العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الجيش والفصائل غير النظامية في العراق: جدل الدولة والبديل الإثني

الجيش والفصائل غير النظامية في العراق: جدل الدولة والبديل الإثني

The Army and Irregular Armed Groups in Iraq: The State versus the Ethnic Alternative

* Ali Abdulhadi Almamoori | علي عبد الهادي المعموري

الملخّص

تتبعت الدراسة مسيرة الجيش العراقي خلال عمر الدولة العراقية الحديثة، بوصفه أداةً في إظهار قدرتها على احتكار الإكراه الشرعي، وكيف أدى تدخله إلى إضعاف الدولة، ليتحول من ذراع للسياسة، إلى صانع لها، فمهيمن عليها، ثم ضحية لها، لتنهار صورة الدولة مع انهياره التدريجي، ممهدًا الطريق لانبثاق بنى ما قبل الدولة، لتؤدي وظيفة الحماية وتنظيم الفضاء العام. وفي السياق التاريخي المتوتر الذي شهده العراق، اصطبغت تلك البنى بالطائفة والعرق، وقاد التوتر الذي هيمن على ذاكرة المجتمع العراقي إلى تطوّر هذه البنى إلى مرحلة أوجدت فيها قواعدها الخاصة، بمعزل حتى عن القواعد التنظيمية التي حكمت الجماعات العراقية لوقت طويل.

Abstract

Abstract: This study follows the progress of the Iraqi army through the course of the modern Iraqi state. It illustrates how military interference in politics led to weaken the state, from an arm of politics to an architect of politics, and a dominant player. The army would eventually fall victim to politics itself and, with its gradual collapse, initiate the downfall of the state image. This allowed for the emergence of pre-state structures to perform the function of protecting and regulating the public sphere. In the fraught historical context of Iraq, these structures took on a sectarian and ethnic character. The anxiety dominating the memory of Iraqi society led these emerging structures to develop into a phase where their rules differed substantially from the organizing principles that had controlled Iraqi groups for many years.

الكلمات المفتاحية:
  • الجيش العراقي
  • الدولة والأمن
  • الفصائل غير النظامية

ملخص: تتبعت الدراسة مسيرة الجيش العراقي خلال عمر الدولة العراقية الحديثة، بوصفه أداة في إظهار قدرتها على احتكار الإكراه الشرعي، وكيف أدى تدخله إلى إضعاف الدولة، ليتحول من ذراع للسياسة، إلى صانع لها، فمهيمن عليها، ثم ضحية لها، لتنهار صورة الدولة مع انهياره التدريجي، ممهدًا الطريق لانبثاق بنى ما قبل الدولة، لتؤدي وظيفة الحماية وتنظيم الفضاء العام. وفي السياق التاريخي المتوتر الذي شهده العراق، اصطبغت تلك البنى بالطائفة والعرق، وقاد التوتر الذي هيمن على ذاكرة المجتمع العراقي إلى تطوّر هذه البنى إلى مرحلة أوجدت فيها

قواعدها الخاصة، بمعزل حتى عن القواعد التنظيمية التي حكمت الجماعات العراقية لوقت طويل.

Abstract: This study follows the progress of the Iraqi army through the course of the modern Iraqi state. It illustrates how military interference in politics led to weaken the state, from an arm of politics to an architect of politics, and a dominant player. The army would eventually fall victim to politics itself and, with its gradual collapse, initiate the downfall of the state image. This allowed for the emergence of pre-state structures to perform the function of protecting and regulating the public sphere. In the fraught historical context of Iraq, these structures took on a sectarian and ethnic character. The anxiety dominating the memory of Iraqi society led these emerging structures to develop into a phase where their rules differed substantially from the organizing principles that had controlled Iraqi groups for many years.

النهرين في العراق.

Researcher specializing in Iraqi nation security affairs. He holds an MA from the Department of Political Systems and Public Policy, Nahrain University, Iraq.

مقدّمة

ما عاد الجدل بشأن «الفصائل غير النظامية» في العراق خافيًا؛ إذ أخذ مساحة واسعة بين

الأكاديميين، فضلً عن الجدل السياسي بين صناع القرار، وفي الإعلام، بطريقة ربما زادته لبسًا، وألقت عليه محاذير سياسية، بدا معها تناول الموضوع من ناحية بحثية محايدة في غاية الصعوبةَ، بل والحساسية والخطورة في أحيان أخرى. إن لهذا الجدل ما يبرّره، ويجعل موضوعه جديرًا بالاهتمام؛ فالمشكلة العراقية مشكلة عابرة الحدود، تتصل باستقرار الإقليم والتدخلات الدولية في شؤون هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي، بطريقة جعلت جزءًا كبيرًا من المشكلة العراقية متعلّقًا بالتدخلات الإقليمية والدولية، حتى وإن كانت قدرة هذه الأطراف على التأثير في العراق مرتبطة بالدرجة الأولى بضعف العراق داخليًا؛ تلك نتيجة طبيعية

للانبثاق المكوناتيّ فيه وتحول الاختلافات الإثنية إلى صراعات وجود وهوية. تنطلق هذه الدراسة في معالجة موضوعها من زاوية ربما تكون قد أهملت في عدد من الدراساتُ، وهي مرتبطة بخصوصية الوضع العراقي، خصوصًا بما يتعلّق بمشكلة انبثاق الفصائل المسلحة غير النظامية، وتعاظم دورها تجاه دور الدولة؛ إذ ينطلق الباحث من تفحّص طبيعة دورها من زاوية تضخم موقع الإثنيات تجاه الدولة والهوية الوطنية، لا من زاوية الممارسات على الأرض. تحاول الدراسة الربط بين صورة الدولة كما يفترض أن تكون وتمظهرها وموقعها الفعلي في الذاكرة الجمعية للإثنيات العراقية، وتداعيات ذلك في النهاية على موقف المجتمع العراقي بتناقضاته تجاه الجيش من جهة، وتجاه الفصائل المسلحة غير النظامية من جهة أخرى، والفصائل التي انبثقت مرة خارجة على القانون، ومرة أخرى عاملة تحت جناحه، لكنها مستقلة عنه في الوقت نفسه. إضافة إلى ذلك، تحلّل الدراسة العلاقة بين الأمن الوطني والدولة، بوصف الأول روح الثانية، وجوهر وظيفتها وطريقها إلى التجلي المادي بعد أن تنشأ فكرة معنوية مجرّدة. تأمل الدراسة أن تلقي الضوء على عمق تعقيد مشكلة الفصائل غير النظامية في العراق، وظهورها نتيجة محصّلة لتاريخ طويل من التباس الموقف مع الدولة، وتفتت سلطانها في الحقب السياسية التي مرت بالعراق.

(((لن تستخدم الدراسة مصطلح «مليشيا»، فعلى الرغم من كونه مصطلحًا محايدًا في اللغة الإنكليزية، لا يتضمن موقفًا مسبقًا

من الموصوف به، فإن الاستهلاك الإعلامي العربي له، يجري بطريقة تنطوي على موقف سياسي مسبق، أفقده حياده وخلخل قيمته الأكاديمية، لأن الخطاب الأيديولوجي الذي أسبغ صفة سلبية مسبقة على المصطلح، جعله بهذه الكيفية، غير صالح للاستخدام الأكاديمي الذي يفترض التجرد من المصطلح، فكيف يمكن أن يتحقق التجرد الذي تصبو إليه هذه الدراسة من خ لاا استخدام مصطلح ما عادت دلالته متجردة في لسان هذه الدراسة العربية، لهذا تميل الدراسة إلى استخدام مصطلح «فصائل غير نظامية» الذي يؤدي المعنى ذاته بتجرد؛ وهي غير نظامية بمعنى أنها لم تنشأ بالاتّساق مع ميكانيزمات النظام السياسي، وأنها ظهرت بالتوازي مع

تفرّد الدولة، وهو ما ستتطرق إليه الدراسة بالتفصيل، وهناك من المصطلحات الإنكليزية ما يقارب من معناه كثيرًا مثل: «Irregular

William A. Darity, Jr. (ed. in chief), International:» ينظر بشأن «المليشيا. «Paramilitary Groups» أو Military Groups» Encyclopedia of the Social Sciences , vol. 5, 2 nd ed. (New York: Macmillan Reference USA, 2008), p. 163.

الإطار النظري

يبدو من الأنسب غالبًا، عند تحليل موضوع بحثي يتعلق بأدوار القوى المسلحة وموقعها من السياسة

وموقع السياسة منها في أي دولة، أن يكون مدخلها هو الأمن الوطني الملازم الأول للدولة منذ انبثاقها في أول صورها البسيطة، وصولً إلى تجليها المعقد اليوم؛ إذ ارتبط مفهوم الأمن بالدولة، وذلك أن الأمن هو وظيفتها الأولى تجاه الأفراد المنضوين إلى مظلتها، حتى غدا من بدهيات علم السياسة، ومن غير الممكن في أي حال الفصل بين الدولة، من حيث هي فكرة لها تجلٍّ مادي، والأمن. إن الإشارة إلى أن الفكرة الأساس التي ترتكز عليها هذه الدراسة في تحليل موضوعها أمر ضروري في هذا الموضع، كونها تستند إلى مرتكزين: - التصوُّر الذي قدّمه توماس هوبز للدولة، وكونها تنبثق نتيجة رغبة الإنسان الأناني في العيش والأمان،

ما يضطره إلى إيقاع عقد اجتماعي يأتي بالدولة، يتنازل ضمنه الفرد عن حريته لمصلحة تلك الدولة، كي تدير الصراع الطبيعي بين الأفراد بطريقة تضمن حياتهم؛ أيّ إنه ربط قيام الدولة بالصراع بالدرجة

الأولى. ولنا أن نتساءل في هذا الموضع: ما الذي يميّز الصراع في المحل الأول ويرتبط به بصفة لا

انفكاك منها؟ حسنًا، يمكن القول: إنه العنف وما يلازمه من اختلال الأمن. - تعريف ماكس فيبر المحكم للدولة بكونها «الجماعة التي تتبنى بنجاح، في إطار حدود معيّنة،

احتكار العنف الجسدي المشروع»، والذي قدم تكثيفًا عميقًا يلخّص تلك العلاقة الدقيقة التي تنشأ في الدولة، بين السياسة والجيش وباقي الأجهزة الأمنية ذات الطابع العسكري، عمومًا في ما يخص

موضوع هذه الدراسة، عبر تحديد الجذور الأساسية لتلك العلاقة وبوتقة انصهارها، وهي الدولة. بالتأسيس على ما سبق وإتمامًا له، فإن قيام الدولة يبقى فكرة مجردة، حتى تتجلى بنظام سياسي له أتباع

على رقعة جغرافية محددة، وأدوات تدار ضمنه بالطريقة التي وصفها ماكس فيبر. وتلك الأدوات هي تشكيلاته المختلفة بحسب وظائفه الأربع: الوظائف الاستخراجية، والوظائف التوزيعية، والسياسات التنظيمية، والسياسات الرمزية. من المهم الإشارة هنا إلى أن التسلسل الذي جاءت عليه هذه الوظائف لا يعني بالضرورة أنها تجري في الواقع بالتسلسل نفسه؛ إذ إنها في الحقيقة تسير جنبًا إلى جنب بتناغم ضروري لنجاحها في

تحقيق الأهداف التي جاءت من أجلها. وتضعنا محاولة فهم هذا التفاعل في أول طريق الوصول إلى

(((إن هذا التكثيف الشديد لوجهة نظر توماس هوبز بشأن الدولة ونشأتها لا يحيط تمامًا - بطبيعة الحال - بفلسفته وسعيه إلى

دراسة «أفضل السبل لتأسيس الدولة والشرعية على أساس فلسفي متينٍ»، كما يقول رضوان السيد، ولعل أفضل طريق للإحاطة بما

ذكره هوبز هي الرجوع إلى هوبز نفسه، يُنظر: توماس هوبز، اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب

وبشرى صعب (بيروت: دار الفارابي؛ أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث [كلمة]،.)2011 (((عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع، 1985)، ص.657 (((مها عبد اللطيف الحديثي ومحمد عدنان الخفاجي، النظام السياسي والسياسة العامة: دراسة في دور المؤسسات الرسمية

وغير الرسمية في صنع السياسة العامة في الدول المتقدمة والنامية، سلسلة الدراسات 7 (بغداد: مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية، 2006)، ص.13

بؤرة التقاء هذه العناصر المفسّرة لفكرة هذه الدراسة، خصوصًا في ظلّ ملاحظة ما يتعلّق منها بالأمن الوطني، بمفهومه الحاضر الذي صار يرتكز على أربعة أسس: - حماية النظام السياسي (الأمن السياسي.) - حماية الركائز الحضارية والأيديولوجية (الأمن العقائدي.) - حماية الموارد الاقتصادية والبناء الاقتصادي (الأمن الاقتصادي.) - حماية الكيان المادي للدولة أو الأمة (الأمن العسكري.) هذه الركائز هي التي استند إليها التعريف الذي وصف الأمن الوطني بأنه «قدرة الدولة أو الأمة عبر وسائلها المتاحة على ضمان قيمها ومصالحها الأساس، من أشكال التهديد المختلفة تحريرًا لحركتها

