العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التفسير القصدي للسلوك الاجتماعي وشروط صدقيته

التفسير القصدي للسلوك الاجتماعي وشروط صدقيته

The Intentional Explanation of Social Behaviour and the Conditions of its Credibility

حسن احجيج | Hassane Hjij *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى المساهمة في النقاش الدائر بشأن وجاهة التفسير القصدي للأفعال الاجتماعية، انطلاقًا من مقاربة تستند إلى مكتسبات الفلسفة التحليلية ونظرية الممارسة في العلوم الاجتماعية. أدافع عن الفكرة القائلة إنه على الرغم من أن التفسير القصدي لا يتوقف على قوانين طبيعية، فإنه يبقى مع ذلك تفسيرًا للسلوك الاجتماعي بالعلل. وأحاجج بأن تفسير السلوك الاجتماعي بالاستناد إلى أسباب الفاعل يمكن أن يكون نوعًا من التفسير العلّي (السببي) إذا توافرت مجموعة من الشروط التي تضمن للتفسير القصدي قوته الكشفية، وهذه الشروط هي سياق الفعل والقصدية الجماعية والسلوك المتّبع للقواعد.

Abstract

Abstract: The aim of this article is to contribute to the debate on the appropriateness of interpreting social actions from an approach based on analytical philosophy and the theory of practice in the social sciences. I argue that that although intentional explanation does not depend on natural laws, it nevertheless remains an explanation of social behaviour by causes. I argue that the intentional explanation of social behaviour based on the reasons of the actor can be a kind of causal explanation if a set of conditions which guarantee the heuristic capacity of the intentional explanation is available. These conditions are contextualism, collective intentionality, and following rule behaviours.

الكلمات المفتاحية:
  • السلوك الاجتماعي
  • التفسير القصدي
  • التفسير العلّي
  • السياقية
  • القصدية الجماعية
Keywords:
  • Social behaviour
  • Intentional Explanation
  • Causal Explanation
  • Contextualism
  • Collective Intentionality

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى المساهمة في النقاش الدائر بشأن وجاهة التفسير القصدي للأفعال الاجتماعية، انطلاقًا من مقاربة تستند إلى مكتسبات الفلسفة التحليلية ونظرية الممارسة في العلوم الاجتماعية. أدافع عن الفكرة القائلة إنه على الرغم من أن التفسير القصدي لا يتوقف على قوانين طبيعية، فإنه يبقى مع ذلك تفسيرًا للسلوك الاجتماعي بالعلل. وأحاجج بأن

تفسير السلوك الاجتماعي بالاستناد إلى أسباب الفاعل يمكن أن يكون نوعًا من التفسير العلّي

(السببي) إذا توافرت مجموعة من الشروط التي تضمن للتفسير القصدي قوته الكشفية، وهذه الشروط هي سياق الفعل والقصدية الجماعية والسلوك المتّبع للقواعد.

Abstract: The aim of this article is to contribute to the debate on the appropriateness of interpreting social actions from an approach based on analytical philosophy and the theory of practice in the social sciences. I argue that that although intentional explanation does not depend on natural laws, it nevertheless remains an explanation of social behaviour by causes. I argue that the intentional explanation of social behaviour based on the reasons of the actor can be a kind of causal explanation if a set of conditions which guarantee the heuristic capacity of the intentional explanation is available. These conditions are contextualism, collective intentionality, and following rule behaviours.

Researcher in Epistemology of Social Sciences and Sociology of Religion.

إن ما هو مدمر في طريقة التفكير العلمية (التي تتحكم اليوم في العالم كله) هو أنها تريد أن تجيب عن أي إزعاج بإعطاء تفسير. فتغنشتاين

مقدمة

ناقش العلماء والفلاسفة، مدة طويلة، إن كان في إمكان علماء الاجتماع أن يستعملوا في بحوثهم السوسيولوجية مناهج البحث التي تستعملها العلوم الطبيعية. ومن بين القضايا المركزية، أو ربما القضية الأكثر مركزية التي تناولتها هذه النقاشات الإبستيمولوجية، مسألةُ دور القوانين في تفسير السلوك الاجتماعي. وانقسم منظرو العلم الاجتماعي بخصوص هذه النقطة معسكرين: الأول، جمهور المنظرين الاجتماعيين للعلم الاجتماعي الذين يسندون مهمة التفسير العلّي إلى الظواهر الاجتماعية، والذين يُشدّدون على وجوب أن يكون هدف التنظير السوسيولوجي هو المساهمة

في العلم التعليلي، وعلى أن يركز التنظير السوسيولوجي على العلّة من خلال العمليات المجردة والإواليات الإجرائية، أما المعسكر الثاني فهو جمهور الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين لاحظوا أن العلوم الاجتماعية تتعامل مع ظواهر تختلف كثيرًا عن تلك التي تُعالجها العلوم الطبيعية، وأن البحث

المثمر يتطلّب نوعًا من الاستقلالية المنهجية. وعلى وجه التحديد، اعتقد كثيرون منهم أن الموضوع

الذي تدرسه العلوم الاجتماعية يفرض قطيعة مع نوع المقاربات التفسيرية التي يمكن استعمالها في البحث الطبيعي، حيث يقترحون أن التفسير القائم على القانون (التفسير الاستنباطي – الناموسي) مستحيل أو غير قابل للتطبيق هنا. علاوةً على ذلك، قدّم البعض ادعاءً أقوى يقول إن اختلاف موضوع

الدراسة يرتبط بواقع أننا نريد شيئًا يفسر السلوك البشري يكون مختلفًا عما يفسر الظواهر الطبيعية، شيئًا لا يمكن للقوانين، وإن كانت متوافرة، أن تمسك به. ويعتبر هذا الفريق من المفكرين التفسيرات الناموسية غير وجيهة هنا وغير ذات صلة. ويقيم هؤلاء دعاويهم على فرادة الظواهر التي تدرسها العلوم الاجتماعية. إن ما يفسر وفرة البحوث العلمية الغربية التي تناقش موضوع التفسير القصدي للأفعال الاجتماعية هو الاقتناع المتأخر بأن الظواهر الاجتماعية الكلّية (من قبيل الأسرة والتنظيمات السياسية والدولة والأمة والحركات الاجتماعية وغيرها) نتاج للأفعال الاجتماعية. وإذا كان هذا الموقف النظري ليس جديدًا، حيث يرجع إلى ما سُمّي «صراع المناهج» في ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر، فإن الأهمية البالغة

التي أصبح يحظى بها في الحقل الفكري الغربي تعود جزئيًا إلى انبعاث قضايا جديدة في نقاش فرد/

مجتمع؛ ومنها، أساسًا، قضايا المسؤولية والأخلاق والتعاون والروح الاجتماعية والسلم في سياق

يتّسم بتفاقم ظواهر التطرف والتهجير والقوميات والجريمة.

(1) Ludwig Wittgenstein, The Big Typescript: TS 219 , C. Grant Luckhardt & Maximilian E. Aue (eds. & trans.) (Oxford: Blackwell, 2005), p. 8.

(((أقصد بالعلوم الاجتماعية تخصصات من قبيل الاقتصاد وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلم السياسي وعلم النفس والتاريخ، وأعني بالعلوم الطبيعية تخصصات مثل الفيزياء والكيمياء وعلم الفلك والجيولوجيا وعلم الأرصاد الجوية والبيولوجيا.

بيد أننا نلاحظ غيابًا نسبيًا لمناقشة هذا الإشكال الإبستيمولوجي في الفكر الفلسفي والسوسيولوجي

العربي، الأمر الذي دفعني إلى خوض غمار هذا النقاش الصعب بغية إثارة الانتباه إلى خطورة هذا الإهمال على المستويين النظري والعملي، وكذا بغية إثارة نقاش جاد ومثمر بين الباحثين العرب لهذا الإشكال الإبستيمولوجي الحيوي في تطوير العلم الاجتماعي في بلداننا العربية. في هذه الدراسة، سوف أحاجج بأن التفسير القصدي للأفعال الاجتماعية يختلف عن التفسير الاستنباطي الناموسي، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره أدنى منه من حيث الوجاهة الكشفية.

وفي سبيل ذلك، سوف أدافع عن وجاهة مقاربة لاهيومية لعلِّيَّةِ التفسير القصدي؛ إذ سأدافع عن

موقف يجمع بين الحاجة إلى التفسير القصدي للسلوك الاجتماعي، مع الإبقاء على وجاهة الهدف التقليدي لفهم هذا السلوك في سياق ثقافي. فالعلم الاجتماعي ملزم بالاستجابة إلى معايير التفسير العلمي، لكن يجب علينا ألا نتوقع منه أن يقدم تفسيرًا مطابقًا للتفسير الذي تُقدّمه العلوم الطبيعية.

وعلى هذا الأساس، سأحاول البرهنة على أنه يمكن للعلم الاجتماعي أن يتخذ من مبررات Reasons الفاعل عللًCauses لأفعاله، لكن من خلال الحجاج على أن نظرية الاطراد الهيومية لا يمكن اعتمادها أرضية وجيهة للتفسير القصدي. سأسعى إلى الدفاع عن الموقف التالي: على الرغم من أن التفسير القصدي لا يتوقف على قوانين طبيعية، فإنه يبقى مع ذلك تفسيرًا بالعلل. وإذا كنت أعتقد أن صعوبات الوصول إلى هذه الغاية حقيقية،

فإنني أرى أن التغلّب عليها ليس مستحيلً؛ لذلك سوف أحاجج على أن تفسير السلوك الاجتماعي استنادًا إلى مبررات الفاعل يمكن أن يكون نوعًا من التفسير العلّي إذا توافرت مجموعة من الشروط التي تضمن للتفسير القصدي قوته الكشفية، وهذه الشروط هي سياق الفعل والقصدية الجماعية والسلوك المتبع للقواعد. كي أقدّم عرضًا متّسقًا وواضحًا للأطروحة التي أدافع عنها، قسمت الدراسة إلى ثلاثة أقسام: خصصت

الأول لعرض التفسيرين العلّي والغائي للفعل البشري، عارضًا المفترضات الرئيسة التي يقوم عليها كل منهما من خلال مناقشة أفكار أهم ممثليهما. أما القسم الثاني فقد خصصته لمحاولة تجاوز هذين الموقفين المتطرفين من خلال البرهنة على الوجاهة الكشفية لمقاربة تدمجهما معًا، حيث سأسعى إلى

تسليط الضوء على القوة التفسيرية للسلوك الاجتماعي من خلال إبراز إمكان استخدام الحالات

الداخلية للفاعل كعِلَلٍ لتفسير أفعاله الاجتماعية. وأما في القسم الثالث فقد انتقلت إلى مناقشة شروط إمكان صدقية التفسير الغائي، مركّزًا أساسًا على مبدأ «السياقية» الذي شك ل منعطفًا حاسمًا في الفكر

الفلسفي والسوسيولوجي المعاصر، والذي حدَّدتُ مكوّناته في سياق الأفعال والقصدية الجماعية

والسلوك المتبع للقاعدة، مستندًا في ذلك إلى الأعمال الفلسفية المتأخرة للودفيغ فتغنشتاين وأعمال بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين ساروا على خُطاه.

(((المقصود هنا هو تقديم مقاربة تتعارض مع تصوّر ديفيد هيوم للتفسير العلّي.

