واحة غريس والاستعمار: آليات التحول وأشكال المقاومة
The Ghris Oasis Colonialism: The Mechanism of Change and Forms of resistance
الملخّص
عنوان الكتاب: واحة غريس والاستعمار: آليات التحول وأشكال المقاومة . المؤلف : قسطاني بن محمد. مكان النشر : الرباط، المغرب. الناشر : المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. تاريخ النشر : 2018. عدد الصفحات :181 صفحة.
Abstract
PhD researcher in the Department of Sociology and Anthropology, Faculty of Arts and Humanities, Ibn Tofail University, Kenitra.
- Moroccan Oases
- Colonialism
- Resistance
- Tribes
عنوان الكتاب: المؤلف:
قسطاني بن محمد. الناشر: مكان النشر:
الرباط، المغرب. تاريخ النشر: عدد الصفحات:
181 صفحة.
واحة غريس والاستعمار: آليات التحول وأشكال المقاومة.
المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
مقدمة
بعد دراسته التعريفية «غريس قبل الاستعمار»، يواصل الباحث المغربي قسطاني بن محمد، دراساته حول الواحات المغربية. ويتوقف هذه المرة عند مرحلة الاستعمار في كتابه واحة غريس والاستعمار: آليات التحول وأشكال المقاومة. وقد قسم المؤلف كتابه من حيث الشكل إلى مقدمة عامة، وأربعة فصول، وخاتمة، إضافةً إلى معجم للمصطلحات المحلية وفهرس. والكتاب في الأصل أطروحة قدمها الباحث لنيل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، تحت إشراف رحمة بورقية سنة 0022، ولم ينشرها إلا حديثًا (سنة 0182) بعد تحيينها ومراجعتها. لقد نشأت أولى التجمعات المستقرة بالأوساط الصحراوية في مجال الواحات كنماذج شبه حضرية، استطاع من خالها الإنسان الصحراوي أن يبتكر على مرّ تاريخه الطويل أساليب وطرائق
عيش خاصة تتاءم وقساوة طبيعة الصحراء، من خال نظام إنتاجي يتميّز بالليونة ويرتكز جله
على الفاعلية الإنسانية. فالإنسان هو الذي «أنشأ» الواحة بجعلها عالمًا مُؤنسنًا Anthropogenèse،
الأمر الذي يفند بعض الأطروحات الغربية التي تصف الإنسان غير الأوروبي بالكسل والخمول وتنظر إليه على أنه ثمرة طبيعية معطاة. وتنتمي
(((قسطاني بن محمد، الواحات المغربية قبل الاستعمار،
غريس نموذجًا (الرباط: المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مركز
الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية،.)2005 (((أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، باحث متخصص في سوسيولوجيا وأنثروبولوجيَا الواحات والمعرفة
الاجتماعية والحياة اليومية، أصدر العديد من الدراسات والمقالات العلمية المنشورة في مجات علمية وطنية ودولية. (((ينظر: جيرار ليكلرك، الأنثروبولوجيا والاستعمار، ترجمة جورج كتورة، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 9901)، ص 7–6.
الواحات، بعامة، إلى ما كان «يسميه (الرومان) في أفريقيا بمنطقة ‘نوميديا’، أو ما يسميه العرب ‘بباد الجريد’ حيث ينبت النخيل». إن الواحة هي ذلك التجمع البشري المجاور للوديان والمنابع المائية في وسط صحراوي قاحل، ذلك أن الإنسان – على مرّ تاريخه – بنى
حضاراته على نقاط الماء لكونها «الشرط الأساسيّ
لنشأة المدن» بحسب بلينيوس الشيخ Caius Secundus Plinius (23 م 79–م). ومن المهم أن نشير، قبل أن نتحدث عن «واحة غريس»، إلى أن حياة أهل الصحراء قبل الاستعمار تنقسم إلى نمطين مختلفين من العيش: نمط عيش يقوم على الاستقرار في القصور داخل الواحات، ونمط عيش بدوي يقوم على الترحال وحياة النجعة، إلى جانب أنصاف البدو الذين يزاوجون بين هذين النمطين. وقد ساهمت سياسة التوطين التي نهجتها الإدارة الكولونيالية، والدولة الوطنية بعد ذلك، في تفكك نمط العيش الرعوي. ولا يمكن فهم توجهات السياسة الحضرية بالمغرب، من قبل الدولة الكولونيالية والدولة الوطنية على حدّ سواء، إلا
في إطار استراتيجية الضبط والمراقبة من جهة، والسعي نحو إدماج الأهالي في اقتصاد السوق من جهة أخرى. وعوضًا عن ذلك، يتم التذرع بضرورة
التمدين، من منطلق أن الاستقرار مرادف للحضارة، في حين أن الفكرة الموجهة لذلك هي أن البدوية «ينبغي أن تختفي لأنها خارج المراقبة».
