العودة إلى تفاصيل المؤلَّف شباب الأحياء الصفيحية في المغرب: التمييز والوصم واستراتيجيات المقاومة (دراسة حالة «دوّار الصهد» بمدينة تمارة)

شباب الأحياء الصفيحية في المغرب: التمييز والوصم واستراتيجيات المقاومة (دراسة حالة «دوّار الصهد» بمدينة تمارة)

Shanty Town Youth in Morocco: Discrimination, Stigmatization, and Resistance Strategies (A Case Study of the «Duwar al–Sehd» in Temara City)

ياسين يسني | Yassine Yassni *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى إبراز صيرورات إنتاج الوصم المجالي في أحد الأحياء الفقيرة في المغرب. وتركز على الكيفية التي تُبنى بها الفروق المجالية بين «الحي الصفيحي» والأحياء الأخرى على المستوى الحضري، والصيرورة التي يصبح بفعلها وصم الحي الصفيحي قناعةً اجتماعية تربط شباب أحياء الصفيح بصورٍ نمطية قدحية، تضع حدودًا بين «نحن» (الشباب العاديون)، و «هم» (الشباب الصفيحيون)، بما يتمخض عن هذا الوصم من أشكال متعدّدة من التمييز الاجتماعي. وبما أنّ تمثيل الآخر يحتاج دائمًا إلى الغلبة والتفوق، فسنهتم أيضًا بتحليل علاقات السلطة. وأخيرًا، سنتطرق إلى أشكال المقاومة التي يتبنّاها شباب الأحياء الفقيرة لمواجهة التوصيم والتمييز السوسيو–مجاليين.

Abstract

Abstract: This paper aims to highlight the processes that produce spatial stigma in a poor neighborhood in Morocco, focusing on how spatial differences between a "shanty town" and other neighborhoods are constructed at the urban level. The process of stigmatization of shanty town areas becomes a social conviction that binds shanty town youth to stereotypes that set firm boundaries between "us" (ordinary youth), and "them" (shanty town youth), giving rise to multiple forms of social discrimination and stigma. Since representation of the other always entails an act of prevailing, this study also focuses on analyzing power relations. Finally, we look at forms of resistance adopted by the youth of the slums to confront labeling, stigmatization and socio–spatial discrimination.

الكلمات المفتاحية:
  • وصم
  • الأحياء الصفيحية
  • الشباب
  • دوّار الصهد
Keywords:
  • Stigma
  • Slums
  • Youth
  • Labeling Space

دراسة حالة «دوّار الصهد» في مدينة تمارة *

Shanty Town Youth in Morocco Discrimination, Stigmatization, and Resistance Strategies

A Case Study of the «Duwar al–Sehd» in Temara City ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى إبراز صيرورات إنتاج الوصم المجالي في أحد الأحياء الفقيرة

في المغرب. وتركز على الكيفية التي تُبنى بها الفروق المجالية بين «الحي الصفيحي» والأحياء

الأخرى على المستوى الحضري، والصيرورة التي يصبح بفعلها وصم الحي الصفيحي قناعة

اجتماعية تربط شباب أحياء الصفيح بصورٍ نمطية قدحية، تضع حدودًا بين «نحن» (الشباب

العاديون)، و«هم» (الشباب الصفيحيون)، بما يتمخض عن هذا الوصم من أشكال متعدّدة من

التمييز الاجتماعي. وبما أنّ تمثيل الآخر يحتاج دائمًا إلى الغلبة والتفوق، فسنهتم أيضًا بتحليل

علاقات السلطة. وأخيرًا، سنتطرق إلى أشكال المقاومة التي يتبنّاها شباب الأحياء الفقيرة لمواجهة

التوصيم والتمييز السوسيو–مجاليين.

Abstract: This paper aims to highlight the processes that produce spatial stigma in a poor neighborhood in Morocco, focusing on how spatial differences between a "shanty town" and other neighborhoods are constructed at the urban level. The process of stigmatization of shanty town areas becomes a social conviction that binds shanty town youth to stereotypes that set firm boundaries between "us" (ordinary youth), and "them" (shanty town youth), giving rise to multiple forms of social discrimination and stigma. Since representation of the other always entails an act of prevailing, this study also focuses on analyzing power relations. Finally, we look at forms of resistance adopted by the youth of the slums to confront labeling, stigmatization and socio–spatial discrimination.

المغرب.

Research Professor in sociology, member of the research group "Social Dynamics and Power Relations," Abdelmalek Essaâdi University University, Morocco.

الاجتماعية في إطار برنامج المنح الصغيرة «الشباب واللامساواة المكانية.»

From field work completed in a shantytown in Temara City with funding from the Arab Council for Social Sciences’ Small Grants Program, "Youth and Spatial Inequality".

مقدّمة

انطلقتُ في هذه الدراسة من تجربتي الشخصية، حيث خبرت جيّدًا تجربة السكن في حي

صفيحي في مدينة تمارة (ضاحية مدينة الرباط)، وأدركت مدى قسوة العيش فيه، التي لا ترتبط بصعوبة الولوج إلى أبسط الخدمات الاجتماعية فحسب، بل تكمن أيضًا في أبعاد رمزية،

تتمثّل في الوصم وفقدان المكانة الاجتماعية؛ ما يُفاق م أشكال التمييز المجالي. وكثيرًا ما تساءلت عن

الكيفية التي تمّ عبرها بناء التمييز والتوصيم السوسيو–مجاليَين، وعن الطريقة التي غرست في ساكنة

الأحياء الصفيحية صورةً سلبية عن «البَرّاكَة» (المسكن القصديري) التي احتضنتهم منذ طفولتهم،

وكانت مَلجأَهم الأول. فكلما يكبر «الصفيحي» (السّاكن في الحيّ الصفيحي)، يكبر معه إحساسٌ

بالحرج من منزله القصديري وحيّه وجيرانه وأصدقائه وذاته؛ وتُطبع فيه نظرات الآخرين تجاهه وتجاه

شباب الأحياء الصفيحية عقدة نقصٍ سوسيو–مجالية، أبدعوا لها الكثير من أشكال المقاومة. تهدف الدراسة إلى الكشف عن شكل قهرٍ اجتماعي رمزي يعانيه «الشباب الصفيحيون»؛ قهرٌ لم

تهتم به الدراسات السوسيولوجية، خصوصًا الحضرية منها، التي تركّز في الأساس على أشكال القهر

المادي. ولم يدرس المجال في المغرب بوصفه وصمًا، ولم تعطَ الكلمة للموصومين مجاليًا للحديث

عن تفاعلاتهم اليومية المختلطة وأشكال مقاومتهم. ومن ثمّ، حاولنا الاهتمام ببعض ما غاب عن هذه

الدراسات الحضرية من خلال هذه الدراسة التي تهتم بالشباب بوصفهم أبرز فئةٍ عمرية تعاني هذا

الوصم المجالي، والفئة الأكثر قدرةً على إبداع أشكال مقاومة. له كيف يتمّ بناء وصم الأحياء الفقيرة في المغرب؟ وكيف تُبنى الفروق المجالية؟ وما الصور النمطية التي

ترتبط بها؟ وما آثارها وعواقبها في شباب هذه الأحياء، وفي توزيع فرص حياتهم وفي تحقيقهم الذات؟ وما سبل تصحيح هذا الوصم واستراتيجياته؟ هذه بعض أهم الأسئلة التي سنتناولها درسًا وتحليلً في

هذه الدراسة التي نستهلّها بوضع الإطار النظري والمنهجي ومجال الدراسة.

أولا: الإطار النظري والمنهجي ومجال الدراسة

تقع الدراسة ضمن إطار نظرية تحليل الوصم التي نُظر إليها منذ زمنٍ طويل بوصفها أبرز نظرية تفاعلية رمزية. وارتبطت هذه النظرية بإرفينغ غوفمان منذ ستينيات القرن الماضي. ومن المعلوم أن

(((«الحي الصفيحي» أو «البَرّاكات» أو «البراريك» (جمع «بَرّاكَة»، وهي مَغْرَبة لكلمة Baraque في اللغة الفرنسية، التي تعني البناء

الموقّت، المبني بالألواح أو السكن المبني بشكلٍ سيئ وغير صلب)، هو منطقةٌ سكنية عشوائية، ظهرت أول مرة في المغرب في عشرينيات القرن الماضي، في القرب من المركز الحراري في منطقة الصخور السوداء، مدينة الدار البيضاء. وبُنيت هذه «المنازل

العشوائية» من بقايا مواد منوعة، البلاستيك والخشب والقصدير، وكان صانعو «البَرّاكات» الأوائل عمّال في أوراش بناء المركز

الحراري في الدار البيضاء، الذين اختاروا نصب منازلهم البسيطة في القرب من ورشة عملهم المسماة آنذاك Carrière (وتعني

«مقلع» أو «محجر»)؛ ومن هنا ستأتي أول تسمية لأول حيٍّ صفيحي في المغرب Centrale Carrière، وهي تسميةٌ ستتمّ مَغْرَبتها

لتعطي «كَرْيان سُنطْرال»، وهي من أشهر دور الصفيح التي عرفها المغرب. ولمزيد من التفصيل، يُنظر:

Raffaele Cattedra, "Bidonville: Paradigme et réalité refoulée de la ville du XXe siècle," in: Jean–Charles Depaule, Les mots de la stigmatisation urbaine (Paris: Éditions de la Maison des sciences de l’homme, Éditions Unesco, 2006), pp. 123–163.

