العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989-1992)

عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989-1992)

On the State: Lectures at the Collège de France,

نصير مروة | Nassir Mrouwwa *

الملخّص

الكاتب: بيار بورديو. المترجم: نصير مروة. العنوان الأصلي: (Sur l'Etat. Cours au Collège de France (1989-1992 مكان النشر: بيروت/ الدوحة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تاريخ النشر: 2016. عدد الصفحات: 735.

Abstract

Researcher and Translator in Social Sciences and Humanities.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة
  • بيار بورديو
  • إعادة الإنتاج
  • العنف الرمزي
Keywords:
  • State
  • Pierre Bourdieu
  • Reproduction
  • Symbolic Violence

الكاتب

: بيار بورديو. المترجم

: نصير مروة. العنوان الأصلي مكان النشر

: بيروت/ الدوحة. الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات

. Sur l’Etat. Cours au Collège de France (1989-1992):

: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

صدرت هذه الدروس بعد إلقائها بقرابة عقدين من الزمن، وكان صاحبها قد ووري الثرى ومضى على مفارقته الدنيا أكثر من عشر سنوات. كان الوقت قد حان، قبل صدور هذا النص، للمطالبة كما يقول جوفروا دو لاغاسنيري Lagasnerie. G، أستاذ العلوم السياسة في معهد العلوم السياسية، بميراث بيار بورديو. وقارئ بورديو لا يدري إن كان مستعدًا حقًا لهذا الميراث؛ ذلك أن الميراث، كما يقول بورديو هو نفسه في هذه الدروس، وكما كان يقول قبلها في كتابه بؤس العالم وتحت عنوان «تناقضات الإرث»، «ولا بد للورثة الذين يقبلون بالميراث من القبول بأن يرثهم الميراث». «فثمة تناقض بين تهيؤات الوارث واستعداداته والقدر أو المصير المتضمن في الميراث». أما نحن، فإنّا لم نتجاهل المصير - الثمن الذي يترتب على الطمع الذي راودنا بإرث بورديو، حين تصدينا لترجمة دروس صاحب «التميز» و«علم اجتماع الجزائر»، المجموعة في هذا الكتاب: عن الدولة، خصوصًا أن ميراث الرجل يوشك أن يكون كاملً في دروسه عن الدولة، من حيث إنه يسترجع فيها عمليًا كل المفاهيم التي ابتدعها ومعظم الأعمال

التي أنتجها. فالدروس عن الدولة ليست تتويجًا

لما أسلف له من أعمال، وحسب، بل ربما كانت في مبدئها أيضًا. فهو يتساءل في مستهل الدروس مثلً، عما إذا لم يكن قد تعقل أعماله السابقة «بفكر دولة». فالدولة توشك أن تكون «الصانع» كما اعتاد «الأقدمون» على القول حين كانوا يتحدثون عن الخلق. ومثل هذا الوضع يضيف

(1) Pierre Bourdieu, L’insoumission en héritage (Paris: Presses Universitaires de France, 2013), p.65. (2) Pierre Bourdieu, La misère du monde (Paris: Points Seuil, 1993), p. 1093 (3) Ibid., p.1092.

بُعدًا إلى الميراث، إذ يجعله شرعيًا ومشروعًا في

آنٍ معًا، ليس للفرنسي وحسب، وإنما لنا أيضًا. وتبدو مشروعية الحق العربي في ميراث بورديو مشروعية مضاعفة؛ إذ إن الباحث الذي كان «مشروع فيلسوف»، أو «فيلسوفًا بالقوة» أصبح عالِمَ اجتماعٍ «بالفعل»، بتأثير الجزائر. ذهب إليها

مجندًا، وأستاذًا مساعدًا، ثم تحول إلى الإثنولوجيا وعلم الاجتماع تحولً كان يفترض فيه أن يكون «مؤقتًا» أو كما يضيفُ متابعًا في «محاولة تحليل ذاتي»: «وأنا أقول في نفسي، إني عائد إلى الفلسفة، بعد أن أفرغ من هذه التربية السياسية، (والحال هو أنني كنت طيلة الوقت الذي أكتب فيه ‘علم اجتماع الجزائر’، كنت أواصل الكتابة كل مساء حول بنية التجربة الزمانية وفقًا لهوسرل)». ترك الفلسفة وتحوَّلَ إلى العلوم الاجتماعية لأن

العلوم الاجتماعية كانت «سلاحًا» سياسيًا، في

خدمة النقد الاجتماعي لأشكال القمع والسيطرة التي كانت سائدة. أما الفلسفة الجامعية الفرنسية آنذاك، فكانت واجهةً وزخرفًا للنظام البرجوازي الإمبريالي، ولم تعد تفيد إلا في التصدي للماركسية (حديث مع طاساديت ياسين وآلان آكاردو)؛ ولهذا ربما يشعر الباحثون من الإخوان الجزائريين بأن بورديو داخل في إرثهم الشرعي، إن لجهة ما كتبه عن الجزائر وفيها أو جهة ما كتبه في فرنسا بعد استقلال بلادهم. وإذا كان هذا الميراث المعنوي والعلمي جزائريًا، كان سائر الناطقين بالعربية أيضًا شركاء فيه. وإذا كانت العلوم الاجتماعية سلاحًا سياسيًا كما يقول، فإنه

قد يكون من الخير للوارث أن يرثه الإرث.