(((الحسن بن محمد الوزان، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسامي، 9831)، ص 7.2
(5) Pline l’Ancien, Histoire naturelle , Livre XXXI , Texte établi et traduit par G. Serbat (Paris: Les belles lettres, 1972), p. 4. (6) Ahmed Skounti, le Sang & le Sol: Nomadisme et sédentarisation au Maroc, les Ayt Merghad du Haut–Atlas oriental , Série:Etudes no. 33 (Rabat: Institut Royal de la Culture Amazigh, 2018), p. 254.
تنتمي واحة غريس – موضوع الكتاب – إلى وحدة جغرافية متميّزة ومتجانسة بالجنوب
الشرقي للمغرب، الأمر الذي طبعها بتاريخ الوحدة. غير أن واحة غريس تتميّز بكونها واحة
متوسطة ديمغرافيًّا وغير بارزة تاريخيًّا؛ إذ لم
تشغل اهتمام المؤرخين والرحالة والجغرافيين كما شغلهم اسم سجلماسة أو فاس أو تنبكتو في القرون الوسطى بصفتها محاور مركزية في مسالك التجارة الصحراوية. لذلك، تحمل غريس فوارق خاصّة وواضحة مع الواحات
والمناطق الأخرى المجاورة لها والمتفاعلة معها، وهذا يجعل فرضية ثبات بعض خصائصها، التي قد تُمحى في واحات ومناطق أخرى بفعل الاستعمار، أمرًا واردًا، خاصة أن غريس لم تشهد
الاستعمار على نحو طويل الأمد مُقارنة بغيرها
من المناطق، ومن هنا فطن الباحث إلى أهمية دراستها أنثروبولوجيًّا وسوسيولوجيًّا، بمساءلة
بناها التقليدية، وتحولاتها الثقافية والاجتماعية، وأشكال مقاومتها للظاهرة الكولونيالية. يعتبر المؤلف من رواد عالم الواحات بحثًا وتنظيرًا، ويظهر هذا جليًّا في مقالاته وأبحاثه،
وفي تتبعه الخطي والزمني لواحة غريس، قبل الاستعمار وأثناءه، فهل نحن أمام واحتين: واحدة قبل الاستعمار وأخرى لحظة الاستعمار، أم أمام واحة واحدة في قلب التحول مع الاستعمار؟ إن هذا النوع من الأسئلة ينطلق من فرضية أساسية مُؤداها أننا «لا نستطيع – كما يقول
فيرناند بروديل Braudel Fernand 1–985(9021) استبعاد تاريخ الحرب التي لا تكف عن خلخلة حياة البشر وتمزيقها»؛ أي إن التغلغل
(((فرنان بروديل، المتوسط والعالم المتوسطي، تعريب وإيجاز مروان آبي سمرا (بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 9931)، ص 7.14
الاستعماري في قلب مجتمع الواحة أحدث فيه تبدلً وتغيرًا جذريًّا مسَّ أعماق بناه الاجتماعية
وأسُسه الثقافية. فهل أنهى الاستعمار «غريس»
العتيقة والتقليدية؟ وما الذي يُبرر، منهجيًّا ونظريًّا،
العودة إلى لحظة الاستعمار لتحليلها والوقوف حصرًا عند آليات التحول وأشكال المقاومة؟
منهجية الكتاب وأهميتها
اعتمد المؤلف، منهجيًّا، الرواية الشفوية،
والمقابات وتحليل المضمون، والماحظة، إلى جانب اشتغاله بالرواية الأدبية والأشعار المحلية وكتب السيرة؛ ليس من حيث هي نصوص سردية، بل بصفتها شهادات استثمرها سوسيولوجيًّا،
وبصفتها عامات ومؤشرات مكّنته من قراءة الحياة اليومية لإنسان الواحة أثناء الاستعمار. وقد استهدف لحظة الاستعمار «لكونها، من الناحية النظرية والمنهجية، مُناسبة جيّدة لفهم
وتحليل الاتصال بين الشعوب وأشكال المثاقفة» (ص. 11)، باعتبارها (أي المثاقفة) فكرة غير مُحايدة في الواقع، بل باعتبارها «الطريقة التي
تدرك بها الأنثربولوجيا الاستعمار»، أو باعتبار الاستعمار حالة من حالات التثاقف المختلفة. فرغم أن هذا النوع من الاتصال بين ثقافتين أو أكثر، اتصالٌ عنيف، ولاإنساني، فإنه مُختبر
