محاولة في فهم تقاطعات الخطاب البيئي مع مسار نقد الحداثة
An Attempt to Understand Intersections of Environmental Discourse with the History of Critique of Modernity
الملخّص
تتناول هذه الدراسة العلاقة بين الخطاب البيئي ونقد الحداثة، وتبيّن، كيف أصبح براديغم البيئة مهيكلًا للحقل العلمي، ومؤثرًا في الحقل الاجتماعي والسياسي، ومنتجًا الحركات الاجتماعية. كما تكشف، كيف يتقاطع ذلك مع أهم مدارس نقد الحداثة في أوروبا منذ بداية القرن العشرين في نقدها العقل العلمي. تخلص الدراسة إلى أن الخطاب البيئي ما هو إلا أحد تجليات الأزمة الأخلاقية للحداثة، وهو يتقاطع مع مسار نقدها الحضارة التكنولوجية القائمة على عقلانية الفعل، ومنطق الربح في نظام إنتاج رأسمالي دمّر الطبيعة والمجتمع؛ لذلك فإن الأزمات البيئية تصاحبها دومًا أزمات اجتماعية.
Abstract
Assistant professor of sociology at the University of Carthage in Tunisia.
- الخطاب البيئي
- نقد الحداثة
- البراديغم
- المفاهيم
- المقولات
- Environmental Discourse
- Critique
- Modernity
- Paradigms
- Concepts
ملخص: تتناول هذه الدراسة الع قااة بين الخطاب البيئي ونقد الحداثة، وتبيّن، أولً، كيف
أصبح براديغم البيئة مهيكلً للحقل العلمي، ومؤثرًا في الحقل الاجتماعي والسياسي، ومنتجًا
الحركات الاجتماعية. كما تكشف، ثانيًا، كيف يتقاطع ذلك مع أهم مدارس نقد الحداثة في
أوروبا منذ بداية القرن العشرين في نقدها العقل العلمي. تخلص الدراسة إلى أن الخطاب البيئي ما هو إلا أحد تجليات الأزمة الأخلاقية للحداثة، وهو يتقاطع مع مسار نقدها الحضارة التكنولوجية القائمة على عقلانية الفعل، ومنطق الربح في نظام إنتاج رأسمالي دمّر الطبيعة
والمجتمع؛ لذلك فإن الأزمات البيئية تصاحبها دومًا أزمات اجتماعية.
Abstract: This study deals with the relationship and interconnections between environmental discourse and the critique of modernity. Firstly, it demonstrates how the environmental paradigm has become a structure for scientific research, influencing political and social fields and producing social movements. It also shows how that overlaps with the main schools of the critique of modernity in Europe since the beginning of the 20 th century in terms of their critique of reason. The study concludes that environmental thought is just one aspect of the ethical crisis of modernity, intersecting with the principal critics of technological civilization based on rational action and that the drive for profit within capitalist modes of production has destroyed nature and society. Notably, environmental crises are inevitably accompanied by social crises.
شتاء Winter 2020
مقدمة
تحاول هذه الدراسة تبيان أنّ الخطاب البيئي لم ينشأ في خضمّ الأزمات البيئية المتعاقبة
منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبداية تشك ل الوعي بالمسألة البيئية في الحقول الأكاديمية والسياسية والاجتماعية فحسب، بل كانت له تقاطعات مهمة مع مسار فكري وفلسفي أعمق وأوسع بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يسمّى مسار نقد الحداثة. وإذا ذهب العديد من المهتمين بفهم هذا الخطاب إلى ربطه بالتقارير الأممية والدّراسات العلمية التي دقت ناقوس الخطر منذ بداية ستينيات القرن العشرين حول مسار النّمو القائم على استغلال الإنسان للطبيعة ومواردها من دون وعي بالمخاطر العديدة المحدقة بالبشرية من جراء ذلك، فإن هذه الدراسة تسعى إلى عرض وفهم تقاطعات هذا التّيار مع مسار فكري أطول، وهو مسار نقد الحداثة. نرى أن نقد العقل الحداثي بدأ مع ماكس فيبر Weber Max وتواصل حتى اليوم بحسب منطق تراكم المعرفة، حيث يتقاطع فيه الفلسفي مع العلمي. يدعو هذا التّيار إلى نقد ومراجعة تأسّس العقل الحداثي
الذي أعْلَى من شأن التّقنية ومنطق الرّقم على حساب قيمة الإنسان والطبيعة؛ فغالبية التيارات النقدية
(((نعني هنا بالخطاب البيئي ذلك المسار الطويل الذي بدأ منذ القرن التاسع عشر مع نشأة العلوم الطبيعية المختصة مثل البيولوجيا والتعدين والمورفولوجيا، وأخرى تهتم بالنبات والحيوان. يشمل المسار أيضًا التيار المنادي بحماية البيئة من الاستغ لاا غير
المحدود لمواردها من دون اعتبار النتائج المباشرة وغير المباشرة لذلك على المجتمع الإنساني في حاضره ومستقبله. إذ ا، الخطاب البيئي لا يشمل الفكر العلمي فقط وما أتى به من معارف علمية حول الطبيعة، كما لا يقتصر على التيار المدافع عنها، بل هو مسار يمزج بين العلوم الطبيعية من جهة والوعي بأهمية البيئة والدفاع عنها أمام تزايد الكوارث من جهة أخرى. أدّى هذا التمازج إلى تشكل
فكر قائم بذاته، محوره الطبيعة من حيث هي بيئة حيوية ضرورية لاستمرار الحياة على الأرض. فأصبح هذا الخطاب البيئي اليوم
محرّكًا وقاسمًا مشتركًا لحقول عديدة. وفي النّهاية، هو ذلك الأثر الرّجعي الذي أحدثه هذا المسار الزخم بالمعارف والحركات
الاجتماعية في الثقافة والمجتمع. نلاحظ هذا الأثر بجلاء أكثر في المجتمعات الأوروبية والأميركية منه في المجتمعات العربية والأفريقية. حيث نجد اليوم في أغلب المجتمعات الأوروبية، خاصة، أحزابًا تدافع عن البيئة وكذلك كليات ومراكز بحث مختصّة
في قضايا بيئية، وأيضًا شوارع تحمل اسم البيئة، إضافة إلى جمعيات ومنظمات مدنية بيئية. بذلك ازدادت درجة وعي الأفراد وأصبحوا يولون آثار سلوكهم الاستهلاكي في بيئتهم الطبيعية وصحتهم الجسدية أهمية متزايدة. تمثل بحسب اعتقادنا جملة هذه
المظاهر تجليات لفكر بيئي تشكّل تدريجيًا عبر مسار تداخل فيه العلمي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
(2) Ariane Debourdeau, «Aux origines de la pensée écologique: Ernst Haeckel, du naturalisme à la philosophie de l’oikos,» Revue française d’histoire des idées politiques , no. 44 (2016), pp. 33–62.
(((يذهب بعض الدارسين للفكر البيئي إلى أنّه أصبح موضوعًا علميًا بفضل الفيلسوف وعالم البيولوجيا الألماني إرنست هاكل
Haeckel Ernst (1919–1834). يُعتبر هاكل تطوريًا، ولذلك فقد نشر نظرية شارل داروين Darwin Charles في ألمانيا، وبحث كثيرًا
في أصل الإنسان، ولذلك فهو الذي استعمل كلمة إيكولوجيا Ecology كموضوع علم جديد يبحث في علاقة الإنسان بمحيطه. ولكن إضافة إلى ذلك، نذكر علماء كثرًا قد كانوا سباقين في إنشاء علوم حول العناصر البيئية، وهذا منذ نهاية القرن التاسع عشر مثل:
Gauze Georgij Francevič, Zur Klassifizierung der Actinomyceten (Jena: VEB G. Fischer, 1958); Vladimir Ivanovitch Vernadski, Problems of Biogeochemistry, II: The Fundamental Matter–Energy Difference Between the Living and the Inert Natural Bodies of the Biosphere (New Haven, CT: Connecticut Academy of Arts and Sciences, 1944); Frederic Edward Clements, Research Methods in Ecology (Lincoln, NE: The University Publishing Company,1905); Aldo Leopold, Almanach d’un comté des sables: Suivi de quelques croquis (London: Oxford University Press, 1949); Charles Sutherland Elton, The Ecology of Animals (London: Methuen, 1933). (4) Alain Supiot, La Gouvernance par les nombres: Cours au collège de France (2012–2014) (Paris: Editions Fayard,
للحداثة أعلت من شأن العقل وثمّنت العلم على حساب الفكر الأسطوري والديني، إلا أنها حذرت من
«أسْطرة» العقل الحداثي وهيمنته على جميع نظريات المعرفة السابقة. لقد أنتج هذا العقل التنويري أزمة معنى في الحضارة الإنسانية الحديثة، إذ أقامها على استغلال الطبيعة
والإنسان من أجل السيطرة فحسب. كما تمك نت البشرية، بفضل العلم والتكنولوجيا، من تحقيق مكتسبات كبيرة، ولكن عرفت، في المقابل، حروبًا ودمارًا وكوارث وأزمات مسّت البيئة والمجتمع.
فما أوجه التقاطع بين الخطاب البيئي ونقد الحداثة؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار الخطاب البيئي إحدى الإجابات عن أزمة الحداثة في مستوى علاقة الإنسان بالطبيعة؟
أولا: ثنائية البيئة والتنمية
علينا أن نفرق منذ البداية بين علوم البيئة أو علوم الطبيعة، وبين التيار المدافع عن حماية الطبيعة من المخاطر المتعددة. فعلوم الطبيعة قديمة تعود إلى قرون خلت، وقد اعتبرنا علوم اليونان والرومان والعرب ضمن هذا المجال، لكن القرن التاسع عشر في أوروبا عرف ظهور دراسات مهمة حول مواضيع شتّى، مثل البيئة البحرية أو الطبقات المورفولوجية للأرض وكذلك المعادن والنباتات. أمّا في
بداية النصف الثاني من القرن العشرين، فبرز تيار متعدّد المشارب والاتجاهات يدافع عن البيئة الطبيعية أمام مخاطر استغلالها من دون قيد أو شرط. ودرءًا لأي غموض، دمجنا المرحلتين في مسار واحد، هو مسار تشك ل الخطاب البيئي، ولكننا نركز
اهتمامنا أكثر على المرحلة الثانية التي أصبحت فيها البيئة قضية سياسية واجتماعية، ما دفع الحكومات والمنظمات الدولية والجهات المختصة إلى إعادة النظر في مفاهيم أساسية، مثل التنمية والحقوق البشرية والتقدم والدخل القومي، وذلك بإدماج عنصر البيئة ضمن المقاييس الجديدة في التقييم وحساب معدلّات النمو والتنمية وغيرها. إذًا، تجاوزت البيئة صفتها موضوعًا للعلم، وهذا في مرحلة بروز العلوم الطبيعية، إلى صفة الضحية
لمنظومة صناعية وتكنولوجية تجب حمايتها، وهي سمة المرحلة الثانية. حدث هذا الانتقال في سياق الحداثة بصفتها رؤية جديدة لإنسان، جعلت منه مركزًا للعالم ومصدرًا للمعرفة والسلطة؛ فانتقلت
بذلك البيئة أو الطبيعة من موضوع الفعل البشري إلى فاعل يجب احترامه في ذاته، وهكذا تأسّس
الخطاب البيئي عمومًا على إعادة الاعتبار للطبيعة عبر احترام توازناتها الخاصّة ودورها في تواصل
الوجود البشري، فإذا اختل التوازن بين الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي والبشري تختل معه حياة الإنسان، بل قد تنتفي أصلً. مع تجديد المقاربات وتقاطع الاختصاصات، أصبحت البيئة تعني المحيط الإيكولوجي لحياة الإنسان بما يشمل النبات والحيوان والماء والهواء والتربة. وضمنيًا، ترتبط الكلمة بتدهور عام للمحيط الحيوي
بفعل الحضارة التكنولوجية وآثارها في المحيط الطبيعي وموارده الإيكولوجية.