هذا السوسيولوجي الكندي لم يتحدث في مؤلفه الشهير الوصم عن مكان الإقامة بوصفه إعاقة يمكن أن تحوّل الفرد إلى موضوعٍ دوني وتُفقِده ماء وجهه وتحرمه من تقدير الآخرين. لكن يتميّز

العار المجالي بخصائص شبيهة بالوصم الجسدي (التشوّه الجسدي) والأخلاقي (العيوب النفسية)

والجماعي (علامات تدلّ على الأصول أو العرق). ويقترب هذا العار كثيرًا من الوصم الأخير، لأنه

يمكن توريثه، وقد تصيب عدواه جميع أفراد العائلة، مع العلم أنه يمكن إخفاؤه بسهولة، أو القضاء عليه من خلال حركية جغرافية فردية. كما سنعتمد في تحليلنا هذا العمل على التطوير الذي شمل مفهوم الوصم، خصوصًا مفهمة الوصم التي بلورها بروس لينك وجوك فيلان. وسنستند إلى مفهمة منقّحة

تجتمع فيها مكوّنات الوصم والتنميط والعزل وفقدان المكانة والتمييز. كما كان للسوسيولوجي الفرنسي لويك فاكان الفضل الكبير في ولادة مفهوم «الوصم المجالي»؛ فمن خلال دراساته المقارنة بين جنوب مدينة شيكاغو الأميركية وإحدى البلديات الفرنسية في ضواحي مدينة باريس، «لاكورنوف» Courneuve La، استنتج لويك أنّه يُنظر إلى بعض المجالات بوصفه عيبًا

مكانيًا، ويؤثر الخلل الذي يصيب المكان، سلبيًا، في ساكنته. وضعنا اعتمادنا على نظرية تحليل

الوصم كنموذجٍ تحليلي مباشرةً في إطار المدرسة التفاعلية الرمزية، أي في إطار سوسيولوجيا غايتها الفهم بشكلٍ أساسي. كما وضعتنا طبيعة موضوع بحثنا الذي خصّصناه للتمثلّات الاجتماعية والوصم

والصور النمطية، أمام منهجٍ كيفي وأدوات بحث كيفية، مثل المقابلة والملاحظة. وواجهنا الكثير من الصعوبات في ولوج جغرافيا موصومة، والتفاعل مع ساكنة موصومة؛ ومنها ما أكّده لنا أحد المستجيبين

أنه غالبًا ما يكون أيّ شخصٍ من خارج هذا المجال موضوع حيطةٍ، خصوصًا إذا ما شكّت الساكنة في

كونه مفتّش شرطة بزيٍّ مدني. زد على ذلك صعوبة إجراء مقابلة مع أشخاص يعملون جاهدين على

إخفاء وصمهم المجالي وانتمائهم إلى حيٍّ صفيحي؛ لذا، رفض كثير من المستجيبين إجراء المقابلة

معنا، على اعتبار أنّ طلب إجراء مقابلة في هذه الحالة، قد يكون بمنزلة اعترافهم بمجال سكناهم،

ودفعهم إلى حديث عن مسألةٍ يحاولون إخفاءها وتفادي الحديث عنها، لما تسبّبه من حرج لهم،

خصوصًا بالنسبة إلى فئة المستجيبات. دفعتنا هذه الصعوبات الميدانية كلها إلى الاستعانة بشابٍّ يقطن

في الحي الصفيحي، وله شبكة علاقات جيدة مع شبابه، ما سهّل علينا ولوج الحي الصفيحي والتفاعل الجيد معهم. ومن بين أهم الاستراتيجيات التي سهّلت علينا أيضًا العمل الميداني، «استراتيجية كرة الثلج»؛ إذ كان يوجّهنا كلّ مستجيب إلى المستجيب التالي، وهي الاستراتيجية نفسها التي اعتمدناها

مع الشباب القاطنين في الأحياء المجاورة لهذا الحي الصفيحي. شملت دراستنا فئتين اجتماعيتين أساسيتين من الشباب المتمدرسين؛ مجموعة داخلية شملت 10 مستجيبين (5 ذكور و 5 إناث)، من شباب الحي الصفيحي «دوّار الصهد»، ومجموعة خارجية شملت

(2) Erving Goffman, Stigmate: Les usages sociaux des handicaps , traduit de l’anglais par Alain Kihm, collection: Le sens commun (Paris: Éditions de Minuit, [1963] 1975).

(((بروس ج. لينك وجوك فيلان، «مفهمة الوصمة»، ترجمة ثائر ديب، مجلة عمران، العدد 31 (شتاء 2020)، ص.168–141

(4) Loïc Wacquant, Parias urbains: Ghetto, banlieues, etat (Paris: La découverte, 2006).

10 شباب من الأحياء الإسمنتية المجاورة (5 ذكور و 5 إناث). وجميع شباب هذه العينة متمدرسٌ،

وتراوح أعمارهم بين 17 و 19 عامًا. لتوجّهنا نحو الشباب المتمدرسين، حصرًا، مبرّراته؛ فهم يتميّزون بمستوى معرفي ودراسي يسمح لهم

ببلورة خطاب حول الموضوع، أكثر من أي فئة اجتماعية أخرى؛ على نحوٍ سهّل علينا أيضًا عملية التفاعل معهم. وإضافة إلى ذلك، سمح لنا تمدرسهم بإثارة التوصيم والتمييز المجالي على مستوى المدرسة أيضًا. وللإشارة، يمثّل المستجيبون «أقلية جيدة» meilleur du Minorité من شباب الحي

الصفيحي والأحياء المجاورة له، أي «الفئة المشرّفة» من مجموعة اجتماعية مهمّشة متمدرسةٍ في

شعبٍ أدبية وعلمية، وتدرس في أقرب ثانوية من حيّهم؛ وهم أيضًا تلامذة يحملون مشروع إتمام

دراستهم العليا بعد نيلهم شهادة البكالوريا. لذا، يميّزهم المسار الدراسي للعينة الشبابية «الصفيحية»،

من الهامش الذي يقطنون به. ومن ثمّ، تمثّل هذه «الأقلية الصفيحية الجيدة» المكوّنة من عشرة شبّانٍ،

مجموعةً مساعدة في الكشف عن صيرورة التوصيم والتمييز. سنحاول جعل تجارب الشباب الصفيحيين الملموسة مدخلً للبحث والدراسة، والكشف عن النطاق المتسع من المعرفة الجديدة الكائنة في موضوع التوصيم المجالي. وفي هذا الصدد، يجب اليوم، في دراسة الوصم المجالي، ألّ نكتفي بدراسة الكيفية التي نتج من خلالها هذا التمييز السوسيو–مجالي فحسب، بل ينبغي الاهتمام أيضًا بآثاره وتأثيره في ضحاياه، واستراتيجياتهم في مقاومته أو التعايش معه؛ إذ دائمًا ما تبني أغلبية النقاشات التي تدور حول دور الصفيح، مسافةً مع الضحايا الذين يتم

إقصاؤهم من النقاشات التي تدور حول مسألةٍ تهمّهم؛ وغالبًا ما يتمّ حجب تجربة التوصيم التي

يعيشها الضحايا، وما يرافقها من أشكال المعاناة. لذا، تقتضي دراسة التمييز والتوصيم الاجتماعيين أخذ وجهة نظر الضحايا لوضعيتهم الاجتماعية. تتناول الدراسة حالة «دوّار الصهد» الذي يُعرف على المستوى الإداري باسم «دوّار السوق الجديد»،

وهي تسميةٌ يجهلها كثير من «التّمَارِيين» أنفسهم (أي سكّان مدينة تمارة، حيث يقع الحي الصفيحي)،

بما في ذلك القاطنون في القرب من الحي. ولشهرة الحي الصفيحي باسم «دوّار الصهد» (ويعني

بالدارجة المغربية «حيّ الحرّ الشديد»)، رواسب بعيدة؛ فكلمة «دوّار» تعني «حي»، وهي التسمية التي

كان يمنحها المستعمر للأحياء الهامشية في المغرب. كما يحيل «الدوّار» إلى التاريخ «القروي» للأحياء

الصفيحية؛ ف «الدوّار» تصنيفٌ جغرافي لا يزال ساريًا لتعريف التجمّعات السكنية في القرى المغربية.

أما تسمية «الصهد» (أي «الحرّ الشديد»)، فتقول الكثير عن معاناة هذه الساكنة حرّ فصل الصيف تحت

سقف قصديرٍ ملتهب.

(((يدلّمنح هذه الأحياء العشوائية أسماء إدارية جديدة تخفي حقيقتها الصفيحية على تحوّلها إلى مجالٍيتمتّع باعترافٍ وشرعية

من لدُن السلطات المحلية، على الرغم من طبيعتها «الموقّتة»؛ وبتعبيرٍ آخر، إنها «الموقّت الدائم» dure qui provisoire Le. (((لأنّ المعاناة مضاعفة peine Double بالنسبة إلى ساكنة هذه الأحياء الصفيحية، فسرعان ما يتحول «دوّار الصهد» صيفًا إلى

«دوّار البرد» شتاءً، كما قال لنا أحد المستجيبين الصفيحيين ساخرًا، بسبب طبيعة البناء غير الصلب وثقوب القصدير التي تتسرّب

منها قطرات المطر.

الصورتان (1) و (2) من أزقةّ «دورّا الصهد»

المصدر: الباحث.

يقترب المجال الحضري الذي نشتغل عليه كثيرًا من «الحي الحضري»، لأنه يوجد داخل البنية الحضرية، ويتميز بكثافة سكانية مهمة، والبنايات الصفيحية صغيرة ومجزّأة، وقليلةٌ هي فضاءاته الفارغة، وأزقّته ضيقة جدًا ومتعرّجة، تقود في أغلبية الأحيان نحو طرقٍ مسدودة، على نحو «متاهاتٍ » Labyrinthes حقيقية. وتُبرز الصورتان ((12) و) أزقة في «دوّار الصهد»؛ وهي صورة نمطية لدور الصفيح، حيث يضيق الحيّز المكاني في «البراريك» وخارجها، وتُعدم المرافق والطرق وقنوات الواد الحار والماء الصالح للشرب والكهرباء، ومختلف التجهيزات الأساسية الأخرى. يضمّ «دوّار الصهد» 40 زقاقًا صغيرًا وضيّقًا، يراوح عدد دور كلّ زقاقٍ منها بين 35 و 40 «برّاكة.» ولا تتجاوز مساحة كلّ «براكة» 50 مترًا مربعًا. وهناك «براريك» تحمل الرقم نفسه (أو ما يسميه المستجيبون «النّمرة»)، أي الرقم الذي سُجّل تحت «المسكن الصفيحي» في الإحصاءات التي تقوم بها وزارة الداخلية في إطار مشاريع إعادة الإيواء. يحمّل المستجيبون الصفيحيون الدولة مسؤولية تقسيم «المسكن الصفيحي» وتحويله إلى «أقفاز» (أقفاص)؛ إذ تماطل السلطة المحلية منذ سنين طويلة في نقلهم إلى مساكن جديدة؛ كما لم تعمل على تحسين ظروفهم الاقتصادية. لذا، فإنّ أبناءهم لدى وصولهم إلى سنّ الزواج، وبسبب فقرهم المدقع، لا يملكون سوى العيش داخل «المسكن الصفيحي» نفسه وتقسيمه مسكنين أو أكثر.