سوسيولوجي حقيقي ولحظة التقاء واحتكاك أنثروبولوجي مهمة تصلح لفهم الثقافتين معًا، ولتحليل بنى المجتمع. من هذا المنطلق، ركّز المؤلف، على دراسة واحة غريس، وعاقة أهاليها بالاستعمار بصفته ظاهرة تسعى فيها حضارة إلى إخضاع حضارة
(((ليكلرك، ص.117 (((المرجع نفسه، ص.83
أخرى بصفة دائمة؛ أي إنه «حكم وسلطة تريد تأبيد السيطرة» (ص. 7)4 لذلك، يمكن القول إن الكتاب منهجيًّا وسوسيولوجيًّا يبحث في
الانعكاسات السوسيولوجية للظاهرة الكولونيالية على المجتمعات، خارج التجريد والإنشائية، من حيث بناها الاجتماعية والثقافية، وتطورات ذلك على حركية المجتمع وأشكال مقاوماته؛ إنه، إذًا، كتاب في إطار سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الظاهرة الاستعمارية، فما الذي استهدفته الإدارة الكولونيالية في المجتمع الواحي؟
الفيلاج: تمزيق للحميمية ومزاحمة للأيديولوجيا القبلية وخلق للمجال العمومي
لم تشهد واحة غريس كثير اهتمام من جانب الاستعمار الفرنسي، كما هو الحال مثلً، بالنسبة إلى قبائل تكنة بواد نون، أو بفكيك القريبة جغرافيًّا من غريس؛ فإذا كان أول احتكاك لفكيك
بالفرنسيين قد حدث سنة 9 186، فإن واحة غريس لم تحتك بالاستعمار إلا سنة 931.1 إنّ هذا الاحتكاك المتأخر للواحة بالأجنبي المتمثل في المستعمر، بحسب المؤلف – مضافًا إلى أنّ الاستعمار الذي شهدته الواحة من النوع الخفيف، لكونه لم يدم طويل (956–19311) – هو ما يفسر درجة المحافظة الكبيرة التي تميز قبائل واحة غريس (ص. 16) فهذه الواحة، كما يقول المؤلف، تتميز بخصوصية نوعية مضافة إلى الخصوصية العامة التي تميز الواحات المغربية، وذلك بسبب طابعها الأطلسي. ففي غريس تحضر قوة القبيلة على نحو أكبر مقارنةً بالمجموعة القبلية لأيت عطا المنشقة كليًّا عن المخزن، كما أن قبائلها
مرتبطة بالشرع المخزني وتقضي به في منازعاتها،
ولكنها ليست مُخترقة مخزنيًّا بقوة كما هو حال
قبائل تافيالت؛ إذ بقي العرف الأمازيغي حاضرًا
في الوادي كله من المنبع إلى الصحراء (ص. 46) بناءً على هذا، يُمكننا أن نطرح السؤال التالي: ما
الذي بقي من ثقافة الواحيين بعد الاستعمار؟ وما الذي سارع الاستعمار إلى إفراغه من عمقه الأنثروبولوجي أو محوه؟ قام المستعمر في غريس بتشويه المؤسسات التقليدية، خاصة القبيلة، وذلك بإفراغها من حمولتها السياسية ووظائفها، إلى جانب تهميشه للقصور وتجاهلها عوض اختراقها أو تفجير حميميتها كما فعل مع الحواضر الإسامية العتيقة. غير أن أهم تغيُّر حدث في الواحة هو
النّزع النسبي لصفة العرقية والإثنية عن التراتبية؛ إذ
تمكن الخمَّاسون (أو الخمَّاسة) من الهروب من
الحقول نحو العمل المأجور والهجرة، الأمر الذي خلخل نظام الملكية بالواحة، وقد ساهم في هذه الدينامية الاجتماعية، مساهمة كبيرة، خلق المراكز الحضرية الجديدة (الفياجات) وتوجيه الطريق نحو الأطلسي. يقول المؤلف: «لقد كان خلق المدينة الحديثة آلية سوسيولوجية كولونيالية، وضعت أساسًا لمزاحمة الإيديولوجيا القبلية
من أجل نسفها قطاعيًّا، حفاظًا على وظيفتها
