المرجعية الدينية الشيعية والفضاء السياسي-الاجتماعي: قراءة في تجربتي المرجعين محمد الصدر وعلي السيستاني
The Shi’i Religious Marja’iyya and the Political–Social Space: A Reading into the Experiences of Muhammad al–Sadr and Ali al–Sistani
الملخّص
تميل معظم الدراسات التي تتناول نشاط الفاعلين الدينيين الشيعة إلى تصنيفهم إلى مسيسين وغير مسيسين، أو إصلاحيين وتقليديين، وغالبًا ما أدّت هذه الثنائية إلى تجاهل الأشكال المختلفة من هذا النشاط والطيف الواسع الذي يجسده، والذي قد تندرج فيه غالبية هؤلاء الفاعلين. تحاول هذه الدراسة أن تعيد الاعتبار إلى أهمية ممارسة النشاط الديني وعلاقته بالمتغيرات الاجتما-سياسية في تشكيل حركة الفاعلين الدينيين، مركّزةً على نموذجَي محمد الصدر وعلي السيستاني، اللذين تصدّيا للمرجعية في وقت متقارب زمنيًا. وتجادل الدراسة بأنه في حين طوّر الصدر ممارسته عبر المزج بين الديني والحركية الاجتماعية المتلونة بمشروع الأسلمة المجتمعية، فإن السيستاني اتجه إلى الفصل بين الممارسة السياسية والممارسة الدينية، ولم يؤطر حضوره في المجال العام بقالب أيديولوجي محدد.
Abstract
Abstract: Most studies dealing with the activities of Shi’i religious actors tend to classify them as falling within the binaries of politicized and non–politicized, or reformists and traditionalists. Often these binaries have ignored the importance of the different forms of religious activism and practices. This study is concerned with the importance of religious activism and its relationship to socio–political variables in shaping the movement of religious actors, focusing on the examples of Muhammad al–Sadr and Ali al–Sistani, who competed over the Marja’iyya at similar times. The paper argues that while Sadr developed his version of religious activism by blending the social and religious movement with the Islamization project, Sistani tended to separate between political and religious practice, and his presence in the public sphere was not framed with a specific ideological template.
- The Shi’i Marja’iyya
- Political Practice
- Authority
- Religion
ملخص: تميل معظم الدراسات التي تتناول نشاط الفاعلين الدينيين الشيعة إلى تصنيفهم إلى مسيسين وغير مسيسين، أو إصاحيين وتقليديين، وغالبًا ما أدّت هذه الثنائية إلى تجاهل
الأشكال المختلفة من هذا النشاط والطيف الواسع الذي يجسده، والذي قد تندرج فيه غالبية هؤلاء الفاعلين. تحاول هذه الدراسة أن تعيد الاعتبار إلى أهمية ممارسة النشاط الديني وعاقته
بالمتغيرات الاجتما–سياسية في تشكيل حركة الفاعلين الدينيين، مركّزةً على نموذجَي محمد
الصدر وعلي السيستاني، اللذين تصدّيا للمرجعية في وقت متقارب زمنيًا. وتجادل الدراسة بأنه
في حين طوّر الصدر ممارسته عبر المزج بين الديني والحركية الاجتماعية المتلونة بمشروع
الأسلمة المجتمعية، فإن السيستاني اتجه إلى الفصل بين الممارسة السياسية والممارسة الدينية، ولم يؤطر حضوره في المجال العام بقالب أيديولوجي محدد.
Abstract: Most studies dealing with the activities of Shi’i religious actors tend to classify them as falling within the binaries of politicized and non–politicized, or reformists and traditionalists. Often these binaries have ignored the importance of the different forms of religious activism and practices. This study is concerned with the importance of religious activism and its relationship to socio–political variables in shaping the movement of religious actors, focusing on the examples of Muhammad al–Sadr and Ali al–Sistani, who competed over the Marja’iyya at similar times. The paper argues that while Sadr developed his version of religious activism by blending the social and religious movement with the Islamization project, Sistani tended to separate between political and religious practice, and his presence in the public sphere was not framed with a specific ideological template.
Senior Fellow at the Carnegie Middle East Center.
مقدمة
يميل كثير من الباحثين في المرجعيات الدينية الشيعية إلى التركيز على نصوصهم النظرية المكتوبة، وكثيرًا ما ترافق ذلك مع غياب الحساسية تجاه السياق الزماني والمكاني، وطبيعة
الأحوال المحيطة بهم. وتذهب غالبية الدراسات إلى تصنيفها، بقدر من الحدة، إلى مرجعيات مسيّسة
وغير مسيّسة، أو إصاحية وتقليدية. وفي الأغلب، يأخذ الأمر شكل التفريق بين أولئك الذين يتبعون
مبدأ الولاية العامة للفقيه وأولئك الذين يقولون بالولاية الخاصة. إن الانتقال من التركيز المبالغ فيه على المنطلقات الفكرية، وعلى النصوص الفقهية المدونة، إلى دراسة الممارسة الفعلية، يساعد في الوصول إلى فهم أشد حساسية لسلوك رجال الدين الشيعة، وخصوصًا عبر وضع هذا السلوك في
سياقه الزماني المكاني، وربطه بالشروط الموضوعية التي يتفاعلون معها. صحيح أن جزءًا أساسيًا من اشتغال الفاعل الديني، ولا سيما كبار المراجع، يقوم على إنتاج المعاني
والخطاب، ويدخل في إطار صناعة النظام الأخاقي المعياري، إلا أن الأيديولوجيا الدينية تقوم في النهاية على مجموعة أحكام ومقولات يعاد تفسيرها، ويُتفاوَض حولها في السياق الاجتماعي. إن
الفكرة تكتسب قيمتها الاجتماعية من الطريقة التي تتموضع بها داخل البيئة، بما في ذلك عاقات السلطة التي تتداخل في طرحها أو حجبها. إن هذه الموضعة السياقية هي التي تتيح التركيز على الممارسة، بوصفها انعكاسًا للعاقة الدينامية بين البنية المجتمعية والذات الفاعلة. لذلك، تحاول هذه الدراسة الاستفادة من الأطر النظرية لحقلي سوسيولوجيا الدين والسوسيولوجيا السياسية، ولا سيما تلك التي تنظر إلى الفاعل الديني على أنه فاعل اجتماعي، يتحرك في حقل تنافسي مع فاعلين آخرين، وعبر توظيف أنواع مختلفة من رؤوس الأموال الدينية، وفي سياق الاستجابة للتحديات والفرص المستجدة. وبناءً على ما ذهب إليه بيير بورديو Bourdieu Pierre (002–19302)،
فإن الفاعلين الدينيين ينشطون داخل حقل Field مهيكل، هو الحقل الديني، ويحظون بكميات متباينة من رأس المال الضروري؛ لممارسة التأثير في حقلهم (رأس المال الديني). سنلحظ أهمية ذلك في التنافس بين الصدر والسيستاني على موقع المرجعية الدينية العليا، وتوظيف كليهما أنواعًا مختلفة
(((يدين الباحث بالشكر لجامعة وسط أوروبا، ولمؤسسة كارنيغي – نيويورك، على شراكتهما في مشروع «توثب الأطراف: الدين والدولة والتفكك في الشرق الأوسط»، الذي كان الباحث واحدًا من أعضاء فريقه خال عامي 0170182 و 2؛ لتوفيرهما الوقت
والموارد الازمة لدراسة تحولات العاقة بين الدين والدولة والمجتمع في العراق، وكانت هذه الدراسة إحدى ثمرات المشروع. كذلك يشكر الباحث شكرًا خاصًا الدكتور عزيز العظمة، المدير المؤسس للمشروع.
(((ينظر، على سبيل المثال: محسن كديفر، نظريات الحكم في الفقه الشيعي: بحوث في ولاية الفقيه (بيروت: دار الجديد،
000 2)؛ علي فياض، نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، سلسلة الدراسات الحضارية (بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسامي،.)2018
(3) Salwa Ismael, «Being a Muslim: Islam, Islamism and Identity Politics,» in: Frederic Volpi (ed.) Political Islam: A Critical Reader (London/ New York: Routledge, 2011) pp. 16–28. (4) Anthony Giddens, The Constitution of Society: Outline of Theory of Structuration (Cambridge: Polity Press, 1984). (5) Erwan Dianteill, «Pierre Bourdieu and the Sociology of Religion: A Central and Peripheral Concern,» Theory and Society , vol. vol. 32, no. 5–6 (December 2003), pp. 529–549.
من العاقات والممارسات وأنماط الخطاب؛ لبناء شرعيتيهما في الحقل الديني، وخارجه. فمثلً، كانت وراثة السيستاني لجزء كبير من الشبكة الدينية الاجتماعية للمرجع الأعلى أبي القاسم الخوئي (992–18991) عاملً أساسيًا في تدعيم موقعه داخل الحقل الديني، بينما لجأ الصدر، الذي لم يحظَ
بمثل هذا الدعم، إلى استثمار الكاريزما العائلية والأصل العربي، لاستقطاب طلبة وأتباع من حديثي الدخول في المدارس الدينية، أو امتهان العمل الديني، ومن ثم، بناء قاعدة تأثير تعزز موقعه في مواجهة من اعتبرهم منافسيه على زعامة الحوزة الدينية. إن الطريقة التي ينشط بها الفاعل الديني في بيئته الاجتماعية السياسية، وإن كانت تستمد مضمونها الخطابي من التراث الديني، وتأثيرها من موقع هذا الفاعل داخل الحقل الديني، فإنها تتبلور إلى حدّ ما وفق إدراك هذا الفاعل لطبيعة التأثير الذي ستنتجه أفعاله وأقواله في تلك البيئة، ومن خال وعيه بالفرص المتوافرة والتحديات التي يواجهها (وإن كان الوعي ليس مرادفًا لحسن التقدير بالضرورة). وهنا يمكننا أن نشير إلى إدارة السيستاني الحذرة لحضوره في الفضاء العام، فإضافةً إلى تجنّبه الظهور
الإعامي، ومحافظته على مسافة آمنة من الطبقة السياسية، فإن تجنّبه التحزب الواضح لموقف أو
طرف معيّن خدم تكريس موقعه بوصفه سلطةً متعالية على الصراعات السياسية الضيقة، بحيث أسهم
في عدم استهاك كثير من رأس ماله؛ لهذا السبب قد يفيد توظيف بعض عناصر نظرية الخيار العقاني التي تجسدت في دراسات سوسيولوجيا الدين الحديثة، عبر مفهوم «السوق الدينية Religious Marketplace »؛ لاستيعاب الأسباب التي تصنع نمط ممارسة الفاعل الديني، على مستوى السلوك والخطاب، في وقت معين، دون غيره، وبالطبع، من دون التخلي تمامًا عن التأثير الذي تتركه البنية
الثقافية والعوامل النفسية والفضاء العقائدي الأيديولوجي المكون لمدركات ذلك الفاعل. لكن ما يجب تداركه هنا هو أن أطروحة بورديو ونموذج السوق الدينية طُبّقا في مجتمعات مرّت بصيرورة
تحديثية أطول، وأعمق، كان من نتيجتها التمايز Differentiation بين الحقول، بحيث صار كل منها محكومًا بما يسميه بورديو «الهابيتوس Habitus » الخاص به، أي المهارات والتقاليد والاستعدادات
التي تُعلَّم بالمحاكاة، ضمن مجموعة اجتماعية محددة تنشط في حقل محدد. إن هذه الدرجة من التمايز لم تتحقق بعدُ في الحالة العراقية، شأنها شأن كثير من بلدان «العالم الثالث»، نظرًا إلى قصر
صيرورة التحديث فيها واختافه، وإلى متغيرات موضوعية وتاريخية لا يتسع المجال لمناقشتها في هذه الدراسة؛ لذلك، فإن ما يميز الحقل الديني – الشيعي، في هذه الحال، هو تداخله الشديد مع الحقول الأخرى، كالحقلين السياسي والثقافي، بما يجعل الطريقة التي يوظف فيها الفاعل الديني رأس ماله في خارج الحقل الديني مؤثرة في موقعه داخل هذا الحقل، وبالعكس. وبعبارة أخرى، فإن التداخل بين الحقول في المجتمعات الأقل تمايزًا يتيح للفاعل الديني ممارسة تأثير أكبر خارج الحيز
(6) Laurance R. Iannacconne, «Religious Markets and the Economics of Religion,» Social Compass , vol. 39, no. 1 (March 1992), pp. 123–131. (7) Bryan S. Turner, «Pierre Bourdieu and the Sociology of Religion,» in: Bryan S. Turner & Simon Susen (eds.), The Legacy of Pierre Bourdieu: Critical Essays (London: Anthem Press, 2011), pp. 223–246. (8) Dianteill, pp. 529–549.