(((لهذه «البراريك» بابان، إما لكون مالكها قد قسّمها نصفين، وباع نصفًا منها، أو لأنّ أحد أبنائه كوّن أسرةً واستقلّ عن عائلته

مجاليًا. وفي الأحوال كلها، الغاية من تقسيم المسكن الصفيحي وتحويله إلى دورين، ومطالبة السلطات المحلية لوزارة الداخلية

بتحيين معلوماتها الإحصائية، هي الاستفادة من مسكنين في حال جرت إعادة الإسكان؛ وهذا ما يؤكّده انتشار كلمة «مكرّر» التي تلي

الكثير من الأرقام المكتوبة على أبواب المسكن الصفيحي، حيث نجد مثلً مسكنًا صفيحيًا رقمه 23، وإلى جانبه مسكن آخر كتب

عليه من طرف مالكه 23« مكرّر». وتحكي مقابلات المستجيبين عن استراتيجية تقسيم المسكن الصفيحي التي أصبحت توسعتها

مسألةً ضرورية بعد تقزيمها، ويتمّ ذلك في الكثير من الأحيان على حساب الأزقة الفاصلة بين المساكن الصفيحية.

ثانيًا: البناء الاجتماعي للوصم المجالي للأحياء الصفيحية

1. تباين الفروق المجالية ووصمها

يُعتبر فصل ال «نحن» عن ال «هم» من بين أهمّ مكوّنات الوصم؛ إذ تُعدّ الفروق بين «الحيّ العادي»

و«الحيّ الصفيحي» من أهمّ الفروق التي تمنح أهميةً اجتماعية في المغرب. لذا، سرعان ما تسم

هذه التراتبية المجالية قاطني الأحياء الصفيحية ب «وْلَد البْراريك» (أبناء الحي الصفيحي)، في مقابل

«وْلَد الدْيور» (أبناء الأحياء العادية أو السكن القانوني). والوصم هو كلّ خاصية يمكن أن تنزَع عن

الفرد رمزية «العادي»، حيث تنزع عنه «القداسة» الاجتماعية، وتُبعده عن معايير المجتمع الأخلاقية والجمالية الحسنة، وتمنحه في المقابل صفة الدوني. وينظر إرفينغ غوفمان إلى الوصم بوصفه نوعًا

من العلاقة بين خاصيةٍ معيّنة وصور نمطية. وبهذا، لا تُعتبَر الخاصية، سواء كانت نفسيةً أم جسدية،

وصمًا إلّ عندما تكون مسجّلةً في لائحة الخصائص الدونية. لذا، لا يمرّ فهم «الموصوم–المنحرف»

من خلال فهم ما نعتبره شاذًّا، بل من خلال الاهتمام بما نَعتبِره «عاديًا». ومن ثمّ، كان فهمنا لرمزية

«المسكن الصفيحي» في هذا العمل مرتبطًا بشكلٍ كبير بالطريقة التي يتمثّل بها شباب «دوّار الصهد»

الصفيحي والأحياء الإسمنتية المجاورة «الدار»، أي المسكن الإسمنتي (أو الصلب) في حيٍّ قانوني. أدّى الاستعمار الفرنسي دورًا كبيرًا في بناء الفروق المجالية الحضرية في المغرب؛ إذ بدّل شكل المدينة

التقليدية بشكلٍ جذري. فقبل الحماية الفرنسية (1956–1912)، كانت أغلبية ساكنة المغرب متمركزة في المجال القروي. وابتداءً من ثلاثينيات القرن الماضي، سيعرف عدد ساكنة المدن ارتفاعًا مهمًا

بفعل الهجرة القروية. وأمام موجات الهجرة الكثيفة هذه، ما عادت المدينة القديمة، بوصفها شكل حضريًا بسيطًا عرفه مغرب ما قبل الاستعمار، قادرةً على امتصاص هؤلاء «الحضريين الجدد». وبهذا،

ستظهر الأحياء الصفيحية والكثير من الأشكال الجديدة لتملّك فضاء المدينة. وستستفيد المدن

المغربية الجديدة، إبّان الاستعمار الفرنسي، من سياسة حضرية ومعمارية مهمة، بينما ستكون المدن

القديمة وأحياء الصفيح موضوع اهتمامٍ هامشي. وجرت خلال هذه الصيرورة عرقلة نموّ المدن القديمة

بمبرّر الحفاظ على الخصوصيات الثقافية للمدينة المغربية، بينما عملت السلطات الفرنسية على

تنظيم امتداد دور الصفيح عوض الاهتمام بالقضاء عليها. فالحي الصفيحي إذًا هو في الأصل منتج

لتمدّد النمط الصناعي والرأسمالي والكولونيالي، في سياقٍ متميّز بالنزوح القروي، وفي ما سيسمّى

في ما بعد «سيرورة التحضّر.» ستعيد الدولة المغربية، بعيد الاستقلال في عام 1956، وعبر محطّات عدة، تحديد سياساتها تجاه دور الصفيح، خصوصًا بعد الاضطرابات الشعبية الحضرية التي عرفها الكثير من المدن المغربية (1981

و 1984 و 1990)، والتي دفعت السلطة الحاكمة إلى إعادة النظر بشكل عميق في سياسات التخطيط

(8) Goffman. (9) Abderrahmane Rachik, Ville et pouvoirs au Maroc (Casablanca: Editions Afrique Orient, 1995); Réda Benkirane, Bidonville et recasement: Modes de vie à Karyan Ben M’sik (Casablanca) (Genève: Institut Universitaire d’Études du Développement/ Université de Genève, 1993).

الحضري. وفي هذا السياق، سترى برامج التنمية المحلية النور، وستهتمّ في البداية بثلاث مدن (الرباط والقنيطرة ومكناس). وستتقوّى إرادة القضاء على دور الصفيح، مع إيجاد «الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق» في عام 1984، ووصول حكومة التناوب (2002–1998). وسيزيد هذا التوجه قوة مع «البرنامج الوطني لمحاربة السكن غير اللائق» في عام 2001، ثم مشروع «مدنٌ من دون صفيح» في عام 2004، و«المبادرة الوطنية للتنمية البشرية» في عام 2005، خصوصًا من خلال سياساتها العمومية

تجاه أحياء الصفيح التي ستزيد من قوة الفروق المجالية؛ لتتحوّل هذه الأحياء إلى مجالات حضرية غير شرعية يجب القضاء عليها؛ وستبرّر هذه الغاية الوسائل المستخدمة كلها، حتى العنيفة منها. كما تعمل الدولة من خلال مراقبة المواد التي يُصنع بها المسكن الصفيحي وضبطها، على الحفاظ على هذه الفروق المجالية، من خلال وسمها بالسكن القصديري؛ إذ تمنع تسقيف المسكن الصفيحي بالصلب، وتفرض في المقابل القصدير، حيث يبقى القصدير مادةً موصومةً وواصمة، وهي من بين المواد التي ما زالت تحافظ على هوية المسكن الصفيحي، خصوصًا بعد السماح بتحسين هذه المساكن

بمواد إسمنتية تتوقّف عند حدود الجدران؛ إذ لا يُسمح بتغطية المسكن الصفيحي بمادة أخرى غير القصدير، بحجّة الحفاظ على طابعه «الموقّت»، في حين أنه عامل أساسي لهشاشتها وهشاشة الحياة الصفيحية، ووهنها أمام الطبيعة والسلطة، وطابعها القدحي. سرعان ما تنتقل صورة القصدير السلبية التي تسكن المتخيل الحضري المغربي، والتي تعبّر عن الفقر

والهشاشة وضعف مقاومة الطبيعة (تسرب الماء، الصدأ...)، إلى أجساد الساكنة وتُحوّلها إلى أجساد دونية وأخلاق «صدئة». فعلى مستوى الحي الصفيحي، لا تسجّل الفوضى على مستوى التمظهرات المادية وأشكال التنظيم/ اللاتنظيم المجالي فحسب، بل أيضًا على أجساد الساكنة. فأنوميا دور الصفيح ليست معمارية وحضرية فحسب، بل تتجسّد أيضًا على مستوى ما هو رمزي واجتماعي؛

إذ يتفاعل المكان والساكنة بشكلٍ سلبي، ويساهمان بشكلٍ كبير في تقوية خصائصهما المنحرفة، في ما يشبه حركة أرجوحية مستمرة في حلقةٍ مفرغة لا يستطيع أحدٌ إيقافها. كما تعمل اللغة هي الأخرى من خلال الطوبونيمات الحضرية على تقوية هذه الفروق المجالية. وفي هذا الصّدد، تشكّل الأحياء الصفيحية مجالَ إبداعٍ لغوي جماعي قوي، لكنه في غالب الأحيان قدحي ومفروض من الخارج، ويحمل في متنه الكثير من الدلالات الواصمة. فلفظ «برّاكة» Baraque

يدلّ على الكوخ الحقير أو المكان المهمل، ولفظ «كريان» هو تشويه للكلمة الفرنسية Carrière التي

(10) Lamia Zaki, "L’action publique au bidonville: L’état entre gestion par le manque, ‘éradication’ des kariens et accompagnement social des habitants," in: L’Année du Maghreb II , sous la direction de Karima Dirèche–Slimani, Dossier: Femmes, famille et droit (2005–2006), p. 307. (11) Lamia Zaki, "La négociation d’une identité stigmatisée: Les modes de gestion du discrédit au bidonville," in: Villes reélles, villes projetées: Fabrication de la ville au Maghreb, Sous la direction de Nadir Boumaza (Paris: Maisoneuve et Larose, 2006), p. 123.

