القبائل والكيانات الإثنية والدول
Community, Society, Culture: Three Keys to Understanding Today’s Conflicted Identities
الملخّص
* ترجمة: رياض الكحّال. (((كُتبت هذه الورقة في الأصل لتكون خاتمة كتاب جماعي أشرف عليه هشام داوود، ونُشر باللغة الفرنسية سنة 013 2. ويُعِدّ هشام داوود الآن طبعة عربية للكتاب خصنا منها، مشكورًا، بترجمة ورقة غودلييه التي تنفرد هنا عمرانبنشرها قبل صدور النسخة العربية.
Abstract
This paper first attempts to define the concept of tribe and ethnic entity in order to demonstrate the radical difference between “local community” and “society” –two terminologies frequently mentioned in the press or by the actors themselves. The author gives examples of tribes, to show their diversity and to place this diversity in the context of a long-term historical perspective. He then examines the relation between tribes and the different forms of the state. The author ends the paper with yet another complicated subject which is the relation between the tribe and the city.
- موريس غودلييه
- الكيانات الإثنية
- المجتمع المحلي
- علاقات القرابة
- القبيلة
- Maurice Godelier
- Tribes
- States
- Ethnic Entities
- Local Communities
- Kinship
على الرغم من عدم اختصاص المؤلِّف بالشرق الأوسط، فإنه عاش سبع سنوات ضمن قبيلة في جبال بابوا غينيا الجديدة قبل حيازة هذا البلد استقاله وبعدها. بطبيعة الحال، ليس نمط القبيلة الموجود في أوقيانيا هو نفسه في اليمن أو أفغانستان أو العراق أو العربية السعودية،
لكن العيش سنوات ضمن قبيلة يشكّل تجربة شخصية لا يمكن أن توفرها حصرًا قراءة آلاف الكتب
المخصصة لدراسة القبائل والمنشورة في أرجاء المعمورة. يقترح الفصل الختامي لهذا العمل الجماعي إعطاء تعريف للقبيلة وللكيان الإثني، ومن ثم إظهار الفرق الراديكالي بين عبارتي الجماعة المحلية والمجتمع - وهما متداولتان بكثرة، سواء في الصحافة أو عند الفاعلين أنفسهم. ثم يقدم بعض الأمثلة للقبائل ليُظهر تنوعها ويضع هذا
التنوع ضمن منظور تاريخي على المدى الطويل. ويجري بعد ذلك تناول مسألة العاقات بين القبائل وأشكال الدولة المختلفة، ويشار في الختام إلى مسألة تبقى عصية على التوضيح، وهي العاقة بين القبيلة والمدينة.
قبيلة وكيان إثني مجتمع وجماعة محلية
عبارة القبيلة tribe باللغة الإنكليزية أو tribu باللغة الفرنسية مشتقة من العبارة tribus باللغة الاتينية، التي كانت تنطق بها مجموعات بشرية سكنت وسط إيطاليا القديمة قبل ظهور المدينة - الدولة لروما بفترة طويلة. والعبارة المرادفة ل tribus هي phulé باللغة اليونانية القديمة، وتعني «ورقة» feuille، لكنها ذات عاقة بفعل phuo الذي يعني «ولّد» أو «دفع»؛ فالقبيلة في روما القديمة مؤلفة من كيانات
مشكّلة من عدد من الرجال والنساء تربط بينهم عاقات قرابة تُسمّى «المجموعات العشائرية » gens) (،
ورديفها في اللغة اليونانية هو genos. لهاتين الكلمتين عاقة بكلمة في اللغة السنسكريتية هي jati،
* ترجمة: رياض الكحّال.
(((كُتبت هذه الورقة في الأصل لتكون خاتمة كتاب جماعي أشرف عليه هشام داوود، ونُشر باللغة الفرنسية سنة 013 2. ويُعِدّ هشام
داوود الآن طبعة عربية للكتاب خصنا منها، مشكورًا، بترجمة ورقة غودلييه التي تنفرد هنا عمرانبنشرها قبل صدور النسخة العربية.
(2) Hosham Dawod, dir., La Constante tribu: Variations arabo-musulmanes , Quaero (Paris; Demopolis: Fondation Mai- son des sciences de l’homme (FMSH), 2013).
وتعني «ولادة» naissance) (. بشكل عام، كانت اللغات الهندوأوروبية الرئيسية في العصور القديمة تعتبر الانتماء إلى «النسب» نفسه حجر الأساس للمجموعات الاجتماعية التي نطلق عليها اليوم اسم «عشائر» أو «أنساب» أو «بيوت»... إلخ. هذه الجماعات مكوَّنة من رجال ونساء من جميع الأجيال،
يعتبرون أنفسهم أقرباء ومتكافلين كونهم يؤكدون انحدارهم من سلف مشترك، رجل أو امرأة. هذا ما يؤدي إلى ولادة عشائر أبوية النسب كما في روما أو في العالم العربي، أو عشائر أمومية النسب، كما في أفريقيا وأوقيانيا أو حتى عند الأميركيين الهنود. انطاقًا من ذلك، هل يمكن اقتراح تعريف للقبيلة؟ ربما تكون القبيلة «شكلً من أشكال المجتمع، يتكوّن حين تقوم مجموعة من الرجال والنساء، يتمثّلون أنفسهم على أنهم أقرباء، حقيقة أو وهمًا، عن
طريق الولادة أو المصاهرة، بخلق كيان متحد ومتكافل بهدف السيطرة على إقليم واستماك موارده التي يستثمرونها بشكل جماعي أو إفرادي، وهُم على استعداد للدفاع عنه بالساح. هذه القبيلة لها
دومًا اسم خاص بها تُعرف به». لا يشير مصطلح «الإقليم» حصرًا إلى السهول أو الجبال الضرورية لممارسة الزراعة أو الرعي. ويمكن
الإقليم أيضًا أن يكون مدينة أو حيًّا أو مكانًا مقدسًا يُحرَس ويُعتنى به، أو سلسلة طرق قوافل... إلخ.
بطبيعة الحال، يعني العيش ضمن قبيلة ممارسة نمط حياتي وثقافي أصلي لا يقتصر على الدفاع عن موارد الإقليم واستثمارها. إزاء الواقع القبلي، يختلف الأنثروبولوجيون والمختصون الآخرون بالعلوم الاجتماعية حين يتوجب عليهم تفسير هذه الظاهرة وأهميتها التاريخية؛ فأغلبهم يعتقد أن مفتاح فهم آلية عمل المجتمعات القبلية يرتكز على تفاعل عاقات القرابة السالية بشكل خاص، وكذلك عاقات المصاهرة. ترتكز هذه المجتمعات إذن على أساسٍ مكوَّن من القرابة، أو هي، بحسب التعبير الذي صاغته الأنثروبولوجيا
الأنغلوأميركية، «مجتمعات مبنية على القرابة». يبدو أن هذا التفسير يساعدنا على فهم جوانب بديهية
لآلية سير القبائل، ومنها مثلً تضامن الأفراد من العشيرة أو القبيلة نفسها في حال نشوب صراعات بينهم، إذ يشعرون بأنهم ملتزمون بذلك باسم عاقات القرابة التي تجمعهم. مع ذلك، يخفي هذا التفسير أمرين أساسيين يدفعان إلى نقده ورفضه؛ فهو يعتبر - وسنعود إلى هذه النقطة - أن القبائل استمرار لأشكال حياة بدائية، وهي الشاهد أو الأثر الباقي من مرحلة من مراحل تطور الإنسانية تجاوزته مجموعات أخرى بإنشاء أشكال متقدمة من التنظيم الاجتماعي، أدت تحديدًا إلى ولادة الدولة ومختلف أشكال «الحضارة». إلا أن وجهة النظر هذه - بقطع النظر عن كونها تحمل تقييمًا سلبيًا فيه ازدراء ضمني لنمط الحياة القبلية، أو أنه يمكن اعتبارها وجهة نظر إثنو - مركزية
يعتمدها أخصائيون بالعلوم السياسية ينتمون إلى مجتمعات في الغرب أو الشرق تحسب نفسها
(3) Émile Benveniste, Le Vocabulaire des institutions indo-européennes, 1: Economie, parenté, société , sommaires, tableau et index établis par Jean Lallot (Paris: Minuit, 1969), pp. 257 et 316.