أولا: التفسير العلي والتفسير الغائي للفعل البشري

يميّز فلاسفة العلم الاجتماعي عادةً بين نموذجين من التفسير: النموذج الغاليلي الميكانيكي/ الع لّي

الذي يهدف إلى إنتاج فرضيات حول علل الوقائع الملاحظة وإلى التحقق من صدقها، وذلك بِن يَّةِ القيام

بتنبُّؤَات؛ وهو التفسير الذي يجيب عن السؤال: «لماذا حدثت الأشياء على النحو الذي حدثت؟»،

والنموذج الأرسطي/ الغائي الذي يجعل ظواهر العالم مفهومة ويوضح المفاهيم المستعملة في وصف الظواهر؛ وهو التفسير الذي يجيب عن السؤال: «من أجل ماذا حدثت الأشياء على النحو الذي حدثت؟.» تعج الدراسات في الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وكذا الخطابات العادية، بعبارات عدة تتضمن عمليات تفسيرية، من بينها: «يؤثر في»، «ينشأ من»، «هو نتيجة ل»، «يتوقف على»، «يؤدي إلى»، «يحدد»،

«ينتج»، «مسؤول عن»... إلخ. إن هذه العبارات كلها ذات مضمون علِيّ بالمعنى الواسع: فبما أنها

أشكال من العلاقة العامة «نظرًا إلى أن»، فإنها تُعبّر عن علاقة تفسيرية بين الشيء المفسِّر والشيء

المفسَّر. لكنّ هناك معنى ضيقًا لمصطلح «علّة»، مخصصًا للعلاقات التعليلية التي تقوم على القوانين

والتعميمات الإمبريقية، وهو المعنى الذي بموجبه تقتضي أحداثٌ سابقةٌ نتائجَها. وينبثق سؤال ما إذا

كانت المصطلحات العلّية بالمعنى الواسع علّيةً بالمعنى الضيق أيضًا. يجيب فلاسفة «وحدة العلم» بالإيجاب، بينما يجيب خصومهم بالنفي. ويتمثل ل بَّ الخلاف في ما إذا كانت تفسيراتُ السلوك

البشري بمبررات الفاعل، تحيل على عِللٍ بالمعنى الضيق، وهذه هي المسألة التي ما زال يدور حولها النقاش، مبررات/ علل، الذي ظل حيًا منذ أن انتعشت فلسفةُ الفعل من خلال استلهام أعمال

فتغنشتاين المتأخرة وكتاب جيلبيرت رايل مفهوم العقل، حيث أثرت هذه الأعمال في الكتابات التي عالجت هذا الموضوع منذ خمسينيات القرن العشرين إلى اليوم. انصبَّ هذا النقاش الحاد على مسألة ما إذا كان يجب تفسير الفعل البشري بالاستناد إلى العلل أم

المبررات. وارتبطت بهذا النقاش مسألةُ قابلية تطبيقِ بعض المقولات المفاهيمية التي عادةً ما يعتبر بعضها متعارضًا مع بعضها الآخر: العلّية في مقابل الغاية، علل الفعل في مقابل مبررات الفعل، التفسير العلّي في مقابل التفسير الغائي.

1. التفسير العلي للفعل البشري

تذهب النظريةُ العِليّةُ للفعل إلى أن تفسيرَ السلوكِ نوعٌ خاصٌّ من التفسير العلّي، لا يختلف من حيث

المبدأ عن التفسير السائد في العلوم الطبيعية. ويهدف هذا الادعاء إلى معارضة وجهة نظر منتشرة على

(4) Frederick Stoutland, «Reasons, Causes, and Intentional Explanation,» Analyse & Kritik , no. 8 (1986), p. 28.

(((في هذه الدراسة أستعمل كلمة «علّة» بالمعنى الضيق.

نطاق واسع، تذهب إلى أن تفسيرَ الفعل البشري بأهداف الفاعل تفسيرٌ مختلفٌ تمامًا عن التفسير

الطبيعي، ويتطابق مع نموذج التفسير الغائي ولا يتحمل استعمال مفهوم «العلّة الكافية». يحاجج كورت جون دوكاس، أحد روّاد النظرية العلّية للفعل في العصر الحديث، على أنه يمكن

للتفسيرات الغائية أن تُصاغ بلغة عِليّة، بل يجب عليها ذلك؛ إذ يرى دوكاس أن الأفعال، أي «الأحداث

الغائية»، بحسب تعبيره، يجب أن يُسبّبها بعضُ معتقداتِ الفاعل ورغباته. وكان دوكاس يعتقد أن

الترابط العليّ بين الحالات الذهنية والسلوك هو ما يجعل التفسيراتِ الغائيةَ تفسيراتٍ عِليّةً. وعلى هذا

الأساس، فإن «أفعال الكائنات القادرة على الاعتقاد والرغبة هي وحدها التي يمكن أن تكون لها

غايات، وإذ ا، فإن أحداث ‘الطبيعة الجامدة’ لا يمكن أن نسند إليها غايات من دون أن نسقط في التناقض، إلا إذا تم حقن الطبيعة بالاعتقاد والرغبة». إن رغبةَ الفاعل في حدوث (س)، واعتقادَه أن

قيامه ب (ص) سيجعله يحقق (س)، يمكن اعتبارهما «ع لَلً» لفعل الفاعل (ص)، وهي تشبه في ذلك «العلل» المستعملة في التفسير العلّي للظواهر الطبيعية. هذا النوع من التفسير، بحسب دوكاس، «يتكوّن أساسًا من تقديم فرضية حول واقعة معيّنة؛ بحيث نستند إلى الواقعة التي نريد تفسيرها باعتبارها

حالة سابقة لحالة لاحقة على أساس قانون اقتران معروف سلفًا». يتّضح، إذ ا، أن الفكرة المركزية

لهذه النظرية العلّية للفعل هي أن تفسير الفعل يقوم على وجود قانون علّي («إن قوانين التزامن الإحصائي المتحصل عليها ليست قوانين علّية)»، ومجموعة من الوقائع الخاصة (رغبات الفاعل ومعتقداته والشروط ذات الصلة) التي ينشأ عنها السلوك المراد تفسيره كنتيجة لها. يعتبر نموذج التفسير الاستنباطي – الناموسي explanation Deductive–nomological لكارل هيمبل،

أكثر التعبيرات كمالً للتفسير العلّي؛ إذ طوّر هيمبل نموذجًا تفسيريًا بواسطة تضمين ناموسي بطريقة

منهجية ودقيقة، وجعل منه المعيار المثالي لكل التفسيرات العلمية. وحاجج بالخصوص على أن منطق تفسيرات الفعل لا يختلف عن منطق التفسيرات العلمية الأخرى «الحقيقية»، وقدم نموذجًا

يتوافق مع التفسير الاستنباطي – الناموسي، لكنه أخذ في الحسبان الخصائص النوعية لتفسيرات الفعل البشري. دعنا نبدأ أولً بالتذكير بوجهة نظر هيمبل الأساسية التي تتضمنها مقولته التالية: «إن طبيعة الفهم التي تشير إلى أن المفترض من التفسير هو توفير فهم للظواهر التجريبية، هي طبيعة الفهم نفسها في كل مجالات البحث العلمي». ولا يختلف التفسير في العلوم الاجتماعية إلا من حيث مضمونه؛ إذ

(((أستعمل هنا عبارة «العلّة الكافية» كما يفهمها فلاسفة العلم، في مقابل «العلّة النهائية»، وهو تمييز يرجع إلى أفلاطون.

(7) C.J. Ducasse, «Explanation, Mechanism and Teleology,» Journal of Philosophy , vol. 22 (1925), pp. 150–155. (8) Ibid. (9) Ibid., p. 153. (10) Ibid., p. 151. (11) Ibid. (12) C.G. Hempel, «Explanation in Science and in History,» in: P.H. Niddicht (ed.), The Philosophy of Science (Oxford: Oxford University Press, 1968), p. 123.

يُحيل على المعتقدات والرغبات باعتبارها مبررات للفعل. ويقصد هيمبل أن كل تفسيرٍ هو تفسير

ناموسي، أي إنه يرتكز على قوانين تجريبية تربط منطوق الظاهرة Explanandum بمنطوق التفسير

Explanans، ويمكن أن تُستَخل ص القوانين نفسها من قوانين أسمى. وإذا أراد التفسير السوسيولوجي

للأفعال الاجتماعية أن يكون تفسيرًا علّيًا، يمكنه أن يستلهم شكل القانون الاستنباطي – الناموسي من

دون مضمونه الخاص بالظواهر الطبيعية. فنحن نعلم أن هذا القانون يقوم على مبدأ (شكل) عام، وهو أن تفسير حدث ما، يُستَنبط من قانون عام ومن منطوق الشروط الأولية التي تشكل علّة الحدث الذي

نريد تفسيره. إن بنية التفسير في نموذج التفسير الاستنباطي – الناموسي هي نقطة الانطلاق؛ إذ تتم معالجة لزوم التفسير بضرورة استنباط حدوث الحدث من القانون، وإن ضرورات الاستنباط من القوانين تحدد لزوم التفسير. يؤكد هيمبل أن التفسير القائم على النموذج الاستنباطي – الناموسي والتفسير القائم على النموذج الاحتمالي – الاستقرائي explanation probabilistic – Inductive متطابقان، ما داما يستلزمان معًا

القوانين ولهما قوة تفسيرية نظرًا إلى أنهما يسمحان باستنتاج منطوق الظاهرة من اقتران القانون بالشروط

الأوّلية التي تُفسر الظاهرة بموجب ذلك القانون. لكنهما يختلفان في جانبين: إن القانون في الحالة

الأولى تعميم كوني، وفي الحالة الثانية قانون إحصائي يرى أن الظواهر مرتبطة في ما بينها بصورة احتمالية وليست كونية. ويستلزم هذا الاختلاف اختلافًا ثانيًا: في الحالة الأولى يمكن استخراج منطوق

التفسير من المقدمات التفسيرية بواسطة الضرورة الاستنباطية، بينما يمكن استخراج منطوق التفسير في الحالة الثانية فقط بصورة استقرائية وفي ما يتعلق بالمقدمات، يكون منطوق التفسير محتمل جدًا في أفضل الحالات. تدّعي أطروحة هيمبل أن التفسير القصدي الناجح يستلزم وجود قوانين عامة، ويحاجج على أن القوانين

الكونية شرط ضروري كي تكون تفسيراتُ الأفعال تفسيراتٍ «علميةً». ويرى أن التناظر بين التفسير والتنبؤ صحيح في تفسيرات الفعل: «يهدف التفسير التاريخي أيضًا إلى إبراز أن الحدث المدروس ليس ’من قبيل الصدفة‘، بل يجب توقّعه في ضوء بعض الشروط السابقة أو المتزامنة. ليس هذا التوقع نبوءة أو تكهنًا، بل هو استشراف علمي عقلاني يستند إلى مسلّمة القوانين العامة». هذا الموقف النظري جسّده هيمبل في قانون للتفسير القصدي للفعل الاجتماعي، وقد صاغه على النحو الآتي: «إذا كان (س) مبررًا وجيهًا بالنسبة إلى (أ) كي يقوم ب (ص)، فإن (س) يجب أن يكون مبررًا وجيهًا

بالنسبة إلى أي شخص يشبه بما فيه الكفاية (أ) للقيام ب (ص) إذا وجد في ظروف مشابهة كفاية لظروف (أ.»)

(((1 تجاوزًا، ومن أجل التبسيط أيضًا، يمكن أن نعتبر منطوق الظاهرة هو الحدث المُراد تفسيره، وأن نعتبر منطوق التفسير هو

الحدث الذي يُفسر سبب حدوث الحدث السابق. لكن تجدر الإشارة إلى أن هذين المفهومين أعقد من هذا الشرح المبسط الذي

قدمته، غير أن تفصيل القول في هذا الشأن لا يسمح به المقام.

(14) C.G. Hempel, Aspects of Scientific Explanation: And Other Essays in the Philosophies of Science (New York: Free Press, 1965), p. 235.