(5) François Ramade, Dictionnaire encyclopédique de l’écologie et des sciences de l’environnement (Paris: Ediscience International, 1993), p. 882.
شتاء Winter 2020
يرتبط بروز الاهتمام الفكري السياسي بضرورة المحافظة على المحيط الطبيعي لإنسان في الولايات المتحدة الأميركية قبل أوروبا الغربية بعقدين من الزمن، إذ بدأ يتشكل في بداية الستينيات من القرن العشرين في سياقِ ما عُرف آنذاك في أميركا الشمالية بالتاريخ الجديد لليسار History Left New المُرتبط أساسًا بالحركات السياسية الماركسية الرّاديكالية في الأوساط الطلابية، مثل «حركة الطلبة
من أجل مجتمع ديمقراطي» SDS , Society Democratic for Students. ومن أوائل الذين كتبوا في هذا الموضوع الجديد (البيئة أو المحيط الطبيعي لإنسان) كانوا من المُؤرّخين الشُبّان الذين أرادوا
بكتاباتهم آنذاك إعطاء الكلمة «للمظلومين والمنسيين نسقيًّا»، ويقصدون بذلك الأرض والمحيط
البيولوجي، وكانوا يقولون بضرورة كتابة التاريخ انطلاقًا من الأسفل، أي من المَنسي والمجهول
الذي لا يتكلّم؛ أي إعطاء دور محوريٍّ للطبيعة وإدماجها في كل كتب التاريخ عوضًا عن الاهتمام فقط بالتاريخ الفكري والسياسي. لا شك في أن تلك الحركات اليسارية كانت متأثرة بالمناخ السياسي والفكري والاجتماعي السائد آنذاك في أوروبا الغربية، وخاصة فرنسا بعد ثورة أيار/ مايو 1968 التي أشعل فتيلها طلاب العلوم الاجتماعية قبل أن تمتد إلى مختلف الشرائح الاجتماعية. وإذا اختلفت السياقات والظروف لتلك الحركات الاحتجاجية الثورية، فإنها قد توحّدت على قاعدة المد الثوري المستند إلى المرجعية الماركسية. من هذا المنطلق، يعتبر الخطاب البيئي حاملً لبعد أخلاقي في مواجهة أزمة أخلاقية كونية شاملة، وهي أزمة علاقة الإنسان بالطبيعة التي وصلت منذ عقود إلى حدّ انغلاق الأفق منذ أصبح مسار النمو
والتنمية غير مستدام Unsustainable. وتتجلّى أهم مظاهر هذه الأزمة في مدى الظلم الذي سيلحق بالأجيال القادمة من البشرية، وفي إمكانية ضياع حقها من الموارد الطبيعية والبيئية، وهي موارد محدودة أساسًا في الزمان والمكان. وانطلاقًا من هذا المنظور الكلّي والتضامني، ينبني الخطاب البيئي على
نقد فلسفة الفعل الفردي الليبرالية والطاغية في العقلانية الرّبحية، ويؤسّس لواجب الفعل كمسؤولية
مشتركة للأفراد والجماعات. وهكذا، يصبح حريًّا بالمجتمع البشري أن يكون مسؤول عن مستقبل أجياله وحقها في تنمية عادلة
حيال الإنسان والطبيعة. ومن هنا تغير مفهوم التنمية من المعنى الاقتصادوي الصّرف إلى معنى
الاستدامة المؤسّس على ترابط وثيق بين عناصر ثلاثة، هي: المجتمع والاقتصاد والبيئة، وهذا جوهر
مفهوم التنمية المستدامة Development Sustainable الذي جاء في تقرير مستقبلنا المشتركلرئيسة
(6) Mark Cioc & Char Miller, «Interview with Roderick Nash,» Environmental History , vol. 12, no. 2 (April 2007), pp. 399–407. (7) Roderick Nash, «American Environmental History: A New Teaching Frontier,» Pacific Historical Review , vol. 41, no. 3 (August 1972), pp. 362–372. (8) Donald Worster, «History as Natural History: An Essay on Theory and Method,» Pacific Historical Review , vol. 53, no. 1 (February 1984), p. 1. (9) Antoine Artous, Jean Ducange & Lilian Mathieu (Con. & coor.), «1968: Un monde en révoltes,» Contretemps–Revue de critique communiste , no. 22 (Mai 2008).
الوزراء النرويجية الذي قدّمته أمام هيئة الأمم المتحدة سنة 1987: «تنمية تستجيب لاحتياجات الحاضر من دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على الاستجابة لاحتياجاتها». نعتقد أنه في إطار مسار تشكّل الوعي البيئي العالمي تبلور مفهوم «التنمية المستدامة»، وتبنّاه المجتمع
السياسي والمجتمع المدني على جميع المستويات المحلّية والجهوية والعالمية في أواخر القرن العشرين. وقد أصبح هذا المفهوم رمزًا من رموز الثقافة البيئية التي اتخذت اليوم بعدًا كونيًا بانتشارها بين
مختلف أطياف المجتمع الإنساني، وأصبحت توجّه السياسات العامة للحكومات المركزية والمحلية. يجوز، إذ ا، القول إن التنمية المستدامة أصبحت براديغمًا Paradigm بالمعنى الكُوني للكلمة
(نسبة إلى توماس كون) تفاعلت فيه أبعاد أربعة: العلمي والأخلاقي والأيديولوجي والسياسي. وبالفعل، براديغم هيكل حقل البحث العلمي بانبعاث مراكز بحث ومخابر متعددة الاختصاصات تشتغل أساسًا حول المسألة البيئية في علاقة بقطاعات النقل والفلاحة والصناعات الغذائية والموارد
الطبيعية. كما حدّد مفهومُ التنمية المستدامة السياسات العامّة، حيث برزت أحزاب وتيارات سياسية
متبنية القضية البيئية داخل برامج كبرى تأخذ في الاعتبار التبعات البيئية للنشاطات الاقتصادية والتنموية عمومًا. كما شرّع السياق نفسه ظهور آلاف التنظيمات المجتمعية ذات الامتداد العالمي الناشطة في حقل البيئة
والمدافعة عن التنوع البيولوجي، والحفاظ على الموارد الطبيعية كالماء والأراضي الفلاحية والغابات. وهكذا، نشأت حركات اجتماعية حاملة لواء الدفاع عن قضايا البيئة بمختلف تفرّعاتها، وتبنّت أشكالً
نضالية قد تصل إلى حد العنف تجاه الفاعلين الاقتصاديين أو السياسيين، وأثّرت حتى في المطالب النقابية لبعض القطاعات. وظهرت أيضًا حركات سياسية واجتماعية اتّخذت من البيئة قضيّة مجتمعية، منتقدة فلسفة اللاقيد على
الفعل الاقتصادي ومحمّلة الحكومات مسؤولية كل ذلك. وأ لقيت المسؤولية نفسها على هيمنة منطق
رأس المال على الدولة والسياسة العامة. أما على المستوى الاجتماعي للأفراد والجماعات الصغيرة، فقد برزت تدريجيًا أنماط عيش وتفكير واستهلاك جديدة اتّسمت بالتخلي عن رفاهية الحداثة، حيث
يتجنب الأفراد قدر المستطاع المنتوجات الغذائية المصنّعة، ويفضلون المنتوجات الفلاحية والحيوانية
العضوية والمحلية حفاظًا على الصحة، ثم مساهمة في تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة المؤثّرة في المناخ.
(10) United Nations, Report of the World Commission on Environment and Development: Our Common Future (Oxford: Oxford University Press, 1987). (11) Thomas Kuhn, La Structure des révolutions scientifiques , Laure Meyer (trad.) (Paris: Flammarion, 1983).
يُعرّف توماس كون البراديغم بأنه النظرة الجديدة أو التّصور والمنهج الجديد الذي تتبناه الدوائر العلمية، بحيث يصبح هذا التصور
محدّدًا لأسئلة البحث العلمي وموحدًا لنظرياته في فترة ما من تاريخ العلوم. لكل عصر براديغماته التي تندثر باكتشافات علمية
جديدة مفرزة براديغمات أخرى جديدة تحلّ محلّ القديمة.
شتاء Winter 2020
وبناءً على المعطيات الميدانية، ظهرت وانتشرت هذه الثقافة أكثر في مجتمعات أوروبا الغربية منها والشمالية وكذلك أميركا الشمالية، لكن تأثيراتها اتسعت بسرعة تدريجية لتشمل مناطق عديدة في العالم مثل أفريقيا والوطن العربي، لكنها تبقى في حدود المبادرات المحلية والنخبوية المحتشمة. ومن اللافت للانتباه أن الثورة الاتّصالية في سياق العولمة سهّلت انتشار الوعي البيئي وتغلغله في
الثقافات المحلية وفي نسيج المجتمع المدني. إضافة إلى ذلك، فإنّ الأزمات المالية والاقتصادية وتناقص كمّية الموارد الطبيعية واتّساع الفوارق الاجتماعية من منظور اقتصادي وبيئي غذّى جميعها
انتشار تلك الثقافة وتجذيرها في المجتمع.
1. من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد البيئي
برز في منتصف القرن العشرين أول الانتقادات للاقتصاد الصناعي القائم على مبدأ النموّ من دون
تحقيق تنمية حقيقية تستجيب لحاجات الشعوب التائقة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية ومتطلبات الكرامة الإنسانية. وفي الفترة اللاحقة للحرب العالمية الثانية تسارع نسق الإنتاج الصناعي بوتيرة لم تعهدها المجتمعات الرأسمالية من قبل، ما رسّخ الاعتقاد بنموذج النموّ اللامحدود للاستجابة لحاجات
مجتمع الاستهلاك من دون وعي مسبق بمحدودية الموارد الطبيعية في العالم. وفي هذا السياق، لخّص هنري فارفيلد أوزبورن (1935–1857) في كتابه الشهير كوكبنا في نهب، الأزمة بالخطر من أن تلتهم البشرية الموارد الطبيعية وتخرّبها أكثر من تخريب أيّ حرب كانت. وقد
تجلّى ذلك في توازي مسارين متصاعدين يتلخّصان في النموّ الاقتصادي اللّمتناهي من جهة، ثم النمو
الديموغرافي المتزايد من جهة أخرى، ما أنتج استغلالً فاحشًا للثروات الطبيعية. دفع هذا الوضع بعض الدول الصناعية الغربية إلى تكوين ما يُعرف بنادي روما Rome de Club في
نهاية ستينيات القرن الماضي، الذي يُعتبر اللّبنة الأولى لتشكل الوعي السياسي بالمسألة البيئية على
الصعيد الدولي. طلب هذا النادي من معهد التكنولوجيا بماساتشوستس MIT القيام بدراسة حول الموضوع أفرزت سنة 1970 تقريرًا مفزعًا يحمل عنوان حدود النمو. عقدت الأمم المتحدة سنة 1972 وأول مرّة مؤتمرًا عالميًا حول البيئة في مدينة ستوكهولم بالسّويد،
حصل في إثره إجماع على مفهوم مركزي جديد وهو مفهوم «التنمية البيئية» Development – Eco،
وبذلك أُحدِث صندوق الأمم المتحدة للبيئة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه الجديد مزج بين مجالين كانا حتى تلك الفترة متعارضين ومتباعدين في المنظومة السياسية والاقتصادية السابقة، هما التنمية والبيئة.
