المعرفة الاستعمارية
Colonial Knowledge
الملخّص
يناقش بالَنتاين في هذه المقالة، كيف تحوّل الهم المعرفي الاستعماري من كونه حكرًا على علماء الاقتصاد والمؤرخين، ليطاول أعمال علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع وغيرهم من باحثي العلوم الإنسانية. وضمن هذا السياق، تتبوّأ الثقافة مكانة متنامية ودورًا متعاظمًا في الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. ويرى بالَنتاين أن كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد أساسي لفهم المعرفة كشكل من أشكال السلطة. وكان كلٌّ من ميشيل فوكو وإدوارد سعيد أول من أشار إلى ضرورة دراسة التابع في الدراسات الاستعمارية، فلم يعد باحثو الدراسات الاستعمارية يركّزون على دور النخب، بل أبدوا، وبصورة متنامية، اهتمامًا بتجارب المهمّشين من أجل فهم أشكال المقاومة، أو السلطة من الأسفل.
Abstract
** Tony Ballantyne is a Professor of History and Pro-Voce-Chancellor Humanities at the University of Otago in New Zealand.
**** Syrian Writer and Translator (1) Tony Ballantyne, «Colonial Knowledge,» in The British Empire: Themes and Perspectives , Edited by Sarah Stockwell (Malden, MA; Oxford: Blackwell Pub., 2008), 177-199.
- المعرفة الاستعمارية
- الاستشراق
- الثقافة
- التابع
- المقاومة
- الذاتية
- Orientalism
- Culture
- Colonial Knkowledge
- Subjectivity
Translated by: Thaer Deeb ****
ترجمة: ثائر ديب ***
ملخص: يناقش بالَنتاين في هذه المقالة، كيف تحوّل الهم المعرفي الاستعماري من كونه
حكرًا على علماء الاقتصاد والمؤرخين، ليطاول أعمال علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع
وغيرهم من باحثي العلوم الإنسانية. وضمن هذا السياق، تتبوّأ الثقافة مكانة متنامية ودورًا
متعاظمًا في الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. ويرى بال نتاين أن كتاب الاستشراق
لإدوارد سعيد أساسي لفهم المعرفة كشكل من أشكال السلطة. وكان كلٌّ من ميشيل فوكو وإدوارد سعيد أول من أشار إلى ضرورة دراسة التابع في الدراسات الاستعمارية، فلم يعد باحثو الدراسات الاستعمارية يركّزون على دور النخب، بل أبدوا، وبصورة متنامية، اهتمامًا
بتجارب المهمّشين من أجل فهم أشكال المقاومة، أو السلطة من الأسفل.
Abstract: Ballantyne discusses how knowledge about colonialism has moved away from being mainly the concern of economists and historians to becoming part of the works of anthropologists, sociologists, and others in the humanities. In this context, the role of culture increasingly occupies an important place in colonial and post-colonial studies. Ballantyne identifies the work of Edward Said on Orientalism as pivotal in considering knowledge as a form of power. Both Michel Foucault and Edward Said ushered in colonial studies the need to study the subaltern. No longer researchers of colonialism focused on the role of elites, but increasingly took the experiences of the marginalized into account in order to understand forms of resistance, or power from below.
تمَثلَ واحدٌ من أهم التحولات خلال العقدين الأخيرين من البحث في تاريخ الإمبراطورية
البريطانية في المكانة المركزية الجديدة التي احتلتها «المعرفة» بوصفها إشكالية تحليلية. ففي أوائل ثمانينيات القرن العشرين، كان التاريخ الإمبراطوري البريطاني حقل هامشيًا ضمن التاريخ
كفرع علمي. وخلال سبعينيات القرن العشرين وأوائل ثمانينياته، أحيا التاريخُ الاجتماعي «الجديد» التاريخَ البريطاني «المحلي» بإط قااه طرائق جديدة في الكتابة عن الماضي، ولا سيما تاريخ تلك الجماعات الاجتماعية ذات النفاذ المحدود إلى السلطة السياسية، مثل الأطفال والنساء والطبقة العاملة. وكان تأثير هذه المقاربات الجديدة ضئيل نسبيًا في دراسة الإمبراطورية التي بقيت منكبّة
على اختبار نظريات رونالد روبنسن (Robinson R.) وجون غالاهر (Gallaghar J.). وكانت أعمال روبنسن وغالاهر في خمسينيات القرن العشرين وستينياته بشأن الاقتصاديات الإمبريالية و«العقل
الرسمي» للإمبريالية البريطانية قد أحدثت تحول برادايميًا غير الإطار المفهومي للكتابة الأكاديمية
حول الإمبراطورية. وأبرزت الأجندة التي وضعاها مسائل التجارة والتنمية، وظهور بوادر القومية في أطراف الإمبراطورية، ودور الأزمات المحلية التي تعتري المحيط في دفع التوسع الإمبراطوري. منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين، راحت تتحدى هذا التقليد الراسخ في العمل على الإمبراطورية سلسلةٌ من المقاربات الجديدة التي نأت عن ميادين الاقتصاد والسياسات العليا لتركز على مسألة الثقافة. وصاغ باحثون من خلفيات علمية شتى - الدراسات الأدبية والأنثروبولوجيا ودراسات الجندر وتاريخ التعليم والجغرافيا وتاريخ الفن- متنًا من الأعمال أخذ يتسع ويتباين ويعيد تصور الإمبراطورية على نحوٍ جذري، قارئًا إياها بوصفها مشروعًا ثقافيًا. وفي الوقت ذاته، استخدم جيل جديد من مؤرخي
الثقافة متنًا نظريًا عابرًا للفروع العلمية في إعادتهم قراءة أرشيفات الإمبراطورية، مع تركيز خاص
على المكانة المركزية التي يحتلها الاخت ف الثقافي في بناء كلٍّ من الحكم الاستعماري والمخيلة
الإمبراطورية. ومثّل هذا «التاريخ الإمبراطوري الجديد» تحول عميقًا في الطريقة التي كان قد جرى بها تخيل السيطرة الاستعمارية وديناميات بناء الإمبراطورية؛ إذ وسعت حساسيته الثقافية إحساسنا بماهية الاستعمار، فلم يعد مقتصرًا على توسيع النفوذ السياسي غير الرسمي، أو إقامة سيطرة اقتصادية، أو
تأمين السيادة، بل بات مجموعة من العلاقات غير المتناظرة، وهي علاقات أوسع كثيرًا وتقوم على رغبة
المستعمِر في بسط سيطرته على المجتمع المستعمَر، وموارده الطبيعية والبشرية، وأشكاله الثقافية. هكذا باتت «المعرفة الاستعمارية» – أي تلك المعرفة التي أ نتجَت بشكلها ومحتواها من خ لاا
استغلال الموارد والتجارة والفتح، والاستعمار وعادت لتمكن من القيام بذلك كله- في قلب العمل على تاريخ الإمبراطورية البريطانية. وما تتفحصه هذه المقالة هو تطور هذه الإشكالية التحليلية والطرائق التي غيرت بها ضروب فهمنا لطبيعة الحكم الاستعماري ونتائجه. كما أنها تعرض لظهور «المعرفة الاستعمارية» بوصفها موضوع استقصاء، ملقيةً الضوء على بعض نقاط الخ ف والتباين الأساسية في تأريخ ذلك، ومتتبعةً ما لهذه «المعرفة الاستعمارية» من قيمة مختلفة خارج جنوب آسيا، ومتفحصةً الصلات بين المعرفة الاستعمارية والفهم التاريخي لطبيعة الدول الاستعمارية وبناء الهوية ضمن الإمبراطورية.
نشوء المعرفة الاستعمارية I: الاستشراق والمعرفة الاستعمارية
في سنة 1978، نشر الناقد الأدبي النافذ إدوارد سعيد كتابه الاستشراق، وهو تحليل بديع ومتين للتمثيلات الغربية ل«الشرق» (العالم الإس مااي، وجنوب آسيا وشرقها) ودور هذه التمثيلات في كلٍّ
من تبرير السيطرة الإمبراطورية الأوروبية وتحديد طبيعة أوروبا ذاتها. ورأى سعيد أن الاستشراق عَمِلَ
كنظام لإنتاج المعرفة فأنتج سلسلة من التقابلات التراتبية بين «الغرب» و«الشرق»؛ تقابلات أتاحت للغرب تأكيد تفوقه وسيطرته على المجتمعات «الشرقية». ومع أن كثيرًا من موضوعات الاستشراق
كان قد ورد في دراسة ريموند شواب (Schwab R.) عن «النهضة الشرقية» في الفكر الغربي، وتناولتها أبحاث ما بعد الحرب بشأن دور الأيديولوجيا في تشكيل الإدارة الاستعمارية والأصول الاستعمارية للأنثربولوجيا، فإن سعيدًا جمع هذه المشاغل معًا بطريقة جديدة ومستفزة. وكان لإلحاحه على
سلطة التمثيل وتواطؤ هذا التمثيل مع المشاريع الإمبراطورية الغربية أن يغيرا على نحو جذري فهمنا لكلٍّ من الترجمة والإنتاج الأدبي وتاريخ التعليم في المجتمعات المستعمرَة. وبإبراز عمل سعيد
التمثيل بوصفه الوجه الأساسي ل مإإبريالية، أعاد توجيه دراسات الإمبراطورية باتجاه المواجهات
الثقافية، مُرخِيًا قبضة روبنسن وغالاهر (وتلاميذهما) المُحكَمة على دراسات الماضي الإمبراطورية.
وفي أعقاب سعيد، بات إنتاج المعرفة ونشرها يشغلان موقعًا مركزيًا متزايدًا في صوغ الفهم العلمي
للإمبريالية، كما أنهما باتا محوريين في الإدراك المتنامي أن الاستعمار ليس مجرد مسألة فتحٍ عسكري،
أو توسيع للسيادة، أو سيطرة اقتصادية، بل هو أيضًا مشروع ثقافي معقد. على الرغم من مسارعة الباحثين في ثمانينيات القرن العشرين إلى اختبار قوة أطروحة سعيد في كثير من المناطق المستعمرَة سابقًا، فإن المنطقة التي أبدى كتاب الاستشراقحيالها أشد النفوذ في تأريخها
هي جنوب آسيا. وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين، برزت مسألة المعرفة الاستعمارية بوصفها ملمحًا أساسيًا من م مااح الميدان التحليلي الخاص بدراسات جنوب آسيا. وتمثّلت إحدى أولى
علامات هذا التحول في مقالة مهمة لرونالد إند (Inden R.) المختص البارز بجنوب آسيا، نُشرَت ن
في سنة 1986 وأطلقت حِجاجًا طوره لاحقًا في دراسته التي نشرها في سنة 1990 بعنوان تخيل الهند.
تتبّع إندن روح النص السعيدي كي يطلق نقدًا متينًا للتقليد الأوروبي في الدراسات الهندية، أي تلك
الدراسات الأكاديمية للنصوص الهندية، والديانة الهندية، والمجتمع الهندي. ورأى أن الدراسات الهندية أنتجت فهمًا لجنوب آسيا يؤكد أن «جوهر الحضارة الهندية هو عكس جوهر الغرب تمامًا.»
وأشار إلى أن اخت ف الهند تحدد بالشاغلين الرئيسيين اللذين شغ الدراسات الهندية: «الطائفة الطبقية» (caste) و«الهندوسية». ورأى أن هاتين المقولتين نجمتا بصورة رئيسية عن الشواغل الغربية،
(2) Edward W. Said, Orientalism (Harmondsworth; New York: [s. n.], 1978). (3) Raymond Schwab, La Renaissance orientale: La Découverte du sanscrit, le siècle des écritures déchiffrées, l'avènement de l'humanisme intégral, grandes figures d'orientalistes , préface de Louis Renou, bibliothèque historique (Paris: Payot, 1950); Talal Asad, Anthropology and the Colonial Encounter (London: Ithaca Press, 1973); Ranajit Guha, A Rule of Property for Bengal; an Essay on the Idea of Permanent Settlement, monde d'outre-mer, passé et présent, première série, études; 19 (Paris: Mouton, 1963), and Eric Stokes, The English Utilitarians and India (Oxford: Clarendon Press, 1959).
وعملتا دليلً على التخلف الهندي المفترض. وفي الوقت ذاته، اغتنم الباحثون الأدبيون ما أتاحه عمل سعيد من فرص لإعادة تقييم النصوص الاستعمارية وما للدراسات الأدبية بوصفها فرعًا علميًا من
تاريخ إمبراطوري. وسارت الناقدة والمنظّرة غواري فيسواناثان (Viswanathan G.) على خطى سعيد في السعي إلى اعتبار أن قوة الاستعمار تقوم في ميدان الثقافة. ورأى كتابهاMasks of Conquest (أقنعة الفتح) أن الدولة الاستعمارية في الهند جندت الدراسات الأدبية وفكرة الأدب ذاتها بوصفها وسيلة فاعلة من وسائل الضبط الاجتماعي ومعقل القوة الإمبراطورية. ومنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، راح المسؤولون الكبار ينظرون إلى الأدب الإنكليزي بوصفه قوة حاسمة في إعادة صوغ «طابع» الهنود وأداة أيديولوجية ناجعة صممتها دولة استعمارية قلقة لاحتواء أي ميل إلى التمرد من طرف المستعمَرين. الأهم من ذلك هو أن عمل سعيد وفر مجموعة مهمة من الأدوات الفكرية لجماعة «المجتمعات الثانوية» (Studies Subaltern) التي تشكلت في تلك الفترة، ولم يقتصر عملها على تحدي القراءات القارة لتاريخ جنوب آسيا، بل كان له أيضًا أثر عميق في البحث في العلوم الإنسانية عمومًا. وكانت هذه الجماعة قد ظهرت ردًا على الأزمة التي ضربت الدولة الهندية في سبعينيات القرن العشرين وراحت تفكك الحساسيات النخبوية المميزة للنماذج التاريخية التي تطورت في ظل الاستعمار البريطاني والنخبة البرجوازية الهندية على السواء. وفي حين كانت فكرة أنطونيو غرامشي عن «المجتمعات الثانوية» أساسية في المجلدات الأولى من دراسات التابعالتي أصدرتها الجماعة، صار استخدام سعيد لعمل ميشيل فوكو عن القوة/المعرفة ونقده الخاص لتمثيل الغرب للشرق، محك ا مهمًا على
نحو متزايد أيضًا. وكما قال بارتا شاترجي (Chatterjee:)P.
كان الاستشراقذلك الكتاب الذي تكلم على أشياء لطالما شعرت أنني أعرفها من دون أن أجد اللغة التي أصوغها بها على نحو واضح. ومثل كثير من الكتب العظيمة، بدا كأنه يقول أول مرة ما أراد المرء قوله على الدوام.
بات تأثير سعيد وفوكو في مشروع «المجتمعات الثانوية» ملحوظ ا منذ حوالى المجلد الخامس (الذي
نُشِر سنة 1987)، حين بدأ بعض أعضاء الجماعة يضع أبحاثه في تاريخ الجسد وقوة التمثيل في
(4) Ronald Inden: «Orientalist Constructions of India,» Modern Asian Studies 20, no. 3 (1986), 402, and Imagining India (Oxford, UK; Cambridge, MA: Basil Blackwell, 1990). (5) Gauri Viswanathan, Masks of Conquest: Literary Study and British Rule in India , Social Foundations of Aesthetic Forms Series (New York: Columbia University Press, 1989). (6) Ranajit Guha: Introduction to A Subaltern Studies Reader, 1986-1995 , Edited by Ranajit Guha (Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1997), ix-xxii, and «On Some Aspects of the Historiography of Colonial India,» in Subaltern Studies, I: Writings on South Asian History and Society , Edited by Ranajit Guha (Delhi; New York: Oxford University Press, 1982), 1-8. (7) Partha Chatterjee, «Their Own Words?: An Essay for Edward Said,» in Edward Said: A Critical Reader , Edited by Michael Sprinker (Oxford, UK; Cambridge, USA: Blackwell, 1992), 194.