على هذا الأساس، يفترض هيمبل أن الشروط الأوّليةَ للتفسير القصدي محايدةٌ بشكل صريح؛ ولا

تكتسب قوةً تفسيريةً إلا عندما نكتشف تجريبيًا أنه يمكن لهذه الشروط أن تُستعمَل لصياغة قوانين تُقيم

علاقات في ما بينها: «تربط القوانينُ منطوق الظاهرة بالشروط الخاصة المذكورة في منطوق التفسير، وهذا ما يمنح هذا الأخير وضعَ عاملٍ تفسيريٍّ للظواهر التي يجب تفسيرها»، وهذا، أيضًا، ما يجعل

هيمبل يحاجج على أن التفسيرات الاستنباطية – الناموسية وحدها تفسيراتٌ ع.ٌلِّيَّة

2. التفسير الغائي للفعل البشري

يُدرج التفسير الغائي للفعل البشري في هذا النوع من التفسير في ما اتفق منظرو الفعل على تسميته

«علم النفس الشعبي». ويُحيل هذا الأخير على «الإطار المفاهيمي ما قبل علمي للحس المشترك

الذي يستعمله جميع البشر المُنشَئين اجتماعيًا من أجل فهم سلوك البشر والحيوانات الرئيسة العليا

والتنبؤ بها وتفسيرها والمناورة بها». ويتمظهر علم النفس الشعبي في «الخطاب السيكولوجي اليومي الذي نستعمله لمناقشة الحياة العقلية للبشر أمثالنا»، لكنه يستخدم أيضًا في الكثير من الممارسات الفكرية المتطوّرة، مثل علم الاجتماع وعلم النفس العلمي وفلسفة الفعل، التي تستعمل

مجموعة من المفاهيم المألوفة، مثل الاعتقاد والقصد والرغبة والمزاج والألم والخوف والذاكرة والغضب، وحالات ذهنية داخلية أخرى، في تفسير الفعل البشري؛ ذلك أن التفسير الغائي لعلم النفس الشعبي ينطلق من المسلّمة القائلة إن كل الظواهر الغائية يمكن تفسيرها بالحالات الذهنية للفاعلين؛ إذ ينشغل بالكشف عن دور الحالات العقلية في توليد الأفعال من خلال إسناد حالات عقلية إلى الأفراد على أساس الملاحظات السلوكية. لخّص ولفغانغ الخصائص الجوهرية للمقاربة الغائية لعلم النفس الشعبي في أربع خصائص، تمثّل الخاصية الرابعة حجر الزاوية في تفسير علم النفس الشعبي للسلوك البشري، وربما شكلت أساس الكثير من التفسيرات الغائية في فلسفة الفعل والعلوم الاجتماعية، التي بمقتضاها تعتبر الحالات الداخلية بالنسبة إلى علم النفس الشعبي حالات بدهية، أي واقعة طبيعية أوّلية ملُازمة للبشر، وربما

لكائنات حية أخرى. تفسر هذه المقاربة أفعال البشر، حيث تُعدّ الأفعال منطوق الظاهرة، والحالات

الذهنية منطوق التفسير. وغالبًا ما تكون تفسيرات الأفعال البشرية بالمعتقدات والرغبات، تفسيراتٍ

(15) Ibid., p. 99.

(((1 أستعمل هنا عبارة «علم النفس الشعبي» بطريقة وصفية لا تتضمن أي موقف قيمي.

(17) P. Churchland, «Folk Psychology,» in: S. Guttenplan (ed.), A Companion to the Philosophy of Mind (Oxford: Blackwell, 1994), p. 308. (18) Daniel Dennett, Kinds of Minds: Toward an Understanding of Consciousness (New York: Basic Books, 1996), p. 27. (19) M. Ratcliffe, Rethinking Commonsense Psychology: A Critique of Folk Psychology, Theory of Mind and Simulation (New York: Palgrave Macmilan, 2007), p. 3. (20) Prinz Wolfgang, Open Minds: The Social Making of Agency and Intentionality (London: MIT Press, 2012), pp. 28–30.

إضماريةً أو مختصرةً أو تشتغل بواسطة مسلّمات مُضمرة يُفترَض أن جميع البشر يقتسمها. فنحن لا

نحتاج إلى إظهار كل المسلّمات، نظرًا إلى أنها جزء من شكل من التفسير الذي يفهمه حتى الأطفال

الذين بلغوا السابعة أو الثامنة من العمر. في الواقع، إن هذا الشكل مفهوم جيدًا، إلى درجة أنه يصعب في الغالب القيام بعرض واعٍ لجميع مسلّماته ومفترضاته والآثار المترتبة عليه. تستعمل تفسيراتُ السلوك البشري من خلال مبررات الفاعل أشياءَ عدة؛ مثل المعتقدات والرغبات

والقيم والواجبات والانفعالات والحاجات التي في ضوئها يبدو السلوك عقلانيًا. لكنّ منظري غائية

الأفعال البشرية حاججوا على أننا عندما نفسر الفعل أو السلوك بإعطاء مبرر الفاعل، فإننا لا نقدم تفسيرًا عليًّا. وجهة النظر هذه تبنّاها أولئك الذين يؤكدون أن تفسيرات الفعل بمبررات الفاعل ليست

حالات للتفسير العلّي، أمثال أبراهام ميدلن وريتشارد ستانلي بيترس ودافيد هاملين وبيتر وينتش وأنتوني فلو ومينديل كوهن. ومن أجل دحض الأطروحة العلّية، يستند المنظور الغائي للفعل البشري إلى حجّة غياب الضرورة

الناموسية Nomicity؛ فالترابط العلّي ترابط ناموسي، ويعني ذلك أن المنطوق العلّي الذي يذهب إلى أن هناك علاقة علّية تجمع بين حدثين، يستلزم وجود قوانين تتحكم في الحدثين. بيد أن تفسيرات الفعل بواسطة مبرراته لا تنطوي على مثل تلك القوانين، لكن ليس نظرًا إلى أن القوانين المستعملة في

تفسير الأفعال أعقد بكثير من تلك التي نجدها في تفسيرات الأحداث الفيزيقية الخالصة، كما اقترح هيمبل، وليس نظرًا إلى أنها واضحة بقدر يجعلنا لا نأخذها في الحسبان إلا نادرًا، كما اقترح ذلك

كارل بوبر، بل سبب ذلك، كما يقول فون رايت، هو أن «الإوالية» الدافعية ليست علّية، وإنما هي غائية. إن التفسير الناموسي يختلف عن التفسير الغائي بنوعين من الفروق؛ إذ يكون التعميم الإحصائي تعميمًا بالفعل فقط إذا كانت هناك نظرية خلفية تفسّر لماذا يجب أن يكون التفسير احتماليًا. في العلوم

الفيزيائية، تقوم الميكانيكا الإحصائية والكمّية بهذه الوظيفة، أما في العلوم الاجتماعية فإن «النظريات»

الخلفية متنوعة. ففي حالة التفسيرات القصدية التي تهمنا في هذه الدراسة، تكون أفضل التعميمات التي يمكن أن نتوقعها تعميمات احتمالية، بمعنى أن الأفراد الذين يحملون هذه المعتقدات والرغبات أو تلك يفعلون عمومًا هذا الشيء أو ذاك. والسبب في ذلك هو أن التفسيرات القصدية تستلزم أن

نحتفظ بالعقلانية الداخلية لفاعل ما؛ ليس العقلانية المتعلقة بالمعتقدات والرغبات التي ذكرت في

(21) Alex Rosenberg, Philosophy of Social Science , 3 rd ed. (Colorado: Westview Press, 2007), p. 32. (22) Abraham Melden, Free Action (London: Routledge; Kegan Paul, 1961); Richard Stanley Peters, The Concept of Motivation (London: Routledge; Kegan Paul, 1958); D.W. Hamlyn, «Behavior,» in: V.C. Chappell (ed.), Philosophy of Mind (Englewood Cliffs, N.J.: Prentice–Hall, 1962); P. Winch, The Idea of a Social Science (London: Routledge; Kegan Paul, 1990); A. Flew, «Psycho–Analytic Explanation,» Analysis , vol. 10, no. 1 (1949–1950); M.F. Cohen, «Motives, Causal Necessity and Moral Accountability,» Australasian Journal of Philosophy , vol. 42, no.3 (1964), pp. 332–334. (23) Hempel, «Explanation in Science and in History.» (24) Karl Popper, The Open Society and its Enemies (London: Routledge; Kegan Paul, 1945).

التفسير فقط، وإنما المتعلقة أيضًا بأي معتقدات ورغبات يحملها الفاعل، وهذا يضع حدودًا للتعميمات

الكونية حول السلوك الناتج من أي معتقدات ورغبات محددة. وتختلف هذه «النظرية» الخلفية عن أي شيء يوجد في العلوم الطبيعية. من جهة أخرى، إن الكثير من التعميمات الاحتمالية غير تعليلي؛ والمقصود بذلك هو أنه يمكن للباحث أن يتوصل إلى ترابطات إحصائية، ويمكن أن تسمح هذه الأخيرة بإجراء تنبُّؤَات من دون أن

تكون تعليلية. وسبب ذلك هو أن التعميم يتم بواسطة التوصيفات التي تحمل قوة تعليلية مستقلة عن التعميمات نفسها؛ فهي ليست ذات حياد تفسيري. لكن لماذا تكون لبعض منطوقات الشروط الأولية قوة تعليلية؟ يقول هيمبل إن القوانين التجريبية هي التي تمنحها لها. لكن هذا لا ينطبق على تعميمات العلوم الاجتماعية، ولا يخص إلا تعميمات العلوم الطبيعية، نظرًا إلى أنها ترتكز على نموذج التفسير

الاستنباطي – الناموسي، بينما تقوم العلوم الاجتماعية على نموذج التفسير الاحتمالي. كما أن

تعميمات العلوم الطبيعية تقاوم الوقائع المضادة التي تسمح لها بتمييز التعميماتِ العرَضِيَّةِ من القوانين

الحقيقية. لكن واجهت أطروحة هيمبل اعتراضات فلاسفة عدة. وارتكز هؤلاء على الثنائية المنهجية: إذا كان نموذج قانون التغطية لهيمبل هو الخاصية التي تشترك فيها تفسيرات العلم الطبيعي كلها، فليس هناك أي سبب يوجب صلاحية ذلك النموذج في تفسيرات الأفعال الاجتماعية، وهي التفسيرات التي يؤكد أولئك الفلاسفة أنها تحتفظ باختلاف أساسي عن تفسيرات الظواهر الطبيعية. فعلى سبيل المثال، أكد

وليام دراي أن تفسيرات الأفعال الاجتماعية، على خلاف تفسيرات العلم الطبيعي، ليست لها قوة تنبُّئ يّةِ

تضمنها القوانين الكونية. ويرجع ذلك في رأيه إلى كون العالم الاجتماعي يشمل عوامل لا حصر لها

ينبغي أخذها في الحسبان. ومن ثمة، فإن «القوة التنبُّئيّة» ليست ممكنةِ. وهذا ما يؤكده ماكنتير

عندما يجزم أن معظم التعميمات في العلم الاجتماعي ليست لها «شروط كافية»، ومن ثم لا يمكن اعتبارها «قوانين»، كما هي الحال في العلوم الاجتماعية. وإذا كان من اللزوم أن تكون التفسيرات

العلّيةُ تفسيراتٍ استنباطية – ناموسية، فإن ذلك لا ينطبق على التفسيرات الغائية.

ثانيًا: الفهم والتفسير: مقاربة مندمجة

يثير التفسير الغائي للفعل الاجتماعي مجموعة من المشكلات الإبستيمولوجية التي من شأنها، من دون شروط إضافية سنعرضها لاحقًا، أن تقوّض القدرة الكشفية العلمية لهذا النوع من التفسير. فالتفسير

القصدي للأفعال، المُستلهَم من علم النفس الشعبي الذي يستند إلى الحالات الداخلية للفاعل، يقيم

كل استدلاله على نوع من المذهب الديكارتي الذي يعتبر الاستبطانَ المعيار الوحيد لتعليل أفعال شخص وأقواله. ويقتضي الاستبطان أن يكون هذا الشخص مؤهل معياريًا ليكون سيّدًا بشأن القرارات

المتعلقة بكيفية وصف فعله.

(25) William H. Dray, Laws and Explanation in History (Oxford: Oxford University Press, 1957), p. 33. (26) Alasdair MacIntyre, After Virtue (Indiana: University of Notre Dame Press, 1984), p. 91.

