العودة إلى تفاصيل المؤلَّف بروز الفرد في تونس: الخصوصيات والإشكالات

بروز الفرد في تونس: الخصوصيات والإشكالات

The Emergence of the Individual in Tunisia: Characteristics and Problems

روضة القدري | Raoudha Elguedri *

الملخّص

* أستاذة مساعدة ببرنامج علم الإجتماع والأنثروبولوجيا بمعهد الدوحة للدراسات العليا. متحصلة على شهادة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية والإنسانية والدينية، تحديدًا في اختصاص علم الاجتماع، من جامعة تونس.

Abstract

Is it possible to talk about “the individual” in the Maghrebi and, specifically, Tunisian context? The study demonstrates that it is possible, provided that closed definitions of the individual, which do not entertain the possibility for the individual to emerge outside a list of historical, political and economic conditions that tend towards essentialism and that draw upon one culture are avoided. The study discusses “the emergence of the individual” as a social phenomenon and a sociological wager that entails a review of the classical theoretical and methodological tools that have long presented the individual in contrast to idea of society and outside the realm of sociological interest. It also requires an examination of terms that are widely confused, such as individualisation, individualism, and individuation. Starting with qualitative field studies, the study provides examples of the specific process of individuation witnessed in Tunisian society, in connection with the process of modernization and individual-citizen building, records of identity, and conflicts over a post-2011 revolution social model.

الكلمات المفتاحية:
  • حريات فردية
  • فرد
  • فردية
  • الفردانية الاجتماعية
  • تونس
Keywords:
  • Individual
  • Individualisation
  • Individual Freedoms
  • Social Individualism

ملخص: هل في الإمكان الحديث عن «الفرد» في السياق المغاربي عمومًا، والتونسي خصوصًا؟

تبيّن الدراسة إمكانيات ذلك، شرط الوقوف على مسافة نقدية من تعريفات منغلقة على أُطرها

لا ترى إمكانيات لبروز الفرد خارج قائمة من الاشتراطات التاريخية والسياسية والاقتصادية التي تنزع إلى الماهوية، وتنهل من مركزية ثقافية معيّنة. وتناقش الدراسة «بروز الفرد» بوصفه

ظاهرةً اجتماعية ورهانًا سوسيولوجيًا يستدعي مراجعة الأدوات النظرية والمنهجية الكلاسيكية

التي طالما قدّمت الفرد مقابلً لفكرة المجتمع، وخارجًا عن دائرة الاهتمام السوسيولوجي. كما

يتطلب تدقيقًا في مصطلحات تشهد خلطًا واسعًا في ما بينها؛ على غرار الفردنة، والفردانية،

والتفرّد. وانطلاقًا من دراسات ميدانية كيفية، تقدّم الدراسة أمثلة عن سيرورة التفرّد المخصوصة

التي يشهدها المجتمع التونسي، في ارتباطٍ بسيرورة التحديث وبناء الفرد – المواطن، وسجالات الهوية، والصراعات حول نموذج مجتمعي ما بعد ثورة 14 جانفي 2011.

Abstract: Is it possible to talk about «the individual» in the Maghrebi and, specifically, Tunisian context? The study demonstrates that it is possible, provided that closed definitions of the individual, which do not entertain the possibility for the individual to emerge outside a list of historical, political and economic conditions that tend towards essentialism and that draw upon one culture are avoided. The study discusses «the emergence of the individual» as a social phenomenon and a sociological wager that entails a review of the classical theoretical and methodological tools that have long presented the individual in contrast to idea of society and outside the realm of sociological interest. It also requires an examination of terms that are widely confused, such as individualisation, individualism, and individuation. Starting with qualitative field studies, the study provides examples of the specific process of individuation witnessed in Tunisian society, in connection with the process of modernization and individual–citizen building, records of identity, and conflicts over a post– 2011 revolution social model.

Assistant professor of sociology at Sociology and Anthropology Program at Doha Institute for Graduate Studies. She has a PhD in Sociology from the University of Tunis.

مقدمة

تمثّل مطالب الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، ومن ضمنها حقوق المرأة والحريات الفردية، مدارًا أساسيًا للتحولات التي شهدها العالم العربي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. وقد

كانت هذه المطالب من ضمن ما نادت به النُخب المتنوّرة منذ بواكير الإصلاح في القرن التاسع عشر، وخاصة في أوج ما يسميه ألبرت حوراني «عصر التنوير» أو «النهضة». وفي ما عدا بعض البلدان التي أنجزت إصلاحات حققت، إلى حدّ ما، بعضًا من هذه المطالب غداة الاستقلال، مثل تونس في ما يتعلق بحقوق المرأة وبعض الحريات، ظلّت أغلب المطالب المتعلقة بالمساواة وحقوق الإنسان والحريات الفردية معلّقة، أو مصادرة باسم الدين والعادات والخصوصيات الثقافية، أو أولويات أخرى تقتضي تأجيل الاستجابة لهذه المطالب. أصبحت هذه المطالب مدار حركات اجتماعية وثقافية وسياسية متنامية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، لتساهم في إطاحة عدد من الأنظمة العربية، كما في تونس ومصر، وفي ما تشهده اليوم بلدان عربية عديدة مثل السودان والجزائر. وسواء تعلّق الأمر بالحريات أو المساواة أو حقوق المرأة أو كونية حقوق الإنسان عامة، فإنه لا يخفى ما لهذه المطالب من علاقة بمسألة الفردنة والفردانية، وبروز الفرد في الفضاءات العربية و/ أو الإسلامية. وتُعتبر تونس رائدة في هذا المجال وضمن هذه الفضاءات، حيث تجسّدت في سيرورتها «التحديثية» مطالب وتحركات وتحققات في مسائل الحقوق الفردية ضُمّنت في دستورها، وكانت آخر تعيناتها ما تبنّاه رئيس الدولة السابق محمد الباجي قائد السبسي (2019–2014) الذي كان وراء ما جاء في «تقرير لجنة الحريات والمساواة» (2018) من مشاريع تهدف إلى تحقيق المساواة في الميراث، وإلغاء القوانين التي تسمح بانتهاك عدد من الحقوق المتعلقة بالمساواة والحريات. لذلك، تركّز هذه الدراسة على أمثلة مستقاة من الحالة التونسية التي كانت محل بحث ميداني، إلّ أنّ الهاجس الأكبر هنا هو الوقوف على مفاهيم الفرد Individual، والتفرّد Individuation، والفردنة

Individualization، لإزاحة ما يشوبها من لبس، خاصة في السياق العربي والمغاربي؛ ذلك أننا نجد في البحوث السوسيولوجية، الغربية منها خاصة، كتابات عديدة يسعى مؤلفوها لتوضيح الفوارق بين المصطلحات المذكورة، استنادًا إلى قراءات وتوجهات مختلفة. ويُعزى اللبس في جانب كبير إلى

(((ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة 1939–1798، ترجمة كريم عزقول (بيروت: منشورات دار النهار للنشر،.)1986 (((على سبيل المثال، يُنظر في هذا السياق مؤلفات دانيلو مارتوتشيللي حول مجتمعات التفرّد، وجان كلود كوفمان حول

التمظهرات المعاصرة لمركزية الفرد في الغرب على مستوى الحياة العائلية والعاطفية، والبناء الهوياتي، وكتاب بيار بيرنبوم وجان ليكا، ومؤلفات فرانسوا دو سنجلي الذي كتب عن «الفردانية بما هي ضرب من الإنسانية»، وغيرهم:

Danilo Martuccelli, Grammaires de l’individu , Series: Folio Essais (Paris: Gallimard, 2002); Danilo Martuccelli, La société singulariste (Paris: Armand Colin, 2010); Danilo Martuccelli & François De Singly, L’individu et ses sociologies (Paris: Armand Colin, 2018); Jean–Claude Kaufmann, L’invention de soi: Une théorie de l’identité (Paris: Armand Colin, 2004); François de Singly, L’individualisme est un humanisme , Collection: L’Aube poche essai (Paris: De L’aube, 2015); Pierre Birnbaum & Jean Leca (dir.), Sur l’individualisme , Collection Les sciences sociales contemporaines (Paris: Références, Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1986).