إطار مصطلحات سعيدية وفوكوية واضحة. وعَكسَ هذا الاهتمام بعمل فوكو على أنظمة المعرفة
الانعطافة الثقافية الأوسع ضمن أبحاث العلوم الإنسانية على الصعيد الدولي، إضافةً إلى إدراك أن الم جئ والسجون والمشافي يمكن أن تكون مواقع واعدة يُكشَف فيها سعي الدولة الاستعمارية
إلى بسط سلطة أنظمة المعرفة الغربية على الرعايا الهنود. لكن علينا أن نُدرك أيضًا أن التأثير الخاص لعمل سعيد في جنوب آسيا كان نتاج خصوصية التاريخ الاستعماري للمنطقة، ونتاج السؤال الملح
الذي واجهه باحثو التاريخ الهندي: كيف استطاعت مجموعة صغيرة من البريتونيين أن تُدم ج الهند في الشبكات التجارية البريطانية وأن تستعمر في النهاية معظم جنوب آسيا؟ نشوء المعرفة الاستعماريةII: القوة والمعرفة في دراسات جنوب آسيا تناول هذا الموضوع في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته باحثون في عدد من الفروع المعرفية.
ومن الشخصيات الرئيسية هنا المترجمة النافذة، والناقد الأدبية، والمنظ رة غاياتري شاكرافورتي سبيفاك (Spivak Ch. G.) التي ألحت في مقالة رائدة كتبتها في سنة 1985 على أن الأرشيفات الاستعمارية كانت نتاج «المصالح التجارية/الإقليمية لشركة الهند الشرقية». تفحصت سبيفاك في هذه المقالة طبيعة المعرفة الاستعمارية من خلال تأمل نقدي في بحثها في الأرشيف المتعلق بزوجة حاكم ولاية سيرمور، وهي ولاية جبلية صغيرة في ما يُعرَف الآن باسم هيماشال براديش. وكما أوضحت سبيفاك،
فإن زوجة حاكم سيرمور لا تظهر في الأرشيفات الاستعمارية «إلا حين تدعو الحاجة إليها في فضاء الإنتاج الإمبراطوري». وتشير سبيفاك إلى أن تغييب زوجة الحاكم عن الأرشيف معناه أن استعادة ذاتيات نساء جنوب آسيا من السجل الاستعماري هي مهمة مستحيلة. إن استنتاج سبيفاك أن ليس في وسع المجتمعات الثانوية الك ماا أثبت أنه محل خ ف شديد وأثار كثيرًا من الأدبيات المتعارضة. ولعل التعقيب الأهم على استكشاف سبيفاك للجندر والثانوية هو عمل
لاتا ماني (Mani L.) عن الساتي (حرق الأرملة). وفي حين تعترف ماني بأهمية عمل سبيفاك، فإنها تحذّر من قراءة نقاشها بوصفه مجموعة من «الاستنتاجات في شأن الخطاب الاستعماري عمومًا»،
بدلً من استخدامه بوصفه نقطة انط ق لقراءة مكثفة للروايات المعاصرة عن الساتي. وتعيد ماني بناء الجدالات الحادة بين المبشرين الإنجيليين وموظفي الدولة والإصلاحيين الذكور المحليين حول الأساس الديني لهذه التقاليد المتواصلة. وترى أن هذه الضروب من التبادل تمحو الذاتية الأنثوية عمومًا، إذ تغدو النساء «أسس» جدال في طبيعة العادة والحداثة. وفي حين أن تحليل ماني يتبع
سبيفاك إلى حد الإقرار باستحالة أي استعادة تامة للذاتية الأنثوية، فإنه يشير أيضًا إلى أن قراءة مدققة للنصوص الاستعمارية يمكن أن تزعزع الافتراضات الجوهرية التي تنطوي عليها روايات شهود العيان
(8) Vinayak Chaturvedi, Introduction to Mapping Subaltern Studies and the Postcolonial , Edited and Introduced by Vinayak Chaturvedi, Mapping (London: Verso, 2000), xi, and Sumit Sarkar, «Orientalism Revisited: Saidian Frameworks in the Writing of Modern Indian History,» Oxford Literary Review 16, no. 1 (July 1994), 205-224. (9) Gayatri Chakravorty Spivak, «The Rani of Sirmur: An Essay in Reading the Archives,» History and Theory 24, no. 3 (October 1985), 263, 266 and 270.
الذكور. وتردّ ماني أفعال المقاومة إلى التقنيات القسرية التي غالبًا ما مكنت من قيام الساتي، كما
تلقي الضوء على الروايات الطارئة التي تبذر الاضطراب في الخطابات الرسمية من خ لاا التركيز على الألم الجسدي والانفعالي المُنزَل بالنساء. ومثل هذه السرديات تفضح، بل تمزق «القصص»
الأساسية حول الساتي، خصوصًا تمثيله السائد بوصفه «فعل إخ ص للزوج الراحل مستلهمًا من
الدين». ومن المهم بالمثل أن ماني تحدد الطرائق التي أ جيزت بها النخبة المحلية الذكورية بوصفها خبراء ضمن المنظومة الاستعمارية من خ لاا جدالات حول الساتي. وكانت السلطات البريطانية قد وضعت البانْديت والبراهمان موضع «مساءلة متواصلة وغريزية»، وصاغ البريطانيون - انط قااًا من آرائهم وتأوي تااهم المتنافسة - رؤية منظمة جديدة ل «التراث» بوصفه أساس السياسة الاستعمارية. ولا بد من وضع هذا «الحض على الخطاب» الموجه إلى «السلطات» الذكورية قبالة كتم الأصوات الأنثوية في الأرشيفات الاستعمارية، بغية كشف الديناميات المجندرة في جوهرها التي صاغت بناء المعرفة وصناعة السياسة البريطانيتين. وهذه الإشكالية التي بذرت سبيفاك وماني بذورها في الأرشيف الاستعماري باتت مرجِعًا أساسيًا لمؤرخات الإمبراطورية النسويات اللواتي عملن على توثيق تاريخ
النساء المستعمَرات كما أعدن بناء ديناميات قيام الإمبراطورية. لم تكتف الباحثات النسويات بطرح
مسألة العواقب الثقافية التي تترتب على المعرفة الاستعمارية، بل سعين إلى تبيان الطرائق التي أنتج بها الحكم الاستعماري فهمًا جديدًا وقواعد جديدة للجندر في المجال الاستعماري. وأقام الأنثربولوجيون،
خصوصًا أولئك الذين انكبوا على تاريخ الأشكال الثقافية الأساسية للتحليل الأنثروبولوجي، محورًا
حاسمًا آخرَ من محاور هذا العمل. كان الأبرز هنا عمل برنارد كوهن (Cohen B.) الذي دشن
منظورًا جديدًا بشأن مكانة المعرفة في البنى السياسية التي أقامها البريطانيون في الهند. ومنذ أواخر
خمسينيات القرن العشرين، تفحص كوهين البنى المؤسسية والنصية والثقافية التي صاغت فهم الدولة الاستعمارية لمجتمع جنوب آسيا. وفي مقالات رائدة تتعلق بالمنظومة القانونية الاستعمارية وتعداد السكان وتطور الفهم الغربي للمجتمع الهندي، حلل كوهن تنازع المنظومتين المعرفيتين البريطانية والجنوب الآسيوية والدور المركزي الذي أداه الفهم الغربية للمجتمع الهندي في تأمين السيطرة الاستعمارية.
(10) Lata Mani, «Cultural Theory, Colonial Texts: Reading Eyewitness Accounts of Widow-Burning,» in Cultural Studies , Edited, and with an Introduction, by Lawrence Grossberg, Cary Nelson, and Paula A. Treichler; with Linda Baughman and Assistance from John Macgregor Wise (New York: Routledge, 1992), 396 and 403. (11) Antoinette Burton, «Archive Stories: Gender in the Making of Imperial and Colonial Histories,» in Gender and Empire , Edited by Philippa Levine, Oxford History of the British Empire Companion Series (Oxford; New York: Oxford University Press, 2004). (12) Bernard S. Cohn: «From Indian Status to British Contract,» Journal of Economic History 21, no. 4 (December 1961); «Some Notes on Law and Change in North India,» Economic Development and Cultural Change 8, no. 1 (1959); «Notes on the History of the Study on Indian Society and Culture,» in Structure and Change in Indian Society , Edited by Milton Singer and Bernard S. Cohn, Viking Fund Publications in Anthropology; no. 47 (Chicago: Aldine Pub. Co., 1968), and «The Census, Social Structure and Objectification in South Asia,» in An Anthropologist Among the Historians and Other Essays , by Bernard S. Cohn; with an Introduction by Ranajit Guha, Oxford India Paperbacks (Delhi; New York: Oxford University Press, 1987).
وسّع كوهن هذه النقاشات في دراسته النافذة التي صدرت سنة 1996 بعنوان and its Colonialism
Forms of Knowledge (الاستعمار وأشكال معرفته). ووضع في هذه المجموعة من المقالات تطور الدولة الاستعمارية في الهند ضمن ديناميات أوسع من بناء الدولة القومية الحديثة. ورأى أن الدول القومية تستند إلى مجموعة مبتكرة من العمليات الإدارية التي تعرف الجماعات وتواريخها وتضع قواعدها وتتحكم بها. وهذه الممارسات الدولية التي ترتكز إلى إنتاج المعرفة وتنظيمها، تختلف بعمق عن «مسرح القوة» الذي شكل الدول والمجتمعات ما قبل الحديثة. ففي حين قامت سلطة الإمبراطور المغولي على «مسرحٍ للقوة» قائم على الشعائر والمشهديات، تقوم سلطة الدولة الاستعمارية على قدرتها على تنسيق معرفتها بالمجالات والثقافات المحلية وتقطيرها في خرائط، وقواعد نحوية، وسنن قانونية، وإحصاءات. وكان لهذه العمليات أن تقتلع الكلمات، والمنتوجات الفنية، والهويات الهندية من سياقها المحلي وتصوغها في متون معرفية جديدة تخدم حاجات البريطانيين، من دون أن يعود لها وثيق صلة بالوقائع المحلية. هكذا أتاحت أشكال المعرفة الجديدة التي أنتجتها شركة الهند الشرقية - مثل قواعد اللغات الجنوب الآسيوية ومعاجمها التي كانت ضرورية لعمل الحكم الاستعماري اليومي- للبريطانيين أن يتسيدوا على الأشكال الثقافية المحلية، ومكّنتهم من غزو «الفضاء المعرفي » للهند وفتحه. ويعرف كوهن، في كتابه الاستعمار وأشكال معرفته، ما رآه بأنه «وجهات الاستقصاء» الأساسية الست الضرورية لعمل السلطة الاستعمارية: التأريخ، الملاحظة/الرحلة، المسح، التعداد،
المتحف، المراقبة. وبتفحص كوهن هذه الوجهات الست في مقالات حول تاريخ القانون واللغة والمتاحف والملابس، افتتح ميدانًا ثقافيًا شاسعًا للتحليل وقدّم مثال آسرًا على مركزية الثقافة بوصفها
مشكلة تحليلية في دراسة الاستعمار. كان نيكولاس ديركس رائدًا في توسعة هذه النظرة إلى الاستعمار بوصفه مشروعًا ثقافيًا. ورأى في
مقدمته لكتاب «الاستعمار وأشكال معرفته» أنه:
لم يُدرَك على نحوٍ كافٍ أن الاستعمار هو ذاته مشروع ثقافي للسيطرة. فالمعرفة الاستعمارية مكنت للفتح الذي أنتجها بدوره؛ والمعرفة، من نواحٍ مهمة، هي كل ما يدور حوله الاستعمار.
وهذه المعرفة التي خلقت مقولات وتناقضات جديدة بين المستعمِرين والمستعمَرين، الأوروبيين والآسيويين، الحديث والتقليدي، الغرب والشرق أعادت بناء الأشكال الثقافية في المجتمعات المصنفة حديثًا على أنها «تقليدية» وغيرتها. وبحكم الهند من خ لاا استخراج قواعد لغاته المحلية، وبتمثيله من خلال التضلع من آثاره ونصوصه الدينية وعرضها، أطلقت بريطانيا في كل مكان تحولات كان لها من القوة ما للعواقب المعروفة التي نجمت عن الإمبريالية العسكرية والاقتصادية.
(13) Bernard S. Cohn, Colonialism and its Forms of Knowledge: The British in India (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996). (14) Nicholas B. Dirks, Foreword to Colonialism and its Forms of Knowledge , ix.
تركزَ قَدرٌ كبير من أعمال ديركس على إنتاج الأرشيفات، ومجموعات المعارف الخرائطية، واللغوية،
والإثنوغرافية، والتاريخية التي صاغتها الدولة الاستعمارية وموظفوها. وقدم ديرك حججًا قوية من
أجل عدم اعتبار هذه الأشياء مجرد مستودعات تُسجل بنية الهند وتاريخها، إذ إنها الأساس ذاته الذي تقوم عليه السيطرة البريطانية في جنوب آسيا.
نشوء المعرفة الاستعماريةIII: الجدال حول المعرفة الاستعمارية والانعطافة الثقافية
يبقى صحيحًا أن إعادة بناء السيرورات التي أنتجتْ من خلالها المعرفةُ الاستعمارية السيطرةَ الفعلية
على الأرض (أو أعادت تشكيل الوقائع الاجتماعية المحلية) لم تحظ بجهد كبير، ضمن هذا البحث
الجديد، قياسًا بالجهد الذي بُذ لَ في تفكيك النصوص الاستعمارية. ولا شك أيضًا في أن هذا
الإلحاح على إنتاج المعرفة أدى إلى إعادة تصور جذرية للقوة الإمبراطورية. وما يوحد هذا المجموعة من الأعمال على المعرفة الاستعمارية هو لجوؤها إلى تعليقات سعيد وفوكو النقدية على الصلات بين القوة والمعرفة وتشديدها العام على أن الاستعمار وأنظمته المعرفية المميزة يمثلان قطعًا عميقًا
في تاريخ جنوب آسيا. وقد اتسمت هذه المحاولات الرامية إلى تغيير نظرية الكتابة عن الماضي الإمبراطوري وممارستها بالسجالية الشديدة. والأهم من ذلك أن ممارسي التاريخ الاجتماعي وضعوا موضع المساءلة ما يجري من انعطاف باتجاه الثقافة وأبدوا مخاوفهم حيال قدرة الأعمال التي تتناول المعرفة الاستعمارية على تفسير بنى السيطرة التي صاغت الحياة في جنوب آسيا. وفي انتقاد كل من روزاليندا أوهانلون وديفيد واشبروك استخدام جيان براكاش (Prakash G.) عمل سعيد ومشروع «المجتمعات الثانوية» الأوسع، لم يكتفيا بتسليط الضوء على التوترات النظرية التي ينطوي عليها عمل جماعة «دراسات التابع»، بل بلغ بهما الأمر حد إعادة التشديد أيضًا على أولوية الفهم المادي الأبكر للطائفة الطبقية وعلى ما يتسم به «التاريخ الاجتماعي» من قوة تحليلية. وثمة حاجة إلى قراءة هذا النقاش بوصفه جزءًا من النزاع الأوسع ضمن فرع التاريخ ذي «الانعطافة الثقافية». وما سعى
إليه واشبروك وأوهانلون هو تعزيز لغة النقد الموروثة من التاريخ الاجتماعي ذي الميل الماركسي، وبذلك كانا يتحديان ما اعتبراه آثارًا نازعةً للسياسة يتسم بها العمل على «التمثيل» و«الهوية». ويجب
أن ندرك أنهما أخضعا هذا الموقف لمراقبتهما في اللحظة التي كان يجري فيها تحدي التقاليد البريطانية في التاريخ الاجتماعي وإعادة تفعيلها من طرف باحثين مهتمين بفهم الطبقة من خلال اللغة والرمز بدلً من الاعتماد على أنماط التحليل التي تركز على التقاطع بين الاقتصاد والسياسة. ومؤخرًا،
راجع واشبروك «نظرية الخطاب الاستعماري» وأنحى باللائمة على «التحول من التاريخ ‹الاجتماعي›
(15) Nicholas B. Dirks: «The Policing of Tradition: Colonialism and Anthropology in Southern India,» Comparative Studies in Society and History 39, no. 1 (January 1997), 182-212, and The Hollow Crown: Ethnohistory of an Indian Kingdom , Cambridge South Asian Studies (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1987). (16) Rosalind O'Hanlon and David Washbrook, «After Orientalism: Culture, Criticism, and Politics in the Third World,» Comparative Studies in Society and History 34, no. 1 (January 1992), 141-167.