(((هنري لويس مورغان H. L. Morgan) (، مؤسس الأنثروبولوجيا، لم يتكلم على «مجتمعات قبلية» ولكن باستناده إلى اليونانيين القدماء وإلى الاتينيين، تكلم على «مجتمعات من عنصر واحد أو من عائلة واحدة». وأعطى القبيلة التعريف التالي: «كل قبيلة
تتفرد باسم، بلهجة مستقلة، بحكومة عليا، بامتاكها إقليمًا تحتله وتدافع عنه كأنه ملْك لها... وبامتاكها عقيدة دينية وشعائر دينية
Lewis Henry Morgan, Ancient Society (New York: H. Holt and Company, 1877), p. 106. مشتركة:»
«متحضرة» - تُلقي جانبًا (بل وتتنكر لذلك) واقع أن التنظيمات القبلية أظهرت خال التاريخ حيوية
كبيرة ومقدرة هائلة على التكيف، وهو ما يفسر بقاءها وبقاء فاعليتها حتى اليوم في مناطق كثيرة من العالم. هناك ما هو أخطر؛ إذ إن هذا التفسير الذي يجعل من عاقات القرابة أساسًا للمجتمعات القبلية يقلل
بهذا الشكل من أهمية ودور العاقات الأخرى الأقل ظهورًا للعيان في الحياة اليومية ضمن تلك
المجتمعات، لكنها موجودة في جوهر آلية عملها؛ هذه العاقات هي التي تنظم وتشرعن السيادة التي ترسيها القبائل على إقليم ما وعلى موارده وسكانه، سواء أكانوا أفرادًا من القبيلة ذاتها أم مهيمَنًا عليهم. ومن ثم، فإن العاقات الاجتماعية الناظمة لسيادة مجموعات بشرية - تأخذ شكل «المجتمع» - على إقليم وعلى موارده، والمشرعنة في الوقت نفسه لتلك السيادة، ليس لها أبدًا عاقة بالقرابة، سواء عاقة مباشرة أو حصرية. هذه العاقات هي التي اعتدنا في الغرب على تمييزها وتصنيفها ضمن فئتين: «السياسة» و«الدين». نعني بعبارة «السياسة» المؤسسات والمبادئ التي تستطيع المجتمعات بفضلها أن تحكم نفسها وتحكم عاقاتها مع مجتمعات أخرى قريبة أو بعيدة، صديقة أو عدوة. أمّا عبارة «الدين»، فنعني بها
العاقات التي يرسيها الأشخاص بعضهم بين بعض للتواصل مع كائنات غير مرئية لكنهم يتخيلون أنها تمتلك قوى تفوق قواهم، ولهذا السبب تراهم يبذلون الجهد لطلب الحماية والنعم منها، بتكريمها وبتقديم القرابين إليها. لم نقدم هذين التعريفين إلا للمساعدة على عزل وتحليل وظائف احتلت إحداها على حساب الأخرى مراتب مختلفة جدًا عبر التاريخ، واختلفت تبعاتها كل مرة بحسب المجتمع المعني: إمّا أن السلطة
والدين كانا ملتحمين بشكل وثيق في المؤسستين نفسيهما وفي الشخص الذي يمثلهما ويمارس من خالهما السلطة العليا، مثلما كانت حال الفراعنة في مصر القديمة، أو حال سلطة بعض الملوك الأفريقيين في بداية القرن الماضي، وإمّا أن هذه المهمات كانت مفصولة بعضها عن بعض، ولكن
(5) David Wengrow, The Archaeology of Early Egypt: Social Transformations in North-East Africa, 10,000 to 2,650 BC , Cambridge World Archaeology (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2006), and Henri Frankfort, La Royauté et les dieux: Intégration de la société à la nature dans la religion de l’ancien Proche Orient , bibliothèque historique (Paris: Payot, 1961), p. 17.
«كان الشرق الأوسط يعتبر النظام المل كي أساسًا حقيقيًا للحضارة، وأن الناس المتوحشين فقط بإمكانهم العيش من دون ملك. لكن
إذا اعتبرنا النظام الملَكي مؤسسة سياسية، فإننا نتبنى هنا وجهة نظر لم يكن في وسع القدماء فهمها... جميع الأمور التي كان لها معنى كانت مندمجة بالكون، وكانت وظيفة الملك تحديدًا هي المحافظة على الانسجام في عملية الاندماج».
(6) Max Gluckman [et al.], Systèmes politiques africains , publiées sous la dir. de M. Fortes et E. E. Evans-Pritchard; trad. de l’anglais par Paul Ottino; avant-propos d’Hubert Deschamps; préface du A. R. Radcliffe-Brown; patronnées par l’Institut international africain, etudes ethnographiques (Paris: Presses universitaires de France, 1964), p. 21.
من الصعب غالبًا، حتى من وجهة النظر المثالية، أن نفصل المهمات السياسية عن المهمات الطقسية أو الدينية؛ ففي المجتمعات
الأفريقية، نستطيع القول بأن الملك هو رئيس السلطة التنفيذية والمشرِّع والقاضي الأعلى والقائد الأعلى للجيش ورئيس الكهنة
أو الزعيم الأعلى للطقوس، بل حتى ربما الرأسمالي الرئيسي في المجتمع ككل. لكن من الخطأ أن نتصوره جامعًا عددًا كبيرًا من
المهمات المتفرقة والمحددة. ليس للملك سوى مهمة واحدة هي مهمة الملك، الواجبات والأنشطة المختلفة والحقوق والامتيازات
والمزايا الملحقة بها تشكّل وحدة متكاملة.