(4) Pierre Bourdieu, Esquisse pour une auto-analyse (Paris: Raisons d’agir, 2004), p. 57. (5) Pierre Bourdieu, Esquisses Algériennes (textes édités et présentés par Tassadit Yacine), coll. Liber (Paris: Seuil, 2008), p. 18.

موضوع الدروس كما يشير عنوان هذا الكتاب، هو الدولة. والدولة التي يتحدث عنها بورديو هي، مبدئيًا، الدولة الغربية وهي دولة ذات خصوصية

في نشأتها وفي وتطورها، ولكنها باتت تتخذ صفة الكونية، أو صفة الكلي الجامع، وفقًا للمقابل الذي اخترناه لمصطلح universel الذي لم يملّ بورديو تكراره على امتداد ثلاث سنوات. وهي لم تتخذ هذه الصفة الجامعة تلقائيًا، بل بالعنف

أساسًا. فالدولة هي احتكار للعنف المادي

والرمزي أو الاعتباري. وهذا الاحتكار يملكه محتكر، والمحتكر هو مَلِك أو سلالة ملكية أو طبقة أو سوى ذلك. تتحدث هذه الدروس، عن الدولة الغربية أساسًا، لكن عالِمَ الاجتماع واجد

لها في الصين، عاثر عليها في اليابان. مثلما نجد صورة عنها أو نسخة منسوخة منها في دولتنا أو دولنا. ومنذ زمن ليس ببعيد (9921)، وجدنا باحثًا فرنسيًا (برتران بادي Badie Bertrand) يجعل من

الدولة أداة في «تغريب» النظام السياسي العالمي، أي في جعله غربيًا، ما يجعل دولنا تنتمي إلى نمط

الدولة «المُستَوردَة» (وهذا كلامٌ صحيح حتى

السذاجة، ولا يزال يذكّر بسنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وبالوقائع و«القيم النابعة من واقعنا»، كما كان يقال في تلك الأيام: أيام كان كلٌّ يبحث لبني قومه عن «أصالة» ما. والحق هو أن الأمر بات نفسه منذ زمن، بمعنى أنه سواء أكانت الدولة «مستوردة» أم «أصيلة»، فإن ذلك لا يفسد للهوية قضية. فمن ذا الذي لا يعلم أنه ليس اللبنانيون أو السوريون هم من اخترع الجمهورية، أو من «استوردها»، إنما الانتداب الفرنسي، وأنه ليس العراقيون أو الأردنيون هم من استقدم ذلك الشكل «الملكي» من الحكم،

Badie, L’Etat Importé

(Paris: Ed.

(6) Bertrand Fayard.1992).

وإنما الانتداب البريطاني. وأن فلسطين! ناهيك بفلسطين. إجمالً نحن لم نُصَب بما يسميه هو

«عاهة نسيان المولد والنشوء» de Amnésie ’ LGenèse la ما خلَّفه الاستعمار، بات هو الآخر ميراثنا؛ نرثه ويرثنا. وهذه الدول صارت منذ ذاك دولنا وقدرَنا. وعلى أي حال، فإنه ما كان لأحدٍ

أن يقول لبيار بورديو ما هو الاستعمار؛ ذلك أن هذه التجربة قَولبت وجدانه مثلما طبعت وأثرت وغيرت في وعي جيلٍ كاملٍ من الفرنسيين. وهو يعلم أن هذا الاستعمار الذي دمر الجزائر (الأوراس مثلً) إلا أنه قد حمل معه، كما يقول، الكونية أو الكلي الجامع. والدولة التي تركها، والتي كانت الدولة الفرنسية في الجزائر، ثم تحولت شأن دولنا جميعًا إلى دولة وطنية، وأصبحت هي هي «الكونية»، وهي هي الكلي الجامع وهي كذلك (وهنا يستشهد بدوركايم)، الكلي القدرة. إذ إننا في الواقع إنما نفكر بفكرها، أي بفكر دولة. لأنها هي «الشيء العمومي»؛ و«العمومي» هو الذي ينقل الناس من الخصوصي إلى الكلي الجامع، فيخرجهم من الظلمات إلى النور. العمومي هو الذي يلم شعث الخصوصيات ويوحد المقاييس والمعايير، وهو الذي يوحد اللغات في لغة واحدة ويحوّل ما تبقى منها إلى لهجات... إلخ. ولو كان

بورديو حيًا، أو لو أنه نشر هذا الكلام في حياته،

لذهبنا إليه نسأله الفتوى حول هذه النقطة بخاصة. فنحن في لبنان مثلً في بلد فيه سبع عشرة خاصة خصوصية؛ ولكن الدولة لم تستطع تجاوزها، ولا تمكنت من أن توصلنا إلى الكلي الجامع. وفي سورية إحدى وعشرون منها ولا يبدو أن

(7) Pierre Bourdieu, S ur l'Etat. Cours au Collège de France (1989-1992) (Paris: Seuil, 2012), p. 185.