(12) Fairfield Osborne, La Planète au pillage , Maurice Planiol (trad.) (Paris: Actes Sud, 2008 [1948]). (13) Donella H. Meadows et al., The Limits to Growth: A Report for the Club of Rome’s Project on the Predicament of Mankind (New York: Universe Books, 1972). (14) United Nations, Our Common Future.
كانت التنمية الحقيقية هي تلك التي تقوم على استغلال الطبيعة ومواردها في إطار تنافس عنيف للاقتصادات الصناعية استنادًا إلى فكرة الطبيعة في خدمة الإنسان، من دون وضع أي شروط لذلك
الاستغلال. سادت هذه الفكرة عقودًا بل قرونًا، وأسّست نمط حياةٍ خاصًا في الدول الصناعية الكبرى
قائمًا على الرّفاه الاجتماعي وعلى منتجات التكنولوجيا وعلى الثقافة الاستهلاكية. وتزامن ذلك مع
هيمنة منطق اللاقيد على المنظومات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية المعولمة، لكن المنوال الجديد للتنمية ينبني على دمج البعد البيئي عبر مبدأ المسؤولية الشاملة Responsability Global الذي ركز عليه تقرير مستقبلنا المشترك. وتعبّر هذه الرّؤية الجديدة للتّنمية بوضوح عن فكر بيئي قوّض فلسفة
سيادة الإنسان على الطبيعة باسم عقلانيته العلمية والتكنولوجية، وهي رؤية لها جذور نظرية وفلسفية نقدّر أنها تعود إلى بداية القرن الماضي في علاقة بتيارات نقد الحداثة المنبثقة من مسار الفكر الغربي في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية.
2. نقد عقلانية العقل العلمي والتكنولوجي
من المفارقات الكبرى المتعلّقة بالحداثة أنها في الوقت الذي أصبحت فيه بسرعة نموذجًا يُحتذى به
لدى عديد الشعوب والثقافات غير الأوروبية، واجهت منذ بداية القرن العشرين نقد مدارس فلسفية وتيارات فكرية كبرى شكلت مسارًا تراكميًا لم يفتأ يتأكد بفعل الأسئلة المطروحة حول مدى كونيتها.
تركزت أطروحات نقد الحداثة على قاعدة الاعتقاد بشمولية سلطة العقل والعلم، وقدرتهما على تخليص البشرية من وهم الإيمان بالقوى الخارقة للعادة مثل الدين والسحر. وعلى الرّغم من بداهة
هذه الفكرة المركزية حتى اليوم ومدى رسوخ الاعتقاد بنجاعتها لدى شرائح واسعة من المجتمعات
البشرية، فإنها لم تكن بتلك البداهة بالنسبة إلى العديد من المفكّرين الأوروبيين. يبدو، كما سنبين ذلك لاحقًا، أن النقد الأساسي الموجه إلى الحداثة هو أن العقل العلمي الوضعي لم يكن في مستوى الآمال الكبيرة للبشرية والوعود التي قدّمها، وهو النقد السائد ذاته اليوم بأن المنظومة العلمية والتكنولوجية في جوانب من استعمالاتها دمّرت المجتمع والبيئة الطبيعية إلى درجة بروز
وتزايد تصاعدي لمخاطر عديدة تهدّد حياة البشر على الأرض. هنا يكمن موطن التقاطع بين نقد الحداثة والخطاب البيئي من حيث اشتراكهما في فكرة قصور العقل العلمي والعقلانية الحسابية عن تحقيق تطوّر في الظروف المادية من دون اتّقاء الكوارث والأزمات الناجمة عن هيمنته. وعلى هذا الأساس نرى أن الخطاب البيئي ما هو إلا مظهر من مظاهر مسار نقد الحداثة يأخذ في الاعتبار التقاطعات الكائنة بينهما، إذ يندرج هذا الخطاب البيئي بحسب اعتقادنا في مسار نقدي للحداثة الغربية في مستوى مظاهرها العلمية والتكنولوجية التي تعتبر عمادًا رئيسًا لنمط الإنتاج
الرأسمالي المهيمن تدريجيًا على مختلف مفاصل المجتمع ومستغلً جميع موارد الطبيعة. ونعرض فيما يلي أهم أعلام مسار نقد الحداثة برصد القاسم المشترك بين أطروحاتهم، والمتمثّل في
(((1 نذكر على سبيل المثال لا الحصر كتاب أحد أكبر رواد النهضة العربية رفاعة الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريس، بعد رحلته العلمية والثقافية إلى باريس في منتصف العشرينيات من القرن التاسع عشر.
شتاء Winter 2020
نقد العقل العلمي والتكنولوجي، وهو أهم مكتسبات الحداثة. وقد بدأ هذا المسار مبك رًا جدًّا منذ نهاية
القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.
ثانيًا: فيبر بين العقلانية والمعنى
يمكن اعتبار ماكس فيبر أوّل من وضع موضع تساؤل المسلّمات التي تأسّست عليها الحداثة، وأهمّها
الفكرة القائلة إن التّاريخ حركة تطوّرية تسير بالإنسانية من الظّلمات إلى النّور. وانطلاقًا من علم اجتماع
الأديان الذي أسّسه، يؤكد فيبر أنه لا توجد البتّة هرمية فكرية أو اجتماعية في تصنيف المجتمعات
والثقافات على قاعدة المسافة التي تأخذها من الدين والسحر، كما لا توجد تراتبية للظ واهر الإنسانية على قاعدة أولوية بعضها على بعض في الظهور زمنيًا وتصنيفها بحسب ثنائية العقلاني واللاعقلاني. على العكس من ذلك تمامًا، يرى فيبر أن الأزمة الحقيقية تكمن في إزاحة الدين في سياق ما يسميه
«مسار العقلنة». وإذا رأى معظم العلماء في هذا المسار خلاصًا للبشر، رأى فيه فيبر، بخلافهم،
مسارًا سلبيًا وسالبًا للمعاني الغائية للأفعال والأحداث؛ ففكرة «البدائي» Primitif مثلً قد خرجت
من رحم «الفكر العلمي»، وعلى أساسها يرى بعض العلماء والمفكرين المعاصرين له أن هناك مجتمعات متحضرة ومجتمعات بدائية. ويرى فيبر أيضًا أن عقلانية العلم والتّقنية ليست في حقيقة الأمر سوى إخضاع الطبيعة والمجتمع لمنطق الحساب وتقنيات التكميم Quantification من دون القدرة على فهم جوهر العالم ومعنى الأفعال البشرية في علاقة بغاياتها الكبرى، الأمر الذي توليه الأنساق الثقافية التقليدية أهمية قصوى. إن اعتبار الدين منظومة غير عقلانية مقابل فرض عقلانية العلم والتكنولوجيا لم يُفقد العالم والأشياء
زخم المعنى فقط، بل هو غير قادر البتّة على الإجابة عن الأسئلة الحقيقية التي تتجاوز الجوانب
السطحية والبراغماتية التي يعالجها العلم والتكنولوجيا، فيتساءل فيبر مثلً عن ماهية الرسالة الحقيقية Beruf Vocation للعلم وقيمته في الحياة، حتى يصبح للفعل العلمي غايات أسمى من المنفعة المادية
(16) Max Weber, Sociologie de la religion , Isabelle Kalinowski (trad. & pres.) (Paris: Flammarion, 2006). (17) Max Weber, Le Savant et le politique: Une Nouvelle traduction: La Profession et la vocation de savant, La Profession et la vocation de politique , Catherine Colliot–Thélène (pre., trad. & not.) (Paris: La Découverte, 2003), p. 83.
(((1 إذا كانت الخطوة الأولى في ممارسة علم الاجتماع لدى إميل دوركايم Durkheim هي التخلص من الأفكار المسبقة، تتمثل تلك المرحلة لدى فيبر في القطع مع الحس المشترك للعلماء، أي عدم التسليم بما اتفقوا عليه من بدهيات والحال أنها رؤى
أيديولوجية. ((1(نذكر مثلً أحد أعلام هذه المدرسة وأهم مؤسسي الأنثروبولوجيا في فرنسا، وهو لوسيان ليفي بريل (1939–1857) الذي كتب كتابًا عنوانه العقلية البدائية:
Lucien Lévy–Bruhl, La Mentalité primitive (Paris: Félix Alcan, 1922).
(((2 يماهي فيبر هنا بين السحر والعلم، ويدحض كليًا الفكرة بأن عالم السحر غير عقلاني وعالم العلم عقلاني، وبذلك لا توجد
البتة أفضلية للعلم على السحر والدين انطلاقًا من منطق البرهنة على الإجابات التي يقدمها العلم، وهي فكرة عالجها لاحقًا عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي ستروس الذي بين استنادًا إلى بحوثه الميدانية أن العلم والسحر متساويان في العقلانية.
Claude Lévi–Strauss, La Pensée sauvage (Paris: Plon, 1962), p. 23.