كل واحدة منها تتمم الأخرى، وبالتالي تقوم بها مجموعات اجتماعية مختلفة، كما هي الحال عند الطبقتين المهيمنتين في الهند في العصور القديمة والعصور الوسطى، وهما طبقة البراهمان (رجال الدين) والكشاتريا (المحاربين)؛ إذ إن الرادجا، أي الشخص الذي يترأس كل واحدة من الممالك الهندية الكثيرة، كان دومًا ينتمي إلى طبقة الكشاتريا، وإمّ ا أن المهمات تُطرح على أنها متمايزة
ولكنها منفصلة تمامًا بعضها عن بعض، إذ تمارَس السلطة السياسية - على الأقل سلطة الدولة - من
دون أي مرجعية دينية، ليس فقط إزاء الدين المهيمن على المجتمع تقليديًا (كما هي حال المسيحية
في أوروبا) بل أيضًا إزاء أي شكل ديني آخر، حيث أصبح الدين مسألة خاصة بالأشخاص وليس
عنصر مواطَنة. هذا التفريق بين السلطة السياسية والدين هو واقع جديد في تاريخ الإنسانية، فرض
نفسه تدريجيًا منذ الثورة الفرنسية وخال الأحداث المشابهة التي أنهت في أوروبا الأنظمة الملَكية
القديمة التي ادعى بعض أصحابها امتاك السلطة الإلهية. ولكن إذا نحينا هذه التطورات الحديثة التي انتشرت من أوروبا إلى الصين مع تصدير الأنظمة الاشتراكية، يمكننا ماحظة أن الناس استقوا خال تاريخهم حق ممارسة السلطة في مجتمعاتهم من خال آلهة أو إله. هناك أمثلة كثيرة لإله يرتقي إلى مستوى أعلى من مستوى بقية الآلهة، وذلك بالتوازي مع ارتقاء الملك الذي اختاره إلهًا فوق مستوى
غيره من الملوك. هذا ما حدث حين أصبح حمورابي (1792 - 1750 ق. م) ملك الملوك، وأعلن أن حاميه مردوخ، الذي كان حتى تلك اللحظة قليل الأهمية نسبيًا، هو أعظم إله بين الآلهة. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو من شقين: ما الذي يميز القبيلة من الكيان الإثني؟ وما هو الكيان الإثني؟ «الكيان الإثني هو مجمل الجماعات المحلية التي تدّعي أنها منحدرة بشكل حقيقي أو وهمي من مجموعة الأساف الذين عاشوا في زمن بعيد نوعًا ما، وتتكلم لغات تنتمي إلى العائلة اللغوية نفسها،
وتتشارك في عدد معيّن من مبادئ تنظيم المجتمع ومن التصورات المتعلقة بالاجتماعي والكوني،
بالإضافة إلى بعض القيم والمعايير التي تنظم سلوك الأشخاص والجماعات أو تقولبه». ينتمي كثير من القبائل في الواقع إلى الكيان الإثني نفسه، ومن هذا المنطلق يمكن كل فرد في القبيلة
أن يدعي انتماءه المزدوج، إلى قبيلته من جهة، وإلى الكيان الإثني الذي يضمه من جهة أُخرى. وهذا حال الأكراد أو الباشتون على سبيل المثال. ولكن ثمة فرقًا كبيرًا بين الانتماء إلى قبيلة والانتماء إلى
كيان إثني؛ فالانتماء إلى قبيلة يقوم مثلً بمنح أفرادها إمكانية الحصول إلى الأرض، ويساعد على ممارسة أنماط معيّنة من الزواج، ويؤمّن حماية مشتركة، في حين أن الانتماء إلى الكيان الإثني نفسه
(7) Louis Dumont, «La Fonction royale,» dans: Louis Dumont, Homo hierarchicus: Essai sur le système des castes , bibliothèque des sciences humaines (Paris: Gallimard, 1971). (8) Jean Bottéro, La Plus vieille religion: En Mésopotamie , collection Folio. Histoire; 82 (Paris: Gallimard, 1988), p. 170.
استشهاد ببداية قانون حمورابي الشهير: «حين قام آنو السامي وملك الآلهة وإنليل، إله السماء والأرض ومحدِّد أقدار الباد بمنح
مردوخ، مولود إيا الأول، السلطة العليا على كامل الشعوب ورجحوه بين الآلهة.» انظر: Francis Joannès et Cécile Michel, dirs.,
Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne , avec la collab. de Luc Bachelot [et al.], Bouquins (Paris: R. Laffont, 2001), art. «Nabuchodonosor 1er’», et Jean Bottéro et Samuel Noah Kramer, Lorsque les dieux faisaient l’homme: Mythologie mésopotamienne , bibliothèque des histoires (Paris: Gallimard, 1989).
لا يمنح إمكانية الوصول إلى الأرض ولا إلى نساء القبائل الأخرى المكوّنة لها. يكمن الفرق بين
القبيلة والكيان الإثني إذن في أن القبيلة تشكّل «مجتمعًا»، بينما يشكّل الكيان الإثني «كيانًا أو جماعة
محلية» Community) (. الكيان الإثني في الواقع هو قبل كل شيء كيان ثقافي ولغوي، يمنح الأفراد هوية خاصة تنتشر إلى أبعد من القبيلة التي ينتمون إليها بالولادة أو بالتبني، وتضاف إلى هويتهم القبلية. لكننا ناحظ في مناطق كثيرة من العالم أن الانتماء إلى الكيان الإثني نفسه لا يمنع العشائر التي تنتمي إليه من التحارب في ما بينها أو استياء بعضها على أراضي بعضها الآخر... إلخ. لهذا السبب، غالبًا ما تتجمع ضمن الكيان الإثني قبائل عدة لتشكيل اتحاد قبلي يبدي قوّته وهيبته أمام
الجماعات القبلية الأخرى، ويمكن أن نذكر كمثال على ذلك القبائل البربرية في المغرب.
القبائل وأشكالها المختلفة
لتوضيح تنوّع أشكال القبائل، سنعطي بعض الأمثلة من مختلف القارات. الصو (So) مزارعون في
أوغندا، يقطنون في منحدرات قمم كادام وقمم موروتو، ويعيشون من زراعة السورغو (الذرة البيضاء) والرعي والقليل من الصيد. زراعتهم مهددة بشكل دوري بالجفاف أو بالأمراض التي تصيب النباتات، وماشيتهم تسرقها بشكل منتظم قبائل رعاة الكاريموجونغ الذين يعيشون في السهل. اختفى الصيد الآن تقريبًا، والغابة تتراجع بسبب استخدام أشجارها وقيدًا. يبلغ عددهم حوالى 0005 شخص
موزعين في قبائل أبوية النسب. يهيمن الرجال على النساء كما يهيمن الأخوة الكبار سنًا على الأخوة الأصغر. يوجد بين كبار الأخوة أقلية من الرجال يمثّل كل واحد منهم عشيرته ويحكمون بقية المجتمع. هؤلاء يدرَّبون وبالتالي يكتسبون سلطة التواصل مع أساف العشائر والحصول منهم على السام
والمحاصيل الجيدة... إلخ، لأن هؤلاء المدربين فقط هم من يستطيعون مناداة أساف عشائرهم بأسمائهم والتحدث إليهم. أمّا الأساف، فيُفترض فيهم التدخل عند الآلهة لطلب المساعدة والنِّعَم.
هذه الأقلية من الرجال المدربين تقوم كذلك بدور محكمة عدل لمعاقبة المتهمين بجرائم خطيرة في حق النظام القبلي، وتطلق حكمها بعد استشارة الأساف. تُقدَّم الأضاحي إلى الأساف بشكل منتظم، وفي حالات الجفاف الشديد تُقدَّم الأضحية إلى آلهة المطر في مكان مقدس غير مفتوح للعموم، وتمتلك قبيلة واحدة سر هذا الطقس. ناحظ إذن في هذا المجتمع وجود تسلسل هرمي ليس جنسيًا
وجيليًا فحسب بل هو أيضًا تسلسل بين العشائر، وذلك على مستوى عاقات البشر بالقوى الخفية
الناظمة للكون. أقلية من الرجال فقط تمتلك احتكار التواصل مع هذه القوى، ويسعى هؤلاء لوضعها في خدمة المصالح المشتركة لجميع أفراد مجتمعاتها. وبهذا الشكل، يتمتعون بأبهة كبيرة وسلطة على الآخرين تضاف إليها بعض الميزات المادية. ولكن في النهاية تتشارك في السلطة السياسية والدينية، بشكل نسبي، جميع العشائر الأبوية النسب.