المخاوف ممّا يمكن أن ينجم عن الفردانية من انكماش على الذات، وأنانية، وتهديد للتضامنات والروابط

الاجتماعية. تسعى الدراسة، أيضًا، لتقديم قراءة سوسيولوجية، تبيّن الفوارق بين المصطلحات المتعلقة بهذه المسألة،

وأيّها أكثر ملاءمةً لقراءة ظاهرة بروز الفرد في المجتمع التونسي، مع إبراز خصوصيات هذا السياق،

بالاعتماد على أمثلة تستقيها من الأعمال الميدانية التي أنجزتها الباحثة. وبناءً على ذلك، تتوضّح

جدليّة الفرد والمواطن، في السياق التونسي، وحدود سيرورة التحديث بالنسبة إلى تحقّق الفرد من

حيث هو قيمة اجتماعية. وتنبني مسألة الفرد والتفرّد، في قسم كبير منها، على نمذجة نظرية ومنهجية لا

تستنفد تعقيدات المسألة واقعيًا، من دون اختزالها في نموذج الفرد الحرّ والمسؤول والمستقل. لذلك،

وجب التمييز بين النموذج المثالي، مهما كانت أصول تكوّنه، وعلى أهميته البحثية، والتجسدات

الموضوعية والسياقية لبروز الفرد؛ وذلك لأجل الابتعاد عن مختلف المنزلقات، من أحكام معيارية ونظرة تطورية، وللخروج من أزمة الثنائيات والتناقضات العقيمة أيضًا.

أولا: شبهات حول مفهوم الفرد

غالبًا ما يواجه الباحثون في علم الاجتماع جملةً من الكليشيهات والصور النمطية التي تتقارب في

مضمونها، وإن اختلفت طرائق التعبير عنها. وتتمحور هذه الصور حول التخوّف من فكرة الفرد، حيث

إنّ المصطلح غالبًا ما يتم ربطه بحزمة من الهواجس عن انتصار الأنانية، ومركزية الأنا الفردي، ونهاية

المجتمع، وتبدّد الضوابط والحدود الأخلاقية، وتفكّك الصلات، وضعف التضامنات، والانفلات من مختلف أشكال الرقابة التي «تضمن» الانسجام والنظام الاجتماعيين. كما يحيل ارتياب بعض الباحثين في علم الاجتماع من مسألة الفرد على أزمة تخترق المبحث في منطلقاته النظرية وتطبيقاته المنهجية. وهنا نحيل على أعمال عالم الاجتماع الفرنسي برنار لاهير الذي يتناول بالدراسة علاقة بعض السوسيولوجيين الإشكاليّة بالفرد، وموجزها الاعتقاد أنّ دراسة الفرد تُبعد

علم الاجتماع عن دراسة الظواهر والتوجهات الكبرى في المجتمع، وتقرّبه من علم النفس، أو من

دراسة الحالات المنفردة، بما يتنافى ومهمة المبحث. وفي السياق نفسه، يشير دانيلو مارتوتشيللي، المتخصص في مباحث الفرد والتفرّد، إلى أنّ سوسيولوجيا

الفرد تشكّل تحديًا داخل الاختصاص، وتعبّر عن أزمة فكرية حقيقية، في حين ينبّه فرانسوا دوبيه إلى

(((تستند الدراسة إلى كتاب الجسد والفرد والبحث الهوياتي بتونس بعد ثورة 2011، اعتمادًا على أطروحة الدكتوراه في علم

الاجتماع التي أعددتها بين عامَي 2012 و 2016، وقد تتجلّى ضمنه أهمية الجسد مدخ إلى قراءة سيرورة بروز الفرد بتحققاتها

ومعوّقاتها في سياق ما بعد الثورة، في إطار جدال محوره تنازع الشرعيات من أجل بناء تصوّر مجتمعي جديد، يُنظر:

Raoudha Elguédri, Corps, individu et quête identitaire dans la Tunisie contemporaine (Casablanca: Fondation du Roi AlSaoud, 2018). (4) Bernard Lahire, L’homme pluriel: Les ressorts de l’action (Paris: Nathan, 1998).

وترجمة عنوان الكتاب الفرد المتعدّد، أو الفرد في صيغة الجمع، وأفضّل ترجمته ب الفرد أفرادًا.

(5) Martuccelli, La société singulariste ; Martuccelli & De Singly, L’individu et ses sociologies.

تناقضات مواقف الأفراد من المسألة؛ إذ يرغب الكلّ في أن يكون فردًا، بمعنى مختلف متمايز مستقل عن الآخرين، وفي الوقت نفسه يتّهم الآخر بالفردانية، ويقصد بها الأنانية. ولذلك، نعتبر أنّ حديث الباحث في علم الاجتماع عن الفرد يضعه غالبًا موضع أحد الشكوك الآتية:

فهو إمّا متهم بدفاعه الأيديولوجي (الليبرالية، والبراغماتية، والتحرر، واللاتديّن)، وتذرّر المجتمع وتفككه، أو تحيّزه لمناهج علم النفس، وإمّا متهم بأخلاقوية في اتجاه البكاء على أطلال المجتمع

الجامع، وهي من تعبيرات الأزمة الفكرية التي أشار إليها الباحثون المذكورون سابقًا. في الحقيقة، إنّ البحث في الإشكاليات الفكرية والمنهجية، حول مسألة الفرد والفردانية، ليس بالأمر الحديث تمامًا؛ فقد تم التطرّق إليها في مؤلَّف سابق تحت إشراف بيار بيرنبوم وجون ليكا، صدر في

عام 1986، ويمكن اعتبار أنّ المطارحات الحالية في تواصل مع أهم الأفكار الواردة في الكتاب، حيث يؤكد المؤلفون أنّ فكرة الفردانية، خاصة في النظريات الكلاسيكية، لها من القدرة على توليد الصور والدلالات المزدوجة، الخيّرة منها والمخيفة، فغالبًا ما وُضعت في مقابل فكرة الجماعة، والفعل

الجماعي، والفعل الديمقراطي، والمواطنة، ومرادفًا للحرية والتحرر، والقدرة على الفعل، ومركزية الفرد. ولكن التحليلات السابقة، بحسب المؤلفين، كانت تعوزها القدرة على التمييز بين الإحالات المتباينة إلى الفردانية، والقدرة على وجود نزعة لجمع مختلف المعالجات المتعلقة بالفردانية، والتي قد تكون إشارة إلى سيرورة تفسير علمي ومنهجي (ما يُسمى الفردانية المنهجية)، أو سيرورة وصفية لخصوصية مجتمعية أو مؤسساتية، أو ما يُسمّى الفردانية السوسيولوجية، والفردانية المذهبية؛ فثمة فردانيات عديدة لا تربط بينها تلازمات. وعلى سبيل المثال، لا يعني اعتماد الفردانية المنهجية أنّ منطلق الباحث هو لااجتماعية الأفراد، أو أنّ الباحث يعتنق ضرورة الفردانية مذهبًا؛ فلا داعيَ، بحسب المؤلفين، لوصل

منهج في التفكير بمنهج في التحليل العلمي، كما أنه لا بدّ من الخروج من التعارضات الكلاسيكية بين الفردانية والكلية. إلّ أنّ كتاب بيرنبوم وليكا يحمل في طياته عناصر مؤاخذة وتضارب؛ حيث إنّ الفردانية تُقدَّم، في جانب منها، على أنّها خاصية المجتمعات الديمقراطية، أو ما يسمونها مجتمعات المواطنين، وهذا ضرب من الماهوية. وفي جانب آخر، يوجد إقرار بوجود صيغ مختلفة للفردانية ينبغي دراستها داخل أطرها. فإذا كانت الفردانية المذهبية، كما يعرّفونها، بوضع مجتمعي يتباعد فيه الأفراد عن التقليدي وبقدرتهم على

الاختيار، فإلى أي حدّ تكون هذه الصفة حصرًا على مجتمعات دون غيرها؟ وهل أنه لا بدّ للأفراد

من انتظار ديمقراطية سياسية للتفرّد على مستوى اختياراتهم ومواقفهم؟ لذلك، فإنّ من الإضافات

المهمة إلى المؤلَّفات المعاصرة حول الفرد والفردنة والفردانية، المذكورة سابقًا، تواصل التفكير

(6) François Dubet, «Les enjeux de l’individualisme,» Conférence, Université de Bordeaux, 12/3/2008, accessed on 12/2/2019, at: https://bit.ly/2RZj3LN (7) Birnbaum & Leca.