الديني الصرف، وهو ما يتجسد في تجربتي الصدر والسيستاني؛ إذ إن كليهما نشط اجتماعيًا وسياسيًا،
وإن بطريقتين مختلفتين، وانعكس هذا النشاط على موقعيهما داخل الحقل الديني، بل إن مجمل النقاش حول حدود ولاية الفقيه هو نقاش حول طريقة انخراطه في الفضاء العام، ودرجة تأثيره في الحقول غير الدينية؛ لذلك يلجأ متبنّو فكرة ولاية الفقيه العامة إلى إعادة تفسير الديني؛ ليصبح مطابقًا
للنظام الاجتماعي السياسي، وشاملً لكل الفعاليات الحياتية. ومن المفيد، هنا، الاستفادة من المقاربة الفيبرية وتمييزها بين أنواع السلطات؛ للمجادلة بأن الانفصال بين هذه السلطات في المجتمعات الأقل تمايزًا يكون محدودًا، ويُنتج من الصراع والاختاط بينها
أنماطًا مغايرة من السلطة، ولا سيما تلك التي تأخذ طابعًا نيوباترومونيًا. وبالمفهوم الفيبري، يمكن
النظر إلى المرجعية الدينية بوصفها سلطة عرفية تقليدية؛ إذ يؤدي الطابع الشخصاني الباتروموني دورًا
أساسيًا في بناء هرميتها، وتغيب البرقرطة والمأسسة الصارمة فيها. لكنها في الوقت نفسه تشترك مع
السلطة القانونية العقانية في وجود نوع من الانتظام والصيغ المستقرة، والتراتبيات المتفق عليها في تكوين بنيتها وطريقة عملها. إن إحدى نتائج صيرورة التحديث هي زيادة التخالط، وأحيانًا التنافس، بين السلطتين العقانية القانونية، والعرفية التقليدية، وينتج من ذلك التخالط أنواع من الممارسات والمؤسسات والعاقات التي لا يمكن أن تصنف، بحدية، في أي نموذج من النماذج المثالية Ideal types التي طرحها فيبر. وهكذا، يمكن أن نفهم كيف أن قانونَي الأوقاف (0122)، والعتبات (0052) في العراق، الصادرَين عن البرلمان، أقرا بدور «المرجع الأعلى» في اختيار رئيس الوقف الشيعي
ومسؤولي العتبات، على الرغم من أن منزلة «المرجع الأعلى» منزلة عرفية تقليدية، وليست قانونية. وهنالك طريقة أخرى يمكن للفيبرية أن تقدم فيها إضاءات مفيدة للنقاش حول المرجعيات الشيعية. يشير ماكس فيبر إلى ثاثة أنواع من الفاعلين الدينيين: النبي، والكاهن، والساحر، والنبي وحده هو الذي يبني شرعيته على أساس استثنائيته. لكن بسبب هذه الاستثنائية، وما تعنيه من نسبية زمنية، فإن الحقائق والتحولات التي تصنعها الكاريزما تنتهي إلى التقولب في مؤسسات وممارسات معينة، في إطار عملية يطلق عليها فيبر تنميط الكاريزماCharisma of Routinization. إن هذا التنميط ينشئ تقاليده الخاصة التي تحيل في تراثها إلى السلطة الكاريزمية، لكنها تؤسس، بمرور الوقت، قواعد عملها وعاقاتها الداخلية وبناءها الهرمي، على أساس تقاليد وأعراف تستقل بنفسها، وتغيب بغياب حاملها. إن السلطة الدينية العرفية التقليدية هي تمثيل للحالة التي تنمّط فيها الكاريزما، لكن تلك
(9) Christopher Adair–Toteff, Fundamental Concepts in Max Weber’s Sociology of Religion (New York: Palgrave Macmillan, 2015), p. 147. (10) Harith Hasan Al–Qarawee, «The ‘formal’ Marjaʿ: Shiʿi Clerical Authority and the State in Post–2003 Iraq,» The British Journal for Middle East Studies , vol. 46, no. 3 (2019), pp. 481–497. (11) Max Weber, The Sociology of Religion , Ephraim Fischoff (trans.), Talcott Parsons (Intro.) (London: Methuena,
(((1 أميل إلى استخدام مفهوم السلطة العرفية التقليدية، في ترجمة المُناظر الإنكليزي Authority Traditional؛ لأنني أعتقد أن
كلمة «التقليدي» العربية غير كافية وحدها لإيصال المعنى المقصود، ولا سيما أنها تُستخدم أحيانًا مقابل كلمة Conventional التي تفيد «ما هو معتاد»، من دون أن تنطوي على بعدَي الممارسة العرفية والتوارث.
السلطة تتعرض باستمرار للتحدي، وخصوصًا بسبب التحول في المحيط الاجتماعي السياسي الذي تنشط فيه. لذلك يعمد الفاعلون الدينيون إلى تبنّي استراتيجيات مختلفة، على مستوى الخطاب والممارسة، للتكيف مع تلك التحديات، وهي في العادة استراتيجيات تحاول إعادة موضعة ما هو «عرفي تقليدي»، أو تعيد تأويله، أو رسم حدوده، ليصبح أشد انسجامًا مع ذلك المحيط. وسنرى
ذلك في الكيفية التي يُعاد بها تعريف طبيعة سلطة الفقيه وحدودها، في حالتي الصدر والسيستاني،
وكيف أن المسارات المختلفة التي شقّها كاهما، تأثرًا بالأوضاع التي أحاطت بهما، أسهمت في إنتاج
نوع مغاير من الممارسة، وصورة مختلفة للمرجعية، ولا سيما في العاقة بمراكز السلطة المجتمعية المتعددة، وفي مقدمتها الدولة. ويمكن اعتبار المرجعية الدينية الشيعية، بصورتها التي نعرفها اليوم، نموذجًا لعملية تنميط الكاريزما؛
فهذه المرجعية تطورت بوصفها امتدادًا لسلطة الإمام المعصوم. وسلطة الإمام المعصوم امتداد للسلطة الكاريزمية للنبي محمد. يَعتبر الشيعة الإثنا عشرية أن «الإمامة المعصومة» ظلّت تتنقل في سالة علي
بن أبي طالب، وزوجه فاطمة، ابنة النبي، حتى غياب الإمام الثاني عشر المكنى بالمهدي المنتظر عن الأنظار، وتحوله في نظر أتباعه إلى «الإمام الغائب». وفي ما يعرف بفترة «الغيبة الكبرى» الممتدة حتى الآن، ونتيجة لمخاض طويل من الجدل، وبعد كتابة تراث الأئمة، وتحوّل التشيع إلى عقيدة
مكتوبة، برز الاهوتيون الشيعة بوصفهم مراجع للطائفة، يعود إليهم الناس في السؤال عن القضايا الدينية، وأحيانًا القضايا الاجتماعية والسياسية. غير أن ما نعرفه اليوم بالمرجعية الدينية، بالشكل الذي استقرت ونُمطت عليه بقدر مهم من الاستقال عن الدولة، أخذت شكلها «الأحدث» في حدود نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وقد حصل ذلك، تحديدًا، بحسب خوان كول وآخرين، بعد هجرة علماء الدين الإيرانيين إلى مدن العتبات المقدسة في العراق، النجف وكرباء، وانتصار المدرسة الأصولية على المدرسة الإخبارية، وفي سياق ضعف الدولتين الصفوية والقاجارية في إيران وتفككهما، وتراجع سلطة الدولة العثمانية، وبروز حركات الإحياء والإصاح الديني في مناطق عدة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما يجادل زاكيري هيرن. تميل المدرسة الأصولية إلى الاعتراف بدور مهم للمجتهدين، بوصفهم ممتلكين للعلم الديني الذي يؤهلهم لممارسة الاجتهاد، وبالحد الذي يحوّلهم إلى سلطة، إلى جانب سلطة النص المتوارث. ويعتبر المجتهدون الأصوليون
أن على كل مؤمن لا يمتلك ملكة الاجتهاد أن يقلد في أعماله الدينية مجتهدًا. بل إن مرتضى
(13) Juan Cole, «Shiʿi Clerics in Iraq and Iran, 1722–1780: The Akhbari–Usuli Conflict Reconsidered,» Iranian Studies , vol. 18, no. 1 (Winter 1985), pp. 3–34; Abbas Amanat, «In Between the Madrasa and the Marketplace: The Designation of Clerical Leadership in Modern Shiism,» in: Said Arjomand (ed.), Authority and Political Culture in Shi’ism (New York: State University of New York, 1988), pp. 99–124. (14) Zackery M. Heern, The Emergence of Modern Shiʿism: Islamic Reform in Iraq and Iran (London: One World Book,
1(((عدنان فرحان القاسم، الاجتهاد عند الشيعة الإمامية: أدوار وأطوار: دراسة منهجية موضوعية تواكب حركة الاجتهاد (بيروت:
شركة دار السام، 0082)، ص 76–241 2؛ محمد الغروي، الحوزة العلمية في النجف الأشرف (بيروت: دار الأضواء، 1994)، ص 9.12
الأنصاري (7814–1186)، أحد أبرز المجتهدين الأصوليين، وفي نظر بعضهم أول من تمثل فيه الشكل المعاصر للمرجع، قد أفتى ببطان عمل المرء إن لم يكن مستندًا إلى تقليد. وعلى الرغم من أن المدرسة الإخبارية أفرزت مرجعياتها الأساسية أيضًا، فإن المدرسة الأصولية قدمت الأساس الفكري الأيديولوجي لبناء سلطة المرجعية بوضعها الذي نعرفه اليوم. ونظريًا، أسند المجتهدون الشيعة سلطتهم إلى نصوص دينية ومقولات كامية – منطقية، تضمّنت الإقرار لهم بمنزلة نواب الإمام المعصوم؛ أي إن السلطة التي أودعتها كاريزما النبوة والإمامة في المعصوم أصبحت تتجسد جزئيًا في المجتهد الجامع للشرائط. وقد اختلف المجتهدون حول نطاق
تلك السلطة؛ فمنهم من أعطى المجتهدَ ولاية جزئية، كالإفتاء والقضاء والوصاية على أموال اليتامى والمجانين، ومنهم من منحهم ولاية شاملة، تشمل تقريبًا كل ما كان للمعصوم من سلطات، على الرغم
من إقرارهم بأن مصدر شرعيتهم مغاير لمصدر شرعية المعصوم. فالمجتهدون يستحصلون سلطتهم من طريق الدرس الديني، وتتنامى شرعيتهم نظريًا بتنامي معرفتهم في العلوم الدينية، حتى تبلغ أوجها مع المرجع الأعلم؛ إذ تخصص المدونة الفقهية الأصولية بابًا خاصًا لتحديد صفات المرجع الأعلم، وأحقيته في أن يُتّبع من المقلدين. وقد أسهمت فكرة/ مؤسسة المرجع الأعلم بمزيد من المركزة والهرمية للسلطة الدينية الشيعية، من حيث إقامتها بناءً عموديًا يتدرج فيه المجتهدون، ويجلس في
قمته مرجع واحد، أو عدد قليل من المراجع الذين يُشهد لهم بالأعلمية. وفي الوقت نفسه، فإن الطابع الشخصاني للمرجعية حال دون مأسستها بقدر أكبر لتغدو على شاكلة الفاتيكان، الأمر الذي ظلّ يعقّد عملية تحديد من هو المرجع الأعلى، ويكرّس حالة التنافس بين مراجع عدة يدّعون هذه المنزلة،
ويجعل قضية وراثة هذه المنزلة بعد موت المرجع محلً للنزاع والاختاف وغياب اليقين. استقرت الممارسات التقليدية للمرجعية على نطاق محدد لممارسة السلطة، ويعود ذلك إلى عاملين: الأول أن معظم المجتهدين الأصوليين لم يقرّوا بحق المجتهد في وراثة كل صاحيات الإمام المعصوم،
وهو موقف الشيخ مرتضى الأنصاري، وكاظم اليزدي (919–18311)، وأبي القاسم الخوئي، وهم من بين أبرز المراجع الذين احتلوا أعلى هرم السلطة الدينية منذ القرن التاسع عشر. والعامل الثاني هو رغبة هؤلاء المراجع في عدم الاصطدام بالسلطات السياسية، وهو ما قد يحصل إذا ما ادّعوا لأنفسهم اختصاصات تشمل الحقل السياسي وإدارة الدولة، ومن ثم، كان الإصرار على الشكل العرفي التقليدي المتوارث، في أحد أبعاده، استراتيجية مائمة للبقاء، من دون أن يعني ذلك أن تلك «التقليدانية» لم تتكيف مع بعض التحولات الاجتماعية السياسية، ولا سيما أثر نشوء الدولة الحديثة، واتساع منظومة
(((1 فؤاد إبراهيم، الفقيه والدولة: الفكر السياسي الشيعي (بيروت: دار المرتضى، 0152)، ص.35 (1((المرجع نفسه، ص 0–300 31؛ هيثم أحمد مزاحم، تطور المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه، تقديم رضوان السيد وعبد العزيز ساشدينا (بيروت: دار المحجة البيضاء،.)2017
(18) Linda S. Walbridge, «Introduction: Shiism and Authority,» in: Linda S. Walbridge (ed.), The Most Learned of the Shia: The Institution of Marjaʿ Taqlid (Oxford/ New York: Oxford University Press, 2011), pp. 3–19; Linda S. Walbridge, «The Counterreformation: Becoming a Marjaʿ in the Modern World,» in: Walbridge (ed.), pp. 230–264.