قد تبدو لنا التفسيراتُ بالدوافع تفسيراتٍ معقولةً، لكنها يمكن أن تكون مع ذلك غير صحيحة لأسباب

عدة: أولً، يمكن أن تخفي الدوافع التي تبدو واعية عن الفاعل والملاحظ الدافع الحقيقي للفعل. ثانيًا، يمكن أن يكون الفاعل خاضعًا لدوافع مختلفة ومتعارضة، وإذًا، يصعب تبيّن قوة أو أهمية كلِّ

واحدٍ منها. ثالثًا، يمكن أن يُدرِك الفاعل والملاحظ وضعيةَ الفاعلِ بطرق مختلفة، ومن ثم فإن ما يبدو

دافعًا صحيحًا للملاحظ، يمكن أن يبدو للفاعل تحديدًا خاطئًا للكيفية التي تبدو بها تلك الوضعية

للفاعل. كيف يمكن الفاعل أن يعرف ما إذا كان تضافرُ كل المبررات المختلفة كافيًا بالنسبة إليه

لإنجاز الفعل، أو ما إذا كان مبرر واحدٌ فقط من هذه المبررات كافيًا وحده، أو ما إذا كان الفعلُ شديد

التحديدِ، بمعنى أنّ هناك مبررين أو أكثر، لكنْ أيّ واحدٍ منها يمكنه أن يكون كافيًا وحده؟ هكذا،

فإن احتمالات الخطأ هذه تعكس الصعوبات التي تعترض التفسير القصدي للسلوك الاجتماعي الذي يعوّل على «الوعي» و«حرية الإرادة» في تفسير طبيعة العلاقة بين الفعل ومقاصده.

1. التفسير بمبررات الفاعل باعتبارها عِلَلًا

في ما يلي سنحاول أن نقدم تصورًا بديلً نعتقد أن من شأنه أن يملأ الثغرات التي تشوب تفسيرات علم

النفس الشعبي للأفعال البشرية. وسنستند في بنائه إلى أطروحات جماعة من الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين عالجوا هذه الإشكالية من زوايا مختلفة، محاولين وضعها في نسق استدلالي متجانس من أجل

صياغة برهنة متماسكة على إمكان تقديم تفسيراتٍ عِليّةٍ لاهيوميةٍ للأفعال البشرية، أي تفسير السلوك

الاجتماعي بمبررات الفاعلين دونما حاجة إلى قانون اطراد هيومي (نسبة إلى ديفيد هيوم)، كذلك الذي يشترطه كارل هيمبل لكل تفسير علّي، وهو نموذج التفسير الاستنباطي – الناموسي (أو نموذج قانون التغطية). بالفعل، تبنّى كثير من علماء الاجتماع وفلاسفة الفعل التحليليين نموذجًا تفسيريًا لاهيوميًّا للأفعال

بالعلل الذهنية، حيث انطلقوا من المسلّمة القائلة إن الع ليّةَ الذهنيةَ لا تنطوي بالضرورة على تجربة

متكررة تضمن تعاقبًا يتّجه من العلل إلى المبررات، الذي تشير إليه عبارة هيوم «الاقتران الدائم».

ويعتبر دونالد دافيدسون من بين هؤلاء المفكرين الذين دافعوا عن موقف أكثر ليونة: فعلى الرغم من

أن دافيدسون يتفق في أن وجودَ بعض القوانين العِليّة شرطٌ ضروريٌّ لوجود علاقة عليّة فعلية بين (أ)

و (ب)، فإنه يدّعي مع ذلك أن ليس من الضروري أن تنطوي جميعُ تفسيرات (ب) بواسطة (أ) على

منطوقات حول تلك القوانين؛ لذلك يتبنّى دافيدسون «صيغة ناعمة» لفكرة العلّة الهيومية، مشدّدًا على

أنها ملائمةٌ لمعظم التفسيرات العلّية، بما فيها تفسيرات الأفعال.

(27) Russell Keat & John Urry, Social Theory as Science (London; Boston: Routledge, 1975), p. 108. (28) A. MacIntyre, «The Idea of a Social Science,» in: B. R. Wilson (ed.), Rationality (Oxford: Basil Blackwell, 1974), p. 116. (29) Hempel, Aspects of Scientific Explanation. (30) Ruth Macklin, «Action, Causality, and Teleology,» British Journal for the Philosophy of Science , vol. 19 (1969), pp. 301–316. (31) Donald Davidson, Essays on Actions and Events (Oxford: Oxford University Press, 1980), pp. 16–17.

يقيم دافيدسون استدلاله على ما يُسمى «الحجة الرئيسة» القائلة: «يمكن أن يكون للفاعل مبررٌ للفعل،

وأن يُنجز الفعل، لكن يمكن ألا يكون هذا المبرر هو سبب قيامه بذلك الفعل. إن الفكرة التي مؤدّاها

أن الفاعل ينجز الفعل، نظرًا إلى أن له مبررًا ما، فكرةٌ مركزية بالنسبة إلى العلاقة بين السبب والفعل

الذي يُفسّره». ويجب اعتبار «نظرًا إلى أن» هنا مثل «نظرًا إلى أن» التي نجدها في التفسيرات العلّية.

والقول إن هذا المبرر هو عِلّةُ هذا الفعل، يعني أن الفعل يتوقف على هذا المبرر، وأن هذا المبرر هو الذي أنتجه، وأن الفعل ليس متوافقًا مع المبرر فقط. لنفرض أن زيدًا ذهب عن قصد إلى المطبخ. يمكن أن يكون قد ذهب إليه لتناول بعض الطعام، أو لإلقاء التحية على والدته، أو للتحقق من أن أخته

الصغرى لا تقوم بأفعال خطِرة، أو لإغلاق صنبور مياه مفتوح. يمكن لأيِّ واحدٍ من هذه المبررات أن

يُبرِّرَ ذهابَه إلى المطبخ. لكنّ زيدًا تصرف وفقًا لواحد منها، وهذا المبرر هو علّةُ فعله؛ إذ «يمكن أن

يكون للفاعل مبررٌ للقيام بفعلٍ ما ويُنجز هذا الفعل، لكن يمكن ألا يكون ذلك المبرر هو سبب قيامه

به». إضافة إلى ذلك، لا يكفي أن يقوم الباحث بجرد المبررات الموجودة في عقل الفاعل فقط،

حيث لا يمكن أن يكون تفسير الأفعال بالمبررات صحيحًا ومبررًا إلا إذا كانت تلك المبررات هي عِلَل

قيام الفاعلين بتلك الأفعال في هذه الظروف. يعتقد جورج هايك رايت من جهته، أن النموذج الاستقرائي الاحتمالي يخفف من الإكراهات التي تُثقل كاهل التفسير العلّي بمعناه الدقيق، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بإمكان تقديم تفسير. وهذه الملاحظة تدفع المرء إلى طرح سؤالين: هل تقدّم العلوم الاجتماعية تفسيرات؟ وما النموذج التفسيري الذي

يمكن أن يلائمها أكثر؟ يشير رايت إلى أنه إذا كان تعريفُ فكرةِ العِلّةِ بلغة الشروط الضرورية والكافية

والمستجيب لقوانين الحتمية الجامدة قد أصبح تعريفًا عتيقًا، فإن وصفَ ظاهرة من دون استحضار

«ع لّتها»، سيُكذِّبُ طرقنا العاديةَ في الحديث عن العالم كما نمارسه. لذلك فأنا أحذو حذو رايت في

مطالبته باستعمالٍملطَّفٍ لمفهوم العلّة، يحترم العادات والحدوس كما تُعبّر عن نفسها في عمل

المختبر، وفي الحياة اليومية. بيد أن هذا التصور يطرح مشكلة أساسية: كيف يمكن تعليلُ الفعل الاجتماعي مع التخلّي عن فكرة الحقيقة كتطابق من دون السقوط في النسبية؟ وهل الفعل يمكن أن

يكون موضوع تحليلٍ علِّيٍّ؟ يتفق التفسير الغائي مع التفسير الاستنباطي – الناموسي على أنه يجب النظر إلى التفسير كخطاطة

استدلالية: تفسّر المبرراتُ السلوكَ عندما نكون قادرين على استخراج منطوق شروط أولية (قصدية)

للسلوك من منطوقات حول مبررات الفاعل. وإذا كان النموذج الاستنباطي – الناموسي يرى أن هذه الاستدلالات تستلزم قوانين علّية، فإن المقاربة القصدية ترفض ذلك بدعوى أن الاستدلال (أو الاستنتاج) يقوم على «مبادئ القياس المنطقي» التي ليست قوانين علّية، وإنما مبادئ مفاهيمية.

(32) Donald Davidson, «Actions, Reasons, and Causes,» Journal of Philosophy , no. 60 (1963), p. 691. (33) P. Tripodi, «Davidson and the Wittgensteinians on Reasons and Causes,» in: D. Mayol–Sharrock, V. Munz & A. Coliva (eds.), Mind, Language, and Action (Berlin; Munich; Boston: De Gruyter, 2015), p. 157. (34) Davidson, Essays , p. 9.

يستعمل رايت مفهوم «القياس المنطقي» للتعبير عن خطاطة الاستدلال المتعلقة بالتفسير القصدي. ويتكوّن هذا القياس من مقدّمتين؛ إحداهما تصف قصد الفاعل، والأخرى تصف اعتقاده حول الوسائل

الضرورية لتحقيق هذا القصد، وكذا من نتيجة تصف السلوك الذي تفسّره المقدمتان. وكمثال على

ذلك: زيد يرغب (يريد، ينوي، يحب... إلخ) في التخلص من الهواء الساخن (المقدمة الكبرى.) أ. زيد يعتقد أنه لن يستطيع التخلص من الهواء الساخن من دون فتح النافذة (المقدمة الصغرى.) ب. زيد يفتح النافذة (النتيجة.) نستخلص من هذا القياس المنطقي فكرةَ أن أفكار الفاعل حول حالة من الأشياء، تشكل حافزًا لفعل هذا الشخص، وأن الفاعل يقصد إنتاج شيء ما بهذا الفعل الخاص، وأن هذا الشيء – هذا الهدف المنشود تحقيقه أو هذه الغاية ذات الصلة – سيحل أو سيساعد في حَلِّ الوضعية البدئية التي حفّزت

الفعل. وإن الفعلَ بدوره وسيلةٌ لتحقيق هذا الهدف، أو جزءٌ من تحقيقه. ويجب أن تكون هذه النقاطُ

مرتبطةً في ما بينها. وفقًا لهذه الرؤية، يستلزم التفسير القصدي ثلاث نقط أساسية: 1) يواجه الفاعل وضعيةً معيّنة. 2) للفاعل غاية معيّنة نصب عينيه. 3) يتصرّف الفاعل بطريقة معيّنة. وانطلاقًا من هذه

المعطيات، يمكن وضع صيغة تخطيطية للتفسير الغائي على النحو التالي: إذا الفاعل (س) أراد (ص)، واعتقد (س) أن (أ) وسيلة لتحقيق (ص) في ظروف معينة، إذًا (س) سيفعل (أ.) يقدم رايت هذا الاستدلال من خلال التركيز على فكرة العلّة الهيومية: بحسب ديفيد هيوم، يجب أن تكون العلّةُ مستقلةً منطقيًا عن نتائجها، بمعنى أنه يمكن وصف العلّة وتحديدها في استقلال عن

النتيجة، والعكس صحيح أيضًا. إلا أن رايت يؤكد أنه بما أنّ الفعل ومبرر القيام به مرتبطان منطقيًا، فإن

المبررات لا يمكن أن تكون عللً للفعل. قام رايت بتعديل هذه الحجة في مراحل مختلفة من فكره، وانتهى على الخصوص إلى إنكار الفكرة القائلة إن توفّرَ مبررات معينة للفاعل، يقتضي أن يتصرف وفقًا

لها، حتى عندما لا يكون هناك شيءٌ يمنع الفاعلَ من التصرف. لهذا السبب، من الأصح القول إن الترابط بين المبررات والأفعال يتحقق بعد إنجاز الفعل. ويشدد رايت على أن هذا الترابط بين الفعل ونتائجه ترابط داخلي، بمعنى أنه ذو طبيعة منطقية وليست علّية. فالنتائج

(((3 يقول فون رايت: «تتم العديد من الأفعال من أجل غاية معينة. والغاية هي شيء ينوي الفاعل أن يبغله أو يريد بلوغه (إنتاجه، تحقيقه). ويعتبر الفعل إما ضروريًا لبلوغ الغاية، وإما مؤديًا إليها، وإما «مشجعًا» عليها. إنّ هذا المزيجَ الطوعي – المعرفي ل ‘إرادة’

بلوغ غاية معينة، والتفكيرَ في بعض وسائل تحقيقها، يشكلان نوعًا من مبررات الفعل. مثلً: أسمع أصواتًا في البهو خارج غرفتي.