التعددي بخصوص المسألة، وخاصة الاهتمام بسيرورة التفرّد في بعدها الكوني المعولم والمتجاوز

للخصوصيات، ما يدعو إلى مساءَلة فكرة السياق بدورها. من خلال العودة إلى هذا الصدّ الذي يواجهه المبحث السوسيولوجي حول بروز الفرد، نتفق مع ما كتبه بيرنبوم وليكا، وغيرهما، حول الخلط بين هذا المبحث (باعتباره قراءة تحليلية للواقع الاجتماعي، حيث تشهد علاقات الفرد بالمؤسسات الاجتماعية تغيّرات نوعية تتباين من سياق إلى آخر) ومصطلحات

وتوجّهات نظرية أو منهجية أخرى، وهي: 1. الخلط مع الفردانية Individualisme بما هي تعبير وصفي عن حالة مجتمعية؛ بمعنى أنها عبارة تخصيصية أقرب إلى وصف حالة، أو وضع وصل إليه مجتمع ما، من أن تكون أداة تحليلية لسيرورة مجتمعية. وفي هذه الحالة المجتمعية يتكرّس الفرد قيمةً أولى، تُقدّم له الضمانات الكاملة لحريته

واستقلاليته عن الجماعة أو المجموعة، ويكون أمرهُ موكولً إليه. ويتميّز الفرد في وضع المجتمعات

الفردانية بالانفتاح على جميع الإفراطات (على غرار الحاضرية Presenteeism، والاستهلاكية، والسعي وراء الأحاسيس القصوى) من جهة. ويتصف بالاعتكاف على الذات والحياة الحميمية، والانسحاب من مختلف أشكال الالتزام الجماعي الذي يقيّده على مدى طويل، من جهة أخرى. لهذا المنظور، في تقديرنا، نقائص عديدة، أهمها وجود أبعاد وصفية وأخلاقية أكثر منها تحليلية، كما أنها قراءة خطية وموسومة بتطورية، وكأنّ المجتمعات تمرّ وفقها حتمًا من وضع الجماعة إلى الفرد أو

الذاتيات الفردية، وهذه رؤية غير كافية لتبيّن الآتي: • التعقّد والمفارقات سماتٌ تميّز المسارات الهوياتية الحالية. • معاني الطائفيات والانتماءات الجديدة والمتجددة دومًا، التي ينخرط فيها الأفراد، فلا وجود لمسارات مجتمعية خطية أو لا رجعة فيها، من الحالة الجماعاتية إلى الفردانية أو من تقليدي إلى حديث مثلً. وتبعًا لقراءات تخصّ المجتمعات المغاربية أو الغربية، لا توافق فكرة الفردانية حالة، أو مرحلة، بلغها

مجتمع ما، كما لا توافقها وصفًا لتحقق الفرد وتكرّسه قيمةً أولية متحققة تمامًا ولا رجعة فيها. وإنْ كان

الأمر كذلك، فكيف يمكننا أن نفسّر التضامنات المتواصلة والمتجددة، ومواصلة تثمين أشكال رقابة أو تعاون تقليدية؟ كيف نتناول مختلف أشكال الهشاشة الهوياتية إذا كان هذا الفرد متحققًا ويستقي مصادر المعنى من ذاته وبحسب اختياره؟ 2. الخلط بين المبحث والفردانية المنهجية؛ بما هي خيار منهجي يعتمده عدد من السوسيولوجين، منطلقين من الأفعال الفردية وحدةً للتحليل، وحيث تُدرس الظواهر الاجتماعية بصفتها نتاجًا، أو

(((في هذ السياق، يُنظر مثلً:

Nicole Aubert (dir.), L’individu hypermoderne (Toulouse: Éditions Érès, 2004).

(((يُنظر مثلً:

Singly, L’individualisme est un humanisme ; Gilles Lipovetsky, L’ère du vide: Essai sur l’individualisme contemporain (Paris: Folio, 1989).

تجميعًا، للخيارات الفردية، منتجة آثارًا غير مرغوب فيها أو غير متوقّعة أو عكسية. فالفردانية المنهجية خيار منهجي ونظري له نقاط قوة، ولكنه لا يُطبّق على كل الظواهر الاجتماعية، فقد يكون ناجعًا لتفسير

عدد من الأفعال الاستهلاكية، أو السلوك الانتخابي، أو إضاءة بعض جوانب من الحياة اليومية، ولكنه غير كافٍ لدراسة المسارات الفردية المحفوفة بالاختبارات والمفارقات ذات الدلالات المجتمعية. وهذه الفكرة أيضًا توجد في مؤلف بيرنبوم وليكا حول الفردانية، حيث يؤكدان أنّ الفردانية المنهجية غير قادرة على الإجابة عن جميع الأسئلة السوسيولوجية، وخاصة من جهة أنها عاجزة عن تفسير الفردانية السوسيولوجية، فالفردانية وضعٌ وليست تجميعًا لأفراد متفرّدين. لذلك، وسعيًا لتجاوز الخلط، لا نتناول مسألة بروز الفرد وسيرورة التفرّد على المستوى النظري

كمرادفات لتذرّر المجتمع وتفككه إلى ذرّات أفراد، ولا كنهاية للاجتماعي، ولا كنهاية للحدود والإكراهات والإلزامات التي يضعها النسق وتفرضها المؤسسات الاجتماعية. كما لا ندرس الفرد وكأنّه في وضعية تحرر مطلقة، أو تطورية، أو نهائية، لأنّ ذلك بعيد عن الواقع. إنّ بروز الفرد هو في الوقت نفسه ظاهرة أو حقيقة اجتماعية، حيث إنّ علاقة الأفراد بالمؤسسات الاجتماعية والمعايير والضوابط في تغيّر مؤكد، وتحدّ سوسيولوجي يفرض على الباحث مراجعة أطره

النظرية والمنهجية؛ وذلك بأخذ مسألة المعنى والمعيش وانفتاح المسارات على الاحتمالات اللابنيوية في الاعتبار. لم يعد في الإمكان دراسة الديناميكيات الحالية للهويات وللتغيّر الاجتماعي بالتشبث

فقط بآلية العلاقات السببية بين الظواهر ومواقع الأفراد ومناصبهم داخل البنية أو الطبقة، أو استنادًا إلى الانتماء إلى جنس أو فئة اجتماعية أو اقتصادية. أمّا على مستوى المنهج، فنعتمد في دراسة بروز الفرد تمشيًا خاصًّا. وإنّ الحديث عن الفرد مركزية

بحثية حالية لا يعني القيام بمقابلات مع أفراد، وتحليل كل مقابلة على حدة، وكأننا إزاء قصص حياة أو ذوات نفسية مستقلة، ولا يعني أيضًا تحليل ظواهر اجتماعية عبر إجراء مقابلات، ثم السعي لتفسير الظاهرة بتجميع الحالات الفردية؛ ذلك أن الأمر يتعلق بعملية بحث عن الاجتماعي من صميم القصص الفردية المتباينة والمتقاطعة في الوقت ذاته (أقصد بالاجتماعي هنا مصادر المعنى، والمعوقات، والضغوط، والعلاقات بالمعايير، والآخر، وأدوات بناء الذات، وديناميكيات الصراع من أجل الاعتراف الاجتماعي). لذلك، يتفق هذا البحث مع رؤية مارتوتشيللي، حين يعتبر أنّ علم اجتماع الفرد يقودنا إلى قراءة التغيّرات

المجتمعية في أفق الفرد ومِحَنِه وتجاربه، مؤكّدًا أنّ الفرد ليس واقعًا جديدًا، وإنّما مركزية بحثية جديدة،

بعد عقود من هيمنة مفاهيم العون، أو الشخص الاجتماعي على المنظور السوسيولوجي، الذي كان يولي مفاهيم الأدوار والمواقع والانتماءات أهميةً تفسيرية.

(1((نتفق مع عالم الاجتماع فيديريكو تاراغوني في كتاب سوسيولوجيات الفرد الذي ينتقد فيه فكرة التعامل مع دراسة الأفراد على أنهم ذرات، أو أنّ التفرّد مرادف للأنانية، يُنظر:

Federico Tarragoni, Sociologies de l’individu , Collection: Repères (Paris: La découverte, 2018).

((1(فكرة ليكا نفسها عن عدم ترابط المبحث والمنهج.

