أجل أن يهتموا هُم أيضًا بجهاز التعليم الوطني والمدارس التي انتشرت في أنحاء هذه الدول الوليدة. ولا شك أن الدولة الوطنية بعد الاستعمار قامت بدور تحديثي كبير يُغمَط حقه أحيانًا، لأنها تحاسَب بناء على النتائج
التي نراها اليوم وتُسقط عليها، رغم أنه لا يمكن قياس وضع المجتمعات العربية اليوم بما كان عليه في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بفضل الدولة الوطنية إلى حد كبير.
هذه المهمات التحديثية الأولى، والحماسة التي رافقتها، وتمكين فئات واسعة من أبناء الفاحين من كسر حلقة توريث التعاسة والفقر عبر الأجيال عن طريق الالتحاق بالدراسة الجامعية ليصبح هؤلاء
الأبناء موظفين أو ضباطًا أو مهندسين أو أطباء، هذه كلها منعت كثيرين في حينه من رؤية أن تطور التقليد الأكاديمي لم يستمر، وأن تعميم التعليم كان في النهاية على حساب المستوى العلمي، خافًا لحالة التعليم الجامعي الغربي. وغطى على هذه الحقيقة بدايةً استمرار نخبة ما بين الحربين وتاميذها في العمل والتدريس في الجامعات حتى الستينيات. تجلت هذه الحقيقة حين بدأ خريجو مرحلة ما بعد الاستقال نفسها التدريسَ وإدارة الجامعات التي
شهدت هبوطًا في المستوى. وفي الوقت ذاته، تغلغلت نزعة الدولة السلطوية في الجامعة ولم تحترم استقاليتها، فلم يتحول فضاء التدريس إلى حرمٍ تحترمه الدولة بالضرورة. وتغولت أجهزة الأمن،
فقُيّدت حرية التعبير الضرورية جدًا للبحث العلمي، ثم وقع أمر أخطر وهو تدخّل معايير غريبة، غير
جامعية، في التعيينات، وأهمها معيار الولاء بدل الكفاءة. لكن الإعاقة الرئيسية للتطور العلمي لم تأت من عوامل نافرة، مثل تدخّل أجهزة الاستخبارات أو أجهزة الأمن، بل من تعثّر تحديث الدولة العربية ذاتها؛ إذ لم تنشأ الجدلية الازمة بين الجامعة وقطاعات الإنتاج المختلفة لكي يستجيب البحث العلمي لحاجاتها بالتفاعل معها. كما أن الدولة لم تتمكن من رصد الميزانيات الكافية والازمة للبحث العلمي بالتخفيف من أعباء الأساتذة التدريسية وتخصيص
المتفوقين منهم على الأقل جل وقتهم للبحث العلمي. وأُهملت العلوم التي تبدو غير مفيدة، مثل
العلوم النظرية التي لا تؤهل الخريج لمهنةٍ مباشرةً، أو تؤدي إلى العمل في أي وظيفة لا تحتاج إلى اختصاص. ويهمني هنا بشكل خاص ذكر العلوم الاجتماعية والإنسانية والفلسفة والعلوم السياسية والتاريخ وغيرها التي تنشئ مثقفين مهتمين بالشأن العام، والقادرين على التعامل معه بشكل عقاني.
وعلى كل حال، لم تكن هذه وحدها ضحية الإهمال، بل أُهملت معها العلوم النظرية الأساسية، مثل الكيمياء والفيزياء وعلوم الطبيعة على أنواعها، إلى جانب إهمال اللغة الأجنبية. وفي رأيي أن العلوم الاجتماعية والإنسانية لم تكن وحدها العلوم المهمَلة في الجامعات باعتبارها غير مفيدة وربما تكون
خطرة على النظم الحاكمة لأنها قد تشجع على التفكير في الشأن العمومي، بل أُهملت أيضًا العلوم النظرية عمومًا مع أنها تشكّل أساس العلوم التطبيقية، ومن دونها لا تتطور جامعة ولا مجتمع حديث. لكن الجامعة العربية تؤدي، حتى في وضعها الراهن، مهمات كبرى بالميزانيات المتوافرة؛ فهي تخرّج
أعدادًا كبيرة من الطاب الذين يأتونها من خلفيات اجتماعية متفاوتة، ويفترض أن تكون هذه التجمعات الكبيرة للشباب الآتي من مناطق مختلفة وخلفيات اجتماعية مختلفة بوتقة صهر كبرى لأمة. إن التشكل الوطني وتشكُّل الأمة وإنشاء المواطن من شروط الديمقراطية. ونحن نعتقد أن الجامعة ما زالت قادرة على القيام بذلك حتى في ظروفها الراهنة. لكن إذا دخل طالب إلى الجامعة في وضعها الحالي الذي نعرفه، وخرج منها أكثر تعصبًا وأقل انفتاحًا، أو خرج منها أكثر عصبويةً لهويته المحلية