السلطة القانونية العقانية. لذلك فإن «التقليدانية»، هنا، ليست نوعًا جامدًا من الممارسة، وإنما
تخضع لتحول مستمر ينتج من التفاوض بين منطلقاتها الفكرية ومنظومتها العرفية، من جهة، وبين محددات البيئة الاجتماعية السياسية المتغيرة، من جهة أخرى، كما سنرى في تجربة السيستاني. وفي المقابل، فإن المجتهدين القائلين بولاية عامّة للمرجع، وأظهروا استعدادًا لاصطدام بالسلطة
السياسية، عبر توسيع نطاق اختصاصاتهم المفترضة، لتشمل الحقل السياسي، كما هو الحال مع الخميني (989–19021)، ومحمد باقر الصدر (980–19351)، فقد حاولوا إدخال بعض التجديد على الممارسات العرفية، من دون أن يتخلوا عنها تمامًا، بل سعوا لإعادة تفسيرها، وتوسيع فضاءات اشتغالها،
لتشمل قضية الدولة والحكم السياسي. وقد جمع هؤلاء المجتهدون بين التنظير للإسام، بوصفه أيديولوجيا شاملة وبديلً من الأيديولوجيات العلمانية، وبين وظائفهم الفقهية، وفق المسالك التقليدية لإنتاجها، موظّفين الكاريزما والأيديولوجيا لإلهام الجمهور وكسب المريدين الأيديولوجيين، والمعرفة الفقهية لكسب المقلدين، بالمعنى العرفي التقليدي. وبهذا المعنى، فإنهم قد نظّروا، والخميني وضع النظرية موضع التطبيق، لنوع من الممارسة، لا يحصر سلطة «المرجع» في المجال العرفي التقليدي، ويوسّع نطاق الممارسة الدينية إلى الفضاء الاجتماعي السياسي، إلى درجة أن هذا الفضاء هو الذي
يُخضع ما هو فقهي ويستتبعه. ومن هذا نفهم مجادلة أولفير روا بأن النظام الإسامي في إيران انتهى
عند التطبيق إلى نوع من أنواع العلمنة؛ لأنه قوّض من القاعدة المستقلة للطبقة الدينية الشيعية في
قم، وألحقها بأولوية السياسي. لكن عبر فهم للسياسة على أنها اشتغال ديني، أي إن مصالح «الدولة الإسامية»، وهو مفهوم مركزي لدى هذا التيار، اكتسبت الأسبقية على المقولات الفقهية وقواعدها والمقولات العباداتية الأخرى، بحيث يحول أحيانًا تلك المصالح «الزمنية» إلى إرادة متجاوزة، وربما متسلطة، على الحقل الديني بحالته التقليدية العرفية. تلتقي هذه المحاجة مع فهم للعلمنة على أنها عملية ضبط الدولة للحقل الديني، كما يجادل عزيز العظمة. ولكن إن لم يشهد العراق تطبيقًا لنموذج ولاية الفقيه العامة في إيران، فإنه شهد في العقود الثاثة الأخيرة محاولتين لإعادة صياغة نوع العاقة بين المرجعية الدينية والفضاء الاجتماعي السياسي، فرضتهما أوضاع ومعطيات تتعلق بتصاعد دور الدين والتشيع في تكوين الهوية الجمعية، ومنظومتها الأخاقية المعرفية. وقد كان ذلك نتيجة للأسلمة المتزايدة، وضعف المجتمع المدني وشبكات التضامن الاجتماعية البديلة، فضلً عن تآكل سلطة الدولة وهيمنتها المجتمعية (ولا سيما على المستوى الثقافي) في التسعينيات، وانهيارها وتفككها بعد عام 003.2 إن تلك الأحوال طرحت أسئلة، وفرصًا وتحديات، أمام أهم مرجعين ظهرا في النجف بعد وفاة الخوئي، هما محمد الصدر وعلي
السيستاني. وقد حاول كاهما أن يطور أنواعًا من الممارسات والمقولات، بناءً على فهم كليهما لدور
1(((ينظر: فالح عبد الجبار، العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ترجمة أمجد حسين (بيروت: منشورات الجمل،.)2010
(20) Olivier Roy, «The Crisis of Religious Legitimacy in Iran,» Middle East Journal , vol. 53, no. 2 (Spring 1999), pp. 201–216.
(((2 ينظر: عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2008
المرجع الديني ووظيفته، ولشروط البيئة الاجتماعية السياسية التي اشتغا فيها. وبينما مثّلت تجربة الصدر محاولة محاكاة لنموذجي الصدر الأول والخميني وتكييفهما، عبر الانتقال من التركيز على إقامة الدولة الإسامية إلى تأكيد الأسلمة المجتمعية، وعبر المزج بين الديني الفقهي والاجتماعي السياسي، فإن تجربة السيستاني بعد عام 0032 تمثلت عمومًا بمحاولة الإبقاء على الحدود الفاصلة
بين الديني الفقهي والاجتماعي السياسي، متجنبةً إضفاء طابع أيديولوجي على الحضور في المجال العام، وفي الوقت نفسه، قاومت تسييس الحقل الديني.
أولا: محمد الصدر: الكاريزما ومزج العمل الديني في النشاط الاجتماعي السياسي
برز محمد صادق الصدر (999–19431) زعيمًا دينيًا استثنائيًا في التسعينيات، له شعبية واسعة في
أوساط الفقراء من الشيعة، وبفعل نشاطه تبلور ما يعرف بالحركة الصدرية التي لا تزال إلى اليوم قوة اجتماعية وسياسية فاعلة في العراق. حاول الصدر تعزيز وضعه في الهرمية الدينية الشيعية، عبر تبنّيه نهجًا حركيًا، وتوظيف الكاريزما الاجتماعية لتوسيع قاعدة الأتباع والمريدين؛ ومن أجل ذلك كان عليه
أن يتحدى نفوذ الشبكة الدينية التي هيمن عليها رجال الدين الإيرانيون، والتقاليد والممارسات التي درجت عليها، ومن بينها تبنّي نهج العزلة والانشغال بالعمل الفقهي. ولإدراك هذا الهدف، قامت حركة الصدر على المزج بين الحركية الدينية والحركية الاجتماعية، بما يشبه، في بعض مامحها، الخيارات التي اعتمدها غيره من المجتهدين الحركيين، كالخميني والصدر. إلّ أن ما سهّل نجاح الصدر في بناء قاعدة اجتماعية واسعة هي الأحوال التي أحاطت بصعوده خال التسعينيات؛ فقبل ذلك، كان الصدر يعيش في عزلة شديدة، ويواجه رقابة مستمرة من النظام الحاكم. اختار الصدر هذه العزلة، بعد أن اشتد قمع النظام البعثي لرجال الدين الشيعة الناشطين في معارضته، وخصوصًا مع اندلاع الثورة الإسامية في إيران التي ألهمت كثيرًا منهم. وبلغت حدة
القمع درجة إعدام محمد باقر الصدر (يلقب اليوم بالصدر الأول، لتمييزه من محمد الصدر الملقب بالصدر الثاني)، على الرغم من منزلته الدينية العالية، بصفته مرجعًا رئيسًا في النجف. كان الصدر
الأول من منظّري الحركة الإسامية في العراق، وهو لم يتبنَّ الموقف الثوري إلّ متأخرًا نسبيًا، وتحت
ضغط ما كان يتعرض له رجال الدين الإساميون من تنكيل وتضييق على يد النظام، وقد تصاعدت معارضته للنظام البعثي عقب الثورة الإيرانية، حيث أعلن ولاءه للخميني، ودعا إلى ثورة شبيهة في العراق، فضلً عن القرابة العائلية التي ربطتهما، كان الصدر الأول أستاذًا للصدر الثاني، وترك أثرًا
مهمًا في طريقة تفكيره واهتماماته.
(((2 مقابلة مرئية (فيديو) مع محمد الصدر، أجريت عام 998.1 وثمة نسخة غير كاملة للمقابلة في: «أشهر لقاءات السيد الشهيد
محمد الصدر قدّسَ الله سره: لقاء الحنانة» الجزء الأول، موقع يوتيوب، شوهد في 020/5/31:2، في https://bit.ly/2MdsKDQ (((2 ينظر: شبلي الملّط، تجديد الفقه الإسلامي: محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم، ترجمة غسان غصن (بيروت: دار النهار،.)1998
وطوال الثمانينيات، مدركًا حجم الرقابة المسلطة على عائلته، التزم محمد الصدر البيت، وتجنّب الاختاط، ولربما ساعدت تلك العزلة في المحافظة على رأس ماله الاجتماعي ضمن الحقل الديني، بوصفه منتميًا إلى عائلة دينية بارزة، ومن أصل علوي لا شائبة فيه؛ إذ خدم الأصل الجينيالوجي في إضفاء مزيد من الشرعية على المتصدّين للمرجعية (من الماحظ أن كبار المراجع في النجف، منذ العشرينيات، أي منذ الزمن التأسيسي للدولة العراقية الحديثة، كانوا من السادة، أي أصحاب النسب العلوي). كانت الثمانينيات هي فترة الحرب بين العراق وإيران، وخضع الفضاء الديني الشيعي خالها لمراقبة شديدة من السلطات، حتى إن المرجع الأعلى حينذاك، أبا القاسم الخوئي، كان يواجه بين الحين والآخر مضايقات من النظام، على الرغم من التزامه عدم التدخل في الشؤون السياسية. وفي مطلع التسعينيات، إثر غزو العراق لدولة الكويت، تعرّض البلد لقصف مدمر شنّه التحالف الذي قادته الولايات المتحدة، ومُني الجيش العراقي بهزيمة أجبرته على الانسحاب من الكويت، وتا ذلك اندلاع انتفاضة في المدن ذات الأغلبية الشيعية، وخروج تلك المدن عن سيطرة النظام. وعلى الرغم من أن النظام نجح في قمع الانتفاضة واستعادة السيطرة، فإنه لم يَعُد إلى قوته السابقة البتّة؛ بسبب تأثيرات الحربين المدمرتين والعقوبات الاقتصادية التي تواصلت حتى سقوطه عام 003.2 شنّ النظام حملة اعتقالات واسعة شملت رجال الدين في النجف، وخصوصًا بسبب ما اعتبره موقفًا داعمًا من الطبقة الدينية لانتفاضة. وكان محمد الصدر من بين المعتقلين، لكن أفرج عنه بعد أسبوعين لعدم ثبوت تورطه المباشر في النشاط السياسي. وقد ظهر بعدئذ في مقابلة إذاعية، وأخرى مع صحيفة الثورة التابعة لحزب البعث، منددًا ب «الأعمال التخريبية» ومعلنًا دعمه للنظام. وفي عام 9921، توفي الخوئي الذي شغل الموقع الأعلى في الحوزة الشيعية منذ عام 9701، واحتل مكانه أبو الأعلى السبزواري (993–19101)، لكنه توفي بعد عام واحد. وبعد فترة من الغموض، برز اسم علي السيستاني بوصفه المرجع الأعلى (والأعلم) في النجف، وقد حظي بدعم الشبكة «عبر الوطنية» التي دعمت الخوئي، كمؤسسة الخوئي الخيرية التي يقع مقرها في لندن، وطائفة الخوجة النافذة التي لها وجود في الهند وأوروبا وأميركا الشمالية. نُظِر إلى السيستاني بوصفه امتدادًا للخوئي، فقد كان أحد أكثر المقربين إليه، واتسم سلوكه، كأستاذه الخوئي، بالحذر والميل إلى تجنب النشاط
(((2 مقابلة مرئية (فيديو) مع محمد الصدر. 2(((كما هي الحال مع أبي الحسن الأصفهاني، ومحسن الحكيم، وأبي القاسم الخوئي (على الرغم من إشكالياتٍ أثارها خصومه حول نسبه العلوي)، ومحمد باقر الصدر، ومحمد الصدر، وعلي السيستاني.
(26) Abbas Khadhim, The Hawza Under Siege: A Study in the Baath Party Archive (Boston, MA: Boston University – Institute for Iraqi Studies, 2013).
(2((مقابلة مرئية (فيديو) مع محمد الصدر. (((2 نشرت المقابلة في: صحيفة الثورة (العراق)،.1991/3/18
العام، والتركيز على الحرفة الدينية. وفي تلك المرحلة، أخذ اسم محمد الصدر في البروز، معلنًا تصدّيه للمرجعية الدينية، ومجادلً بأنه الأعلم والأحق بقيادة الحوزة الدينية. هنالك اتفاق على أن الصدر ما كان ليخرج من عزلته من دون التساهل الذي أبداه النظام تجاهه، وتتوافر أدلة عدة على أن النظام، ولأسبابه الخاصة، قد تسامح مع صعوده؛ إذ رأى فيه مرشحًا مثاليًا
لإضعاف نفوذ الطبقة الدينية الإيرانية، ولربما تعميق الانقسام داخل الهرمية الدينية الشيعية. وبحسب رجل أمن سابق عمل مع النظام، فقد كانت ثمة تعليمات لدعم محمد الصدر مرجعًا أعلى في الحوزة، ومن بين ذلك تيسير طباعة كتبه، ومن ثم، تعريفه بالجمهور في وقت كان العراق يعاني شحًا في مواد الطباعة بسبب الحصار. لكن ليس ذلك دليلً كافيًا على أن الصدر كان متعاونًا مع
النظام؛ فوفقًا لرجل الأمن المذكور، كانت الدولة «ترعى» الخوئي وترسل إليه الأطباء عند مرضه، وكانت على تواصل دائم معه. وليس ذلك بمستغرب، نظرًا إلى أن المرجع الأعلى كان يتولى الإشراف
على المدارس الدينية في النجف، وعلى طلب تجديد إقامة الطلبة الأجانب، وغيرها من الخدمات التي تطلبت التواصل بين مكتبه والسلطات؛ أي إن هذه العاقات التنظيمية لا تحيل بالضرورة إلى وجود تحالف أو تخادم سياسي. وعلى الأرجح، فإن الصدر تواصل مع الدولة على أساس أنه المرجع الأعلى، واتخذ خيار المهادنة وعدم الصدام، وإظهار الرغبة في التعاون، لكي يكتسب ادّعاؤه زعامةَ الحوزة العلمية الدعمَ الحكومي
الضروري. وبالفعل، أخذت أجهزة الدولة المعنية تتعامل معه بعض الوقت، على أساس أنه المرجع الأعلى، فمُنح حق الإشراف على المدارس الدينية في النجف، وإنشاء جامعة دينية جديدة باسم جامعة
الصدر الدينية، وتوقيع طلبات إقامة الطلبة الأجانب، وتقديم قوائم بالطلبة الدينيين إلى السلطات، لغرض إعفائهم من الخدمة العسكرية الإلزامية. إن تفاهم الصدر المدروس مع الحكومة هدف في النهاية إلى تطبيع زعامته للحوزة العلمية. لكن تلك الزعامة تظل ناقصة من دون تأكيد مشروعيته وفق تقاليد تلك الحوزة، وهي مشروعية تقترن بالبرهنة
(29) Linda S. Walbridge, The Thread of Muʿawiya: The Making of Marjaʿ Taqlid , John Walbridge (ed.) (Indiana: The Ramsay Press, 2014), pp. 100–108.