إلى التاريخ ‹الثقافي›»، وهو ما يعني ضياع «مفهومي الطبقة ورأس المال». وعند واشبروك أن
الانعطافة الثقافية لا تقتصر على ترك الحرمان والفقر من دون تفسير، بل تتعدى ذلك إلى كونها في آنٍ معًا نتاج تغريب المثقفين الجنوب الآسيويين وانعكاسًا لهذا التغريب. ويشير واشبروك إلى أن نظرية
الخطاب الاستعماري أتاحت للمهاجرين النخبويين «العالم ثالثيين» في الغرب أن يكونوا مؤولين لأوطانهم ذوي امتياز: حيث غدت نظرية ما بعد الاستعمار، فعليًا، «آلية جديدة للإمبريالية في عصر
الرأسمالية العولمية المتعددة الثقافات». وبصورة أخص، فإن واشبروك الذي يجهل قوة التقاليد ما بعد الاستعمارية الأفريقية والأسترالية وفي منطقة المحيط الهادي التي لم تحظ إلا بأدنى الدعم من
الأكاديمية الأميركية، يشير إلى أن نظرية ما بعد الاستعمار تَس مُ أمْركَة العلوم الإنسانية؛ ذلك أن اهتمامَ
هذه العلوم بالثقافة والإثنية والخطاب يسم طبيعتها الأميركية المزعومة. وما تعنيه قوة التناقضات التي يرسمها واشبروك بين التاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي، وبين الطبقة والإثنية، هو أن من الأفضل قراءة «المجتمع» و«الثقافة» بوصفهما جزءًا من جدال عبر الأطلسي حول مستقبل العلوم
الإنسانية غالبًا ما كان جدالً حاميًا. كذلك أفصح عن انتقاداتٍ للانعطافة الثقافية في دراسة الإمبراطورية مختصون أميركيون بجنوب آسيا. وفي «تشريحٍ» ل«المجتمعات الثانوية»، أثار ريتشارد إيتن بعض النقاط المهمة في شأن اهتمامات
جماعة «دراسات التابع» الموضوعاتية والتاريخية. لكن نقد إيتن ل«ما بعد الحداثة» التي تتصف بها جماعة الدراسات الثقافية رمى في المقام الأول إلى إعادة تأكيد السلطة التأويلية للتاريخ؛ فهو يرفض التحول صوب المعرفة والخطاب بوصفه نقلةً من «توجه وضعي وتجريبي إلى توجه قائم فعليًا في
نقد أدبي يختفي وراء يافطة هلامية غامضة: «الدراسات الثقافية». وفي رأيه أن العمل على المعرفة والخطاب هو أقرب إلى الدراسات الثقافية منه إلى التاريخ، ويعتبر الدراسات الثقافية فرعًا «نظريًا»،
يفتقر إلى ما نجده لدى التاريخ من «تقاليد» منهجية راسخة. ويرى إيتن، في هذا الصدد، أن مساءلة
الأرشيف الاستعماري كانت وخيمة على نحو خاص، إذ أحدثت تغييرًا ملحوظ ا في أنساق بحث
الماضي والكتابة عنه:
شهدت ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، بالفعل، هبوط ا حادًا عن مستويات العقود السابقة
في عدد المؤرخين الذين تقدموا بطلبات لدعمهم أو السماح لهم في إجراء أبحاث فيالمُفَصل؛
أي في أرشيفات المنطقة، والمكتبات المحلية، والمجموعات الخاصة، وسجلات الزمندار (الضرائب والرسوم)، وما إلى ذلك. ومعظم هؤلاء انتهوا في لندن، وقلة منهم انتهوا في أرشيفات
الولاية أو أرشيفات الدولة في الهند، ليدرسوا السجلات الاستعمارية التي أُخضعت عندئذٍ لتحليل الخطاب.
(17) D. A. Washbrook, «Orients and Occidents: Colonial Discourse Theory and the Historiography of the British Empire,» in The Oxford History of the British Empire, Vol. 5: Historiography , Edited by Robin W. Winks (Oxford: Oxford University Press, 1999), 608-609. (18) Ibid. (19) Richard Eaton, «(Re)imag(in)ing Otherness: A Postmortem for the Postmodern in India,» Journal of World History 11, no. 1 (2000), 60.
لكن دراسة المعرفة الاستعمارية لم تكن ميدان الأنثروبولوجيين والباحثين الأدبيين والباحثين في برامج دراسات المرأة فحسب. هناك قطاع آخر من البحث الذي يتخذ الأرشيفات أساسًا له وينتمي
إلى التقليد البريطاني في التاريخ الإمبراطوري استكشف الع قااات بين القوة والمعرفة، وكان من بين أهم أعماله عمل سي. أ. بايلي. وبخ ف الميل الفوكوي في المجلدات الأخيرة من دراسات التابعوفي كتاب كوهن «الاستعمار وأشكال معرفته »، يقدم كتاب بايلي Information Empire and (الإمبراطورية والمعلومات) قراءةً في الاستعمار تحبك معًا ك من التاريخ الاجتماعي والثقافي.
ويعتمد الإطار التحليلي في هذا الكتاب على استكشافات حديثة في علم اجتماع المعرفة. ومن المهم على نحو خاص هنا استكشاف مانويل كاستيلز مكانة تكنولوجيا المعلومات في تشكيلات القرن التاسع عشر الاجتماعية. ويسير بايلي على خطى كاستيلز في إلحاحه على أن التعليم وتكنولوجيا المعلومات والجماعات المعرفية أمور أساسية لأي فهم للتغيير الاجتماعي، فيعتبر دراسته استكشافًا
ل «نظام المعلومات» في الهند الاستعمارية. وقد تُرْج مَ هذا الاهتمام بالبنى التي أنتجت المعلومات
وصاغت الحياة الفكرية الهندية إلى عناية وثيقة بحجم التعلم المحلي ومعناه، والأنساق المحلية لتجمع الإنتلجنسيا، وقوة تقاليد الفكر الراسخة، والمكانة المتبدلة لخبراء المعرفة، وتأثير التكنولوجيات الجديدة (خصوصًا الطباعة). يضع بايلي صعود شركة الهند الشرقية سدة السلطة في سياق اشتباكها
مع هذه البنى والتقاليد الجنوب الآسيوية، مشددًا على جهد الشركة في «جعل» ذلك كله في خدمة
الدولة الاستعمارية (وسوف نناقش ذلك مزيدًا من النقاش أدناه). وهو يتتبع أيضًا المواجهات بين
التقاليد المعرفية الغربية والهندية، مسلط ا الضوء على الطبيعة المديدة والواسعة لهذه الاشتباكات العابرة للثقافات. هكذا، في حين أشار كوهن إلى أن المعرفة الاستعمارية كانت أساسية للهيمنة البريطانية وأنها همشت التقاليد المحلية وغيرت الهويات الجنوب الآسيوية بلا رجعة، رأى بايلي أن
الجماعات المتعلمة والقادة الدينيين والمصلحين الاجتماعيين في جنوب آسيا كانوا قادرين على قَولَبة المعرفة الاستعمارية ومنازعتها، وهذه رؤية تتفق كثيرًا مع اللوحة التي نجدها في عمل أوجين إرشيك
على المواجهة الاستعمارية في تاميل نادو. وكان عمل بالي حافزًا مهمًا لأعمال صدرت مؤخرًا
ورسمت أبعاد «نظام معلومات» إمبراطوري واسع، ومن بين هذه الأعمال قراءتي للمعرفة الإمبراطورية بين سنتي 1760 و 1850، وتفحص آلان ليستر شبكات المعرفة الإنسانوية، ودراسة زوي ليدلو ثورة المعلومات في الحكم الاستعماري، ودراسة سيمون بوتر تطور نظام الطباعة الإمبراطوري.
(20) C. A. Bayly, Empire and Information: Intelligence Gathering and Social Communication in India, 1780-1870, Cambridge Studies in Indian History and Society; 1 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1996). (21) Eugene F. Irschick, Dialogue and History: Constructing South India, 1795-1895 (Berkeley, CA: University of California Press, 1994). (22) Tony Ballantyne, «Empire, knowledge, and Culture: From Proto-Globalization to Modern Globalization,» in Globalization in World History , Edited by A.G. Hopkins (London: Pimlico, 2002); Zoë Laidlaw, Colonial Connections 1815-45: Patronage, the Information Revolution and Colonial Government (Manchester, UK; New York: Manchester University Press, 2005); Alan Lester, Imperial Networks: Creating Identities in Nineteenth-Century South Africa and Britain (London; New York: Routledge, 2001), and Simon James Potter, News and the British World: The Emergence of an Imperial Press System, 1876-1922 , Oxford Historical Monographs (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 2003).
نشوء المعرفة الاستعماريةIV: «المعرفة الاستعمارية» خارج التأريخ الهندي
من الواضح تمامًا أن الجدال بشأن «المعرفة الاستعمارية» ساعد على تطور مقاربات جديدة للماضي
الاستعماري، خصوصًا ضمن السياق الجنوب الآسيوي. لكن من المهم أن ندرك أن إشكالية «المعرفة
الاستعمارية» ليس لها القيمة ذاتها خارج جنوب آسيا. ويعكس هذا كلرًّ من الطبيعة المتنوعة للاستعما ذاته والمسارات الفكرية والظروف السياسية المختلفة جدًا التي أحاطت بضروب التأريخ الاستعماري الأخرى. وعلى سبيل المثال، فإن الهجمة المتأخرة نسبيًا للحكم الأوروبي الواسع النطاق في أفريقيا
وجهت البحث باتجاه مجموعة مختلفة تمامًا من الشواغل؛ ففي حين ركز المؤرخون في جنوب آسيا
على مشروع الدولة الاستعمارية كي يصفوا الاختلاف الثقافي، ويحصوه، وينظموه على طول محوري الطائفة الطبقية والدين، نجد أن مثل هذه المشاريع لم تكن أساسية للحكم البريطاني الإمبراطوري في أفريقيا. وكما لاحظ فريديريك كوبر، فإن رؤى الحداثة الاستعمارية القائمة على هذا النموذج
الهندي لا تنطبق جيدًا على أفريقيا، حيث لم يُجرِ البريطانيون، مث، تعدادًا للشعب الأصلي في
كينيا حتى سنة 1948. ويرى المختصون بأفريقيا أن مشروع الدولة الاستعمارية يقوم بقوة على سعيها إلى فتح البيئات الأفريقية وتطويرها. والأهم من ذلك أن المؤرخين الأفارقة ركزوا على ضروب الفهم والتكنولوجيات الطبية الجديدة التي مكنت القوى الأوروبية في النهاية من استعمار أفريقيا الاستوائية واستيطانها. وركز واحد من سبُل البحث المتعلقة بهذا على الطرائق التي عملت بها البنى
الاجتماعية، والمؤسسات السياسية، والأنساق الاقتصادية الجديدة التي عززتها الأنظمة الاستعمارية على إعادة صوغ البيئات المحلية والأساس المادي للحياة اليومية في أفريقيا. وهذا التأريخ للطب والبيئة واظب على العودة إلى الص ت بين الأنظمة الاستعمارية والاستراتيجيات التنموية التي
استكشفتها الدول ما بعد الاستعمارية، متأمل في الأهمية الجارية التي للجدالات الفكرية والسياسية حول أثر تصفية الاستعمار والسبيل الأمثل للتنمية. كما كانت مسألة قوة الدولة هذه في قلب إعادة التوكيد المهمة لمكانة الأرشيف في بناء سيطرة بيضاء في جنوب أفريقيا وعلى جهاز إنتاج المعرفة القوي الذي بناه نظام الأبارتيد.
(23) Frederick Cooper, Colonialism in Question: Theory, Knowledge, History (Berkeley: University of California Press, 2005), 143. (24) Philip D. Curtin, «The End of the «White Man's Grave"? Nineteenth-Century Mortality in West Africa,» Journal of Interdisciplinary History 21, no. 1 (Summer 1990), and Michael Jennings, «This Mysterious and Intangible Enemy: Health and Disease amongst the Early UMCA Missionaries, 1860-1918,» Social History of Medicine 15, no. 1 (April 2002). (25) C. A. Conte, «Colonial Science and Ecological Change: Tanzania's Mlalo Basin, 1888-1946,» Environmental History 4, no. 2 (1999); Megan Vaughan, The Story of an African Famine: Gender and Famine in Twentieth-Century Malawi (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1987), and William Wolmer and Ian Scoones, «The Science of 'Civilized' Agriculture: The Mixed Farming Discourse in Zimbabwe,» African Affairs 99, no. 397 (October 2000). (26) Christophe Bonneuil, «Development as Experiment: Science and State Building in Late Colonial and Postcolonial Africa, 1930-1970,» Osiris 15: Nature and Empire: Science and the Colonial Enterprise (2000). (27) Carolyn Hamilton [et al.], eds., Refiguring the Archive (Cape Town, South Africa: David Philip; Dordrecht, Netherlands: Kluwer Academic Publishers, 2002), and Helena Pohlandt-McCormick, «In Good Hands: Researching the 1976 Soweto Uprising in the State Archives of South Africa,» in Archive Stories: Facts, Fictions, and the Writing of History , Edited by Antoinette Burton (Durham, NC: Duke University Press, 2005).