أريد أن أعرف ماذا يحدث. إن ذلك يشكل بالنسبة إليّ مبررًا لفتح الباب والنظر إلى الخارج. أعتقد أن ذلك سيساعدني في إشباع

فضولي.»

G.H. Von Wright, «Explanation and Understanding of Action,» Revue International de Philosophie , vol. 35, no. 135 (1981), p. 128. (36) G.H. Von Wright, «Determinism and the Study of Man,» in: Juha Manninen & Raimo Tuomela (eds.), Essays on Explanation and Understanding (Dordrecht: Reidel, 1976), p. 422.

تكون متّحدةً جوهريًا مع الفعل، نظرًا إلى أنه من دون التجسيد المادي لنتائجه في العالم، لا يمكن

حتى القول إنّ فعلً ما أُنجز. إن المقاربة الغائية إذًا لا تهتم بعلل هذا التجسيد المادي، بل تسعى لوصف الرابط المنطقي (أو المفهومي) الذي يُظهره كل فعل. والحال أن هذا الرابط (أو ملاحظة

تمظهره في العالم) يُقيِّمهُ عمومًا الفاعلون أنفسُهم. ويُذَكِّرُ رايت بأن اعتبارَ الفعلِ عِلَّةً (بالمعنى الهيومي)

للنتائج التي ينتجها سيكون خطأ فادحًا، نظرًا إلى أن هذا التصوّر يقوم على نسيان الطبيعة القصدية

للفعل بالضرورة، بمعنى أنه موجّه على نحو كبير بلعبة «العلاقات الداخلية»: «عندما نقول إن العلّة

تحمل النتيجة، فإننا لا نعني بذلك أنها تفعل ذلك بتحقيق شيء ما. إن العلّة تتحقق لأن هذا الشيء يحدث. لكن عندما نعمل على حدوث العلة، فإننا نحقق، أو نحدث، الشيء نفسه الذي تُحققه العلّة

وتُحدثه. أن نقول إننا نسبّب النتائج لا يعني أن الفاعلين عِلَلٌ، بل يعني أننا نفعل بعض الأشياء التي،

باعتبارها عللً، تنتج بعد ذلك نتائج، ‘نشاطات’، أو أنها ‘تشتغل’ كَعِلَل »ٍ. يسجل رايت أن أشكال التفسير الحديثة – في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية – تستجيب عمومًا

لمبادئ المنهج الغائي، لكنه يضيف أن تمييزًا جديدًا حدث بين شكلين متنافسين من التفسير الغائي:

العلّي، عندما يبدو أن العلاقة المدرَكة تنطوي على ترابط بين حدث سابق ونتيجة لاحقة يمكن أن

يندرج في قانون، والقصدي، عندما تنطوي هذه العلاقة، المفهومة والمبرَّرة، على ترابط بين فعل

والدافع الذي يمكن إسناده إليه لاحقًا. وينطبق هذا التمييز بين التفسير العلّي والتفسير القصدي على العلوم الاجتماعية، لكن رايت يحتفظ بنعت التفسير الغائي «الحقيقي» للتحليلات القصدية وحدها. ولا يتوقف صدق هذه التحليلات على قانون تُدرَج فيه العلاقة القائمة بين فعلٍ ونتائجه، أو انعكاساته،

وفي الحصيلة تُنتجُ تلك التحليلات تفسيراتٍِ للفعل الاجتماعي لا تخضع لمنطق النموذج

الاستنباطي – الناموسي، إنما لمنطق النموذج الاحتمالي، وهي قضية ناقشها ماكس فيبر باستفاضة. انسجامًا مع وجهة النظر هذه، يُعرِّفُ فيبر علمَ الاجتماع بأنه «علم يسعى لفهم الفعل الاجتماعيّ بواسطة

التأويل، وهكذا يُفسِّر ع لِّيًّا حدوثَه ونتائجَه. وأقصد بالفعل ‘الاجتماعي’ الفعل الذي بفضل المعنى

الذاتي الذي يُضفيه عليه الفاعلُ أو الفاعلون، يأخذ في الحسبان سلوكَ الآخرين الذي يتوجّه إليهم ».

يُبَيِّنُ هذا المقطع أن فيبر لا ينظر إلى الفهم والتفسير كنشاطين متعارضين، وإنما كجزأين مندمجين

لمنهجية واحدة، بل إنه يستعمل مصطلحَي الفهم والتفسير باعتبارهما مترادفين. ويبدو أن فيبر يُعبّر

في هذا التعريف عن نيّته الجمع بين التصور الوضعي للتفسير العلّي، والتصوّر التأويلي القائم على

فهم المعاني الذاتية للأفعال؛ لذلك فإنه يعتبر الفهم بواسطة التأويل (أو الفهم التأويلي بحسب

الترجمات الإنكليزية) شرطًا أساسيًا للتفسير العلّي في التاريخ والعلم الاجتماعي: فهو شرط لازم أولً

من أجل توضيح المعنى الاجتماعي والثقافي لما يجب تفسيره علّيًا، وثانيًا من أجل التوصل إلى معرفة

(37) Ibid., p. 69. (38) Max Weber, Economy and Society (California: University of California Press, 1978), p. 88. (39) Max Weber, «Objectivity in Social Science and Social Policy,» in: E.A. Shils & H.A. Finch (eds.), The Methodology of the Social Sciences (New York: The Free Press, 1949), pp. 72, 77, 79; Max Weber, Roscher and Knies: The Logic Problems of Historical Economics (New York: The Free Press, 1975), p. 149.

العمليات التي تربط العلّة بالنتيجة. ومن جهة أخرى، يَعتبِرُ فيبر التحليل العِلّيَّ شرطًا ضروريًا لفهم

الدلالة الثقافية والشخصية المتفردة والعلاقات المتبادلة بين الظواهر المختلفة وأساسها التاريخي. هدف التفسير العلّي هو تحديد علاقات علّية ملموسة معيّنة بين الظواهر الفردية المتأثرة والمؤثرة.

ويركز فيبر، أساسًا، على «مضمون» هذه العلاقات، ويحاول توضيح «كيف ومن خلال أي عمليات»

ينتج تأثير معيّن، وكيف «نتجت» ظواهر ملموسة من الماضي. لا يمكن للتعميمات الناتجة من

الترابطات الإحصائية، أن تحل محل التفسير بواسطة التأويل للخصائص العلّية التي تفسر فعلً معينًا نظرًا إلى أن المعاني الذاتية (الدوافع)، كما يعترف فيبر نفسه – على خلاف العلل الطبيعية – «أسباب»

(بمعنى مبررات) للأفعال، تُبررها وتظهر أنها عقلانية وملائمة وفاعلة ومعقولة وصائبة وتجعلها مفهومة؛ لذلك فإن تفسيرات العلم الاجتماعي للأفعال الاجتماعية تشتغل من خلال إظهار معقولية هذه الأفعال وفاعليتها وعقلانيتها في ضوء معتقدات الفاعل ورغباته. تنطوي هذه النظرة إلى التفسير العلّي للفعل الاجتماعي على نقدٍ لميلِ المذهب الوضعي إلى اعتبار

العلّية، أساسًا، مسألةَ ترابطاتٍ تجريبية بين متغيراتٍ قابلةٍ للقياس واعتبار هدف العلم هو إقامة التعميم /

القوانين. إن العلّيةَ مسألةُ خصائص/ سمات تربط النتيجةَ بالعلّة، أي ما ينكر هيوم إمكان التوصل إلى معرفته من خلال فكرته عن الانتظام التجريبي، وهي مسألةٌ يغفلها البحث الوضعي الموجّه

بالمتغيرات. وكما يشير بيتر مانيكاس، «يرى فيبر أن إقامة الترابطات هي مجرد بداية للبحث العلمي». يمكن للترابطات الكمية أن تكون منطلقًا لتحليلٍ علّيٍّ، بمعنى أنها تُسلّط الضوء على

العمليات التي يجب دراستها بعد ذلك. يقول فيبر إن الأفعالَ شيءٌ يمكن قياسُه أفضلَ من أحداث الطبيعة، وتتميّز الطبيعة على الأقل بالقدر

نفسه من التعقيد والتعدد الذي يُميّز الواقع الاجتماعي. إن رفضَ العلم الاجتماعي الناموسي هو نتيجة

للاهتمام بالأفعال ذات المعنى والعلاقات العلّية الجوهرية، وليس نتيجةً لكون الإمساك بأفعال البشر بواسطة قوانين عامة أصعب نظريًا من الإمساك بالطبيعة الجامدة. وهذا ما تقصده هيكمان بقوله، معلقًا على موقف فيبر: «يدّعي النقّاد المعاصرون أن التحليل العلّيَّ غيرُ ملائمٍ للعلوم الاجتماعية، نظرًا

إلى أن هذه الأخيرةَ ملزمةٌ بالتعامل مع الفعل البشري كفعل ذي معنى. غير أن نظرية العلّية عند فيبر

(40) Ibid., p. 196.

(((4 أفترض أن برهنة إمبريقية – إحصائية صارمة تم إنتاجها، تُظهر أن جميع الرجال الذين وُضعوا في وضعية معينة في أي مكان

جاء رد فعلهم عليها دائمًا بالطريقة نفسها وبالقدر نفسه من الحدة أيضًا. لنفترض أنه كلما تم إنتاج هذه الوضعية، تلاها رد الفعل

نفسه على نحو ثابت. بمعنى: لنفترض أن رد الفعل هذا «قابل للقياس» بالمعنى الحرفي للكلمة. إن هذه البرهنة لن تقربنا من

«تأويل» رد الفعل هذا. فهذه البرهنة في ذاتها لن تساهم مطلقًا في مشروع «فهم» «لماذا» حدث رد الفعل هذا، وأيضًا «لماذا» يحدث رد الفعل دائمًا بالطريقة نفسها، انظر:

Weber, Roscher , p. 128. (42) David Hume, Enquiries Concerning the Human Understanding (Oxford: Clarendon Press, 1966), p. 63. (43) Peter T. Manicas, A History and Philosophy of the Social Sciences (New York: Basil Blackwell, 1987), p. 130. (44) Weber, Roscher , pp. 96, 120–127, 216.