(9) Mohamed Tozy et Abderrahmane Lakhassi, «Le Maroc des tribus: Mythe et réalité,» dans: Hosham Dawod, dir., Tribus et pouvoirs en terre d’Islam , Sociétales (Paris: A. Colin, 2004), pp. 169-200. (10) Charles D. Laughlin and Elizabeth R. Laughlin, «Kenisan: Economic and Social Ramifications of the Ghost Cult among the So of North-eastern Uganda,» Africa (London), vol. 42, no. 1 (January 1972), pp. 9-20.
على النقيض ممّا سبق، تعطينا جماعة البارويا في غينيا الجديدة مثال لقبيلة ولدت فقط في القرن
الثامن عشر نتيجة حروب جعلت بقايا ثماني فئات من قبيلة اليويوية تلجأ إلى قبيلة أخرى هي الأندجة ثم تطردها من إقليمها في نهاية المطاف. تتكون هذه القبيلة اليوم من خمس عشرة عشيرة، ثمان منها من ذرية الاجئين وسبع تنحدر من العشائر الأصيلة في المنطقة، أحافًا أو متحالفين، ومن غير الوارد إذن في هذا النوع من القبيلة ادّعاء أن جميع أعضاء القبيلة ينحدرون من سلف مشترك.
وكما رأينا، فإن وحدة القبيلة ترتكز في الواقع على مؤسسة إعداد الذكور والإناث التي تخص جميع السكان وترتّبهم هرميًا. إلا أن المسؤولين عن الإعداد والتدريب ينتمون كلهم إلى المجموعات
المنتصرة لا إلى المجموعات المهزومة، وهم أنفسهم الذين يمارسون نظام السلطة «السياسية الدينية» الخاصة بالبارويا. ستُظهر الأمثلة التالية كيف يتشكل ضمن بعض المجتمعات القبلية نوع من الأرستقراطية الوراثية. تلك
كانت حال هنود باوني في أميركا الشمالية البالغ تعدادهم اليوم خمسة آلاف شخص، وكانوا يعيشون قبل وصول الأوروبيين في قرى كبيرة على طول نهر المسيسيبي، حيث مارسوا زراعة الذرة والصيد الموسمي للبيزون (ثور وحشي أميركي). كانت هناك عشيرتان ضمن تلك المجموعة تتشاركان
السلطة، عشيرة تقدّم زعماء الحرب وأُخرى تقدّم الكهنة. وكان في حيازة عشيرة زعماء الحرب الأدوات المقدسة التي تحوي القدرة على تأمين الخصوبة للحقول والعودة السنوية للبيزون في المروج، لكنها لم تكن تملك الصيغ السرية التي تُفعل القوة الخفية لهذه الأدوات. كان هذا العلم حكرًا على فئة الكهنة، فتوجب إذن أن يتعاون ممثلو العشيرتين لطلب تدخّل القوى
فوق الطبيعية القادرة على أن تؤمّن للقبيلة الحياة الرغيدة ماديًا واجتماعيًا. كانت التقاليد تنص على
أنه إذا تعرضت الأدوات المقدسة للسرقة أو للتدمير نتيجة الحرب، فإن على القبيلة بكاملها أن تنحل وتختفي كمجتمع، وعلى كل عشيرة أو عائلة أن تفتش عن ملجأ عند قبائل أخرى، مع ما يمثّل ذلك من خطر على حياتها. يبيّن هذا المثال كيف يمكن - داخل القبيلة - أن تتركز الوظائف المفترض أنها
تؤمّن تكاثر الجميع في عشيرتين فقط ضمن نظام شامل اجتماعي وكوني، وهنا أيضًا لتلك الوظائف
طبيعة سياسية ودينية. لقد تحولت هذه القبيلة إلى ما يسمّى «زعامة وراثية»، وحدث تمايز اجتماعي
جديد بين عشائر القادة والكهنة من جهة والناس العاديين من جهة أُخرى. هناك أمثلة أُخرى لعمليات تحول الأرستقراطية القبلية إلى زعامة وراثية، كما لوحظ ذلك في
بولينيزيا. في تلك المجتمعات، يدّعي الأفراد الذين يشكّلون الزعامة أنهم أقرباء، لكنهم في الحقيقة
مصطفون جميعهم ضمن نظام هرمي ينحدر من سالة الزعيم الذي يكون في الغالب الأكبر سنًا من ذرية الابن الأكبر المؤسِّس للمجموعة القرابية كينغا. لا تشبه جماعات قرابة النسب البولينيزية
في شيء المجموعات ذات النسب الأبوي أو الأمومي، لأنها تأخذ بعين الاعتبار النسب عن طريق
(11) Marshall David Sahlins, Social Stratification in Polynesia , American Ethnological Society. Monographs; 29 (Seat- tle: University of Washington Press, 1958).
((1(عند جماعة الكاشين تعود السلطة السياسية والدينية، كما بيّن ليش، إلى آخر ابن من سالة آخر ابن للسلف المؤسس. انظر:
Edmund Ronald Leach, Political Systems of Highland Burma; a Study of Kachin Social Structure , with a Foreword by Raymond Firth (Cambridge, Harvard University Press, 1954).
الرجال والنساء على حد سواء. نتيجة لذلك، تكون الزعامة العشائرية عبارة عن مجموعة أنساب وأفراد متسلسلين هرميًا ضمن مراتب وأوضاع اجتماعية غير متساوية، ويتفاقم عدم التساوي كلما
اقتربنا من الأصغر سنًّا في الفروع الفتية لسالة الزعيم. سنبيّن في ما بعد كيف يمكن ضمن تلك
المجتمعات أن تطفو على السطح أرستقراطية تشكّل نوعًا من الطبقة أو النظام المهيمن. في إمكاننا بعد هذه الأمثلة أن نعي الطابع الاستثنائي نسبيًا والفريد للنظام المسمّى «الانقسامي»
لبعض المجموعات القبلية في قسم من أفريقيا أو الشرق الأوسط، كما وصفه إيفانز بريتشارد في ما يخص النوير في أفريقيا وبدو برقة في ليبيا، أو كما وصف بول ولورا بوهانان التيف في نيجريا. أكد بريتشارد حقيقة أن في هذه المجتمعات القبلية، تعتقد كل عشيرة وكل سالة وكل جماعة محلية أنها مساوية لأخريات اقتصاديًا وسياسيًا وأيديولوجيًا. وكل قسم من المجتمع يعمل لنفسه ما يعمله
الآخرون لأنفسهم، وبالتالي فهو يعتبر نفسه مماثلً لهم. هذا التكافؤ بين أقسام القبيلة يترتب عليه، بحسب بريتشارد، واقع أن الأقسام العليا التي تتجاوز المحلي لا تظهر إلا في حالة نزاع بين سالتين أو بين عشيرتين. إذا هاجمت سالة تابعة لعشيرة (أ) سالة تابعة للعشيرة (ب)، فإن العشيرة (ب) كلها تبدي تضامنها وتستنفر لمجابهة العشيرة (أ). بالإضافة إلى العاقات اليومية المنظمة بشكل خاص بالقرابة، تظهر عاقات اجتماعية أخرى من النمط السياسي فقط في حالة المجابهة بين المجموعات نفسها، ما عدا على المستوى الديني، حيث تتشارك الفئات كلها في التمثيل نفسه وفي الطقوس نفسها. قدمت دراسات إرنست غيلنر وديفيد هارت ودراسات أقدم عهدًا لروبير مونتاني هذه القبائل في صورة تجمعات سريعة الزوال نسبيًا لعشائر وأقسام حريصة على استقالها، ومندمجة بدينامية دائمة
من الانشطار والانصهار. هذه الرؤية التي تناسب بعض مظاهر حياة تلك القبائل، وخاصة فكرة تأكيد المساواة بين أفرادها، حجبت الأنظمة التراتبية الاجتماعية الموجودة واقعًا في هذه المجتمعات القبلية،
((1(وصف مارشال سالينز هذه البنية على الشكل التالي: «إنها بنية تستند إلى درجة المصالح أكثر منها إلى صراع المصالح، وتستند إلى الأولويات العائلية المتدرجة في ما يخص السيطرة على الثروة والقوة، وتستند إلى حق طلب الخدمات من الآخرين والوصول إلى السلطة الإلهية والمظاهر المادية لأنماط الحياة - بحيث إذا كان الأفراد كافة تربطهم عاقة قربى وهم أعضاء في المجتمع، فإن بعضهم مع ذلك يُعتبر أعضاء في هذا المجتمع أكثر من غيره». انظر: , p. 24 Social Stratification Sahlins,.