الأنثروبولوجية وتحييدًا لدورها السوسيولوجي، تمهيدًا لتنقيل المجال من القبيلة كوحدة مورفولوجية عضوية وفاعلة إلى القبيلة كوحدة إدارية، والولاء من القرابة كمجال رمزي إلى المجال كموطن ترابي» (ص. 57). ف «الفياج» شيء جديد تمام الجدّة وغريب تمام الغرابة عن الواحة؛ إذ رغم كون الواحات عرفت أشكالً شبه حضرية لاستقرار، ورغم اعتبارها أعلى مستويات البدو، وأدنى مستويات الحضر، بتعبير ابن خلدون (ص. 62)، فإنّ أهم شيء ينقص هذه الأشكال
هو المجال العمومي. وقد ساهم هذا المجال الجديد (أي الفياج) في ترسيخ ثقافة الاستقرار وبناء البيوت ثم انفجار القصور فيما بعد، وتشييد أولى معالم «الفياج» الذي اعتبره المؤلف بمنزلة دعوة إلى تجاوز حميمية المجال الخصوصي الذي كانت تحيا فيه القصور/ الجمهوريات نحو المجال العمومي، وكأن السياسة الكولونيالية بذلك تهدف إلى «خلق وزرع المجال العمومي لأول مرة في تاريخ الواحة».
القبيلة والأسرة والمدرسة والقيم التقليدية: وجهًا لوجه مع المشروع الكولونيالي
كيف تعاملت السياسة الاستعمارية الفرنسية مع المؤسسات والسُّلط المحلية والأعراف القضائية
التقليدية؟ هل انتهجت سياسة الإدارة المباشرة المبنية على نهج «التماثل» الذي ينطلق من مواقف المدرسة التطورية الخطيّة التي شهدت
طفرتها بين عامَي 0 0681 و 881، وهي
مدرسة أنثروبولوجية تقضي بجعل الآخرين مشابهين للمجتمع «المتمدن»؟ أم حاولت تكييف الاستعمار مع المؤسسات المحلية أي
(1((رغم وجود مجالات عمومية بالنسبة إلى كل قصر على حدة وأخرى بيقصرية، مثل ساحة المسافرين بالنسبة إلى الأولى، والساقية والمسالك بالنسبة إلى الثانية، فإن كل قصر رغم ذلك يعتبر العمومي خصوصيًّا بالنسبة إليه، بينما الواحة
كلها تعتبر القنوات والمسالك خصوصية بالنسبة إليها، ينظر: قسطاني، ص 5.6 (((1 عرفت الأنثروبولوجيا طفرة جديدة حوالى عام 0186،
حيث ظهرت معظم مؤلفات المدرسة التطورية، ومنها حق
الأمومة ليوهان ياكوب باخوفن، والقانون القديملماين 1861،
كما ظهر عام 56 18 كتاب إدوارد بيرنت تايلور أبحاث في
التاريخ المبكر للجنس البشري وتطور الحضارة، وأتبعه عام
71 18 بكتابه الثقافة البدائية، إلى جانب كتاب لويس هنري
مورغان عن نظم القرابة عام 9 186، وكتابه عن المجتمع القديم عام 77.18
بتطبيق مبادئ «المدنية» مع الحفاظ على احترام الخصوصيات المحلية التي لا تتعارض معها؟ أم أن الإدارة الاستعمارية الفرنسية فرضت سياستها الاستعمارية عن طريق الإدارة غير المباشرة كما قامت بها الإدارة الاستعمارية البريطانية في عاقاتها بمستعمراتها في أفريقيا، منذ البداية، وعلى نحو خاص مع نيجيريا التي كانت تعتبر أكثر المناطق تحضرًا فيها؟ لقد عملت السياسة الاستعمارية الفرنسية على إفراغ السلط المحلية التقليدية ل «جماعت» (مجلس القبيلة) و«أمغار» (الشيخ)، خصوصًا
من محتواها العرفي «مصطبغًا إياها بالعمالة» (بخدمة السياسة الكولونيالية) (ص. 74)، وذلك عندما أحدث «الفياج» ومؤسسة «القايد»، كما عملت على إحداث رجّة كبيرة وعنيفة على
مستوى العائق الاجتماعية، حيث انتقل بها من القرابة والعرف إلى معايير أخرى كالزبونية والمصلحة والأجرة. بل إن المشروع الكولونيالي الفرنسي استطاع استغال الإنسان المحلي في تهيئة السواقي والطرق. وفضلً عن ذلك، خلق لديه الحاجة إلى الكام والتقرب والتزلف، أي إنه خلق قيمًا ورموزًا جديدة في الواحة، مثل رموز