أو المذهبية وغيره، فهذا فشل لا يفسَّر بالميزانيات، ولا بإهمال الدولة وعدم وجود تقاليد أكاديمية،
بل هو أعمق من أن يفسره نقص الميزانيات وإهمال الدولة، ويتشارك في المسؤولية عنه أولئك الذين يديرون المؤسسات الأكاديمية، وكذلك الطاب أنفسهم؛ فمن واجب من يديرون المؤسسات الأكاديمية أن يضعوا هذا الهدف نصب أعينهم، سواء أكان ذلك في شكل تنظيم الجامعة أم في الرسالة التي توصلها إلى الطاب. كما أن الطاب ليسوا أطفالً، ويجب أن يتحملوا مسؤولية في هذا الشأن؛ فالحركة الطابية في مصر، على سبيل المثال، كانت منذ أربعينيات القرن الماضي، مرورًا بسبعينياته، قادرة على تنظيم الطاب
على أساس وطني، وبثّ روح الهوية الوطنية والمسؤولية الاجتماعية فيهم، وكذلك القيام بمبادرات توضح مسؤولية المواطن تجاه المجتمع والدولة ككل، بدءًا بالاهتمام بالشأن العام بحد ذاته وانتهاء
بالاهتمام بالقضايا التي تشغل الأمة ككل، وذلك عبر الجمعيات والمنتديات والقراءات المشتركة، وأيضًا عبر المبادرات الطابية في الشأن الاجتماعي والسياسي. وإذا كان موضوع البحث هو القيم وليس صيرورات موضوعية، كالعاقة بين الديمقراطية وانتشار التعليم، فإنه لا يجوز أن يُعتبر الطاب مجرد ضحايا، فهُم ليسوا كائنات متلقية ومفعولً بها فحسب،
بل يمتلكون عقلً وإرادة وعاطفة وقدرة على التنظيم، ولديهم فرصة أن يُمضوا بضع سنوات مع أبناء
جيلهم من مناطق مختلفة من الباد، في حالة تفرغ شبه كامل للعلم والمعرفة. إن المتوقع من الطاب في هذه المرحلة يتجاوز توجيه النقد إلى المؤسسات القائمة، ويجدر بالباحث أن يتساءل عمّا يفعلونه هم بهذا الخصوص؛ فنخبة الطاب التي تؤدي دورًا، منذ الجامعات الألمانية
في القرن التاسع عشر وحتى الستينيات في أوروبا والحركات الطابية العربية من أجل الاستقال في أربعينيات القرن الماضي، ومن أجل العدالة الاجتماعية والديمقراطية في سبعينيات القرن الماضي، أثّرت في جيل بأكمله. أقصد أن نخبة الطاب المثقفة والواعية والقادرة على تنظيم نفسها كان لها تأثير في جيل برمّته.
بعد أن تطرقتُ إلى خلفيات الموضوع التاريخية، أنتقل إلى توضيح بعض الأمور المتعلقة بالعاقة بين
المواطَنة والتعليم الجامعي. تتجاوز المواطَنة في الدولة الحديثة مجرد الانتماء، مع أنها تقوم عليه. والسلف التاريخي للمواطَنة هو الانتماء إلى جماعة، أكانت مستقرة أم لا، والتمتع بمزايا العضوية في الجماعة والمرتبطة بواجبات ومسؤوليات تجاهها، يكاد يكون مولودًا لا ينفصل عن هذه المزايا إطاقًا. والحديث هنا لا يدور حول
حقوق من جهة وواجبات من جهة أخرى، بل حول مجموعة وظائف تشكّل هوية الشخص؛ فهي تجمع بين ما نسميه اليوم حقوقًا وواجبات، ولكنها لم تحمل مثل هذه التسميات بل كانت وحدة واحدة تشكلُ «الهوية»، بما فيها المنزلة أو المكانة وما يرتبط بها من سلوكيات ووظائف متوقعة. وتبدأ
هذه بالعضوية البسيطة في الجماعة، وتتدرج حتى رئاسة هذه الجماعة، بغضّ النظر عن كيفية نشوء المنزلة، هل هي بالوراثة أم بالغلبة أم بغيرهما. إن المواطَنة اليونانية في المدينة، والتي تقوم عليها الديمقراطية في تلك المرحلة، هي مواطَنة من هذا النوع، بمعنى أنها عضوية في البوليس Polis) (، وهي من أنواع العضوية في القبيلة، ترتفع فيها الجماعة فوق الفرد ولا ينظر إلى الفرد متفردًا بصفته فردًا، بل بصفته عضوًا في الجماعة، ولا يمكن
رؤيته مستقلً عنها، فهو من دونها لا شيء، ونبذه منها هو العقاب الأكبر له. أمّ ا الحقوق بمعناها الراهن حاليًا، فإنها جزء من تعريف المواطَنة ذاتها كعضوية، ولكن ليس في
جماعة، بل في كيان قانوني غير عضوي هو الدولة. ويشمل هذا التعريف التزامات الدولة تجاه الفرد،