برزت خال التاريخ وضمن بنى كهذه أنماط من الأرستقراطية معزولة تمامًا عن باقي السكان بسبب مهماتها ونمط حياتها، مع
الاستمرار في التحدث بلغة القرابة.
(14) Laura Bohannan, «Political Aspects of Tiv Social Organization,» in: Laura Bohannan [et al.], Tribes without Rul- ers; Studies in African Segmentary Systems , Edited by John Middleton and David Tait; Pref. by E. E. Evans-Pritchard (London: Routledge and Paul, 1958), and E. E. Evans-Pritchard, The Nuer: A Description of the Modes of Livelihood and Political Institutions of a Nilotic People (Oxford: Clarendon press, 1940). (15) Philip Carl Salzman, «Does Complementary Opposition Exist?,» American Anthropologist , vol. 80, no. 1 (1978), pp. 53-70. (16) Ernest Gellner, Saints of the Atlas (Chicago: University of Chicago Press, 1969); David M. Hart, The Aith War- yaghar of the Moroccan Rif: An Ethnography and History , Viking Fund Publications in Anthropology; 55 (Tucson: University of Arizona Press, 1976); Akbar S. Ahmed and David M. Hart, eds., Islam in Tribal Societies: From the Atlas to the Indus (London; Boston: Routledge and Kegan Paul, 1984), et Robert Montagne, Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc: Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (groupe chleuh) , travaux de l’année sociologique (Paris: F. Alcan, 1930).
وكانت موضع انتقادات قوية، ولا سيما من جانب عبد الله حمودي، لكنها مع ذلك لفتت النظر إلى أهمية قدرة الصراعات بين القبائل على الهيكلة، وبيّنت الدور الذي يؤديه الانشقاق في مواجهة
الدولة. سنتطرق سريعًا في ما يلي إلى المسألة الخاصة بالعاقات بين القبائل والدولة.
القبائل في التاريخ وفي مواجهة الدولة
تشهد الأمثلة السابقة إذن، وبوضوح، على حيوية هذا الشكل من التنظيم الاجتماعي المتمثّل في القبائل، وتشهد بالتالي على خصائصها وعلى الأهمية التي يوليها الأفراد لهذا النمط من الوجود الاجتماعي. تشير المعطيات الأثرية والتاريخية إلى أن هذا الشكل من المجتمع ظهر منذ بدايات العصر الحجري الحديث، ثم تعمم في جميع القارات بشكل مرافق لتطور أشكال الزراعة المختلفة و/أو تربية الماشية. هذه الحقائق التي لم تكن معروفة بهذا الشكل الجيد في القرن التاسع عشر حملت حينها مورغان وعددًا كبيرًا من الأنثروبولوجيين من بعده على النظر إلى القبائل من زاويتين
حجبتا هذه الحيوية بشكل واسع. صحيح أن جميع الأنثروبولوجيين كانوا يرون في القبائل نمطًا محددًا من بين غيره من أنماط المجتمعات، لكن قسمًا منهم أيضًا اعتبر حينها القبيلة مرحلة قديمة من
التطور الإنساني؛ مرحلة تم تجاوزها أو تهميشها مع حلول أشكال «عليا» من تنظيم المجتمع، خاصة مع ظهور الدول. اعتبر مورغان، الذي كان مع ذلك معجبًا بنظام القبائل الهندية في أميركا الشمالية وباستقالية وشجاعة
مقاتليها، أن هذا الشكل من التنظيم الاجتماعي «يجسّد ظروف الإنسانية في حالة البربرية». بالنسبة
إليه، اجتازت البشرية ثاث مراحل في تطورها منذ ظهور الإنسان العاقل Homo sapiens) (، وهي: مرحلة التوحش ومرحلة البربرية ومرحلة الحضارة. وجود الدولة فقط هو الذي يستطيع، بحسب رأيه، أن يفيد كأساس للحضارات التي ظهرت عبر التاريخ؛ إذ يبدو له أن من المستحيل «تأسيس مجتمع سياسي أو دولة أساسها المجموعات العشائرية». وهكذا، فإن ولادة الحضارة تطلبت، بالنسبة إلى مورغان، تفكُّك الجماعات القرابية القديمة، وتفكك القبائل وتحوّلها إلى مجموعات إقليمية ترابية.
ويُثبت ذلك بالإصاحات التي قام بها سولون وكليستين والتي ألغت القبائل اليونانية القديمة المبنية
على القرابة في منطقة الأتيك، لتعطيها أساسًا إقليميًا ترابيًا جديدًا أصبح الدعامة للمدينة - الدولة
في أثينا. في القرن العشرين، اقتُرحت مخططات أخرى لتطور الإنسانية، لكنها كانت هذه المرة خالية من أي مرجعية للعبارات الساخرة، مثل «الهمجية» و«البربرية». كانت تلك حال مخطط التطور الذي قدمه
(17) Abdallah Hammoudi, «Segmentarité, stratification sociale, pouvoir politique et sainteté: Réflexions sur les thèses de E. Gellner,» Hesperis-Tamuda (Rabat), vol. 15 (1974), pp. 147-177. (18) John J. Honigmann, «Tribe,» in: Julius Gould and William L. Kolb, eds., A Dictionary of the Social Sciences (New York: Free Press of Glencoe, 1964). (19) Morgan, p. 123. (20) Pierre Lévêque et Pierre Vidal-Naquet, Clisthène l’Athénien (Paris: Les Belles lettres, 1973).