ثانيًا: عن الفرد والتفرّد والفردنة

انطلاقًا من الأعمال الميدانية التي شاركنا في إنجازها، ومن البحوث الأكاديمية التي قمنا بها حول مواضيع الشباب والقيم والعزوبة والجسد، لمسنا عنصرًا مشتركًا قادنا إلى أطروحة بروز الفرد، يتمثّل

ذلك في رغبة المستجوبين في الابتعاد مسافة عن المشترك أو التقليدي أو الأساليب القديمة (في ما يتعلّق بالفعل والتفكير، والعلاقة بالآخر وبالمعايير). ويرافق هذه الرغبة في التباعد تفرّدٌ في الممارسات أو سعي لذلك، وبعدٌ نقدي مهم يشمل الأطر

المرجعية والأعراف؛ وهي نزعات تخترق مختلف الأوساط والفئات الاجتماعية والاقتصادية، فثمة مساءَلة كبرى للبدهيات الاجتماعية، بخصوص ما يجب أن يكون، وما يجب أن يُفعل، وكيف يكون

ذلك، ونقدٌ يشمل الحدود والضوابط. حتى إنّ تبنّي أنماط عيش وسلوك تُعزَى إلى النمط «التقليدي» أمرٌ يتضمّن جانبًا كبيرًا من الفرادة واللانمطية، حيث نرى تجدّدًا في النظرة إلى المعايير، وتغيّرات في

المسافة تجاهها، وإعادة تأويل لبعض مضامينها، وشخصنة لسجلات المعنى، دينية كانت أم جماعاتية أم من مجال العادات والأعراف. ومن بين الخاصيّات التي لمسناها، في ما يتعلق بحركة تصاعد النقد والمساءلة والتفرّد، ضعف تلازمها،

وعدم ارتباطها بالمعطيات السوسيوديموغرافية للأفراد. وثمة مؤشرات تطوّر عام للمجتمع التونسي في

اتجاه نقد المؤسسات والأنماط التقليدية، ولكنّ هذا لا ينبغي أن يُفهَم على أنّه في اتجاه نزعة تحررية أو ليبرالية تدير الظهر كليًّا للروابط الاجتماعية. فما يميّز هذا التغيّر وجود تردد وتوتّر بين موقفين يتمثّل أولهما في الرغبة الفعلية المعبَّر عنها دائمًا

خلال المقابلات، على نحو مباشر أو غير مباشر، في الاستقلالية، وتملّك الحياة الخاصة، والتصرّف

فيها بحسب رؤية ذاتية. أما ثانيهما فيتمثّل في عدم القدرة على القطع مع الموروثات والأعراف التي ينتقدونها أو صعوبة هذا الأمر. ولذلك، تمتاز حركة التباعد والتفرّد باستراتيجيات متعدّدة من الترميق،

والتلفيق، وعدم المواجهة، وتجنّب الصراع والقطيعة. وتتمثّل الخاصية الثانية في أنّ هذا التغيّر في الدلالات والتمثلّات المعبَّر عنها خلال المقابلات لا

يرافقه حتمًا تغيّر فعلي ونوعي في الممارسات. ومن ذلك، لاحظنا في دراسة مع الشباب من

الجنسين، حول الحياة الخاصة/ الحميمية، إقرارًا منهم بأهمية وجود حياة حميمية قبل الزواج، وتغيّرًا

للمنظور التقليدي للعلاقات، ولكنّ أغلبهم لا يتجرأ، أمام الأهل أو الأقارب أو المحيط القريب، على إظهار وجود علاقات مع الشريك خارج إطار الزواج؛ خوفًا من النقد والرفض.

((1(شاركت الباحثة بين عامَي 2006 و 2016 في دراسات عديدة متنوعة، كمية وكيفية، قامت بها مراكز بحوث أو جمعيات

أو منظمات تونسية أو دولية، حول الحياة الجنسية للشباب، والصحة الإنجابية، والأنماط الاستهلاكية، والتمكين الاقتصادي للنساء في وسط ريفي، وعاملات الجنس السريات.

(13) Raoudha Elguedri, «La construction identitaire des jeunes Tunisiens à l’épreuve de la virginité,» in: Sihem Najar (dir.), Penser la société tunisienne aujourd’hui, la jeune recherche en sciences humaines et sociales (Tunis: IRMC, Cérès Éditions , 2013).

ونستقي في هذا البحث أمثلة أخرى من الدراسة حول عزوبة الإطارات، حيث ينزع المبحوثون إلى تقديم مسألة تأخّرهم في الارتباط بخيار واعٍ وحر، يقتنعون به، ويمدحون بعضًا من أوجهه الإيجابية، في إطار نقد لاذع للأساليب التقليدية للارتباط في تونس، والممارسات المتصلة به، ولكنهم في الوقت نفسه يظهرون انزعاجًا وتذمّرًا لعدم انخراطهم في هذه المؤسسة التي ما زالت تشكّل معيار «العادية»

الاجتماعية. وثمة، من جانب آخر، تغيّر ملحوظ في دلالات الزواج في تونس بالنسبة إلى الرجال والنساء على حدٍّ

سواء، وبرزت أهمية مشاعر الحب والانسجام الفكري بوصفهما شرطَين للارتباط قبل الانتماء إلى الفئة الاجتماعية نفسها مثلً، أو قبل توافر أخلاقيات محافظة اجتماعيًا. كما لاحظنا تغيّرًا في الانتظارات

من الزواج؛ فهي لم تعد اجتماعية عائلية فقط، وإنما صارت متمركزة حول الفرد وراحته وانبساطه داخل العلاقة، وقدرته على أن يكون منسجمًا مع ذاته. ولكن إزاء خيار القرين أو الإعداد للزواج، ثمة

صعوبات عديدة يواجهها الشباب من الجنسين للقطع المعلن مع عادات يؤمن عدد منهم بانحلال معناها، وضعف تلاؤمها مع التعقّد الحالي والمتزايد للحياة (على غرار شرط العذرية الجنسية، وشرط موافقة الوالدين على الاختيار، وتكاليف العرس). البناء الهوياتي، كما لمسناه من خلال الأعمال الميدانية، هو ترجمة لأزمة صعوبة القطيعة. ولا يقصد البحث بذلك دعوة إلى هدم مؤسسة اجتماعية (مثل الزواج)، أو ربط مسار الفردنة بانحسار هذه المؤسسة، وإنّما الإشارة إلى أنّ ارتباكات الفرد، وتغيّر نظرته إلى هذه المؤسسة، لم ينتجا صياغات

جديدة للعلاقات العاطفية والجنسية خارج إطارٍ صار إشكاليًا بالنسبة إلى الكثيرين في صيغته الحالية. ولذلك، يجمع الفرد في تونس، ضمن منطق فعله واختياراته، وضمن سجلات المعنى، بين المطالبة بحرية الاختيار وإرجاع أسباب وضعه إلى عوامل خارجية. كما أنه يطلب الاعتراف الاجتماعي بذاته، فردًا مختلفًا عن غيره، متفرّدًا في اختياراته، ولا يقبل أن يُختزل بمحدّدات خارجية. وفي الوقت نفسه،

يلجأ إلى عبارات من قبيل: «أحنا هكة»، أو «الله غالب»، أو «إش نعملو؟» (هكذا نحن، لا سبيل آخر لنا)، لتبرير بعض الاختيارات التي لا تتناسب مع ما يطالب به من حرية ومسؤولية. وهي عبارات تدل على الانصياع لمعايير يتعامل معها على أنها جواهر وماهيات ما فوق إرادة الفرد.

((1(المقصود بها عزوبة الرجال من الكوادر والإطارات، أي المتحصلين على شهادات علمية، والذين يشغلون مناصب تلقّب بالكوادر أو الإطارات العليا، يُنظر:

Raoudha Elguedri, Le célibat des hommes cadres en Tunisie (Tunis: Nirvana, 2017).

((1(في هذا السياق، نحيل على كتابات سوسيولوجية تونسية عديدة أشارت إلى حركة التفرّد المخصوصة التي تخترق المجتمع

التونسي، خاصة في صفوف الشباب، من خلال دراسة مواضيع الهجرة، والعلاقات بين الأجيال، والجنسانية، ومن أهمها أعمال درة محفوظ الدراوي وعماد المليتي. ويشير المليتي في أعماله إلى أنّ حركة التفرّد لا تُعرّف في تونس على أنها قطيعة مع المؤسسة

العائلية بالنسبة إلى الشباب، بل إنها – عكس ذلك – تُظهر الأعمال الميدانية المختلفة التي أشرف عليها ضِمن ما يسميه «علاقة دين، واعتراف، وإحساس بالذنب أو بالتقصير، يحسّ بها الشباب غالبًا تجاه أوليائهم، ممّا يجعلهم في تخبط دائم بين الاختلاف عنهم

وواجب ردّ الجميل لهم والاعتراف بتضحياتهم». ولذلك، ليس التفرّد الشبابي في تونس قطيعة بين – جيلية، أو تامة، مع التقاليد،

حيث إنّ قسمًا كبيرًا من هؤلاء الشباب المتفرّد حمّال للمنظومة القيمية لأسرته ومحيطه، ومدافع عنها، يُنظر:

Imed Melliti et al.,  Jeunes, dynamiques identitaires et frontières culturelles (Tunis: UNICEF, 2008).

ثالثًا: كيف يمكن وصف حركة بروز الفرد في تونس؛ تفرّد أم فردنة؟

غالبًا ما توجد صعوبة في التمييز بين التفرّد والفردنة من حيث أنهما مصطلحان يُعتمدان في دراسة

بروز الفرد بوصفه قيمةً اجتماعية وقانونية. ويحلّل عدد من الباحثين في علم الاجتماع، على غرار بنجامان فرنانديز، وكريستيان لوبارت، التفرّد Individuation والفردنة Individualization على

أنهما مرحلتان في سلّم التطوّر نحو المركزية المجتمعية للفرد. ووفق هذا السلّم، يكون التفرّد (بما هو

مسار تصاعدي يزداد فيه تباعد الفرد عن الموروثات وعن الجماعي، من دون القطع معها) المرحلة التي تسبق الفردنة (بما هي استقلالية وتحقق تامّان للفرد). في حين ينزع باحثون سوسيولوجيون آخرون، مثل مارتوتشيللي، إلى اعتبار التفرّد سيرورة أشمل من الفردنة، باعتبارها حالة مجتمعية.