الآنية والمباشرة؟ إذًا، ما يسمّيه فيبر «نزع السحر عن العالم » monde Désenchantement du هو
ذلك المسار الطويل الذي برز داخل أوروبا المسيحية، والمتمثل في عقلنة الفكر والعلم تدريجيًا،
والذي أفضى إلى إزاحة المنظومات الثقافية التقليدية. ورأى أيضًا أنّ العقلنة قاصرة على تقديم معرفة عامّة ومتطورة حول الظروف التي نعيشها. لقد مكّنتنا عقلانية العلم والتكنولوجيا من التّحكم في الإنسان والطبيعة عبر مبدأَي التوقع والتنبؤ، ما غيّر علاقتنا بالبيئة، فلم نعد نرى الأمور المادية والروحية بالطريقة نفسها، وهكذا ساهم اللجوء
المتسارع إلى العلم والتقنية من أجل التحكم في الطبيعة في بروز بداية خيبة أمل عامة ما فتئت تتأكد حتى اليوم حول مصير الإنسان. يعتبر فيبر أنّ العلوم الحديثة، من بيولوجيا وفيزياء وكيمياء وعلوم الفلك، لا يمكنها أن تعلّمنا شيئًا في سبر أغوار معنى العالم وكُنهه؛ «إذا كان هناك شيء يمكن أن يقتل الاعتقاد جذريًا بوجود معنى للعالم
فهو هذه المعارف». علينا أن ندقق النظر في معنى العقلانية كما يراها فيبر، فهي ليست العقلانية الحسابية ومكننة العالم كما يتصور عموم الناس اليوم بمختلف شرائحهم، بل هي اللحظة التي توقف فيها معنى العالم عن الوجود. إنّ الحداثة القائمة على إقصاء معنى الأشياء تبقى حداثة القشور وتبقى سجينة البحث في الآني والعابر وإغفال الغايات الكبرى، فإعادة الاعتبار إلى الدين لدى فيبر عبر مشروعه علم اجتماع الأديان المقارن يمثل في حقيقة الأمر جوهر نقده للحداثة العلمية المؤسسة على مبدأ عقلنة العالم بمكوناته الاجتماعية والطبيعية، في إشارة إلى أزمة الحضارة الأوروبية بعد تحولاتها الحداثية؛ فالدين أو الأسطورة عمومًا،
كما يقول كلود ليفي ستروس (2009–1908)، هو احتجاج عظيم على اللامعنى. الفكرة نفسها نجدها لدى فلاسفة معاصرين لماكس فيبر أمثال زيغموند بومان (2017–1925) الذي يرى أن نقد الحداثة بيّن جيّدًا حدود اكتفاء الإنسان بذاته، مشيرًا إلى الثّقة اللامتناهية التي وضعها الإنسان
الحداثي في قدراته العلمية والتكنولوجية، أي في عقلانيته. وحتى على مستوى المنهج، فإن المقاربة الفيبرية قائمة على مبدأ تقصّي المعنى الكامن في الأفعال
البشرية، أي المعنى الذي يعطيه الأفراد لسلوكاتهم في سياق العلاقات التي تربطهم ببعض، إذ يعتبر فيبر أن الفعل الاجتماعي الجدير بأن يكون موضوعًا لعلم الاجتماع هو ذلك الفعل الحامل لمعنى في إطار التفاعل بين الذوات البشرية، أي الدافع الحقيقي لدى الفرد وراء إتيانه ذلك الفعل.
(21) Max Weber, L’Éthique protestante et l’esprit du capitalisme (Paris: Plon, 1985), p. 117. (22) Weber, Le Savant et le politique , p. 89.
(((2 «الفكر الأسطوري أيضًا محرّر عبر الاحتجاج الذي يثيره ضدّ اللامعنى (الهُراء) الذي كان العلم في البداية قد استقال من
التوصّل إلى حل وسط». يُنظر:
Lévi–Strauss, p. 33. (24) Zygmunt Bauman, Postmodernity and its Discontents (New York: New York University Press, 1997).
شتاء Winter 2020
المقاربة الفيبرية تبحث في فهم ذلك المعنى الكامن في الفعل البشري بما هو فعل واعٍ بالتّبعات التي تنجرّ عنه. هنا نرى بوضوح إحدى نقاط الالتقاء الأخرى مع أحد أسس الخطاب البيئي، وهو ضرورة
التفكير الواعي بآثار أعمالنا في المجتمع والطبيعة. ولا يقتصر التفكير إذ ا على المنافع المادية المباشرة للفعل كما تدعو إليه العقلانية النّفعية، بل أيضًا على إدماجه الآثار الممكنة لذلك الفعل. والحداثة بالنسبة إليه ما هي إلا استقطاب للعقل العلمي على حساب أشكال الثقافة التقليدية الضامنة لنوع من التوازن في الفعل الإنساني، ليس باعتبار غاياته «العقلانية» فحسب، بل باعتبار الغايات الأخرى ذات الطبيعة المغايرة للعقلانية الحسابية مثل الغايات الثقافية والاجتماعية والدينية. وبناءً على ذلك، يعتبر فيبر أن هناك تناقضًا أساسيًا في الفعل البشري بين «أخلاق المسؤولية» و«أخلاق
الاعتقاد»، ويقصد بأخلاق المسؤولية تلك التي يجب أن يتمتع بها رجل السياسة حين يفك ر في نتائج فعله السياسي، إذ عليه أن يضع في حسبانه التبعات الممكنة لقراراته السياسية. أما أخلاق الاعتقاد فيقصد بها فيبر تلك التي يتمتّع بها رجل الدين الذي يؤسّس فعله على القيم الكونية الكبرى. التعارض بين النوعين من الأخلاق يعود إلى التعارض بين مجالين مختلفين، وهما مجال الفعل السياسي ومجال الفعل الديني، فأخلاق المسؤولية التي يتحدّث عنها فيبر هي تلك المتعلقة بالنتائج المادية للفعل البشري في إطار المنظومة العلمية والتقنية الضامنة للقوة في المجتمعات الحديثة. الاعتبار الأخلاقي في السياق الفيبري يحيلنا إلى العقلانية الغائية المتعلقة بالنتائج المترتبة على الفعل، وهو إعارة الاهتمام بالوسائل المستعملة لتحقيق غاية معينة من قبل القوى الاجتماعية السائدة في المجتمع في فترة معينة من التاريخ. لا يفوتنا أن نذكّر هنا بأن المقاربة الفيبرية قد اعتبرت البنى الثقافية محدِّدة للبنى الاقتصادية، على عكس ما ذهب إليه كارل ماركس من أن التّعبيرات الثقافية تتحدّد بطبيعة البنى التحتية، أي علاقات ونمط الإنتاج الاقتصادي. بمعرفته الواسعة بالأنساق الثقافية والأديان، برهن فيبر على نجاعة مقاربته من خلال دراسته جذور روح الرأسمالية التي يرى أنها تتقاطع كثيرًا مع قيم دينية وثقافية تشكلت زمنيًا
مع بروز البروتستانتية. في فترة ما بين الحربين العالميتين المشحونة بتوتّر العلاقات بين القوى الأوروبية المتناحرة، وفي إثر الثورة البلشفية من ناحية، ونشوء الحزب النازي ووصوله إلى السلطة من ناحية أخرى، تعزّز التيار النقدي للحداثة ببروز مدرسة فرانكفورت التي انطلقت من تأسيس معهد العلوم الاجتماعية سنة.1923 فما هي أطروحات هذه المدرسة؟ ومن هم أهم روادها؟ وما علاقتها بالخطاب البيئي؟
(((2 لا نفصل هنا بين البيئي والمجتمعي للارتباط الوثيق بينهما، حيث تذهب غالبية التقارير والدراسات الأخيرة إلى تلازم الأزمات البيئية والأزمات الاجتماعية؛ فحيثما توجد مشاكل بيئية مثل التلوث بأنواعه والفوضى الحضرية وانعدام الماء الصالح للشراب أو شبكات الصرف الصحي نجد أنها تمس بصفة خاصة الطبقات الاجتماعية الفقيرة أكثر مما تمس الشرائح الميسورة، لذلك دعا بعض
المهتمين بهذه القضايا إلى العدالة البيئية Justice or Equity Environmental باعتبارها وجهًا من أوجه العدالة الاجتماعية.
(26) Max Weber, Économie et société , vol. I (Paris: Plon, 1971), p. 41. (27) Max Weber, L’Éthique protestante et l’esprit du capitalisme , Jean–Pierre Grossein (trad.) (Paris: Gallimard, 2003).
ثالثًا: مدرسة فرانكفورت ونقد العقل الأداتي
في فترة ما بين الحربين العالميتين أصبح فكر التنوير محطّ نقد جذري، وخاصّة تلك المفاهيم
العقلانية الحديثة المرتبطة بالعلم والمعرفة. وإذا كانت العقلانية العلمية الغربية تأسّست، ادّعاء، على
دحض الأساطير وهمجية الحضارات السابقة، فإنها أنتجت تلك الهمجية نفسها في الحربين العالميتين. ومن ثمّ اتُّهم الفكر العلمي التنويري بالسلطوية والطغيان على الإنسان أوّلً، ثم على الطبيعة ثانيًا. في تلك الفترة المهمّة من مسار نقد الحداثة، نشأت مدرسة فرانكفورت التي كانت، رغم تنوع مشاربها
وتعدد المنتسبين إليها، فضاءً متميزًا لبناء نظرية نقدية حاولت مقارعة التفكير الفلسفي والتاريخي
والسوسيولوجي الكلاسيكي بأطروحات المدرسة الماركسية ومدرسة التحليل النفسي. انطلقت المدرسة من نقد الفلسفة الوضعية، وكذلك نقد الماركسية الدوغمائية التي ط بقت في بعض بلدان أوروبا الشرقية، وكوّنت بذلك تصورًا ثوريًا على المنظومة الفكرية السائدة آنذاك. كان من أهم رواد هذه المدرسة الفلسفية والسوسيولوجية ماكس هوركهايمر)1973–1895(وهربرت ماركوز اللّذان تركا كتابات ناقدة لجوهر الحداثة الغربية، خاصّة العقل الأداتي التخطيطي الذي لا
يسائل نفسه عن تبعات أعماله. نستعرِضُ الآن أهمّ الخطوط الكبرى للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت حول العقل العلمي
والتكنولوجي الذي على نقده يتأسّس أيضًا الخطاب البيئي، ولن نعدّد مساهمات كل أعضاء هذا التيار
على أهميتها، بل سنقتصر على اثنين فقط من هؤلاء، وهما هوركهايمر وماركوز، لما لمسناه من تقاطع بين فكريهما من جهة وأهم عناصر الخطاب البيئي من جهة أخرى. يُعتبر هوركهايمر من مؤسّسي معهد البحث الاجتماعي بألمانيا، وأول المنظرين للمقاربة النقدية
الموجهة إلى المجتمع الرّأسمالي القائم على مبدأَي الحرية والعقل. ويتلخص مشروع هوركهايمر
في تقييم نقدي للمجتمع البرجوازي بمقارعته مع مُثل العقل الكوني الموضوعي؛ فقد ظهرت في
تلك الفترة الحروب وحلّ الدمار، ومُورست الإبادة الجماعية بوسائل وإنتاجات العقل العلمي المبشّر
بمستقبل واعد لإنسانية. أمام وهم التحرّر من الأسطورة، أصبح «التنوير يتصرّف إزاء الأشياء تصرّف
الديكتاتور إزاء الناس». هذا هو جوهر التناقض بحسب هوركهايمر بين المشروع العقلاني التنويري
(((2 «يُعتبر التّنوير، وعلى مرّ الزمن وبالمعنى العريض، تعبيرًا عن فكرة التقدّم، وهدفه تحرير الإنسان من الخوف وجعله سيّدًا. أما
الأرض التي تنوّرت كليًا، فهي أرض تشعّ بشكل يوحي بالانتصار. كان برنامج التنوير برنامجًا يهدف لفك السحر عن العالم. لقد أراد
التحرّر من الأساطير، وأن يحمل للمخيلة سند العلم»، يُنظر: ماكس هوركهايمر وثيودور ف. أدورنو، جدل التنوير: شذرات فلسفية،
ترجمة جورج كتورة (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006)، ص 23؛
Max Horkheimer & Theodor W. Adorno, Dialektik der Aufklärung. Philosophische Fragmente (Frankfurt: S. Fischer Verlag GmbH, 1944). (29) Rolf Wiggershaus, L’École de Francfort: Histoire, développement, signification , Lilyane Deroche–Gurcel (trad.) (Paris: PUF, 1993).