السياسية الداخلية والخارجية. وبهذا يُعد حلقة الوصل بين الأمن الداخلي والأمن الدولي». من زاوية النظر هذه، ترى الدراسة أن اختلالً أصاب الطريق الطبيعي لتشكّل الدولة في الوعي الجمعي للمجتمع العراقي، نتيجة إخفاق النظم السياسية في الارتكاز على عَقد سياسي اجتماعي، يضمن رضا الأفراد المنضوين إلى مظلة «الدولة العراقية»، عن النظام السياسي لتلك الدولة، بطريقة تؤمن اشتراكهم في إدارته، وفي توزيع القيم بصورة متساوية، وفق مبدأ المواطنة لا ضمن تمدّد الإثنيات على حسابه؛ الأمر الذي قاد إلى ضعف الدولة، واضمحلال قدرتها على احتكار الإكراه، في بلد متعدِّد الأعراق، ومهّد لظهور القوى المسلحة البديلة، وطرحها بديلً من العنف الشرعي للدولة. وعزّز ذلك زجُّ الجيش في السياسة، وجعْله في موقع الظهير على المواطنين. وللمضي قدمًا في التحليل، تطرح الدراسة الأسئلة التالية: - هل اتّخذت الدولة العراقية الحديثة يومًا موقعها الطبيعي في المجتمع العراقي، بوصفها كيانًا متَّفقًا عليه، يقبض على السلطة ويحتكر الإكراه؟ وكيف أثّر هذا في موقف العراقيين من الجيش؟ - بالتأسيس على السؤال الأول، ما هي التراكمات التاريخية لمواقف القوى الاجتماعية من الجيش، والتي ألقت بظلها على إعادة تأسيسه بعد عام 2003، وموقف القوى الدولية والإقليمية في هذا السياق؟ - ما هي تداعيات الأخطاء التنظيمية، في ظل الاستقطاب الإثني الطائفي والتناقض المكوناتيّ تجاه

الدولة بعد عام 2003، على إعادة تأسيس الجيش وضعف شعبيته؟

الدولة العراقية الحديثة والعراقيون، ثنائية القوة والضعف

تسعى الدراسة في هذا المبحث للإجابة عن السؤال الأول، وستظهر محاولة تتبع التاريخ العراقي للإجابة عن هذا السؤال منذ الوهلة الأولى، أنه لم يكن يسيرًا على الدولة الحديثة التي قامت في عام

(((مازن إسماعيل الرمضاني، «الأمن القومي العربي في عالم متغير»، آفاق عربية، العدد 3: الأمن القومي والحرب (أيلول/سبتمبر 1985)، ص.45-44

1921 أن تأخذ مكانها الطبيعي وأن تتفرد بالإكراه الشرعي من خلال أجهزتها الرسمية حال قيامها. ويعود هذا إلى الوضع المعقد الذي ورثته من الدولة العثمانية، والتعقيدات التي تطورت لاحقًا في كل حقبة سياسية مرّ بها العراق الحديث، مع كل تغيّر سياسي عنيف شهده البلد، أكان بالحركات

العسكرية إبّان العهد الملكي، أم بالانقلابات العسكرية بين عامي 1958 و 1968، أم ب «الحفلة الدموية»

التي رافقت انتقال منصب رئيس الجمهورية، من أحمد حسن البكر إلى صدام حسين في عام 1979، وصولً إلى التغيير الأعنف في عام.2003 ستقود محاولة تلمس جذور هذه المشكلة إلى الغوص عميقًا في وقائع تاريخية مطوّلة معقّدة، وبطريقة

لا يمكن أن تستوعبها هذه الدراسة بتمامها. لكن ذلك لا يعني عدم وجود نقطة مفصليّة تمكّن من

الانطلاق إلى فهم هذه المشكلة مع بداية تأسيس الدولة العراقية الحديثة. لعلّ أول ما يمكن التأسيس عليه في هذا الشأن هو ملاحظة حنا بطاطو المتعلّقة بموقع الدولة وصورتها عند العراقيين، في أواخر العهد العثماني، وبدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة؛ إذ لاحظَ أن «حكومة بغداد» وقفت دائمًا ندًا لسلطة العشائر التي أقامت دويلاتها في مناطق نفوذها، ما جعل تلك العشائر

تنظر إلى الدولة في بغداد دائمًا، بوصفها عدوًا، خصوصًا مع ملاحظة ما رافق ذلك من استبداد، مارسه

الولاة العثمانيون، وبُعد الشُقّة بينهم وبين مشاعر رعاياهم، بل ويذهب إلى القول إن «الحكومة، أي

حكومة، قد أصبحت بالنسبة إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا التي نادرًا ما كانت تتلقى أي رعاية، وبقيت محرومة دومًا تقريبًا، شيئًا لا بد للإنسان من أن يحمي نفسه منه ولا يستحق إلا عدم الثقة والكراهية.»

وبالتعاضد مع الاستقطاب الطائفي صارت معارضة الحكومة آنذاك «بالنسبة إلى معظم العراقيين مسألة غريزية، إن صح القول، استمرت بالظهور حتى بعد انقطاع أو تهلهل الخيوط التي تربطهم بجماعتهم القبلية أو المعتقدية». كان هذا واضحًا للملك فيصل الأول الذي شخّص المشكلة التي تواجه دولته الناشئة بدقة في مذكرته

المؤرخة في بغداد في 15 آذار/مارس 1932، حيث تطرّق إلى حدّة التناقضات التي تشكّل المجتمع

العراقي؛ من طائفيات وقوميات وبُنى مؤسسية تقليدية، كالعشائر والمؤسسة الدينية ورجالها، فضل

عن التناقضات بين الأجيال المتعلّمة وتلك الجاهلة. وبالمجمل فإن هذا، في ظل عدم الثقة في الدولة وسلطتها السياسية الناشئة، لن يعني سوى صِدَام، من العسير أن ينتهي بسرعة بين البنى التقليدية الممثلة للتناقضات الإثنية، والحكومة والدولة من خلفها، معربًا بجلاءٍ عن قناعته بأن الهوية الوطنية

هي أساس بناء الدولة. بقدر ما تضمنته مذكرة فيصل تلك من رؤية واضحة لعلاج المشكلات التي شخّصها، فإن وفاته المبكّرة وما تلاها من حوادث، قطعت المسار الزمني الذي تصوّره لتحقيق أهدافه، وبلورة مشروعه في بناء هوية

وطنية عراقية.

(((حنا بطاطو، العراق.. الكتاب الثاني (الحزب الشيوعي)، ترجمة عفيف الرزاز (الكويت: دار القبس، [د. ت.])، ص.123-120 (((نشرت المذكرة في: عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ط 7 (بيروت: الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع، 2008)، ص.16-9

الملاحظ أن أول نقطة في خطته تمثلت بهدفه الرامي إلى توسيع الجيش، بما يتيح احتواءه العراقيين كافة في تشكيلاته، وجعْله ذراع الدولة المعِّبرة عن قوتها واحتكارها للإكراه. وقاد تعثر الخطة بعد وفاته إلى تفاقم المشكلة، وجَر الجيش إلى قمع الاضطرابات الداخلية، وتخبط عملية بناء هوية وطنية جامعة

لهذا التنوع، طوال عمر الدولة، على الرغم من محاولات لبناء أنموذج كُرّس في الأغلب للاستبداد،

بحسب بعض الباحثين، حتى انهيارها في عام 2003. إن السياسات التي اتّبعتها الأنظمة السياسية في أكثر الأحيان، في ظل عدم وجود تمييز في الوعي الجمعي للعراقيين بين الدولة والسلطة السياسية، وامتداد سخطهم إلى الدولة، فاقمت مشاعر القلق والتوجس والخوف من الآخر، على مستوى الفرد وعلى مستوى المجموع الإثني، وأضرت بالنسيج الاجتماعي، وقادت المجتمع العراقي إلى الانتقال من الموحدات الكبرى المتمثلة أساسًا في الدولة

إلى أطر اجتماعية ضيقة تمثلت في العرق والطائفة والدين؛ إذ انكفأت الإثنيات على ذاتها وسيلةً للدفاع الذاتي. تسبّب ذلك كله في تعميق الأزمة التي قادت تداعياتها إلى انهيار قيم المجتمع، وتهديد هويته من خلال الاستئثار، والتهميش، ونقص الحريات. واستمر جدل الهوية والتنافر الإثني وحافظ على إشكاليته بعد انهيار النظام الملكي، بل تعمق وزاد ضراوةً طوال العهد الجمهوري؛ وأكبر دليل عليه تنامي الأيديولوجيات الدينية وسعيها إلى إيجاد ظهور سياسي حزبي لها، مؤسَّس على هوية فرعية للطائفة، تستمد نقاط قوتها من التاريخ المضطرب. وأدّى إخفاق الأنظمة السياسية الحديثة في إقامة رابط من المواطنة القائمة على المساواة، وجرّها الجيش والأجهزة الأمنية إلى تعميق هذه الهوة المكوناتية. ثم انفجرت هذه التراكمات بمجموعها عقب التغيير العنيف في عام 2003، ووجد النظام السياسي الذي قام بعدها نفسه أمام مهمة إيجاد إجماع لا على النظام السياسي فحسب، بل على الدولة ذاتها أيضًا، الأمر الذي رافقته عراقيل معقّدة، لم تكن النخبة السياسية العراقية أهلً لمواجهتها، كما اتّضح لاحقًا. كان أول العراقيل التي واجهت إقامة الإجماع الموقف من احتلال العراق في عام 2003، وتباين الرؤى تجاه هذا الاجتياح، فضلً عن الانبثاق المتفجر للهويات الفرعية، والقلق من التهميش، والنزعة الثأرية؛ الأمر الذي انعكس لاحقًا على تخبط المشاركة السياسية التي يفترض أن توجِد الإجماع الوطني.

(((حيدر سعيد، سياسة الرمز: عن نهاية ثقافة الدولة الوطنية في العراق، فكر (بغداد: وزارة الثقافة العراقية؛ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009)، ص 103، وهو يتحدث هنا تحديدًا عن العهد الجمهوري في العراق. (((كمي الملحم، «النقطة الفيزيائية الحرجة: من بلقنة لبنان إلى لبننة العراق»، مسارات، السنة 3، العدد 1 (ربيع 2007)، ص.39 (((1 ياسين سعد محمد البكري، بنية المجتمع العراقي: جدلية السلطة والتنوع، العهد الجمهوري الأول 1963-1958 أنموذجًا

(بغداد: مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي، 2011)، ص.7 ((1(لا تدعي هذه الدراسة بالتأكيد القدرة على الإحاطة بهذه المشكلة، بل تكتفي بالإشارة إليها واستثمارها مدخل بحثيًا، كما

سبقت الإشارة إليه، وتحيل الدراسة في ما يخص ما ورد في المتن تحديدًا إلى مصدر استوعب الموضوع وهو: فالح عبد الجبار،

العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ترجمة أمجد حسين (بيروت: منشورات الجمل، 2010)، ص 123-41 خصوصًا. ((1(تضمنت الم حااظة التي وردت في المتن مداخل عدة، تضيق الدراسة عنها، وهي بالمجمل مستخلصة من بحوث عدّة،

وتحيل الدراسة ل حإإاطة بها إلى الدراسات التي تضمنها الكتاب الكبير: بصمات الفوضى: إرث الاحت لاا الأميركي في العراق (بغداد: مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية،.)2013

من جانب آخر، يشار إلى أن الأحزاب السياسية نمت في العراق وتطوّرت تحت مظلة نظم سياسية، حظرت إنشاء الأحزاب المخالفة ومنعت نشاطها داخل الوطن؛ الأمر الذي أدى إلى تصدُّر الأحزاب التي قادت المعارضة خارج العراق العملية السياسية بعد عام 2003، وكان بعضها قد تضاءل دوره، أو هرم قادته، إضافة إلى جملة مشكلات تواجهها. وانشغلت هذه الأحزاب في الأغلب بمعارضتها عن ترتيب نفسها بصفتها أحزابًا سياسية ديمقراطية؛ ما قاد إلى عجزها عن إتمام البناء الديمقراطي للدولة. سنجد أن عمل الأحزاب السياسية العراقية بعد عام 2003 انصبّ على السيطرة على النظام السياسي

والدولة، لا على العمل ضمنهما، وأنها عملت في هذا السبيل على السيطرة على أجهزة الدولة العسكرية، الجيش وباقي الأجهزة الأمنية المسلحة الأخرى، وجعلتها ساحة للصراع السياسي في سبيل القبض على السلطة. وكان ذلك بطريقة جعلت الشعور بالغبن الذي وجدته القواعد الشيعية تجاه الأجهزة الأمنية قبل عام 2003 ينتقل إلى القواعد السنية تجاه القوى الأمنية التي أعيد تشكيلها بعد الاحتلال الأميركي. ولجأت القوى السياسية السنية والشيعية إلى استخدام السلاح لتسوية الخلافات، بدلً من الصراع السياسي ضمن الدولة. وهي تستغل في ذلك حالة الفراغ السياسي التي تبعت حل الجيش والأجهزة الأمنية، بهدف تطوير قدراتها المسلحة تجاه الفصائل المتشددة المرتبطة بالقاعدة أو المتناغمة فكريًا معها؛ الأمر الذي لم يصبّ مطلقًا في مصلحة تركُّز صورة الدولة، وسيرها نحو أخذها

مكانتها الطبيعية في الوعي الجمعي، وبما يعزز التخندق المكوناتيّ، وجعل انبثاق «جيوش الطوائف»

أمرًا طبيعيًا وبديهيًا في نهاية الأمر. من المهم أيضًا ملاحظة تداعيات الموقف من الدولة عند المؤسستين الدينيتين في العراق، بين من وقف ضدها ومن وقف معها، بمواقف متناقضة، حتى داخل المؤسسة الواحدة ضمن الطائفة الواحدة، ما يضيق المحل عن ذكره، أكان في العهد الملكي أم في العهود الجمهورية مع اختلاف درجة الصدام بطبيعة الحال، وصولً إلى الصدام الدموي بين السلطة العراقية البعثيّة والتيارات الإسلامية.