الاستهاك والتباهي بالملبس والسيارة والأثاث؛ ما يعني أنه زعزع في العمق شخصية الإنسان الواحي الزاهد والمتقشف، المتشبث بهوية ترتكز على الماضي والمحافظة على التقاليد، بخاف المشروع الكولونيالي المتوجه بالفعل السياسي نحو الحاضر والمستقبل. إن تمركز السلطة وانتقالها من الامركزية التقليدية إلى المركزية الحديثة، والتهدئة، وتنظيم الشغل، والمدرسة، كانت العوامل الأساسية التي فجرت
(((1 ليكلرك، ص.37
الانتظامات القرابية التقليدية (ص 94 الأمر)؛ الذي تمظهر في الأشكال الجديدة لتنظيم المجال، من انفجار القصر (إغرم) إلى النزوح نحو الفياج، كما تمظهر في الهجرة نحو الجزائر والمدن الداخلية وأوروبا فيما بعد، إلى جانب ظهور الأجرة. وهذان العامان زعزعا التماسك العائلي، وذلك بمحاولة العمال المأجورين الاستقال عن العائلة الممتدة، وانتظامهم في الشكل النووي للقرابة؛ ما يعني في آخر الأمر أن الاستعمار أدى دورًا كبيرًا في دينامية العاقات
العائلية ونسق الانتظام القرابي. يقول المسيو هاردي Hardie Keir 1–915(5618)، وهو مدير التعليم الذي أقامته الحماية الفرنسية في المغرب بمكناس عام 920:1 «إننا نعرف نحن الفرنسيين، بأن انتصار الساح لا يعني النصر الكامل: إن القوة تبني الإمبراطوريات، ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرارية والدوام. إن الرؤوس تنحني أمام المدافع، في حين تظل القلوب تغذي نار الحقد والرغبة في الانتقام. يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان. وإذا كانت هذه المهمة أقل صخبًا من الأولى
فإنها صعبة مثلها، وهي تتطلب في الغالب وقتًا أطول». إن هذا الخطاب ينم عن وعي الإدارة الكولونيالية بالصعوبات التي تعترض طريقها في تنفيذ سياساتها، خاصة ما يتعلق بالمقاومة النفسية والرمزية للأهالي، فهل أنّ نتيجة هذا الوعي هي اتجاه الإدارة الاستعمارية إلى القطع مع المدرسة التقليدية، باعتبارها المؤسسة الحاضنة والبانية لهوية المجتمع؟
(((1 محمد عابد الجابري، التعليم في المغرب العربي، دراسة
تحليلية نقدية، لسياسة التعليم في المغرب وتونس والجزائر (الدار البيضاء: دار النشر العربية، 9891)، ص 7.1
حاول المستعمر، بصرامة، القطع مع المدرسة القرآنية (أو ما يسمى محليًا «بالجامْع» أو «المسيد»)؛ تلك المؤسسة التي تبني الهوية، وتعيد إنتاج المجتمع فحسب (ص. 97)، وبفعل فوبيا أو خواف التنصير الذي كان عنصر مقاومة ميتافيزيقية بالنسبة إلى إنسان الواحة (ص. 031)؛ فقد امتنع الشرفاء والمرابطون والفقهاء خاصة عن تسجيل أطفالهم بالمدرسة الكولونيالية، «المسيحية» كما كانوا يسمونها، ويتمثلونها بابًا لاجتثاث الهوية والمسخ (ص. 01)1 إن المدرسة الكولونيالية – بحسب المؤلف – كان هدفها الأساسي هو الضبط والمراقبة، فرغم أنها اتخذت الحداثة شعارًا لها بالعقانية والوضعية المبنيتين على الانضباط والنظام والمثابرة والنفعية، فإنها أغفلت أن تُنمّي أهم سمة في العقانية، وهي الاستقالية والمبادرة (ص. 102)
من الكفاح المسلح إلى التمرد والعصيان
اعتمد الواحيون في قراءة الظاهرة الكولونيالية مرجعيات شبه ثابتة (القدر، والقبيلة، والوطن، والأمة). ورغم أن الواحي يتمثل الاستعمار بصفته قدَرًا، فإنّ ذلك لم يمنعه من مقاومته على عدة جبهات، بطرائق مختلفة: سواء بمساندة المناطق التي سبق إليها الزحف الاستعماري مثل بوذنيب (سنة 9071)، أو بإيواء الهاربين من شرّ المستعمر، أو بخوض المعارك الطاحنة