(((3 هوركهايمر وأدورنو، ص.30
شتاء Winter 2020
الواعد بمجتمع متقدّم ومتحرّر من الخوف من المجهول، من الطبيعة، من كل ما هو ليس تحت
سيطرة العقل، وبين الممارسة العملية للعقل الأداتي المهيمن بالعلم والتكنولوجيا في إطار نمط إنتاج رأسمالي. إذا كان هوركهايمر من المدافعين الشرسين عن العقل بما هو ذكاء خلاق، فهو يهاجم الاستعمال اللاعقلاني للعقل الذي يضحّي بالفرد من أجل مشروع تحريره كما تبلور ذلك في التجربة النازية. لقد
خرجت البشرية من سيطرة الأسطورة إلى أسطورة العقل التنويري. هي عقلانية مشوّهة لأنّها ط وّعت
في خدمة المصلحة اللاعقلانية للمهيمن في استعمال سيّئ لقوّته المادية في إطار المنظومة العلمية
والتكنولوجية. يعتبر هوركهايمر هذه المنظومة هشة جدًا لأنها قائمة على عقلانية زائفة ما دامت في خدمة لاعقلانية الربح والعدد. «لقد صار العدد قانون التنوير، والمعادلات عينها سيطرت على العدالة البرجوازية وعلى تبادل السلع». ومن ثمّ، فإنّ مشروعه النظري يكمن في الإجابة عن السؤال المركزي التالي: كيف أصبح العقل فاسدًا
ولاعقلانيًا؟ لقد تحوّل العقل العقلاني إلى عقل مجنون، وأصبح أداة اضطهاد في خدمة الأقوى
والأمكر. كانت المهمة صعبة ومعقدة لأنها تتطلّب ضرورة التفرقة بين مختلف أوجه العقل داخل هذا المسار التاريخي: فهناك العقل الأداتي الذي تنقده وتندّد به مدرسة فرانكفورت، وهناك العقل الموضوعي الذي تتبناه وتدافع عنه كعقل أصيل وفعال. في هذا الصدد يدعو هوركهايمر إلى إعادة بناء هذا العقل الأداتي حتى لا يتراجع إشعاع الحداثة. تجدر الإشارة إلى أن العقل التنويري الذي تنقده مدرسة فرانكفورت هو ذاته الذي نقده من قبل ماكس فيبر، أي ذلك العقل الأداة من أجل السيطرة على الإنسان ذاته من دون اعتبار للغايات الكبرى المرتبطة بالقيم الإنسانية عمومًا، إذ أصبح العلم التنويري خاليًا من القيم التي من شأنها أن توجّه نشاطه نحو
غايات أسمى من المنفعة المادية المباشرة. أدّى هذا المسار إلى جعل الطبيعة شيئًا قابل للتبادل في
السوق مثل أي سلعة. تم ذلك بتطويع العلم واختصاصاته الدقيقة. وفي هذا المجال يقول هوركهايمر «إن الدّقة بهذه الطريقة هي الغرض من العلم. ومع ذلك، وهنا يظهر الموضوع الأوّل للنظرية النقدية، العلم نفسه لا يعرف لماذا يقوم بتنظيم الظواهر في هذا الاتجاه؟
ولماذا يركز على مواضيع معيّنة دون غيرها؟ ما ينقص العلم هو التفكير حول ذاته، على سبيل المثال،
معرفة الدوافع الاجتماعية التي تدفعه في اتجاه معين، كالاهتمام بالقمر وليس برفاه الناس. ولكي يكون العلم حقيقيًا يجب أن يتصرّف بطريقة ناقدة تجاه نفسه كما تجاه المجتمع الذي أنتجه [...] عندما
ظهرت النظرية النقدية في العشرينيات من القرن الماضي انطلقت من التفكير في مجتمع أفضل. كانت تتصرف بصفة نقدية حيال المجتمع كما حيال العلم».
(((3 المرجع نفسه، ص.65 (((3 المرجع نفسه، ص.28
(33) Max Horkheimer, Théorie critique (Paris: Payot, 2009), pp. 328–329.
أمّا ماركوز فقد كان إسهامه النقدي متميزًا إلى درجة أنه أصبح مرجعًا أيديولوجيًا للحركات اليسارية
الجديدة في الخمسينيات والستينيات في مناخ عالمي متوتّر بسبب الحرب الباردة من جهة، وبسبب حركات التحرّر من الاستعمار من جهة أخرى، وقد اشتهر بعد صدور كتابه الإنسان ذو البعد الواحد سنة
1964. تجلّت مساهمة ماركوز في النظرية النقدية في دحض الأطروحة الوجودية السارترية القائلة بالحرية المطلقة للفرد التي تجاهلت، بحسب رأيه، التحديدية الاجتماعية للفعل الاجتماعي، وهي فكرة مركزية في الفكر الليبرالي قد كان من أهمّ نتائجها تسخير الطبيعة لخدمة الإنسان. وفي مستوى آخر، يعتبر ماركوز
أن التقنية technique la ما هي إلا أداة هيمنة في يد الطبقات المسيطرة في المنظومة الرأسمالية، ولا يمكن التخلّص من تلك الهيمنة إلا بإعادة النظر جذريًا في ماهية التكنولوجيا الصناعية ودورها. في هذا الكتاب يبدو ماركوز على معرفة جيدة بكتابات عدد من كبار الفلاسفة والمفكرين المعاصرين له، سواء كانوا من ألمانيا أو من الولايات المتحدة الأميركية، باعتباره قد هاجر إليها مبكرًا واستقر فيها
حتى آخر حياته. وبحسب اعتقادنا، تبدو تقاطعات الخطاب البيئي مع النقد الذي صاغه ماركوز في مقاربته لأسس النظام الاجتماعي الرأسمالي، وفي تفسيره العلاقة القائمة بين أسباب الخطر البيئي والتكنولوجي (النووي مثل) بحفاظ هذا النظام على شروط الخطر، إذ على الرغم من تطوّر وسائل
إشباع الحاجات الفردية والجماعية بسبب تراكم إنتاج المنظومة الصناعية، قد بقي المجتمع لاعقلانيًا،
لأن أمنه مهدّد دائمًا بالحرب. إنّ أحادية البعد التي رصدها وانتقدها ماركوز في المجتمع الرأسمالي تكمن في تراجع مستوى الحريات الأساسية لحساب هيمنة نمط استهلاكي قادر على إنتاج كمّي ونوعي يُغرق المجتمع في
رفاه متسارع الوتيرة، ما يُنمِّط التفكير ويُقصي النزعة النقدية، وهذا من شأنه أن يُحوِّل البشر إلى نُسخ
متطابقة في السلوك والخيال بفعل ثقافة الاستهلاك واللذة. تُغذّي هذه الهيمنة، بحسب ماركوز، دور التكنولوجيا المتضخّم، وتصبح بذلك أداة تطويع ثقافي وفكري وحضاري شمولي. قدّم ماركوز في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد نظرة استباقية في ما يتعلق بالآثار الوخيمة للمجتمعات الصناعية في البيئة ومواردها الحيوية، ما جعل بعض الباحثين لاحقًا يعتبرون هذا الكتاب بمنزلة «البيان البيئي». تجدر الإشارة إلى أنّ آثار النظرية النقديّة لروّاد مدرسة فرانكفورت قد تجاوزت بكثير حدود ألمانيا،
(34) Herbert Marcuse, L’Homme unidimensionnel: Essai sur L’idéologie de la société industrielle avancée, Monique Wittig & l’auteur (trad.), Collection Arguments (Paris: Editions de Minuit, 1968).
(((3 منذ أيام الدراسة تعرّف ماركوز إلى عديد الوجوه التي سيصبح لها صيت في الفضاء الأكاديمي والفلسفي مثل فالتير بنيامين
Benjamin Walter وجورج لوكاتش Lukacs Georg ورفيقي دربه في مدرسة فرانكفورت لاحقًا ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو Adorno Theodor، كما تتلمذ على يد إيدموند هوسرل Husserl Edmund مؤسس الفينومينولوجيا. سنة 1929 كان قد بدأ ينجز دكتوراه التأهيل تحت إشراف مارتن هايدغر، لكن توترت علاقتهما بسبب انخراط هذا الأخير في الحزب النازي. اطلع ماركوز وتشبع بأفكار فريديريك هيغل Hegel Friedrich. W. G وكارل ماركس وسيغموند فرويد Freud Sigmund وجون بول سارتر Paul – Jean
Sartre وشارل رايت ميلز Mills Wright. C وآخرين كثر من علماء اقتصاد واجتماع أميركيين من دون شك في أنهم أثّروا فيه، وفي فكره النقدي للمنظومة الرأسمالية التي رأى فيها سلبًا للحرية الفردية وتدجينًا للمجتمع علاوة على تخريب الطبيعة.
(36) Robyn Eckersley, The Green State: Rethinking Democracy and Sovereignty (Cambridge, MA: The MIT Press,
شتاء Winter 2020
إذ كانت مرجِعيّة لحركات احتجاجية في العديد من أنحاء العالم الشرقي والغربي، وحتى في الوطن
العربي مثل التيارات اليسارية والشيوعية. تشترك هذه الحركات، كلّ بحسب سياقاتها، في مناهضة السلطة عمومًا مهما كان مأتاها، سواء كانت في العائلة أو في الدولة أو المؤسسة، وفي مناهضة جميع
أشكال الهيمنة في المجتمع الرأسمالي. نذكر على سبيل المثال حركة أيار/ مايو 1968 في فرنسا، ومثلها كلّ الحركات الطلابية في أوروبا التي كانت تستند إلى أدبيّات مدرسة فرانكفورت، باعتبارها
قد جعلت من المجتمع الرأسمالي الطبقي موضوع نظريتها النقدية من دون السقوط في البعد العملي الثوري. ولا نُغفل أيضًا بعض حركات التحرّر في أفريقيا والوطن العربي وآسيا وأميركا الجنوبية التي
قاومت الاستعمار والهيمنة الإمبريالية. ولكن مقابل هذا النّقد الشديد للعقل التنويري/ الأداتي، يعتبر يورغن هابرماس (1929–)، أنّه رغم
أخطاء العقل الحداثي الكبيرة وأزماته المتتالية، مك نتنا المكتسبات الكبيرة التي أتت بها الحداثة من صناعة حضارة قوية. يتّفق هابرماس مع فيبر وهوركهايمر وأدورنو وماركوز في أنّ العقل التنويري
الحداثي قد جعل الذّات الغربية تتمركز حول ذاتها وتلغي الآخر، وشيّأت الإنسان بجعله جزءًا من
الطبيعة لا روح له، وألغت كل أنماط المعرفة غير العلمية. لكنّه على خلاف تشاؤم فيبر، وعلى عكس عدمية زملائه من مدرسة فرانكفورت، يرى هابرماس أنّ «الحداثة مشروع لم ينجز بعد»، وأنّ على الإنسان أن يتفاعل إيجابيًّا مع الآخر، وأن يقيم فعل تواصليًّا يهدف إلى الحوار والتفاهم؛ «أعتقد أنّه
بدلً من الإقلاع عن الحداثة ومشروعيتها كقضية خاسرة يجب علينا أن نتعلّم من أخطاء تلك البرامج التي حاولت نفي الحداثة»، فالعقل بالنسبة إليه ليس فقط عقل أداتيًّا باحثًا عن السيطرة والهيمنة من
أجل المصلحة والمنفعة في الفكر الليبرالي، إنّه أيضًا عقل ذو بعد موضوعي وإنساني غير متقوقع حول ذاته الفردية، بل يسعى إلى اعتبار مصلحة الذوات الأخرى. فحتّى إن اندثرت أخلاق الدّين، فأخلاقيات النقاش والحوار من أجل تحقيق إجماع هي البديل. تندرج هذه المقاربات النقدية للعقل الحداثي في حلقة أوسع وهي المسار الفكري والفلسفي لنقد الحداثة التي نستطيع الجزم بأنها وليدة الفكر الألماني بامتياز، قبل أن تصبح الحداثة عمومًا موضوع
نقد هيكلي قصد تجاوز نقاط ضعفها بصياغة مقولات جديدة مثل «ما بعد الحداثة» أو «الحداثة العليا» المتّسمة بالتشاؤم والخيبة والشك القطعي في مكتسبات الحداثة كالعقل والعلم والتكنولوجيا.