ويدلّ مصطلح التفرّد على الحركة والتغيّر الذي يتجلى عبر فرادة Singularity المسارات، وشخصنة

العلاقات بالمؤسسات الاجتماعية، في حين أنّ الفردنة مصطلح وصفي لحالة مجتمعات يكون فيها للفرد مرتكزات وموارد اقتصادية وقانونية للاستقلالية التامة إزاء أشكال التضامنات التقليدية. ويعتبر مارتوتشيللي أنّ الفردانية هي الفردنة المتمأسسة. ترى هذه الدراسة، إثر تعمقها في خصوصية المفاهيم، وخاصة في دلالاتها الاستعمالية، أنّ مصطلح التفرّد هو الأنسب للتعبير عن الحالة التونسية، بحيث لا يتّسم بتطوّرية وصفية، وإنما نستدل به على

ظاهرة أو خاصية مجتمعية تتمثّل في المطلبية المتزايدة للاستقلالية الفردية. ويبدو أنّ سيرورة التفرّد

خاصية تميّز أغلب المجتمعات المعاصرة لنا، بفعل العولمة، وتقلّص الحدود الفعلية الجغرافية أمام

دفق المعلومات وأساليب العيش والفن والاستهلاك من جميع أنحاء العالم، وإن كانت المجتمعات لا تعرف درجة التقدّم نفسها نحو هذا المسار بفعل عوامل شتّى، منها السياسية والأيديولوجية والاقتصادية. ويراعي مصطلح مسارات التفرّد أيضًا خصوصية السياقات، ويقطع مع نظرة تطوّرية خطية، ومع

مقارنات تصنَّفُ فيها المجتمعات بحسب موقعها من سلّم التطوّر من مجتمع تقليدي أو جماعاتي

أو قبلي أو طائفي (حيث المجموعة تغلب الفرد، وتفرض عليه نمط الوجود والفعل) إلى مجتمعات الفرديات الحرة المستقلة، وكأنّ الفردية لا تتحقق إلّ بالخضوع لنموذج معيّن، وهذا أمر غير واقعي.

كما نفضّل اعتماد مصطلح مسارات التفرّد على مصطلح الفردنة من حيث هي حالة مجتمعية، أو

كما تعرّفها الأدبيات السوسيولوجية، لعدم يقينٍ بأنّ مركزية الفرد المطلقة هي أمر متحقق في عدد من

المجتمعات، حيث يبقى هذا النعت قابلً للنقد إزاء معطيات الواقع. ما هو مشترك من وجهة نظر البحث، وانطلاقًا من قراءات مختلفة أيضًا، أنّ الأفراد اليوم، في مختلف الفضاءات، يبحثون عن الاختلاف والتفرّد عن الآخرين؛ عن والديهم وأقاربهم وزملائهم، وذلك في ما

يخصّ أنماط حياتهم، وتفكيرهم، وخياراتهم المصيرية أو اليومية. فمختلف المؤسسات الاجتماعية

(16) Benjamin Fernandez, «Le temps de l’individuation sociale,»  Revue du MAUSS , no. 38 (2011), pp. 339–348. (17) Christian Le Bart, L’individualisation (Paris: Presses de Sciences Po, 2008).

(كالزواج والدين)، والروابط الاجتماعية (كعلاقات التضامن)، والعلاقات العاطفية، والجيرة، صارت محلّ تغييرات بفعل نقد الأفراد لها، ونزوعهم إلى إعادة تركيب معاني هذه المؤسسات والعلاقات. من جهة أخرى، يصبح البحث عن الاعتراف بالذات، وخصوصيتها، ومطالبها، واختلافها عن الآخرين، مطلبًا يوميًا ووجوديًا مهمًا، يتجلّى من خلال مسائل الجسد، أو العمل، أو اللباس، أو أسلوب تقمص

الأدوار الاجتماعية، أو الهوية النوعية، وهذا صميم سيرورة التفرد. بالطبع، تبقى التجسدات الفعلية لهذه الحركة وتعبيراتها متّصلة اتصالً وثيقًا بسياقات الحياة التي تُترجَم إلى موارد، ومعوقات قانونية واجتماعية واقتصادية. إننا لا نكون أفرادًا بالطريقة نفسها في البلدان الفقيرة على النحو الذي نكون عليه في البلدان الغنية، كما أننا لا نكون في الدول الديمقراطية أو في الدول اللاديمقراطية بالطريقة نفسها، ولا نكون في البلدان التي يتكرّس فيها احترام معايير الحريات

الفردية أو في البلدان التي ينعدم فيها هذا الاحترام بالطريقة نفسها أيضًا. هكذا يتغيّر الأمر من التساؤل: «هل لدينا فرد في المجتمعات المغاربية؟ هل نشهد نزعة تفرّد؟» إلى

تساؤل كيفيٍّ؛ فكيف يتحقق الفرد؟ وكيف ندرس مسارات التفرّد بما هي سيرورات فردية واجتماعية في

الوقت نفسه غير منعزلة عن السياقات والإكراهات؟ وكيف نكون أفرادًا في مجتمعات العولمة وتوحيد أنماط الاستهلاك والعيش؟

رابعًا: في السياقات العامة للحديث عن الفرد والتفرّد في تونس

حين نتحدث عن بروز للفرد في تونس، فإنه لا ينبغي لنا أن نتجاهل تبعات فعل التحديث الفوقي الذي حدث فيها؛ إذ شهد المجتمع التونسي سيرورة تحديث منذ الاستقلال، بل حتى قبل ذلك مع إصلاحات القرن التاسع عشر، وكان ذلك في إطار تشكّل ما يُسمى دولة القانون والمؤسسات القائمة على علوية سلطة الدولة إزاء سلطة الجماعة/ القبيلة، وعلى التطوّر في اتجاه تحقيق المساواة بين الأفراد بصفتهم مواطنين، من دون اعتبار عامل الجنس، أو الجهة، أو الفئة الاجتماعية، أو غير ذلك

((1(بشأن جدلية التمايز والانتماء التي تغذّي سيرورات التفرّد الحالية، يمكن الإشارة إلى نتائج بحث ميداني أشرف عليه الباحثان

محمد علي بن زينة وألفة لملوم، أُجري حول الشباب في دوار هيشر وحي التضامن (وهما حيّان إشكاليان في تونس العاصمة،

يُعرفان بارتفاع معدلات الفقر والجريمة). وقد سلّط البحث الضوء على ع قااات الشباب المهمّشين بالمؤسسات الاجتماعية

والسياسية (كالمدرسة والدين والدولة)، وتوصّل الباحثان إلى وجود ديناميكية شائكة تجمع بين طلب الانتماء (إلى مجموعة ما)،

والرغبة في التمايز عنها، لدى الشباب الذين ينزعون نحو ما يُصطلح عليه ب «التطرّف الديني». كما يؤكد بحثهما على عدم التضارب

بين مطلبَي التمايز والانتماء، خاصة في فترة ما بعد الثورة، حيث تتصاعد التقسيمات الاجتماعية والسياسية التي تهمّش البعض

وتعزلهم عن الآخرين، والتي تؤدي إلى حركات انتماء جديدة لرد الاعتبار، وتحدّي التصنيفات الاقصائية منها خصوصًا، يُنظر:

Olfa Lamloum & Mohamed Ali Ben Zina (dir.), Les jeunes de douar hicher et d’ettadhamen (Tunis: Publication d’International Alert et Arabesques, 2015).

((1(يُنظر في هذا السياق:

Abdelhamid Hénia, Le frère, le sujet, le citoyen, dynamique du statut politique de l’individu en Tunisie (Tunis: Éditions L’or du temps, 2015).