(((1 الطوبونيمات جمع طوبونيم؛ هي تعريب للكلمة الفرنسية toponyme، ويمكن ترجمتها أيضًا ب «الاسم الجغرافي.»

تُحيل في الأصل إلى محجرٍ مهجور قريب من مكان صناعي. وتحوّلت سيميائية الحي الصفيحي

إلى كلمةٍ عامة وفئةٍ حضرية قدحية حقّقت النجاح الذي لم يحققه مصيرها الطوبولوجي؛ إذ تحمل أسماء هذه الأحياء الصفيحية الكثير من الحمولات السلبية والواصمة. سمح لنا تحليل الكلمات المستعملة يوميًا، من ساكنة الحي الصفيحي قيد الدراسة، أو ساكنة الأحياء

الإسمنتية المجاورة له، باستنتاج مخيالٍ اجتماعي–لساني حضري تمييزي قائمٍ على أساس مكان الإقامة. فهذا الحي، كما أسلفنا، معروف ب «دوّار الصهد» (حيّ الحرّ الشديد)، وهناك من ينعته ب «دوّار

العقرب» (حيّ العقرب)، وآخرون ب «دوّار لاحونا» (حيّ رمونا)؛ وهي طوبونيمات تشترك كلّها في

تصوّرها القدحي لهذا الحي الصفيحي. فالاسم الذي يجري اختياره لتوصيف هذه الأحياء، ليس له

أثرٌ وصفي فحسب، لكنه قادرٌ على إنتاج أثر واقعي في هذه الأحياء، ما يساهم في توجيه السلوك

والتمثلات الاجتماعية للساكنة الصفيحية، والسياسات العمومية أيضًا، خصوصًا تلك المرتبطة

بالمدينة. فالتعارضات الاجتماعية بين «الحي القانوني» و«الحي العشوائي»، تتحوّل إلى تعارضات

مجالية، قبل أن تتحوّل بدورها إلى تعارضات ذهنية في المتخيّل الحضري.

2. ربط الفروق المجالية بصور نمطية قدحية

يجري إذًا ربط الفروق المجالية بين الأحياء بالكثير من الصور النمطية السلبية؛ إذ سرعان ما تتحول دونية

المسكن الصفيحي المعمارية والمجالية إلى دونيةٍ رمزية واجتماعية. وتفيد هذه الصورة النمطية في علم النفس الاجتماعي المعتقدات كلها المرتبطة بخصائص بعض الأفراد، والأفكار أيضًا التي يحملها

بعض الأفراد عن جماعة إنسانية أخرى. كما تُعدّ الصور النمطية نتيجةً لتمثلّات عقلية وتصنيفات

اجتماعية وخصائص تنميطية، تتمظهر في شكل كليشيهات لغوية وصيغٍ جاهزة تمحو مميزاتٍ وتضع مكانها أخرى، كما تقوم أيضًا بتضخيمها. ومن ثمّ، أضحت تسميات «الصفيحي» أو «ولد الكريان»

توظَّف كعقابٍ رمزي ضدّ كلّ سلوكٍ منافٍ للأخلاق. وأكّد لنا أحد المستجيبين أنهم في الحي السكني

المجاور ينعتون كلّ سلوكٍ فضٍّ ولا أخلاقي ب «سلوك وْلَد دوّار الصهد» (أخلاق الحي الصفيحي.)

لذا، أضحت تسمية «دوّار الصهد» شتيمةً تصم كل سلوك «منحرف». فبالنسبة إلى لمياء زكي: «الحي

الصفيحي موصومٌ بقوة في المتخيل الاجتماعي الحضري المغربي؛ فهو ملتقى الانحراف الحضري

إلى حدٍّ أصبح فيه ‘الكرياني’ أو ‘وْلَد الكريان’ يوظف في المجتمع المغربي كشتيمة». ف «بنت

الكريان» أو «ولد الكريان» تُوظّف للإشارة إلى المنحرف والمنحل أخلاقيًا، كما تحيل إلى «البدوي»

المعروف بسذاجته وأذواقه وتصرفاته المخالفة والمختلفة البعيدة عن الثقافة الحضرية المتحضرة.

(((1 المركز الحراري في حي الصخور السوداء في الدار البيضاء، كما أشرنا إلى ذلك. (((1 بيير بورديو، «في تأثيرات المكان»، في: بيير بورديو (إشراف)، بؤس العالم، ج 1: رغبة الإصلاح، ترجمة محمد صبح، مراجعة وتقديم فيصل دراج (دمشق: دار كنعان للدراسات والنشر، 2010)، ص.243

(15) Lamia Zaki, "De la représentation du pouvoir aux pratiques atomisées d’appropriation de l’espace dans les bidonvilles marocains: L’omniprésence de la référence au(x) droit(s)," in: Pierre–Robert Baduel (dir.), Chantiers et défis de la recherche sur le Maghreb contemporain (Tunis: IRMC; Paris: Karthala, 2009), p. 371. (16) Ibid.

تعاني الأحياء الصفيحية، عمومًا، صورةً تربطها بالبؤس والهجرة وانعدام الأمن، لأنها تمثّل أسوأ

أشكال السكن على مستوى التراتبية الحضرية، بسبب دونية المواد المصنوعة منها وموقعها الهامشي وكثافتها الديموغرافية التي تفوق قدرتها الاستيعابية، وارتباطها تاريخيًا بالهجرة القروية. لذا، تبدو الحياة

الاجتماعية في مثل هذه الأحياء الفقيرة متشابهةً وعاريةً ومأساويةً وعنيفة. فالحي الصفيحي حالة حضرية شاذّة، ما دامت المدينة مجالً للتنظيم وإنتاج الخيرات والارتقاء الاجتماعي. وهذه الدونية ليست مرتبطةً بالحي الصفيحي في حدّ ذاته فحسب، بل بالصورة المنسوجة حوله أيضًا، التي تربط هذا الشكل من الأحياء بالجريمة والانحراف. لذلك فإنّ الأحياء الصفيحية في المغرب هي مجالات تتقاسم وصمًا مجاليًا ملتصقًا بها، يجعل منها أماكن ينبغي تفاديها؛ أماكن خطرة لا يُحترَم فيها القانون،

ويسود فيها الانحراف والجريمة اللامحدودة. وهناك سرديات شائعة تقول إنّ الشرطة لا يمكنها دخول مثل هذه الأحياء نظرًا إلى خطورتها. لم يشذّ «دوّار الصهد» عن هذه الصور النمطية للأحياء الصفيحية؛ إذ التصقت به صورة الموقع المفزع

الذي تنخره الجريمة ويسوده قانون «الشمكارة» (مدمني المخدرات) والمنحرفين. ولمسنا الحضور القوي لهذه الصورة المترسخة في المتخيّل الحضري المغربي لدى المستجيبين القاطنين في الأحياء الصفيحية

القريبة من دوّار الصهد، باعتبارهم «مغتصبين» و«مدمني مخدّرات» و«مجرمين» و«خطرين» و«متطرّفين»

و«إرهابيين». فترادف «صفيحي – منحرف» يتمّ تفعيله بطريقة آلية، وفي مدةٍ زمنية قياسية. وعلى الرغم

من أنّ هناك من يعتبر هذه الصور النمطية غير مؤسّسةٍ على أسسٍ علمية ويرفض استعمالها، سواء كانت

إرثًا اجتماعيًا أم جماعيًا، فإنه يجري تفعيلها بشكلٍ آلي ولا إرادي عندما يوجدون أمام فرد ينتمي إلى

جماعة معيّنة مرتبطة بالصور النمطية السائدة في محيطهم الاجتماعي، سواء كان ماديًا أم رمزيًا، هو مبرّر

كافٍ لتفعيل الصور النمطية المتعلقة بهذه الجماعة. وتوضح لنا هذه اللاقصدية أنّ من الصعب التحكّم في اشتغال الصور النمطية في بعض الوضعيات؛ إذ عندما تُفعّل، تشتغل الصور النمطية كطُعم، يدفع الأفراد نحو منحى معيّن متطابق مع خصائص معيّنة، سواء تعلقت بمحدّدات جسدية أم نفسية أم سلوك.

وبهذا، تشتغل الصور النمطية الملتصقة بشباب الأحياء الصفيحية بشكلٍ تلقائي، وتوظَّف في إصدار أحكام سريعة، لتبدو وكأنها تشتغل بشكلٍ سابق على الوعي.

ثالثًا: عواقب التوصيم المجالي

بعد إيجاد الفروق المكانية وربطها بصور نمطية قدحية، نصل إلى اللحظة التي يتحوّل فيها التوصيم إلى

ممارسةٍ تمييزية. فبالنسبة إلى بيار بورديو، الأمكنة كلها الموجودة في مجتمعٍ تراتبي، تكون هي الأخرى

(17) Wacquant, p. 6. (18) Zaki, "De la négociation...," p. 126.

(((1 عزّزت أحداث 16 أيار/ مايو 2003 الإرهابية في الدار البيضاء هذه الصور النمطية القدحية الدارجة في المجال التداولي

المغربي لوصم الحي الصفيحي، حيث ألحقت بها بشدّة وصمَي «التطرّف الديني» و«الإرهاب»، يُنظر في ذلك:

Zaki, "L’action publique au bidonville," p. 304.

(((2 لينك وفيلان، ص.149

تراتبية؛ وتعبّر بذلك، بشكلٍ وفيّ، عن المكانات والفوارق الاجتماعية القائمة. فعندما يوصم قاطنو

الأحياء الفقيرة، ويجري ربطهم بصفات غير مرغوب فيها، يصبح آنذاك نبذهم وإقصاؤهم والحطّ من قيمتهم مسألةً مبرّرة. لذا، تعيش الأحياء الفقيرة الموصومة دائمًا تحت وطأة الحرمان المادي (صعوبة

الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم والسكن اللائق)، والحرمان النفسي (صعوبة الارتقاء النفسي واستدماج تمثلّاتٍ سلبية عن الذات والحرج.)