نحيل في المتن على النسخة الفرنسية للكتاب.

(8) Emile Durkheim, Leçons de Sociologie (Paris: Ed. Quadrige/ PUF. 1950/2010), p. 99.

«العمومي» استنفد من ح دَّتِها شيئًا. لماذا لا نجد الكلي الجامع كلي القدرة هنا مثلما كان حاله في مكان آخر. أيكون «الاستيراد» قد أفسد علينا نعمة الحداثة؟ أم عصر النهضة ونهضويوه السُذَّج

[كما يقول بعض شيوخنا التقدميين] الذين يَسّروا

من حيث لا يحسبون عملية السلب والاستلاب الكبرى التي لمّا نخرج منها، بتبريراتهم الحداثية؟ بلى، الدولة الحديثة مستوردة. وبلدان المصدر لم تكن كثيرة، بل كانت، ولا تزال، ذات تعداد محدود. وعديدها هو عديد الإمبرياليات. ولعلماء اجتماع الدولة مثالان أو بتعبير أدق، غراران كلاسيكيان تقليديان، كلاهما أوروبي، في ما عنى هذا الموضوع. ومنهما تتوسع الدراسات لتشمل أممًا أوروبية أخرى (مما تقلدتهما في

الغالب)؛ بحيث إن الواقف على الضفة الأخرى للمتوسط لن يسأل صاحب التعداد عن اسميهما: فما سميتا لو سميتا، أو إن سميتا، إلا إمبريالتَي العصور الحديثة الكبيرتين. ومن ذا الذي لم يجرِّب «كونيتهما» أو «كُلَّيهما الجامع»؟ كل ما

حدث بعد «الاستيراد» هو أننا ألصقنا بها اسمًا

لم يكن أشد ملاءمة ولا أفضل ما يليق بها. فقد سميناها الدولة، وهذا اسم يعني في لغتنا التداول والدور من الأدوار. فهو في القرآن الكريم مثلً يعني، وفقًا للشرّاح والمفسرين، التداول الذي

يدل على التعاقب، كما في الآية: ﴿كَيْ لا يَكُونَ

دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاء مِنكُمْ﴾ (الحشرَ: 7). والذكر

الحكيم يستخدم الفعل بما هو حامل لذات المعنى من التعاقب أو الدور من الأدوار، كما

في الآية: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل

عمران: 0.)14 ولسان العربيورد شواهد كثيرة مستمدة من أمثال الزجَّاج وابن جني، تشهد أن

الدولة هي الانتقال من حال إلى حال. وأن الفيء دُولَة مثلً، يعني أنه متداول... إلخ. ولهذا ربما،

يعتقد برنارد لويس أن استخدام هذه الكلمة تأخر إلى القرن الثامن الميلادي؛ أي إلى حين قيام «دولة بني العباس» أو دور بني العباس، في أواسط القرن الثامن. فقد كان للأمويين دورهم، وبات الدور الآن (أو باتت الدولة الآن) لبني العباس وحتى «المُلك» كان لا يزال يتسمى منذ

عبد الملك بن مروان خلافة الله، والمَلِك خليفة

الله. وعلى هذا فإنه ما كان لهذه الكلمة أن تكون المقابل المعتمد في البلاد العربية، بل في بعض الإسلامية أيضًا، لما نحن بصدده: Etat أو State.

فقد كان أولى بهذه الكلمة أن تكون مقابلً لكلمة Révolution وهذا كلام لا زلنا نذكر أن آخر كبار المستشرقين، وآخر كبار مترجمي القرآن الكريم، جاك بيرك قد وافقه فيه وأقرَّه عليه. ووفقًا لفرانز