(3((ينظر مثلً:
Phebe Marr, The Modern History of Iraq , 3 rd ed. (Boulder: Westview Press, 2012), p. 249.
(((3 كما يوضح عباس كاظم في دراسته المستندة إلى وثائق حزب البعث، فإن نفوذ المراجع الإيرانيين في العراق كان قضية
مزعجة للنظام، ينظر: رشيد خيون، 100 عام من الإس ماا السياسي في العراق: الشيعة (دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، 0112)، ص –361363؛
Khadhim, pp. 12–13.
(((3 مقابلة تلفونية أجراها معه الباحث في.2018/2/27 (((3 بنيت هذه المعطيات على أساس محادثات متفرقة مع منتمين إلى التيار الصدري، وكذلك على الحوار المرئي (الفيديو)
للصدر، ومصادر أخرى منها: عباس الزيدي المياحي، السفير الخامس (نص كتاب إلكتروني) (النجف: [د. ن.]، 1418 ه)، شوهد في 020/5/31:2، في https://w.tt/3exOTsP؛ صالح عباس الطائي، «الدور السياسي للسيد محمد محمد صادق الصدر في تاريخ
العراق المعاصر: 999–1991 »1، مجلة أهل البيت، العدد 20 (0162)، ص –434.468
على أنه أعلم المراجع الأحياء الموجودين؛ لذلك ذهب الصدر إلى إصدار رسالته الفقهية التي تعتبر ضرورية لترصين موقفه بوصفه مجتهدًا، وجذب المقلّدين إليه. لكنه جادل أيضًا بأن مصدر مشروعيته يتأتى من كونه قد تمكّن من علم الأصول، وهو في نظره أرفع مكانة من الفقه؛ لأن الرسالة الفقهية لا يمكن أن توضع من دون إلمام صاحبها بالأصول، وهو العلم الذي يضع قواعد الاجتهاد والوصول إلى الأحكام الفقهية. وفي حوار مسجل له، أجرى الصدر مقارنة بينه وبين السيستاني، مشيرًا إلى أنه أعلم
من السيستاني وبقية المراجع، بسبب تفوقه عليهم في علم الأصول، عارضًا أيضًا المناظرة العلنية مع بعضهم. واحتج الصدر بأنه درس علم الأصول عند أعلم مجتهدي عصره، محمد باقر الصدر، وبأنه لم يصل إلى الإلمام الكامل بالفكر الأصولي للصدر الأول فحسب، بل صار في مقدوره، أيضًا، أن يطوّره
ويضيف إليه بما يجعله ضمنيًا أعلم حتى من أستاذه الميت. إن اللجوء إلى هذه المحاجات يؤكد
أن الصدر كان يدرك أن الحصول على الشرعية التقليدية التي تتأتى من تأكيد الأعلمية، ومن الإلمام بعلوم الاجتهاد المتوارثة، كان أمرًا لا يمكن تجاوزه لبناء زعامته الدينية، ضمن الشروط التقليدية العرفية
التي قامت عليها المرجعية. وفي الوقت نفسه، فقد كان يطرح وجهة نظره الخاصة عن الأعلمية على النحو الذي ينسجم مع الموقف «التجديدي» الذي تبنّاه التيار الحركي؛ ليمايز نفسه من التيار التقليدي المهيمَن عليه من خط الخوئي – السيستاني، ولم يكن يمتلك أدوات اختراقه، بفعل عدم توفّره على
شبكة الدعم عبر الوطنية التي منحت خط الخوئي – السيستاني رأسَ مالٍ مهمًا؛ لذلك ذهب إلى طرح
رؤيته للمرجعية «الناطقة» كما كان يسميها. إن هذه المرجعية «الناطقة»، التي مايز بينها وبين المرجعية «الصامتة» لمنافسيه، ستصبح نموذجه الخاص في السلطة، حيث يلتقي التقليد بالكاريزما، والديني بالاجتماعي. في بحثه عن ولاية الفقيه، يتحدث الصدر مؤيدًا الموقف الذي يمنح الفقيه ولايةً عامة، معتبرًا أن
فكرة ولاية الفقيه تنبثق من فكرة القيادة الإسامية إجمالً، باعتباره «قائمًا بأمر الأمّة، ومالكًا لزمام
تدبيرها وقيادتها». لكنه يقرّ بأن الشروط الموضوعية لإقامة تلك الولاية، عندما لا تتحقق، فإن
المرجعية «الواعية» يجب ألا تنكفئ على نفسها وتنشغل بحماية ذاتها، وإنما تسعى لنشر الوعي الإسامي والثقافة والقيم الإسامية؛ حتى يتبلور تدريجيًا المجتمع المسلم الحق. وبهذا المعنى،
يعطي مسؤولية أساسية مضافة إلى السلطة الدينية، من حيث تكبيلها بما يعتقد أنه رسالة اجتماعية، مستبطنًا النقد الذي اعتاد أن يوجّهه إلى ما يسميه المرجعية «التقليدية» التي تنعزل عن المجتمع،
(((3 مقابلة مرئية (فيديو) مع محمد الصدر. 3(((محمد الصدر، مبحث ولاية الفقيه (قم: مدين، 0002)، ص 7.3 ويؤكد في موضع آخر «الحاجة إلى وجود الولاية للشخص المؤهل لها على الأمة الإسامية، ولو على الصعيد التشريعي النظري؛ لكي تصل إلى حيز التنفيذ متى واتت الظروف»، ينظر: المرجع نفسه، ص 56. (((3 المرجع نفسه، ص –112113، –116.131 ويشير الصدر إلى أن «المرجعية الواعية» تستمد مشروعيتها «من النيابة العامّة الثابتة
بأدلة ولاية الفقيه أيضًا، لكنها تقتصر على الصاحيات والأعمال التي تسالم الفقهاء على جوازها، والقيام بها خلفًا عن سلف، وهي
الفتوى على نحو رئيس، والأمور الحسبية على نحو محدود. ولا تتناول في أعمالها ما يتوقف جوازه على ثبوت الولاية العامة، أخذًا
بزيادة الاحتياط للدين، وزيادة الحذر من أعداء الدين»، ينظر: المرجع نفسه، ص.114 ويمكن النظر إلى هذا النص بوصفه توصيفًا من الصدر لطبيعة مرجعيته ومسؤولياتها، وخصوصًا مع التمييز الذي يجعله بينها وبين «المرجعية التقليدية».
وتُعنى بميكانيكية الوظيفة الدينية الفقهية المحصورة بإنتاج الفتاوى حول العبادات والمعامات الفردية وحسب، وتلك خالية من المضمون الأيديولوجي الاجتماعي. وإن كان موقف الصدر هذا متناغمًا
مع موقف حركيين سبقوه، كالخميني والصدر الأول، فإنه اتجه فعلً إلى تطبيقه، عبر تأجيل المواجهة المباشرة مع النظام السياسي؛ بسبب عدم تحقق الشروط الموضوعية، وإياء أسلمة المجتمع العناية، بوصفها مشروعه المباشر. وهنا تحديدًا سيجري توظيف الكاريزما لكسب المؤيدين، والسلطة الدينية لبناء شبكة المريدين والأتباع المباشرين. في البداية، كان على الصدر أن يعتمد على عدد محدود من الوكاء ليقوموا بوظائف مثل: جمع الخُمس، ونقل الاستفتاءات إلى الجمهور، وكثيرًا ما كان هؤلاء الوكاء يمثلون مراجع آخرين في
الوقت نفسه. ولأن معظم الوكاء البارزين كانوا مرتبطين بشبكة الخوئي – السيستاني، فا يحتمل أنهم كانوا مهتمين بتمثيل الصدر. وكان كثير من الوكاء، في الأصل، من طلبة الحوزة، ومن ثم، فإن الصدر الذي لم يُدرّس في الحوزة سوى أشهر معدودة في نهاية السبعينيات، لم يستطع أن يبني شبكة
كبيرة من الطلبة والمريدين؛ لذلك كان عليه أن يوظف المنزلة الجديدة، وسماح الحكومة له بإدارة المدارس الدينية، لكي يبني قاعدة جديدة من الطلبة والمريدين من خارج الشبكة التقليدية، فاتجه نحو الجيل الجديد من طلبة الحوزة، وخصوصًا رجال الدين المستجدين، أو متوسطي المكانة، ومن خارج
شبكة الخوئي – السيستاني، أغلبيتهم من العرب ذوي الأصول الجنوبية، وليس من العوائل الدينية الأرستقراطية في النجف. ومن هذا التوجه، نشأ تضامن يقوم على أساسين: إثني، واجتماعي. فشبكة الخوئي – السيستاني ذات طابع متعدد الجنسيات، ويهيمن عليها العنصر المتحدث بالفارسية، وهي بحكم تكوينها هذا، وقاعدتها الاجتماعية الدينية، تكيفت مع أنماط تواصلية لا تتطلب التفاعل المكثف مع الجمهور العراقي، ولا ترهن شرعيتها الدينية بالاهتمام بمجتمع قومي بعينه. وبعد كل شيء، فإن السلطة الدينية هي سلطة فوق وطنية، بمعنى أن قاعدتها هي مجتمع المتدينين، وليس مجتمعًا معرفًا بقومية أو إثنية محددة.
لذلك، فإن مضايقات نظام صدام حسين عززت من ميول تلك الشبكة إلى تجنب الاختاط بالعامة، أو من الحضور المكثف في المجال العام، يضاف إلى ذلك أن نشوء الدولة الإسامية الثيوقراطية في إيران، وانتقال معظم رجال الدين الحركيين إلى العمل في أجهزة تلك الدولة، قد تركا النجف فضاءً لرجال الدين غير الميّالين إلى الانخراط في الشأن الاجتماعي والسياسي، فضلً عن أنهم أقاموا
استراتيجيات للعمل والتواصل مع أتباعهم، لا تتطلب منهم الانخراط في الشأن السياسي، فمثلً، اتجهت طائفة الخوجة المؤثرة إلى دعم الخوئي، ومن بعده السيستاني، بسبب التزامهما بالخط غير المسيّس، وبوصفهما يطرحان بديلً مائمًا من مراجع الدين الإيرانيين الذين قد يخضعون لسلطة
الدولة الإيرانية. ومثَّل الخوئي والسيستاني خيارًا جيدًا لكثير من الشيعة في الخليج الذين يريدون
الالتزام بواجباتهم الدينية وبالتقليد، من دون أن يعرّضوا أنفسهم لمحاذير سياسية في دولهم المتحسسة
من النفوذ الإيراني. وقد وفرت هذه القواعد في خارج العراق جزءًا كبيرًا من التمويل المالي للشبكات
(37) Walbridge, The Thread of Muʿawiya , pp. 10–108.