من عوامل التمييز في كل المجالات. وقد استند هذا التحديث إلى المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وكان مُدوْلنًا مفروضًا على نحو خاص. من جهة أخرى، واجه هذا المسار التحديثي الفوقي

أشكالً من المقاومة الثقافية والاجتماعية، وإعادة تركيب لسلّم القيم والمعايير، في خضمّ تغيّر الأوضاع

والرهانات السياسية، إلّ أنّها لم تُحدِث حتمًا ثورة ثقافية تقطع مع التقليدي، أو لِنَقُلْ مع الأنساق ما قبل التحديثية، وبقي التلكؤ والتردّد والثنائية «تقليدي/ حديث» ميزة لسيرورة التغيّر الاجتماعي في

تونس. وقد أدّت هذه السمات إلى بروز تدريجي لمسارات تفرّد، مخصوصة في علاقة بتراجع سلطة

المرجعيات التقليدية. كما يتصل بروز الفرد بتنامي مجال الحريات الفردية، حيث يوجد تلازم بين تصاعد قيمة الفرد على المستويات القانونية (التشريعات التي تضمن حق الاختلاف)، وانتعاش الحريات الفردية في معيشها الواقعي (الجنسية منها والفنية والتعبيرية). ولا يمكن أن يؤكّد الفرد ذاتيته وفرديته من دون التبنّي المجتمعي الفعلي لهذه القوانين. لذلك، فإنّ تطوير التشريعات أو الممارسة الفعلية للحريات ليس وضعًا متحققًا ثابتًا أو خاليًا من التنازعات، فكلاهما يتطلب جهودًا وتعبئة مطلبيات، فردية كانت أم

جماعية، تدخل في صدام وتفاوض مع القوى الموجودة. ولكن هل يكفي تطوّر مجال الحريات الفردية للحديث عن سيرورة تفرّد؟ وهل تتحقق هذه السيرورة

من دون نشأة فرد يعي خصوصيات النسق الثقافي والاجتماعي الذي يعيش فيه ويحدّد، بأقصى ما يمكن من درجات الوعي والحرية، المسافة التي يأخذها تجاه المعايير، وما يستتبعها من مسؤوليات على مستوى اختياراته؟ وإلى أي حدّ يمكن الكلام عن فردنة، في ظل تواصل التذرّع بما يُسلَّط على الفرد من ضغط خارجي، قيمي أو عائلي، أو بأسباب ميتافيزيقية عجائبية تقدّم سلوكه نتاجًا لما يخرج

عن إرادته، أو لحتميات مختلفة لا يسعه الوعي بها أو الخلاص منها؟ هنا، ينبغي التمييز بين المواطن والفرد، حيث يمكن لمسار تحديثي مجتمعي قانوني، مثلما حدث في تونس منذ الاستقلال، أن يُنتج المواطن، بمعنى المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات، ونهاية الفرد بما هو عضو من قبيلة أو عائلة أو جماعة، ويمكنه أن يبني الهوية المدنية. ربما تعطيه ذلك الركائزُ المنطقية والقانونية، ولكن ليس من الأمور الحتمية أن تنتج المواطنية الفرد النقدي والمسؤول. كذلك، إذا اعتبرنا أنّ الهوية متعددة الأبعاد (منها المهنية والجنسية والوطنية)، فإنه يمكن أن نتصوّر أن يُقبَل

التفرّد في جانب دون آخر. ولا ينبغي لنا أن نفصل بين حركة التوق إلى التفرّد في تونس والمجتمعات

المغاربية وبين السياق العالمي المعولم بما هو مسار تاريخي ساهمت فيه الثقافة الاستهلاكية وتكنولوجيات التواصل والإعلام. فقد تمكّنت عملية التحديث في تونس من إفراز الفرد بوصفه قيمةً قانونية وتشريعية (في هذا الشأن، يكفي النظر إلى دستور ما بعد الثورة التونسية، في عام 2014، لتبيّن التركيز على مفهوم الفرد المواطن

من حيث فكرة المسؤولية إزاء الدولة، وحجم التشريعات الضامنة للحريات الفردية (حرية التعبير والمعتقد والضمير، وإضافة قوانين استثنائية: زواج التونسية بغير المسلم، والمساواة في الميراث).

ولكنّ القيمة الاجتماعية للفرد لا تزال إشكالية؛ أولً، بسبب المقاومة المجتمعية التي يواجهها فعل التحديث الفوقي. فمثلً، نتذكر حالات مقاومة تطبيق القانون لدى بعض أعوان الحالة المدنية في ما يخصّ زواج التونسية بغير المسلم، ومقاومة قانون المساواة في الإرث بين الأبناء من الذكور والإناث، وشيطنة تقرير المساواة والحريات الفردية. ثانيًا، لأنّ هذا التحديث بدوره هجين ذو عناصر غير متّسقة،

حيث يتأتّى فعل المقاومة نفسُه من ازدواجية الإصلاحات، وارتكازها على معطيات هووية جوهرانية. فعلى سبيل المثال، يعتبر الإقرار الدستوري أنّ تونس دولة دينها الإسلام، ولغتها العربية، طامسًا التنوّع

الذي يخترق المجتمع التونسي، والذي سمحت الثورة برؤيته. ومن مظاهر التنوع وجود الفئات الملحدة واللامتدينة والمعتنقة لديانات غير الإسلام، والمجموعات والأفراد المتماهين مع هويات أمازيغية وغيرها. فأغلب التشريعات تحيل على بناء دولة لائكية مدنية، إلّ أنها لا توجد فعلً بسبب حرص الفاعل السياسي على التعامل مع المعطى الديني بصفته مكوّنًا أساسيًا لهوية المجتمع، وأنّ

الدولة راعية له، مع تواصل القوانين اللامنسجمة مع الحريات الشخصية؛ بدعوى الحياء، والمساس بالأخلاق العامة، وخصوصية الهوية التونسية. لذلك، فإنّ كلمة «الاعتدال»، وعبارة «الأخذ من كل شيء بطرف»، بمنزلة «المعضلة»، أو «اللعنة» بالنسبة إلى المجتمع التونسي، وربما غيره أيضًا من المجتمعات المغاربية التي تشهد حركة متقاربة، وتشهد خطابًا مزدوجًا عطّل القطيعة والمرور من نظام معنى إلى آخر. ويستبطن التونسي هذه

الازدواجية التي تجعله دومًا ميالً إلى التلفيق والتفاوض الوضعياتي بين رغباته ومنظوره ومشاريعه من جهة، ومراعاة الخصوصيات الأخلاقية والمعيارية التي ينتقدها من جهة أخرى. كما أصبح الوضع أشدّ تعقيدًا، ولكن أيضًا حراكًا بعد الثورة، بفعل تصاعد الحركات المحافظة التي تعتمد على حجة الحرية بدورها لمنع التعدد والاختلاف. وبناءً على ذلك، تشهد تونس مسارات تفرّد متصاعدة وعميقة ومتباينة، كما أنّ الاختلاف صار مطلبًا

يسعى الأفراد لعيشه، ولكنّ دعائم التفرّد غير مكتملة. فالعنصر القانوني لا يكفي، في ظل غياب العنصر

الاقتصادي، حيث الهشاشة والبطالة وانغلاق سوق العمل، وانسحاب الدولة من توفير حدّ أدنى من الموارد المادية الضرورية لتحقيق الاستقلالية الشخصية، وضعف العنصر الاجتماعي التربوي، حيث لا تزال فكرة الشباب مهمّشة، والاختلاف منبوذًا، مقابل البحث عن إعادة إنتاج فكرة الوحدات

((2(نجد، في باب الحقوق والحريات، إشارة إلى الآداب العامة بصفتها أحد الضوابط المركزية، ينظر: الفصل 49، دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014؛ كما ينصّ الفصل 39 من الباب نفسه على ضرورة تأصيل الشباب، عبر التعليم، في هوية عربية

إسلامية، على الرغم من أنّ الفصل الثاني من الدستور يؤكد الطابع المدني للدولة، ينظر: المرجع نفسه. ((2(حول مسألة الشباب في تونس، يُنظر:

Sénim Ben Abdallah, «Pratiques des jeunes et mobilisation des réseaux sociaux: Processus d’entrée à l’âge adulte en Tunisie,» PhD. Dissertation, Faculté des Sciences humaines et sociales, Université de Tunis I, Tunis, 2003;

نذكر كذلك أعمال رضا بن عمر حول علاقة الشباب ب «الحارة» داخل النسيج الحضري، ينظر:

Ridha Ben Amor, «Le rapport au quartier entre attachement et ouverture sur l’espace urbain,» in: Lamloum & Ben Zina (dir.), pp. 21–43.