1. فقدان المكانة

من بين أهم عواقب الوصم، وضع الموصوم في مكانة اجتماعية متدنية؛ من خلال ربطه بصورٍ نمطية سلبية تقلّل من شأنه. ويوظّف التوصيم المجالي، مثل باقي أشكال الوصم الأخرى، كمبرّرٍ للحطّ من

قيمة الأشخاص الموصومين ونبذهم وإقصائهم. ونتيجةً لذلك، يتعيّن على الشباب الصفيحيين كل

يومٍ حمل الثّقل الرمزي الهائل المضمّن في أحد أبعاد حياتهم (الانتماء الصفيحي)، الذي يرتبط تلقائيًا

في نظر «الآخرين» بمجموعة نمطية، محتقرةٍ ومهانةٍ وموصومةٍ اجتماعيًا، ويُنظر إليها غالبًا باعتبارها

مزعجةً أو مهدِّدةً أو خطرة. وفي الوقت نفسه، يجري التقليل من شأن الأبعاد الأخرى كلها التي

تجعل هؤلاء الشباب «مثل أيّ شباب عادي»، والتي لا يمكن اختزالها في بُعد إشكالي أو حالةٍ إشكالية

من وجودهم، أو يتم وضعها في الخلفية، أو إغفالها تمامًا. لذا، سيهتمّ الكثير من المقاربات في علم الاجتماع باستراتيجيات وضع المسافات المجالية

والاجتماعية للطبقات المتوسطة الحضرية تجاه الطبقات الشعبية. فقلق الآباء على مصير أبنائهم، يدفعهم إلى البحث عن أحسن المدارس لهم؛ والعزل المدرسي ليس انعكاسًا بسيطًا للعزل الحضري

فحسب، لكنه يتقوّى بانتقائية اجتماعية للاختيارات الدراسية للعائلات الغنية في الدرجة الأولى، ثم

المتوسطة؛ والمدارس الموجودة في الأحياء الشعبية أو المختلطة، والمتميّزة بتناقضاتٍ ترابية مهمة،

هي الأكثر معاناة من العزل. ومن الباحثين السوسيولوجيين المهمين في هذا الصّدد، نجد جاك دنزلو

الذي يتحدث، من خلال مفهوم الانفصال، عن انطواء الطبقة الوسطى على نفسها، وتزايد تهميش الطبقة الفقيرة. ففي سياقات حضرية مختلفة، وبحسب خصائص اقتصادية وثقافية محدّدة، تُطوِّر

الطبقة الوسطى أشكالً حمائية وانطوائية، غايتها وضع مسافة مع الطبقة الفقيرة. ويمنح التعليم الخصوصي هذه الطبقة الوسطى (والطبقة الغنية)، إمكان الفرار من المدارس الموجودة في محيط سكناها، وتجاوز إكراهات الخريطة المدرسية في المغرب. لذا، نجد الكثير من الأسر في الطبقة

(((2 بورديو، ص.240 (((2 لينك وفيلان، ص.151

(23) Marcelo Otero, "Repenser les problèmes sociaux: Le passage nécessaire des populations ‘problématiques’ aux dimensions ‘problématisées’," SociologieS , 15/11/2012, accessed on 5/4/2020, at: https://bit.ly/3ag1D4K (24) Ibid. (25) Jacques Donzelot, Quand la ville se défait: Quelle politique face à la crise des banlieues? (Paris: Éditions du Seuil,

(26) Ibid.

الوسطى القاطنة في القرب من «دوّار الصهد»، ترفض تدريس أبنائها في الإعداديات والثانويات

التي يدرس فيها أبناء «دوّار الصهد.» يعبّر مثلٌ مغربي مشهور «اخْتَرْ الجار قبل الدار» عن هذا الفصل الاجتماعي، بمعنى التركيز الاجتماعي

الكبير على طبيعة الجيران أكثر منه على مكان الإقامة، بما يفسّر ابتعاد مجموعة من الأسر المقبلة على شراء

منازل عن الإقامات السكنية القريبة من دور الصفيح، أو لها إطلالةٌ عليها. كما أكّد لنا أحد المستجيبين أن الكثير من الأسر المقيمة في جوارهم، في الأحياء القريبة من «دوّار الصهد»، ترفض أن يلعب أبناؤها مع

أبناء دوّار الصهد. وأكّد لنا مستجيب آخر أنّ أسعار العقارات تنخفض كلما اقتربت من أحياء الصفيح، أو

حتى من الإقامات السكنية التي تمّت فيها إعادة إيواء الأحياء الصفيحية في مدينة تمارة. تصبح تمثلات الحي الصفيحي السلبية أكثر تطرّفًا عندما تتمثّله ساكنته نفسها بوصفه مأوى للإجرام.

فأحياء الصفيح، الشبيهة بالفلك الذي تدور حوله النشاطات كلها غير القانونية وغير الأخلاقية، تنتج تمثلّاتٍ لدى الساكنة لا تختلف في الكثير من الأحيان عن تمثلّات الساكنة المجاورة لها، بل تكون في بعض الأحيان أكثر تطرّفًا. ولا غروّ إذًا أن نجد المستجيبين «الصفيحيين» يستدمجون مجموعة

من الأحكام الحضرية المهيمنة؛ فهم يقبلون تلك الصورة المنسوجة حول الأقلية السيئة، ويعمّمونها

على جميع ساكنة الحي الصفيحي. وفي غالب الأحيان، تستدمج الساكنة الوصم المجالي الذي يحمل الكثير من الصور والآثار السلبية، والذي يتحوّل إلى إحساس بالذنب والحرج؛ وهذا ما يبرزه

بوضوح خطاب المستجيبين الصفيحيين؛ إذ يعبّر الشباب داخل الحي الصفيحي عن أنهم يعيشون

تجربة «الأجنبي» في المدينة، حيث يحسّون بعدم مشروعية حضورهم. وعلى الرغم من اندماجهم

الجغرافي والمادي في النسيج الحضري، فإنهم لا يحسّون، فعليًا، بأنهم يعيشون في المدينة. ذلك

أنّ الحي الصفيحي يُعاش كمنطقةٍ معزولة وغريبة عن المدينة، نائيةٍ اجتماعيًا، تفصلهم عن الفضاء

الحضري، وترمي بهم إلى فضاءٍ بعيد، أساسه الرفض والإهانة والدونية. فالعيش في دور الصفيح هو اختلافٌ محرج؛ وإحساسٌ بالحرج يمكن تأويله باعتباره شكلً من أشكال الوعي بالتمييز المفروض

عليهم. فغالبًا ما تتحدّد مكانة الفرد الاجتماعية من خلال تموقعه في المجال المادي؛ وإدراك الذات

لديه كحضريٍّ من الدرجة الثانية هو نتيجة صيرورة دينامية اجتماعية، واستدماجٍ للتمثلّات الاجتماعية

المهيمنة والإقصائية. وتشكّل هذه الصورة النمطية تهديدًا مستمرًا للموصومين؛ فهم غالبًا ما يستدمجونها

ويؤكدونها من خلال سلوكهم. إنّ التوصيم المجالي للأحياء الصفيحية ذو تأثيرات قوية وعميقة؛ إذ يل ج المدينة كغازٍ يسمّم أركان الحي

الصفيحي كلها، ويمتدّ ليشمل المدرسة والشرطة والمحالّ التجارية والمستشفى ومؤسّسات الدولة كلها،

(27) Ibid., p. 125. (28) Sune Qvotrup Jensen & Ann–Dorte Christensen, "Territorial Stigmatization and Local Belonging: A Study of the Danish Neighbourhood Aalborg East," City , vol. 16, no. 1–2 (2012), p. 74. (29) Zaki, "La négociation," p. 125.

(((3 لينك وفيلان، ص.156

وليعود إلى تسميم صورة الذات الداخلية لساكنة أحياء الصفيح. فالحي الصفيحي الموصوم، يُفس د رمزيًا

من الحضريين «العاديين»، وحتى من «الصفيحيين» أنفسهم. وكشفت لنا المقابلات عن الدور الذي يقوم به التوصيم المجالي كعنفٍ رمزي؛ إذ يستدمج المستجيبون هذه الصورة السلبية التي تلتصق بمكان إقامتهم، وهم يعيدون إنتاجها بشكلٍ لا واعٍ، وفي بعض الأحيان بشكلٍ أكثر تطرّفًا من المستجيبين «العاديين.» من بين أهم عواقب هذا الوصم، وضع الموصوم في مكانةٍ اجتماعية متدنّية؛ من خلال ربطه بصور نمطية سلبية، حيث يفقد شباب الأحياء الصفيحية الموصوم حينها الإحساس بالانتماء الحضري؛ فهم يعيشون نوعًا من النفي القسري داخل الأحياء الصفيحية، بوصفها «عالمًا متوحّشًا» يعيشه الشباب مثل

اعتقالٍ اجتماعي. وهم يحملون وعيًا قويًا بأنهم معزولون ومقصيّون في مجالٍ مهترئ لدى الشباب

الصفيحيين المستجيبين؛ إحساسٌ بأنهم مميّزون، لكن بشكلٍ سلبي ومحرج، بسبب مكان سكناهم

الذي يكرهونه، ومن خلاله يكرهون ذاتهم. وفي هذا الصّدد، يتحدث بورديو عن استهلاك المكان

الذي يشكّل بالنسبة إلى بعض الطبقات الاجتماعية شكلً من أشكال التباهي بالسلطة، بيد أنّ قاطنة الأحياء الفقيرة تستهلك مكانًا دونيًا يشكّل بالنسبة إليها مصدرَ حرج.ٍ تحمل ساكنة الأحياء الصفيحية صورةً قاتمة عن مكان سكناها؛ ما يجعل من الصعب على هؤلاء الشباب العيش خارج صورة الازدراء الذي يعانون ضغطه في حياتهم اليومية، بسبب «النجاسة» الملازمة لمكان سكناهم الذي أصبح عنوان البؤس والجريمة والانحلال الأخلاقي، والتي تحاصر مجالات وجودهم كلها في المدرسة، وفي بحثهم عن العمل، وفي علاقاتهم بالشرطة وبالجنس الآخر، وفي التفاعلات اليومية المختلطة كلها. كما يؤدّي انعكاس التوصيم على ساكنة الحيّ الصفيحي

أنفسهم إلى تبادل الخشية والخوف بعضهم من بعض.