المختلفة مثل معركة جبل بادو (سنة 933.)1 ولم يتوقف الصراع المسلح بغريس رغم التهدئة والاستسام، إلا سنة 9361 حيث تم القضاء على المقاوم المتمرد زيد أوحماد الذي قاوم
الاستعمار الفرنسي بضراوة، لتكون بذلك آخر مقاومة مسلحة في المغرب كله. إضافة إلى المقاومة المسلحة الشرسة، واجه الواحيون الاستعمار معنويًّا ورمزيًّا أيضًا، وقد
تجلى ذلك أساسًا في سلوك التمرد والمعاندة،
حيث قابل السكان المنع والتضييق الذي مارسته السلطات الكولونيالية بالتشبث بممارسة شعائرهم، والإصرار على أداء المناسك كالصاة والصوم، حتى في أحلك الظروف (ص. 913)، كما تجلت أشكال المقاومة في رفض «الفياج» من طرف الفئات المحاربة والإثنيات البدوية، وفي رفض التمدرس بالمدارس التي أنشأها الاستعمار؛ بالتحايل والرشوة، إلى جانب التكاسل في تنفيذ المشاريع الكولونيالية إلى درجة جعلت أحد المسؤولين الفرنسيين يقول عنهم: «هؤلاء يتصرفون كأن الأبدية أمامهم» (ص. 71)1 معنى هذا أن مقاومة الاستعمار اتخذت لدى سكان الواحات بوجه عام، ولدى غرس على وجه الخصوص، طابعًا دينيًّا ووطنيًّا بالدرجة الأولى،
من دون أن تأخذ أبعادًا أخرى.
خاتمة ومناقشة
من منطلق أن مهمة الباحث السوسيولوجي هي ممارسة الكشف والتعرية Dévoiler بتعبير بول باسكون Pascon Paul – حيث تصبح السوسيولوجيا با دعوى إذا لم تقم بمهمة كشفٍ وتعريةٍ لكل ما هو خفيّ وكامن، وتصحيح لكل
واقع اجتماعي مُشوّه أو مزيف – وجريًا على
المنوال نفسه، يمكن القول إن المؤلف مارس مهمة السوسيولوجي كما تصورها باسكون، معرّيًا
قويًّا وكاشفًا للكثير من الأوهام التي التصقت
(((1 المرجع نفسه، ص.170
بالمرحلة الكولونيالية. فهذه المرحلة ليست بمنزلة «جملة اعتراضية» في غرس من جهة؛ إذ خلخلت كيان المجتمع برمته، ولكنها مع ذلك لم تستطع تحضير الإنسان التقليدي، ولم تعمل على تحرير المستغل والمرأة والطفل، بل إنها – على عكس ذلك تمامًا – زكّت سلطة المستبد،
وقوَّت الأبوية الخانقة، وهذا الأمر يرجع إلى
سببين؛ أحدهما مرتبط بالسياسة الاستعمارية التي حاولت «نقل» مجتمع الواحة نحو العصرنة بالسلطة والإدارة والقمع والمدرسة (ص. 041)، وثانيهما متعلق بأشكال المقاومة المختلفة التي جابه بها الواحيون المشروع الكولونيالي. إن الأهم في هذا الكتاب، بغض النظر عن محدوديته أو كثافته، ليس كمّية المعلومات التي يقدمها أو نوعيتها، بل إن وجاهته وأهميته تتمثان فيما يُثيره من تساؤلات وظواهر سوسيولوجية
أخرى، وكذلك في الاستثمار المنهجي الذي قام به المؤلف أثناء لحظة من لحظات التاريخ الأساسية في تاريخ المجتمع، ألا وهي اللحظة الاستعمارية. فالظاهرة الكولونيالية، من وجهة نظر منهجية ونظرية، مهمة من أجل فهم وتحليل أشكال المثاقفة بين الشعوب وتحولاتها المختلفة. إن ظاهرة الاستعمار، تتبدى، في بادئ الأمر، واقعةً عنيفة، تنبني على القمع والحرب، ولكن ما يتم إغفاله عادةً هو البعد المعنوي والبعد الرمزي (السوسيولوجي والأنثروبولوجي) اللذان يستهدفان البنى الذهنية والمؤسسات الاجتماعية، والقيم الثقافية للمجتمعات المُستعمَرة. فعندما
تؤُول سياسات القتل والإبادة إلى الفشل، يتوجه المستعمر نحو آليات اجتماعية ونفسية تدميرية لكيان المجتمع وعمقه الأنثروبولوجي وتصوراته لذاته والآخر والعالم، وهو أمر لا يتأتى للمستعمر
إلا بتسخير ساحَي المعرفة والعلم في ذلك.