في المستعمرات الاستيطانية السابقة، كندا وأستراليا ونيوزيلندا، تناولت متون مهمة من البحث التاريخي دور إنتاج المعرفة في التمكين ل ستعمار، خصوصًا دور الاستكشاف ورسم الخرائط
وسرديات الرحالة في ج ءاا المشاهد المحلية وجعلها مناسبة لاستيطان البيض. وفي حين تناول بعض هذا العمل إشكالية المعرفة/القوة عند فوكو، عكس بعضه الآخر المكانة المركزية التي تحتلها الأرض بالنسبة إلى الاقتصاد السياسي ل ستعمار الاستيطاني. وكانت المسائل المتعلقة بحقوق الأرض والسيطرة على الموارد عمومًا في قلب السياسة في أستراليا وكندا ونيوزيلندا خلال العقدين
الماضيين، وقام المؤرخون بدور بارز في القضايا القانونية التي أطلقتها رغبة الجماعات الأصلية في ترسيخ حقوقها وتأكيدها. وفي هذا السياق، بذل المؤرخون جهدًا كبيرًا في تقييم خصائص الروايات
الشفوية الأصلية وصدقيتها. وتبنى عدد من المؤرخين الإمكانات التي وفرها الاستخدام الحذر لأشكال شتى من الشهادة الشفوية في اختبار طرائق جديدة في سرد المواجهة الاستعمارية، في محاولة منهم للتوصل إلى شكلٍ من الممارسة التاريخية تتأمل ذاتها وتعمل على تصفية الاستعمار في آن معًا. ومن الأشياء البارزة على هذا الصعيد مجاورة جَمْعُ جوديت بيني (Binney J.) روايات
الماوري الشفوية إلى نصوص الباكيها (المستوطنين) المكتوبة كي تقدم ضروبًا غنية التركيب من
إعادة تقييم المواجهة الاستعمارية في نيوزيلندا. ويعكس هذا النوع من العمل تداخل مثمرًا بين
المقاربتين الأنثروبولوجية والتاريخية للاستعمار، في نوع من الحوار متعدد التخصصات كان الدافع وراء العمل الأساسي الذي قدمه نيكولاس توماس بشأن المعرفة والإمبراطورية في المحيط الهادي. تمثّل المتن البحثي الآخر الذي ساهم في البروز الجديد للمعرفة الاستعمارية في دراسة العلم والإمبراطورية. فحتى ثمانينيات القرن العشرين، لم ينل العلم إلا أهمية ضئيلة في التاريخ الإمبراطوري؛
(28) Giselle Byrnes, Boundary Markers: Land Surveying and the Colonisation of New Zealand (Wellington, NZ: Bridget Williams Books, 2001); Daniel Wright Clayton, Islands of Truth: The Imperial Fashioning of Vancouver Island (Vancouver, BC: UBC Press, 2000); Cole Harris, The Resettlement of British Columbia: Essays on Colonialism and Geographical Change , with Cartography by Eric Leinberger (Vancouver, BC: UBC Press, 1997); Elizabeth Vibert, Traders' Tales: Narratives of Cultural Encounters in the Columbia Plateau, 1807-1846 (Norman: University of Oklahoma Press, 1997), and Paul Carter: The Road to Botany Bay: An Essay in Spatial History (London; Boston: Faber and Faber, 1987), and The Lie of the Land (London; Boston: Faber and Faber, 1996). (29) Diane Bell, «Cross Cultural Confusions: Indigenous Traditions, Legal Confrontations and Ethnographic Uncertainties,» Australian Cultural History 18 (1999); Heather Goodall, «Aboriginal History and the Politics of Information Control,» in Memories and Dreams: Reflections on Twentieth Century Australia , Edited by Penny Russell and Richard White (St Leonards, NSW: Allen and Unwin, 1997), and Adele Perry, «The Colonial Archive on Trial: Possession, Dispossession, and History in Delgamuukw v. British Columbia,» in Archive Stories: Facts, Fictions. (30) Judith Binney, Redemption Songs: A Life of Te Kooti Arikirangi Te Turuki (Auckland, NZ: Auckland University Press; Bridget Williams Books, 1995); Deborah Bird Rose, Hidden Histories: Black Stories from Victoria River Downs, Humbert River, and Wave Hill Stations (Canberra: Aboriginal Studies Press, 1991), and Jeffrey Sissons, Te Waimana: The Spring of Mana: Tūhoe History and the Colonial Encounter , Whenua Series; no. 6 (Dunedin, NZ: University of Otago Press, 1991). (31) Nicholas Thomas: Colonialism's Culture: Anthropology, Travel, and Government (Oxford: Polity Press, 1994), and Entangled Objects: Exchange, Material Culture, and Colonialism in the Pacific (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991).
ففي ستينيات القرن العشرين، سلط جورج باسالا الضوء على أهمية الإمبراطوريات في نشر العلم الغربي، وخلال العقد التالي أو نحوه تتبع عدد من مؤرخي المستعمرات السابقة تطور التقاليد العلمية
الوطنية منذ بداياتها الاستعمارية. ولكن كان يُنظ ر إلى العلم عادة على أنه ذو أهمية ضئيلة في الفهم
التاريخي للإمبراطورية البريطانية. وتحدت هذا التهميش دراستان مهمتان نُشرتا في ثمانينيات القرن العشرين، وهما لدانييل هيدريك (Headrick D.) ومايكل أداس، أوضحتا أهمية العلم والتكنولوجيا في التمكين لإمبريالية القرن التاسع عشر الجديدة وشددتا على السلطة الرمزية للعلم كعلامة على السيطرة الغربية. وفي الوقت ذاته، تحدت أعمال جديدة النموذج الانتشاري البسيط الذي أسبغه
باسالا على العلم الغربي. وتبرز بين هذه الأعمال دراسات لروي ماكليود عن كلٍّ من الع لم البريطاني والأسترالي أكد فيها الأهمية الجوهرية للعلم في المشروع الإمبراطوري وقدم نموذجًا أعقد في تناول
«عمارة» العلم الإمبراطوري. ثمة تأريخ ضخم ومتقن للعلم الاستعماري تطور منذ بداية تسعينيات القرن العشرين؛ ففي جنوب آسيا
مثلً، حرر بارتا شاترجي مجموعة رائدة من المقالات تناولت كيف أُرسيت الحقول الخطابية وتقاليد الفروع العلمية في البنغال الاستعمارية. واستكشف ماثيو إيدني أحد هذه الفروع الاستعمارية الأساسية، ألا وهو علم الخرائط، ضمن تاريخٍ تناول دور المسح في الحم ت العسكرية وتقدير
الضرائب وإبراز «الهند» كوحدة سياسية موحدة. وثمة متن مهم من البحث استكشف أيضًا تطور العلم الاستعماري في المحيط الهادي، مبديًا اهتمامًا خاصًا بالشبكات العلمية ودور الفضاءات
الإمبراطورية التي فتحها الاستكشاف الإمبراطوري في تدعيم سلطة فروع علمية بازغة مثل علم النبات والإثنوغرافيا. ومما له أهمية خاصة هنا هو العمل على رحلات المحيط الهادي التي قام بها جيمس كوك (Cook J.) والدور المحوري لجوزف بانكس (Banks J.)، عالم الطبيعة في رحلة كوك الأولى،
(32) George Basalla, «The Spread of Western Science: A Three-Stage Model Describes the Introduction of Modern Science into any non-European Nation,» Science 156, no. 3775 (1967); Michael E. Hoare, Reform in New Zealand Science, 1880-1926 , Cook Lecture; 3 (Melbourne: Hawthorn Press, 1976), and Richard A. Jarrell and Norman R. Ball, eds., Science, Technology, and Canadian History: The First Conference on the Study of the History of Canadian Science and Technology, Kingston, Ontario = Les Sciences, la technologie et l'histoire canadienne: Premier congrès sur l'histoire des sciences et de la technologie canadiennes (Waterloo, Ont.: Wilfred Laurier University Press, 1980). (33) Michael Adas, Machines as the Measure of Men: Science, Technology, and Ideologies of Western Dominance , Cornell Studies in Comparative History (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1989), and Daniel R. Headrick: The Tools of Empire: Technology and European Imperialism in the Nineteenth Century (Oxford; New York: Oxford University Press, 1981), and The Tentacles of Progress: Technology Transfer in the Age of Imperialism, 1850-1940 (Oxford; New York: Oxford University Press, 1988). (34) Roy MacLeod: «On Visiting the 'Moving Metropolis': Reflections on the Architecture of Imperial Science,» Historical Records of Australian Science 5, no. 3 (1982), and «From Imperial to National Science,» in The Commonwealth of Science: ANZAAS and the Scientific Enterprise in Australasia, 1888-1988 , Edited by Roy MacLeod (Melbourne; Auckland, NZ: Oxford University Press, 1988). (35) Partha Chatterjee, ed., Texts of Power: Emerging Disciplines in Colonial Bengal (Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1995). (36) Matthew H. Edney, Mapping an Empire: The Geographical Construction of British India, 1765-1843 (Chicago, Ill.: University of Chicago Press, 1997).
في تنسيق العلم الإمبراطوري البريطاني في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. ويحظى الطب أيضًا بحيز واسع في الأعمال الجديدة التي تتناول العلم الاستعماري، وثمة أهمية خاصة هنا لعمل ديفيد أرنولد Colonizing the Body (استعمار الجسد) الذي يتفحص بناء منظومة متينة للطب العلمي جندتها الدولة الاستعمارية في الهند. وهو يلح، في افتراق عن مقاربة فوكو للسلطة الحيوية، على قدرة الجنوب الآسيويين على مقاومة السلطة المرتبطة بالطب الغربي. وتتخذ ميغان فون مسار استقصاء مماثلً بالنسبة إلى أفريقيا، وهي تعرض لتطور الطب الاستعماري وتسلط الضوء على التوتر بين ما يزعمه من حياد علمي وانغماسه العميق في بنى السيطرة الإمبراطورية. ويقدم كتابها Curing their Ills (مداواة عللهم) قراءةً مدققة لمجال الطب الاستعماري بأكمله -من الطب النفسي إلى معالجة الأمراض التناسلية- موثقًا الدور المحوري الذي أداه الطب والأطباء في إنتاج الفهم الاستعماري للشعوب الأفريقية. ولكن، لعل البيان الأقوى للصلة بين العلم والطب والسلطة الإمبراطورية هو ما أفصح عنه شيلدون واطس في تاريخه الجامع للإمبراطوريات والأوبئة الذي اعتبر الطب أساسيًا لممارسة القوة الإمبراطورية البريطانية على المسرح العالمي. يعمد قَدْر كبير من العمل الجديد على العلم الاستعماري إلى التشكيك بصورة العلم الغربي الكلي القدرة التي قدمها باحثون مثل واطس. ويتحدى ريتشارد غروف الصور النمطية السائدة للعلم بوصفه عاملً من عوامل القسوة والعنف في التطور الرأسمالي الباكر، حيث يسلط الضوء على دور الإمبراطوريات الحاسم في قيام الأشكال الأولى من الفكر البيئي. ويلح باحثون آخرون على قدرة الشعوب المستعمَرة على الاشتباك مع العلم الغربي ومنازعته. ويسجل كتاب بايلي «الإمبراطورية
والمعلومات » اشتباك النخب الجنوب الآسيوية مع الأشكال الغربية لعلم الفلك والجغرافيا، كما يتفحص مايكل دودسن، بالروحية ذاتها، قدرة البانديت الهنود على الحد من انتشار أشكال المعرفة الجديدة التي قدمها المبشرون ومصلحو التعليم البريطانيون للجنوب الآسيويين. وأبعد من جنوب
(37) Tony Ballantyne, ed., Science, Empire and the European Exploration of the Pacific , Pacific World; v. 6. Collected Studies (Aldershot, England; Burlington, VT: Ashgate, 2004); Sujit Sivasundaram, Nature and the Godly Empire: Science and Evangelical Mission in the Pacific, 1795-1850 , Cambridge Social and Cultural Histories; 7 (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2005), and John Gascoigne, Science in the Service of Empire: Joseph Banks, the British State and the Uses of Science in the Age of Revolution (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 1998). (38) David Arnold, Colonizing the Body: State Medicine and Epidemic Disease in Nineteenth-Century India (Berkeley, CA: University of California Press, 1993). (39) Megan Vaughan, Curing their Ills: Colonial Power and African Illness (Cambridge, UK: Polity Press, 1991). (40) Sheldon Watts, Epidemics and History: Disease, Power, and Imperialism (New Haven, Conn.: Yale University Press, 1997). (41) Richard H. Grove: Green Imperialism: Colonial Expansion, Tropical Island Edens, and the Origins of Environmentalism, 1600-1860 , Studies in Environment and History (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1995), and Ecology, Climate, and Empire: Colonialism and Global Environmental History, 1400-1940 (Cambridge, UK: White Horse Press, 1997). (42) Bayly, Empire and Information , 247-314, and Michael S. Dodson: «Re-Presented for the Pandits: James Ballantyne, ʻUseful Knowledge,ʼ and Sanskrit Scholarship in Benares College during the Mid-Nineteenth Century,» Modern Asian Studies 36, no. 2 (May 2002), and «Translating Science, Translating Empire: The Power of Language in Colonial North India,» Comparative Studies in Society and History 47, no. 4 (October 2005).
آسيا، استكشف مايكل برافو قوة علم الخرائط في الأسكيمو، وعمدت مساهمات متعددة في سلسلة تاريخ علم الخرائطالمعروفة إلى إلقاء الضوء على استمرار الفهم غير الغربي للفضاء في ظل الحكم الاستعماري. وثمة باحثون آخرون، ولا سيما كافيتا فيليبس وجيان براكاش، أكدوا الطرائق التي تُرجم بها العلم الغربي وتشابك مع الإبستيمولوجيات المحلية، كي ينتج نوعًا من الحداثة «الخليط»
أو «البديلة". هكذا، غدا العلم شاغل أساسيًا في التاريخ الإمبراطوري، الأمر الذي يبرز من جديد
على أفضل وجه في عمل ريتشارد درايتن Nature’s Government (حكومة الطبيعة) الذي يتناول الدور المتغير للعلم في تحقيق غايات «الارتقاء» باسم الإمبراطورية. عندما تُجمَع معًا هذه التواريخ المتباعدة - التي تتناول جنوب آسيا، والإمبريالية في أفريقيا، ومكانة
المعرفة المحلية في المستعمرات الاستيطانية السابقة، وتاريخ العلم والطب الاستعماريين- يتضح تمامًا أن كلً من القضايا السياسية المحلية والاتجاهات الواسعة في أبحاث العلوم الإنسانية جعلت
أرشيفات الإمبراطورية إشكاليةً على نحو عميق. فعلى الرغم من اللغات التحليلية والاهتمامات التأريخية المختلفة التي نجدها في الأدبيات التاريخية التي تتناول هذه المستعمرات السابقة، يوضح ما يزيد على العقدين من البحث أن المصادر التي يستخدمها المؤرخون عادة – من السجلات الحكومية إلى الصور الفوتوغرافية، ومن المخطوطات إلى الصحف، ومن أرشيفات المحاكم إلى الخرائط- ليست مجرد مصادر شفافة يمكن النفاذ من خلالها إلى الماضي الاستعماري، بل تساهم هي ذاتها في
ضروب عدم التكافؤ التي يشتمل عليها النظام الإمبراطوري. هكذا أُعيد تصور المستودعات الأرشيفية، والمكتبات، والمتاحف بوصفها مواقع تنتجها القوة ومشبعة بالقوة في آن معًا. وإذا ما كانت هذه هي
طبيعة أرشيف الاستعمار، فكيف يجب أن يُقرأ؟ ما المنظورات التي أ بْرِزَت وما المجموعات التي
مُيزَت ضمن الأرشيفات الاستعمارية؟ والأهم من ذلك، من الذين أُقصوا، وما الأصوات التي أُسكِتت،
والمجموعات والأفراد الذين اختُزلوا إلى مجرد آثار زائلة وشذرات نصية معزولة؟ هذه الضروب من الأسئلة تتقاسمها على نحو متزايد مجموعة من التواريخ الاستعمارية المختلفة.