2. الحي الصفيحي باعتباره عائقًا أمام تحقيق الذات

عبّر الشباب الصفيحيون المستجيبون عن ظلمٍ مجالي تلخّصه مفردة «الحكرة» ذات الدلالات العميقة

في السياق التداولي المغاربي؛ وهي بمنزلة احتقارٍ مجالي له وجهان: الأول رمزي، يمكن تلخيصه في الصورة السلبية التي يختزلهم فيها الآخرون، والثاني مادي، أي معاناتهم حرمانًا من مجالٍ لائق للسكن تتوافر فيه الخدمات الأساسية كلها التي يظنون توافرها في أشكال السكن الأخرى، التي يلخّصونها في

«الدّْيُور» (جمع «دار» بالدارجة المغربية)، أي المنازل الإسمنتية أو المبنية بالصلب. تتعدّد أشكال المعاناة المادية في الأحياء الصفيحية؛ فالمعاناة من السكن تحت سقف القصدير ومصارعة الظواهر الطبيعية، تبدأ من «الصهد» (حرارة الشمس التي تتضاعف داخل المسكن الصفيحي بسبب القصدير)، و«القطرة» (قطرات المطر التي تتسرّب عبر القصدير المهترئ في فصل الشتاء)،

والرياح التي تحوّل القصدير إلى أوراق «طائرة»؛ زد على ذلك الحشرات والقوارض وغياب الصرف

الصحي والماء الصالح للشرب والكهرباء، وسوء الظروف الصحية، وغيرها. لذا، عوضًا من أن يكون

(31) Pierre Bourdieu, La distinction: Critique sociale du jugement (Paris: Editions de Minuit, 1979). (32) Wacquant, p. 180.

السكن القصديري ملاذًا آمنًا وفضاءً للراحة، يتحوّل إلى مجالٍ للضائقة والمعاناة؛ وهذا ما عبّر عنه

بطرائق عدّة الشباب المستجيبون. من أهمّ أشكال الحرمان المجالي، كما عبّر عنها هؤلاء الشباب، هو «بِيتكْ بوحْدَكْ » (أي غرفتك

الخاصة)؛ إذ يحرمهم غياب هذا المجال الشخصي الحميمي من الكثير من الطقوس التي يستمتع بها أبناء الأحياء «العادية»، فغياب الخصوصية، والغرفة الخاصة داخل المسكن الصفيحي، يجعل الشباب الذين يعيشون مرحلةً عمرية يحتاجون فيها إلى التواصل بحرّية مع أقرانهم، يعانون «الضيق»،

أكثر من سواهم من الفئات العمرية. ففي الكثير من المقابلات، تردّدت جملة «أنا لست مرتاحًا في

المسكن الصفيحي»، حيث يستحيل في مجالٍ غاية في الضيق الاختلاء بالذات و/ أو ممارسة الكثير من النشاطات الثقافية والاجتماعية التي يمارسها الشباب في هذه المرحلة العمرية. وعبّر الشباب

المستجيبون عن ذلك، مثلً، من خلال صعوبة المحادثة الهاتفية مع أقرانهم، خصوصًا مع الجنس

الآخر، ومراجعة الدروس وإنجاز التمارين المنزلية؛ وحتى الاستحمام بعد حصة رياضية هو صعب المنال في المسكن الصفيحي، نظرًا إلى غياب الحمام. تمتدّ هذه المعاناة في «دوّار الصهد» بسبب غياب الحميمية إلى مجالات أوسع؛ إلى مجال «البينية

الزوجية» L’entre–soi conjugal مثلً، و«البينية العائلية» L’entre–soi familial، التي غالبًا ما يُعوّقها

الاختراق الدائم للآخر، من خلال نظرته وحضوره المادي وضجيجه الذي يمرّ عبر الحيطان الفاصلة

الضعيفة التي تسمح بسماع كل ما يدور في المسكن الصفيحي؛ ما ينعكس على التواصل بين الجيران، كما يؤكّد ذلك عبد الرحمن المالكي: «إنّ نوعية السكن تلعب دورًا كبيرًا في تحديد درجة استقلالية

الأسرة؛ فكلما كان السكن منعزلً، كلما شعر أفراده بحريّة أكبر، وكلما كان تواصلهم أفضل مع جيرانهم؛

بينما السكن الملتصق ببعضه البعض، والمفتوح على الجيران، يكون أفراده يميلون أكثر إلى الانعزال والانغلاق». يُضاف إلى ذلك استحالة استقبال الضيوف بسبب «الضِّيق» (ضيق الحيّز المجالي في

«البرّاكة») و«الحَضْيَة» (المراقبة المستمرّة، داخل «البرّاكة» وخارجها)، التي لا يستطيع «الصفيحي» الفرار

منها؛ وهو ما عبّر عنه أحد المستجيبين بشكلٍ عميق عندما قال: «أريد منزلً أتلف فيه (أضيع فيه.») كما تعتبر الأحياء الصفيحية، ومن بينها «دوّار الصهد»، أحياء تخوميةً بامتياز؛ ويعتبر المجال التخومي

(33) Abdelmajid Arrif, "Variations spatiales du privé et du public à travers les exemples de Ben M’sik et de Hay Moulay Rachid à Casablanca," Les Cahiers d’Urbama , no. 13 (1997), p. 76.

(((3 عبد الرحمن المالكي، الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب (فاس: منشورات مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية، 2015)، ص.32 (((3 «المجال التخومي» Limitrophe Espace هو المجال الحدودي بين المجال الخاص (المنزل)، والمجال العام (الشارع)،

كعتبة المنزل مثً أو «الدّرب». مجالٌ يوجد بين العام والخاص، ويفصل بينهما. فنافذة المسكن الصفيحي وأبوابه، هي بمنزلة

مجالات تخومية بهذا المعنى. ويحيل المجال التخومي إلى لعبة معقّدة بين الداخل (المغلق) والخارج (المفتوح)؛ إذ تفرض خاصية

المجال التخومي شبه العمومي، في غالب الأحيان، الاشتراك والتدبير الجماعي بين أسرٍ متجاورة، بل يمكن أن يكون أيضًا موضوع نزاع مستمر. إنه المكان الذي يشهد على العلاقة بين الأسرة وعالمها الخارجي، يُنظر:

Françoise Navez–Bouchanine, "L’espace limitrophe: Entre le privé et le public, un no man’s land? La pratique urbaine au Maroc," Espaces et Sociétés , numéro spécial intitulé, Espace public et complexité sociale, no. 62–63 (1991), pp. 135–158.

بدوره مجالً أنثويًا بامتياز. ففي الأحياء الصفيحية، توجد المرأة في مركز العلاقات الاجتماعية الجوارية

اليومية. فممرّات الحيّ الصفيحي مجالٌ نسائي بامتياز، ويحمل دائمًا لمسةً نسائية؛ فهي تحضر من

خلالها نشاطاتها اليومية، مثل الأشغال المنزلية والإنتاجية، وتُحوّل الزقاق أو الممرّ من مجالٍ عام إلى

مجالٍ شبه خاص؛ إلى مجال تبادلٍ وجوارٍ وممارسات مختلفة. وتدفع إكراهات المسكن الصفيحي النساء إلى نقل نشاطاتهنّ المنزلية إلى ممرّ الحي بسبب مساحة المسكن الصفيحي الصغيرة، وحرارته

المرتفعة صيفًا، وغياب التهوية والخوف من الحريق؛ ذلك أنّ فتح المسكن الصفيحي من أجل التهوية يفضحه. لذا، توجد دائمًا «خامية» (حجابٌ من قماش شفّاف) في المدخل، تحاول مقاومة النظرات

الخارجية. وتمر نشاطات الخارج اليومية كلها من المسكن الصفيحي، بضجيجها وكلامها النابي ونظراتها وأغانيها، وشجاراتها. وفي هذا الصدد، يقول عبد المجيد عريف: «الحديث عن المجال هو حديث عن العلاقات؛ سواء تعلق الأمر بالتفاعل مع الجيران، أو شبكة الجوار. مقاربة المجال هي أولً وقبل كل شيء مقاربة للروابط الاجتماعية. باختصار، إنه حديث عن الحدّ والحدود والعتبة

والمرشحة والحجب [...] ليس بالضرورة حديثًا عن فصلٍ شامل وغير قابلٍ للتجاوز، ولكن عن نقاط

التقاءٍ حسّاسة، تستوجب طقوسَ مرورٍ وتشفيرًا وتفاوضًا وجهًا لوجه. هذا الطقس إما يُعاش كعلاقةٍ

بين الأفراد، أو كعلاقة التزام مع المجموعة أو الجماعة. لأنّ الحياة في دور الصفيح تعاش تحت ضغط نظرات الآخر».

3. تأثيرات الوصم المجالي في توزيع فرص العيش

كما أسلفنا، تُعدّ الفوارق المكانية ترجمةً وفيّة للفوارق الاجتماعية؛ ذلك أنّ الشكل الذي يتمّ من خلاله

توزيع الأفراد والسلع في المجال، يحدّد قيمة المجالات الاجتماعية المختلفة. فغالبًا ما يتمّ تجميع

السلع الأكثر ندرةً وأهميةً في مجالات معيّنة بعيدة عن الأماكن التي يتجمّع فيها الفقراء. واشتكى

المستجيبون الصفيحيون في هذا الصّدد من حرمانٍ في فرص العيش وصعوبة الولوج إلى الكثير من

الخدمات الاجتماعية الأساسية الجيدة، مثل الصحة والتعليم والتنقل والبنى التحتية الخاصة بالعلاج. فإلى جانب التمييز الفردي، هناك التمييز البنيوي، حين تكون ممارسات بعض المؤسسات سببًا في

حرمان بعض الفئات الاجتماعية وتضعهم في «بيئة معوّقة». تبقى صعوبة الولوج إلى وسائل النقل العمومية والخاصة من أهم الصعوبات التي تعانيها ساكنة العشوائيات والأحياء الفقيرة عمومًا. فالمستوى الاجتماعي للأحياء الصفيحية لا يسمح لهم بامتلاك

وسيلة نقلٍ خاصة؛ أما وسائل النقل العمومية، فضعيفة وعرضها لا يتناسب مع طلب الساكنة؛ لذا، هي غير كافية ومكتظة في غالب الأحياء، ما يجعل حركية الساكنة جدّ صعبة. ولا تُقاس أهمية المجال والتنقّل مكانيًا فحسب، بل زمانيًا أيضًا؛ فكلما كان رأس المال مهمًا، كانت هناك قدرةٌ على التحكّم

(36) Arrif, p. 73. (37) Ibid., pp. 75–76.