روزنتال (في دائرة المعارف الإسلامية، طبعة لايدن)، فإن «دولة» ظلت إلى عهدٍ قريب تعني الدولة السلالية؛ وبهذا المعنى فإنها ليست المقابل العربي ل Etat وإنما ل Dynastie. لكن هذا لم يجعلنا نترجم هذا المصطلح الأخير، حين كان يرد على لسان بورديو بدولة، لما قد يفضي إليه ذلك من اللبس، فتركناه «دولة سلالية». كائنًا ما كانت الدلالة الأصلية للكلمة العربية، يبقى أنه لن يجد أحد هذه الدلالة في الدساتير والقوانين الحالية. فقد باتت الدولة هي «الكوني» أو الكلي الجامع في عُرفنا كما في عُرف بورديو؛ وباتت هي الشيء العمومي، أو العمومي بإطلاقٍ في عُرفه وعُرف كل من يتحدثون عن «العبور إلى الدولة» مثلً، في هذه الأيام. والدولة إلى ذلك هي الكلي القدرة حيثما كانت بشهادة دوركايم الذي طالما رجع إليه بورديو وأحال عليه، والذي لم يكن يتحدث عن دولة بعينها. فالدولة عنده، في نصٍ يحيل عليه هذا الكتاب، وأثبتناه في أحد الهوامش، لا تضاد الفرد ولا تناقض «الفردية»

كما يحسب بعضهم. فالفرد لم يكن ممكنًا إلا بالدولة؛ فهي التي سحبت الطفل من الارتهان الأبوي (البطريركي) والاستبداد المنزلي، وهي التي أعتقت المواطن من المجاميع الإقطاعية وبعد ذلك الجماعية؛ وهي التي أعتقت العامل ورب العمل من ربقة الحِرَف وتنظيماتها. وهذه

طريقة أخرى في القول إنها صنو الكلي الجامع أو إنها هي هي الكلي الجامع. وعودٌ على بدء: عرفَ الخلف أيَّ سلفٍ يختار، كل دولة إذًا هي

صنو الكلي الجامع. ولا فضل لدولة على أخرى إلا بالكلي الجامع، أو بالمبلغ الذي بلغته من الكلي الجامع. لكن تبقى صفة الكلي القدرة. أي دولةٍ عندنا تستطيع ادعاء ذلك؟ وفي أي مجال؟ مذ ذاك يصبح السؤال هو التالي: هل الدولة التي تتحدث عنها نصوص هذا العمل هي الدولة نفسها التي نعرفها ونعاينها عندنا؟ الراجح هو أنها ربما كانت كصفات الله عند بعض المتكلمين من الإسلاميين: فلا هي عين ذاته ولا هي غير ذاته. والدولة «المستوردة» ليست عين دولتنا ولا هي غيرها. بل ربما كانت عين الذات وغير الذات في آنٍ... شيءٌ مما بعدهما. وهذا ليس «تخرصًا وأحاديثًا ملفّقةً»؛ فمن يتصفح مقالات بورديو عن الدولة سيجد أن ثمة في ما وراء الكلام العلم اجتماعي (السوسيولوجي) كلامًا ما ورائيًا. فهو يوشك أن يبدأ الحديث عن الدولة

(ص. 25) بكلام مستفاد مما وراء الطبيعة. فهو يقول مثلً: «أستطيع أن أستشهد لكم بكيلومترات من النصوص ترد فيها كلمة «دولة» فاعلً لأفعال وصاحب مقترحات. وهذا تخيّل خطر للغاية

(((«الذي كان دليلً خارقًا بالنسبة إلي [إلى بورديو] حينذاك »، كما ذكر بعد ذلك في مداخلته المعنونة «بين أصدقاء» «Entre

Amis»، والمنشورة في:

Bourdieu, Esquisses algériennes , p. 350.

يمنعنا من تعقُّلِ الدولة. أريد إذًا أن أقول، على سبيل الاستهلال: حذارِ! كلُ الجملِ التي تظهر فيها الدولة فاعلً مرفوعًا هي جملٌ لاهوتية لكن هذا لا يعني أنها جُمَلٌ خاطئة، وذلك من حيث

إن الدولة هي كيان لاهوتي» (أو لنقل كيانٌ علم - كلامي لأن الإسلاميين لا يقولون علم اللاهوت، بل علم الكلام). في الدرس على الدرس سيقول بورديو ويكتب: «وقائلً ما قال كارل ماركس، فإن ثمة فلسفة بؤس هي أقرب إلى تعس عجائز صموئيل بيكيت [...] وهذا بؤس الإنسان حين يكون ولا إله، كما يقول باسكال. هذا بؤس الإنسان حين يكون ولا دعوة ولا رسالة ولا تكريس اجتماعي. والحق هو أنه من دون أن يكون علينا متابعة دوركايم حين تفضي به الأمور إلى القول «المجتمع عز وجل»، فإني أقول إن الله هو المجتمع ليس إلا. فما ننتظره من الله لا نحصل عليه إلا من المجتمع». وحين يفكر حول المغانم البنيوية في هذه الدروس، فإنها تقترن عنده بالنزول في منزلة بين المنزلتين. والمنزلة بين المنزلتين هي منزلة الموظف الأدنى في الصين، وهي وضعية البرجوازية الصغيرة في منزلتها بين منزلتي البرجوازية الكبرى من جهة والطبقات الشعبية من جهة أخرى، وهي أيضًا أصل من أصول الإسلاميين من المعتزلة. وهناك بعض الغرم في شغل المنزلة بين المنزلتين، كما أن ثمة خصائص بنيوية لمن «ليسوا بكذا وليسوا بكذا»: أو بعبارةٍ أخرى، فإن ثمة خصائص بنيوية «للتنزيه المعتزلي»، مثلما أن ثمة خصائص لإثبات الصفات، ولمن أو لما يتصف بصفاتٍ