ورغم التشابه الملحوظ في التحولات العميقة وأشكال المقاومة في مختلف المناطق التي شهدت الاستعمار، فإن واحة غريس الأطلسية، كما ينتهي إلى ذلك المؤلف، تمتاز بخصوصية مجالية وأخرى تاريخية جعلتاها مرتبطة بالوطن ودار الإسام، وفي الوقت نفسه محتفظة بقوتها القبلية والعرفية والقيمية. تكشف الكثير من الدراسات الأخرى في المجالات الصحراوية تشابهًا كبيرًا بين المناطق
المُستعمرة المختلفة، سواء على مستوى
التحولات العميقة التي أحدثها الاستعمار، أو على مستوى أساليب المقاومة وأشكالها، إلا أن الطابع المميّز لواحة غريس هو ما جعل المؤلف يؤكد
خطاب الخصوصية والاستثناء الذي تمثله الواحة ضمن باقي الواحات المغاربية التي كانت عرضة لاستعمار. فعلى مستوى الإعراض عن الدراسة بالمدرسة الحديثة – بوصف ذلك شكلً من أشكال المقاومة الواضحة في مختلف المناطق – يقول محمد عابد الجابري، على سبيل المثال، إن الإعراض عنها قد حدث بعدة أشكال: ف «من مجرد عدم الإقبال عليها، إلى مقاطعتها بإصرار، إلى إخفاء الأولاد وتهجيرهم، إلى التحايل والاستعانة بالوسائط عندما يطلبون لتسجيل أولادهم بالمدرسة الفرنسية »، لأنها مدرسة حرف وكتابة مُهددة للذاكرة الشفوية والشخصية
التقليدية، ولروح الدين الإسامي، وتحاول نزع السلطة المعرفية عن الآباء والفقيه، كما لاحظ الباحث نفسه في دراسته. وهذا الأمر يؤكد الطابع الديني العام للمقاومة في جل المناطق. ولا غرابة في ذلك، إذا قلنا مع بروديل: «إن
(1((المرجع نفسه، ص.25
الديانات هي أكثر ما في الحضارات من فرادة ومقاومة». غير أن تفسير استراتيجية المقاومة بالعقيدة والوطنية، في مقابل الاستراتيجية السياسية المؤطرة للفعل الكولونيالي (ص. 141) أمرٌ يبدو أنه يُغفل أبعادًا أخرى مرتبطة بنمط العيش
والقيم السائدة، فقد لاحظ بيار بونت Pierre Bonte مثلً، في دراسته حول شركة الحديد بتراب البيضان، ما أبان عنه البدويون المحاربون من احتقار للعمل اليدوي، برفض العمل في الشركة التي تجعل منهم – في تمثُّلهم – عبيدًا وفي أسفل التراتبية الاجتماعية، لذلك ساد عندهم القول: «لا يعمل في منجم الحديد MIFERMA إلا الجيَّاع» وهو أمر جعل الفرنسيين يجدون
صعوبات في تكييف البدويين وإدماجهم في العالم الصناعي. يميل الباحث إلى تفسير ضعف التأثير الاستعماري في أساليب السلوك المختلفة بغريس، بالحيّز
الزمني الضيّق، وهو أمر قابل للمناقشة، خاصة
أن بنى المجتمع تتميز، كما يقول بروديل، بكونها «بطيئة التلف والاستنفاد »؛ على مستوى الإدراكات والأفعال والتمثات والقيم. فعندما نقارن واحة غريس بالواحات الجزائرية التي عرفت الظاهرة الاستعمارية على نحو ثقيل وطويل الأمد 962–1830(1)، نكتشف أن المقاومة القيميّة
والثقافية ظاهرة عامة، رغم التباين الزمني الموجود بين المجالين. ورغم أن الحرب الكولونيالية قد أخضعت المجتمع الجزائري ل «اجتثاث ثقافي
(((1 بروديل، ص.136 (1((سادت مقولة: «ماحنا جيّاع، لا نشتغلو عند لميفيرما»:
«Nous ne sommes pas affamés, nous ne travaillons pas pour la MIFERMA,» Bonte, p. 139. (18) Ibid., p. 137.