الدينية وللمؤسسات التابعة للخوئي، ومن بعده السيستاني. والنتيجة أن الميل غير الحركي عند هذه الشبكات لم يكن ناتجًا من موقف أيديولوجي، أو تفسير فقهي خاص بوظيفة الفقيه فحسب، وإنما
لاعتباره المسلك المائم لبقاء مؤسسة التقليد وديمومتها أيضًا. ولأن الصدر لم تتوافر له قنوات الوصول إلى هذه القواعد فوق الوطنية، فقد وظّف أدواته الخاصة لبناء قاعدته داخل العراق؛ حيث بدأ في إلقاء محاضراته الدينية على الطلبة الشباب، وتقريب عدد منهم، وتحويلهم إلى ممثلين ووكاء له، وأخذ يرسل هؤلاء الوكاء إلى مناطق لم تكن موضع اهتمام كبير لدى المراجع الآخرين، وخصوصًا المناطق الشيعية الفقيرة، في الجنوب وضواحي بغداد، ويُام
المراجع الآخرون على عدم التواصل معها، لأن أبناءها لا يتمكنون من دفع الخُمس. وبسرعة نسبية، أصبح لدى الصدر عدد كبير من الوكاء والممثلين والمريدين. وبطبيعة الحال، فإن لسانه العربي، ونزعته الاجتماعية البسيطة، وكاريزما السيد العلوي المنتمي إلى نسل الأئمة، عوامل سهّلت عليه
جذب كثير من القطاعات الشعبية في تلك المناطق التي كانت، من جهتها، تعيش أزمة اجتماعية اقتصادية متفاقمة، بسبب تأثير العقوبات الاقتصادية، والتهميش الذي تواجهه من مراكز المدن، وأزمة ثقافية بفعل التناشز بين بيئاتها المدينية الطرفية والثقافة القبلية المتوارثة، لكن الآخذة في الذبول. وقد أخذت وصايا الصدر تنتشر بين هذه القطاعات عبر وكائه، في هيئة تسجيات صوتية أو منشورات أو كتب. فنجح الصدر في ملء فراغ في السلطة الثقافية، نشأ أساسًا من انكماش الدولة، وتراجع
قدرتها على توفير الحد الأدنى من الحاجات الاقتصادية للسكان، ومن ثم، تفكّك العقد الاجتماعي القديم الذي قام على عاقة مفادها قيام الدولة بتوفير فرص العمل والترقي الاجتماعي الاقتصادي للسكان، مقابل خضوعهم لسلطتها. وفي هذه الفضاءات، حيث فرص الترقّي الاجتماعي قد تراجعت، والهيمنة الثقافية للسلطة البعثية قد تقوضت، وحصل تمازج بين سردية المظلومية الشيعية التي وصلت أوجَها عقب قمع انتفاضة 9911، وبين الشعور بالتهميش الاجتماعي الاقتصادي لدى سكان الضواحي
الفقيرة، كمدينة الصدر والشعلة في بغداد، تنامى الطلب على قيادة تملأ الفراغ، وقد كانت قيادة محمد الصدر هي النموذج المائم لهذا الوضع. وظّف الصدر خطابًا يقوم على أفكار العدالة ومقاومة الظلم، والطاعة للسلطة الدينية. ولربما ساعده
إلمامه بالفكر الماركسي الذي كتب له نقدًا في موسوعته الشهيرة، موسوعة الإمام المهدي، في تطوير ما يعدّه بعضهم خطابًا شيعيًا يساريًا. وفي هذا السياق، فإن التمييز الذي أقامه بين «الحوزة الناطقة»،
بوصفها تلك المسكونة بالهمّ الاجتماعي، وبقيادة المجتمع ليصبح إساميًا، مع ما تنطوي عليه فكرة
«الإسامية» من دلالات قيمية وسلوكية، في ظل ازدياد مركزية الدين في تكوين النظام القيمي المعياري، ومواضع الهوية المجتمعية، عن «الحوزة الصامتة»، قد عكس منظورًا للشرعية استُلهم اجتماعيًا، وحُوّل
إلى موقف عدائي تجاه من اعتبرهم الصدريون طبقةً دينية أرستقراطية مشوبة بالفساد، ومتهمة بالتآمر ضد الصدر؛ لأنه يمثل القيادة «الإسامية» الحقة. أي إنه بقدر ما كان الصدر في حاجة إلى شرعيته
(38) Walbridge, «Counterreformation,» pp. 230–264.
(3((محادثات حرة مع منتمين إلى التيار الصدري.
التقليدية ليعزز موقعه في الحقل الديني، فإنه كان في حاجة إلى شرعية اجتماعية ليوسع نطاق سلطته. وما كانت هذه الشرعية لتتحقق من دون تبنّيه تعريفًا حركيًا وأيديولوجيًا للإسام. وهذا التعريف الحركي ذو الدلالات الخَاصية هو الذي ساعده في كسب مريدين من المعممين الجدد أيضًا، الذين تخرّج بعضهم في جامعات غير دينية، ودرسوا اختصاصات علمية أخرى، لكنهم انتقلوا
إلى الحوزة في سياق التدين الاجتماعي الصاعد، أو بحثًا عن التعويض من الشعور بالإحباط تجاه انغاق فرص الترقي الاجتماعي، ومن هؤلاء من أعلن نفسه بعدئذ مرجعًا يمثل استمرارية لخط محمد الصدر، كما هي حال محمد اليعقوبي (960–1) ومحمود الحسني الصرخي (964–1)، وكاهما تخرّج في كلية الهندسة. وقد كان سعي الصدر لتحديث الدرس الحوزوي، مثلً، عبر اشتراطه اختبارًا
في العلوم غير الدينية، إلى جانب الاختبار الديني، من أجل قبول الطلبة في جامعة الصدر الدينية التي كان يشرف عليها، تجسيدًا لتصوره بضرورة أن يكون رجل الدين عارفًا بشؤون المجتمع ومتطلباته، وليس قاصرًا في معارفه على المسائل الفقهية الثانوية كالحيض والنفاس فحسب، وهو تذكير بموقف
مشابه للخميني الذي كان أحدَ من درس الصدر عندهم في شبابه (على الرغم من أن الصدر نفسه قلّل من حجم تأثير الخميني فيه، مقارنة بتأثير الصدر الأول). اتّجه الصدر إلى توسيع قاعدته الاجتماعية، وتطوير قنوات التواصل مع الجمهور، عبر أدوات، مثل: صاة الجمعة؛ إذ أمر وكاءه بإقامتها في مناطقهم، ومن ثم تولى بنفسه إمامة الصاة في مسجد الكوفة، كاسرًا بذلك موقفًا تبنّاه كثير من المراجع في أن صاة الجمعة ليست واجبة، بل إن بعضهم
ذهب إلى تحريمها، استنادًا إلى أنها يجب أن تقام في ظل الإمام العادل. كانت الصاة وسيلة لتوسيع الوجود في الفضاء العام الذي كان النظام يحتكره ويهيمن عليه، وقد عكست مراسات حزب البعث خشية النظام من أن تتحول تلك الصاة إلى مصدر تحدٍّ للسلطة. وقد كان النظام يراقب صاة الجمعة التي أقامها الصدر ووكاؤه عن قرب، وطُلب من بعض الوكاء الدعاء لصدام حسين في الصاة، إلا أنهم لم يستجيبوا في كثير من الأحيان، ويشاع أن الصدر أمر أتباعه أمرًا مباشرًا بتجنّب ذكر
اسم أي شخص في صاة الجمعة. كان ذلك بمنزلة تحدٍّ صريح لهيمنة النظام على الخطاب العام وفضائه، معمّقًا خشية السلطات من أن يكون التحشيد الجماهيري المرفق بخطاب غير مهادن تمامًا
للسلطة وسيلةً نحو رفع درجة التحدي لها. لذلك بدأت السلطات في تطبيق مزيد من المضايقات على أئمة الجمعة الصدريين، وقد أدى ذلك إلى اندلاع احتجاجات عام 9981 في مدينة الناصرية، وصدامات بين المصلين ورجال الأمن، وتبع ذلك سلسلة من الاعتقالات لأئمة الجمعة وبعض
(4((مقابلة الصدر؛ وينظر: المياحي. (((4 المياحي. (((4 خال مراجعتي لأرشيف حزب البعث الموجود في معهد هوفر، بجامعة ستانفورد، اطلعت على مراسات عدة بين فروع
حزب البعث في المحافظات والقيادة القُطرية للحزب، ترصد مجريات صاة الجمعة للصدر ووكائه. مثلً، الوثيقتان رقم –01(0483–0000–2348)، ورقم (0552–0000–2348–01). (((4 ذكر هذه المعلومة، حازم الأعرجي، وكيل الصدر في الكاظمية، في لقاء تلفزيوني منشور، شوهد في 019/3/30:2، في
https://bit.ly/2ZPhdCZ
الناشطين الصدريين. وبدلً من الرضوخ، صعّد الصدر من مستوى خطابه المتحدي، مطالبًا في إحدى
خطب الجمعة بالإفراج عن المعتقلين، ومهددًا باتخاذ مواقف أشد حزمًا إن لم يُستجب مطلبه. ولم تكن صاة الجمعة وحدها سببًا لتردّي العاقة مع النظام، بل كانت هنالك خطوات أخرى
اعتمدها الصدر في مشروعه للأسلمة المجتمعية، ومن بينها إصداره كراسًا في نقد الأعراف العشائرية
المستخدمة في حل النزاعات، في ما بين أفراد العشائر، أو بين عشيرة وأخرى، واعتبرها الصدر مناوئة للشرع الإسامي، مجرِّدًا شيخ العشيرة من أي سلطة لتنفيذ القوانين العشائرية، ومعتبرًا أن السلطة
الشرعية الوحيدة هي سلطة الفقه والفقيه. وقد وزّع أتباع الصدر الذين ينتمي بعضهم إلى مناطق تغلب فيها النزعة العشائرية كراسه بين أفراد العشائر؛ ما أقلق بعض الشيوخ الذين أخبروا السلطات بهذا العمل. جاء هذا الموقف الصدري في وقت كان نظام صدام حسين يرعى ما سمّاه أماتزيا
بارام وفالح عبد الجبار سياسات إعادة القبلنة؛ إذ كان النظام يسعى لبناء عاقات زبائنية مع شيوخ العشائر من أجل تخويلهم القيام ببعض الوظائف الأمنية والرقابية، في ظل الضعف الذي انتاب أجهزة الضبط التقليدية، واطّراد التحول إلى النموذج الباتروموني في إدارة عاقات السلطة. وقد وصف تقرير لحزب البعث كتيب الصدر بأنه محاولة ينبغي التصدي لها؛ لإضعافها مكانة حزب البعث والدولة بين العشائر. وشيئًا فشيئًا، اتجهت العاقة بين النظام والصدر إلى التوتر، وأفضى ذلك في النهاية إلى اغتيال الصدر،
على الأرجح على يد النظام، في شباط/ فبراير 999.1 اعتبر أتباع الصدر مقتله «شهادةً» توّجت رسالته،
وعبّرت عن طبيعة رسالته الكاريزمية التي تتجاوز في مَدياتها حياته، لتصبح بعدئذ مصدرًا للشرعية لمن
يبغون التصدي للقيادة. تداول الصدريون بعد مقتل زعيمهم أدعيةً يؤدونها، تشير إلى منزلته المتعالية، وتحول استذكار شهادته إلى طقس يشبه استذكار شهادات الأئمة الشيعة المعصومين. في أحد تلك الأدعية يشار إلى الصدر بوصفه «من قال كلمة الحق، وهي أعظم الجهاد [...] ومن اقتلع الخوف من أهل العراق [...] ومن كان ثورة الفكر وقائدها [...] ومن أعاد الحياة بعد السبات، والذي لن يفنى جسده بالتراب». ثم بُني له مرقد بعد سقوط النظام، وأعيدت تسمية عدد من المناطق والشوارع
باسمه، كما هي الحال مع مدينة الصدر.
(((4 تفاصيل تلك الأحداث مذكورة في مراسات لحزب البعث، بالوثائق المرقمة الآتية: أرشيف القيادة القطرية لحزب البعث، معهد هوفر، (0751–0002–3751–01)، (0753–0002–3751–01)، (0754–0002–3751–01)، (0755–0002–3751–01)؛ وينظر أيضًا:
Khadhim, pp. 40–51.
4(((محمد الصدر، فقه العشائر (بيروت: دار البصائر،.)2011 (((4 تفاصيل ذلك مذكورة في مراسات أحد الفروع التابعة لحزب البعث، أرشيف القيادة القطرية لحزب البعث، معهد هوفر، الوثيقة رقم (0644–0002–3751–01).
(47) Faleh A. Jabar, «Shaykhs and Ideologues: Detribalization and Retribalization in Iraq, 1968–1998,» Middle East Report , no. 215 (2000), pp. 28–48.
(((4 أرشيف القيادة القطرية لحزب البعث، معهد هوفر، الوثيقة رقم.)0644–0002–3751–01((4((أرشيف القيادة القطرية لحزب البعث، معهد هوفر، الوثيقة رقم.)0448–0000–2348–01(
وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 0032، ستصبح وراثة كاريزما الصدر موضع نزاع بين عدد من أبنائه ومريديه. لكن القيادة الاجتماعية السياسية في هذا النزاع قد انتقلت إلى ابنه، مقتدى الصدر (974–1)، الذي أصبح زعيمًا للجماعة الصدرية، على الرغم من عدم بلوغه المنزلة الدينية التي تؤهله ادّعاء
السلطة المرجعية، بمعناها التقليدي. بينما برز عدد من طابه، ولا سيما محمد اليعقوبي، بوصفهم مراجع يدّعون تلك الشرعية التقليدية، لكنهم لا يمتلكون الزخم الجماهيري نفسه الذي بات تحت قيادة مقتدى الصدر. وقد ظلّ مقتدى الصدر يحيل إلى توصيات أبيه في معظم أفعاله وأقواله، طارحًا
نفسه حاميًا لميراث أبيه وسمعته. وبذلك، عادت سلطة التقليدي لتنفصل عن سلطة الكاريزما، في
خطين متباينين في فهم ميراث الصدر وتوظيفه.