(10) Pierre Bourdieu, La leçon sur la leçon (Paris: Ed. Minuit, 1982), pp. 51-52.

لها كيف. هناك خصائص ترتبط بشروط العمل وبالأجر... إلخ، ولكنها ترتبط بكونهم في منزلة بين المنزلتين (ص. 7)44 إنه الحديث عن الطبقات الاجتماعية بلغة من يثبتون الصفات ثم بلغة من يأبونها من «المعطلة»، يترجم ترددًا بين الاجتماعي واللاهوتي [أو الكلامي] ذهابًا وإيابًا. في النهاية، لا يبدو الاختيار ضروريًا هنا كما كان حاله في تاريخ المذاهب، في ما بين المعطلة ومن يثبتون الصفات ولكن بلا كيف. وكذلك الأمر، ربما، بالنسبة إلى رؤيته الفيضية لإدارة الدولة (ص. 73-472)4 فالأول الواحد الذي يفيض وجودًا بعد وجود، من الواحد الكائن إلى ما تحت فلك القمر (وفقًا لتعبير فلاسفة المسلمين) هو أيضًا الصورة التي صيغت عليها الدولة. فهذا الفيض لا يرسم سلسلة الكائنات المتراتبة بعضها فوق بعض، والمترتبة بعضها على بعض وحسب، بل يقدم أنطولوجيا (علم الكائن) سياسية. الملك في أول السلسلة ثم نصل في تدرج هابط إلى أدنى العاملين والمنفذين، وبينهم من هم في المنزلة بين المنزلتين. كلها سلطات تفيض بعضها عن بعض، صادرًا عن صادر، عن الأصل الأول، عن السلطة الأعلى، عن صاحب الأمر. وهذه رؤية لم تصل بورديو من مصاحبته ابن سينا ولا من معاشرته إخوان الصفا، أو أحد الدعاة الذين قد يكون عبيد الله المهدي قد خلفهم في المغرب الكبير، بل وصلته من أفلوطين. وهو على كل حال يعتبرها استعارة بلاغية ومجازًا بيانيًا: «هذه

الاستعارة البيانية قائمة في لاوعي كل الخلق في المجتمعات البيروقراطية» (ص. 73)4 بلى، هي في الراجح كذلك. لكن تلك الاستعارات الكلامية أو اللاهوتية كافةً تدفع المرء إلى إعادة النظر في ما يقوله حول الميراث الذي يدّعي

أنه تناهى إليه من ماكس فيبر: «لقد قرأت فيبر حتى في فجوات نصوصه» (ص. 293). لكنه هنا ربما كان أقرب إلى أحد كبار تلامذة فيبر، كارل شميدت، ذلك أننا هنا إزاء رؤية ترى في السياسة لاهوتًا دنيويًا أو علم كلام علمانيًا.

لكن هذا كله يجعل بورديو أقرب إلينا ممن نظن ويظن. فالمرجعيات التي يشير إليها لا تزال حاضرةً عندنا، موزعة على ثقافاتنا ومذاهبنا. ثمة «أشعرية» عفوية، أو «بَلْكفة» تلقائية، في ما يبدو في طريقتنا في التلقي. إذ بهذه الطريقة تلقينا الشكل الجديد من الدولة وعلى أساسها قبلناه ربما. فالدولة هي احتكار العنف (المادي والرمزي) كما تقدم، وهي سيطرةُ من يحتكر الاحتكار ويستأثر به لنفسه، ويفرض السيطرة على الآخرين. ولهذا، فإن بورديو لا يملّ معاودة طرح السؤال الذي طرحه ديفيد هيوم على نفسه وعلى قرائه قبل قرون (عام 7581) حول السيطرة: «لا شيء أكثر إثارة للدهشة لمن ينظرون إلى الشؤون الإنسانية بعينٍ فلسفية، من رؤية السهولة التي يجري بها حكم العدد الأصغر للعدد الأكبر، وملاحظة الخضوع الضمني الذي يستبعد به البشر مشاعرهم وأهواءهم لمصلحة مشاعر قادتهم وأهوائهم. وعندما نتساءل بأي وسيلة تحققت هذه الأعجوبة وتحقق هذا الأمر المدهش، نجد أنه بالنظر إلى أن القوة إنما تتوافر إلى جانب المحكومين، فإنه ليس للحاكمين من سند سوى الرأي. وعلى هذا فإن الحكم مؤسس على الرأي. وهذه حكمةٌ تنطبق على أكثر الحكومات استبدادًا وأشدها عسكرية، مثلما تنطبق على أكثرها حرية وأوفاها شعبية». انتهى كلام هيوم ليبدأ كلام بورديو: «هذا النص بالغ الأهمية في ما أرى. هيوم يبدي دهشته من السهولة التي يحكم بها الحاكمون،