رابعًا: أطروحة الفكر الانعكاسي
عُرِّفت الحداثة تعريفات عديدة من عدد من الفلاسفة والمفكرين، وبخاصّة علماء الاجتماع، لكنّنا نقتصر
على القول إنّها «انتصار العقل» بحسب عالم الاجتماع الفرنسي آلان توران (–1925). العقل هو أساس
(37) Jürgen Habermas, Théorie de L’agir communicationnel , vol. 2, Jean–Louis Schegel (trad.) (Paris: Fayard, 1987
(38) Jürgen Habermas, Modern and Postmodern, Thomas McCarthy (trans.), vol. 2 (Boston: Beacon Press, 1984), p. 14. (39) Alain Touraine, Critique de la modernité (Paris: Fayard, 1992), p. 11.
العلم والتكنولوجيا، وهو الذي ربط بين الفعل البشري ونظام العالم وكيّف الحياة الاجتماعية مع حاجات
الأفراد والجماعات، وفي النهاية هو الذي أصبح بديلً ومُنقذًا من تعسُّف الدولة والقانون والسوق. يُعتبر العقل أساس التطوّر في أنماط الحياة وتلبية الحاجات بما يضمن الرفاهية، وهو أيضًا العقل
العقلاني جوهر الحداثة الغربية الذي باسمه أخذت طابع الشمولية، وباسمه صُنِّف البشر فئات متراتبة
بحسب بُعدها أو قُربها من هذا النموذج الذي ساد في أوروبا الغربية. وهو النموذج القائم على امتلاك
وسائل القوة من العلوم ومن تطبيقاتها التكنولوجية والصناعية، بما في ذلك الأسلحة الأكثر تدميرًا.
وباسم امتلاك مقومات الحداثة صُنّفت شعوب وثقافات بأنها بدائية ومتخلفة مقارنة بأخرى حداثية
ومتقدمة، فشُرّع الاستعمار الاستيطاني، وباسم هذا العقل الحداثي أيضًا شُرِّعت الهيمنة بأشكالها
المختلفة، فَأ فقرت شعوب واستُغلّت ثرواتها وتكدّست بين أيدي فئات قليلة تنفرد بسلطان الحكم وتتحكم في حركة رأس المال. كما اندلعت الحروب وزُرعت النعرات وأُبيد الملايين من البشر باسم أحقية عرقية أو ثقافية أو باسم امتلاك وسائل القوة وأسباب الثروة. هذا هو جوهر موضوع نقد الحداثة لأنّها المسوّغ الأساسي الذي
اتّخذ بُعد الشمولية وشرّع لكل تلك المظالم التي ذكرناها. فأصبحت، إذ ا، موضوع نقد جذري في
إطار ما يُعرف بتيار نقد الحداثة الذي سنعرض له تباعًا عبر أمثلة من روّاده في مواصلة للمسار الفكري
النّقدي نفسه الذي بدأ مع فيبر. انطلق هذا التّيار مع الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1976–1889) الذي لا يزال مؤثّرًا في الساحة
الفكرية عالميًا منذ صدور كتابه الكينونة والزمانسنة 1927 حتّى اليوم، وخاصة في الساحة الفلسفية
الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. ورغم شهرته تلك، فإنّه فيلسوف مثير للجدل لانخراطه في الحزب النازي وتولّيه رئاسة جامعة فرايبورغ بعد صعود هتلر إلى سدّة الحكم سنة 1933. اتّسمت فلسفته بالنّزعة
الظاهراتية والوجودية. سلّط هايدغر نقده أساسًا على المنظومة التّقنية التي اعتبرها ظاهرة مركزية في
الزمن الحاضر، بهيمنتها على العالم، وتلك هي أقصى تجلّيات أيديولوجيا ميتافيزيقا الذات المفكرة
الديكارتية التي جعلت من الإنسان سيّدًا ومالكًا للطبيعة، لذلك يرى أنّه عندما نعتبر التقنية شيئًا محايدًا،
فنحن نسلمها عندئذٍ أنفسنا بأسوأ طريقة، لأن هذه النظرة المنتشرة جدًّا اليوم تحجب عنّا معرفة جوهر التقنية، فالعلاقة التقنية بين الإنسان والعالم أصبحت تقتضي إعمال مبدأ العقل في الواقع كما لو أنّ هذا الواقع مطابق تمامًا لقوانين العقل، فتصبح على هذا الأساس كلّ الأشياء في الواقع خاضعة
(((4 «إذا اعتبرنا التقنية شيئًا محايدًا، فإنّنا نسلّمها أنفسنا بأسوأ طريقة؛ لأنّ هذا التصوّر الذي يحظى اليوم بقيمة خاصّة جدًا يحجب
عنّا رؤية جوهر التقنية:»
Martin Heidegger, «La Question de la technique,» in: Essais et conférence , André Préau (trad.) (Paris: Gallimard, 1980 [1958]), p. 48.
(((4 يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو في خصوص خطاب الاقتصاديين القائل بأن الليبرالية هي قدر المجتمع الإنساني إنه تأسّس على عدة مغالطات أصبحت بفعل قوة الاعتقاد مسلمات، أهمها الخلط بين الأشياء المنطقية ومنطق الأشياء، في إشارة إلى
إخضاع البنى المجتمعية التي لها منطق اشتغالها الخاص بها للمعادلات الرياضية المنطقية، وأهم مثال على ذلك هو اعتبار أن السوق تتعدّل ذاتيًا Autoregulation بحسب قانون العرض والطلب.
شتاء Winter 2020
لإمبريالية الذات البشرية التي جعلت من العالم المحيط بها مخزونًا من الأدوات أو الطاقات الجاهزة من أجل تحكّم الإنسان في الطبيعة وفرض سلطته على الأضعف. فزمن التقنية الحديثة يبعث على القلق والخوف من المستقبل لأنه زمن خالٍمن المسؤولية، إذ تحوّلت الأرض إلى مخزون يُستنزف قدر
المستطاع من دون وعي بأهمية توفير الضمانات التي يمكن أن تحميها من الدمار. لذا، فالتقنية ليست محايدة، وماهيتها ليست مرتبطة فقط بالاستعمال الهادف إلى تحقيق متعة البشر وسعادتهم، بل هي في حقيقة الأمر خطر محدق بوجودهم. في هذا السياق يقول هايدغر إنّ العلم لا يفكر، والأكثر إثارةً هو أننا لم نبدأ التفكير بعد. ويعني بذلك أنّ العلم يفسّر الظواهر الواقعة داخل
حدود اختصاصه، ولكنه لا يستطيع الإجابة عن السؤال حول ماهية الأشياء. وحدها الفلسفة قادرة على إيجاد الإجابة عن ذلك السؤال. فبنية ومنطق العلم الفيزيائي أو الرياضي أو البيولوجي لا يسمحان بتقديم هذا النوع من الإجابات، لأنّ العلم والتكنولوجيا لا يعتبران قيمة الأشياء في ذاتها، بل الوظيفة التي تؤديها، أو الحاجات التي تشبعها. إلى جانب مدرسة فرانكفورت، أسّست فلسفة هايدغر النقدية للحداثة التقنية، جملة من النظريات
في حقل العلوم الاجتماعية ذات البعد السياسي مثل نظرية أنطوني غيدنز (1938–) في بريطانيا. لقد وضع هذا الأخير نظرية نقدية توليفية لخّصها في كتابه نتائج الحداثة ناقدًا فيه ما أسماه آنذاك، في بداية 1990، الحداثة العليا Modernity High The، التي تتّسم بحسب رأيه بانعدام السيطرة على المعرفة والمجتمع، وبذلك تصبح هذه الحداثة، غربية المنشأ، أكثر راديكالية وكونية في تبعاتها ونتائجها. يَعتبر غيدنز أنّنا قد دخلنا في عصر قائم على نظام جديد ومختلف يتميّز بثنائيات معبّرة عن طبيعة
الظواهر التي سادت السنوات الأخيرة من القرن العشرين، وهي ثنائيات السلامة – الخطر ثم الضمان – المخاطر، فالقرن العشرون هو قرن «المحارب» بامتياز، وقد حصلت فيه أخطر المواجهات العسكرية التي خلّفت خسارةً في الأرواح البشرية تناهز مئة مليون شخص، وفي حال نشوب حرب نووية، ولو محدودة، فالخسارة ستكون أثقل، أما في حال حرب شاملة فكل البشرية يمكن أن تندثر.
نحن اليوم أيضًا نعيش في عالم مليء بالتناحر والضغينة، ما يبعث على الشك في إمكانية غد آمن، إذ لا ضمان لأي سلم دائم في غياب «أخلاق المسؤولية» التي تحدّث عنها ماكس فيبر سالفًا. أدّى هذا الوضع، بحسب غيدنز، إلى إعادة النظر في فكرة إمكانية قيام نظام اجتماعي أكثر سعادة وأكثر أمنًا، وأفرز أيضًا تراجع الاعتقاد بمدى إيجابية مشروع التّطور نفسه؛ فقوّة الحداثة ليست كامنة فقط في
قيام المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كالمدرسة والمؤسسة الاقتصادية والدولة، بل في تجذير قيمة الثقة في ديمومة هذه المؤسسات وضمان وظائفها، كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف وعالم
(42) «Security and danger, trust and risk,» in: Anthony Giddens, The Consequences of Modernity (Stanford: Stanford University Press, 1990), p. 16.