المعرفة والفتح
تبقى العلاقة الدقيقة بين المعرفة والقوة الاستعمارية محل جدال. وعلى الرغم من تركيز مجموعة من الباحثين على دور الدولة الاستعمارية في إنتاج المعرفة، يبقى مهمًا إلقاء الضوء على التباعد الجوهري
(43) Michael T. Bravo, The Accuracy of Ethnoscience: A Study of Inuit Cartography and Cross-Cultural Commensurability, Manchester Papers in Social Anthropology; no. 2 (Manchester, England: Dept. of Social Anthropology, University of Manchester, 1996), and David Woodward and G. Malcolm Lewis, eds., The History of Cartography, Volume 2, Book 3, Cartography in the Traditional African, American, Arctic, Australian, and Pacific Societies (Chicago: University of Chicago Press, 1998). (44) Kavita Philip, Civilizing Natures: Race, Resources, and Modernity in Colonial South India (New Brunswick, NJ: Rutgers University Press, 2004), and Gyan Prakash, Another Reason: Science and the Imagination of Modern India (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999). (45) Richard Harry Drayton, Nature's Government: Science, Imperial Britain, and the 'Improvement' of the World (New Haven: Yale University Press, 2000).
بين القراءات الأنثروبولوجية ما بعد الاستعمارية للمعرفة الاستعمارية وأعمال باحثين مهتمين بالتاريخ الطويل لقيام الدول والنخب الجنوب الآسيوية بإنتاج المعرفة. وتتقاسم معظم الدراسات التي قدمتها جماعة «دراسات التابع» وكذلك أعمال كوهن وديركس وسبيفاك وماني إلحاحًا مشتركًا على كل
من جِدة أشكال المعرفة التي رعتها الدولة الاستعمارية وما تتسم به من قوة كبيرة. لكن وجهة النظر
هذه تبقى إشكالية. فالأمر لا يقتصر على أن هذه الأعمال ذات الميل الأنثروبولوجي لم تُبد كبير اهتمام بالسيرورات التي تأمنت من خ لااها سلطة هذه المعرفة، بل يتعدى ذلك إلى استخفافها عمومًا بالمنظومات المعرفية للهند الحديثة الباكرة، وبالطرائق المعقدة التي اشتبكت بها الدولة
الاستعمارية مع هذه الأشكال من المعرفة. وفي مقالة مهمة تعود إلى سنة 1993، قدّم عالم السنسكريتية شيلدون بولوك نقدًا قويًا للزعم القائل إن الاستعمار «لم ينتج سوى أشكال معينة
من السيطرة فحسب»، وألح على ضرورة الاهتمام بقوة الفئات الاجتماعية وأشكال السيطرة الاجتماعية السابقة على الاستعمار. وألقى الضوء على مراحل أبكر في تاريخ جنوب آسيا (مثل القرنين الحادي عشر والثاني عشر) رعى فيها حكام أقوياء إنتاج نصوص قدمت رؤى هادية في ما يخص النظام الاجتماعي وكان لها وزن أيديولوجي معتَبر. كما أشار بولوك إلى أن تناول ماني الساتييقوم على رؤية مبتورة ل نإإتاج النصي تجاهلت أهمية «نصية تراتبية» كانت قد رسخت سلطة أشكال نخبوية معينة من المعرفة قبل مجيء الحكم البريطاني. ورأى بولوك أن خطابات القوة المحلية «تقاطعت» مع خطابات الدولة الاستعمارية في الجدالات الدائرة حولالساتي، وأن مثل هذه الحالات عززت قدرة شركة الهند الشرقية على ترسيخ سيطرتها في جنوب آسيا. كانت المواجهات بين ممارسات الدولة المغولية وممارسات الدولة البريطانية شاغً حاسمًا
أيضًا لكتاب بايلي «الإمبراطورية والمعلومات» الذي يتناول ما قامت به شركة الهند الشرقية من
تصفية التقاليد المعرفية الجنوب آسيوية، وتكييفها، وجَعلِها أخيرًا في خدمة المصالح البريطانية.
ومع أن نيكولاس ديركس هاجم إلحاح بايلي على قدرة الهنود على صوغ المعرفة الاستعمارية ومنازعتها، فإن متنًا متناميًا من العمل بدأ يستكشف الطرائق التي واصلت بها النصوص
والهويات وبنى القوة التي أطرت الحياة الفكرية والسياسية قبل الاستعمار صَوغ التغيير
الاجتماعي والثقافي خ لاا الحكم البريطاني في القرن التاسع عشر. وقاد بولوك نفسه فريقًا بحثيًا طور فهمنا لهذه اللحظات الانتقالية بتناوله ازدهار المعرفة السنسكريتية بين سنتي 1550
و 1750، والسيرورات المعقدة التي أضعفت سلطتها بعد رسوخ القوة البريطانية عند متقلب القرن التاسع عشر.
(46) Sheldon Pollock, «Deep Orientalism? Notes on Sanskrit and Power beyond the Raj,» in Orientalism and the Postcolonial Predicament: Perspectives on South Asia , Edited by Carol A. Breckenridge and Peter van der Veer, South Asia Seminar Series (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1993), 97 and 99-101. (47) Sheldon Pollock: «Introduction: Working Papers on Sanskrit Knowledge-Systems on the Eve of Colonialism,» Journal of Indian Philosophy 30, no. 5 (October 2002), and «The Death of Sanskrit,» Comparative Studies in Society and History 43, no. 2 (April 2001).
لا يكفي أن نستكشف التقاطعات بين أشكال المعرفة قبل الاستعمارية والاستعمارية، بل نحتاج أن ندرك أيضًا حدود المعرفة الاستعمارية. فحتى حين مارست الدول الاستعمارية قدرًا كبيرًا من القوة في
فرض حدود سياسية جديدة، وإعادة توجيه الاقتصادات المحلية، والإعلاء من شأن أشكال جديدة من المعرفة، وبناء أنظمة مراقبة جديدة، لم تكن هذه السيطرة كلية. ويبين بايلي في كتابه «الإمبراطورية والمعلومات» عجز الشركة عن تطوير مخابرات موثوقة توجه عملياتها العسكرية على أطراف إمبراطوريتها الهندية. ولدى قيامها بحملات في النيبال (1816-1814)، وبورما (1826-1824)، وعلى الحدود الشمالية الغربية (1842-1838)، لم يكن لدى جيش الشركة سوى معلومات هزيلة ومبعثرة توجه حركاته، ولم يستطع أن يحكم قبضته على الجيوش والمجتمعات التي شن حم تااه عليها. وعكست ضروب الفشل هذه خصوصيات «أنظمة المعلومات» المحلية التي تطورت أبعد من سهول الهند، وكذلك عجز الشركة عن إيجاد نقاط اشتباك مؤسسية أو خطابية مع منظومات المعلومات هذه. وفي حين لم يقم بعض الأعمال ما بعد السعيدية بإرساء الص ت بين إنتاج المعرفة واشتغال السلطة الاستعمارية، فإن عمل بايلي يبقى التقييم الأغنى والأدق للص ت بين المعرفة وممارسة القوة الاستعمارية. أكدت الأعمال الصادرة مؤخرًا بشأن التاريخ العسكري في جنوب آسيا، ولا سيما دراسة راندولف
كوبر لحملات شركة الهند الشرقية، المهاراتا، وأكد عمل دوغ س بِيْرس عن الثقافة الفكرية لجيش
الشركة، أهمية إنتاج المعرفة في نجاحات الشركة العسكرية وإخفاقاتها. وأعاد مايكل سيلفيستري، بالروحية ذاتها، بناء ما بذلته الشرطة الهندية من جهد في رعاية شبكات الاستخبارات، واعتماد الدولة الاستعمارية المتواصل على رعاياها الهنود في ما يخص المعلومات، والحدود الفعلية لحفظ الأمن الاستعماري. وتتبّع د. ك لاهيري شودري، استنادًا إلى فكرة بايلي عن «ذعر المعلومات»، ك
من تطور شبكات الاتصالات التي كانت أساسية لقوة الدولة الاستعمارية وضروب قلق المسؤولين الاستعماريين حيال عجزهم عن تحصيل معلومات موثوقة بصدد السياسات المحلية والحركات المناهضة للاستعمار. إن نقاط ضعف المعرفة الاستعمارية لم تظهر فقط في الإخفاقات المشهودة التي منيت بها حملات الشركة على حدودها الشمالية أو في ذعر المعلومات الذي أطلق شراراته اكتشاف حركات ثورية مناهضة ثورية ل ستعمار. ثمة متن بحثي صغير لكنه موحٍ راح يكشف الفضاءات الاجتماعية
المحلية المعقدة التي بقيت بعيدة عن متناول المعرفة الاستعمارية. وسجل بايلي نفسه مكابدات
(48) Randolf G. S. Cooper, The Anglo-Maratha Campaigns and the Contest for India: The Struggle for Control of the South Asian Military Economy (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2003), and Douglas M. Peers, «Colonial Knowledge and the Military in India, 1780–1860,» Journal of Imperial and Commonwealth History 33, no.
(49) Michael Silvestri, «The Thrill of 'Simply Dressing Up': The Indian Police, Disguise, and IntelligenceWork in Colonial India,» Journal of Colonialism and Colonial History 2, no. 2 (Fall 2001). (50) D. K. Lahiri Choudhury, «Sinews of Panic and the Nerves of Empire: The Imagined State's Entanglement with Information Panic, India c. 1880-1912,» Modern Asian Studies 38, no. 4 (October 2004).
الشركة للتوصل إلى معرفة ذات قيمة تنتجها وتنشرها أحاديث النساء في عزلة الزينانا (الحرملك)، وحركة الطواشي بين العالمين الخاص والعام لبلاطات جنوب آسيا، والآراء والمعلومات التي كانت تُلتَقط من ثرثرات البازار. وركز باحثون آخرون على الطرائق التي عكست بها الشائعات حدود القوة الاستعمارية وأنتجت مقاومة ضد الحكم الاستعماري. وبيّن مارتن سوكفيلد، على سبيل المثال، قوة
الإشاعة في وضع جيلجيت إيجنسي في ياغستان، غرب الهمالايا، موضع تساؤل. وثمة شائعات تحدت السلطة البريطانية في المنطقة خ لاا الحرب العالمية الأولى ووضعت موقع بريطانيا كقوة عالمية موضع التساؤل. ومما أفزع البريطانيين أن الشائعات المتواصلة كانت تشير إلى أن القيصر الألماني تحول إلى الإسلام وضم قواته إلى قوات الخليفة التركي للجهاد ضد الحكم البريطاني. ويشير سوكفيلد إلى أن «تدفق الشائعات المتعددة الاتجاهات المتواصل» في ياغستان كان عنصرًا رئيسيًا بين
العناصر التي حالت دون أن يضرب الحكم الكونيالي بجذور عميقة في المنطقة. ورأى كلٌّ من هومي بابا وراناجيت جحا إلى الشائعة على أنها أساسية في المواجهة السياسية للنظام الاستعماري، واعتبراها تجسيدات لضروب القلق التي انتابت الدولة الاستعمارية التي كانت مسيطرة لكنها لم تكن مهيمنة قط. صدر بعض أهم الأعمال التي تناولت الشائعة لا عن الهند البريطانية، بل عن تأريخ الاستعمار في أفريقيا. ومثل عمل سوكفيلد بشأن ياغستان، أوضح جورج ل. سيمسن الابن كيف كشفت الشائعات هزال السلطة البريطانية في المحمية الأفريقية الشرقية بين سنتي 1915 و 1918. تتبّع سيمسن مصاعب
المديرين البريطانيين في فهم المجتمع الذي يسيطرون عليه، وألقى الضوء على سريان الشائعات التي تخيلت سلسلة من التحالفات والانتفاضات المناهضة للاستعمار. وتتعلق هذه الشائعات بحركة قادة محليين مختلفين، وصدامات بين جماعات إثنية مختلفة، وبتنامي التمردات ضد السلطة البريطانية، الأمر الذي أحدث قلقًا شديدًا وكشف القبضة المتراخية التي قبض بها البريطانيون على السياسة المحلية. والأهم من ذلك ما بيّنته لويز وايت من قيمة استخدام الشائعات في حل النزاعات الثقافية
الموروثة ضمن النظام الاستعماري؛ فقد أعادت وايت بناء الشائعات التي انتشرت من شمال زائير إلى وسط تانجانيكا، ووصفت الأوروبيين – من رقباء المناجم إلى الرهبان الكاثوليك، ومن موردي العمال إلى أصحاب الدكاكين- بأنهم مصاصو دماء. وفي حين تناول كثير من هذه السرديات موضوع الآخرية والتهديد الذي يمثّله الأوروبيون، تشير وايت إلى أن هذه الشائعات لم تكن مجرد استجابة محلية حيال التدخل الأوروبي، بل هي سرديات سياسية مبتكرة تحبِك معًا عناصر من الكتاب المقدس
والمواعظ وتعليم الإرساليات. وهذه السرديات كانت سائلة ورشيقة، وانتقلت عبر الزمان والمكان
(51) Martin Sökefeld, «Rumours and Politics on the Northern Frontier: The British, Pakhtun Wali and Yaghestan,» Modern Asian Studies 36, no. 2 (May 2002), 338. (52) Homi K. Bhabha, «In a Spirit of Calm Violence,» in After Colonialism: Imperial Histories and Postcolonial Displacements , Edited by Gyan Prakash, Princeton Studies in Culture/Power/History (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1995), 332. (53) George L. Simpson, «British Perspectives on Aulihan Somali Unrest in the East Africa Protectorate, 1915-1918,» Northeast African Studies 6, nos. 1-2 (1999).
وحظيت بأهمية خاصة بوصفها مصطلحات يمكن من خ لااها مقارعة كلٍّ من الممارسات الدينية وعلاقات العمل.
المعرفة والشعوب الخاضعة
كما نازع المؤرخون سلطة المعرفة الاستعمارية، كان هناك أيضًا قدر كبير من الجدال بشأن الطرائق التي حددت بها الأنظمة الاستعمارية الجماعات المستعمَرة وأحصتها. وسبق أن لاحظت أن الدول
الاستعمارية في أرجاء الإمبراطورية اتّبعت مجموعة من الاستراتيجيات لتعريف المجتمعات المحلية، وأن دور الاستعمار في إعادة صوغ الهويات المحلية تجلى على نحو متباين بتباين التواريخ الاستعمارية. وفي ضوء هذا التنوع، من المهم أن نرسم معالم بعض هذه الاستراتيجيات المميزة وهذه الأدبيات المختلفة التي تناولت دور المعرفة الاستعمارية في إنتاج الاختلاف الثقافي. أنتجت الدولة الاستعمارية في جنوب آسيا متنًا ضخمًا من المعرفة التاريخية والإثنوغرافية التي
سعت لتخطيط عمل الاخت ف ضمن المجتمع الجنوب الآسيوي. وناقشت طبعاتٌ من النصوص والتواريخ والسرديات الإثنوغرافية والتقارير الحكومية والكراسات المخصصة لضباط الجيش وسرديات الرحلة الشعبية كًّ من معنى الدين والطائفة الطبقية والقبيلة والعرق والمنطقة بوصفها عوامل تصوغ طابع مختلف الجماعات الجنوب الآسيوية المستعمَرة وقدرتها الذهنية وعاداتها.