قادت هذه الملابسات كلّها إلى تعمق الخلافات الهويّاتية الإثنية، وتوسع الهوة بين الدولة ونظامها السياسي وقواها الأمنية من جهة وجمهور كبير من العراقيين، قد يكون هو الأغلب. وتفجرت هذه التناقضات الدينية كلّها مباشرة في عام 2003، لتهدد بإطاحة الدولة معنويًا، بعد أن أطاح الأميركيون

(((1 عماد الشيخ داود، الأحزاب السياسية العراقية (بغداد: دار الخبرة العراقي، 2012)، ص.4 ((1(يُنظر: خليل مخيف الربيعي، «ملف: «الازدواجية السياسية في العراق/ديمقراطية ب ديمقراطيين»: الازدواجية في سلوك

الأحزاب السياسية (العلاقة بين الديمقراطية والدكتاتورية»)، مدارك (بغداد)، السنة 1، العدد 2 (شتاء 2006)، ص.23 (((1 يُنظر: إيمان رجب، «العراق بعد عام 2011: التحديات في فترة ما بعد الانسحاب الأمريكي»، المستقبل العربي، السنة 34،

العدد 396 (شباط/فبراير 2012)، ص 66 وما يليها. (((1 يمكن على سبيل المثال الرجوع بهذا الشأن إلى دراسات مثل: بطاطو، العراق؛ رشيد الخيون، لاهوت السياسة: الأحزاب

الدينية المعاصرة في العراق، والأديان والمذاهب بالعراق، وغيرها من الدراسات. (((1 ينظر: عبد الستار شنين الجنابي، تاريخ النجف السياسي 1941-1921 (بغداد: مكتبة الذاكرة، 2010)، الفصل الثاني، ص 88 وما يليها.

نظامها السياسيّ، وقادت في آخر الأمر إلى انبثاق الفصائل غير النظامية على أسس دينية في الدرجة

الأولى. إن النظام السياسي يأخذ، غالبًا، أدوارًا مزدوجةً في صنع الموقف من الدولة ويؤثّر بطرائق عدة. فتبنّي

السلطة السياسية مذهبًا معيّنًا، وفرض شروطه وتفسيراته على الجميع، سيولّدان ردات فعل معاكسة

تدفع أيديولوجيًا إلى العنف. فضلً عن ذلك، إن إخفاق السلطة السياسية، وإن لم تتّخذ صبغة غير

دينيّة، في بناء منظومة قوانين تضمن حقوق المواطنين وتعزّز العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية

سيقود إلى الاضطرابات، وإلى ضعف سلطان الدولة، ثم إلى بزوغ قوى محليّة تقوم مقامها. وما دام

الدين يمثّل ركنًا أساسيًا في القيم الاجتماعية، فإن تلك التنظيمات ستكون متعلّقة به، وسيتعزَّز السخط

على الدولة فضلً عن السلطة السياسية، ويتمظهر في صدام مسلّح ضمن تنظيمات عقائدية. كما أن فشل الدولة في إدارة الصراع الاجتماعي، وإيجاد تسويات للمطالب المتناقضة، لن يكون بديل منه إلا ظهور الحركات المسلحة، وانضمام الشباب إليها، بدوافع ربما لا يكون الدين ركنها الأساس، بقدر ما تكون المطالب السياسية والدوافع الطائفية المؤسّسة سياسيًا هي محفّزها الأساس. وهذا ما

تجلّى في تطوّر الاحتجاجات السنيّة في العراق، والتي قادت إلى سقوط المحافظات السنيّة في أيدي

تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام «داعش»، وبزوغ نجم الفصائل الشيعية المسلحة تجاهها. إضافة إلى ذلك، إن انعدام فرص العمل وضعف القدرة على توفير وظائف جديدة للأعداد التي تدخل سوق العمل سنويًا، قاد الشباب نحو اتّجاهين محدّدين للعمل؛ إما الانخراط في القوى الأمنية الحكومية

التي بدأت تتضخّم على حساب المؤسسات الأخرى، وإما التوجه نحو التنظيمات الراديكالية التي أصبح لبعضها استقلالية تامة عن الدولة في بغداد، وأخذت تفرض ضرائبها على المواطنين في مناطق نفوذها؛ الأمر عينه الذي كانت القاعدة تمارسه في الموصل تجاه المواطنين، في ظل فشل الأجهزة الأمنية في الدولة أو تواطئها مع هذه التنظيمات. لهذا كلّه، يبدو أن الربط بين انهيار الدولة في العراق وانبثاق النزعات المكوناتية الانفصالية، وتبدّل اتجاه المعارضة الوطنية من الخارج إلى الداخل لحظة الاحتلال الأميركي في عام 2003، أمر فيه نظر، لأن الدولة لم تنضج من الأساس في العراق، ولم تكن التناقضات التي انفجرت مع الاحتلال وليدة تلك اللحظة. بالتأكيد، عمق الأميركيون تلك التناقضات وعمدوا إلى تفكيك البنى السياسية، وإعادة تركيبها على قوام جديد، لكن البيئة الحاضنة - إثنيًا - لهذا القوام كانت قد نضجت في خلال

عقود طويلة، سبقت لحظة الاحتلال الأميركي، كما تطرّقت إليها هذه الدراسة.

(((1 مها يحيَ، «الجاذبية القاتلة: خمسة أسباب لانضمام الشباب إلى داعش»، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 7 تشرين الثاني/

نوفمبر 2014، شوهد في::2016/4/25

goo.gl/V6WiQP.

((1(علي المعموري، «الشباب العربي والحركات الراديكالية: م حااظات حول الحضارة والسلوك»، ورقة مقدمة في: عمرو

الشوبكي وآخرون، الشباب وجماعات العنف: «رؤى شبابية»، ترجمة سونيا فريد، أيمن عبد المعطي (مراجعة) (القاهرة: منتدى البدائل العربي للأبحاث؛ مؤسسة روزا لوكسمبورغ، 2016)، ص.105 ((2(ينظر مثً: عبد الإله بلقزيز، «العراق بين أنفاقٍطائفية وآفاق وطنية »،، العدد المستقبل العربي 429 (تشرين الثاني/نوفمبر

2014)، ص 126، ويُقارن ب «الاحتلال وعصف الهوية الوطنية للعراق»، في: بصمات الفوضى، ص.107

الجيش العراقي والعراقيون: ثنائية القمع والحماية

ربما يجد المتتبع لتاريخ الدولة العراقية الحديثة أن الجيش العراقي، في معظم أوقاته - إن لم تكن كلها - كان موقعه مع السلطة السياسية بوصفها الدولة، لا بوصفها منبثقة عن إرادة المواطنين المنضوين إليها، وأنه ضامنهم بضمان الدولة. وسيكون من المعقّد تقديم إجابة كافية عن السؤال المتعلق بهذا المبحث: ما هي التراكمات التاريخية لمواقف القوى الاجتماعية من الجيش، والتي ألقت بظلّها على إعادة التأسيس بعد عام 2003، وموقف القوى الدولية والإقليمية في هذا السياق؟ سيتناول هذا المبحث الموضوع من خلال مدخلين أساسيّين، وذلك بالتأسيس على ما سبق ذكره

من اهتزاز صورة الدولة، واختزالها بالقابض على النظام السياسي، وتحول هذا الاهتزاز إلى انفجار مكوناتي آخر الأمر، وهذان المدخلان هما:

الجيش والنظام والسياسيون: ذراع السياسة وصانعها

يلُاحظ عند طرح هذا الموضوع أن فيصل الأوّل، هو الآخر، كان قد ربط بين قوة الجيش وقوة النظام

السياسي، فذكر في مذكرته التي سبق التطرق إلى مضمونها، وبعد أن تعرّض للتناقضات الإثنية،

وتداعيات التخندق الطائفي على حكومته، أن معاونيه يرون ضرورة عدم الالتفات إلى التحريض الذي تمارسه القوى التقليدية تجاه حكومة الملك، وأن المُتعيَّن هو المضي بعزم وقوّة في سياسة تطبيق

الإصلاحات، ويقول الملك: إنه كان من الممكن أن يوافقهم في رؤيتهم «لو كان بيد الحكومة القوة الظاهرة التي تمكنها من تسيير الشعب على الرغم من إرادته». وسنستنتج من ذكره لتمرّد الأكراد بقيادة

الشيخ محمود الحفيد البرزنجي - دليلً على ضعف حكومة المملكة   ((2(- أن الملك لم يكن يتحدث إلّ عن الجيش، وهو يذكر افتقار حكومته إلى «القوة الظاهرة.» سبق لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي الإشارة إلى مشكلة موقع الجيش من الدولة عبر منظور السلطة السياسية، وتداعيات اختلال صورة المؤسسة العسكرية عند المجتمع العراقي، والربط بين «السمعة السيئة» للسلطة عند العراقيين منذ العهد العثماني وامتداد سوء الظن بها إلى العهد الملكي. واستدل على هذا بالدرجة الأولى بنظام التجنيد الإجباري الذي وجد فيه دلالة على كره العراقيين للسلطة، وربْطِهم دائمًا بينها وبين الأذى. وكان أكثر ما فاقم المشكلة هو فرض التجنيد الإجباري على

أبناء العشائر الذين كانت تعفيهم الدولة العثمانية من التجنيد. فصار كره السلطة ورجالها مضاعفًا، سواء أكانت تطالب العراقي بالضرائب، أم تلاحقه بالتجنيد الإجباري. ويتعلق جوهر هذه المشكلة، بحسب الوردي، بإهمال الدولة التعليم الإجباري؛ ما أوقع مواطنيها في مأزق عدم فهم التحول الاجتماعي والسياسي الذي طرأ على بلدهم بعد الاستقلال وقيام الحكم الوطني، وعدم قدرتهم على فهم أن السياسات الحكومية، وما تلزمهم به من واجبات، هي جزء من طبيعة العلاقة التي تربط المواطن بدولته وتبيّن ما له من حقوق وما عليه من واجبات تجاهها.

(((2 الحسني، ص.10 (((2 ناهض حسن جابر الساهوكي، البعد السياسي في فكر علي الوردي (بغداد: مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 2014)، ص 289 وما يليها.

ما يعزّز ما ذهب إليه الوردي بشأن تضخم الصورة السلبية للجيش، بالتضافر مع الفكرة الراسخة في الذاكرة الجمعية العراقية عن الجيش العثماني، هو قمع الجيش التمردات العشائرية إبّان العهد الملكي، في العشرينيّات والثلاثينيّات من القرن الماضي وغيرها من الاهتياجات الاجتماعية، وصولً إلى

الصدامات العسكرية المزمنة مع الأكراد في العهود الجمهورية. إذا كانت تلك الحركات العسكرية التي قام بها الجيش ضد مواطنيه قد اندرجت تحت عنوان مفاده أنه هو ذراع النظام السياسية الضاربة، وحامي الدولة من خلال حماية النظام، فإن هناك تحركات أخرى كان الجيش خلالها منخرطًا في السياسة، صانعًا لها لا بصفته ذراعًا. وكان أبرز هذه التحركات في العصر الملكي انقلاب بكر صدقي في عام 1936، ثم حركة العقداء الأربعة في عام 1941، والتي شكلت بمجملها المقدمات الجنينية التي ستقود إلى التدخل الأقوى للجيش، من خلال الانقلاب العسكري في عام 1958، وما تلاه من انقلاباتٍ عسكرية في عامي 1963 و 1968. لعل الملابسات المتعلقة بدور الجيش في السياسة، وموقعه من الدولة، وانعكاس ذلك كله في الوعي الجمعي العراقي تجاه الدولة، اتّضح عند هذا الموضع، وصار بيّنًا؛ إن أيّ قوة تطرح نفسها في مقابل

الجيش بصفتها حامية للإثنية، لن تكون في موضع نفور جمعيّ إذا لم تكن في موضع ترحيب، وهذا

ما يمكّن الدراسة من الانتقال إلى الشق الثاني من موضوعها.

الانبثاق الأول للفصائل غير النظامية: السياسيون والجيش

تطرقت الدراسة، حتى هذا الموضع، إلى تقلّب الجيش خلال عمر الدولة العراقية الحديثة بين دوره بصفته حاميًا للدولة، وتحولاته من حماية النظام السياسي إلى صانع للسياسة ومسيطر عليها، وصول

إلى الانقلاب العسكري في عام 1958 وقيام الجمهورية. وبقي الجيش في أثناء العهد الجمهوري الأوّل قابضًا على السياسة، من خلال شخص رئيس الوزراء (الزعيم عبد الكريم قاسم)، وسيطرة العسكريّين على مجلس السيادة، ورئاسة الفريق نجيب الربيعي المجلس. وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي

(((2 ينظر للتفصيل: سعد العبيدي، وأد البطل: نهاية جيش وملحمة وطن (دمشق: تموز للطباعة والنشر والتوزيع، 2013)، ص.35

ويُنظر حول عنف الجيش وتداعياته السلبية: فريد جاسم حمود القيسي، العنف في العراق: دراسة سوسيولوجية تحليلية نقدية في

أسباب العنف، المركز العلمي العراقي 52 (بغداد: المركز العلمي العراقي؛ بيروت: دار ومكتبة البصائر للطباعة والنشر والتوزيع، 2012)، ص.177 (((2 من المهم في هذا الموضع الإشارة إلى ما يتعلق بالضباط الشريفيين السابقين الذين اعتمد عليهم فيصل الأول في تنظيم دولته الناشئة، حيث يلاحظ أنهم على الرغم من كونهم عسكريين، فإنهم لم يمارسوا أدوارهم السياسية بهذه الصفة، ولم يُتح لهم

استخدام الجيش في حراكهم السياسي لعدد من الأسباب؛ أهمها وجود البريطانيين في العراق، وكاريزما الملك فيصل الأول وقدرته على السيطرة على هذه النخبة من الضباط، يُضاف إليها الموقع الاجتماعي المتدني لمعظمهم؛ الأمر الذي جعلهم في زاوية حرجة،

ربطت وجودهم بوجود الملك وحمايته لهم، فضلً عن أن الجيش لم يكن قويًا بما يكفي ليمارس دورًا في التأثير في السياسة،

بالقوة التي امتلكها لاحقًا بعد وفاة فيصل الأول، وصول إلى انقلاب بكر صدقي. وتطرق حنا بطاطو بالتفصيل إلى هذا الموضوع

في الفصل العاشر من الجزء الأول من كتابه: العراق، ابتداء من ص 355. من المهم أيضًا الإشارة إلى أن الجيش العراقي لم يتحول

طوال تحركه في المجال السياسي إلى مؤسسة مغلقة، لها مصالحها ونفوذها ومجالها المستقلّ المتحكم بالأمور، كما حدث في

مصر مثلً، وهو أمر يتعلق بدرجة كبيرة بالملابسات التي رافقت الانقلابات التي تلت انقلاب عام 1958، وموقف حزب البعث من الجيش، الأمر الذي ستتطرق إليه الدراسة في المبحث الآتي.