ثانيًا: السيستاني: التقليدانية الناشطة
يمثل السيستاني نموذجًا جيدًا للكيفية التي يقود بها تغير الأوضاع السياسية إلى إعادة تشكيل وظيفة
السلطة الدينية ومكانتها؛ فالسيستاني الذي لم يُعرف عنه طوال سنوات وجوده الطويلة في النجف
الانخراط في الشأن السياسي، وظهرت مرجعتيه الدينية امتدادًا لخط الخوئي الاعتزالي، وجد نفسه بعد عام 0032 في مواجهة أوضاع جديدة محمّلة بفرص وتحديات مختلفة. لكن خافًا للصدر الذي جمع
الكاريزما الاجتماعية مع السلطة التقليدية لتأكيد منزلته القيادية ومشروعه المجتمعي التغييري، حاول السيستاني قدر الإمكان الإبقاء على نوع من الفصل بين شرعيته التقليدية في الحقل الديني وحركته في المجال الاجتماعي السياسي. ولا يعني ذلك ألّ عاقة البتّة بين منزلة السيستاني، بوصفه مرجعًا أعلى للطائفة، وطبيعة حركة مرجعيته خارج الحقل الديني؛ فرأس ماله الاجتماعي، وفق منظور بورديو، يُبنى على منزلته المرجعية داخل الحقل الديني، بل المقصود أن السيستاني لم يسعَ لإعطاء الدين
بعدًا أيديولوجيًا، لتغطية حركته خارج الحقل الديني، ولا سعى أيضًا للتنظير لنطاق أوسع من سلطة
المرجع الديني، ولا جعل من «الأسلمة» الاجتماعية مشروعه الأساسي. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى السيستانية بوصفها نوعًا من التقليدانية الجديدة التي وجدت نفسها أمام سياق يتطلب التخلي عن النهج الاعتزالي، لكن حركتها في المجال العام لم تُبنَ على الكاريزما الشخصية، أو على إضفاء مضمون أيديولوجي للدين، أو التنظير لنمط معين من أنماط الدولة الإسامية. ظل السيستاني طوال التسعينيات ملتزمًا بيته في النجف، قاصرًا تواصله على عدد محدود من المقربين،
ولا سيما مع وكائه وممثلي الشبكة عبر الوطنية للمرجعية. وبحسب ليندا وولدبيرج: «كان السيستاني، إلى حدٍّ بعيد، نموذج المرجع التقليدي المنهمك تمامًا في دراساته الدينية، والزاهد عن أي شكل من
أشكال التدخل في الشؤون الإيرانية والعراقية [...] إنه نموذج رجل الدين الذي طالما انتقده الخميني بحدة». وعلى الرغم من وجوده في النجف، فإن ذلك لم يدفعه إلى اقتحام المجال العام في العراق، أو إظهار أي اهتمام سياسي، بل كان ملتزمًا بتقاليد الخوئي وغيره من كبار المراجع الإيرانيين الميالين
إلى اعتزال المحافل الاجتماعية، والتركيز على القضايا الفقهية والعباداتية، وإظهار أكبر قدر من الزهد.
(50) Walbridge, «Counterreformation,» p. 237.
وعلى الرغم من أنه شارك الصدر انتماءه العلوي، فإن أصله الإيراني، ولكْنته الفارسية الواضحة، أسهما في تقليص مساحة تواصله الاجتماعي في العراق، وإن كان العامل الأساسي في ذلك هو التضييق الذي مارسته السلطة البعثية ضد المراجع الشيعة، وخصوصًا أولئك المنحدرين من أصل إيراني. ولربما كانت الخصائص ذاتها المذكورة آنفًا قد أسهمت في إبقاء الغموض حول شخصية السيستاني وميوله واهتماماته، ومن ثم الطريقة التي سيتصرف بها بعد سقوط نظام صدام حسين. وفي الحقيقة، جاءت المرة الأولى التي برز فيها اسمه في الإعام العالمي، بعد محاصرة جماعة من الصدريين منزله إثر سقوط نظام صدام حسين، ومطالبته بمغادرة العراق، ولم يُفك الحصار إلّ بعد تدخل بعض العشائر
التي اعتبرت هذا العمل تعدّيًا على السلطة المعنوية للمرجعية الدينية في النجف. وبعدئذ صار كثيرون
يلجؤون إلى السيستاني ومكتبه، حاملين أسئلة حول طريقة التعامل مع الأوضاع المستجدة إثر سقوط النظام، كموضوع ماحقة البعثيين وأخذ القصاص منهم، والتصرف في أماك الدولة التي تعرضت للنهب، وغيرها من الأمور. إن مكانة المرجع الأعلى، وهي منزلة تقليدية – عرفية بالمنظور الفيبري، منحت السيستاني أكثر من غيره من الفاعلين الدينيين رأس المال الاجتماعي الكافي، ليظهر صاحب الكلمة العليا في النجف، ومن ثم الممثل الأعلى للطائفة؛ لهذا لا يمكن الادعاء بأن هنالك انفصالً حادًا تمامًا بين الشرعية الدينية والشرعية الاجتماعية، بل، كما سنوضح، إن طريقة توظيف تلك الشرعية
اجتماعيًا وسياسيًا حاولت أن تُبقي على مسافة واضحة بين حقل الفعل الديني ومجال الحركية في
الفضاء العام. شهدت مرحلة ما بعد الحرب تنافسًا في الحقل الديني بين قوى دينية عدة، شملت الصدريين، على
أصنافهم، والشيرازيين وأتباع مرجعية كاظم الحائري (938–1) الذي يسكن في قم، فضلً عن أنصار نظام ولاية الفقيه في إيران والمرشد الأعلى فيه. لكن السيستاني برز تدريجيًا بوصفه الأعلى منزلة
والأكثر نفوذًا (على الأقل في المنظور السائد مجتمعيًا وسياسيًا)، لأنه حظي بالشرعية التقليدية المستندة
إلى كونه أبرز المراجع في النجف، ولأنه استخدم رأس ماله الاجتماعي بطريقة تعيد تأكيد تفوقه داخل الهرمية الدينية، أي بتحسين موقعه في الحقل الديني، وخصوصًا مع فراغ في السلطة والقيادة يتطلب
ظهور مركز سلطة بديل. لم يُظهر السيستاني ميلً إلى أي أجندة حزبية أو جماعاتية، كما كان الحال
مع الصدريين وكاظم الحائري مثلً، ولم يفرط في التعبير السياسي أو التعامل المباشر مع الأحداث السياسية، مركزًا على ما هو استراتيجي في قيمته، ومن ثم نجح في الاحتفاظ بمنزلته الاعتبارية عند
أوسع رقعة من المريدين، وحافظ على القوة التي يمنحها «الحياد» في تلك البيئة المشحونة بالتنافس وغياب اليقين. فقد جعل من النزعة «الاعتزالية» أو العزلة الفردية قوةً حركية، بدلً من أن يلجأ إلى تكثيف انخراطه الشخصي في المجال العام بطريقة قد تسبب تآكل رأس ماله الاجتماعي. لكن تلك الخيارات الذاتية، المرتكزة على تراثٍ من الممارسات الحذرة والاحتجاب المدروس، لم
((5(يمكن الاطاع على نماذج من تلك الأسئلة والاستفتاءات في الكتاب الذي وضعه، حامد الخفاف، ممثل السيستاني في
بيروت، وتضمن تصريحات وفتاوى السيستاني في الشأن السياسي بعد عام 003 2، في: حامد الخفاف، النصوص الصادرة عن
سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية، ط 6 (بيروت: دار المؤرخ العربي، 015.)2
تكن منعزلة عن الشروط الموضوعية والفرص والتحديات التي خلّفها سقوط النظام. بل على العكس، أسهمت تلك الشروط في إعادة بناء حضور المرجعية في الفضاء العام، والتوفيق بين نزعتها الاعتزالية واتساع رقعة انخراطها وعلنية تأثيرها، لتنتج ما يمكن الاصطاح عليه ب «التقليدانية الجديدة»؛ تلك التي لا تتجاوز خطوط الشرعية الدينية بمعناها التقليدي، لكنها تمارس فاعليتها الاجتماعية وفقًا لمقاربات مفاهيمية وحاجات براغماتية، تشتق بعض مصادرها من خارج المدونة الفقهية التقليدية، إن استخدمنا مقاربة الباحث عبد الجبار الرفاعي. هنا تحديدًا تبدو المعالجة المرتكزة على تحليل الممارسة، لا النصوص، ضرورية لفهم كيف يعاد تشكل السلطة التقليدية في إطار الشبكات العائقية التي ينتجها ويغيرها الواقع الاجتماعي السياسي. فإدارة سلطة الاحتال الأميركي كانت في حاجة إلى محاور يمثل «الأغلبية الشيعية»، وقادر على التأثير في خيارات الوسط الشيعي، في وقت كان هنالك تنافس وتباين في الخيارات بين القوى الشيعية التي عادت من المنفى، مثل المجلس الإسامي الأعلى، وحزب الدعوة، وبين الصدريين الذين تبنّوا موقفًا معارضًا لاحتال الأميركي، بل اصطدموا معه عسكريًا.
يمكننا القول إن السيستاني مثّل القوة «الطبيعية» المحايدة التي تتمتع بالرصيد المجتمعي الضروري، وتتجنب الخيارات الراديكالية على اختاف أشكالها. وهذه السلطة، كانت ضرورية أيضًا للحد من نفوذ إيران على القوى الشيعية، من دون الانحياز إلى الموقف الأميركي المناوئ لطهران. ولهذا أخذ الحاكم المدني الأميركي، بول بريمير Bremer Paul (004–20032)، في البحث عن وسطاء ليوصلوا الرسائل بينه وبين السيستاني، باعتبار الأخير يمثّل السلطة النهائية التي تمثل الغالبية المجتمعية (التي لم تتجسد انتخابيًا بعد)، للتفاوض بشأن الانتقال السياسي في العراق. وعلى الرغم
من أن السيستاني عارض الخطة الأميركية لانتقال؛ إذ تضمنت تأخير نقل السلطة إلى العراقيين واعتماد جمعية انتقالية غير منتخبة لكتابة الدستور، فإنه لم يذهب إلى حد الدعوة إلى مواجهة الأميركيين بالساح، كما فعل الصدريون. وهنا أيضًا، فإن نهجه غير الأيديولوجي كان أكثر فاعلية، لأنه سمح في النهاية بالتوصل إلى صيغة بديلة، عبر إقامة انتخابات مبكرة ونقل السلطة إلى حكومة انتقالية، من دون الذهاب إلى المواجهة المسلحة، وكذلك من دون المغامرة بشرعية السيستاني المجتمعية في حالة رفض مطالبه. لم يؤطر السيستاني دعوته إلى تشكيل مجلس تأسيسي منتخب «يضع دستورًا يطابق المصالح العليا
للشعب العراقي، ويعبّر عن هويته الوطنية التي من ركائزها الدين الإسامي الحنيف، والقيم الاجتماعية
النبيلة»، بتأطير ديني مكثف، أو بالإحالة إلى مصادر فقهية. ويرى عبد الجبار الرفاعي أن السيستاني اقترب في موقفه هذا من محمد حسين النائيني (936–1860 1)، صاحب كتاب تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة (9091)، الذي ألّفه في دعم الحركة الدستورية في إيران مطلع القرن العشرين؛ إذ لم يجعل نظام
(5((عبد الجبار الرفاعي، «مفهوم الدولة في مدرسة النجف»، صحيفة المثقف، 012/7/102، شوهد في 020/5/31:2، في
https://bit.ly/2yTmyOA (53) Al–Qarawee.