(((3 بورديو، ص.244 (((3 لينك وفيلان، ص.153

في الزمن، من خلال سهولة الولوج إلى وسائل النقل العمومية والخاصة. ويمنع وسمُ هذه الأحياء بالخطرة أيضًا الكثيرَ من سائقي سيارات الأجرة من الاقتراب منها، مخافة العنف الذي قد يُمارَس

عليهم أو على ممتلكاتهم. وعبّر المستجيبون الصفيحيون عن الزمن الضائع في البحث عن وسائل

النقل وانتظارها ومسارها الطويل الذي يكونون فيه مكدّسين داخل حافلاتٍ مهترئة. بسبب فقر أسر الأحياء الصفيحية إذًا، يكاد يستحيل الولوج إلى خدمات القطاع الخاص؛ أما الخدمات العمومية، فعلى الرغم من حضورها الذي يختلف كمّيًا ونوعيًا من منطقة إلى أخرى، فإنها تكون

موضوع تدهورٍ بسبب ما تسميه إيفا فان كيمبن عامل «الازدحام» Crowding. فعندما نكون أمام عددٍ كبير من الناس يعانون المشكلات نفسها، ويستخدمون الخدمات العمومية نفسها، فإن جودة هذه الخدمات تتدهور بسرعةٍ في غياب موارد مالية كافية لتخصيصها أو إصلاحها أو استبدالها بأخرى جديدة. لذا، عبّر لنا شباب «دوّار الصهد» عن معاناتهم طول الانتظار للحصول على أدنى خدمة صحية

والإجراءات المعقّدة والاستقبال السيئ أو غير المتوافق مع حاجاتهم؛ بسبب الاكتظاظ وقلة الموارد البشرية والصورة السلبية التي يحملها العاملون في المستشفى عن حيّهم، والتي تحول دون تحقّق

تواصل فعّالٍ وإيجابي. فالحي الصفيحي يجسّد وضعًا مجاليًا معقّدًا؛ إذ هو عنوان الانحراف الأخلاقي

والسمعة المكانية السيئة والموصومة، ما يعقّد، ما وراء الخصاص المادي واللوجيستي، الولوج إلى الخدمات الاجتماعية. من جهةٍ أخرى، يجد كثير من شباب الأحياء الصفيحية صعوبةً في ولوج سوق الشغل وإقناع المشغلين المحتملين. فتعريف الشاب الصفيحي بمكان سكناه، كفيلٌ بإثارة حذر الآخر؛ ويواجه شباب الأحياء الصفيحية بحذرٍ شديد من المشغل المستقبلي في اللحظة التي يصرحون بعنوانهم. ويعوّق التمييز على

أساس العنوان الصفيحي عملية البحث عن العمل، ويساهم بشكلٍ كبير في تفاقم البطالة المحلية. وليس المشغّل فحسب من يتعامل بحذرٍ مع شباب أحياء الصفيح، بل الأساتذة والإدارة والجنس الآخر والشرطة والقضاء أيضًا؛ إذ يكيّف الجميع سلوكه بحسب مكان الانتماء الذي يُنظر إليه عادةً باعتباره

وكرًا للانحراف والانحلال. فيكفي أن تصرِّح أنك تسكن في «دوّار الصهد» حتى تصبح موضوع اتهام

مباشر بالانحراف، وما يرافقه من إحساس بالإثم والحرج لدى الشباب الصفيحيين. وعندما يوسم بعض الأشخاص، وتُلصق به صور نمطية سلبية من الأشخاص المحيطين بهم، فهذا يعطي للواصمين الحق في ممارسة الكثير من أشكال التمييز التي تأخذ شكلً علنيًا ظاهرًا تجاه الموصوم؛ وهذا ما سمّاه

بروس لينك وجوك فيلان «التمييز الفردي». ويتضاعف الإقصاء الرمزي في مثل هذه الوضعيات؛ إذ يكاد يستحيل على شابٍّ من الأحياء الفقيرة والمهمّشة أن يعترف «من أين أتى»، أي «من هو.»

(((4 بورديو، ص.244

(41) Eva van Kempen, "‘Poverty Pockets’" and Social Exclusion: On the Role of Place in Shaping Social Inequality," in: Peter Marcuse & Ronald van Kempen (eds.), Of States and Cities: The Partitioning of Urban Space (Oxford: Oxford University Press, 2002), pp. 240–257.

(((4 لينك وفيلان، ص.153

رابعًا: السلطة أساسًا لقوة الوصم المجالي

تحتل دور الصفيح مركزيةً في تاريخ المغرب، سواء تعلق الأمر بتطور الحركة الوطنية أم بأحداث العنف، مثل الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في 16 أيار/ مايو 2003. وشكّلت الأحياء الصفيحية منذ الحماية تهديدًا سياسيًا بسبب إمكاناتها التمردية والعصيانية؛ كما شكّلت، ولمّا تزل، أداة

اقتصادية (خزّان يدٍ عاملة) وسياسية (خزان أصوات انتخابية)، بالنسبة إلى السلطات العمومية. كما

أخذت مقاومة دور الصفيح في الكثير من الأحيان شكلً عنيفًا، وأشهرها احتجاجات آذار/ مارس 1965 وحزيران/ يونيو 1981. كما تأخذ باستمرار شكل احتجاجات سلمية مطالبةً بتوفير الخدمات الأساسية، مثل الماء وقنوات الصرف الصحي والكهرباء. بُنيت الصور الذهنية التي تخصّ مجال الحي الصفيحي عبر الزمن من فاعلين مؤسساتيين، من مخطّطين

وخبراء وأصحاب القرار السياسي. فهم من ينتج الكثير من الكلمات والصور الواصمة وينشرها، وهم مسنودون في هذه المهمة بوسائل الإعلام التي تتبنّى هذا التفيِيء الواصم، وتضمن استمراره. فبالنسبة إلى أصحاب القرار السياسي، يخدم خطاب الوصم الحضري مصلحتهم من حيث إنه يبرّر إرادة التدخل

ل «تنظيف» المدينة و«إصلاح» سكان الأحياء الصفيحية وإعادة دمجهم في مدينة «نظيفة» مهيكلة ومنظمة. لذا، فإنّ سلاسة التنميط المجالي وقوته رهينة بإيجاد فصل الحي العادي (ال «نحن»)، والحي الصفيحي (ال «هم»). وغالبًا ما ينظر إلى هذا ال «هُم» باعتباره مهدّدًا لل «نحن»، لأنه منحرف ومجرم. وعندما يترسّخ

هذا التمثّل القدحي في المتخيّل الحضري، تصبح كلّ معاملةٍ سلبية وعنيفة لل «هم» أمرًا مقبولًاجتماعيًا.

ومن هنا تحتاج صيرورات الإنتاج الاجتماعي للوصم إلى القوة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ وتعتبر الأماكن الفقيرة والمهمّشة فضاءً متميزًا لممارسة السلطة التي تشكّل عنفًا رمزيًا، لأنها غالبًا

ما تُمارَس بشكلٍ خفي ومستدمج من المهيمن عليهم في المجال الحضري. في المقابلات التي أجريناها مع الشباب القاطنين في جوار «دوّار الصهد»، وصفوا قاطني الحي

الصفيحي ب «الهمج» و«التوحّش». فبناء الفروق بين ال «نحن» وال «هم»، كما أكد ذلك لينك وفيلان،

قد يصل إلى درجة اعتبار الإنسان الموصوم لا يرقى إلى درجة الإنسان؛ وتصبح كلّ معاملة سيئة وعنيفة لهم مسألةً مقبولةً ومبرّرة. أكدت لنا المقابلات التي أجريناها مع الشباب القاطنين في «دوّار الصهد» التعامل التمييزي الذي

تعرّضوا له من القوى الأمنية؛ إذ تستند الدولة إلى مجموعة من الاستراتيجيات في مقاربتها المجالات

(((4 كانت أغلبية المهاجمين تنحدر من الأحياء الصفيحية «كاريان طوما» و«دوار السكويلة» في منطقة سيدي مومن.

(44) Lamia Zaki, "Après le bidonville: Les relogés de Lahjajma (Casablanca): Entre déni et nostalgie," in: Sylvie Mazzella (dir.), L’enseignement supérieur dans la mondialisation libérale: Une comparaison libérale (Maghreb, Afrique, Canada, France) (Tunis: Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 2007), pp. 277–294. (45) Francesco Vacchiano, "Du karian au hreg et retour: Spatialité subalterne et désir d’émigration au Maroc," in: Thomas Fouquet & Odile Georg (eds.), Citadinités subalternes en Afrique (Paris: Editions Khartala, 2018), p. 160.