العراقي كان قد أدى بعض الأدوار شبه العسكرية، في مساندته حكومة عبد الكريم قاسم، في حركة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل في عام 1959، وفي تحرّكه بعد انقلاب عام 1963، فإن

فصيلً عسكريًا غير نظاميّ، لم يتشكّل بصورة مؤسسية، حتى وقع الانقلاب على عبد الكريم قاسم. كان انقلاب عام 1963 هو التغيير السياسي الذي رافقه ظهور أوّل شكل للفصائل المسلّحة غير النظامية،

الفصيل الذي ارتبط وجوده بأسباب سياسيّة، تتعلّق بقلة ثقة القيادات السياسية أو الضباط المنتمين إلى

حزب البعث العربي الاشتراكي في الجيش. ونعني بهذا الفصيل «الحرس القومي» الذي صُدّر قرار

تأسيسه بالرقم (35) في 28 شباط/فبراير 1963. كان عدد البعثيّين بين قيادات الجيش والضباط قليلً جدًا؛ الأمر الذي لا يتيح للحزب السيطرة الكاملة

على الجيش، بوصفه القوة الأكبر في العراق، ما حفّز القيادات البعثية على تشكيل فصيل مسلّح غير نظامي يأتمر بأمر الحزب، ولا يخضع للتراتبيّات العسكرية، حتى وإن كانت قيادته عسكرية أساسًا.

ونتيجة ذلك تعاظم دور الحرس القومي إلى درجة التدخل في شؤون الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، وتحملَ منتسبوه مسؤولية وفاة كثير من المعتقلين الشيوعيّين. وامتدّ نفوذه إلى الضغط على القيادتين

العسكرية والسياسية العليا، ما قاد بعضًا من كبار العسكريين البعثيين إلى الالتفاف مع الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف، للانقلاب على الحرس القومي ونفوذه المتعاظم، وصدامه مع الجماهير، بطريقة أضرّت بسمعة القيادات السياسية. بعد ذلك، انطوت صفحة الحرس القومي بصفته فصيلً مسلّحًا غير نظامي، بعد أن قصف الجيش مقرّه

في الأعظمية في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1963، وحلّه الرئيس عبد السلام عارف نهائيًا في 18 تشرين

الثاني/نوفمبر 1963. لم ينتهِ دور الفصائل غير النظامية عند هذا الحد؛ فبعد الانقلاب العسكري في عام 1968، أسّست

القيادات البعثية «الجيش الشعبي» ونُسّب إلى قيادته حزبيٌّ كبيرٌ هو طه الجزراوي، لكنه لم يتطوّر إلى

(((2 للتفصيل ينظر: ليث عبد الحسن الزبيدي، ثورة 14 تموز 1958 في العراق (بغداد: دار الرشيد، 1979)، ص 430 وما يليها. (((2 من المهم في هذا الموضع أن نشير إلى ملاحظة دقيقة، تتعلق بإهمال الدراسة فصيلين من الفصائل المسلحة التي سبقت تأسيس الحرس القومي، هما البيشمركة الكردية وقوات الليفي الآشورية، وبقدر ما تعلق الأمر بضرورة ألا تستطرد الدراسة كثيرًا، إلا

أن لهذا سببًا يتعلق ببنية هذين الفصيلين؛ فمؤسسو قوات الليفي هم البريطانيون، بينما يكتنف تاريخ طويل من الصراع مع الدولة

العراقية ظهور البيشمركة واستقرارها بصفتها قوات مسلحة كردية. ويقود تناولهما إلى طريق آخر هو أن هذه القوات نشأت من

الأساس بميكانيزمات مختلفة عن تلك التي ركزت الدراسة عليها، وأن الفصيلين كليهما اُسِّسا وتحركا من الأساس خارج الدولة،

فمن مشكلة الأكراد مع الدولة الحديثة واشتباكاتهم مع العثمانيين، ثم مع الدولة العراقية الحديثة، ثم مسيرتهم الطويلة في الاشتباك

مع الدولة التي تتطلب دراسة مستقلة. ولا تذهب الدراسة إلى أداء دور كبير مؤثّر في الوعي الجمعي العراقي غير الكردي قبل عام

2003. إن تأسيس البريطانيين قوات الليفي بالطريقة ذاتها، تجعلها خارج الحد السياسي الذي ركّ زت عليه هذه الدراسة، كذلك

لم تتطرق الدراسة إلى سرايا المقاومة الشعبية التي أُسِّست بعد الانقلاب العسكري في عام 1963 في أوساط الشيوعيين العراقيين

وهدفت بالأساس إلى «استرجاع الشرعية» من الانقلابيين، ما يربط وجودها بسياق آخر غير سياق نشأة الحرس القومي، كما يتضح من متن الدراسة. (((2 العبيدي، ص.46 (((2 حسن لطيف الزبيدي، موسوعة السياسة العراقية (بيروت: العارف للمطبوعات، 2013)، ص.217

تشكيل مسلّح كبير فعليّ، إلا بعد اندلاع حرب الخليج الأولى في عام 1980. وعلى الرغم من أن قيادته

ذات التجربة السابقة مع الحرس القومي حاولت ألّ تجعله على احتكاك مع الجمهور، فإن الحرب المستعرة فرضت أن يصبح الجيش الشعبي، آخر الأمر، أداةً للتطويع القسري، بل ومُنح صلاحيّات

تنفيذ أحكام الإعدام في بعض المناطق. إن التعرّض في هذه الفقرة إلى الفصائل غير النظامية لا يبدو مبكرًا عن موضعه؛ ذلك أن الإجابة عن

السؤال المركزي في هذا الشأن تقتضي فهم الطريقة التي زُجَّ بها الجيش في السياسة، وكيف جرى

إقصاؤه بطريقة سياسية أكثر ضررًا بدورها. يلُاحظ أن الأيديولوجيات الحزبية الشمولية قد انتقلت بالجيش في هذه المرحلة من كونه ذراعًا للسياسة أو صانعًا لها إلى حالة من الانكفاء، من خلال سيطرة حزب البعث عليه؛ الأمر الذي وضعه في موقع شك القابضين على السلطة والمواطنين أنفسهم؛ إذ حرصت القيادة التي أمسكت السلطة بعد انقلاب عام 1968 على إفراغ الجيش من قدرته على التأثير، وهدمه داخليًا بطريقة تمنعه من أن يعود

إلى موقع المؤثّر الأكبر في السلطة وصانع السياسة الأقوى، خصوصًا بعد تولّي صدام حسين رئاسة الجمهورية العراقية. من خلال هذا العرض السريع، سيتبين لنا أن حدة التناقضات بين الإثنيات في العراق، وتطور الصراع إبّان العهود الجمهورية بالتدريج إلى قمع مكثّف وشديد من الأجهزة الأمنية، بدآ في العهد الأول بقمع حركة الشواف في الموصل، ثم تطوَّرا في العهد الثاني إلى قمع الحركة الشيوعيّة بوحشيّة، ليتحولا في

العهد الثالث إلى عمليات تصفيات للحركات السياسية وإبادة لها. وهذه الحركات هي التي انتقلت بعد اضمحلال دور الحزب الشيوعي إلى صراع طائفي وقومي بحت عمق المكوناتية. إن تصدُّر الأحزاب الشيعية المسلحة والأحزاب الكردية الصراع مع النظام السياسي جعل من الجيش أداة للقمع، وجرّد

ضباطه في الوقت نفسه من الخيار المهني، من خلال زَجِّ أعداد كبيرة من الضباط البعثيين في صف

القيادات. وفي مسار متوازٍ، عمل على هيمنة القوى الأمنية الأخرى (مديرية الأمن، وجهاز المخابرات، وفضلً عن المكاتب الحزبية) واختراقها مفاصل الجيش، وتحكّمها بمصائر رجاله كما كانت تتحكم بمصائر المواطنين. عمّق هذا كلّه الصورة السلبية تجاه الدولة، ومنح الأحزاب السياسية المعارضة

خطابًا شرسًا ضد الجيش، والأجهزة الأمنية، بكيفية أخذت طريقها لأداء دور مضرّ جدًا بعد عام.2003

وقادت إلى اضطراب عملية إعادة تأسيس الجيش والقوى الأمنية، واختلال بنيويّ في الجيش. وبرّرت

(((2 العبيدي، ص.48-47 ((3(عملية تفتيت الجيش بالسياسة أخذت وقتًا طويلً، وعبرت مراحل عدة اختلفت أدواتها باختلاف الحقب السياسية في العراق،

ومن خيرة المصادر التي تابعت عملية التفتيت تلك، هي كتاب الفريق سعد العبيدي الذي أشارت إليه الدراسة في مواضع عدة. من المفيد أيضًا الاطلاع على: علي المعموري، «التدخلات السياسية وعمل الأجهزة الأمنية في العراق»، ورقة مقدمة في: أثر التدخلات السياسية على الأجهزة الأمنية والعسكرية، مجلس الأمن الوطني ومركز النهرين للدراسات الاستراتيجية، بغداد، 26 نيسان/أبريل 2016؛ كذلك القيسي، ص.181-179 (((3 نبيل ياسين، التاريخ المحرم.. دراسة تحليلية في الفكر السياسي العراقي المعاصر، ط 2 (بغداد: نون للنشر، 2008)، ص 78 وما يليها.

في محصلة الأمر ومهّدت لانبثاق فصائل مسلحة غير نظاميّة، كانت بمنزلة جيوش للمكوّنات؛ جيوش

منحت الأمن بديلً من الدولة (العدوّة دائمًا قبل عام 2003، ثم المهتزة العاجزة بعده.) إعادة تأسيس الجيش، بين الماضي المضطرب والقوى المتخوّفة ألقت الظروف التاريخية التي تطرقت إليها الدراسة بظلها على إعادة التأسيس، فاختلطت الطموحات السياسية بالمخاوف التاريخية والتدخلات الإقليمية، بطريقة عملت على إضعاف صورة الجيش أكثر مما هو عليه، وجعلته ساحةً للصراع المكوناتيّ، وأداة لإحكام إمساك السلطة مرة أخرى. وسنلمس

هذا واضحًا في التوجهات التي هيمنت على رؤى القوى وسياساتها التي أسهمت في إعادة التأسيس. سوف نجد أن الأميركيين كانوا يريدون قيام عراق غير مقتدر عسكريًا، ولا يشكل خطرًا على حلفائهم

المجاورين، وعاجز عن تشكيل أي ضغط على إسرائيل. وكان بول بريمر رئيس سلطة الائتلاف الموقتة، قد بادر إلى حلّ الجيش العراقي وتسريح القادة والجنود الذين وجدوا أنفسهم فجأة من دون عمل؛ ما سهل انخراط بعضهم لاحقًا في الجماعات المسلحة مباشرة. أما السياسيّون العراقيون، فيذكر السياسي العراقي والوزير عادل عبد المهدي أن رؤية مجلس الحكم

والقوى المشكِّلة له كانت مبنية على أساس تكوين جيش قليل العدد؛ الأمر الذي يسمح بذهاب الواردات إلى العملية التنموية، بينما نجد رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري مهّد لحديثه حول الأمن العسكري وأجهزته وأهدافها بعد التغيير، بأن وصف الوضع العام الذي كانت عليه أجهزة الأمن العراقية قبل عام 2003، وخلص إلى أنها كانت تسير وفق مهمة حفظ النظام السياسي لا الشعب، وأنها صارت إلى درجة من الدموية، فجّرتها بعد التغيير - وحل تلك الأجهزة - تجاه الشعب، ويعود ليُبيّن أن

الشرطة الناشئة بعد عام 2003 كان عليها أن تواجه تحدّيات «أكثر اتّساعًا وتنوّعًا من قدرة الشرطة الفتية

على تغطيتها». في الوقت الذي مهدت التراكمات بين عامي 1958 و 2003 لعملية تأكّل الدولة وتحويلها إلى مقاطعات مكوناتيّة على مستوى الوعي الجمعي على الأقل، فإن انهيار عام 2003 كان النقطة المفصلية التي

سرّعت عملية الهدم. وفي خلال الحقبة التي كانت الحكومة العراقية تعيد تأسيس الجيش والأجهزة

(((3 يُنظر: جايمس بتراس، سطوة إسرائيل في الولايات المتحدة، ترجمة حسن البستاني، مركز التعريب والبرمجة (مراجعة وتحرير)

(بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2007)، ص 42، يوسف خليفة اليوسف، مجلس التعاون الخليجي في مثلث الوراثة والنفط

والقوى الأجنبية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص.279 (((3 مصطفى غيثان، «جديد التعاون بين داعش وبعض ضباط الجيش السابق»، كراس النهرين، العدد:2 الإرهاب: داعش أنموذجًا

(2015)، ص 103، والكراس هو إصدار دوري يصدر عن مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية في مجلس الأمن الوطني العراقي. (((3 «أزمة العراق: غياب المشروع الوطني» (ملتقى بحر العلوم للحوار (2)، بغداد، 2012)، ص 13، ولكن الواقع يبيّن أن معضلة