سهولة ننساها نحن في غالب الأحيان لأننا نعيش ضمن تقاليد وسنن تشوشت فيها الروح النقدية، كما أننا ننسى السهولة التي تتكاثر بها الأنظمة الاجتماعية وتعاود إنتاج نفسها بها». الدولة هي الهيئة الرئيسة التي تضبط الممارسات في المجتمعات المتمايزة. إنها جملة حقول من القوة التي تدور فيها صراعاتٌ، موضوعاتُ رهاناتها هي احتكار القوة المادية كما يقول ماكس فيبر، والقوة الرمزية أو الاعتبارية الشرعية/ المشروعة كما يضيف بورديو مصححًا

لسلفه الكبير. وهذا يعني أنها السلطان أو القدرة على تكوين الكوني الكلي الجامع وفرضه، وتطبيق جملة من القواعد والمعايير القاسرة، على نحوٍ كلي جامع ضمن نطاق الصلاحيات لأمة من الأمم، ولا سيما عبر المدرسة والقانون والضريبة والبيروقراطية. بلى، تخلت الدولة عن معناها القديم «الأصيل» وتحول التعاقب إلى ثبات أو إلى «دوام الحال» وفقًا للغة أحمد بيضون. باتت الدولة «حديثة» منذ «التنظيمات» العثمانية، والحديثُ هو الكلي الجامع بإطلاق. الكليُّ الجامع، بلى، ذلك أن من الصحيح أنه

بات لنا مقياس واحد كلي جامع نقيس به، هو المتر وليس الذراع هنا، والقيراط أو القدم أو ما سواه هناك. وأننا بتنا نزن، كلً وجميعًا،

بالكيلوغرام وليس بالرطل هنا و«الأقَّة» هناك. غير أننا لما نتفق (وهل ترانا سنتفق؟) على الصفات. فلا زلنا لا ندري ما هو عين ذاتنا ولا ما هو غيرها. باتت دولة الطبري والمسعودي هي دوام الحال، أو الديمومة البيروقراطية. وبات «دوام الحال» هو دولتنا ودولة سوانا. تعددت

(((1 كتاب على شكل المقابلة الصحفية، أجراها معه لوييك فاكان L. J. D. Wacquant، وهو بعنوان أجوبة:

Réponses (Paris: Ed. du Seuil 1992), p. 87.

الأصول والمصادر، لكن يبدو أن الوجهة واحدة. فاطلبها عند بورديو.

بيار بورديو في نبذة

ولد بيار بورديو عام 9301 في بلدة تدعى دانغان Denguin في منطقة البيريني Pyrénées العليا في جنوب فرنسا، وكان والده موظفًا في مصلحة البريد. التحق بدار المعلمين العليا عام 9511، وفيها يلتقي، وهو الريفي ذو الأصول المتواضعة، البرجوازية وثقافتها. يقول بعض زملائه، في دار المعلمين لتلك الفترة، إن شعوره بالغل إزاء المجتمع الباريسي المثقف يعود إلى تلك التجربة.

(1((والرأي الذي يستعير له اسمه اليوناني DOXA يعني عنده المعتقدات اليقينية الأولية، و«الفرضيات التعسفية الاستنسابية التي كانت في أصل الدولة» (كما يقول في ص 851 من النص الفرنسي). أي هذا الذي لا تتساءل الناس حوله لأنه بديهي أو تحصيل حاصل. هو صنو الدولة. وهو بطبيعة الحال اجتماعي وإجماعي و«بلا كيف». فهل ثمة من يتجرأ على الظن بأن الدولة

ربما كانت ظاهرة «أشعرية»؟ الدولة هي هذه الحقيقة» الخُلبُ

(الوهمية أو الإيهامية)، ولكن المُقَرّرَةُ والمصادقُ عليها جماعيًا

عبر الإجماع هي هذا الحيّز الذي نحال عليه حينما نتقهقر

نكوصًا ونرتدّ إلى الخلف (من سببٍ إلى مسبب إلى سبب

فمسبب إلى باعث أول أو محركٍأول) ونتراجع إليها انطلاقًا من عدد من الظاهرات شهادات مدرسية، شهادات مهنية، أو تقويم.