متجذرة في المسلّمة التي مؤدّاها أن العلوم الاجتماعية مختلفة عن العلوم الطبيعية، نظرًا إلى أن

موضوعها هو الفعل ذو المعنى». باختصار، يحاجج فيبر على أنه يمكن اعتماد المنهج التفسيري للفعل الاجتماعي الذي يعتبر الفهم

نتيجةً لعمليةٍ يمكنُ تعليلُها علميًا؛ ذلك أنه إذا كان يُرجع الفعلَ إلى دافعه، فإن الدافع لا يوجد في

مكان داخل الفرد (داخل ضميره أو عقله)، بل له وجود في العالم الموضوعي، يمكن تحديده بالاعتماد على نموذج تفسير احتمالي، وذلك من خلال بناء «نماذج مثالية» للأفعال البشرية تسمح بتفسيرها. على الرغم من اختلاف التخصصات المعرفية التي تشتغل في إطارها هذه المقاربات القصدية، من

فلسفة الفعل إلى علم الاجتماع، فإنها تقدم برهنات مقنعةً على أنه يمكن أن تكون للتفسير الغائي للأفعال الاجتماعية وجاهةٌ علّيةٌ. وأعتقد أن سير العلم الاجتماعي المعاصر على خطى هذه المنظورات سيمكّنه من تجاوز الصعوبات التي ما تزال تعترض بناء تفسيرات وجيهة للسلوك الاجتماعي؛ ذلك أنها

تجيب عن السؤال المركزي الذي وجّه دراستنا هذه منذ البداية: كيف يمكن فهمُ ع لّيَّةِ التفسير القصدي

بطريقة لاهيومية؟

2. شروط التفسير القصدي للسلوك الاجتماعي

أ. الفعل في السياق

تصف السياقية مجموعة من وجهات النظر في الفلسفة والعلوم الاجتماعية التي تشدد على السياق

الذي يحدث فيه فعلٌ أو قولٌ، وتركز السياقية أيضًا على فكرة مفادها أنه لا يمكن فهم هذا الفعل أو القول إلا في علاقتهما بهذا السياق. في هذا الإطار يُدرج تصورُ كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع

الذين يشددون على أن فهمَ الأفعال والأقوال لا يمكن أن يتحقق إن لم يأخذ في الحسبان الوضعيات

الاجتماعية التي تتم فيها. فهذه العبارات والأفعال تتسم بحساسية إزاء السياق الذي تحدث فيه، ومن

ثم فإن معانيها تُفهم تبعًا لسياقات استعمالٍمختلفة. عالج فتغنشتاين أهمية السياق في فهم معاني العبارات في انسجام مع مبدأ السياقية الذي يشكل أحد أهم مسلّمات الفلسفة التحليلية التي وضعها مواطنه غوتلوب فريغه. وفي هذا السياق تحديدًا،

يُدرج ابتكاره مفهومَي «ألعاب اللغة» و«أشكال الحياة»؛ فحتى نفهم المجال الخاص بلعبةٍ لغويةٍ

ووظيفةِ الموضوعات اللغوية التي تنتمي إليها، يقترح فيلسوف فيينا فكرة «العرض الشمولي». الكلمة الألمانية التي يستعملها فتغنشتاين هي Übersicht، وهي تعني نوعًا من الرؤية الكاملة والنهائية. فهذا

(45) Susan Hekman, «Weber’s Concept of Causality and the Modern Critique,» Sociological Inquiry , vol. 49 (1979), p. 67. (46) Max Weber, Économie et société , vol. 1 (Paris: Pocket, 2003), p. 8.

(((4 يلخص داميت الثورة التي جاء بها غوتلوب فريغه في أربع خصائص، من بينها مبدأ السياقية الذي يحتل مكانة مركزية في

المنظور ضد–سيكولوجي Anti–psychologist للفلسفة التحليلية، والذي يعني أن الجملَسابقةٌ دلاليًا عن مكوناتها. انظر:

Michael Dummett, Origins of Analytical Philosophy (Cambridge: Harvard University Press, 1993), pp. 4–5.

العرض الشمولي يحافظ على الوحدة العضوية للألعاب اللغوية. يقول فتغنشتاين: «سأسمي كذلك ‘لعبة لغوية’ الكل الذي تكوّنه اللغة والأعمال التي تنضوي تحتها». إن المقاصدَ مرنةٌ وحساسة

للسياق، لذا لا يمكن أن يكون لقصد معينٍ معنى إلا داخل السياق Ümgebung؛ فهو يفقد «حياته» إذا نُظر إلى «صورته» على نحو منعزل. لا تحمل علامةٌ من معنى إلا داخل نظامٍ نَحْوِيٍّ سيُسمّيه

فتغنشتاين لاحقًا «اللعبة اللغوية»، وتنتمي العبارات إلى «الشبكة الشاملة». يقول فتغنشتاين: «يحظى مفهوم العرض الشمولي بالنسبة إلينا بأهمية بالغة». فلماذا هذا الإلحاح على أهمية «العرض الشمولي»؟ ويؤكد فتغنشتاين أن هذا العرض الشمولي هو ما يُمك ننا من الفهم، أي

بالضبط من «رؤية الترابطات». والحال أن فهمَ لعبةٍ لغويةٍ، أي الحصول على عرضٍ شموليٍّ لها،

مشروطٌ بالانتباه إلى الروابط القائمة بين عناصر هذه اللعبة. هذه العناصر هي الموضوعات اللغوية ونحوها العميق وكيفية تعالقها وطريقة تأثير بعضها في بعض... إلخ. كما ينبغي النظر إلى الألعاب اللغوية باعتبارها مترابطةً في ما بينها بواسطة نموذج التشابهات العائلية داخل إطار واسع يقدم صورة عن اللغة كلّها. وفي الإجمال، تتمثل الأهمية البالغة للسياقية بالنسبة إلى فتغنشتاين في تشديده على أن غياب العرض الإجمالي لاستعمال كلماتنا ونحونا ولغتنا وأشكال حياتنا هو المصدر الأساسي لافتقارنا إلى الفهم، ولذلك فإن إدراك العلاقات هو ما يُمكّننا من هذا الفهم المفقود. تُدرج أعمال فانسون ديكامب في البراديغم الفتغنشتايني، حيث يقترح مقاربة شمولية للعقل البشري. فالحالات العقلية الداخلية لا تصلح للإمساك بدلالة السلوك البشري، بل ينبغي وضعُ الأفعال في

السياق التاريخي الشامل الذي تُدرج فيه. بهذه الطريقة وحدها، بحسب ديكامب، يمكن الكشف عن القصد الذي تصرف الفاعلون بمقتضاه. وبما أن البيئة الخاصة بالأفعال البشرية هي بيئة ثقافية أساسًا،

فإن فهم الدوافع التي تَحثُّ الأشخاص على الفعل، يستلزم الاستعانة بالشروط الاجتماعية التي تحدد

قواعد الممارسة المعنية؛ وبعبارة أخرى، ما دامت أفعال البشر الاجتماعية تُدرج في مؤسسات، أي في استعمالات قائمة رسّخها جيلٌ بعد جيل، فإنه يجب على تفسير الأفعال الاجتماعية أن يأخذ تلك

الاستعمالات في الحسبان. إن هذا «الروح الموضوعي» الذي يحاجج ديكامب على أهميته، هو ما

يشكل السياق العام الذي يمنح تفسيرات الفعل وجاهتها. ويتكوّن هذا الروح من معانٍمشتركة تُقدَّمُ

إلينا في شكل قواعد راسخة لا تتوقف على الحالات الداخلية لأي فرد منا: ويحيل هذا الروح الموضوعي على «حضور الاجتماعي في عقل كل فرد». إن «شكل الحياة» بالنسبة إلى ديكامب هو

(((4  لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ترجمة وتقديم وتعليق عبد الرزاق بنور (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص.124

(49) Ludwig Wittgenstein, Philosophical Grammar , R. Rhees (ed.), A. Kenny (trans.) (California: University of California Press, 2005), p. 148. (50) Ibid., p. 149.

(((5  لودفيغ فتغنشتاين، في الأخ قاا والدين والسحر، ترجمة حسن احجيج (القاهرة: مصر العربية للنشر والتوزيع، 2019)، ص.139

(52) Vincent Descombes, Les Institutions du Sens (Paris: Minuit, 1996), p. 256.

«في آن واحد مخزون سيكولوجي من الحاجات والرغبات وردود الفعل الطبيعية، ومخزون تاريخي من المؤسسات والعادات». يُعوّلُ المفكرون الفتغنشتاينيون، أمثال ديكامب، على فكرة «التعلم» للاستدلال على الطابع العملي

لقصدية الأفعال والأقوال. فمن يريد أن يتعلّم أبجديات نشاط معيّن، ليس أمامه من وسيلة سوى

ممارستها بالخضوع لترويض Abrichten مكثف. وتكون هذه الملاحظة صحيحة أكثر عندما يكون الشخص الجاهل بحيثيات النشاط (مثل الرضيع) غير قادر على طرح الأسئلة التي يمكن أن تساعده على التقدم. فالفرد يخضع في المراحل الأولى من حياته لعملية ترويض، يُقدّم فتغنشتاين بعض آلياتها،

كما يلي: «يتعلم الطفل هذه اللغة [...] عن طريق الترويض على استخدامها. أنا أستخدم كلمة ‘مروّض’

بطريقة تشبه إلى حدٍ بعيد تلك التي نستخدمها في الحديث عن الحيوانات. إنه يتم بواسطة وسائل من قبيل المكافأة والعقاب، وما إلى ذلك». ففي هذه المرحلة لا يكون أمام الطفل من خيار سوى وضع

ثقته في ما لُقّنَ له: «إن ما هو مثبت ليس مثبتًا بسبب خاصية وضوحه وبداهته المحايثة، وإنما نظرًا إلى

أن جميع من حوله يدعمه بقوة». وبما أن التعلم يسبق كل معرفة نظرية، ومن ثم كل شكل من أشكال الشك، فلا يمكن أن يكتسي سوى لبوسِ اليقين. إن قاعدة اليقينيات التي تقوم عليها نظرة الأفراد إلى العالم تقوم بدورها على مجموع الممارسات اللغوية والاجتماعية الخاصة بجماعة معينة، وهذه الممارسات هي ما يدعوها فتغنشتاين «شكل الحياة» الذي يجب على الطفل استدماجه خلال أعوام عمره الأولى. هنا يشدد فيلسوف فيينا على الممارسة باعتبارها الأداة التي تربط بشكل وجيه بين معتقداتنا والعالم الخارجي. فالممارسات الاجتماعية بهذا المعنى هي الخلفية اليقينية التي يتماس فيها السلوك الفردي، وهو أمر يوضح أهمية التجذّر في النسق الثقافي. لا أظن أن المطابقة بين «شكل الحياة» و«البنية الاجتماعية» قرار مجانب للصواب. ولا أرى ما يمنع ذلك، ولا سيما إذا كان فتغنشتاين نفسه يطابق في الكتاب الأزرق والكتاب البني بين استعمال اللغة والثقافة. ووفقًا لهذا المنظور، توجد من أشكال الحياة قدر ما توجد من الأنساق الثقافية. وبهذا المعنى، فإن القصدية – بحسب بورديو – لا تتحقق في أذهان الأفراد، وإنما في الممارسة الاجتماعية بواسطة الأجساد المنشأة اجتماعيًا. وبناءً عليه، يمكن القول إن القصدية تخضع لنوع من الانتظام بسبب

الترويض الاجتماعي لعقول الأفراد (خطاطات التفكير). لذا، فإن القصدية نتاج للبنيات الموضوعية، ومن ثم لا يمكن أن يكون تفسيرها وجيهًا إلا من خلال إعادة موضعتها في السياقات التي تمنحها

انتظامها. وليس مفهوم الهابيتوس Habitus عند بورديو سوى تجسيد لهذه النظرة الفتغنشتاينية، علمًا

أن هذا المفهوم يُحيل على عملية استبدان البنيات الاجتماعية، وهو الاستبدان الذي من دونه لا يمكن

للفاعل أن ينخرط في «الألعاب الاجتماعية» على نحو ملائم.

(53) Ibid., p. 93. (54) Ludwig Wittgenstein, The Blue and Brown Books (Oxford: Blackwell, 1958), p. 77. (55) Ludwig Wittgenstein, On Certainty , D. Paul & G.E.M. Anscombe (trans.), (Oxford: Blackwell, 1969), p. 144. (56) Wittgenstein, The Blue and Brown Books , p. 158.