ومنذ بداية الحكم الفاعل لشركة الهند الشرقية في ستينيات القرن الثامن عشر، كان «الدين» من العدسات الأساسية لفهم التطور التاريخي للهند. و«الدين»، بوصفه مقولة تحليلية، كان فرضًا أخرقَ، لكنه قوي وفاعل، فُرِضَ على المجتمع الهندي. ولم يكن للمفردة الأوروبية الدينReligion))
مكافِئات قريبة في اللغات الهندية. ولم يكن الجنوب الآسيويون، بخلاف الأوروبيين، يفهمون أكوانهم وممارساتهم التعبدية على أنها تشكل منظومة واضحة ومكتفية بذاتها ويمكن فصلها عن السياسة والاقتصاد والبنية الاجتماعية. وبالنسبة إلى الموظفين والمستشرقين البريطانيين، كان الدين خصيصة واسمة للمجتمع الهندي، وقد اعتقدوا أن التضاد بين الإسلام والهندوسية هو الذي بنى نسق التاريخ الهندي. وفّرت هذه القراءة لتاريخ جنوب آسيا أدلة بدت كأنها تعزز الحاجة إلى حماية الاخت ف الديني من خلال أعمال إدارة الشركة. وفي سنة 1772، قررت شركة الهند الشرقية أن منظومتها القانونية سوف تتمسك بما لدى الجماعات الجنوب الآسيوية من «أعراف ومؤسسات قديمة» ما وسعها ذلك. وما عناه هذا عمليًا هو أن الهندوس والمسلمين سوف يعامَلون في ظل حكم شركة الهند الشرقية
بحسب سننها القانونية التي تفحصت القانون العرفي لكل ديانة وعملت على توحيده. لا شك أن المنطوقات الرسمية والنصوص الحكومية والعاطفة البريطانية الشعبية أقامت تضادات لافتة بين الهندوسية والإس ماا، مع تقدم الحكم الاستعماري. ويرى جيانندرا باندي في كتابه البارز The
(54) Luise White: «Vampire Priests of Central Africa: African Debates about Labor and Religion in Colonial Northern Zambia,» Comparative Studies in Society and History 35, no. 4 (October 1993), and «Telling More: Lies, Secrets, and History,» History and Theory 39, no. 4 (December 2000).
) الهند الاستعماري بناء الطائفية في شمال (Construction of Communalism in Colonial North India
أن الطائفية كانت شكلً من «المعرفة الاستعمارية». وفهم البريطانيون «الطائفية» على أنها التدين المفرط الذي يميز الحياة في الهند ويتجلى في الصراع العنيف بين الجماعات الدينية. وتدل «الطائفية» في المخيلة البريطانية على الخصائص «الصبيانية والبدائية» للثقافة المستعمَرة وعلى بدائية الهند (وحاجتها
إلى أن يحضرها الاستعمار). ورأى باندي أن الطائفية أ نتجت من خلال التواريخ التي كتبها المستشرقونِ والموظفون الاستعماريون، ومن خلال النصوص التي رأت إلى الصراع الديني بوصفه المحرك الذي يدفع المجتمع الهندي، وإلى «التمردات الطائفية» على أنها عَ رَض من أعراض لاعق نااية الحياة
السياسية الهندية. لكن هناك أدلة قوية تزيد من تعقيد صورة الاستعمار هذه، وتشير إلى وجود هوية طائفية وصراع طائفي؛ ففي مقالة مهمة تعود إلى سنة 1985، ركز كريستوفر. أ. بايلي انتباهه على الطائفية في القرن السابق على ستينيات القرن التاسع عشر (الذي يُرى تقليديًا على أنه يسم نقطة النهاية بالنسبة إلى
التعاون الهندوسي- المسلم وانطلاق مرحلة مديدة من الصراع الطائفي المتزايد في المجال العام.) أعاد بايلي بناء الأنساق المعقدة للإحياء الديني المحلي، واندلاع الصراعات الطائفية التي خيضت حول المكانة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية للجماعات الدينية، والصدامات التي راحت تتركز على نحوٍ أضيق فأضيق في المجال الديني. وفي حين شدد بايلي على استمرار النزعة التوفيقية والتعاون الطائفي في المناطق الريفية وبعض المراكز المدينية (مثل دلهي) حتى القرن التاسع عشر، فإنه ألقى الضوء على معارك عنيفة اندلعت بين قادة الجماعات الدينية المتنافسة الذين سعوا إلى تكريس سيادتهم على المواقع المقدسة، كما ألقى الضوء على بروز الهوية الدينية في «حروب الأرض» التي شنها الهندوس والسيخ ضد م ك الأرض من مسلمي النخبة. وكشف بايلي أيضًا عن دور المرتزقة والجنود المسرّحين والموظفين المسلمين المعنيين بالقانون (قضاة، مُفتون، شرطة)، والتحولات
الواسعة في توازن القوى السياسي الاقتصادي بين الطوائف ودورها في إطلاق شرارة الصراع الديني الذي غدا أكثر شيوعًا في المراكز الحضرية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر. وتوضح هذه الأدلة أنه كان للفئات الدينية مثل «السيخ» و«الهندوس» و«المسلمين» معنى سياسي قبل هجمة الاستعمار البريطاني، وتشير إلى أن العنف الديني في أواخر القرن التاسع عشر يبدي شيئًا من ضروب الاستمرار المهمة مع النزاعات الثقافية في أواخر العهد المغولي. تتحدى إعادة التقييم التي أجرتها كاترين بريور للفهم الاستعماري الرسمي للصراع الطائفي أي معادلة سهلة بين المعرفة الاستعمارية والطائفية؛ فهي تبيّن أن خلال النصف الأول من القرن التاسع
(55) Gyanendra Pandey, The Construction of Communalism in Colonial North India (Delhi; New York: Oxford University Press, 1990), 6 and 24. (56) C. A. Bayly, «The Pre-History of 'Communalism'? Religious Conflict in India, 1700-1860,» Modern Asian Studies 19, no. 2 (1985).
عشر، حاول الموظفون الاستعماريون الذين ترأسوا البلدات الهندية الشمالية أن يحموا أنساق الانتماء الديني القائمة ويحفظوا توازن القوى بين الجماعات الدينية. واقتضى ذلك جمع تواريخ الدين المحلية التي خدمت لاحقًا كأساس فكري استندت إليه ممارسة الدولة الاستعمارية في تلك المنطقة. وتشير بريور إلى أن هذه التواريخ الاستعمارية لم تكن جميعها بناءات قوية بنتها المخيلة الاستعمارية، بل صاغتها أنساق من الممارسة والنزاعات الدينية سابقة على الاستعمار وتمسكت بها مجموعات سعت إلى استخدام التاريخ، إما لإحكام سيطرتها وإما لالتماس مزيد من الحماية لحقوقها من طرف الدولة. ومن زاوية أخرى، كان عمل سينثيا تالبوت على أنجرا براديش (Pradesh A.) بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر تذكرةً أقوى بدور الهويات والصراعات الدينية السابقة على الاستعمار في صوغ التناقضات بين الهندوسية والإس ماا في جنوب آسيا. وأوضحت تالبوت أن على جبهة ديكان، حيث واجهت الس لااة الكاكاتية (Kaktiya) هجمات سلطة دلهي المسلمة من الجنوب، أقامت النخبة الهندوسية المالكة المحلية تعارضات حادة بينها وبين الجيوش من الشمال بتصويرها المسلمين على أنهم شياطين وهمج. وقام هذا التصوير لآخرية على سلسلة واسعة من المعايير، من بينها الدين واللغة واللباس وعادات الزواج والاستراتيجيا العسكرية والأصول الإثنية. ويذكّ رنا عمل تالبوت بأن لفئتي «الهندوس» و«المسلمين» تواريخ طويلة في جنوب آسيا سابقة على است ماا شركة الهند الشرقية السلطة، وأن تصوير «الآخرية» كان استراتيجيا مهمة في بناء هوية جمعية ضمن الثقافات الجنوب الآسيوية قبل ولادة الإمبراطوريات الأوروبية في آسيا. احتلت الطائفة الطبقية أيضًا موقعًا مركزيًا في المخيلة الاستعمارية وشكلت العدسة الرئيسة الأخرى
التي استخدمتها ضروب التفحص الاستعماري للبنية الاجتماعية الجنوب الآسيوية. وهنا أيضًا كان دور الدولة الاستعمارية في إنتاج الطوائف الهندية محل خ ف. وغطى دور الاستعمار اللاحق في صوغ منظومة الطوائف الطبقية على أعمال جيل سابق من الأنثروبولوجيين والسوسيولوجيين الذين
ركزوا على عملية «السَنسَكْرتَة»، حيث عدلت جماعات ذات مكانة متدنية مكانتها الاجتماعية،
وأعادت من خ لاا هذه العملية تأكيد قوة أيديولوجيات الطوائف الطبقية التي كانت قد بوّأتها في
البداية مكانة متدنية. وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين وفي تسعينياته، عمدت أعمال جديدة إلى إزاحة التركيز بعيدًا عن التاريخ الاجتماعي للجماعات الطائفية الطبقية المحددة بناءً على قناعة
مفادها أن الطائفة الطبقية هي في الأصل نتاج الخيارات البريطانية ومن مقتضيات الحكم الاستعماري. وفي نقد قوي للطرائق القارة في تخيل الهند، رأى نيكولاس ديركس في كتابهCastes of Mind (طوائف العقل) أن الطائفة الطبقية ليست ميراث النصوص القديمة ولا هي العنصر الجوهري في
(57) Katherine Prior, «Making History: The State's Intervention in Urban Religious Disputes in the North- Western Provinces in the Early Nineteenth Century,» Modern Asian Studies 27, no. 1 (February 1993). (58) Cynthia Talbot, «Inscribing the Other, Inscribing the Self: Hindu-Muslim Identities in Pre-Colonial India,» Comparative Studies in Society and History 37, no. 4 (October 1995). (59) Mysore Narasimhachar Srinivas, Caste in Modern India, and Other Essays (Bombay; New York: Asia Pub. House, 1962).
الحضارة الهندية، بل يجب أن تُفهم على أنها «ظاهرة حديثة... على وجه التحديد، نتاج المواجهة التاريخية بين الهند والحكم الاستعماري الغربي». وفي ظل البريطانيين، غدت «الطائفة الطبقية» الأداة المنهجية الرئيسية للمعرفة الاستعمارية. والحال، إن «الطائفة الطبقية» وفّرت المبدأ الناظم للفهم البريطاني للبنية الاجتماعية الهندية، وعملت بوصفها مجموعة فاعلة من الخطابات أعادت صوغ المجتمع الهندي على نحو عميق. وما إن انغرست الطائفة الطبقية بوصفها المبدأ الحاكم الرئيسي في الأرشيف الاستعماري، حتى غدت أداة مهمة لدى القومية المناهضة للاستعمار ونقطة مرجعية ثابتة للسياسة الاجتماعية ما بعد الاستق لاا. «باختصار، الاستعمار هو الذي جعل الطائفة الطبقية ماهي عليه اليوم". قدمت سوزان بايلي قراءة مختلفة جدًا لتاريخ الطائفة الطبقية، ورأت أنها مجموعة من الممارسات الاجتماعية القديمة الموجودة فعليًا، وإن يكن على نحو مائع، في مجتمع جنوب آسيا، وهي مركّب
من «المثُل والممارسات التي باتت سننًا أخ قااية متنوعة خ لاا مئات أو حتى آلاف السنين وراح
يُعاد إنتاجها على هذا النحو». ورأت بايلي أن مجتمع الطوائف الطبقية «التقليدي» كان نتاجًا للنظام
الثقافي قبل الاستعماري في جنوب آسيا. وخ لاا المرحلة الحديثة الباكرة، خصوصًا حين خلعت
دولٌ متعاقبة عديدة سلطةَ المغول المركزية، باتت السيطرة البراهمانية مؤمنة، لكن بايلي تشير إلى أن حضور أفكار الطهارة والشعائر البراهمانية لم يكن ذلك الحضور المتكافئ في أرجاء المنطقة
وصولً إلى أواسط القرن الثامن عشر. وإذا ما كانت هذه النماذج التي رعتها نخب الناسخين والملوك المحاربين، قد امتدت وتوسعت، فإنها بقيت محل خ ف. وبقي هذا الخلاف سمة رئيسية للمشهد الثقافي ل ستعمار. وتمسك المستشرقون الأوائل والموظفون الرئيسيون في الدولة الاستعمارية بالطائفة الطبقية بوصفها أساسية في فض «أسرار» الأشكال الاجتماعية الهندية، لكن التحولات المادية التي أجراها الاستعمار (خصوصًا إزالة الأحراج، وانتشار الزراعة من أجل البيع، والتمدين)
إضافة إلى التنافس بين المجموعات الجنوب الآسيوية، هي التي كانت أساسية في توسع ضروب التراتب الطائفي خلال القرن التاسع عشر وتصلّبها. وكان مشروع تعداد السكان الذي قامت به الدولة الاستعمارية جديدًا ب شك في منظوره، لكن بايلي ترى أن الإحصاء ومشروع الدولة الإثنوغرافي يدينان بالكثير للجهود القوية التي سبق أن بذلها حكام جنوب آسيا في تصنيف رعاياهم. هكذا، لا تُنكر سوزان بايلي أهمية المعرفة الاستعمارية، لكنها بخلاف ديركس تشدد أكثر على ضروب الاستمرار
بين النظامين الاجتماعيين السابق على الاستعمار والاستعماري. وبدل من النظر إلى الاستعمار على أنه قطعٌ مفاجئ أنتج سوسيولوجيا جديدة للمعرفة كانت قادرة على إعادة تشكيل المجتمع الهندي،
تشير إلى أن الحكم الاستعماري سرّع بعض الأنساق الرئيسية من التغيير الاجتماعي وشددها، وإلى
أن الجنوب الآسيويين أنفسهم كانوا الفاعلين الأساسيين في إعادة تعريف الطائفة الطبقية.
(60) Nicholas B. Dirks, Castes of Mind: Colonialism and the Making of Modern India (Oxford; Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001), 5-6. (61) Susan Bayly, Caste, Society and Politics in India from the Eighteenth Century to the Modern Age , New Cambridge History of India; IV, 3 (New York: Cambridge University Press, 1999).