((5(الخفاف، ص.35
الدولة الدستورية المقترح أسيرًا لاشتراطات المدونة الفقهية. وبغضّ النظر عن دقة هذه المقاربة،
عكس السيستاني موقفًا ميالً إلى الديمقراطية (الانتخابية)، تبنّاه قبله رجال دين شيعة بارزون، مثل محمد مهدي شمس الدين (001–19362) الذي كان وكيلً له قبل وفاته، وانتقل من الموقف المُطالب
بالحكومة الإسامية في شبابه إلى التنظير لسيادة الأمة على نفسها عبر الآليات الديمقراطية الانتخابية، خال التسعينيات تحديدًا؛ بفعل تأثره بالإشكاليات التي نتجت من التجربة الإيرانية. لم يرَ السيستاني ثبوت الولاية العامة فقهيًا، فقد رأى أن «الولاية في ما يعبّر عنها في كلمات الفقهاء
(رض) بالأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد، وأما الولاية في ما هو أوسع منها من الأمور العامة التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الإسامي؛ فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط إضافية، ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين». وفي هذا النص ونصوص أخرى، يبدو أن السيستاني يتبنّى مفهومًا واسعًا لولاية الفقيه، لكنه لا يقر بسلطة مطلقة للفقيه على الدولة؛
لذا يبدو أن السيستاني حاول أن يطوّر طريقًا ثالثة بين «الخوئية» و«الخمينية»، لا يحكمها الاعتزال
التقليدي الصارم، ولا الانغماس الأيديولوجي المسيّس، فكانت «السيستانية نموذجًا مغايرًا يمكن فهمه
من الممارسة، وليس من التنظير المكتوب»، كما يجادل ممثله، حامد الخفاف، وللأمر عاقة برغبة السيستاني في الإبقاء على الفصل بين تقليدانية سلطته في الحقل الديني وحركته في الفضاء العام، وألّ يجعل إحداهما أسيرة الأخرى. وبهذه الطريقة تمكّن من حفظ شرعيته بوصفها مرجعًا لسلطة عبر وطنية، لها أتباع ووكاء ومريدون في أرجاء العالم الشيعي كافة، ومنزلته بوصفه فاعلً فوق دستوري في السياسة العراقية. وقد احتفظت السلطة الدينية للسيستاني بطابعها التقليدي عبر الوطني، بينما أصبح لحضورها في الفضاء العام العراقي طابع وطني. من المعروف أن الدور السياسي لمراجع الشيعة قد جذب الأنظار بعد الثورة الإيرانية عام 9791، فقد برز الخميني زعيمًا لها، وتمخض عن قيام نظام سياسي ذي طابع ثيوقراطي منح الطبقة الدينية دورًا
قياديًا مقنّنًا في الدستور. غير أن النموذج العراقي بعد سقوط نظام صدام حسين كان مختلفًا، فلم
يظهر نظام سياسي يشبه نظام ولاية الفقيه في إيران، بل أشار الدستور الصادر عام 0052 إلى أن العراق دولة «اتحادية [...] نظام الحكم فيها جمهوري نيابي». ولم يشر الدستور إلى أن الحكومة في العراق
((5(ينظر: الرفاعي. ((5(سعود المولى، مداخلة عن الموقف من الدولة عند محمد مهدي شمس الدين، في ورشة عن «الفاعلين الدينيين الشيعة في العراق»، بيروت،.2019/1/21–20 (5((محمد كاظم الجشي، الفوائد الفقهية: طبقًا لفتاوى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني، ج 1 (بيروت: دار الولاء، 0062)، ص.39–38 (5((كقوله إجابة عن سؤال: ما حدود حاكمية الحاكم وموارد نفوذها في حق مقل دي غيرهم؟ «تنفذ أوامر من تثبت له الولاية من الفقهاء على الجميع في الأمور الحسبية؛ بل وفي الأمور العامّة التي يتوقف عليها نظام المجتمع الإسامي». ينظر: المرجع نفسه،
ص.36 وإجابته عن السؤال: هل يجب على باقي الفقهاء الذين لا يرون ولاية الفقيه العامة إطاعة الأحكام الولائية الصادرة عنه؛
لضرورة حفظ النظام الإسامي؟ إذ رأى أن «حكم الفقيه الذي ثبتت له الولاية في موارد ثبوتها لا يجوز نقضه، ولو لمجتهد آخر، إلّ إذا تبين خطؤه ومخالفته لما ثبت قطعًا في الكتاب والسنة»، ينظر: المرجع نفسه. ((5(حامد الخفاف، مقابلة شخصية، بيروت، 2 كانون الأول/ ديسمبر 016.2
«إسامية»، على غرار الدستور الإيراني، وخا من ذكر لمؤسسة الولي الفقيه المتضمنة في المادة الخامسة من الدستور الإيراني الذي صدر بعد الثورة. لكن في الوقت نفسه، فإن الدور الذي أدته المرجعية الدينية الشيعية بعد عام 0032 لا يشبه أدوارها السابقة، من حيث سعته ومستوى القبول به وطبيعة تأثيره. لم يُنص على هذا الدور دستوريًا، لكنه كان حاضرًا في كثير من الأحداث المهمة، وفي
الخطاب السياسي، وفي الرؤية السائدة لتوازنات القوة في العراق، وصار يشبه ما تصفه بعض الأدبيات السياسية الحديثة ب «الارسمية الممؤسسة» Institutionalized Informality. لم يعد غريبًا أن
يصرح أحد السياسيين بأن «المرجعية هي ضمانة بقاء العراق»، أو أنها «صمام الأمان» للبلد الذي عانى صراعات وأزمات هائلة في العقود الأخيرة. وفي هذه الحال، يصبح من المشروع التساؤل: كيف نفهم سلطة المرجعية الشيعية وتجلياتها في الفضاء العام في عراق ما بعد عام 0032؟ إن سلطة المرجع، مثلها مثل أي سلطة، تتشكل اجتماعيًا، وتخضع لاشتراطات السياق الذي تنشط فيه،
بما في ذلك العاقة بأنواع أخرى من السلطة، كسلطة الدولة وسلطة القبيلة وسلطة الوجيه الاجتماعي. وهذا يعني أن التحول في بنية تلك السلطة، وفي طبيعة وظائفها وتمظهراتها في الفضاء العام، يرتبط كثيرًا بالسياق الاجتماعي السياسي، وبالقيم الثقافية المهيمنة في مرحلة معينة، والطريقة التي يطور بها
الفاعل الديني (المرجع) سلوكه وخطابه وطبيعة حضوره في الفضاء العام؛ استجابةً للفرص والتحديات التي يطرحها السياق الذي يتحرك فيه. وبهذا المعنى، فإن تلك السلطة تتشكل في إطار التفاعل بين البنية Structure والذات الفاعلة Agency. يستمد هذا التحول في سلطة المرجعية شيئًا من أهميته من كونه يعكس طبيعة الديناميات الاجتماعية
السياسية التي مرّ بها العراق في العقود الأخيرة، وتتمثل إحداها بالانتقال من هيمنة النخب السياسية
السنية العلمانية إلى هيمنة النخب السياسية الشيعية الإسامية على السلطة السياسية في العراق. ومثل هذه الهيمنة المستجدة تركت أثرها في طبيعة العاقة بين الحقل الديني والحقل السياسي، وبين مركز السلطة السياسي في بغداد ومركز السلطة الديني في النجف، وفي موقف الدولة من المؤسسات الدينية، وكذلك في طبيعة السرديات السياسية التي استُخدمت لشرعنة النظام الاجتماعي السياسي
الجديد Order. لذا، فإن التحول في مكانة السلطة الدينية الشيعية ودورها جرى في بيئة متحولة، و«تعكّز» على تبلور عاقات سياسية جديدة، تأثرت بدورها بمدركات الفاعلين السياسيين الجدد،
وبتوازنات وصراعات القوة التي طبعت الوضع العراقي بعد عام 003 2، وأفرزت مركزَ سلطةٍ جديدًا
مبنيًا على أرثوذكسية جديدة، وهي كأي أرثوذكسية تقصي أو تهمش القوى المتحدية وسردياتها. تجسّد
أحد أهم مظاهر هذه الأرثوذكسية الجديدة في الدور الذي أنيط بالمرجعية الشيعية، بوصفها السلطة
(6((بالاستناد إلى النص الإنكليزي للدستور الإيراني، ينظر:
«The Constitution of the Islamic Republic of Iran (1989 Edition),» Firoozeh Papan–Matin (trans.), Iranian Studies , vol. 47, no. 1 (2014), pp. 159–200, accessed on 31/5/2020, at: https://bit.ly/2MghZkw (61) Gero Erdmann & Ulf Engel, «Neopatrimonialism Revisited: Beyond a Catch–All Concept,» German Institute of Global and Area Studies, Working Paper , no. 16 (June 2006), p. 19. (62) Giddens.
القصوى التي تعلو إرادتها على معظم المؤسسات الدستورية، وغير الدستورية، وهو الذي يجعلني أميل إلى وصفها بالسلطة فوق الدستورية. لهذا، فإن فهم كيفية إعادة تشكل دور المرجعية يتطلب تجاوز الحقل الديني إلى مجال السوسيولوجيا السياسية؛ لأن الأبجدية السائدة في تحليل الحقل الديني لا تسعفنا وحدها في فهم مظاهر الالتقاء بين الديني والمجتمعي والسياسي. وهنا تحديدًا، فإن المقاربة الفيبرية الجديدة، التي تعالج ما يُعرف
بالنيوباترومونية، قد تكون مفيدة إلى حدٍّ ما في فهم كيف تموضعت سلطة المرجعية الدينية في سياق عاقات السلطة القائمة والنظام الذي نشأ بعد عام 0032، من حيث إن المفهوم يشير عامة إلى «خليط من نوعين مترابطين من الهيمنة، بالمعنى الفيبري: الهيمنة الباترومونية (التقليدية) والهيمنة القانونية العقانية». إن ما نقصده هنا هو أن دور المرجعية الدينية وسلطتها بعد عام 0032 قد تشكّل في سياق نظام نيوباتروموني، وهو نظام نتج من اعتماد المؤسسات الحديثة، كالبرلمان والمحكمة الاتحادية والهيئات المستقلة والبرلمان، بوصفها التجسيد الرسمي للسلطة. لكنها ظلت تتأثر وتخترق من أنماط العاقات التقليدية، المشخصنة، والقرابية، والزبونية، بحيث لا تعود الشرعية الدستورية هي المصدر الوحيد لتعريف مقبولية السلطة ووظيفتها وهيكلها الهرمي. النيوباترومونية هي تمازج بين الرسمي وغير الرسمي، والحديث والتقليدي، والمقنن والعرفي، بحيث ينتج من ذلك على مستوى الممارسة منظومة عاقات هجينة، لا تتحدد فيها السلطة ومشروعيتها وفق الاعتبارات الدستورية فحسب، ولا وفق الاعتبارات التقليدية وحدها، بل عبر نماذج هامية ونصف مقننة، وقابلة للتغيير بتغير توازنات القوى. وهكذا نفهم، مثلً، الدور الذي أدته فتوى السيستاني عام 0142 التي دعا فيها «المواطنين» القادرين على حمل الساح إلى الانخراط في القتال ضد تنظيم الدولة الإسامية (داعش)، بعد احتاله الموصل ومدنًا أخرى، ليس في كونها استشعارًا بالواجب الديني، ضمن حدود الولاية الحسبية التي أقرها
السيستاني فحسب، وإنما تأكيد لعلوية سلطة المرجعية في الفضاء العام «الوطني» أيضًا. فتلك الفتوى أسهمت في استعادة المعنويات، وفي ظهور مصدر جديد للشرعية، استندت إليه الفصائل المسلحة التي شُكلت أو عُبّئت لمواجهة تنظيم داعش، وهي شرعية مشتقة من مكانة «المرجعية»، بعدّها سلطةً
فوق دستورية. وتلك «الشرعية» وُظفت في مناسبة أخرى لتحقيق نتائج سياسية مباشرة، وخصوصًا عبر الدور
الذي أداه مكتب المرجع الذي أداره ابنه النافذ، محمد رضا السيستاني (962–1)، كما كان الحال
(((6 إن ما يميز بين الباترومونية والنيوباترومونية أن الأولى تعكس عاقات سلطة «مشخصنة»، يغيب فيها الفاصل بين الشخصي والعام، بينما هذا التمييز قائم، وإن شكليًا، في النيوباترومونية التي تعكس وجود السلطة القانونية العقانية؛ حتى لو كانت مخترقة،
إلى حد بعيد، من أشكال السلطة والعاقات الباترومونية. للمزيد، ينظر:
Erdmann & Engel, p. 18.
(((6 عبد المهدي الكربائي، «ما ورد في خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كرباء المقدسة في 014/6/13»2، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، شوهد في 020/5/31:2، في https://bit.ly/3esnN6q
مع تشكيل الائتاف الشيعي الموحد عام 0042، أو عبر الرسالة التي بعث بها المرجع إلى قادة حزب الدعوة، لحثهم على استبدال رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (014–20062) عام 0142 (وجاءت بعد تأكيد المرجعية موقعها القيادي مجتمعيًا إثر فتوى الجهاد الكفائي ضد داعش).
كذلك الأمر تهديده عبر ممثله في كرباء، عام 0182، باتخاذ موقف متشدد من النخبة السياسة الشيعية في حال لم تتمكن من تشكيل حكومة فاعلة، تحارب الفساد وتقدم الخدمات، وسط تنامي الاحتجاجات الشعبية في المناطق ذات الأغلبية الشيعية. كانت هذه صورًا أخرى للنمط التدخلي الانتقائي الذي يستجيب لتحديات البيئة الاجتماعية السياسية، وليس لمحددات المدونة الفقهية، ويستهدف عدم إهدار رأس المال الاجتماعي للسلطة الدينية، لكن من دون الذهاب بعيدًا في تزكية الخيارات الراديكالية التي قد تقوّض منظومة العاقات الاجتماعية السياسية ذاتها، وهي التي أسهمت في الأساس في تكريس تلك السلطة وتوطيدها. ولنفكر هنا بالتبجيل الذي تحظى به المرجعية في الفضاء الخطابي العام والرسمي، بما هي ممارسة لم تكن شائعة بهذه الدرجة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، والتقنين لحق المرجعية في الإشراف على العتبات المقدسة، وفي تكريس منابر تلك العتبات لتمثيل صوت المرجع الأعلى، دون غيره من القوى الدينية، بوصفها عناصر من عملية إعادة التشكل لتلك السلطة، انصبّت في تعميق منزلتها وتأطير مكانتها المتفوقة،
بما يعكس منظومة عاقاتية جديدة للسلطة، ولنَقُل أرثوذكسية جديدة، لا يمكن للمرجعية، بوصفها فاعلً عقانيًا، أن تجهز عليها نحو بديل غامض. تجسدت هذه البراغماتية الواعية، والفصل بين مصادر الفعل في الحيز العام ومصار التشريع في الحيز الفقهي، في موقف السيستاني غير المتحمس لسنّ قانون الفقه الجعفري الذي تبنّاه بحماسة مرجع آخر، هو محمد اليعقوبي، على الرغم من أن المدونة الفقهية التي يستند إليها السيستاني في نشاطه فقيهًا لا تتناقض مع هذا القانون، إن لم تكن تتطلبه. الأكثر من ذلك، وعلى الرغم من وجود اتفاق على «التقليدانية» الفقهية للسيستاني، يمكن العثور على أحكام فقهية أصدرها أخيرًا، تستجيب
لطبيعة دوره في الفضاء العام العراقي، أو بالأحرى تطوع المدونة الفقهية لاشتراطات هذا الدور، عبر استخدام ما يُعرف في الفقه الشيعي ب «العنوان الثانوي»، كما هي الحال في تأكيده احترام التعاقدات مع الدولة، وضرورة قيام الموظف الحكومي بواجباته الرسمية، ورفضه إدراج أموال الدولة في إطار ما هو «مجهول المالك»، على الرغم من أن هذه القاعدة هي نتاج تراكم فقهي طويل مبني على التشكيك في شرعية الدولة الغاصبة. لم يسعَ السيستاني إلى تثوير نتاجه الفقهي، لكنه لجأ إلى منطق تدريجي حذر في التغيير، يعكس طبيعة ما سمّيته التقليدانية الجديدة، تلك الممارسة التي لا يؤسسها الاعتناق الأيديولوجي، بل التكيف مع متغيرات الواقع الاجتماعي السياسي.
(65) Al–Qarawee.