والتزاماته تجاهها وتجاه بقية المواطنين. والمواطَنة في عصرنا قائمة بذاتها، يعبَّر عنها بدخول الفرد
في عاقات تعاقدية مع أفراد آخرين، ومع الجماعة ذاتها. والفرد بحكم كونه إنسانًا هو مواطن له حقوق وعليه مسؤوليات. وليست هذه الحقوق والمسؤوليات معطاة بالطبيعة، بل تنظمها قوانين، فتنشئ بذلك الجماعة بقدر ما تُشتَق منها. هذا هو مفهوم المواطن بمعناه الحديث، الذي أصبحت
فيه الجماعة هي الجماعة المشكِّلة للدولة والدولة الوطنية، وأصبح الانتماء إلى الجماعة يتمثّل في الانتماء إلى الوطن. وثمة عاقة مباشرة بين الفرد وهذا الكيان لا تمر عبر جماعات عضوية؛ فبين
الدولة والمواطن عاقة مباشرة، لكن من حق الأفراد أن يشكّلوا جماعات أو روابط من هذا النوع، وذلك من أجل تحقيق نمط عيشٍ ما في جماعة، أو لغرض العمل في تدعيم مصالح هذه الجماعة، أو التأثير بواسطة الجماعة في سياسات الدولة، وفي المجتمع ككل. الجامعة تنشئ بيئة طبيعية لهذا النوع من المواطَنة؛ إذ يأتيها متلقو العلم من انتماءات وجماعات مختلفة، يجلسون على مقاعد الدراسة في قاعة المحاضرات في مقابل أستاذ محاضر واحد، ليتعلموا منهجًا تعليميًا واحدًا، وإذا حالفهم الحظ يدربهم هذا الأستاذ على التفكير التحليلي النقدي. أمّا
الجانب الذي يفترض أن يتطور في الفرد هنا، فهو الجانب العقاني النقدي التحليلي أو التركيبي، لا فرق، فالمهم أن هذا هو الجانب الذي يُفترض أن ينمو في هؤلاء الأفراد الجالسين معًا على مقاعد
الدراسة، وليس العصبيات والانتماءات العضوية. وليس من المفترض أيضًا أن تخاطب الجامعة الغرائز أو العواطف، مع أنه غالبًا ما يتاح المجال
في الجامعة لنضج عاطفي أيضًا. لدينا إذًا شبان وشابات، بالغون وبالغات، يبتعدون في مرحلة من حياتهم عن الانتماءات المباشرة ويدخلون في رابطة مؤسسية تعليمية في ما بينهم تتجاوز هذه الانتماءات، ويمارسون سوية عملية التعلم والبحث في أفضل الحالات، على أساس مناهج تجريبية
أو نظرية، ولكنها في الحالتين مناهج عقانية. وهذه فرصة لتشكّل شخصية المواطن القادر على
المشاركة في المجال العمومي باعتباره مواطنًا، أولً كمنتمٍ إلى الجماعة الأوسع، وهي أمة المواطنين،
ثم كشخص قادر على التفكير عقانيًا في الشأن العمومي ومهتم به، وقادر على التعامل مع محيطه
((1(انظر: بشارة، ص.162-150
ومع نفسه كفرد، أو ذات مفك رة يمكنها التفكير بشكلٍ انعكاسي في الذات والأشياء، وقادرة على التعامل مع العموم بشكلٍ يمكن فيه رؤية الخاص من خال العام، والعام من خال الخاص، وهذه فرصة لتشكيل المواطن. لئن أظهرت الاستطاعات أن المواقف من الديمقراطية والمواطَنة لا تتغير بموجب درجة التعليم على مستوى اتجاهات الرأي الذي اعتبرناه نظريًا، ففي المقابل تظهر التغيرات وتصبح جوهرية كلما تطلبت
الأسئلة موقفًا عينيًا وعمليًا، كما يظهر معنا عندما يكون السؤال مباشرًا، مثلً، عن مواصفات من يتولى
رئاسة الحكومة في بلدان المستجيبين، فهذا لا يعني عطبًا في ما نتوقعه من الحياة الجامعية فحسب،
بل يعني أيضًا فشلً جامعيًا يتجاوز الفشل الأكاديمي في عملية البحث والتدريس وما إلى هنالك.
وكما سبق أن قلت، تقع مسؤولية مثل هذا الفشل، إذا حدث، على عاتق المؤسسة والطاب سواء بسواء؛ فالطالب الجامعي إنسان راشد ومفكر لا مجرد متلقٍ، ويمكننا تخيل نشوء الثقافة المواطنية عند طاب في بلدان فقيرة ومتخلفة وفي ظل أنظمة فاشية وغيرها، وغالبًا ما تقود هذه النخب عمليات
التحول، وليس من المتوقع أن تقوم نُظم سلطوية بتنشئة الشباب على ثقافة ديمقراطية؛ فالهامش المتاح في الجامعات والمسؤولية الواقعة على الشباب هما فرصتان غير مفروغ منهما لتحقيق هذه المهمة.