ثمة عمل حديث العهد يضع قراءة ديركس للطائفة الطبقية موضع المساءلة من خ لاا إلقائه الضوء على كل من الطبيعة المحلية العميقة لتشكيلات الطوائف الطبقية والتنوعات المناطقية المهمة التي تسم المعرفة الاستعمارية المتعلقة بالطائفة الطبقية. يتتبع جون روجرز في هذا العمل التاريخ المركّب للطائفة الطبقية والاستعمار في سريلانكا. ويؤكد روجرز أن الطائفة الطبقية كانت ملمحًا مهمًا من
ملامح المشهد الاجتماعي المحلي في القرن الثامن عشر، وأن الروايات البريطانية الباكرة عن الجزيرة تدرك ما لها من أهمية. لكن الطائفة الطبقية همّشها، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، الوزن الجديد
الممنوح للعرق في المعرفة الإثنوغرافية التي كانت تمارسها الدولة، ولذلك حاول البريطانيون اجتثاث الطائفة الطبقية من الحياة العامة للمستعمرة. لكن اختفاء الطائفة الطبقية من المعرفة الاستعمارية لم يحل دون الانتماء إليها أو دون ممارساتها التي ظلت تصوغ الحياة اليومية وسياسات النخبة. هكذا صاغت المعرفة الاستعمارية سياسة الدولة، لكنها لم تحدد أنساق النشاط السياسي والعلاقات الاجتماعية المحلية. وفي الهند، يشير عمل براتشي ديشباندي على المهاراشترا إلى أن الطائفة الطبقية كانت عنصرًا حاسمًا في المجال العام الذي تطور في ظل الحكم الاستعماري. لكن ديشباندي
ترى أن ما صاغ سياسات الطائفة الطبقية في غربي الهند هو الجدالات والصراعات التي جرت في مهاراتي حول التقاطعات بين الطائفة والهوية المناطقية وليس دولة استعمارية كلية القدرة. وإلى الشمال في البنجاب، لم يكن للسلطة البراهمانية سوى جذور طفيفة في أفضل الأحوال. ولا ينطبق نموذج الفارنا (الطبقة) الكلاسيكي على المراتب المعقدة لهويات هذه المنطقة التي لم تكف الحرب، وموجات الهجرة، وشبكات التجارة بعيدة المدى عن إعادة تكوينها. ولقد انهارت في هذه المنطقة جميع الخطابات الاستعمارية الواسعة التي حاولت تخطيط العرق والطائفة الطبقية على مستوى الهند. وأوضح برايان كيتن أن القوة التحليلية ل«الطائفة الطبقية» بين المديرين الاستعماريين للمنطقة كانت محل خلاف وأنها لم تكن تمتع، كمقولة، بالسلطة التي تمتعت بها مقولة «القبيلة» الأكثر مرونة.
ويبين مؤلَّفِي، بالروحية ذاتها، أن النظريات العرقية التي سعت إلى تصنيف المجتمع الجنوب الآسيوي إلى جماعتين عرقيتين هما جماعة الآريين وجماعة الدرافيديين، وماثلت بين العرق والطائفة الطبقية، لم تحظ بالشعبية لدى المديرين الاستعماريين في البنجاب الذين ألحوا على طبيعة «مختلطة» لسكان هذه المنطقة. ليس لدى أي نظام استعماري آخر في الإمبراطورية ما يضاهي متن المعرفة الإثنوغرافية الضخم الذي أقام اشتغال الاخت ف الثقافي في المجتمع الهندي على محاور متعددة؛ ففي سياقات
(62) John D. Rogers, «Early British Rule and Social Classification in Lanka,» Modern Asian Studies 38, no. 3 (July
(63) Prachi Deshpande, «Caste as Maratha: Social Categories, Colonial Policy and Identity in Early Twentieth-Century Maharashtra,» Indian Economic Social History Review 41, no. 1 (February 2004). (64) Brian Caton, «Social Categories and Colonisation in Panjab, 1849–1920,» Indian Economic and Social History Review 41, no. 1 (2004). (65) Tony Ballantyne, Orientalism and Race: Aryanism in the British Empire , Cambridge Imperial and Post-Colonial Studies Series (Basingstoke, Hampshire; New York: Palgrave, 2002), 52-54.
استعمارية أخرى، قامت السيطرة البريطانية بمزيد من الثبات على السكان المستوطنين، أو القوة العسكرية، أو احتكار القدرة الإنتاجية للمستعمَرة (سواء كان على شكل سلع قيمة، أو قوة عمل،
أو الأرض ذاتها). معنى ذلك أن العمل التاريخي على طبيعة الحكم الإمبراطوري في المستعمرات الأخرى نزع إلى إضفاء وزن أكبر على هذه الأدوات الأخرى للسيطرة. هكذا، مث، أبقت التواريخ الأفريقية على اهتمام كبير بقضايا متعلقة بالتنمية الاقتصادية وتاريخ العمل في حين نزع تواريخ المستعمرات الاستيطانية إلى التركيز على أنماط استلاب الأرض والموارد. مع ذلك، كان تأريخ التضاد الجوهري بين المستعم ر والمستعمَر عنصرًا بارزًا في جميع التواريخ
الاستعمارية خ لاا العقدين الماضيين؛ ففي تأريخ نيوزيلندا، على سبيل المثال، كان من الشواغل الأساسية تتبُّع التطور الذي اعترى فهم المستوطنين لثقافة الماوري والظهور التدريجي لهوية
الباكيها التي تعرف بها المستعمِرون البريطانيون والإيرلنديون الذين استوطنوا في نيوزيلندا مقابل كل من نظرائهم الأوروبيين والماوريين. ويبقى كتاب جيمس بيليتشWars The New Zealand (حروب نيوزيلندا) الذي يتناول أثر العنصرية العلمية في تشكيل التأويلات البريطانية لمقاومة الماوري العسكرية بين سنتي 1845 و 1870، أهم دراسة لتطور الفكر العرقي في المستعمرة. وركز قدرٌ كبير
من العمل الذي تناول أستراليا الاستعمارية على الطرائق التي استُخدِمت بها النظريات الأوروبية المتعلقة بحقوق الملكية والسيادة في تعريف أستراليا بوصفها أرضًا خالية مباحة (nullius terra)، ما يعني إنكار الحقوق الشرعية للجماعات الأصلية. وهناك كثير من الأعمال المهمة الأخرى التي ألقت الضوء على الطرائق التي برر بها المستعمرون وجودهم وسلطتهم. ويرى جيريمي بيكيت، مثلً، أن «التاريخ القديم» للثقافة الأصلية في أستراليا كان محل إدراك واسع لدى المستعمرين الأوروبيين، لكن هذا الفهم لم يشجع على إيمان واسع بما يمكن أن يكون لهم من الحقوق الناجمة عن إشغالهم المديد ل رأأض. بل إن هذا التاريخ القديم راح يعني، في أيدي السياسيين والمثقفين المستوطنين، أن السكان الأصليين هم أولئك البدائيون المخلدون الذين يختلفون جوهريًا عن المستوطنين البيض
المتحضرين الذين التزموا «الترقي». وكان كل من بوب ريس وبين أتوود قد تتبّع على نحو أوسع
الطرائق التي تثبتت بها كل فئة من «الأصليين» في الإثنوغرافيا والسياسة الحكومية الاستعماريتين، بحيث بات خليط المجموعات الأصلية اللغوي والاجتماعي واضحًا بردّها إلى فئة واحدة طاغية
تتعرف قبالة القيم التي كرسها مجتمع المستوطنين. ولعل الأهم من ذلك كله هو ذلك التأريخ
(66) James Belich, The New Zealand Wars and the Victorian Interpretation of Racial Conflict (Auckland, NZ: Auckland University Press, 1986). (67) Henry Reynolds, The Law of the Land (Ringwood, Vic.: Penguin Books; New York: Viking Penguin, 1987). (68) Jeremy R. Beckett, «The Past in the Present; the Present in the Past: Constructing a National Aboriginality,» in Past and Present: The Construction of Aboriginality , Edited by Jeremy R. Beckett (Canberra: Aboriginal Studies Press,
(69) Bob Reece, «Inventing Aborigines,» Aboriginal History 11 (1987), and Bain Attwood, Introduction to Power, Knowledge and Aborigines , Edited by Bain Attwood and John Arnold, Journal of Australian Studies; no. 35 (Bundoora, Vic.: La Trobe University Press; National Centre for Australian Studies, Monash University, 1992).
الضخم الذي كُتب خلال العقدين الماضيين وتتبع تطور الفهم البريطاني للأفارقة ومكانة السود فيِ المخيلة الإمبراطورية (في بريطانيا، والكاريبي، وأفريقيا ذاتها). وتعود أهمية هذا العمل الخاصة إلى المكانة المركزية التي تحتلها العبودية الأفريقية في تطور الإمبراطورية البريطانية والطرائق التي شكّل بها التضاد بين البياض والسواد الهوية البريطانية ذاتها، والفهم البريطاني للشعوب المستعمَرة الأخرى،
والثقافة السياسية للإمبراطورية ككل.
خاتمة
من المؤكد أن كثيرًا من هذه المحاولات في تأريخ التضادات العرقية وتفكيكها يستمد بعض الإلهام
من عمل إدوارد سعيد، لكن يجب أن تُقرأ أيضًا بوصفها تدخلات في تلك الجدالات العامة الساخنة بشأن العرق والاستعمار التي برزت أشد البروز في العقود الثلاثة الأخيرة في المستعمرات البريطانية السابقة وفي بريطانيا ذاتها. ويعود الفضل جزئيًا إلى أعمال نقاد وناشطين مثل سعيد في أن هذه
المناقشات السياسية في ما يتعلق بإرث الإمبراطورية راحت تتركز بصورة متزايدة على أسئلة سياسية وعلى فهم التاريخ. وفي مثل هذا السياق، فإن العمل على «المعرفة الاستعمارية» لم يقدم تفسيرات جديدة لما كان عليه الاستعمار (مجموعة من الع قااات الثقافية غير المتناظرة) فحسب، بل كان مدفوعًا أيضًا بالبحث عن أشكال من الممارسة العلمية متحررة من الخطابات والممارسات الفكرية التي باتت مؤسسات في ظل السلطة الإمبراطورية. وبهذا الصدد، فإن بروز «المعرفة الاستعمارية» كإشكالية تحليلية أساسية في الأعمال الأخيرة بشأن الإمبراطورية إنما يعكس كلًّ من تأثير «الانعطافة الثقافية» الواسعة ضمن العلوم الإنسانية وأبحاثها والتأثير الخاص الذي تركه التزام نظرية ما بعد الاستعمار الكتابة ضد الإمبراطورية وإرثها. وكما رأينا، فإن هاتين المقاربتين أثارتا جدالات حامية؛ إذ راحت أهمية «الثقافة» في المشروع الإمبراطوري تخضع لمساءلة أولئك الذين يؤكدون أولوية التاريخ «التجريبي» التقليدي قياسًا بالقراءات التفكيكية للنصوص، أو أولئك المؤرخين الذين بقوا ملتزمين
بالتقاليد المادية في التأريخ الاجتماعي. ولا شك في أن بعض العمل على المعرفة الاستعمارية فشل في كشف الص ت بين «الثقافة» والميادين التحليلية الأساسية الأخرى – مثل السياسة والاقتصاد والاجتماع - لكن هذا المتن المنوع من البحث وسع كثيرًا فهمنا لطبيعة الإمبراطورية البريطانية وإرثها.
وأوضحَ قيمة سلسلة من المصادر التي أُهمِلت في السابق – تتراوح من الخرائط ودفاتر ملاحظات
الأطباء، ومن مج ت الإرساليات إلى النحو والقواعد - ن لتقليد جديد منفي الوقت الذي مكّ الممارسة العلمية التي تتأمل ذاتها وتسائل المفاهيم واللغة الموروثة التي لا تزال تشكل كيفية تخيلنا الماضي الإمبراطوري. ومع أن السلطة المتنامية لهذه المقاربة تبقى محل خلاف شديد، فلا شك أن دراسة المعرفة الاستعمارية كانت أساسية بالمطلق في إحياء العمل على الإمبراطورية وربط دراستها
بمشاغل العلوم الإنسانية الأوسع. وبالنتيجة، انتقل التاريخ الإمبراطوري من كونه مجال تخصصيًا
(70) Catherine Hall, Civilising Subjects: Metropole and Colony in the English Imagination, 1830-1867 (Cambridge, UK: Polity, 2002), and Marcus Wood, Blind Memory: Visual Representations of Slavery in England and America , 1780- 1865 (New York: Routledge, 2000).
معزولً إلى حقل بحثي واضح تمامًا، على الرغم من تجزئه، يتناول مجموعة من المسائل تتعلق
بالقوة والمعرفة هي مسائل أساسية ضمن مجال عام عالمي تنشطه جدالات حول الصراع الديني والعولمة والحرب. يبدو في هذه اللحظة أن ثمة احتمالً ضئيً للتقارب بين هذه القراءات المختلفة جدًا للماضي الإمبراطوري، لكن لا شك أن التوتر الناجم يظل يحرض على مزيد من العمل على الإمبراطورية ويبث هذا الحقل طاقة عظيمة. References
المصادر والمراجع
Adas, Michael. Machines as the Measure of Men: Science, Technology, and Ideologies of Western Dominance. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1989. (Cornell Studies in Comparative History) Arnold, David. Colonizing the Body: State Medicine and Epidemic Disease in Nineteenth-Century India. Berkeley, CA: University of California Press, 1993. Asad, Talal. Anthropology and the Colonial Encounter. London: Ithaca Press, 1973. Attwood, Bain. Introduction to Power, Knowledge and Aborigines , Edited by Bain Attwood and John Arnold. Bundoora, Vic.: La Trobe University Press; National Centre for Australian Studies, Monash University, 1992. (Journal of Australian Studies; no. 35) Ballantyne, Tony. «Empire, knowledge, and Culture: From Proto-Globalization to Modern Globalization.» In Globalization in World History , Edited by A. G. Hopkins. London: Pimlico, 2002. ______. Orientalism and Race: Aryanism in the British Empire. Basingstoke, Hampshire; New York: Palgrave, 2002. (Cambridge Imperial and Post-Colonial Studies Series) ______, ed. Science, Empire and the European Exploration of the Pacific. Aldershot, England; Burlington, VT: Ashgate, 2004. (Pacific World; v. 6. Collected Studies) Basalla, George. «The Spread of Western Science: A Three-Stage Model Describes the Introduction of Modern Science into any non-European Nation.» Science 156, no. 3775
Bayly, C. A. Empire and Information: Intelligence Gathering and Social Communication in India, 1780-1870. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1996. (Cambridge Studies in Indian History and Society; 1)
______. «The Pre-History of 'Communalism'? Religious Conflict in India, 1700-1860.» Modern Asian Studies 19, no. 2 (1985): 177-203. Bayly, Susan. Caste, Society and Politics in India from the Eighteenth Century to the Modern Age. New York: Cambridge University Press, 1999. (New Cambridge History of India; IV, 3) Beckett, Jeremy R. «The Past in the Present; the Present in the Past: Constructing a National Aboriginality.» In Past and Present: The Construction of Aboriginality , Edited by Jeremy R. Beckett. Canberra: Aboriginal Studies Press, 1988. Belich, James. The New Zealand Wars and the Victorian Interpretation of Racial Conflict. Auckland, NZ: Auckland University Press, 1986. Bell, Diane. «Cross Cultural Confusions: Indigenous Traditions, Legal Confrontations and Ethnographic Uncertainties.» Australian Cultural History 18 (1999): 72-93. Bhabha, Homi K. «In a Spirit of Calm Violence.» In After Colonialism: Imperial Histories and Postcolonial Displacements , Edited by Gyan Prakash. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1995. (Princeton Studies in Culture/Power/History) Binney, Judith. Redemption Songs: A Life of Te Kooti Arikirangi Te Turuki. Auckland, NZ: Auckland University Press; Bridget Williams Books, 1995. Bird Rose, Deborah. Hidden Histories: Black Stories from Victoria River Downs, Humbert River, and Wave Hill Stations. Canberra: Aboriginal Studies Press, 1991. Bonneuil, Christophe. «Development as Experiment: Science and State Building in Late Colonial and Postcolonial Africa, 1930-1970.» Osiris 15: Nature and Empire: Science and the Colonial Enterprise (2000): 258-281. Bravo, Michael T. The Accuracy of Ethnoscience: A Study of Inuit Cartography and Cross-Cultural Commensurability. Manchester, England: Dept. of Social Anthropology, University of Manchester, 1996. (Manchester Papers in Social Anthropology; no. 2) Burton, Antoinette. «Archive Stories: Gender in the Making of Imperial and Colonial Histories.» In Gender and Empire , Edited by Philippa Levine. Oxford; New York: Oxford University Press, 2004. (Oxford History of the British Empire Companion Series) Byrnes, Giselle. Boundary Markers: Land Surveying and the Colonisation of New Zealand. Wellington, NZ: Bridget Williams Books, 2001. Carter, Paul. The Lie of the Land. London; Boston: Faber and Faber, 1996.