الاجتماع الألماني جورج زيمل (1918–1858) في تحليله مثال العملة كمظهر من مظاهر تثبيت الحداثة في المجتمع عبر غرس مبدأ الثقة بالمجتمع. في تحليله المسار الذي نعيشه اليوم، يستعمل غيدنز مصطلح «الانعكاسية» Reflexivity، حيث لا يعتبر الفضاء الاجتماعي مجال الفعل فقط، بل هو أيضًا مجال التفكير في الفعل. الانعكاسية هي خاصّية الفعل الاجتماعي الذي يسعى إلى التأثير في الفاعل والعكس صحيح، فالانعكاسية ما هي إلا
قدرة الفاعل على النظر في فعله قبل إتيانه وتحليل ميكانيزماته ونتائجه المترتبة عليه كفعله في الطبيعة
ومواردها. الحداثة الانعكاسية هي تلك التي تُدمِج في فعلها التفكير في آثار الفعل نفسه قبل القيام به، وهو جوهر الخطاب البيئي في علاقته بنشاط الإنسان الاقتصادي والإنتاجي والاستهلاكي. من مظاهر أزمة الحداثة، بحسب غيدنز، إذ ا، بروز المخاطر Risk The التي لها ارتباط وثيق بمفهوم الثقة بالمستقبل. وتكمن الأزمة في ذلك الاتّساع المتسارع الوتيرة في مجال المخاطر البيئية والمجتمعية على حدّ السواء، وذلك لارتباطهما الوثيق ببعض. فمنذ عقدين من الزمن على الأقل أصبحت وتيرة الأزمات أكثر تسارعًا من ذي قبل، وقد بلغت لاعقلانية العقل العلمي والتكنولوجي، المُوجَّه بمنطق
الربح المتراكم، عديد المجالات ونذكر منها على سبيل المثال: حادثة تشيرنوبل النووية، وثقب الأوزون
Layer Ozone، والاحتباس الحراري Warming Global، ومرض جنون البقر Spongiform Bovine
Encephalopathy، والتغيُّر المناخي المتسبب في الكوارث الطبيعية، وتزايد الأمراض وحالات التسمُّم
الجماعية بسبب الصناعات الغذائية المشبوهة الوصفات. ليست هذه السلسلة من الأزمات الخطيرة إلا حلقة من حلقات مأساة العصر الحاضر، حيث في الوقت الذي قطعت فيه الإنسانية خطوات كبيرة من التقدّم العلمي والتكنولوجي، يواجه المجتمع البشري مخاطر عدّة لا تهدد المحيط الطبيعي الذي يعيش فيه فقط، بل الصحة الجسدية أيضًا ووجود الإنسان مباشرة. فالأزمة أخلاقية بالأساس، لأنّ هذا الإنسان الذي بعقله طوّر العلوم والتكنولوجيا، أصبح
ضحية نجاحات هذا العقل مرتهنًا حياته إليه، على الرغم من كل المخاطر الواضحة في غياب قيم أخلاقية كتلك التي سادت في المجتمعات القديمة، وحصّنتها من خطر الاندثار مثل قيمة المسؤولية
الغائبة في مجتمع الحداثة.
خامسًا: مبدأ المسؤولية كبراديغم الخطاب البيئي
تتويجًا لهذا المسار النقدي الطويل تجاه الحداثة، يأتي المؤرّخ والفيلسوف الألماني هانز جوناس
(1993–1903) برؤية طريفة ومجدّدة لهذه الإشكالات التي يتخبّط فيها المجتمع الإنساني المتقدّم
تكنولوجيًا واقتصاديًّا. ومن خلال الكتاب الذي اشتهر به مبدأ المسؤولية: أخاق للحضارة
(43) Georg Simmel, Philosophie de l’argent , S. Cornille & P. Ivernel (trad.) (Paris: Presse Universitaire de France, 2009
(44) Mondher Kilani, «Crise de la ‘vache folle’ et déclin de la raison sacrificielle,» Terrain , vol. 3, no. 38 (March 2002), pp. 113–126.
شتاء Winter 2020
التكنولوجية، المنشور سنة 1979 في نسخته الألمانية وتُرجم إلى لغات عديدة منها الفرنسية سنة 1990، يتمثّل مشروع جوناس في تحليل الأشكال الجديدة للفعل البشري داخل الحضارة التكنولوجية كموضوع أساسي للتفكير الأخلاقي عبر مبدأ المسؤولية. يعتبر جوناس أنّ هذه الإشكالية ليست جديدة، بل تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، وهو ما ذهب إليه أيضًا بعض الناقدين للحداثة على غرار أعضاء مدرسة فرانكفورت. ويرى أن الطبيعة لم تعد تلك الأسطورة القوية التي قهرت الإنسان وبرهنت له دائمًا على حدود سلطته، بل صارت شيئًا هشًّا ومهدّدًا
من قبل الإنسان والتكنولوجيا، وهي لا تستطيع الدفاع عن نفسها مثل أي كائن بشري، لذلك فهي موضوع مسؤولية الإنسان، عليه أن يحميها من الخطر ويحافظ عليها لمصلحة الأجيال القادمة. فمقاربة جوناس هي محاولة فريدة لتأسيس تصوُّر أخلاقيّ جديد لمبدأ المسؤولية الواجب إدماجه في
الفعل البشري. هذا التصوّر قائم على الفكرة المركزية التالية: أن تكون مسؤول هو أن تقبل الارتهان إلى
من هو أضعف وأكثر هشاشةً منك، لذلك يرى ضرورة المسؤولية تجاه الأجيال القادمة لأنها شخصية غائبة، ومن ثم، لا يمكنها الدفاع عن حقّها، فهو ينتقدُ النظرة السائدة بأن الحق يُعطى فقط لمن يطالب به
من الأفراد والجماعات المعايشة لنا، بينما نتجاهل تمامًا حق الأجيال المستقبلية المغيَّبة قصدًا في اللحظة
الراهنة، إذ مبدأ المسؤولية موجّه إلى المستقبل من حيث إدماج الغد في هموم الحاضر ومشاغله. هذه الصبغة المستقبلية للمسؤولية تجاه من نحن مسؤولون عنهم هو المظهر الحقيقي لمجتمع مسؤول، فكيف نزرع مبدأ المسؤولية في المجتمع إذا لم يكن ذلك عبر حشد جميع القوى الاجتماعية من أجل عالمٍ أكثر توازنًا في علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعة. لم يغفل جوناس هذا السؤال حول الميكانيزمات الاجتماعية الضامنة لثقافة جديدة قائمة على الفعل المسؤول، فرديًّا أو جماعيًّا، إذ
اعتبر أنّ التعليم هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تغرس مبدأ المسؤولية في الأجيال الناشئة. في واقع الأمر، المجتمع الإنساني بمؤسساته السياسية والاقتصادية والمدنية لم يصل بعد إلى درجة من الوعي العميق والشامل الكفيل بخلق إجماع على الحلول الممكنة، ولذلك فالكوارث والحوادث التكنولوجية والصحية والبيئية متواصلة، ما عمّق الإحساس الاجتماعي بانعدام الثقة بالمنظومة الصناعية
الرأسمالية، إذ أصبح المناخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العالمي متّسمًا بالريبة والشك حيال
العلم والتكنولوجيا، نظرًا إلى غياب الضمانات في حياتنا اليومية، سواء تعلّق الأمر بتغذيتنا أو بنقلنا
أو غيرهما. أصبحنا نعيش في مجتمع مليء بالمخاطر، بحسب عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك (1944–2015)، الذي أثبت عبر أمثلة متعددة أننا في نمط من المجتمع تلازمه المخاطر، متسائل عما يجب علينا فعله كمؤسسات وحكومات.
(((4 بيعت مئات الآلاف من نسخ كتابه منذ صدوره، وهو أعلى نسبة مبيعات في مجال كتب الفلسفة في القرن العشرين. حاز
جوناس سنة 1987 على جائزة السلام للكتُبيّين الألمان.
(46) Hans Jonas, Le Principe responsabilité: Une éthique pour la civilisation technologique , Jean Greisch (trad.) (Paris: Les éditions du cerf, 1990).
سادسًا: من مجتمع الحداثة إلى مجتمع المخاطر
منذ ظهوره سنة 1986، أصبح كتاب مجتمع المخاطر: على سبيل حداثة أخرى لأولريش بيك، حدثًا بارزًا في الحقل الفكري والسياسي، ليس الأوروبي فقط، بل العالمي، وذلك لما اتّسم به من غزارة التحليل وعمق المقاربة للأزمة الكونية التي حطّت أوزارها على الإنسان والطبيعة. ظهر الكتاب مباشرة بعد كارثة تشيرنوبل النووية التي التحم فيها المجتمع بالطبيعة التحامًا غريبًا، حيث تحوّلت الطاقة
النووية من رمزٍ إلى القوّة العلمية والتكنولوجية إلى قوة طبيعية تجاوز الخطر فيها الحدود الممكنة من
دون وسائل تحكُّم متاحة. في لحظة تاريخية فارقة، أصبح العالم المتحضّر والمتحصّن بترسانته الحربية والعسكرية ضعيفًا جدًّا،
فقد كان مصير جزءٍ من البشرية مرهونًا باتجاه الرّيح وسرعتها أو تساقط الأمطار. هذه التجربة تعكس
عجز النظام الصناعي العالمي أمام الطبيعة التي أصابتها العدوى من دون أدنى توقع لسيناريو مثل هذا. يبيّن أولريش بيك في هذا الكتاب كيف أنّ الإنتاج الاجتماعي للثروات مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنتاج
الاجتماعي للمخاطر. انطلاقًا من هذا المثال للمخاطر المهدّدة للوجود البشري، والذي بيّن مدى ضعف العقل العلمي
التّنويري وما أنتجه من آلة تكنولوجية معقّدة، استعمل أولريش بيك مبدأ التوقّع Anticipation الذي يجب أن يصاحب أفعالنا، بعد أن أصبح المجتمع الصناعي ضحية انتصاراته على الطبيعة والمجتمع. ينطلق أولريش بيك من الأرضية نفسها التي انطلق منها غيدنز، وهو ما يفسّر التقارب المفاهيمي بينهما
من خلال مفهوم الحداثة الانعكاسية أو الحداثة الجديدة التي تتميز بالتفكير والمسؤولية الجماعية عن الآثار السلبية للمسارات التقنية والاجتماعية، إذ يقول في هذا المجال إنه انطلق من سؤال فيبر ذاته: كيف أنّ الثروة التي أنتجها المجتمع تُقسّم بحسب الشرعية ولكن بطريقة غير عادلة؟ إن براديغم
مجتمع المخاطر Risk of Society يحاول الإجابة عن سؤال شبيه لكنه مختلف جدًّا، وهو: كيف أن المخاطر والتهديدات التي وقع إنتاجها منهجيًا ونسقيًا على طول مسار التحديث، يمكن أن تزول أو
تتنحّى أو على الأقلّ أن نحُدّ من فاعليتها حتى لا تتجاوز المستوى المسموح به بيئيًا وصحيًا ونفسيًا
واجتماعيًا؟ إذًا، لم يعد الهمّ الوحيد للمجتمع الصناعي اليوم استغلال الطبيعة بأكثر نجاعة وتحرير الإنسان من
قيوده التقليدية، إنما السعي إلى إيجاد الحلول للمشاكل المترتّبة على التطوّر التقني والاقتصادي.