(((6 علي طالب جواد، «لماذا يجب الوقوف ضد تمرير قانون الأحوال الجعفري»، الحوار المتمدن، العدد 4380، 2014/3/1، شوهد في 020/5/31:2، في https://bit.ly/3esoc8W
خاتمة
تعكس تجربتا الصدر والسيستاني العاقة التفاعلية بين البيئة الاجتماعية السياسية والممارسات التي يقوم بها الفاعل الديني، بوصفه ينشط في حقل محدد هو الحقل الديني، ومنه يكتسب رأس ماله وموقعه الاجتماعي، متأثرًا بما يسميه بورديو «الهابيتوس»، وبوصفه فاعلً عقانيًا، يستجيب لطَيفٍ من
الفرص والتحديات، والحوافز والمحددات التي تنتجها تلك البيئة. وبطبيعة الحال، فإن الخيارات التي تحكم تلك الممارسات تنتج مآلها عبر ما يسمى Path–dependency، أي إن اعتماد خط معين منذ البداية يفرض على الفاعل خياراته المقبلة، فتبنّي الصدر لمشروع الأسلمة المجتمعية، ولدور الفقيه الفاعل في التغيير الاجتماعي، أسهم في توسيع شعبيته وبنى له قاعدة عريضة، توقعت منه الاستمرار في تلبية حاجتها إلى السلطة والإرشاد، وتحدي الوضع القائم، وهو ما قاد إلى الصدام بينه وبين النظام، ثم مقتله بعد ذلك. وفي حالة السيستاني، فإن ظهوره بوصفه مرجعيةً حاسمة في تحديد مسارات البلد، بعد عام 0032، أسهم في بلورة طبيعة حضوره في الفضاء العام، وفرض عليه اتخاذ مواقف ذات أثر سياسي في المفاصل الخطيرة، كما هي الحال في فتوى الجهاد الكفائي ضد داعش، أو في دعمه الاحتجاجات ضد الطبقة الحاكمة ودعوته إلى الإصاح. لا يمكن الفصل بين تجربتي الصدر والسيستاني والتحدي العام الذي مثلته سلطة الدولة الحديثة، بوصفها سلطة قانونية عقانية، وفق التصنيف الفيبري للمرجعية الدينية بما هي سلطة تقليدية – عرفية، ومن ثم، ما أنتجته العلمنة من تأثيرات، ولا سيما إذا ما فهمناها بوصفها ظاهرة تاريخية، تقوم على عملية ضبط الحقل الديني من خال هيمنة الحقل السياسي عليه (وهو النموذج السائد عربيًا
للعلمنة). وقد تنوعت الاستجابات لهذا التحدي عبر مقاربات أيديولوجية مختلفة، تحفل بها الأدبيات المتعلقة بالفكر السياسي الشيعي. لكن ما تمسّ الحاجة إليه هو موضعة تلك الاستجابات
في سياقاتها الاجتماعية السياسية، وتأكيد الطابع الجدلي – الديناميكي في تشكيل وإعادة تشكيل العاقة بين الديني والسياسي والاجتماعي. إن ما يميز تجربتي الصدر والسيستاني أنهما جاءتا في سياق تدهور سلطة الدولة الحديثة، وتراجعها بوصفها مشروعًا تنمويًا ينطوي على توسيع مجال الدولة
العقاني، تأثرًا بسياقات عالمية أنتجتها نهاية الحرب الباردة، وتوسع النموذج النيوليبرالي، وتراجع
الأنظمة والأيديولوجيات الشعبوية اليسارية، وأحوال عراقية ناتجة من الدمار الذي سببته حربا الخليج المتعاقبتان والعقوبات الدولية، ومن ثم الاحتال الأميركي. لقد تمخضت التجربة السلطوية لنظام صدام حسين، وما رافقها من مغامرات عسكرية وعملية إفقار مجتمعي واقتصادي، عن تفكيك المجتمع المدني الجنيني، وإضعاف القوى المجتمعية الحاملة لمشروع التحديث، ومن ثم جاء صعود سياسات الهوية مقرونة بعمليتي الأسلمة والتطييف، لتعيد تشكيل الفضاء السياسي وعاقة الدولة بالمجتمع، ومن ثم دور الفاعل الديني؛ لذا كان تصدي الصدر لمشروع الأسلمة المجتمعية، وتحول مشروعه إلى
(6((العظمة.
Jocelyn Cesari, The Awakening of Muslim Democracy: Religion, Modernity and the State (New York: Cambridge University Press, 2014).
حركة اجتماعية سياسية، تعويضًا عن غياب الأحزاب السياسية الحديثة والمنظمة، وعن التماهي مع
فضاء ثقافي أعيدت فيه المركزية للدين في صناعة الوعي الاجتماعي، وتعريف المعايير الأخاقية، وصياغة الهوية الجمعية. ومن هنا كانت تجربة الصدر ابنة سياقها، بما هي محاولة لانتقال بمشروع الأسلمة المجتمعية إلى مستويات جديدة، تنطوي على مزيد من التمكين للمرجع، وعلى التماهي بين وظيفته الدينية ووظيفته الاجتماعية، ومن ثم السياسية. أمّا تجربة السيستاني، فإنها تأثرت، إضافة الى تلك العوامل، بعامل آخر يتمثل بالانتقال من نموذج الدولة
الشمولية التي تسعى لفرض هوية أحادية على المجتمع، عبر المجانسة القسرية Homogenization، إلى نموذج دولة المكونات الإثنوطائفية التي تحولت فيها الطوائف الدينية إلى جماعات سياسية، وصارت فيها الدولة، في الأساس، حيزًا لتمثيل تلك الجماعات في سياق بارادايم سياسي، لا يكتفي
بمنح «الطوائف» وجودًا مستقلً عن الدولة، وإنما يجعل هذا الوجود أكثر أصالة و«طبيعية» منها. لقد كانت النتيجة المنطقية لتحول الطائفة الشيعية إلى جماعة سياسية هي تحول المرجعية الدينية، باعتبارها المؤسسة الحارسة للتشيع، والمنتجة لمقولاته، والمتمثلة لها مجتمعيًا، إلى سلطة اجتماعية
سياسية تعبّر عن المصلحة «العليا» للطائفة. اتصل ذلك أيضًا بصعود الشيعية السياسية بوصفها
قوةً مهيمنة في النظام الجديد، وبعد أن أصبحت الأغلبية الطائفية التعبير الوحيد المقبول (في ظل البارادايم الجديد) عن الأغلبية السياسية، لتصبح المرجعية الثقافية لتلك القوى، وهي في الأساس مرجعية دينية، عاملً في تشكيل الأرثوذكسية الجديدة، بوصفها تعبيرًا عن عاقات القوة الجديدة، أو
الآخذة في التبلور؛ لذلك فإن مرجعية السيستاني، في تخليها عن الاعتزالية التقليدية، كانت تستجيب لسياق جديد، فرض عليها أن تنخرط، بقدر محسوب، في الحقل السياسي، بوصفها المعبر النهائي عن «الجماعة الشيعية». وإذ إن الشيعة هم الأغلبية، فإن خطابهم سعى للتعبير عن «الوطنية» ذات المركزية الشيعية، وهذه «الوطنية» هي مزاوجة براغماتية بين موقفهم الهادف إلى تأكيد الأحقية الشيعية في السلطة، على أساس تلك الأغلبية العددية، واستشعارهم الحاجة إلى تحويل الشيعية السياسية من أيديولوجيا طائفية، محكومة بتجربة المعارضة وبسردية المظلومية الشيعية، إلى مشروع لبناء دولة متصالحة مع الآخرين. يمكن القول، أخيرًا، إن هذا الدور في تعريف «الوطنية»، وفي رعاية مشروع جديد لبناء الدولة في
العراق (وبغضّ النظر عن المآل غير المشجع لهذا المشروع)، كان عاملً أساسيًا في تشكيل موقف
مرجعية السيستاني، ولا سيما حرصها على الفصل بين دورها الديني – الفقهي المقترن بطابعها فوق الوطني، بوصفها مرجعية للطائفة الشيعية في كل مكان من العالم، ودورها الاجتماعي السياسي في العراق الذي يفرض عليها التعامل البراغماتي مع اشتراطات الوضع العراقي.
(((6 عن تحول الطوائف إلى جماعات سياسية متخيلة، ينظر: عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 018.)2 (6((المقصود بمفهوم «البارادايم» هو «المبدأ المنظم» الذي يحكم المجتمع السياسي؛ إذ أصبحت فكرة تمثيل «المكونات» الإثنية والطائفية قاعدة أساسية في توجيه العملية السياسية، وفي تحديد معايير التمثيل.
المراجع
العربية
إبراهيم، فؤاد. الفقيه والدولة: الفكر السياسي الشيعي. بيروت: دار المرتضى،.2015 أرشيف القيادة القُطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي. معهد هوفر. جامعة ستانفورد.
السياسات،.2018
بيروت: دار الولاء،.2006
دار المؤرخ العربي،.2015
والبحوث،.2011 الصدر، محمد. مبحث ولاية الفقيه. قم: مدين،.2000 ________. فقه العشائر. بيروت: دار البصائر،.2011
999–1991(.»)1 مجلة أهل البيت. العدد 2).016(20
حسين. بيروت: منشورات الجمل،.2010
الغروي، محمد. الحوزة العلمية في النجف الأشرف. بيروت: دار الأضواء،.1994
بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسامي،.2018
حركة الاجتهاد. بيروت: شركة دار السام،.2008
References
بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
الجشي، محمد كاظم. الفوائد الفقهية: طبقًا لفتاوى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني.
الخفاف، حامد. النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية. ط.6 بيروت:
خيون، رشيد. 100 عام من الإسلام السياسي في العراق: الشيعة. دبي: مركز المسبار للدراسات
الطائي، صالح عباس. «الدور السياسي للسيد محمد محمد صادق الصدر في تاريخ العراق المعاصر
عبد الجبار، فالح. العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني. ترجمة أمجد
العظمة، عزيز. العلمانية من منظور مختلف. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008
فياض، علي. نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر. سلسلة الدراسات الحضارية.
القاسم، عدنان فرحان. الاجتهاد عند الشيعة الإمامية: أدوار وأطوار: دراسة منهجية موضوعية تواكب
كديفر، محسن. نظريات الحكم في الفقه الشيعي: بحوث في ولایة الفقیه. بيروت: دار الجديد،
مزاحم، هيثم أحمد. تطور المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه. تقديم رضوان السيد وعبد العزيز ساشدينا. بيروت: دار المحجة البيضاء،.2017 الملّط، شبلي. تجديد الفقه الإسلامي: محمد باقر الصدر بين النجف والعالم. ترجمة غسان غصن. بيروت: دار النهار،.1998 المياحي، عباس الزيدي. السفير الخامس (نص كتاب إلكتروني). النجف: [د. ن.]، 4181 ه. في:
https://w.tt/3exOTsP
الأجنبية
Adair–Toteff, Christopher. Fundamental Concepts in Max Weber’s Sociology of Religion. New York: Palgrave Macmillan, 2015. Al–Qarawee, Harith Hasan. «The ‘formal’ Marjaʿ: Shiʿi clerical authority and the state in post–2003 Iraq.» The British Journal for Middle East Studies. vol. 46, no. 3 (2019). Arjomand, Said (ed.). Authority and Political Culture in Shi’ism. New York: State University of New York, 1988. Cesari, Jocelyn. The Awakening of Muslim Democracy: Religion, Modernity and the State. New York: Cambridge University Press, 2014. Cole, Juan. «Shiʿi Clerics in Iraq and Iran, 1722–1780: The Akhbari–Usuli Conflict Reconsidered.» Iranian Studies. vol. 18, no. 1 (Winter 1985). Dianteill, Erwan. «Pierre Bourdieu and the Sociology of Religion: A Central and Peripheral Concern.» Theory and Society. vol. 32, no. 5–6 (December 2003). Erdmann, Gero & Ulf Engel. «Neopatrimonialism Revisited: Beyond a Catch–All Concept.» German Institute of Global and Area Studies. Working Paper. no. 16 (June
Giddens, Anthony. The Constitution of Society: Outline of Theory of Structuration. Cambridge: Polity Press, 1984. Heern, Zackery M. The Emergence of Modern Shiʿism: Islamic Reform in Iraq and Iran. London: One World Book, 2015. Iannacconne, Laurance R. «Religious Markets and the Economics of Religion.» Social Compass. vol. 39, no. 1 (March 1992). Khadhim, Abbas. The Hawza Under Siege: A Study in the Baath Party Archive. Boston, MA: Boston University – Institute for Iraqi Studies, 2013. Jabar, Faleh A. «Shaykhs and Ideologues: Detribalization and Retribalization in Iraq, 1968–1998.» Middle East Report. no. 215 (2000). Marr, Phebe. The Modern History of Iraq. 3 rd ed. Boulder: Westview Press, 2012. Roy, Olivier. «The Crisis of Religious Legitimacy in Iran.» Middle East Journal. vol. 53, no. 2 (Spring 1999).
«The Constitution of the Islamic Republic of Iran (1989 Edition).» Firoozeh Papan– Matin (trans.). Iranian Studies. vol. 47, no. 1 (2014). at: https://bit.ly/2MghZkw Turner, Bryan S. & Simon Susen (eds.). The Legacy of Pierre Bourdieu: Critical Essays. London: Anthem Press, 2011. Volpi, Frederic (ed.). Political Islam: A Critical Reader. London/ New York: Routledge,
Walbridge, Linda S. The Thread of Muʿawiya: The Making of Marjaʿ Taqlid. John Walbridge (ed.). Indiana: The Ramsay Press, 2014. ________ (ed.). The Most Learned of the Shia: The Institution of Marjaʿ Taqlid. Oxford/ New York: Oxford University Press, 2011. Weber, Max. The Sociology of Religion. Ephraim Fischoff (trans.). Talcott Parsons (Intro.). London: Methuena, 1966.