الأمن لم تبرز بعد عام 2005 كما ذكر عادل عبد المهدي؛ فالتغيير العسكري الأميركي وما رافقه من انف ت أمني ونهب وتأخر الأميركيين في التدخل لحفظ الأمن العام جعل الأمن هاجسًا يوميًا للمواطن العراقي، ولعله تفاقم ببروز مشكلة الإرهاب كما تطرق

إليها عادل عبد المهدي. (((3 علي السعدي، حزام النار: الجعفري والعراق الجديد: مفردات المواجهة وم مااح الس ماا، ط 2 (بيروت؛ النجف الأشرف: العارف للمطبوعات، 2009)، ص.181-179

الأمنية فيها بطريقة خاطئة، كانت الجثث تتراكم في الشوارع، معززة عملية هدم صورة الدولة الحامية، مستنزفة قوة الجيش الوليد في الوقت نفسه. كانت عملية الهدم تسير في خطين متوازيين، ماديًا ومعنويًا، لتضيف أبعادًا أخرى إلى الميراث التاريخي، لما قبل عام 2003، وتعامل الأجهزة الأمنية السابقة مع العراقيين الذي ترك آثارًا سيئة في ذاكرتهم، بعد أن ارتبط عمل الأجهزة الأمنية بحماية النظام، وارتبطت صورتها بالرقابة على المواطن إلى درجة أن كلمة الأجهزة الأمنية كانت تثير الخوف بدلً من بعثها الطمأنينة في النفوس. هذا الموقف المسبق من القوى الأمنية، سواء أكانت جيشًا أم شرطة، والخوف من ممارستها السياسة، وتدخلها في الحكم، فضلً عن تجربة الإقصاء في السابق، ومكانة مسألة التوافق في الإدراك السياسي العراقي الجديد، قد وجدت طريقها لاحقًا كهدف نُصَّ عليه في الدستور، وفي الوقت الذي نَص الدستور فيه على منع القوات المسلحة من التدخل في السياسية، ومنع رجالها من الترشُّح لمنصب سياسيٍّ، وأكّد ضرورة إخضاع المؤسسة العسكرية للقيادة المدنية، ومنع تكوين الجماعات المسلحة،

أكّد أيضًا ضرورة التوازن (بين مكونات) الشعب العراقي في القوات المسلحة العراقية، لتعود السياسة مرة أخرى إلى تفصيلات عمل الأجهزة الأمنية. يضاف إلى ذلك غياب الاتفاق على المشروع الوطني الموحد بين القوى السياسية؛ ما أدّى دورًا

في غياب الاستراتيجيات العليا المتعلقة بالأمن الوطني، وترك أثرًا خطِرًا في عمل الأجهزة الأمنية

ضمن أهداف الأمن الوطني العراقي. يضاف إلى ذلك عدم وجود مفهوم واضح ومحدَّد لدى السلطة السياسية تجاه الأمن الوطني، والاختلاف في تحديد التهديدات المتبادلة بين القوى السياسية، وعدم توافر القدرات العسكرية والأمنية اللازمة لتوفير المستوى المطلوب من حماية المصالح الوطنيّة. يشير الفريق سعد العبيدي، في ما يتعلق بالقوة العسكرية للدولة ومدى جاهزيتها، والبيئة التي يفترض أن تعمل فيها، في هذا الشأن، إلى أن مستوى القدرة على تحمل الأعباء داخل الجيش العراقي، فضل عن مسائل ترتبط بالعلاقات القائمة بين العسكريين أنفسهم وساحات عملهم المباشر، وعلاقاتهم بالمدنيّين واستجابة هؤلاء لعملهم، ضمن جوّ سلبيّ يحاول فيه الإرهاب اختراق الجدار النفسي

للدولة، كلّها عوامل تؤدّي دورًا في عملية الهدم الداخلي للجيش، فضلً عن ضعف التهيئة للقتال.

كما أن الخلافات السياسية وتبادل إلقاء اللوم، وتحمل المسؤولية بين البرلمان والحكومة، أ ضعفتَ الدعم الموحّد الواجب توفيره لعمل القوات ميدانيًا، في ظلّ تبادل اللوم بين الحكومة والبرلمان في

شأن الإخفاقات.

(((3 مقابلة شخصية مع مظفر جواد أحمد نائب رئيس مركز الدراسات التربوية والأبحاث النفسية في جامعة بغداد بتاريخ (2013/2/22)؛ ويُنظر: القيسي، ص.178

(((3 ينظر: المادة (9) أول أ، ب، ج، من الدستور العراقي الدائم. (((3 رعد الحمداني، «معضلة الأمن الوطني العراقي»، المستقبل العربي، السنة 32، العدد 371 (كانون الثاني/يناير 2010)، ص.124 (((3 العبيدي، ص.131

لا بد من ذكر الأثر الضار لضعف الثقة بين القادة السياسيّين في تسليح القوى الأمنية والجيش خصوصًا؛

إذ اعترضت قوى سياسية عدة على صفقة شراء طائرات «أف 16» من الولايات المتحدة، بطريقة لا يمكن تجاوز أثر العوامل الإقليمية في الدفع تجاهها. علاوة على ذلك، يجب ألا نغفل طبيعة الأزمات السياسية التي أدت إلى عجز الدولة عن حماية المواطنين والخوف من الآخر، وهي التي يرتبط بها، بدرجة كبيرة، ظهور مشكلة انبثاق الفصائل المسلحة بعد عام 2003؛ إذ إن الخشية من ظهور تحديات سياسية من جانب سلك الضباط، خلال حكومات ما بعد عام 2003، قادت إلى إدخال كوادر مدنية في الإدارات العليا للجيش والمؤسسة الأمنية، نتجت عنها اجتهادات غير موفقة. ويعزى هذا إلى نقص الخبرة الخاصّة بالتسليح والتدريب والقرارات العسكرية الحاسمة، فضلً عن أن التدخلات السياسية في تفصيلات العمل الأمني أدّت بطريقة ما بتأثير التقاطعات السياسية إلى تسريب الخطط الأمنية، ما ألحق الضرر بالقوات العسكرية العراقية. أما التجلي الأكثر وضوحًا لوطأة التاريخ والصراع السياسي، فظهر في قانون الدمج (رقم 91 لسنة 2004)، حيث زجّ بموجبه بمئات المقاتلين السابقين في الأجنحة العسكرية للأحزاب التي كانت تقود المعارضة من خارج العراق قبل عام 2003؛ إذ ذكر عدد من التقارير معلومات عن انغمار الأحزاب السياسية بآليات انتساب الأفراد إلى الأجهزة الأمنية، وما رافق خطة إعادة دمج الفصائل المسلحة التي قاتلت النظام السابق في الأجهزة الأمنية، ومواقف القوى المعارضة لهذه الخطوة؛ الأمر الذي أضيفت إليه مشكلة أخرى تتعلّق بما قرّرته الحكومة حيال ضغط الاشتباكات مع القوات الأمنية، فلجأت إلى

استعمال «قوات غير نظامية» في مناطق حزام بغداد، فأفسد هذا الأمر الوفاق بين القوات الحكومية وسكّان تلك المناطق؛ ما قاد إلى استغلال تنظيم «داعش» هذه المشاعر لإذكاء الروح الطائفية. أضف إلى ذلك أن إعادة التشكيل، وبناء قدرات الجيش، كانا يحدثان في ظل أوضاع أمنية صعبة، ضمن الخلاف السياسي الشديد، وضمن التطور المتنامي لأعمال التخريب ضد الدولة؛ الأمر الذي قاد إلى إقحام القوات الناشئة في القتال، من دون أن تُحقق جاهزيتها الفعلية؛ الأمر الذي انعكس على أدائها في المحصّلة. كما أن الدفع السريع للمدنيين إلى الإدارات العليا، وسرعة تجنيد أعداد كبيرة في وزارتي الدفاع والداخلية، بين عامي 2005 و 2007، بطريقة أضرّت بسلك الضباط تحديدًا، أخلّ بتوازن

الضبط اللازم لأي مؤسسة عسكرية أو أي مؤسسة ذات طابع أمنيّ عسكري.

(((4 «واشنطن تسلم العراق أولى طائرات ال F16 اليوم»، الزوراء (5 حزيران/يونيو 2014)، ص 4. اعترضت النائب لقاء وردي على هذه الصفقة وقالت: إن هذه الطائرات لا تنفع في مكافحة الإرهاب، وإنها ستوجه ضد المواطنين في بعض مناطق العراق خصوصًا. (((4 العبيدي، ص 308؛ وينظر: فلورنس غاوب، «زواج غير سعيد: الع قااات المدنية العسكرية في عراق مابعد صدام»، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 13 كانون الثاني/يناير 2016، شوهد في: 2016/4/5، في:

goo.gl/kgvQ9k.

(((4 ينظر: «المسلحون يشتتون طيران الجيش والاستخبارات للوصول إلى حزام بغداد.. ونسف الجسور يقطع الإمداد العسكري»،

المدى، 2014/3/26، ص.2 (((4 غاوب.

من أكثر الأمور حساسية ذكر انعدام الضبط والانضباط العسكري اللازم توافرهما في المؤسسة العسكرية؛ بسبب استمرار تسلل السياسة إلى المؤسسة العسكرية والأمنية، وهي الخطيئة الكبرى التي ارتكبها النظام السابق، وتسللت مرة ثانية إلى المؤسسة الجديدة. وكان لهذا الخطأ أضرار في الجانب المادي، تجلت في ما ذكرته الدراسة في بداية هذه الفقرة، تخص القيادات المدنية التي قطعت التواصل المؤسسي المفترض في المؤسسات الأمنية العسكرية، وأضعفت الضبط العسكري. أما الجانب المعنوي، فإنه قاد الحماية السياسية لفئات من الضباط، فضلً عن إحجام عدد كبير من العراقيين عن الدخول في القوات الأمنية الناشئة في ظل الاختلاف على طبيعة النظام، إلى اتّهام القوات الأمنية بالفئوية والميل إلى مكوّن عراقي على حساب مكوّن آخر، في ظل قانون الدمج. وهذا الأمر مرتكز بالدرجة الأولى - كما لا يخفى - على العامل السياسي وشدة الصراع السياسي في العراق. إن تفحص آليات إعادة تأسيس الجيش، فضلً عن باقي القوى الأمنية، سيبيّن أن عملية تفتيت الدولة،

وتأكّل قدرتها المادية على إثبات احتكارها الإكراه الشرعي، تضاعفت بطريقة خطرة جدًا، وإن الإخفاقات التي توالت في أداء الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، وتوالي الخروقات الأمنية وتصاعد حدة العنف المجتمعي، والشعور بالغبن السياسي، فضلً عن انتشار السلاح في أيدي المواطنين، أنضجت - غالبًا - الأوضاع المحفزة لأن تقوم الإثنيات بإيجاد «حماتها الخاصّين». فاتجه السنة نحو

الفصائل السلفيّة المعارضة للحكومة في ظل الاستقطاب الطائفي، واتجه الشيعة نحو الفصائل

المسلحة الأخرى التي بقيت حتى حزيران/ يونيو 2014، تاريخ احتلال تنظيم «داعش» الموصل - فإنها تعمل ضمن وضع غير قانوني، وتُثار حولها علامات استفهام كبرى، حتى أتت تلك اللحظة الفارقة التي ستتناولها الدراسة في موضع آخر.

المواقف الإقليمية وامتداداتها الدولية

لا يمكن التغافل عن الموقع الإقليمي للعراق الذي أدّى دورًا فاعلً في مجمل الحوادث التاريخية والتغيرات التي مرت بالعراق ودولته الحديثة؛ إذ منح الموقع الاستراتيجي هذا البلد من القوة قدر ما منحه من الضعف. فعلى الرغم من القدرات التي منحها الموقع، والكفيلة بجعله فاعلً أساسيًا في

إقليمه، قادرًا على المستوى الدولي، فإن الإقليم جعله عرضة لأطماع الإمبراطوريات التوسعية، على مرّ التاريخ. يمكن القول إن الاضطراب الذي اتّسم به تاريخ العراق في إقليمه عزّزته الاختلافات الأيديولوجية والإثنية والاستراتيجيات الدولية بطبيعة الحال؛ إذ اتّسمت العلاقات العراقية - الإيرانية بالتعقيد

(((4 رعد الحمداني، «واقع المؤسسات والقوات الأمنية والعسكرية العراقية الجديدة ومدى قابليتها للإصلاح»، المستقبل العربي، العدد 356 (تشرين الأول/أكتوبر 2008)، ص.109 (((4 المرجع نفسه، ص.109 (((4 يُنظر: ريناد منصور، «المأزق السني في العراق»، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 3 آذار/مارس 2016، في: goo.gl/VRpjsV. (((4 يُنظر للتفصيل: الكيالي، ج 4، ص 41 وما يليها.