مارشال سالينز في كتابه رجال القبائل، فهو يلخص تطور البشرية من دون أي حكم على القيمة بتعاقب أربع مراحل هي: مرحلة «قطعان» الصيادين من العصر الحجري القديم، ثم «القبائل» في العصر الحجري الحديث التي تحول بعضها إلى «كيانات زعامية قبلية»، ثم أخيرًا بزغ إلى الحياة
بعض أشكال الدولة من رحم بعض تلك الكيانات. وقد تعرض هذا المخطط نفسه للنقد ليس لأنه لا ينطبق على وقائع تجريبية، بل بسبب تفسير التطور الانساني الذي بُني عليه. ليس التطور هو الذي يفسر تاريخ المجتمعات الإنسانية بل على العكس، فالتاريخ الذي يختلف باختاف المجتمعات الإنسانية هو الذي يفسر تحولاتها، ويفسر بالتالي تطور الإنسانية. لماذا مع ذلك يحتفظ مفهوم التطور على معنى؟ ببساطة لأن من غير الممكن لأي مجتمع، وفي أي فترة، أن يفعل ما يحلو له لابتكار طرق جديدة يؤثر بها في الطبيعة التي تحيط به أو في نفسه. لا يمكن مثلً تصور أنه كان في إمكان سكان أستراليا الأصليين في القرن السادس عشر اكتشاف الفيزياء النووية. فلكي يحدث هذا الاكتشاف، ينبغي أن يجتاز بعض المجتمعات مراحل في مجال إنتاج المعارف بشأن الطبيعة، ومن ثم تستطيع مجتمعات أخرى أن تقتبس هذه الاكتشافات وتطورها من دون أن تكون هي السبب في ابتكارها. نرى إذن أن تطور البشرية ليس حقيقة مختلفة عن تاريخ المجتمعات التي تعاقبت ووصلت إلينا. لنأتِ الآن إلى مسألة ظهور الدولة. عندما ننظر بشكل شامل إلى تطور المجتمعات الإنسانية من خال تاريخها، ناحظ وجود مسارين للتطور أحدثا نوعين مختلفين من العاقات بين القبائل والدول، لكن كاهما يفترض مسبقًا وجود كيانات قبلية وإثنية في طور التحول. المسار الأولأدى إلى تشكّل دول مدعومة من قبائل استمرت في الوجود بعد ولادة دولتهم، ومسار التطور هذا هو الأقدم، وهو مستمر حتى اليوم. المسار الآخر أدى إلى تشكّل دول قامت في ما بعد، وبشكل منتظم، بإخضاع القبائل التي دعمتها أو بتغيير هذه القبائل أو بتدميرها أو بتهميشها. تضمّن المسار الأول دومًا تقاسم السيادة بين
القبائل والدولة التي تشملها وتهيمن عليها غالبًا. وفيه يحافظ أعضاء القبيلة عمومًا على حقهم في
حمل الساح، بينما في مسار التطور الثاني تنزع الدولة غالبًا، وبالتدريج، ساح الجماعات الخاضعة
لها، وتشعر حينها بالحاجة إلى إنشاء شرطة وجيش لممارسة سلطتها داخل أراضيها وخارجها. ناحظ أن الرهان القائم في العاقات بين القبائل والدول لا يقوم إذن على عاقات القرابة داخل القبائل، أو بين هذه الأخيرة، لكنه يقوم من الناحية الاستراتيجية على تقاسم السيادة السياسية والدينية
(21) Marshall David Sahlins, Tribesmen , Foundations of Modern Anthropology Series (Englewood Cliffs, NJ: Pren- tice-Hall, 1968), and Leslie A. White, «The Concept of Evolution in Cultural Anthropology,» in: Evolution and Anthro- pology: A Centennial Appraisal (Washington, DC: Anthropological Society of Washington, 1959), pp. 106-125. (22) Elman R. Service, Origins of the State and Civilization: The Process of Cultural Evolution (New York: Norton, 1975), and Morton H. Fried, The Evolution of Political Society: An Essay in Political Anthropology , Random House Studies in Anthropology; AS 7 (New York: Random House, 1957). (23) Maurice Godelier, «Le Concept de tribu: Crise d’un concept ou crise des fondements empiriques de l’anthropolo- gie?,» Diogène: Revue internationale des sciences humaines , no. 81 (Janvier-Mars 1973), pp. 3-28. (24) Maurice Godelier, «Processes of the Formation, Diversity and Bases of the State,» International Social Science Journal , vol. 32, no. 4 (1980), pp. 609-623.
التي تدّعي ممارستَها الدولةُ والقبائل التي تتشكّل منها. غير أن هذا لا يعني أن عاقات القرابة لا تُستخدم في إدارة السلطة والدولة كما تظهره لنا جليًا حالة المملكة العربية السعودية. سنوضح
ببضعة أمثلة هذين المسارين. في ما يخص مسار التطور الأول، هناك مثال شهير يتمثّل في تأسيس [الرسول] محمد في القرن السابع الميادي دولة سياسية ودينية جديدة، جمعت في البداية تحت سيادتها عددًا من المدن والعشائر في شبه الجزيرة العربية، وخاصة في الحجاز. كما يوجد مثال أقرب إلينا هو تشكُّل المملكة العربية السعودية على مراحل عدة، ابتداء من اللقاء الذي تم سنة 1742 بين رجلين، الأول رجل دين هو محمد بن عبد الوهاب، والثاني شيخ قبيلة هو ابن سعود. كان الأول ابن أحد الوجهاء الدينيين في اتحاد تميم القبلي، وكان ينوي إصاح الإسام بشكل متشدد. أمّا الثاني، فكان زعيم قبيلة ضمن اتحاد عنيزة القبلي الكبير، وكان يسود على الدرعية التي كانت في ذلك الوقت قرية صغيرة في منطقة نجد في وسط شبه الجزيرة العربية. كان الأول بحاجة إلى دعم سياسي من الثاني لبدء إصاح نمط حياة البدو في نجد، ومعظمهم من الرحل، كما كان يطمح إلى نشر تلك الإصاحات على كامل أرض الإسام، بينما وجد الثاني في تلك النظرة المتشددة إلى الإسام الشرعية التي يحتاج إليها لإخضاع جميع العشائر المجاورة لسلطته حتى مكة والمدينة. لكن، يمكننا، بغية توضيح الفكرة، تغيير القارة والتوجه إلى أميركا الأندية (نسبة إلى جبال الأنديز) قبل وصول المحتلين الأوروبيين إليها. نعلم أن إمبراطورية الإنكا تشكلت فقط في القرن الثالث عشر، حين غادرت القبائل ذات الكيان الإثني الإنكا منطقتها واستولت على وادي كوزكو قبل أن تبدأ خال القرون التالية توسيع سلطتها حتى شمال الإكوادور، وكذلك باتجاه الجنوب حتى الحدود مع دولة تشيلي الحالية. لدينا هنا من جديد مثال على تشكّل دولة وإمبراطورية من طرف قبائل وكيانات إثنية تُخضع غيرها لسلطتها. انطاقًا من الأنماط الثقافية لتلك المجتمعات في تلك الحقبة، يصبح في استطاعتنا أن نفهم تحوّل زعيم الإنكا إلى إله حي بين بني البشر، لأن إنكا أعلن نفسه
ابن إله الشمس، وفرض عبادة الشمس في جميع مقاطعات الإمبراطورية. ولكن في سنة 1533، اختفت إمبراطورية الإنكا بعد أن أعدم الاسبان أتاهوالبا، آخر أباطرة الإنكا، واستولوا على كوزكو، عاصمة الإمبراطورية. يعطينا مثال الإنكا الفرصة لإبراز أحد العناصر التي تُميز كيانًا زعيمًا قبليًا مركزيًا من دولة، بل حتى من
إمبراطورية. يتمثّل هذا العنصر في ظهور فئة من الأشخاص الذين يديرون مقاطعات تابعة للدولة من دون أن تربطهم بالضرورة عاقات قرابة بالذين يحكمون الدولة والإمبراطورية. تشكّل هذه المجموعة
(25) Alexei Vassiliev, The History of Saudi Arabia (London: Saqi Books, 2009). (26) Danièle Lavallée et Luis Guillermo Lumbreras, Les Andes: De la Préhistoire aux Incas , l’univers des formes (Paris: Gallimard, 1985).