أصبح مسار التحديث موضوع تفكير ونقد، وهو في حدّ ذاته جوهر الأزمة؛ فالحداثة مساءَلة عن
وعودها الكبرى أمام تفاقم الأزمات التي أنتجتها، وهي في جوهرها أزمة أخلاقية وفلسفية أساسًا.
وهكذا تسلّلت من دون عناء مفاهيمُ أولريش بيك إلى حقل الخطاب البيئي والسياسي، فأصبحت
(47) Ulrich Beck, La Société du risque: Sur la voie d’une autre modernité , L. Bernardi (trad.) (Paris: Champs Flammarion, 2001). (48) Ibid. , p. 35.
شتاء Winter 2020
المخاطر براديغم السياسات العامّة، ونشأت أيضًا معاهد لإرشاد المؤسسات الإنتاجية والمالية إلى
السبل المثلى والوصفات الأنجع في مواجهة المخاطر بأنواعها، حتى تضمن الحد الأدنى من حظوظ نجاحها وتحقيق أهدافها عمومًا.
خاتمة
حاولنا في هذه الدراسة أن نفهم كيف يتقاطع الخطاب البيئي مع موضوع نقد الحداثة بعد أن بينّا
جوهر الخطاب البيئي أوّلً، ثمّ مسار الفكر النقدي للحداثة ثانيًا، فعرضنا الفرق بين التنمية والنمو
ومسار تشكّل الخطاب البيئي، ثمّ استعرضنا أهمّ محطات مسار نقد الحداثة ومقارباته، بدءًا بماكس
فيبر وصولً إلى مجتمع المخاطر لأولريش بيك، مرورًا بمدرسة فرانكفورت والتّيار الأنكلوسكسوني
مع أنطوني غيدنز. من خلال ذلك بينّا أنّ جميع مدارس نقد الحداثة تشترك في اعتبار أنّ انتصارات
العقل التنويري والعقلانية العلمية الحسابية، لازمتها دائمًا أزماتٌ وكوارث في المجتمع والبيئة على
جميع المستويات بدرجات متفاوتة وفي مناطق عدّة من العالم. وفي الوقت نفسه، بينّا كيف أنّ هذا
التوازي بين الآثار الوخيمة في المجتمع الإنساني من ناحية، وفي البيئة الطبيعية من ناحية أخرى، يمثّل أساس الخطاب البيئي. لذلك، فإنّ العقل التنويري، وهو موضوع نقد الحداثة، هو نفسه الذي دمّر الموارد البيئية الحياتية
ووضع الإنسان في وضع هشّ جدًا. وبينّا أيضًا كيف أن المسار المؤسّس للفكر البيئي قد أفضى في
النهاية إلى تأكيد مبدأ المسؤولية في الفعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يلتقي مع مبدأ التفكير الانعكاسي في نقد الحداثة وأخلاق المسؤولية عند ماكس فيبر. فما يدعو إليه دعاة حماية البيئة اليوم ومنذ عقود هو أن تلتزم مثلًالحكومات بتخفيض نشاطاتها الصناعية المنتجة للغازات الدفيئة. وعلى مستوى السياسات العامّة للدول، تسعى الحكومات المركزية والجهوية والمحلية إلى
صياغة برامج تنموية تراعى فيها الموارد الطبيعية وضمان نوعية حياة جيّدة للمواطنين في بيئة طبيعية
سليمة. كما أصبح الأفراد والجماعات في المجتمعات المتقدّمة أكثر وعيًا بنتائج سلوكهم الاستهلاكي وآثاره
في البيئة والمجتمع. المشترك بين هذه المستويات الثلاثة، الدولية والوطنية والمجتمعية، هو عنصر التفكير في النتائج المستقبلية للفعل، أي استباقيًّا قبل القيام به، ما يفترض صياغته على نحو ملائم
للتوقعات الاجتماعية في علاقة بالبعد البيئي. هذا هو معنى الفكر الانعكاسي لدى أنطوني غيدنز أو
مبدأ التوقّع الذي نجده لدى أولريش بيك، أي أن يكون الإنسان مسؤول عن فعله، وهذا ما دعا إليه هانز جوناس عبر مبدأ المسؤولية. إذ ا، فالتقاطع بين الخطاب البيئي ونقد الحداثة واضح في مستوى نقد العقل التنويري، وحثّه على التفكير في الآتي، وهو تأكيد لما افترضناه في البداية. يبدو ممّا تقدّم أنه من الصعب الفصل بين الفكر النقدي للحداثة والخطاب البيئي، لأنّ كليهما تجاوز
المظاهر البيئية المحضة ليهتم أيضًا بالمساوئ الاجتماعية كالعدالة والصحة والتعليم، وكذلك المسائل
السياسية كالديمقراطية المحلية، فقد تبيّن من خلال تجارب مجتمعية عديدة أن الاستغلال المفرط
للطبيعة ومواردها لازمه دائمًا استغلال لإنسان وتفقير لطبقات اجتماعية ما فتئ يتّسع تدريجيًا.
فالبعدان متلازمان. ظلمُ الطبيعة من ظ لمِ الإنسان هو القاعدة المشتركة لإجمالي الحركات الفكرية
والاجتماعية طوال القرن العشرين، والتي ما زالت تُحرّك جزءًا كبيرًا من المجتمع المدني العالمي في
مواجهة الطبقات السياسية الواقعة تحت سيطرة قوى رأس المال الموغلة في منطق الربح.
References
المراجع
العربية
هوركهايمر، ماكس وثيودور ف. أدورنو. جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2006
الأجنبية
Artous, Antoine, Jean Ducange & Lilian Mathieu (Con. & coor.). «1968: Un monde en révoltes.» Contretemps–Revue de critique communiste. no. 22 (Mai 2008). Bauman, Zygmunt. Postmodernity and its Discontents. New York: New York University Press, 1997. Beck, Ulrich. La Société du risque: Sur la voie d’une autre modernité. L. Bernardi (trad.). Paris: Champs Flammarion, 2001. Cioc, Mark & Char Miller. «Interview with Roderick Nash.» Environmental History. vol. 12, no. 2 (April 2007). Clements, Frederic Edward. Research Methods in Ecology. Lincoln, NE: The University Publishing Company, 1905. Debourdeau, Ariane. «Aux origines de la pensée écologique: Ernst Haeckel, du naturalisme à la philosophie de l’oikos.» Revue française d’histoire des idées politiques. no. 44 (2016). Eckersley, Robyn. The Green State: Rethinking Democracy and Sovereignty. Cambridge, MA: The MIT Press, 2004. Flurabaey, Marc et al. A Manifesto for Social Progress: Ideas for a Better Society. Cambridge: Cambridge University Press, 2018. Georgij Francevič, Gauze. Zur Klassifizierung der Actinomyceten. Jena: VEB G. Fischer, 1958. Giddens, Anthony. The Consequences of Modernity. Stanford: Stanford University Press, 1990.
(49) Marc Flurabaey et al., A Manifesto for Social Progress: Ideas for a Better Society (Cambridge: Cambridge University Press, 2018). (50) Thomas Piketty, Le Capital au XXIe siècle (Paris: Editions Seuil, 2013).
شتاء Winter 2020
Habermas, Jürgen. Modern and Postmodern. Thomas McCarthy (trans.). Boston: Beacon Press, 1984. ________. Théorie de L’agir communicationnel. Jean–Louis Schegel (trad.). Paris: Fayard, 1987 [1981]. Heidegger, Martin. Essais et conférence. André Préau (trad.). Paris: Gallimard, 1980
Horkheimer, Max & Theodor W. Adorno. Dialektik der Aufklärung. Philosophische Fragmente. Frankfurt: S. Fischer Verlag GmbH, 1944. ________. Théorie critique. Paris: Payot, 2009. Jonas, Hans. Le Principe responsabilité: Une éthique pour la civilisation technologique. Jean Greisch (trad.). Paris: Les éditions du cerf, 1990. Kilani, Mondher. «Crise de la ‘vache folle’ et déclin de la raison sacrificielle.» Terrain. vol. 3, no. 38 (March 2002). Kuhn, Thomas. La Structure des révolutions scientifiques. Laure Meyer (trad.). Paris: Flammarion, 1983. Leopold, Aldo. Almanach d’un comté des sables: Suivi de quelques croquis. London: Oxford University Press, 1949. Lévi–Strauss, Claude. La Pensée sauvage. Paris: Plon, 1962. Lévy–Bruhl, Lucien. La Mentalité primitive. Paris: Félix Alcan, 1922. Marcuse, Herbert. L’Homme unidimensionnel: Essai sur L’idéologie de la société industrielle avancée. Monique Wittig & l’auteur (trad.). Collection Arguments. Paris: Editions de Minuit, 1968. Meadows, Donella H. et al. The Limits to Growth: A Report for the Club of Rome’s Project on the Predicament of Mankind. New York: Universe Books, 1972. Nash, Roderick. «American Environmental History: A New Teaching Frontier.» Pacific Historical Review. vol. 41, no. 3 (August 1972). Osborne, Fairfield. La Planète au pillage. Maurice Planiol (trad.). Paris: Actes Sud,
Piketty, Thomas. Le Capital au XXIe siècle. Paris: Editions Seuil, 2013. Simmel, Georg. Philosophie de l’argent. S. Cornille & P. Ivernel (trad.). Paris: Presse Universitaire de France, 2009 [1900]. Supiot, Alain. La Gouvernance par les nombres: Cours au collège de France (2012– 2014). Paris: Editions Fayard, 2015. Sutherland Elton, Charles. The Ecology of Animals. London: Methuen, 1933. Touraine, Alain. Critique de la modernité. Paris: Fayard, 1992. United Nations. Report of the World Commission on Environment and Development: Our Common Future. Oxford: Oxford University Press, 1987.
Vernadski, Vladimir Ivanovitch. Problems of Biogeochemistry, II: The Fundamental Matter–Energy Difference Between the Living and the Inert Natural Bodies of the Biosphere. New Haven, CT: Connecticut Academy of Arts and Sciences, 1944. Weber, Max. Économie et société. Paris: Plon, 1971. ________. L’Éthique protestante et l’esprit du capitalisme. Paris: Plon, 1985. ________. L’Éthique protestante et l’esprit du Capitalisme. Jean–Pierre Grossein (trad.). Paris: Gallimard, 2003. ________. Le Savant et le politique: Une nouvelle traduction: La Profession et la vocation de savant: La Profession et la vocation de politique. Catherine Colliot–Thélène (pre., trad. & not.). Paris: La Découverte, 2003. ________. Sociologie de la religion. Isabelle Kalinowski (trad. & pres.). Paris: Flammarion, 2006. Wiggershaus, Rolf. L’École de Francfort: Histoire, développement, signification. Lilyane Deroche–Gurcel (trad.). Paris: PUF, 1993. Worster, Donald. «History as Natural History: An Essay on Theory and Method.» Pacific Historical Review. vol. 53, no. 1 (February 1984).