______. The Road to Botany Bay: An Essay in Spatial History. London; Boston: Faber and Faber, 1987. Caton, Brian. «Social Categories and Colonisation in Panjab, 1849–1920.» Indian Economic and Social History Review 41, no. 1 (2004): 33–50. Chatterjee, Partha, ed. Texts of Power: Emerging Disciplines in Colonial Bengal. Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1995. ______. «Their Own Words?: An Essay for Edward Said.» In Edward Said: A Critical Reader , Edited by Michael Sprinker. Oxford, UK; Cambridge, USA: Blackwell, 1992. Chaturvedi, Vinayak. Introduction to Mapping Subaltern Studies and the Postcolonial , Edited and Introduced by Vinayak Chaturvedi. London: Verso, 2000. (Mapping) Choudhury, D. K. Lahiri. «Sinews of Panic and the Nerves of Empire: The Imagined State's Entanglement with Information Panic, India c. 1880-1912.» Modern Asian Studies 38, no. 4 (October 2004): 965-1002. Clayton, Daniel Wright. Islands of Truth: The Imperial Fashioning of Vancouver Island. Vancouver, BC: UBC Press, 2000. Cohn, Bernard S. «The Census, Social Structure and Objectification in South Asia.» In An Anthropologist Among the Historians and Other Essays , by Bernard S. Cohn; with an Introduction by Ranajit Guha. Delhi; New York: Oxford University Press, 1987. (Oxford India Paperbacks) ______. Colonialism and its Forms of Knowledge: The British in India. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996. ______. «From Indian Status to British Contract.» Journal of Economic History 21, no. 4 (December 1961): 613-628. ______. «Notes on the History of the Study on Indian Society and Culture.» In Structure and Change in Indian Society , Edited by Milton Singer and Bernard S. Cohn. Chicago: Aldine Pub. Co., 1968. (Viking Fund Publications in Anthropology; no. 47) ______. «Some Notes on Law and Change in North India.» Economic Development and Cultural Change 8, no. 1 (1959): 79-93. Conte, C. A. «Colonial Science and Ecological Change: Tanzania's Mlalo Basin, 1888- 1946.» Environmental History 4, no. 2 (1999): 220-244. Cooper, Frederick. Colonialism in Question: Theory, Knowledge, History. Berkeley: University of California Press, 2005.
Cooper, Randolf G. S. The Anglo-Maratha Campaigns and the Contest for India: The Struggle for Control of the South Asian Military Economy. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2003. Curtin, Philip D. «The End of the «White Man's Grave»? Nineteenth-Century Mortality in West Africa.» Journal of Interdisciplinary History 21, no. 1 (Summer 1990): 63-88. Deshpande, Prachi. «Caste as Maratha: Social Categories, Colonial Policy and Identity in Early Twentieth-Century Maharashtra.» Indian Economic Social History Review 41, no. 1 (February 2004): 7-32. Dirks, Nicholas B. Castes of Mind: Colonialism and the Making of Modern India. Oxford; Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001. ______. Foreword to Colonialism and its Forms of Knowledge: The British in India , by Bernard S. Cohn. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996. ______. The Hollow Crown: Ethnohistory of an Indian Kingdom. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1987. (Cambridge South Asian Studies) ______. «The Policing of Tradition: Colonialism and Anthropology in Southern India.» Comparative Studies in Society and History 39, no. 1 (January 1997): 182-212. Dodson, Michael S. «Re-Presented for the Pandits: James Ballantyne, ʻUseful Knowledge,ʼ and Sanskrit Scholarship in Benares College during the Mid-Nineteenth Century.» Modern Asian Studies 36, no. 2 (May 2002): 257-298. ______. «Translating Science, Translating Empire: The Power of Language in Colonial North India.» Comparative Studies in Society and History 47, no. 4 (October 2005):
Drayton, Richard Harry. Nature's Government: Science, Imperial Britain, and the 'Improvement' of the World. New Haven: Yale University Press, 2000. Eaton, Richard. «(Re)imag(in)ing Otherness: A Postmortem for the Postmodern in India.» Journal of World History 11, no. 1 (2000): 57–78. Edney, Matthew H. Mapping an Empire: The Geographical Construction of British India, 1765-1843. Chicago, Ill.: University of Chicago Press, 1997. Gascoigne, John. Science in the Service of Empire: Joseph Banks, the British State and the Uses of Science in the Age of Revolution. Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 1998.
Goodall, Heather. «Aboriginal History and the Politics of Information Control.» In: Memories and Dreams: Reflections on Twentieth Century Australia , Edited by Penny Russell and Richard White. St Leonards, NSW: Allen and Unwin, 1997. Grove, Richard H. Ecology, Climate, and Empire: Colonialism and Global Environmental History, 1400-1940. Cambridge, UK: White Horse Press, 1997. ______. Green Imperialism: Colonial Expansion, Tropical Island Edens, and the Origins of Environmentalism, 1600-1860. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1995. (Studies in Environment and History) Guha, Ranajit. Introduction to A Subaltern Studies Reader, 1986-1995 , Edited by Ranajit Guha. Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1997. ______. «On Some Aspects of the Historiography of Colonial India.» In Subaltern Studies, I: Writings on South Asian History and Society , Edited by Ranajit Guha, 1-8. Delhi; New York: Oxford University Press, 1982. ______. A Rule of Property for Bengal; an Essay on the Idea of Permanent Settlement. Paris: Mouton, 1963. (Monde d'outre-mer, passé et présent, première série, études; 19) Hall, Catherine. Civilising Subjects: Metropole and Colony in the English Imagination, 1830-1867. Cambridge, UK: Polity, 2002. Hamilton, Carolyn [et al.], eds. Refiguring the Archive. Cape Town, South Africa: David Philip; Dordrecht, Netherlands: Kluwer Academic Publishers, 2002. Harris, Cole. The Resettlement of British Columbia: Essays on Colonialism and Geographical Change. With Cartography by Eric Leinberger. Vancouver, BC: UBC Press, 1997. Headrick, Daniel R. The Tentacles of Progress: Technology Transfer in the Age of Imperialism, 1850-1940. Oxford; New York: Oxford University Press, 1988. ______. The Tools of Empire: Technology and European Imperialism in the Nineteenth Century. Oxford; New York: Oxford University Press, 1981. Hoare, Michael E. Reform in New Zealand Science, 1880-1926. Melbourne: Hawthorn Press, 1976. (Cook Lecture; 3) Inden, Ronald. Imagining India. Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Basil Blackwell,
______. «Orientalist Constructions of India.» Modern Asian Studies 20, no. 3 (1986):
Irschick, Eugene F. Dialogue and History: Constructing South India, 1795-1895. Berkeley, CA: University of California Press, 1994. Jarrell, Richard A., and Norman R. Ball, eds. Science, Technology, and Canadian History: The First Conference on the Study of the History of Canadian Science and Technology, Kingston, Ontario = Les Sciences, la Technologie et l'histoire canadienne: Premier congrès sur l'histoire des sciences et de la technologie canadiennes. Waterloo, Ont.: Wilfred Laurier University Press, 1980. Jennings, Michael. «This Mysterious and Intangible Enemy: Health and Disease amongst the Early UMCA Missionaries, 1860-1918.» Social History of Medicine 15, no. 1 (April 2002): 65-87. Laidlaw, Zoë. Colonial Connections 1815-45: Patronage, the Information Revolution and Colonial Government. Manchester, UK; New York: Manchester University Press,
Lester, Alan. Imperial Networks: Creating Identities in Nineteenth-Century South Africa and Britain. London; New York: Routledge, 2001. MacLeod, Roy. «From Imperial to National Science.» In The Commonwealth of Science: ANZAAS and the Scientific Enterprise in Australasia, 1888-1988 , Edited by Roy MacLeod. Melbourne; Auckland, NZ: Oxford University Press, 1988. ______. «On Visiting the 'Moving Metropolis': Reflections on the Architecture of Imperial Science.» Historical Records of Australian Science 5, no. 3 (1982): 1-16. Mani, Lata. «Cultural Theory, Colonial Texts: Reading Eyewitness Accounts of Widow-Burning.» In Cultural Studies , Edited, and with an Introduction, by Lawrence Grossberg, Cary Nelson, and Paula A. Treichler; with Linda Baughman and Assistance from John Macgregor Wise. New York: Routledge, 1992. O'Hanlon, Rosalind, and David Washbrook. «After Orientalism: Culture, Criticism, and Politics in the Third World.» Comparative Studies in Society and History 34, no. 1 (January 1992): 141-167. Pandey, Gyanendra. The Construction of Communalism in Colonial North India. Delhi; New York: Oxford University Press, 1990. Peers, Douglas M. «Colonial Knowledge and the Military in India, 1780–1860.» Journal of Imperial and Commonwealth History 33, no. 2 (2005): 157-180.
Perry, Adele. «The Colonial Archive on Trial: Possession, Dispossession, and History in Delgamuukw v. British Columbia.» In Archive Stories: Facts, Fictions, and the Writing of History , Edited by Antoinette Burton. Durham, NC: Duke University Press, 2005. Philip, Kavita. Civilizing Natures: Race, Resources, and Modernity in Colonial South India. New Brunswick, NJ: Rutgers University Press, 2004. Pohlandt-McCormick, Helena. «In Good Hands: Researching the 1976 Soweto Uprising in the State Archives of South Africa.» In Archive Stories: Facts, Fictions, and the Writing of History , Edited by Antoinette Burton. Durham, NC: Duke University Press,
Pollock, Sheldon. «The Death of Sanskrit.» Comparative Studies in Society and History 43, no. 2 (April 2001): 392-426. ______. «Deep Orientalism? Notes on Sanskrit and Power beyond the Raj.» In Orientalism and the Postcolonial Predicament: Perspectives on South Asia , Edited by Carol A. Breckenridge and Peter van der Veer. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1993. (South Asia Seminar Series) ______. «Introduction: Working Papers on Sanskrit Knowledge-Systems on the Eve of Colonialism.» Journal of Indian Philosophy 30, no. 5 (October 2002): 431- 439. Potter, Simon James. News and the British World: The Emergence of an Imperial Press System, 1876-1922. Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 2003. (Oxford Historical Monographs) Prakash, Gyan. Another Reason: Science and the Imagination of Modern India. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999. Prior, Katherine. «Making History: The State's Intervention in Urban Religious Disputes in the North- Western Provinces in the Early Nineteenth Century.» Modern Asian Studies 27, no. 1 (February 1993): 179-203. Reece, Bob. «Inventing Aborigines.» Aboriginal History 11 (1987): 12-13. Reynolds, Henry. The Law of the Land. Ringwood, Vic.: Penguin Books; New York: Viking Penguin, 1987. Rogers, John D. «Early British Rule and Social Classification in Lanka.» Modern Asian Studies 38, no. 3 (July 2004): 625-647. Said, Edward W. Orientalism. Harmondsworth; New York: [s. n.], 1978.
Sarkar, Sumit. «Orientalism Revisited: Saidian Frameworks in the Writing of Modern Indian History.» Oxford Literary Review 16, no. 1 (July 1994): 205-224. Schwab, Raymond. La Renaissance orientale: La Découverte du sanscrit, le siècle des écritures déchiffrées, l'avènement de l'humanisme intégral, grandes figures d'orientalistes. Préface de Louis Renou. Paris: Payot, 1950. (Bibliothèque historique) Silvestri, Michael. «The Thrill of 'Simply Dressing Up': The Indian Police, Disguise, and IntelligenceWork in Colonial India.» Journal of Colonialism and Colonial History 2, no. 2 (Fall 2001). Simpson, George L. «British Perspectives on Aulihan Somali Unrest in the East Africa Protectorate, 1915-1918.» Northeast African Studies 6, nos. 1-2 (1999): 7-43. Sissons, Jeffrey. Te Waimana: The Spring of Mana: Tūhoe History and the Colonial Encounter. Dunedin, NZ: University of Otago Press, 1991. (Whenua Series; no. 6) Sivasundaram, Sujit. Nature and the Godly Empire: Science and Evangelical Mission in the Pacific, 1795-1850. Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2005. (Cambridge Social and Cultural Histories; 7) Sökefeld, Martin. «Rumours and Politics on the Northern Frontier: The British, Pakhtun Wali and Yaghestan.» Modern Asian Studies 36, no. 2 (May 2002): 299-340. Spivak, Gayatri Chakravorty. «The Rani of Sirmur: An Essay in Reading the Archives.» History and Theory 24, no. 3 (October 1985): 247-272. Srinivas, Mysore Narasimhachar. Caste in Modern India, and Other Essays. Bombay; New York: Asia Pub. House, 1962. Stokes, Eric. The English Utilitarians and India. Oxford: Clarendon Press, 1959. Talbot, Cynthia. «Inscribing the Other, Inscribing the Self: Hindu-Muslim Identities in Pre-Colonial India.» Comparative Studies in Society and History 37, no. 4 (October
Thomas, Nicholas. Colonialism's Culture: Anthropology, Travel, and Government. Oxford: Polity Press, 1994. ______. Entangled Objects: Exchange, Material Culture, and Colonialism in the Pacific. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991. Vaughan, Megan. Curing their Ills: Colonial Power and African Illness. Cambridge, UK: Polity Press, 1991.
______. The Story of an African Famine: Gender and Famine in Twentieth-Century Malawi. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1987. Vibert, Elizabeth. Traders' Tales: Narratives of Cultural Encounters in the Columbia Plateau, 1807-1846. Norman: University of Oklahoma Press, 1997. Viswanathan, Gauri. Masks of Conquest: Literary Study and British Rule in India. New York: Columbia University Press, 1989. (Social Foundations of Aesthetic Forms Series) Washbrook, D. A. «Orients and Occidents: Colonial Discourse Theory and the Historiography of the British Empire.» In The Oxford History of the British Empire, Vol. 5: Historiography , Edited by Robin W. Winks. Oxford: Oxford University Press,
Watts, Sheldon. Epidemics and History: Disease, Power, and Imperialism. New Haven, Conn.: Yale University Press, 1997. White, Luise. «Telling More: Lies, Secrets, and History.» History and Theory 39, no. 4 (December 2000): 11-22. ______. «Vampire Priests of Central Africa: African Debates about Labor and Religion in Colonial Northern Zambia.» Comparative Studies in Society and History 35, no. 4 (October 1993): 746-772. Wolmer, William, and Ian Scoones. «The Science of 'Civilized' Agriculture: The Mixed Farming Discourse in Zimbabwe.» African Affairs 99, no. 397 (October 2000):
Wood, Marcus. Blind Memory: Visual Representations of Slavery in England and America , 1780-1865. New York: Routledge, 2000. Woodward, David, and G. Malcolm Lewis, eds. The History of Cartography, Volume 2, Book 3, Cartography in the Traditional African, American, Arctic, Australian, and Pacific Societies. Chicago: University of Chicago Press, 1998.