فمن نكوصٍ إلى آخر ومن تقهقر إلى تقهقر، نصل إلى حيز هو الأساس المؤسس لهذا كله». (محرك لا يتحرك، ولكنه يحرك

الكائنات بحركةِ «تشوِّقها» إليه؟ أفتكون الدولة إله أرسطو؟ لا

ندري في الحق. لكن الميممين شطر وجهها كثيرون). يبقى أن هذا الحيّز أو هذه الحقيقة الملغزة موجودة عبر مفاعيلها

وبفعل الاعتقاد الجماعي بوجودها الذي هو، أي الاعتقاد، مبدأ

مفاعيلها هذه (ص 25 من النص الفرنسي من عن الدولة). الدولة

شِبهُ دين (ص 91 من المرجع نفسه) (لكن هذا أمر يوشك التوسع

فيه أن يخرجنا عن موضوع هذا التقديم. فلنسارع إذًا إلى القول إن هذا الرأي - الاعتقاد، (دوكسا) ربما كان هو الإجماع كما يرويه السيوطي ويفرضه أصحاب الأشعري. فبعد هؤلاء ستتكون لنا إن شاء الله دولة «ب كيف». هكذا تصير الدولة واحدة. «شيئًا

لا يمكن أن نلمسه بإصبعنا، أو أن نعالجه كما يفعل فاعلٌ قادمٌ

من السنن الغربية التي تقول: «الدولة فعلت هذا» و«الدولة فعلت ذاك». (ص 25 من المرجع نفسه). ألم نقل إن الدولة باتت منذ حين من الأسماء الحسنى، أو من أسماء الجلالة؟

غير أنه، خلافًا لكثيرين من أبناء جيله، لن يلتحق بالحزب الشيوعي، وسيظل يبدي الكثير من الحذر إزاء الأجهزة بعامة والأجهزة الحزبية بخاصة. في عام 9551، يحصل على درجة التبريز في الفلسفة، ويلتحق أستاذًا مساعدًا بكلية الآداب في الجزائر، حيث ينجز أوائل أعماله حول التحولات الاجتماعية في الجزائر. وحين يعود إلى فرنسا عام 9611، يبدأ التعليم في جامعة السوربون ثم في جامعة ليل Lille بشمال فرنسا. في عام 9641، يتم تعيينه مدير دراسات في المدرسة العملية أو الكلية العملية للدراسات العليا، وينشر أولى أبحاثه ودراساته حول المدرسة والممارسات الثقافية (كتابه الورثة، فنٌ متوسط). في هذه الفترة، كان بورديو تحت رعاية ريمون آرون (الذي كان يشبهه في كونه مبرزًا في الفلسفة وخريج دار المعلمين العليا وتحول إلى علم الاجتماع)؛ فقد كان آرون يرى فيه واحدًا من «كبار» المثقفين، وعهد إليه، مع زميل له، بإدارة المركز الأوروبي لعلم الاجتماع. لكنّ الرجلين سيختلفان في عام 9681، حينها أسس بورديو مختبره الخاص للأبحاث. تركت أزمة أيار/ مايو 9681 كثيرًا من الريبة في

نفس بورديو، فلم ينشر تحليلاته حولها إلا في عام 9841 (الفصل الأخير من كتابه «الإنسان الأكاديمي»). مذ ذاك عزم على إنشاء مدرسته السوسيولوجية، أو العلم اجتماعية، وأطلق كثيرًا

من الأعمال انطلاقًا من مركزه في كلية الدراسات العليا، ثم أسس مجلته «أعمال البحث في العلوم الاجتماعية» عام.1975 بعد نشر كتابه الكبير التميُّز عام 9791، جرى تكريسه أستاذًا في الكوليج دو فرانس حيث يشغل كرسي علم الاجتماع؛ وكان الكتاب الحالي عن

الدولة بعض ثمرات عمله هناك. وفي عام 9931، منحه المجلس القومي الفرنسي للبحوث العلمية الميدالية الذهبية. (جان فرانسوا دورتسي، بيار بورديو، منشورات العلوم الإنسانية). تُظهِرُ مسيرة بورديو الكيفيةَ التي تكوَّنَ بها علماء