الكبرى الضامنة للانصهار والتضامن (كالأسرة والجيرة ومؤسسات الرقابة على اختلافها). وتحافظ العائلة، على غرار بعض الوحدات الأخرى، مثل الجيرة أو المنطقة التي ينتمي إليها الفرد، على دور الرقابة والضبط؛ ما يجعل صعبًا على الفرد أن يكون المتصرّف الأول في خياراته. من جهة أخرى، تبدو العلاقات بين مسألة الحريات الفردية ومسألة الأمن الاجتماعي من أشد القضايا تعقيدًا، وهي لا تشمل الحالة التونسية فقط؛ فغالبًا ما يطالب الأفراد بحرياتهم، وبالحدّ من حرية الآخر

المختلف، في الوقت نفسه، بدعوى تهديده للأمن أو خطره على العيش المشترك أو بدعوى المسّ من القيم والأخلاقيات. وليست هذه المفارقة غريبة في حقيقة الأمر؛ ذلك أنّ الأفراد ينزعون عادةً إلى اعتبار أنّ خياراتهم منطقية، وأنها تنخرط ضمن معقولية معينة (دينية/ اجتماعية/ وطنية)، واعتبار خيارات الآخرين مخالفة لذلك، ولهذا فإن هذه العلاقات أقرب إلى الصراع منها إلى المفارقة. لقد لمس مجمل الباحثين من مختلف الاختصاصات عمق هذه الصراعات في تونس بعد الثورة، وهي ليست شخصية فحسب، وإنما هي متعلقة بالنموذج المجتمعي المنشود، حيث نقف أمام مشروعين مجتمعين: مشروعٍ ينخرط في إطار التواصل مع رؤية تقدمية تحديثية بدأت منذ القرن التاسع عشر، ومشروعٍ محافظ اجتماعيًا ودينيًا. وقد ولّد هذا الصراع، لدى مختلف الأطراف، رفضًا

واستنكارًا وإحساسًا بالخوف أو الظلم أحيانًا، في علاقة بالآخر المختلف الذي يشكل تهديدًا لرؤيتهم المجتمعية. كما أنّ اكتشاف تعدّد وجوه المجتمع التونسي هو حدثٌ برز للعيان، بعد عقود من سعي دولة الاستقلال لتكريس فكرة الوحدة الوطنية وصورة التونسي المعتدل المتسامح؛ وهي صور نمطية هووية وماهوية اختزالية. ثمّ إنّ مفهوم الحرية ذاته هو مفهوم مفتت هائم في تونس؛ ففي مجالات معينة يُربط بالفرد، وفي مجالات أخرى يُربط بالمجتمع. كما أنّه شديد الالتصاق بمسألة النوع الاجتماعي. فالحريات السياسية والدينية والمدنية، مثلً، تُعَدُّ مكسبًا يُطلَب تطويره. أمّا مجال حقوق النساء

وحرياتهن والمجال العائلي، فهما تهديد للأسرة والأخلاق الحميدة والتراتبية بين الجنسين من منظور الكثيرين. بناءً على ما سبق، إذا كانت حركة التفرّد سائرة في أغلب المجتمعات، وكان تقدّمها كبيرًا في المجتمع

التونسي بفعل التحديث وتعزيز الحريات الفردية، من دون أن تؤدي إلى وضع يقطع مع الماضي، ومن دون أن تؤدي المواطنية إلى المركزية المجتمعية للفرد، فما تجسدات هذه الحركة المركّبة المشحونة بالتناقضات على مستوى معيش الأفراد؟ للإجابة عن هذا السؤال نورد مثالً عن حركة التفرّد عبر مسألة اللباس، استنادًا إلى كتاب الجسد والفرد

والبحث الهووي عن الذات في تونس ما بعد الثورة الذي درس الاستخدامات الاجتماعية والسياسية للجسد في تونس، بعد الثورة، وتناول الجسد بما هو أداة من أدوات الاحتجاج والمطلبية والصراع، سعيًا لتوسيع نطاق تعبيراته في اتجاه تيارات مختلفة.

(22) Elguedri, Corps, individu.

لقد دلّت مختلف مواقف المستجوبين بخصوص اختيارات لباسهم، ما يسمّى الديني منه أو غير الديني، على حركة تفرّد قوامها التأكيد على حرية اختيار اللباس بعيدًا عن كل ضغط أو تأثير، وعلى أنّ

التوصّل إلى هذا الخيار هو نتاج تفكيرٍ وبحثٍ فيه الكثير من التأويل، والقراءات الشخصية للنصوص الدينية، أو الممارسات المعاصرة. ولهذه القراءات بعدٌ نقدي يشمل أحيانًا الدين والأعراف على نحوِ مَا

يمارسه الأهل والأقارب والمحيط المقرب، إضافةً إلى شحذ للذات والفكر لتبيّن خصوصية كل خيار،

مقابل أنماط اللباس السابقة باعتبارها نتاجًا للتوريث. كما يبرز التفرّد، في مختلف التوجهات، من خلال التأكيد على أنّ الزيّ المعتمد نتاج خيار شخصي

بحت، أنّ هذا الخيار وليد تدرّج قبل القرار ومرحلة استطلاعية يتم فيها تجربة الذات؛ لمعرفة ما تطيق وما لا تطيق، ولتأكيد الخيارات بفعل وقع نظرة الآخر. ومن بين علامات التفرّد أيضًا شخصنة المصادر،

بجعل مرجعيات الفعل متولدة من خيارات شخصية، ودمج عدد منها على الرغم من تناقضها؛ فالخيار وليد توليفات متباعدة في جوانب عدة منها. وعند اطلاعنا على صفحات التواصل الاجتماعي لعدد ممن يرتدون اللباس الديني، تبدو الهوية المعروضة على الجدار متعدّدة الأوجه اللامنسجمة (منها علامات الالتزام الديني مع التشبث بإظهار معالم الجمال والانخراط في موضة العصر والاستهلاكية). فلم يعُد «التقليدي»، أو «المحترم»، أو «الملتزم»، أو «المحتشم»، ما كان عليه سابقًا. ومن علامات الجدّة أيضًا أنّ اعتماد مظهرية جسدية معينة بدلالاتها المختلفة ليس مرتبطًا على نحو مباشر وآليّ بالسنّ أو بالوضع السوسيوديموغرافي للأفراد، وكأنّ نزعة التفرّد هي الوجه المناقض

أو المناهض للوعي الطبقي؛ فقد اختلفت الأنماط وتداخلت، وصار الفرد هو المحدّد الأول لمرجعياته اللباسية، وليس موقعه الطبقي أو الاجتماعي، ولو كلّفه ذلك مهارات وتكيفات وتطويعات كبيرة أحيانًا. ومن بين مظاهر السعي للتفرّد، مثلً، لدى الشابات ممن يرتدين ما يسمى اللباس الديني، باختلافاته،

السعي لأن يكون لهن أسلوب مختلف في وضع الحجاب، أو في الجمع بين غطاء الرأس وما يسمى لباسًا عصريًا أو متماشيًا مع موضة معينة أو إضافة عنصر تمييزي شخصي إلى لباس طائفي أو تقليدي. إلّ أنّ ما سبق من تمظهرات التفرّد في التعامل مع الجسد لا يعني ضرورة، أو حصرًا، أنّ الأفراد

في تونس أحرار تمامًا في التصرف في الجسد، أو أننا إزاء فاعل اجتماعي استراتيجي براغماتي بحت، يطوّع الإكراهات وفق رغباته. فثمة سلطة وإكراهات لها فعلها على الأفراد تأتي من الآخر «المهيمن»

(وهو مختلف متعدد؛ فقد يكون الشارع، أو الحي، أو الزوج، أو الأب، أو الأخ، أو السلطة المرجعية)، ومن المؤسسات والمعايير. لكن الخضوع لهذه السلطة، خاصة من جانب النساء، قلّ ما يكون بطريقة التماهي والتسليم التامَّين بشرعية هذه الضوابط من دون نقد أو مراوغة. إذًا، أن نكون متفرّدين من دون قطيعة أو ممتثلين للمعايير، ولكن على طريقتنا أو من دون خضوع

مطلق، هما وجهان لسيرورة واحدة متأكدة في تونس، هي سيرورة بروز الفرد. ومن نتائج ذلك، في ما يخص مسألة الجسد مثلً، إعادة بلورة فعلية للصور النمطية على مستوى المخيال العام؛ فمعاني تغطية الجسد تفجرت ولم تعد تحيل مباشرة على الالتزام الديني أو الأخلاقي، أو احترام معايير الحشمة

والحياء حصرًا كما كان الأمر من قبل. وترافق تغير دلالات اللباس سُلَّمية جديدة للقيم تخرج عن

الحتميات التقليدية. وقد شكّلت مسألة الجسد مدخلً لقراءة صراعات الهوية الوطنية حول بناء مفهوم التونسة، أو الخصوصية التونسية Tunisianity؛ أي ما هو تونسي وما هو غريب عن نموذج في وضع تغير. يضاف إلى ذلك ما عكسته من نزاع مجتمعي حول مفاهيم الحرية والأمن؛ فما يراه البعض لباسًا

خطيرًا على الأمن العام، كالنقاب مثلً، يقابل بتحديد آخر للخطر وفق منظور اجتماعي أو ديني يرى أنّ

بعض أنماط اللباس هي تهديد للأخلاق والنظام المعياري برمته. وقد عكست أنماط اللباس المختلفة حركة مزدوجة تغذي مسارات التفرّد في تونس؛ وهي الرغبة في

أن يكون الفرد مختلفًا أو أن يكون ذاته كما يتصوّرها، وفي الوقت نفسه الرغبة في الانتماء أو اللارغبة

في القطيعة مع الأسرة، ومع نظام المجموعة، ومع الأنماط السائدة. وتجاوزت دلالات اللباس البعد الجمالي أو مسألة الذوق أو الأنماط الاستهلاكية وتبلور الجسد، بسردياته المختلفة عبر المقابلات المنجزة، نصًّا يروي آلام الأفراد ومحنهم على طريق إثبات الذات والدفاع عن تصوراتهم للعالم ويضعنا أمام ما يواجهونه من صعوبات في الاندماج ومن الحوارات الداخلية الدائمة بين الذات وصورتها لدى الآخر.