(1((بروديل، ص.83
حقيقي» كما يقول بورديو، بسبب انتهاج الإدارة الفرنسية سياسة الساح والعنف والتشريد، فإن ذلك لا يعني أن الاستعمار قد أنهى كليًّا ثقافة
المجتمع الجزائري وبناه التقليدية. يُعد واحة غريس والاستعمار من بين أهم الكتب المجهرية المتجهة نحو المجتمعات الواحية والتقليدية بعامة. وتصلح دراسته بذلك لتكون
(2((توفيق زروقي، «سوسيولوجيا الظاهرة الاستعمارية، الثورة
الجزائرية نموذجًا»، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية، العدد 14
(كانون الثاني/ يناير 0162)، ص.3
المراجع
العربية
العربي للدراسات والنشر والتوزيع،.1993
الملكي للثقافة الأمازيغية، 005.2
رقم 70. الرباط: منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية،.2018
وتونس والجزائر. الدار البيضاء: دار النشر العربية،.1989
الاجتماعية. العدد 14 (كانون الثاني/ يناير 2). 016
للدراسات والنشر والتوزيع،.1990
الغرب الإسامي،.1983
موضعَ مقارنات وتساؤلات كثيرة في الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية المعاصرة، سواء في إطار إجراء تقييم موضوعي لحصيلة الاستعمار بالمجتمعات المُستعمرة، أو من خال تتبع تحولات ما بعد الاستقال وبناء الدولة الوطنية، حيث ستؤدي الدولة الوطنية والمدرسة والهجرة، والعولمة بعد ذلك، الدور الكبير في تعميق تلك التحولات، وهو أمرٌ يحتاج إلى «تنسيل» الدراسات والأبحاث، من أجل فهمٍ وتحليلٍ أعمق لمجتمعات ما بعد الاستقال.
References
بروديل، فرنان. المتوسط والعالم المتوسطي. تعريب وإيجاز مروان آبي سمرا. بيروت: دار المنتخب
بن محمد، قسطاني. الواحات المغربية قبل الاستعمار: غريس نموذجًا. الرباط: منشورات المعهد
_______. واحة غريس والاستعمار، آليات التحول وأشكال المقاومة. سلسلة دراسات وأبحاث
الجابري، محمد عابد. التعليم في المغرب العربي، كتاب تحليلية نقدية، لسياسة التعليم في المغرب
زروقي، توفيق. «سوسيولوجيا الظاهرة الاستعمارية، الثورة الجزائرية نموذجًا». مجلة الآداب والعلوم
ليكلرك، جيرار. الأنثروبولوجيا والاستعمار. ترجمة جورج كتورة. ط.2 بيروت: المؤسسة الجامعية
الوزان، حسن. وصف أفريقيا. ترجمه عن الفرنسية محمد حجي ومحمد الأخضر. ط.2 بيروت: دار
الأجنبية
Bonte, Pierre. La montagne de fer. La SNIM (Mauritanie). Une entreprise minière
L’Ancien, Pline. Histoire naturelle, Livre XXXI. Texte établi et traduit par G. Serbat.
Skounti, Ahmed. Le sang & le sol, nomadisme et sédentarisation au Maroc, les AYT MERGHAD du Haut–Atlas oriental. Série: Etudes, no. 33. Rabat: Institut Royal de la
saharienne à l’heure de la mondialisation. Paris: Karthala, 2001.
Paris: Les belles lettres, 1972.
Culture Amazigh, 2018.