الاجتماع الفرنسيون، قبل أن يتوسع ميدان هذا العلم ويتنوع: دراسات في الآداب والفلسفة، دار المعلمين العليا، شهادة التبريز؛ فقد كان هذا هو المسار الذي اتبعه علماء الاجتماع قبل بورديو، بما في ذلك إميل دوركايم نفسه؛ ثم الكبار الآخرون: موريس هالبواخس، مارسيل موس، فرانسوا سيمياند، ثم ريمون آرون. ويروي الرجل هو نفسه في كتاب كتبه بين شهري تشرين أول/ أكتوبر وكانون أول/ ديسمبر 2001، أي قبل وفاته (23 كانون الثاني/ يناير 2002) بنحوٍ من عام (محاولة تحليل ذاتي) مسيرته الذهنية في حقبة كان يسود فيها تأثير جان بول سارتر في المجال الفلسفي، وكلود ليفي ستراوس والأنثروبولوجيا البنيوية في العلوم الإنسانية. كلا المدرستين اللتين كان بول ريكور يزعم انتماءهما إلى «فلسفة من دون ذاتٍ ولا فاعل». وبالإجمال فإن الرجل لم يكن يطيق المسافة التي يضعها الفلاسفة بينهم وبين العالم الاجتماعي، ولا النظرة التي ينظر بها ليفي ستراوس عن بعد ليضع العالم الاجتماعي جانبًا. وبعد أحداث أيار/ مايو 9681، أسس بورديو مركز علوم اجتماع التربية والثقافة الذي سيؤكد فيه تموضعه المؤسسي من جهة وقطيعته مع ريمون آرون من جهة أخرى. علم الاجتماع بالنسبة إلى بورديو هو علمٌ أولً، ما يعني أنه في حاجة إلى مؤسسات وإلى إطار نظري أساسي وجوهري يتيح له بلورة جماعة علمية أو

طائفة علمية. فأما البحث عن الإطار، فإننا نجده مبثوثًا موزعًا في مؤلفاته، ولا سيما تلك التي تحمل عناوين مثل، حرفة عالم الاجتماع، تأملات باسكالية، علم العلم. وأما المؤسسات، فإنه حاول بناءها منذ وقت مبكر؛ من ذلك مثلا سلسلة «الحس المشترك أو المعنى المشترك» التي تولى إصدارها عبر منشورات دار Minuit منذ عام 9641، ونشر فيها أعماله هو، وكذلك كثيرًا من الترجمات لعلماء اجتماع ومؤرخين وفلاسفة أجانب (غوفمان، وكاسيرر، وبانوفسكي، وغيرهم) أو أعاد نشر نصوص كلاسيكية فيها (دوركايم، وهالبواخس، وموس، وغيرهم). في سنوات الثمانينيات بدأ التوجه نحو الاضطلاع بدور المثقف العالمي، فتوجه إلى الخارج ولا سيما إلى الولايات المتحدة، حيث قام بزيارات عدة إلى جامعتي برنستون وبنسلفانيا. في عام 9891، عهدت إليه حكومة فرانسوا ميتران برئاسة لجنة للتفكير حول محتوى التعليم. وفي عام 9931، تولى الإشراف على عمل جماعي هو بؤس العالموجرى تقديمه بوصفه أسلوبًا آخر في ممارسة السياسة. (جان كريستوف مارسيل وأوليفيه مارتان). أحد مصادر قوة بورديو، وصلابة الأسطورة التي حاكها حول شخصه، يعود إلى تتبعه المسار السارتري في تجسيد المثقف الملتزم الذي يمتلك قدرًا من السلطة المعنوية تسمح له بممارسة دور المثقف الملتزم. ففي كانون الأول/ ديسمبر 9951، شارك في نداء المثقفين لدعم المضربين. وفي عام 9981، وقف إلى جانب العاطلين عن العمل الذين احتلوا دار المعلمين العليا. في السنة ذاتها، يقف إلى جانب المثقفين الجزائريين. وفي

998 1، يسعى لتكوين يسار لليسار، ويهاجم الخبراء و«صحافيي البلاط وكتابه» وعبرهم الليبراليين الجدد. في حزيران/ يونيو 2000، يقف في ميللو إلى جانب جوزيه بوفيه ومسؤولي حركة أتاك ATTAC لتشجيع إنشاء حركة من القوى التقدمية للكفاح ضد العولمة الاقتصادية، وفي 23 كانون الثاني/ يناير 2002 ينطفئ بيار بورديو في باريس عن عمر يناهز 72 عامًا.

المراجع

Badie, Bertrand. L ’ Etat importé. Paris: Ed. Fayard, 1992. Bourdieu, Pierre & L. J. D. Wacquant. Réponses. Paris: Ed. du Seuil, 1992. Bourdieu, Pierre. La leçon sur la leçon. Paris: Ed. Minuit, 1982. _______. La misère du monde. Paris: Points Seuil, 1993. _______. Esquisse pour une auto - analyse. Paris: Raisons d’agir, 2004. _______. Esquisses algériennes. textes édités et présentés par Tassadit Yacine. coll. Liber. Paris: Seuil, 2008. _______. Sur l ' Etat. Cours au Collège de France (1989-1992). Paris: Seuil, 2012. _______. L ’ insoumission en héritage. Paris: PUF, 2013. Emile Durkheim, Leçons de sociologie. Paris: Ed. Quadrige/ PUF, 1950/2010.

(13) Pierre Bourdieu, «Pour une gauche de gauche,» Le monde , 8/4/1998.