والاختلاف عبر الزمن، وهو تعقيد لا يزال مؤثّرًا وحاضرًا في المُدرَك الاستراتيجي الإيراني، وقاد إلى جعل العلاقات الإيرانية - العراقية غير مستقرة بعد قيام الدولة العراقية الحديثة في عام 1921، وحتى انضمام العراق إلى حلف بغداد، ليبقى الدور الإيراني فاعلً في الشأن الداخلي العراقي المتناقض، حتى إبرام اتفاقية الجزائر في عام 1975، والتي سُوِّي بموجبها بعض نقاط الخلاف، وقاد إلى تهدئته. أحدثت تداعيات ثنائية الحرب العراقية - الإيرانية شرخًا سياسيًا معقّدًا، قاد إلى وقوف إيران موقف الحياد الإيجابي لاحقًا، إبّان حرب الخليج الثانية التي قادتها الولايات المتحدة لإخراج العراق من الكويت؛ لأن هذا الاجتياح أضعف الدور العراقي الإقليمي إلى أقصى حد، وشجع إيران على التفكير في استعادة نفوذها السابق في الخليج، وهذا ما أفاضت دراسات كثيرة فيه، ويفسر موقفها من دخول الجيش العراقي إلى الكويت وما تلاه من حوادث. مكّنت العلاقات التي تربط إيران بالقوى السياسية العراقية بعد عام 2003 من أن تكون فاعلً أساسيًا يحتل المكانة الثانية بعد الولايات المتحدة عقب التغيير في عام 2003. وأتاح لها أن تؤدّي أدوارًا مختلفة راوحت بين الإيجابية، كما يرى بعضهم، والسلبية إلى أقصى حد كما يرى آخرون. لكن لا يمكن في أيّ حال، تجاوز الدور الإيراني في العراق ضمن أي وجهة نظر. ويلاحظ أن الحكومة الإيرانية حرصت بدرجة كبيرة على تقديم الدعم العسكري، أكان للقوات النظامية العراقية أم للقوات غير النظامية، بعد تداعيات احتلال تنظيم «داعش» مناطق واسعة في العراق. ويمكن فهم هذا الدعم من خلال نقطتين أساسيّتين: - دعم الحكومة الإيرانية الأوضاع التي مكنتها من أن تكون فاعلً أساسيًا في العراق بعد عام 2003، أي ما سبقت الإشارة إليه من علاقات عراقية - إيرانية بعد ذلك العام. - إن وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة يضعف احتكارها القوة. وهذا الأمر يقود إلى ضعف الدولة، ثم إن ضعف دولة العراق يصب في النهاية في مصلحة القوى الإقليمية المحيطة، فضلً عن إيران نفسها. أما في ما يتعلق بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فمثّل العراق بموقعه وقدراته وموارده وتوجهاته السياسية على مدى التاريخ المعاصر بيضة القبّان في الخليج، وقام بدور الموازن بين القوى

(((4 عبد الجليل زيد المرهون، أمن الخليج بعد الحرب الباردة (بيروت: دار النهار للنشر، 1997)، ص 206، 213؛ ظافر محمد

العجمي، أمن الخليج العربي: تطوره وإشكالياته من منظور الع قااات الإقليمية والدولية، سلسلة أطروحات الدكتوراه 56، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص.413 ((4(ينظر مثلً: اليوسف، ص 297، وعياد البطنيجي، «السياسة الخارجية الإيرانية: الفرص والمعوقات البنائية»، آراء حول الخليج، العدد 74 (تشرين الثاني/نوفمبر 2010)، ص.66 (((5 فريدريك ويري وأرييل أ. آرام، «ترويض المليشيات: بناء الحرس الوطني في الدول العربية المتصدعة»، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 7 أيار/مايو 2015، شوهد في: 2016/4/8، في:

goo.gl/81a5JY.

الإقليمية فيه. وعلاوة على ذلك، أدّى العراق دورًا محوريًا عند اشتداد الأزمات في الخليج. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك من يذكر أن الوهن الجيوسياسي الذي يتميّز به العراق، لضيق إطلالته البحرية جعله يطرح نفسه عبر بُعد أيديولوجي بوصفه حاميًا لبوابة العرب الشرقية تجاه تطلعات إيران، واختلّ هذا الدور كثيرًا، لمصلحة إيران، بعد الاجتياح العراقي للكويت. لكن الدور العراقي في الخليج، ومهما اشتدت قوته، أو ضعفت، فإنه بقي مقيّدًا إلى درجة كبيرة بالرؤية الخليجية تجاه العراق، خصوصًا بعد عام 1990. ولخّصها منعم العمار في ثلاث نقاط أساسيّة: - رؤية العراق كبلد عربي بالدرجة الأساسيّة، لا خليجيّ حصرًا. - ارتباط نيّات الخليجيّين وأفعالهم، بما يمتلكه العراق من قوّة عسكرية، يحسبونها تهديدًا موصوفًا. - الإصرار الخليجي - في ظل التحول الذي أصاب المصلحة القومية - على بناء المقدمات المقصودة لاستيعاب الأيديولوجية القومية وبما يحقق مليًا فصل أمن الخليج العربي عن الأمن القومي العربي. بعد ذلك جاء الاجتياح العراقي للكويت في الثاني من آب/أغسطس 1990، وفجّر الكامن من المخاوف القديمة. وتضافرت عوامل عدّة في جرّ العراق إليه، واستفاضت الدراسات كثيرًا في بحثه. كما أن البعد الطائفي يدخل، بدرجة كبيرة، في الحسابات الخليجية. ويتركز أولً تجاه وجود إيران المتمايزة مذهبيًا مع حكومات دول مجلس التعاون التي ينضوي إلى سلطتها مواطنون يتّسقون مذهبيًا مع إيران؛ ما سبب قلقًا دائمًا لحكومات الخليج من أن يشكل الخطاب الديني الإيراني مصدر تهييج لأوضاعهم الداخلية، وعزز التقارب العراقي - الإيراني ذلك، في أعقاب عام 2003. نخلص إلى أن موقف القوى الخليجية من استقرار الأوضاع في العراق وتعاظم قوته العسكرية سيتحدد ضمن مسارات معيّنة؛ أوّلها التاريخ، ثم الفجوة التي سببتها حرب الخليج الثانية، واحتلال العراق للكويت، ثم تداعيات عام 2003. وثانيها البعد الطائفي. ويتمثّل ثالثها بالخوف من استعادة العراق قوته وتأثيره في المنطقة واستقرار أوضاعه الداخلية. وهي مسارات ثلاثة تتفاوت حدتها من دولة خليجية

(((5 منعم صاحي العمار، العراق ومنظومة الأمن الخليجي: دراسة في خيارات المرحلة القادمة (بغداد: [مكتب الغفران للخدمات الطباعية]، 2012)، ص.30 (((5 المرهون، ص 15، 194؛ وينظر: اليوسف، ص 279. أيضًا: البطنيجي، ص.66 (((5 العمار، ص.38 ((5(ينظر مثلً: اليوسف، ص.273 (((5 إذ رأت الدول الخليجية عمومًا والمملكة العربية السعودية خصوصًا، أن النظام الجديد في العراق غير مرغوب فيه على أساس

ما ذكرناه، يُنظر: حميد شهاب أحمد، «تأثير العوامل الخارجية في السياسة الخارجية للعراق»، حوار الفكر (بغداد)، السنة 9، العدد

24 (آذار/مارس 2013)، ص 161. وعزز هذا تصريحات لمسؤولين غربيين عن التضييق على الحريات المذهبية داخل المملكة،

يُنظر مثلً ما كتبه سفير بريطانيا السابق في السعودية: توم فيلبس، «رأي: ما الذي حدث بالسعودية؟ »، cnnبالعربية، 18 تشرين

الثاني/نوفمبر 2013، شوهد في: 2016/4/8، في:

goo.gl/mqrq81.

إلى أخرى، لكنها، بالمجمل، تقف حجر عثرة أمام صانع القرار العراقي، في ما يتعلَّق بتعزيز قدرات الجيش العراقي. أما الولايات المتحدة، فقامت بعد عام 2003 بتفكيك الجيش العراقي وإعادة بنائه، وفق معايير جديدة، لم تكن بالضرورة مصيبة. وما تركز الدراسة عليه في هذا الموضع هو تنصل الولايات المتحدة من التزام إتمام تعهداتها تجاه العراق، في ما يختص بتأهيل الجيش العراقي الجديد وتدريبه وتسليحه. وهذه التعهدات هي التي وردت، تحديدًا، في إطار الاتفاقية الأمنية المشتركة. من المهم ملاحظة وضع العراق في المدرك الاستراتيجي الأميركي؛ إذ إن عوامل مهمة تتدخل بطريقة مباشرة في اتّجاه دعم الدولة العراقية ونظامها السياسي، أو عدم تقديم الولايات المتحدة الدعم الكافي بالسلاح الذي يمنح الدولة العراقية قوة احتكار العنف الشرعي. أضف إلى ذلك عوامل تتعلّق بجملة من الأمور، يطول التطرق إليها، لكنها تتعلق بالمجمل بوضع العراق بصفته مهدِّدًا للأمن القومي الأميركي، أو لنقل: وضع العراق الجديد، بوصفه منطقة نفوذ أميركية تدعم دورها في الصراع المتنامي في المنطقة وقواها الإقليمية، ومدى تماهي العراق مع الطموحات الأميركية في هذا الشأن، إلى درجة تأديته دور الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة بما يضمن إيجاد تعاون أمني ثنائي مستقر، ضمن منظومة الأمن في المنطقة التي تتناغم مع الولايات المتحدة واستراتيجيتها. هذا يعني أن طبيعة التوجهات السياسية للعراق، أو بعبارة أدق العلاقات الإقليمية والدولية للقادة السياسيين، فضلً عن صراعاتهم الداخلية مع خصومهم السياسيين، سيكون لها أثر في صفقات التسليح الأميركية للعراق؛ إذ إن رفْضَ رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، السيناتور روبرت مينيديز، ترتيبات بيع الأسلحة إلى العراق أو تأجيرها في عام 2014 جاء على هذا الأساس. وما يعزز فرضية الأثر السلبي للولايات المتحدة في قدرة الجيش العراقي والأجهزة الأمنية هو مساهمتها في الإخلال بالثقة لدى ضباط الجيش الجديد من خلال إرسال إشارات توضِّح عدم ثقتها بالجيش، مع أنه كان خاضعًا لإدارتها؛ الأمر الذي يوضّحه، كذلك، رفض الولايات المتحدة تجهيز الجيش العراقي بطائرات «أف 16»، إلا بعد الانسحاب الأميركي الكامل من العراق، خشية استعمال هذه الطائرات ضد قواتها. إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال ما سبق التطرق إليه في النقطة السابقة من التأثيرات الإقليمية، ومدى سماحها بوجود قوة عسكرية مستقلٍّة، وقادرة في العراق، من خلال التأثير في الولايات المتحدة في

(((5 يعزز فكرة الخوف السعودي من استعادة العراق قوته، ما تراه المملكة في نفسها من قدرة على تأدية الدور القيادي في الإقليم،

يُنظر: محمد حسنين هيكل، المقالات اليابانية، ط 6 (القاهرة: دار الشروق، 2002)، ص.180 (((5 كرار أنور البديري، سقوط الموصل: العراق ومحصلة الأعباء الداخلية والخارجية (عمان: دار دجلة، 2015)، ص.36 (((5 المرجع نفسه، ص.102-97 (((5 مايكل نايتس، «لماذا ينبغي على العراق الحصول على مروحيات قتالية من طراز أباتشي»، مركز واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 13 كانون الثاني/يناير 2014، شوهد في: 2016/3/9، في:

https://is.gd/RJaoFF.

هذا الاتجاه؛ إذ أدى نشاط اللوبي السعودي في الولايات المتحدة، مثلً، إلى إيجاد معارضة قويّة ضد صفقات تسليح العراق، ساهمت فيها مراكز تفكير مؤثرة، وبطريقة لا يمكن إغفال دورها في عرقلة صفقات تسليح العراق بالأسلحة الأميركية. أكثر من ذلك، فإن خلطًا كبيرًا وقع بين وظائف الأمن ووظائف الدفاع بعد عام 2003، وهو خلط شكّل

امتدادًا لخطأ إقحام الجيش في السياسة، وإخراجه عن وظيفته الأساسيّة؛ إذ جرى دفع الجيش في

العمليات الأمنية داخل المدن، ونُشرت قواته على الطرقات في داخل المدن، وعلى الرغم من ارتفاع عدد القوات الأمنية في الجيش والشرطة، وتضخّم موازناتها إلى أرقام كبيرة، فإن ذلك لم يحقِّق الأمن، ولم يمكّن القوات الحكومية من الحفاظ على الأرض، والدفاع عن المدن العراقية، وكان هذا الخلط عاملً مهمًا في تدهور الوضع الأمني، وتدهور صورة الجيش بلا شك. بعد هذا العرض المطوّل، وعرض مجمل التأثيرات الداخلية والإقليمية التي أدّت دورًا في إضعاف

الدولة وتفتيتها، سواء كان قبل عام 2003 أم بعده، والتي قادت إلى تبرير انبثاق الفصائل المسلحة غير النظامية بعد عام 2003، نصل إلى الجزء الأخير من هذه الدراسة، والمتعلق بالفصائل غير النظامية بعد عام.2003

الفصائل غير النظامية بعد عام 2003: جيوش الطوائف

تبيّن مما سبق أن تراكمات ضعف الدولة في العراق، وصراع القوى السياسية على الاستحواذ عليها،

وإضعاف موقعها، كفكرة متعالية تحتوي الأيديولوجيا ولا تحتويها، والعمل على تفتيت تفرّدها بصفتها

حامية ومحتكرة للإكراه الشرعي، من خلال توريط الجيش في الصراع السياسي أوّلً، ثم دفعه إلى قيادة النظام السياسي، وإقصائه، وتأكّل صورته بصفته حاميًا للوطن لاحقًا، فضلً عن تعمد إضعافه مؤسسيًا

بغرض منعه من القدرة على التأثير السياسي، وتأسيس فصائل حزبية مسلحة، في ظلّ ثقافة تقليديّة، تؤدّي القبيلة والمؤسسة الدينية فيها دورًا مركزيًا، إضافة إلى السياسات الدولية والإقليمية؛ مهدت هذه

العوامل كلّها إلى أن يتهيّأ الوعي الجمعي العراقي والذاكرة التاريخيّة لكل إثنية عراقية، لفكرة تقدُّم قوة

مسلّحة إثنية لأخذ دور الحامي لمجتمعها الإثني. على هذا كله، فإن تجربتي الحرس القومي والجيش الشعبي، إضافة إلى الأجنحة العسكرية لأحزاب المعارضة، ثم دخول تنظيم القاعدة إلى العراق وانبثاق قوته بعد عام 2003، وطرحه نفسه حاميًا للسنة

العراقيين، كانت كلها مدخلات، جعلت تأسيس الفصائل غير النظامية في العراق أمرًا طبيعيًا بعد

عام 2003، مرّ مرور الكرام. وكانت أولى التجارب تلك، هي تأسيس مقتدى الصدر «جيش المهدي»،

(((6 كرار أنور ناصر، «دور اللوبي السعودي والكردي في التأثير على السياسة الأمريكية حيال العراق»، مجلة حمورابي للدراسات، السنة 3، العدد 11 (تشرين الثاني/نوفمبر 2014)، ص.147 (((6 علي عبد الهادي المعموري، سياسة الأمن الوطني في العراق، عماد الشيخ داود (مراجعة) (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2016)، ص.367-365 (((6 منصور.