من الأشخاص في الواقع مرادفًا لما سُمّي بيروقراطية حين جرى التكلم على الإمبراطورية الصينية أو الإمبراطورية الرومانية أو أي شكل آخر من أشكال الدول والإمبراطوريات. شهد مسار التطور الثاني نشوء دول مدعومة من القبائل والكيانات الإثنية، لكنه أدى إلى اختفاء أو تهميش القبائل من الدول التي أقامتها. وفي نظرنا أن هناك ثاث مناطق في العالم تطورت فيها تلك الآلية، وهي الهند والصين وأوروبا القديمة. الأولى اجتاحتها قبل المياد بألف سنة قبائل هندية - إيرانية قامت تدريجيًا باستحداث شكل جديد من أشكال تنظيم المجتمع، هو نظام الطبقات الاجتماعية
المغلقة. تتربع على قمة هذا المجتمع طبقة البراهمان المؤهلة وحدها لإنجاز التضحيات للآلهة وإجراء الطقوس، وهي تهيمن دينيًا على جميع الطبقات الأخرى، لكنها لم تكن تملك القدرة على
الحكم، ولم يكن لها الحق في استخدام العنف ضد البشر. كان ذلك ملك طبقة الكشاتريا المؤلفة من مقاتلين ينبثق منهم الملوك (رادجا)، وقد حكم هؤلاء حوالى مئة مملكة منتشرة في القارة الهندية قبل وصول المغول، ومن بعدهم الإنكليز، إلى الهند. تحولت إذن القبائل الآرية على مر العصور إلى طبقات مغلقة، ودفعت نحو الجبال أعضاء القبائل الذين كانوا موجودين قبلها. وتحوّل هؤلاء بدورهم
إلى طبقات مغلقة أو استطاعوا الحفاظ على هويتهم، وتصنّفهم الحكومة الهندية حاليًا ضمن فئة
الطبقات الدنيا. هناك حالة أخرى من حالات اختفاء القبائل المرتبطة بتطور الدولة، وهي حالة الصين. ظهرت أولى الدول الصينية في حوالى الألف الثاني قبل المياد، وكانت مدعومة من جماعات إثنية وقبائل من شمال الصين. لكن ما إن تأسست الإمبراطورية الصينية سنة 122 قبل المياد، حتى اختفت القبائل داخل الإمبراطورية. ومع ذلك، كانت الإمبراطورية تواجه باستمرار على حدودها تهديد القبائل التي كانت تسمّيها «البرابرة». نحن نعلم، بحسب التصور الصيني للعالم، أن الصين موجودة في مركز العالم؛ إنها امبراطورية الوسط والمكان السامي للحضارة، وهي محاطة بصنفين من الشعوب هما
(27) John V. Murra: «On Inca Political Structure,» in: Verne F Ray, ed., Systems of Political Control and Bureaucracy in Human Societies; Proceedings (Seattle: American Ethnological Society, 1958), pp. 30-41, and Formaciones económicas y polí ticas del mundo andino , Historia andina; 3 (Lima: Instituto de Estudios Peruanos, 1975); Richard P. Schaedel, «Early State of the Incas,» in: Henri J. M. Claessen and Peter Skalník, eds., The Early State , New Babylon, Studies in the Social Sciences; 32 (The Hague: Mouton, 1978), pp. 289-320, and Craig Morris, «Inka Strategies of Incorporation and Governance,» in: Gary M. Feinman and Joyce Marcus, eds., Archaic States , School of American Research Advanced Seminar Series (Santa Fe, NM: School of American Research Press, 1998), pp. 293-309. (28) Gregory L. Possehl, «Sociocultural Complexity without the State: The Indus Civilization,» in: Feinman and Mar- cus, eds., pp. 261-291, and C. C. Lamberg-Karlovsky, «The Indus Civilization: The Case for Caste Formation,» in: Journal of East Asian Archaeology , vol. 1, no. 1 (1999), pp. 87-113. (29) Li Liu and Xingcan Chen, State Formation in Early China , Duckworth Debates in Archaeology (London: Duck- worth, 2003); Kwang-chih Chang [et al.], The Formation of Chinese Civilization: An Archaeological Perspective , Edited and with an Introduction by Sarah Allan; Foreword by Peter J. Ucko, Culture and Civilization of China (New Haven: Yale University Press, 2005), and Nicola Di Cosmo, Ancient China and its Enemies: The Rise of Nomadic Power in East Asian History (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2002).
«البرابرة المطبوخون»، أي الذين هم في طور اكتساب الطابع الصيني، و«البرابرة الخام»، أي جميع القبائل التي ينبغي إخضاعها يومًا ما وإكسابها الطابع الصيني. إذا حوّلنا نظرنا نحو اليابان، فإن آخر معركة ضد قبائل إينو لم تقع إلا في سنة 1789، وهذه القبائل هي
أول من سكن اليابان، وكان لقب «شوغن» يشير عند اليابانيين إلى زعيم الحرب الذي يقاتل «البرابرة». يتعلق المثال الأخير بتطور الدولة في أوروبا القديمة، وخاصة المدينة - الدولة اليونانية. اختار مورغان هذا المثال ليبيّن أن على الدولة كي تترسخ أن تحوّل القبائل القائمة على عاقات القرابة إلى قبائل
قائمة على أساس العاقة بالإقليم. كانت الإصاحات الشهيرة التي قام بها كليستين تهدف حقيقة إلى تشكيل قبائل جديدة تضم كلٌّ منها، وفي كل مرة، ثاثة عناصر مكوّنة من سكان الأتيك وبعض سكان
الساحل وبعض سكان مدينة أثينا وبعض الفاحين من الأتيك. انطاقًا من ذلك، لم تعد القبائل تضم أفرادًا ذوي صات قرابية وإنما مواطنين، أي أفرادًا أحرارًا يُعتبرون متساوين أمام القوانين التي وضعوها
لأنفسهم، وبالتالي أمام الدولة التي يشاركون في سيادتها. في حالة أثينا، كان لجميع المواطنين حصرًا
الحق في امتاك قطعة أرض في الأتيك، وتكريم آلهة أثينا في معابدها، وحمل الساح للدفاع عن المدينة. في التطور الاحق لأوروبا خال الإمبراطورية الرومانية، وبعدها الممالك الإقطاعية، اختفت بالتدريج المجموعات العشائرية التي شهدت على وجودها الغزوات الجرمانية أو السافية، لا ليحل محلها مواطنون، كما هي عليه الحال في أثينا أو روما، وإنما رعايا فقدوا سريعًا حق حمل الساح،
باستثناء النباء أو الذين عُيّنوا جنودًا. هذه هي النظرة الشاملة والمبسطة جدًا التي أردنا إعطاءها بشأن العاقات بين القبائل والدول. ولم نشأ في هذه المساهمة معالجة آليات ظهور الدولة، لكننا مع ذلك ألمحنا إلى مفهوم الغزو، وبالتالي إلى
مفهوم إخضاع الشعوب عبر الحروب. لكن كان هناك أيضًا آليات داخلية للمجتمعات بلورت أشكالً
من السلطة المركزية. في العصور القديمة تشكّلت الدول انطاقًا من المدن، وكانت أولى أشكال الدولة ك المدن - الدول بعدما سيطرت على الأرياف التي تمدها بالغذاء أو تهاجمها. ومن الأسباب التي حافظت على بقاء القبيلة أن نمط حياتها كان يتطلب أنظمة جماعية لاستخدام الأرض أو الماء، وضرورة بناء قوة عسكرية مشتركة كافية تدافع بها عن حقوقها. نحن ندرك أن أحد العوامل التي أضعفت المنظمات القبلية، من الداخل في حقب مختلفة ومنذ العصور القديمة، كان انتشار أشكال مختلفة من الملْكيات الفردية لأراضي وللموارد الأخرى الضرورية لإنتاج المجتمعات القبلية. بهذا الشكل تبدلت تدريجيًا قبائل العراق ومقاطعات أخرى في الإمبراطورية العثمانية نتيجة الإصاحات
التي أقدمت عليها هذه الأخيرة في القرن التاسع عشر، وخاصة حين أقر الباب العالي إلزامية تسجيل الأراضي القبلية وإعادة توزيعها بين الذين استثمروها خال عشر سنوات في مقابل دفع ضريبة
(30) Jaroslav Průšek, Chinese Statelets and the Northern Barbarians in the Period 1400-300 B.C. (Dordrecht: D. Reidel, 1971). (31) Walter Dostal, L’Univers du Mashreq: Essais d’anthropologie , éd. et préf. par Édouard Conte et André Gingrich; trad. de l’allemand par Isabelle de Lajarte et de l’anglais par Pierre-Emmanuel Dauzat; avec la collab. de Philippe Despoix et Valentine Meunier (Paris: Éd. de la Maison des sciences de l’homme, 2001), sur le droit coutumier tribal yéménite, pp. 161-212.