كما أن المنهج الذي يدافع عنه فيبر، القادر على بلوغ التفسيرات العلية للأفعال الاجتماعية، هو التأويل العقلاني الذي يتمثل في إعادة بناء سياق المعنى من أجل فهم انتظام السلوك الفردي. وشدد فيبر، في مواضع كثيرة من أعماله، على أنه ليس من الممكن التوصل إلى فهم الأفعال الاجتماعية وتفسيرها

بواسطة الاستبطان والتعاطف، بل أول وقبل كل شيء بواسطة تحليل السياقات الاجتماعية والثقافية التي يتصرف فيها الفاعلون. وتقترب منهجية فيبر من عمليات التأويل والخصائص ذات الأهمية العلّية المختلفة للسياقات الاجتماعية والثقافية، أكثر مما تقترب من علم الاجتماع القائم على المتغيرات السائد في معظم الدراسات، لكنها في الوقت نفسه تتعدّى الفهم الحدسي والنفسانوي الذي يمثله دلثاي؛ إذ يرفض فيبر الميل إلى الذاتوية التي يمكن العثور عليها في منهج التعاطف وإعادة إنتاج التجربة الفورية، ويركز أكثر على أن تأويلات سياقات المعنى يجب أن تكون صحيحة وموضوعية، أو بالأحرى تذاوتية Intersubjective، بمعنى أن يفهم الآخرون الظروف الخاصة بالطريقة نفسها. في السياق ذاته، استلهم غارفينكل مفهوم «الفهرسة» الذي يُحيل على الطبيعة السياقية للقول والسلوك:

وبهذا المعنى، فإن مفهوم «الفهرسة» يعني أن معنى العبارات ومرجعها وقيمة صدقها تتنوع بحسب السياقات؛ إذ لا يمكن للمرء أن يقول أي شيء وفي أي مكان، وأن يتوقع أن يفهمه الآخرون، وذلك حتى إن كان قوله مصوغًا في قواعد نحوية صحيحة. يشير غارفينكل وساكس إلى أن إعادة الصياغة والمناهج الصورية المستعملة من أجل «علاج» استقلال المعنى والمرجع عن السياق، وكذا من أجل حل مشكلة ارتباطهما بهدف معين، لا تفعل غير إعادة إنتاج المشكلات الأصلية نفسها؛ لذا يؤكدان أن لا وجود لعبارة في اللغة الطبيعية يمكن فهمها مستقلة عن كل سياق.

ب. السلوك الموجّه بقواعد

إذا كنتُ أُحاجج في هذه المساهمة على أن السلوك الاجتماعي لا يخضع لقوانين بالمعنى المقصود

في نموذج التفسير الاستنباطي – الناموسي، فإنني لا أعني أن السلوك الاجتماعي يتّسم بالعرَض يّة

والجوَاز واللاتحديد المطلق، بل إنه يخضع لنوع من الانتظام الذي تولّده القواعد، وليس لانتظامٍ

محكومٍ بقوانين. ويمكن الاستدلال على وجاهة هذا الموقف من خلال رؤى فلاسفة وعلماء اجتماع يستلهمون فكرة «اتّباع القاعدة» الفتغنشتاينية، وينطلقون من فكرة أن موضوع العلم الاجتماعي هو السلوك الحامل دلالة معيّنة، وهو سلوك توجّهه قواعد قائمة اجتماعيًا، ويحدث في سياق اجتماعي

(57) Weber, Rocsher , pp. 181, 194; Weber, «Objectivity in Social Science and Social Policy,» pp. 72, 83; Weber, Economy , p. 4; S. Jacobs, «Popper, Weber and the Rationalist Approach to Social Explanation,» The British Journal of Sociology , no. 41 (1990), pp. 559–570. (58) Charles Ragin. The Comparative Method (California: University of California Press, 1987). (59) Jacobs. S. «Popper. Weber and the Rationalist Approach to Social Explanation.» The British Journal of Sociology ,

(60) Weber, Roscher , p. 148. (61) H. Garfinkel & H. Sacks, «On Formal Structures of Practical Actions,» in: J.C. Mckinney & E.A. Tiryakian (eds.), Theoretical Sociology: Perspectives and Developments (New York: Appleton–Century–Crofts, 1970), pp. 337–366.

واسع. ينطلق هؤلاء من الفكرة الفتغنشتاينية القائلة إنه لا يمكن لأيِّ شخصٍ أن يتكلم أو يفكر من دون أن يكون عضوًا في «مجتمع بشري له قواعد قائمة اجتماعيًا». ومن المستحيل، من وجهة النظر

المنطقية، أن يتكلم شخص ما أو يفكر من دون أن يكون منتميًا مسبقًا إلى مجتمع بشري. ليست القواعد التي تتّبعها الأفعال الاجتماعية حالات ذهنية داخلية، وإنما هي كيانات خارجية تتمظهر في الأفعال الاجتماعية، نظرًا إلى أنها مبنية على الاتفاقات بين أفراد الجماعة. وتشكل القواعد

الاجتماعية في الغالب معايير اتفاقية تحدد السلوك المقبول وغير المقبول، الملائم وغير الملائم، الصحيح والخاطئ. ويمكن التعبير بيانيًا عن المعايير الاجتماعية بالصيغتين البسيطتين التاليتين: «افعل

كذا» أو «لا تفعل كذا». كما يمكن التعبير عنها بطريقة شرطية أعقد، كما يلي: «إذا كان قيام الآخرين ب (س) فعلً محمودًا، فقم أنت كذلك ب (س »). إن الطابع الاجتماعي لهذه القواعد أو المعايير مشروط بأن تكون هذه الأخيرة مشتركة بين أعضاء الجماعة الاجتماعية، وأن تكون محط ترسيخ دائم بواسطة المشاعر التي يثيرها فعل انتهاكها: الارتباك والخجل والشعور بالنسبة إلى الفاعل، والغضب

والاستنكار بالنسبة إلى الملاحظين. وغالبًا ما تصاحب انتهاكَ المعايير الاجتماعية عقوباتٌ اجتماعية

تمتد بين الإدانة والنبذ والعقوبات المادية. يشدد بيتر وينتش، بدوره، على البعد الاجتماعي للسلوك المتبع القواعد، نظرًا إلى أن تعلّم قاعدة

ما، يشبه اكتساب مهارة. ويشرح وينتش ذلك بأننا لا نتعلم كيف نطبق قاعدة ما من خلال تعلم قاعدة أخرى تتحكم في تطبيق القاعدة الأولى. ويؤكد أن تعلّم تطبيق قاعدة (مثلً قاعدة حسابية) يعني «تعلم فعل شيء ما». ويمكن أن نستخلص من مناقشات وينتش ثلاث أطروحات تتعلق بالطبيعة الاجتماعية لاتباع القاعدة: أول، إن أي قاعدة قادرة على التحكم في نشاطات أي شخص (س) يجب مبدئيًا أن تكون قابلة للتعلم (أو قابلة للاكتشاف) من قبل أي شخص آخر (ز). ثانيًا،

يمكن اعتبار شخص ما (س) أنه يتبع قاعدة؛ فقط إذا كان هناك أشخاص آخرون يتحققون من صواب تطبيق الشخص (س) للقاعدة. ثالثًا، سوف يكون الشخص (س) عاجزًا عن تطوير قدرة على اتباع القواعد من دون استفادة من التفاعل مع أشخاص آخرين. فعندما تحدث المشاركة في نوع عام من النشاط، يستند المشاركون إلى قواعد تعلموها بالطريقة نفسها، ومن ثم فإن القواعد التي يمكن أن يعتمدوا عليها تستند إلى سياق نشاط مشترك داخل جماعة اجتماعية معينة. هكذا، يبدو أن وينتش يهتم بالكيفية التي يتم بها إعادة إنتاج انتظامات السلوك القائمة من خلال الاستناد إلى قواعد مشتركة.

(62) Winch, p. 33. (63) J. Elster, Nuts and Bolts: for the Social Sciences (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), p. 121. (64) Ibid. (65) Winch, p. 57. (66) Ibid., pp. 83–87. (67) Ibid., pp. 86–87.

ج. القصدية الجماعية

ناقشنا من قبل الفكرة الفتغنشتاينية التي مفادها أن الأفعال والأقوال لا تتحدد بالحالات الذهنية الداخلية، وليس هناك أيُّ «مرشح عقلي» قادر على ردم الهوة بين العقل والجسد سوى الممارسة، بمعنى السياقات الاجتماعية التي تحدث فيها هذه الأقوال والأفعال، ومن ثم فإن العلاقات التذاوتية relationships Intersubjective هي أساسية لفهم الحياة العقلية، لأنها توفّر مصدر المعايير التي تُحدَّدُ على أساسها القواعد المعيارية للممارسات، أكانت أقوال أم أفعالً. فالمقاصد والدوافع والأفكار وعمليات الفهم كلها ظواهر اجتماعية «حتى إن كانت قابلية التحويل الخاصة بالإسنادات الذهنية الحملية للمتكلم تبقى في بعض الحالات مضطربة، وحتى إن كان الناس أحيانًا يحتفظون لأنفسهم بأفكارهم ومقاصدهم... إلخ. فإضمار الأفكار والنوايا... إلخ، لا يقوّض الاستدلال المتعلق بقابليتها

للتحليل السوسيولوجي». الفكرة نفسها، يدافع عنها بورديو عندما يُرجع تصوّره برمّته إلى ما يلي: «كيف يمكن للسلوك أن يكون

منتظمًا من دون أن يكون نتيجة للخضوع للقواعد؟». يتضمن هذا السؤال استنكارًا لموقف الذاتويين

الذين يُرجعون دينامية الحياة الاجتماعية إلى المقاصد الواعية للأفراد، معتقدين أن السبب المحدِّد

للأفعال هو الحالات العقلية أو «أشياء الفكر.» يؤدي مفهوم «الهابيتوس»، بالنسبة إلى بورديو، دورًا حاسمًا في ترسيخ الطابع الاجتماعي للبنيات

الذهنية (العقول). فالهابيتوس هو ما يجعل أفعالنا أفعال غريزية وتلقائية، على الرغم من كونها تحمل خصائص الفعل العقلاني الخاضع للتفكير الانعكاسي، نظرًا إلى أن الهابيتوس «يقيم مع العالم

الاجتماعي الناتج منه علاقةَ تواطؤ أنطولوجي معقدة، فهو مبدأ معرفة من دون وعي، ومبدأ قصدية من

دون قصد، ومبدأ إتقان عمليّ لانتظامات العال م الذي يمكِّن من استباق مستقبله من دون الحاجة إلى

طرحه على هذا النحو فقط. وبصيغة أخرى، إن الهابيتوس هو ما يسمح لنا بأن نفهم كيف «يمكن توجيه بعض السلوك بالنسبة إلى غايات معيّنة من دون أن يكون موجَّهًا عن وعي نحو هذه الغايات، أو

موجَّهًا بهذه الغايات». يُدرج في إطار هذا الحجاج مفهوم «القصدية الجماعية» الذي استعمله بعض المفكرين بهذا اللفظ

تحديدًا، وأشار إليه آخرون بعبارات أخرى. ويعتبر جون سيرل ومارغريت جيلبيرت ورايمو تيوميلا

القصدية الجماعية شرطًا جوهريًا لنشأة الجماعات الاجتماعية. ويوجد، بالطبع، من يرفض فكرة

القصدية الجماعية تحت ذريعة أن الجماعة ليست لها قصدية كيفما كانت، نظرًا إلى أن الجماعة ليس

(68) J. Coulter, The Social Construction of Mind. Studies in Ethnomethodology and Linguistic Philosophy (New Jersey: Rowan and Littlefield, 1979), p. 6. (69) P. Bourdieu, Choses dites (Paris: Minuit, 1987), p. 81. (70) Ibid., p. 22. (71) Ibid., p. 20.