واشتباكه مع الجيش الأميركي في معركة النجف في عام 2004، وفي مدينة الثورة (مدينة الصدر في ما بعد) في بغداد، وما جرى خلال ذلك من اقتتال طائفي عنيف، عقب تفجير مرقد الإمامين الشيعيين في سامراء (شباط/فبراير 2006)، وصولً إلى أمر زعيم التيار الصدري تجميد جيش المهدي، بعد عمليات «صولة الفرسان» في عام 2008، وما رافقه من انشقاقات عن التيار الصدري، من القوى التي رفضت قرار التجميد، وبقيت تحمل السلاح، بحماية حلفاء جدد، وأبرز تلك الفصائل المنشقة هي «عصائب أهل الحق». لكن، على الرغم من ذلك، ومما قيل عن تحالف العصائب مع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، فإنها بقيت فصيلً غير رسمي، لا يحظى بشعبية كبيرة، أو بمبرر قانوني، خصوصًا

بملاحظة الملابسات التي أثيرت كثيرًا بشأن تصرفاتها في بغداد. لكن اللحظة الفارقة التي أوضحتُ

ضعف قدرة الدولة أو نظامها السياسي على حماية المدن العراقية، وانهيار الجيش، كانت لحظة سقوط مدينة الموصل شمال العراق، في يد تنظيم «داعش» في حزيران/يونيو 2014، ثم تداعي باقي المدن السنية التي شهدت قبلها تظاهرات غاضبة ضد الحكومة العراقية في شمال العراق وغربه سريعًا. كانت تلك اللحظة وما رافقها من مقاطع مصورة تبين انسحاب الجيش من المدينة، بعد انهزام ضباطه وجنوده، بملابس مدنية، وبدا البلد برمته على وشك السقوط، وأن مدنه تسقط تباعًا في يد تنظيم

«داعش»، من دون أن يلاقي أدنى مقاومة من جيش منهار، صدمةً مرعبةً أضعفت معنويات جنوده وانهار بسببها ضباطه، وهرب في إثرها كبار القادة إلى إقليم كردستان. كانت تلك اللحظة، أكثر مراحل هزال الدولة وضوحًا، ملأت عواطف العراقيين بالرعب، وجاءت عند تلك اللحظة خطبة ممثل المرجع

الأعلى الشيعي (السيستاني) في كربلاء في 10 حزيران/يونيو 2014، الشيخ عبد المهدي الكربلائي، وتضمنت فتوى المرجع الأعلى بالجهاد الكفائي، ودعوته العراقيين إلى التطوع في صفوف القوات الأمنية حفظًا للبلاد. لكن دعوته تلك التي أخرجت العراقيين من الصدمة لم تخرجهم من خندقهم الإثني، بل بدا كأنها عززت ضعف ثقتهم بالدولة وبقواتها النظامية، وبدلً من اتّجاههم إلى التطوع في القوات الأمنية النظامية كما دعاهم المرجع، ذهبوا إلى الفصائل الحاضرة الجاهزة، وإلى الفصائل السابقة التي حلّت نفسها، وانخرطت في العملية السياسية مثل «فيلق بدر» (الجناح العسكري السابق للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، وتحول اسمه إلى «منظمة بدر»، وانفصاله عن المجلس، ثم إعادة قيادته

(((6 مروان قبلان، «موازين القوى الإقليمية بعد انهيار العراق: دراسة في إدارة توزيع القوة وتجلياتها في منطقة الخليج والشرق

الأوسط»، دراسات، المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات (أيلول/سبتمبر 2015)، ص 18، وينظر: فيبي مار، عراق ما بعد

2003، ترجمة مصطفى نعمان أحمد، إحسان عبد الهادي الجرجفجي (مراجعة) (بغداد: منشورات دار المرتضى، 2013)، ص.46 (((6 للمزيد حول جيش المهدي ونشوئه وقرار الصدر بتجميده، ينظر: أنتوني كوردسمان وخوسيه راموس، «الصدر وجيش

المهدي: التطور - القدرات والاتجاه الجديد»، المستقبل العربي، السنة 31، العدد 355 (أيلول/سبتمبر 2008)، ص.140 (((6 يُنظر للتفصيل: علي المعموري، «داعش والموصل: «خلفية الأحداث»»، أوراق البدائل، منتدى البدائل العربي للدراسات،

القاهرة، 2014، ص.3

تشكيلَ نفسها عسكريًا، مستفيدة من تدفّق آلاف المتطوعين على أساس فتوى السيستاني التي أنعشت في الوقت نفسه باقي الفصائل، ثم عُزِّزَ وضعُهم القانوني بجعل تلك القوات رسمية، تخضع لأمر القائد العام للقوات المسلحة (رئيس مجلس الوزراء العراقي) بقرار مجلس الوزراء رقم (138 في الجلسة الرابعة عشرة لعام 2015)؛ ما جعلها تستعيد زمام المبادرة، وتكتسب المزيد من الدعم الشعبي والمقاتلين، إضافة إلى الوضع القانوني. أتاح الانهيار الذي أصاب الجيش للفصائل المسلحة أن تطرح نفسها حاميًا هُوياتيًا بديلً من الجيش

النظامي الذي كادت أن تنهار الدولة برمتها معه، واستثمر الخوف الشيعي على المراقد المقدسة التي تقع قريبًا من نقاط التماس المباشر مع الأراضي التي سقطت بيد تنظيم «داعش»، وطرحت الصراع

معه على أنه صراع هُوياتي وجوديّ بوضوح، مع أن رئيس الوزراء حاول إيجاد توازنٍ يحمي الدولة، في حين انطوى الصراع على تناقض ديموغرافي. أما الممارسات التي رافقت العمليات العسكرية، والتي تحملت مسؤوليتها تلك الفصائل غير النظاميّة،

فبقدر ما تبين الاختلافات العميقة بين القيم المؤسسية التي تحكم القوات النظامية وتلك الفصائل، فإنها كشفت أيضًا عن تطور آخر أصاب القيم الأخلاقية الكابحة على مستوى الإثنية. وعززت أعوام

العنف عمق التخندق المكوناتي الذي أوجد قيمه الخاصّة، والمبادرة بإيقاع العنف بطريقة أ ضعفت قدرةَ المؤسسات التقليدية ذاتها على كبح تطرّف أفرادها وضبط تصرفاتهم؛ إذ تداولت مواقع التواصل

الاجتماعي مقطع فيديو، له دلالة بالغة، يرتبط بهذه الملاحظة، ويُظهر عناصر من أحد الفصائل غير النظامية، بعد أسره ولدًا عمره نحو 14 عامًا، كان يكمن لهم متسلحًا ببندقية قنص، في موضعٍ ما، وكان قد قتل بعض رفاقهم قبل أن يتمكّنوا من السيطرة عليه وأسره، كما يبدو من كلامهم. وكان التوتر والصراخ يلفّان المشهد؛ كان بعضهم يريد قتله، بينما وقف رفيق آخر لهم بينهم وبينه، يتوسل إليهم أل

(((6 «الأمانة العامة لمجلس الوزراء تؤكد أن هيئة الحشد الشعبي هيئة رسمية»، موقع الأمانة العامة لمجلس الوزراء (العراق)، 2015/4/9، شوهد في: 2016/5/29، في:

goo.gl/jo6MR7.

(((6 من الواضح أن وجود الفصائل غير النظامية سبق لحظة سقوط الموصل بكثير، وأشارت الدراسة إلى الفصائل التي اُسِّست

بعد عام 2003، وكي لا يلتبس المقصود، فإنه من الواجب الالتفات إلى أن الدراسة تذهب إلى أن لحظة سقوط الموصل كانت

إيذانًا بالانتقال بالفصائل غير النظامية، من كون بعضها مكروهًا، وبعضها الآخر قد حل نفسه، إلى وضع جديد؛ قدّمها كحامٍ بديل

من الجيش بكل صراحة. إن لحظة احتلال الموصل لم تسبب انبثاق الفصائل؛ لأنها كانت موجودة من الأساس، لكنها نقلتها إلى

مستوى أكثر تطورًا، وهو تجليها بصفتها حامية للدولة والإثنيات، بدلً من الجيش المنهار، وهو جوهر فكرة الدراسة. (((6 وحدة تحليل السياسات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «العراق: احتجاجات مطلبية تحولت صراعًا داخل

بيت السلطة»، تقدير موقف، المركز، الدوحة (آب/أغسطس 2015)، ص.4 (((6 سنجد من الدراسات - بهذا الشأن - ما يربط بين التنمية البشرية المنخفضة نتيجة الصراع وضعف الدولة في العراق في ظل فقدان الأمن الإنساني، وتعاظم مستوى العنف الذي قاد إلى عمليات تهجير قسرية واسعة النطاق، تركت تداعياتها النفسية

ملامح خطرة على السلوك الاجتماعي والقيم، يُنظر مثل: عدنان ياسين مصطفى، «الفئات الهشة ومخاطر التهميش.. التمكين

لتحقيق الأمن وتعزيز فرص الاندماج»، كراس النهرين، العدد:1 مكافحة الإرهاب واجب وطني (2015)، ص 9، كذلك: كامل

المراياتي، «السياسات الاجتماعية وأمن المواطن»، ورقة مقدمة في: السياسات الاجتماعية في العراق: المؤتمر العلمي السنوي

الأول لقسم الدراسات الاجتماعية، شمران العجلي (إشراف)، كامل جاسم المراياتي (مراجعة وتحرير) (بغداد: بيت الحكمة، 2011)، ص.339

يقتلوه، ويقسم عليهم ب «أم البنين» في هذا السبيل، في حين وقف ضابط في الجيش النظامي خلفهم متفرّجًا، من دون أن يفعل شيء، لكن أحدهم قتله في آخر الأمر، مستغلًانشغال كبيرهم بمحاولة إبعاد

الآخرين. إن كسرهم لقسَم خطر مقدّس بدرجة كبيرة عند الشيعة، مثل القسم ب « أم البنين»، يسير ضمن

ما ذهبت إليه الدراسة، من تفكّك نقاط الردع القيمية للإثنيات، وإن العنف المنفلت وضعف الدولة، قد نحّيا القيم الكابحة، وجعلا العنف سيد الموقف. علاوة على ذلك، فإن ارتباط عدد كبير من هذه الفصائل بإيران وتبنيها أيديولوجيات عابرة للحدود الوطنية، جعلاها في موضع تقوم فيه بدور مزدوج؛ إذ مثّلت درعًا للطائفة خارج سيطرة الدولة من جهة، وصلة مع دولة خارجية قد لا تتوافق مصلحتها مع ثبات الدولة العراقية وتمكينها من جهة أخرى. ويبدو أنه أمر يأخذ أهمية في خطاب المرجعية الدينية العليا في النجف؛ إذ يلُاحظ أنه منذ إطلاق فتوى

«الجهاد الكفائي»، على الرغم من تأسيس مديرية مستقلة ل « الحشد الشعبي» وإلحاقها بمكتب القائد العام للقوات المسلحة، فإنه لم يستخدم أحد ممثلي السيستاني في كربلاء مصطلح الحشد الشعبي حتى اليوم، وبقي كلاهما يستخدمان بالتناوب مصطلح «المتطوعين» بعد أن يشيدا أولً بالقوى الأمنية

النظامية، في خطب الجمعة التي أ لقِيت ممثِّلة المرجع في كربلاء كلّها، بل إن خطيب الجمعة فيُ كربلاء، قال في خطبة أخرى تزامنت مع ذكرى تأسيس الجيش العراقي، بعد المباركة للجيش: «نؤكد على الحكومة العراقية والجهات المعنية كافة بضرورة دعم الجيش العراقي وإسناده والاستمرار في بنائه على أسسٍ وطنيةٍ مهنيةٍ ليكون جيشًا قويًا قادرًا على حماية العراق والعراقيين، على اختلاف أطيافهم ومكوناتهم». لعل الدراسة - عند هذا الموضع - عادت واتصلت بنقطة انطلاقها، ما يدلّ على ما افترضته وما أشكلته، ونقطة الانطلاق تلك - ولا ريب - هي الدولة.

خاتمة

سعت الدراسة إلى تلمس جذور تفتيت الدولة العراقية الحديثة منذ قيامها، متتبعة الأمراض التي وُلدت معها، والتي كان لها أن تتسبب في قتل الدولة حين يفشل علاجها في آخر الأمر، وتطلبت مدخلات تاريخية علاجًا متعدد المستويات، على فترات زمنية متطاولة، ما لم يتحقق للأسف. وتوصلت الدراسة إلى جملة من الاستنتاجات، لعل من أهمها:

((7(أم البنين، فاطمة بنت حزام الك بااية، هي الزوجة الثالثة ل مإإام علي بن أبي طالب، وأنجبت له أربعة من الذكور أكبرهم

العباس، قُتلوا كلهم في معركة الطف مع أخيهم الحسين، ومن هنا اكتسبت أم البنين مكانة خاصة في التراث الديني الشيعي، ومنحها أهمية استثنائية كونها أم العباس الذي يعرف بسطوته بين العراقيين سنة وشيعة، ويعدّها الشيعة «بابًا من أبواب الحوائج» انسجامًا مع

عقيدة الشفاعة التي تضمنتها المنظومة الدينية الشيعية، ومن هنا اكتسب ذكر اسمها في الحادثة التي نسردها في المتن أهمية بالغة. ((7(يُنظر مثلً خطبة الجمعة بإمام الشيخ عبد المهدي الكربلائي بتاريخ (2016/1/15) على موقع العتبة الحسينية، شوهد في:

2017/4/20، في:

goo.gl/Wnx8Zj;

كذلك خطبة 2016/1/8، شوهد في: 2017/4/20، في:

goo.gl/cTJiYX;

وباقي الخطب موجودة على موقع العتبة الحسينية في:

goo.gl/gD6x8h.