للدولة. فتح هذا الإصاح الباب على نظام الملْكية الخاصة الزراعية الذي اكتسب أهمية متزايدة مع وصول الإنكليز سنة 1918، وهو ما غير بشكل عميق العاقات الاجتماعية والسياسية والهرمية السائدة عند القبائل داخليًا وخارجيًا. وكانت إصاحات كهذه قد طاولت الملْكية واستخدام الأرض
مرات عدة خال التاريخ وفي مناطق أخرى، وشكّل ذلك كل مرة قوة أدت إلى الاختفاء الجزئي أو الكامل لانتماء القبلي عند الأفراد ومجموعاتهم العائلية، وكان للعالم المعاصر الدور في تضخيم وتيرة هذا النمط من التحول الاجتماعي وتسريعها. لنسترجع في الختام بعض النقاط للتشديد على أهميتها مرة أخرى. في البداية، نلفت الانتباه من جديد إلى حقيقة حيوية القبائل وإلى هذا النمط من تنظيم الحياة الاجتماعية. وما زال جزء من البشرية يتكاثر بحسب هذا النمط من الوجود الذي يفترض أن القبائل لا تزال تتمتع بنوع من السيادة على نفسها وعلى مواردها، وتستمر في إدارة شؤونها في مجالات متعددة من الحياة وفْق قوانينها أو عاداتها
الخاصة. يتبادر هنا السؤال الاستراتيجي الذي طُرح في فترات كثيرة ولا يزال يُطرح، وهو: كيف يمكن
توزيع السيادة بين القبيلة والدولة من دون إلغائها لدى أي طرف؟ إن مجتمعات كمجتمع اليمن أو أفغانستان تكافح الدولة فيها اليوم كي تثبت نفسها في مواجهة قوة القبائل. لكن ينبغي لنا أيضًا ألا نتوهم؛ فعلى الرغم من أن قبائل كثيرة كانت سببًا في قيام دول كثيرة، فإن عددًا
كبيرًا منها لم يتمكن من الاستمرار في البقاء إلا لأن هناك دولة تدعمها في هذا المجال. ومن النادر
جدًا اليوم أن نجد قبيلة مستقلة عن الدولة. تلك الحقيقة هي التي تدفعنا إلى الاعتقاد بأن خطأ الأميركيين الكبير الاستراتيجي والاجتماعي في العراق كان إلغاء الدولة ومؤسساتها في الوقت الذي ألغوا فيه نظام صدام حسين؛ فإن هذا هو ما جعل قبائل العراق تواجه قوة احتال من جهة وتواجه من جهة أخرى ضغط المجموعات الإسامية المتطرفة وتنظيم القاعدة. والمسألة في العراق تتمثّل حاليًا في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تغير
مجددًا عاقاتها بالقبيلة؛ فالدولة التي يراد إعادة بنائها لن تكون في أغلب الظن مرتكزة على حزب
سياسي واحد يحتكر إدارة الأمور كافة، ويترأسه أفراد العائلة المقربون من رئيس الدولة وأعضاء من القبائل التي ينتمي إليها هذا الأخير من جهتي الأب والأم، كما كانت عليه الحال في عهد نظام صدام حسين. الدولة الجديدة التي تجري إعادة بنائها الآن، مع ما يتسبب ذلك من ألم، ستكون دعامتها الصريحة جمعية وطنية مكونة من أعضاء مختارين عبر انتخابات حرة مبدئيًا، ويتمتعون على أساس
ذلك بحرّية التمثيل والدفاع عن مصالح مختلفة، سواء أكانت دينية أم قبلية أم إثنية أم غير ذلك. وفي
Maurice Godelier, Les Tribus dans l’histoire et face aux Etats (Paris::(لبحث هذه النقطة بشكل أعمق, ننصح بقراءة (3(CNRS éd., 2010). (33) Jean-Pierre Digard, «Jeux de structures: Segmentarité et pouvoir chez les nomades Baxtyâri d’Iran,» L’Homme , vol. 27, no. 102 (1987), pp. 12-53. (34) Elham M. Manea, «La Tribu et l’Etat au Yemen,» dans: Mondher Kilani, dir., Islam et changement social , avec le concours de Ahmed Benani, Moncef Djaziri et Hilary Kilpatrick, sciences humaines (Lausanne: Payot, 1998), pp.
(35) Philip S. Khoury and Joseph Kostiner, eds., Tribes and State Formation in the Middle East (Berkeley: University of California Press, 1990).
هذا السياق، سيكون للفرد العضو في القبيلة الفرصة والرغبة - من خال تصويته - بالقيام بخيارات لا يمليها عليه التضامن القبلي أو أي عامل آخر. ربما هذا ما يتبلور حاليًا في العراق الذي يواجه صعوبات جمة، لكن ليست نهائية، على طريق السير
في هذا الاتجاه. وكإشارة ضعيفة على حصول هذا، هناك حادثة ذكرها هشام داوود خال الانتخابات المحلية والمناطقية العراقية قبل الأخيرة في نهاية كانون الثاني/يناير 0092؛ إذ كان من المفترض أن تُبرز الانتخابات، بناء على طبيعتها المناطقية، دور القبائل في الحياة السياسية الوطنية، ولكن حدث شيء مختلف تمامًا عمّا كنا نتوقعه. إذا أخذنا، مثلً، الاتحاد القبلي الكبير لبني تميم الذي يعيش أغلب أفراده حول مدينة البصرة، ناحظ أن مزاحم التميمي، الذي هو شيخ المشايخ الكبير (ويسمّيه العراقيون شيخ العموم، أي شيخ جميع
المشايخ) لهذا الاتحاد الذي يضم 800.000 شخص موزعين بين 364 عشيرة، لم يحصل خال هذه الانتخابات سوى على أقل من 005 صوت. وكان هذا الرجل المرموق درس في أكاديمية أوكرانيا العسكرية، وكان رئيس أركان ساح البحرية في عهد صدام حسين، ويتقن العربية والإنكليزية والروسية، كما أنه درس القانون الإسامي. إنه بالمحصلة رجل ذو موهبة كبيرة ويشغل منصبًا له هيبته
وهو منصب شيخ المشايخ. ولكن الآن، أي في الدولة التعددية، أصبح للرجل والمرأة صوت يمكن التعبير عنه انتخابيًا بشكل حر وسري في صندوق الاقتراع، من دون أن تفرض عليه عشيرته أو دينه أو
أي نوع من الانتماء الاجتماعي الآخر خيارًا محددًا. إن هذه الانعطافة عبر التاريخ والأنثروبولوجيا لا تبعدنا عن الحاضر، لكنها تتيح لنا أن ندرك طبيعته وتعقيداته بشكل أفضل.