لها عقلٌ؛ وإذًا، لا يمكن إسناد الحالات القصدية إلا إلى الأفراد. ويلخص فرانك هيندريكس الحجج التي تدحض وجهات النظر التي تنكر وجود القصدية الجماعية في ما يلي: • حجة التعاون: هناك صيغتان لهذه الحجة. الأولى تجريبية، تذهب إلى أن شكلً معينًا من الفاعلية الجماعية الذي يفسر من خلال القصدية الجماعية ضروري لمعالجة بعض أشكال التعاون. والثانية

مفاهيمية، وتنطلق من ادعاء أن هناك أفعالً جماعية بالطبيعة. وإذا أردنا أن نقاربها من خلال القصدية، فإننا نحتاج إلى فكرة القصدية الجماعية. إن معيارَ الهدف الجماعي هو معرفة ما إذا تم تصوّر الهدف

وقبوله من منظور الجماعة، نظرًا إلى أن هذا النوع من الأهداف يتم تصوّره انطلاقًا من منظور النحن،

وليس من منظور الأنا. • الحجة المتعلقة باختلاف مضمون الحالات القصدية: تنطلق هذه الحجة من ملاحظة إمكان وجود اختلاف بين مضمون قصد أو اعتقاد جماعة ككل من جهة، ومضمون قصد أو اعتقاد عضو فردي في هذه الجماعة. إن ادعاء وجود اختلاف في المضمون يكشف عن وجود اختلاف حقيقي بين الحالات القصدية الجماعية والحالات القصدية الفردية. وتُقسم هذه الحجة إلى نوعين: الأول يعتبر الفرد عضوًا، بمعنى أنه يذهب إلى أن عضوَ جماعة أو فريق ما يستخلص هدفه

الفردي من هدف الجماعة أو الفريق: إذا كان هدف أحد الفريقين في مباراة لكرة القدم الأميركية في لحظة معيّنة هو تمرير الكرة، يمكن لأحد أعضاء الفريق أن يستخلص من ذلك قصدية صد

خط الدفاع الخلفي. ففي هذه الوضعية، يقتسم اللاعب هدف الفريق مع الآخرين ويستخلص منه هدفه باعتباره عضوًا فيه. إن مضامين الأهداف تختلف، وإن الهدف الأول هدف جماعي. أما

النوع الثاني من الحجة المتعلقة بالمضمون، فيعتبر العضو فردًا، ويزعم أنه يمكن أن يكون هناك توتر أو صراع صريح بين ما يقصده الفرد أو يعتقده شخصيًا والقصد أو الاعتقاد الذي يحمله

كعضو في جماعة. ففي بعض الظروف، يكون الفرد مُرغمًا على اقتسام قصد الجماعة أو

اعتقادها – أو على الأقل يمنع نفسه من التعبير عن التصريح باختلافه معها علنًا – بينما من الملائم جدًا أن يكون لديه قصد أو اعتقاد باعتباره فردًا. وفي الحالات التي يحدث فيها هذا

الاختلاف، يمكن للفرد أن يختبر نوعًا من التوتر النفسي، ويمكنه مثل أن يميل إلى تكييف اعتقاده الخاص مع اعتقاد الجماعة. • حجة المؤسسات الاجتماعية: تذهب إلى أن معالجةً ملائمةً للمؤسسات الاجتماعية تستلزم نوعًا من

القصدية الجماعية. والمسلّمة التي تَسن دُ هذا التصورَ هي أن المؤسسات لا يمكن أن تشتغل إلاِ

(72) F. Hindrinks, «Social Groups, Collective Intentionality, and Anti–Hegelian Skepticism,» in: M. Sintonen, P. Ylikoski & K. Miller (eds.), Realism in Action: Essays in the Philosophy of the Social Sciences (Dordrecht: Springer, 2003), pp. 214–215. (73) Raimo Tuomela, Cooperation: A Philosophical Study (Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, 2000), pp. 31–32. (74) J.R. Searle, «Collective Intentions and Actions,» in: R. Cohen, J. Morgan & M.E. Pollack (eds.), Intentions and Communication (Cambridge; London: MIT Press, 1990), pp. 401–415.

بالطريقة التي تشتغل بها، نظرًا إلى أنها مقبولة جماعيًا. إضافة إلى ذلك، تشكل المعيارية مكونًا أساسيًا

من مكوّنات المؤسسات، بمعنى أن هناك حقوقًا وواجبات مرتبطة بالمؤسسات لا يمكن مقاربتها إلا

من خلال القبول الجماعي. • حجة الحياة اليومية: تنطلق هذه الحجة من ملاحظة تجريبية مفادها أن الأفراد يسندون حالات قصدية للجماعات، مثل الجماعات الاجتماعية والتنظيمات والدول. والحال أننا نحتاج إلى فكرة القصدية الجماعية لتقديم تحليل ملائم لهذه الإسنادات.

خلاصة

ليس هناك اتفاق حول إمكان تفسير الظاهرة الاجتماعية تفسيرًا عِلّيًا، خصوصًا تفسير السلوك

الاجتماعي. بل إن هناك من لا يزال يُدافع عن أطروحة بيتر وينتش التي تنكر إمكان قيام العلوم

الاجتماعية بالتفسيرات العلّية التجريبية. بيد أنني حاججت على أنه يجب أن تقوم النظرية السوسيولوجية على حد أدنى من التفسير كي تكون نظرية علمية؛ ذلك أن تقويض مبدأ التفسير يقوّض العلم من أساسه. وسيكون القارئ قد لاحظ أن هدفي الأساسي في هذه الدراسة هو محاولة

ربط النظرية السوسيولوجية بما أعتبرها مهمتها الأساسية، وهي تفسير الأفعال الاجتماعية التي تتشكل منها مختلف الظواهر الاجتماعية، وذلك بالاستفادة من مكتسبات نظرية الممارسة التي

استلهمت فلسفة فتغنشتاين المتأخرة. وحاولت البرهنة على أن تفسيرًا ع لِّيًّا لاهيوميًا للأفعال

الاجتماعية مشروعٌ ممكنٌ بالنظر إلى التطورات التي مسّت تصوّرات العلم في فترة ما بعد الحرب

العالمية الثانية إلى اليوم. كما حاولت البرهنة على ضرورة مراعاة شروط «السياقية» التي تُضفي على الحالات الذهنية بعدًا خارجيًا ويعطيها سُمكًا إمبريقيًا يسمح بملاحظتها داخل الممارسات، أي

داخل الوضعيات التي تجري فيها. إنني أتبنى في هذه الدراسة مقاربة شمولية Holism تعطي الأولوية للفعل وسياق حدوثه على الحالات الداخلية المرتبطة به. وسمحت هذه المقاربة بوضع معايير التحقق العمومي، أو المشترك، من المبررات التي يقدمها الفاعل إلى أفعاله، وأهم هذه المعايير هو البعد الاجتماعي للقصدية وإرجاعها إلى حقل إنتاجها، وهي فكرة تسير على خطى فتغنشتاين، ولا سيما تركيزه على الطابع الاجتماعي للمعنى وأهمية عملية التعلم. كما سمحت لنا المقاربة الشمولية بطرح طريقة جديدة للتفكير في الطبيعة المعيارية للأفعال الاجتماعية وانتظامها وضرورتها، وهي خصائص متجذّرة في التوافق الجماعي عبر الزمن والتثاقف اللذين يجعلان من المعايير الاجتماعية «طبيعة ثانية.»

(((7 جون سيرل، بناء الواقع الاجتماعي، ترجمة حسنة عبد المنعم (القاهرة: المركز القومي للترجمة،.)2012

(76) M. Gilbert, On Social Facts (Princeton: Princeton University Press, 1989); Tuomela, p. 65. (77) Winch, p. 8.

References

المراجع

العربية

سيرل، جون. بناء الواقع الاجتماعي. ترجمة حسنة عبد المنعم. القاهرة: المركز القومي للترجمة،

فتغنشتاين، لودفيك. تحقيقات فلسفية. ترجمة وتقديم وتعليق عبد الرزاق بنور. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2007.________ في الأخلاق والدين والسحر. ترجمة حسن احجيج. القاهرة: مصر العربية للنشر والتوزيع،

الأجنبية

Bourdieu, Pierre. Choses Dites. Paris: Minuit, 1987. Chappell, V.C. (ed.). Philosophy of Mind. Englewood Cliffs: Prentice-Hall, 1962. Cohen, Mendel F. «Motives, Causal Necessity and Moral Accountability.» Australasian Journal of Philosophy. vol. 42, no. 3 (1964). Cohen, R, J. Morgan & Pollack (eds.). Intentions and Communication. Cambridge; London: MIT Press, 1990. Coulter, J. The Social Construction of Mind: Studies in Ethnomethodology and Linguistic Philosophy. New Jersey: Rowan; Littlefield, 1979. Davidson, Donald. «Actions, Reasons, and Causes.» Journal of Philosophy. no. 60

________. Essays on Actions and Events. Oxford: Oxford University Press, 1980. Dennett, Daniel. Kinds of Minds. New York: Basic Books, 1996. Descombes, Vincent D. Les Institutions du Sens. Paris: Minuit, 1996. Dray, William H. Laws and Explanation in History. Oxford: Oxford University Press,

Ducasse, C.J. «Explanation, Mechanism and Teleology.» Journal of Philosophy. vol. 22 (1925). Dummett, Michael. Origins of Analytical Philosophy. Cambridge: Harvard University Press, 1993. Elster, J. Nuts and Bolts: For the Social Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 1989. Flew, A. «Psycho-Analytic Explanation.» Analysis. vol. 10, no. 1 (1949-1950). Gilbert, M. On Social Facts. Princeton: Princeton University Press, 1989.

Guttenplan, S. (ed.). A Companion to the Philosophy of Mind. Oxford: Blackwell,

Hekman, S. «Weber’s Concept of Causality and the Modern Critique.» Sociological Inquiry. vol. 49 (1979). Hempel, C.G. Aspects of Scientific Explanation: And Other Essays in the Philosophies of Science. New York: Free Press, 1965. Hume, David. Enquiries Concerning the Human Understanding. Oxford: Clarendon Press, 1966. Jacobs. S. «Popper. Weber and the Rationalist Approach to Social Explanation.» The British Journal of Sociology , 41, 1990: 559-570. Keat, Russel & John Urry. Social Theory as Science. London; Boston: Routledge,

MacIntyre, Alasdair. After Virtue. Inidiana: University of Notre Dame Press, 1984. Macklin, Ruth. «Action, Causality, and Teleology.» British Journal for the Philosophy of Science. vol. 19 (1969). Manicas, Peter T. A History and Philosophy of the Social Sciences. New York: Basil Blackwell, 1987. Manninen, Juha & Raimo Tuomela (eds.). Essays on Explanation and Understanding. Dordrecht: Reidel, 1976. Mayol-Sharrock, D.V. Munz & A. Coliva (eds.). Mind, Language, and Action. Berlin; Munich; Boston: De Gruyter, 2015. McKinney, John C. & Edward A. Tiryakian (eds.). Theoretical Sociology. Perspectives and Developments. New York: Appleton-Century-Crofts, 1970. Niddicht, P.H. (ed.). The Philosophy of Science. Oxford: Oxford University Press,

Peters, Richard Stanley. The Concept of Motivation. London: Routledge; Kegan Paul,

Popper, Jacobs S. «Weber and the Rationalist Approach to Social Explanation.» The British Journal of Sociology. no. 41 (1990). Popper, Karl. The Open Society and its Enemies. London: Routledge; Kegan Paul,

Ragin. Charles. The Comparative Method. California: University of California Press,

Ratcliffe, Matthew. Rethinking Commonsense Psychology. A Critique of Folk Psychology, Theory of Mind and Simulation. New York: Palgrave Macmilan, 2007. Rosenberg, Alex. Philosophy of Social Science. 3 rd ed. Colorado: Westview Press,

Shils, E.A. & H.A. Finch (eds.). The Methodology of the Social Sciences. New York: The Free Press, 1949. Sintonen, M., P. Ylikoski & K. Miller (eds.). Realism in Action: Essays in the Philosophy of the Social Sciences. Dordrecht: Springer, 2003. Stoutland, Stoutland. «Reasons, Causes, and Intentional Explanation.» Analyse & Kritik. no. 8 (1986). Tuomela, Raimo. Cooperation: A Philosophical Study. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, 2000. Von Wright, G.H. «Explanation and Understanding of Action.» Revue International de Philosophie. vol. 35, no. 135 (1981). Weber, Max. Economy and Society. California: University of California Press, 1978. ________. Roscher and Knies: The Logic Problems of Historical Economics. New York: The Free Press, 1975. Wilson, B. R. (ed.). Rationality. Oxford: Basil Blackwell, 1974. Winch, Peter. The Idea of a Social Science. London: Routledge; Kegan Paul, 1990. Wittgenstein, Ludwig. The Blue and Brown Books. Oxford: Blackwell, 1958. _________. On Certainty. D. Paul & G.E.M. Anscombe (trans.). Oxford: Blackwell,

_________. The Big Typescript TS 219. C. Grant Luckhardt & Maximilian E. Aue (eds. & trans.). Oxford: Blackwell, 2005. _________. Philosophical Grammar, R. Rhees (ed.), A. Kenny (trans.). Berkeley: University of California Press, 2005. Wolfgang, Prinz. Open Minds: The Social Making of Agency and Intentionality. London: MIT Press, 2012.