خاتمة

يمكن أن نتساءل، في هذا السياق: ما الذي يميز الفرد في تونس؟ يبدو الفرد في تونس اليوم في صورة شخص قلق مكدّر Frustrated يواجه صعوبات في اكتساب مخزون متجانس للمعايير. ويرجع ذلك إلى التناقضات، وإلى الغموض الذي يسم مضامين التنشئة المتأرجحة بين فكر جماعاتي وفرداني، وبين إدماج منتجات العولمة الثقافية والاستهلاكية وبين التحفّظات التي لا تنفك تتبلور، على أسس دينية أو هووية أو مجتمعية، تتجلّى من خلال تواتر المثل الجوهرانية أو الهوياتية في كل المجالات، بل في صياغة النصوص القانونية أيضًا. وهو فرد غير مكتمل، في ضوء مفهوم الفرد الذي تتبناه هذه الدراسة؛ بمعنى أنّه في طور التحقق Unfinished. ومن أسباب ذلك البطالة، ونقص الموارد لتحقيق الاستقلالية، وتراجع دور الدولة، والعوائق الكثيرة أمام المبادرة الفردية. وهو فرد مستحيل، إذا اعتبرنا شرط وجوده انتهاء المجموعة أو القطع معها. ويمكن أن نؤكد من جديد أنّ تعريف الفرد بالذات الحرة المستقلة هو أقرب إلى النموذج

((2(درس المؤرخ الهادي التيمومي مفهوم «التونسة» في إطار دراسة تحلّل مولداتها التاريخية وسيرورة تكرّسها مع الرئيس الحبيب

بورقيبة في فترة ما بعد الاستق 1956 لاا عام. وقد استعمل مفهوم «التَّونسة» ل صط حاا على جملة من «الخاصيات» و«الصور

النمطية» التي تجعل «من التونسي تونسيًا»، من خ لاا منظور ماهوي ركز عليه بورقيبة، ومن بعده زين العابدين بن علي، لطمس

الاختلافات والجهويات والنزعات القبلية، تحت مسمى وحدة وطنية مبنية سياسيًا. يُنظر: هادي التيمومي، كيف صار التونسيون

تونسيين؟ (صفاقس: منشورات محمد علي، 2015)؛ كما درس السوسيولوجي التونسي المنصف وناس ما سمّاه «الشخصية

التونسية» ضمن مقاربة أنثروبولوجية ثقافية ترسم ملامح الشخصية القاعدية ل «التونسي». ومن بين ملامح هذه الشخصية التبرّم من

الحياة السياسية، والسعي وراء الخبز أو لقمة العيش، ما يجعله انهزاميًا أو انتهازيًا أو غير ذي صاحب فكرة قارة، أما تديّنه فهو يتصف

بأنه سُنيّ مالكي منفتح على قراءات متجددة. يُنظر: المنصف ونّاس، الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية

(تونس: منشورات الدار المتوسطية للنشر، 2010).

المثالي الفيبري من الواقع، وذلك في مختلف السياقات، حتى في المجتمعات الفردانية. وهنا، لا بد من التأكيد أنّه لا وجود لنموذج غربي أو شرقي حول الفرد يطبق أو يقاس عليه وضعُ المجتمع. فالفرد حركة وتحرك نقدي ينطلق من سياقاته. ثمة مسارات تفرّد فعليّ في تونس، ولكنها ما زالت تتصارع

وتتفاوض مع نظام تقليدي مهيمن، خاصّة على مستوى التمثلات، كما أنّ تراجع النظام الأبوي لم يعوضه نموذج بديل جامع. يمكن القول إنّ بروز الفرد لا يعني نهاية الصلات الاجتماعية أو تقويض المؤسسات، كما أنّه لا وجود، في نظرنا، لنموذج مثالي يُحتذى في اتجاه تحقق الفرد. فالمجتمعات التي تعرّف نفسها بوصفها

مجتمعات الفرد الحديث تعج بمؤلفات السوسيولوجين، وعلماء النفس، والتنمية البشرية، حول «صعوبة أو محنة أن تكون فردًا»، وكذلك مختلف مظاهر الهشاشة التي يعيشها، من دون أن تُقدَّمَ على أنها حنين إلى نظام معياري سابق. فأن تكون فردًا هو ليس بتتويج، كما أنه ليس وضعًا متحقّقًا، وإنما هو رهان ومحنة وصعوبة في أن تجد مكانًا في هذا العالم بمفردك.

References

المراجع

العربية

التيمومي، هادي. كيف صار التونسيون تونسيين؟ صفاقس: منشورات محمد علي، 2015. حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة 1939–1798. ترجمة كريم عزقول. بيروت: منشورات دار النهار للنشر،.1986 ونّاس، المنصف. الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية. تونس: منشورات الدار المتوسطية للنشر، 2010.

الأجنبية

Aubert, Nicole (dir.). L’individu hypermoderne. Toulouse: Éditions Érès, 2004. Bauman, Zygmunt. Liquid Times: Living in an Age of Uncertainty. Cambridge: Polity Press, 2007. Ben Abdallah, Sénim. «Pratiques des jeunes et mobilisation des réseaux sociaux: Processus d’entrée à l’âge adulte en Tunisie.» PhD. Dissertation. Faculté des Sciences humaines et sociales. Université de Tunis I. Tunis. 2003. Birnbaum, Pierre & Jean Leca (dir.). Sur l’individualisme. Collection Les sciences sociales contemporaines. Paris: Références, Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1986.

(24) Alain Ehrenberg, La fatigue d’être soi: Dépression et sociéte (Paris: Éditions Odile Jacob, 1998); Alain Ehrenberg, L’individu incertain (Paris: Éditions Hachette, 1995); Zygmunt Bauman, Liquid Times: Living in an Age of Uncertainty (Cambridge: Polity Press, 2007).

Ehrenberg, Alain. La fatigue d’être soi: Dépression et sociéte. Paris: Éditions Odile Jacob, 1998. ________. L’individu incertain. Paris: Éditions Hachette, 1995. Elguedri, Raoudha. Corps, individu et quête identitaire dans la Tunisie contemporaine. Casablanca: Fondation du Roi Abdul-Aziz al Saoud, 2018. ________. Le célibat des hommes cadres en Tunisie. Tunis: Nirvana, 2017. Fernandez, Benjamin. «Le temps de l’individuation sociale.»  Revue du MAUSS. no. 38

Hénia, Abdelhamid. Le frère, le sujet, le citoyen, dynamique du statut politique de l’individu en Tunisie. Tunis: Éditions L’or du temps, 2015. Kaufmann, Jean–Claude. L’invention de soi: Une théorie de l’identité. Paris: Armand Colin, 2004. Lahire, Bernard. L’homme pluriel: Les ressorts de l’action. Paris: Nathan, 1998. Lamloum, Olfa & Mohamed Ali Ben Zina (dir.). Les jeunes de douar hicher et d’ettadhamen. Tunis: Publication d’International Alert et Arabesques, 2015. Le Bart, Christian. L’individualisation. Paris: Presses de Sciences Po, 2008. Lipovetsky, Gilles. L’ère du vide: Essai sur l’individualisme contemporain. Paris: Folio,

Martuccelli, Danilo & François De Singly. L’individu et ses sociologies. Paris: Armand Colin, 2018. Martuccelli, Danilo. Grammaires de l’individu. Series: Folio Essais. Paris: Gallimard,

Martuccelli, Danilo. La société singulariste. Paris: Armand Colin, 2010. Melliti, Imed et al.  Jeunes, dynamiques identitaires et frontières culturelles. Tunis: UNICEF, 2008. Najar, Sihem (dir.). Penser la société tunisienne aujourd’hui, la jeune recherche en sciences humaines et sociales. Tunis: IRMC, Cérès Éditions, 2013. Singly, François de. L’individualisme est un humanisme. Collection: L’Aube poche essai. Paris: De L’aube, 2015. Tarragoni, Federico. Sociologies de l’individu. Collection: Repères. Paris: La découverte,