- إن الدولة العراقية ولُدت ضعيفة، ولم يتوافر لها من الدعم الجمعي والرضا المجتمعي، ما يكفُل إيقاع عقد اجتماعيّ يُنشئها بدرجة من الرضا والتوافق. وهي غير قادرة على برهنة احتكارها العنف الشرعي، ولا تملك السلاح، ولا تحظى بدعم البنى التقليدية، في ظل تناقض إثني شديد. وظل هذا الضعف في نضوج الهوية الوطنية، حاضرًا طوال الحقب السياسية التي مر بها العراق، أكان في العهد الملكي أم في العهود الجمهورية. - إن النظرة السيئة التي ورثها العراقيون من الحقبة العثمانية تجاه الدولة وتجاه الجيش، وكرههم التجنيد الإجباري، تضافرت وارتدت سلبيًا على هدف الملك وعلى خطته، خصوصًا بعد وفاته، بل إن مساهمة الجيش في قمع الانتفاضات التي قامت في الفرات الأوسط، وفي غرب العراق وانتفاضات الأكراد، وزج الجيش في غير واجباته، أدّيا في آخر الأمر إلى أن يُزج كبار القادة العسكريين في لهيب السياسة؛ الأمر الذي أدخل عاملً جديدًا من عوامل تفتيت الدولة في المعادلة العراقية المضطربة. - لأن الحركة الاجتماعية هي حركة دائمة التطور، تراكمية، تطور دور الجيش من كونه مؤثرًا في السياسة إلى صانع لها، ثم نكص إلى جلاد باسمها ثم ضحية لها، فضعفت صورته في الوعي الجمعي العراقي كثيرًا، وضعفت الدولة بضعفه، ونما الشعور الإثني بالعداء تجاهه، بالتزامن مع الحروب التي تورط فيها البلد. وهذا الأمر ولّد رغبة في إيجاد حامٍ إثنيٍّ من تعسّف الجيش المسيس الذي طُيّفت سياسته وسُيست أخلاقياته حتى فقد حياديته ومهنيته. - نتيجة تراكم ما ذكر كلّه مسبقًا، وحيال لحظة انهيار الدولة بانهيار نظامها السياسي في عام 2003، فإن ركامًا تاريخيًا معطوبًا ملتهبًا، تفجّر وتطاير في تلك اللحظة، وعاد بالبلد إلى تنظيمات ما قبل الدولة. فانبثقت الهويات الإثنية، المحملة بخزين تاريخي مضطرب مشوش خائف جاهز لممارسة عنفه الإثني المضاد. وما عزّز ذلك الانبثاق، انهيار النظام ومؤسسات الدولة الحامية، والتدخلات الإقليمية والدولية التي تفاعلت مع المشكلة العراقية تلك، بطريقة عمّقت الأزمة. - ساهمت عملية إعادة بناء المؤسسات العسكرية المشوهة المخطئة في إفشال تلك المؤسسات الوليدة، وإضعاف قدرتها على أداء الواجب المناط بها، وهو حماية المواطنين؛ ما عمق الشعور بعدم الحاجة إليها وضعفها وضعف النظام الذي تمثله عن حماية العراقيين. - من هذا الإرث السياسي المعقد للدولة العراقية انبثقت الفصائل المسلحة غير النظامية، وقدمت نفسها جيوشًا مكوناتية تحمي الإثنيات التي نبعت من بين أفرادها، كما قدمت نفسها بديلً من الدولة والجيش، وذهبت إلى أبعد من ذلك لتؤسس في ظل ارتفاع وتيرة العنف الإثني المضاد عنفَها الخاص المتناقض حتى مع القيم الأخلاقية الكابحة التي كانت الإثنيات تُلزم أفرادها بها.

References

المراجع

العربية

كتب

بتراس، جايمس. سطوة إسرائيل في الولايات المتحدة. ترجمة حسن البستاني. مركز التعريب والبرمجة (مراجعة وتحرير). بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2007 البديري، كرار أنور. سقوط الموصل: العراق ومحصلة الأعباء الداخلية والخارجية. عمان: دار دجلة،

بصمات الفوضى: إرث الاحتلال الأميركي في العراق. بغداد: مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية،.2013 بطاطو، حنا. العراق.. الكتاب الثاني (الحزب الشيوعي). ترجمة عفيف الرزاز. الكويت: دار القبس، [د. ت.]. البكري، ياسين سعد محمد. بنية المجتمع العراقي: جدلية السلطة والتنوع، العهد الجمهوري الأول 1963-1958 أنموذجًا. بغداد: مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي،.2011 الجنابي، عبد الستار شنين. تاريخ النجف السياسي 1941-1921. بغداد: مكتبة الذاكرة،.2010 الحديثي، مها عبد اللطيف ومحمد عدنان الخفاجي. النظام السياسي والسياسة العامة: دراسة في دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في صنع السياسة العامة في الدول المتقدمة والنامية. سلسلة الدراسات 7. بغداد: مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية،.2006 الحسني، عبد الرزاق. تاريخ العراق السياسي الحديث. ط 7. بيروت: الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع،.2008 داود، عماد الشيخ. الأحزاب السياسية العراقية. بغداد: دار الخبرة العراقي،.2012 الزبيدي، حسن لطيف. موسوعة السياسة العراقية. بيروت: العارف للمطبوعات،.2013 الزبيدي، ليث عبد الحسن. ثورة 14 تموز 1958 في العراق. بغداد: دار الرشيد،.1979

الساهوكي، ناهض حسن جابر. البعد السياسي في فكر علي الوردي. بغداد: مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية،.2014 السعدي، علي. حزام النار: الجعفري والعراق الجديد: مفردات المواجهة وملامح السلام. ط 2. بيروت؛ النجف الأشرف: العارف للمطبوعات،.2009 سعيد، حيدر. سياسة الرمز: عن نهاية ثقافة الدولة الوطنية في العراق. فكر. بغداد: وزارة الثقافة العراقية؛ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2009 السياسات الاجتماعية في العراق: المؤتمر العلمي السنوي الأول لقسم الدراسات الاجتماعية. شمران العجلي (إشراف). كامل جاسم المراياتي (مراجعة وتحرير). بغداد: بيت الحكمة،.2011 الشوبكي، عمرو وآخرون. الشباب وجماعات العنف: «رؤى شبابية». ترجمة سونيا فريد. أيمن عبد المعطي (مراجعة). القاهرة: منتدى البدائل العربي للأبحاث؛ مؤسسة روزا لوكسمبورغ،.2016 عبد الجبار، فالح. العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني. ترجمة أمجد حسين. بيروت: منشورات الجمل،.2010 العبيدي، سعد. وأد البطل: نهاية جيش وملحمة وطن. دمشق: تموز للطباعة والنشر والتوزيع،.2013 العجمي، ظافر محمد. أمن الخليج العربي: تطوره وإشكالياته من منظور العلاقات الإقليمية والدولية. سلسلة أطروحات الدكتوراه 56. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 العمار، منعم صاحي. العراق ومنظومة الأمن الخليجي: دراسة في خيارات المرحلة القادمة. بغداد: [مكتب الغفران للخدمات الطباعية]،.2012 القيسي، فريد جاسم حمود. العنف في العراق: دراسة سوسيولوجية تحليلية نقدية في أسباب العنف. المركز العلمي العراقي 52. بغداد: المركز العلمي العراقي؛ بيروت: دار ومكتبة البصائر للطباعة والنشر والتوزيع،.2012 الكيالي، عبد الوهاب. موسوعة السياسة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع،.1985 مار، فيبي. عراق ما بعد 2003. ترجمة مصطفى نعمان أحمد. إحسان عبد الهادي الجرجفجي (مراجعة). بغداد: منشورات دار المرتضى،.2013

المرهون، عبد الجليل زيد. أمن الخليج بعد الحرب الباردة. بيروت: دار النهار للنشر،.1997 المعموري، علي عبد الهادي. سياسة الأمن الوطني في العراق. عماد الشيخ داود (مراجعة). بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2016 هوبز، توماس. اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب. بيروت: دار الفارابي؛ أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث [كلمة]،.2011 هيكل، محمد حسنين. المقالات اليابانية. ط 6. القاهرة: دار الشروق،.2002 ياسين، نبيل. التاريخ المحرم.. دراسة تحليلية وقائعية في الفكر السياسي العراقي المعاصر. ط.2 بغداد: نون للنشر،.2008 اليوسف، يوسف خليفة. مجلس التعاون الخليجي في مثلث الوراثة والنفط والقوى الأجنبية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011

دوريات

أحمد، حميد شهاب. «تأثير العوامل الخارجية في السياسة الخارجية للعراق.» حوار الفكر (بغداد.) السنة 9. العدد 24 (آذار/مارس.)2013 البطنيجي، عياد. «السياسة الخارجية الإيرانية: الفرص والمعوقات البنائية.» آراء حول الخليج. العدد 74 (تشرين الثاني/نوفمبر.)2010 بلقزيز، عبد الإله. «العراق بين أنفاقٍ طائفية وآفاق وطنية.» المستقبل العربي. العدد 429 (تشرين الثاني/نوفمبر.)2014 الحمداني، رعد. «معضلة الأمن الوطني العراقي.» المستقبل العربي. السنة 32. العدد 371 (كانون الثاني/يناير.)2010 ___________. «واقع المؤسسات والقوات الأمنية والعسكرية العراقية الجديدة ومدى قابليتها للإصلاح.» المستقبل العربي. العدد 356 (تشرين الأول/أكتوبر.)2008 الربيعي، خليل مخيف. «ملف: «الازدواجية السياسية في العراق/ديمقراطية بلا ديمقراطيين:» الازدواجية في سلوك الأحزاب السياسية (العلاقة بين الديمقراطية والدكتاتورية.») مدارك (بغداد.) السنة 1. العدد 2 (شتاء.)2006

رجب، إيمان. «العراق بعد عام 2011: التحديات في فترة ما بعد الانسحاب الأمريكي.» المستقبل العربي. السنة 34. العدد 396 (شباط/فبراير.)2012 الرمضاني، مازن. «الأمن القومي العربي في عالم متغير.» آفاق عربية. العدد:3 الأمن القومي والحرب (أيلول/سبتمبر.)1985 غيثان، مصطفى. «جديد التعاون بين داعش وبعض ضباط الجيش السابق.» كراس النهرين. العدد:2 الإرهاب: داعش أنموذجًا.)2015(كوردسمان، أنتوني وخوسيه راموس. «الصدر وجيش المهدي: التطور - القدرات والاتجاه الجديد.» المستقبل العربي. السنة 31. العدد 355 (أيلول/سبتمبر.)2008 مصطفى، عدنان ياسين. «الفئات الهشة ومخاطر التهميش.. التمكين لتحقيق الأمن وتعزيز فرص الاندماج.» كراس النهرين. العدد:1 مكافحة الإرهاب واجب وطني.)2015(الملحم، كمي. «النقطة الفيزيائية الحرجة: من بلقنة لبنان إلى لبننة العراق.» مسارات. السنة 3. العدد 1 (ربيع.)2007 ناصر، كرار أنور. «دور اللوبي السعودي والكردي في التأثير على السياسة الأمريكية حيال العراق.» مجلة حمورابي للدراسات. السنة 3. العدد 11 (تشرين الثاني/نوفمبر.)2014 «واشنطن تسلم العراق أولى طائرات ال F16 اليوم.» الزوراء (5 حزيران/يونيو.)2014

وثائق

ريناد منصور، «المأزق السني في العراق». مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 3 آذار/مارس 2016، في:

goo. gl / VRpjsV.

غاوب، فلورنس. «زواج غير سعيد: العلاقات المدنية العسكرية في عراق مابعد صدام». مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 13 كانون الثاني/يناير 2016. شوهد في:.2016/4/5

goo.gl/kgvQ9k.

قبلان، مروان. «موازين القوى الإقليمية بعد انهيار العراق: دراسة في إدارة توزيع القوة وتجلياتها في منطقة الخليج والشرق الأوسط.» دراسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (أيلول/سبتمبر

المعموري، علي. «داعش والموصل: «خلفية الأحداث.»» أوراق البدائل. منتدى البدائل العربي للدراسات. القاهرة..2014

تحولت صراعًا داخل بيت السلطة.» تقدير موقف. المركز. الدوحة. آب/أغسطس.2015

مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 7 أيار/مايو 2015. شوهد في:.2016/4/8

الأوسط. 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2014. شوهد في:.2016/4/25

مؤتمرات

للدراسات الاستراتيجية. بغداد. 26 نيسان/أبريل.2016 «أزمة العراق: غياب المشروع الوطني». ملتقى بحر العلوم للحوار 2. بغداد..2012

الأجنبية

وحدة تحليل السياسات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. «العراق: احتجاجات مطلبية

ويري، فريدريك وأرييل أ. آرام. «ترويض المليشيات: بناء الحرس الوطني في الدول العربية المتصدعة.»

goo.gl/81a5JY.

يحيَ، مها. «الجاذبية القاتلة: خمسة أسباب لانضمام الشباب إلى داعش». مركز كارنيغي للشرق

goo.gl/V6WiQP.

أثر التدخلات السياسية على الأجهزة الأمنية والعسكرية. مجلس الأمن الوطني ومركز النهرين

Book

Darity, William A. (Jr.) (ed. in chief). International Encyclopedia of the Social Sciences. vol. 5. 2 nd ed. New York: Macmillan Reference USA, 2008.