(((4 لينك وفيلان، ص.157 (((4 المرجع نفسه، ص.151

التي تعاني الوصم والتمييز، مثل إنكار المشكل أو التقليل من خطورته أو تزييف واقعه، أو رمي المسؤولية على المسؤول الآخر، أو تحويل الضحايا إلى مذنبين. وغالبًا لا تكون غاية زيارة

المسؤولين هذه المناطق المهمّشة، التواصل مع الساكنة وفهم مشكلاتها، بل لإبراز قوة الدولة العقابية،

وعزمها على القضاء على الجريمة والانحراف. ويقوّي هذا التوصيم السلطة العقابية تجاه المجالات

الحضرية الهامشية. ومن ثمّ، فالتوصيم المجالي يمكن فهمه كأساسٍ أيديولوجي تُبنى على أساسه

وتبرّر سياسات تغيير المجال الحضري. فمن خلال هدم دور الصفيح ونقلها إلى خارج المدينة،

وتعويضها بأحياءَ سكنية راقية، غالبًا ما تتبلور سياسة التحسين الحضري على أساس التوصيم. يبرّر التوصيم في الكثير من الأحيان «سياسات التحسين» التي تنتهجها السلطة في المغرب، والتي

يمكن تلخيصها في «تحرير» مراكز المدينة من الأحياء الصفيحية، ونقلها إلى الهوامش الحضرية. وفي حين تُعاش تجربة الترحيل القسري للأحياء الصفيحية بوصفها إنجازًا من جهة السلطات المحلية، فهي من جهة الساكنة المُرحّلة تجربة مادية ونفسية قاسية. والصراع الذي يعرفه المجال هو صراع

من أجل الاستحواذ على المنافع المادية، مثل التموقع في مجالات استراتيجية يسهل فيها الولوج إلى الموارد البشرية والسلع ذات القيمة، كالتجهيزات الصحية والثقافية؛ كما تعطي هذه المجالات مكانة وحظوةً اجتماعية لقاطنيها. مع مرور السنوات، تطوّرت الأحياء الصفيحية خارج السياسات الحضرية؛ وأصبحت السياسات

العمومية، بحسب فرانسواز نافيز بوشانين، تخشى الفوضى المجالية الجماعية، لذا تشجّع

تقويمها أو تنظيمها من القوى الأمنية. وبدأت السلطة مع مرور السنوات تتنازل عن مراقبة الأحياء الصفيحية وضبطها، وراحت تتوجه أكثر نحو القضاء عليها نهائيًا من خلال النقل الجماعي

للساكنة إلى هوامش المدينة التي تفتقد البنية التحتية اللازمة والخدمات الاجتماعية المتوافرة في مركز المدينة الذي يرحّلون منه في الكثير من الأحيان قسرًا. وهذا ما يؤكد أنّ نهاية استخدام

(48) Jean–Michel Belorgey, "Préface," in: Dan Ferrand–Bechmann (ed.), Pauvres et mal logés: Les enjeux sociaux de l’habitat , Collection: Habitat et Sociétés (Paris: Editions L’Harmattan, 1990), p. 12.

(((4 يتمّ ترحيل ساكنة أغلبية الأحياء الصفيحية في مدينة تمارة، بعيدًا عن مركز المدينة إلى هوامشها الحضرية التي كانت إلى عهدٍ

قريب أراضيَ ف حااية، كما هي الحال بالنسبة إلى جماعة «عين عودة» التي تفتقد البنية التحتية والخدمات الاجتماعية الكافية

لاستقبال هذه الساكنة الجديدة.

(50) Françoise Navez–Bouchanine, "Espaces publics des villes marocaines," Les Annales de la Recherche Urbaine , no. 57–58 (Décembre 1992–Mars 1993), pp. 185–190.

(((5 غالبًا ما تتواصل الدولة مع الأحياء الصفيحية بشكلٍ أساس من خلال جهازها القمعي، خصوصًا الشرطة، أو القوات المساعدة

التي تهيمن على المجال الحضري في الكثير من المدن المغربية. لكن قليلة هي الدراسات التي اهتمت بدراسة العلاقة القائمة بين شباب الأحياء الصفيحية والشرطة في المغرب، مع العلم أنّ الشرطة، إلى جانب أعوان السلطة («لمقدمين»)، هم من بين أهم المؤسسات التي تتفاعل مع شباب الأحياء الفقيرة، في الغالب بشكلٍ عقابي وسلبي. ((5(فضلً عن ضروب المعاناة المادية والمعنوية الأخرى التي تعانيها الساكنة المُرحَّلة، مثل فقدان الرابط الاجتماعي «السّاخن.»

يُنظر في ذلك: عبد الرحمن رشيق، «الإيكولوجيا العمرانية وعلاقات الجوار والهاجس الأمني: مدينة الدار البيضاء نموذجًا»، في:

دفاتر السفير العربي – 2019، ملف «العشوائيات»، السفير العربي/ مؤسسة روزا لكسمبورغ – مكتب شمال أفريقيا (2019)، ص –71 77، شوهد في 2020/4/5، في: https://bit.ly/2KlG7kp

آليةٍ تمييزية معينة هو بدايةٌ لاستخدام أخرى، ما يؤكّد اعتماد الوصم على قوة تسنده وتضمن استمراره. زادت حدّة علاقة الشرطة بالأحياء الصفيحية العنيفة مع برنامج «مدن من دون صفيح» في عام 2004؛ إذ غالبًا ما لا يقتنع جميع الساكنة بضرورة الإفراغ الودّي للمسكن الصفيحي، وتوجد دائمًا مقاومة من

ساكنةٍ غير راضية عن شروط انتقالها إلى سكن آخر، غالبًا ما يكون سكنًا اجتماعيًا و/ أو نائيًا عن

المجال الحضري الذي اعتادوا العيش والاشتغال فيه. ما يدفع السلطة إلى اللجوء إلى القوة، حيث تتكلّف الشرطة بالإفراغ القسري، أو ما يسمى ب «الترياب» (الهدم). كما أنّ الشرطة غالبًا ما تغيب عن

حلّ المشكلات والنزاعات اليومية للساكنة داخل الحيّ الصفيحي، وتحضر فحسب في اللحظة التي

يكون عليها القيام بإفراغٍ قسري أو منع بناءٍ عشوائي أو القيام بدوريات ومراقبة بطاقات التعريف وإلقاء القبض على بعض الساكنة. إن كانت توجد لدى بعض الشباب الصفيحي كراهية للشرطة، عند ممارسته نشاطات ممنوعةً، ويعيش بشكلٍ مستمر تحت تهديد الدوريات الأمنية، فإنّ هذه الصورة تُعمّم على الشباب الصفيحيين كلهم؛

إذ تنزع الشرطة إلى وضع الشاب الصفيحي «المنحرف» والشاب الصفيحي الطالب و«الفاضل» في سلةٍ واحدة؛ ومن ثمّ، لا يفهم هذا الأخير الإهانة التي يتعرّض لها من الشرطة، لكونه منحدرًا من ساكنة

الصفيح فحسب، إضافة إلى شعوره بانعدام الأمن تجاه مؤسّسة الشرطة. هذا ما نستنتجه من خلال شهادات المستجيبين، خصوصًا الذكور، من أنّ حضور الشرطة تنتج منه

مشكلات أكثر منه حلولً، وهذا ما يمكن أن يفسّر لماذا ينظر الشباب بشكلٍ سلبي إلى الشرطة. ويطرح

هذا الاستنتاج أيضًا الإحساس الذي يكبته هؤلاء الشباب في هذه الأحياء، مع العلم أنهم لا يملكون وسائلَ للدفاع عن أنفسهم أمام «العنف المشروع» الذي يمثله الشرطي، والذي يأخذ شكل إهانات.

خامسًا: استراتيجيات مقاومة الوصم المجالي

يعمل الشباب الصفيحيون جاهدين على تدبير الصورة السلبية المفروضة عليهم في المجال الحضري. فهم واعون بالتوصيم الموجّه إليهم، والاختلاف الذي يقوم على أساسه إقصاؤهم من المدينة، باعتبار

(53) Ibid., p. 158.

((5(جرى إط قاا البرنامج الوطني «مدن من دون صفيح» في عام 2004، في أعقاب تفجيرات 16 أيار/ مايو 2003 في الدار البيضاء. واستهدف البرنامج القضاء على السكن الصفيحي في 85 مدينة مغربية. غير أنّ الواقع يُظهر فشل هذا البرنامج، فعلى سبيل

المثال، لا تزال توجد إلى غاية نهاية عام 2019، وبحسب بيانات وزارة الإسكان، أكثر من 20 ألف «برّاكة» في مدينة الصخيرات–

تمارة، وهي ثاني تجمّعٍ صفيحي في المغرب بعد العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء بأكثر من 36 ألف «برّاكة.»

(((5 هو ما يسمح بالقول إنّ الدولة هي في الآن ذاته غائبة عن «الكريان»، لأنها ترفض منحه أبسط التجهيزات والخدمات الأساسية (الماء الصالح للشرب، الكهرباء، الصرف الصحي، جمع النفايات، النقل العمومي، وما إلى ذلك)، وهي حاضرة أيضًا، لأنها تسعى

للحفاظ على سلطتها وعلى هشاشة المكان. وهو ما تعبّر عنه لمياء زكي بقولها إنّ السلطات تنفّذ سياسة «الإدارة بالخصاص»

manque le par Gestion، و«الوجود بالغياب» Présence par l’absence، ينظر: Zaki, "L’action publique au bidonville," p. 306.

أنهم ينتمون إلى مجموعةٍ اجتماعية دونية ومجال إقامةٍ هامشي. لكنهم يعلمون أيضًا كيف يمكنهم التخفيف من هذا الوصم الذي يُبعدهم عن صورة الحضري المثالية. فهم يشتغلون على الصورة

المنسوجة حولهم، ويحاولون إعطاءها صورة جديدة. استطاع هؤلاء الشباب إبداع الكثير من استراتيجيات التفادي أو الرفض الجذري للوصم. ومن بين أشكال المقاومة التي استطعنا الكشف عنها من خلال عملنا الميداني، القدح الأفقي وحلم ترك الحي الصفيحي والبناء غير القانوني، كردّة فعل على التوصيم المجالي. كما يعمد بعض شباب أحياء الصفيح إلى وضع مسافات ودّية والانزواء في الفضاء الخاص للعائلة، وفي اللحظة التي تتوافر فيها الفرصة السانحة، يتمّ الفرار من مثل هذه الأحياء الموصومة. تبقى وسيلة أمل الهروب الجغرافي أو الرمزي أو الاجتماعي من بين آخر الوسائل التي يمتلكها الشباب الصفيحيون لتصحيح وصمهم. كما تصير فكرة الهجرة السرية، عندما تعجز الحلول الاجتماعية والسياسية، الملاذ الأقصى والسلاح الأخير، أو ما سمّاه بعض المستجيبين الصفيحيين «الرِّيسْك»

(وهي تعريب دارج لكلمة Risque التي تعني باللغة الفرنسية «مخاطرة.)»

1. استراتيجية القدح الأفقي

في سياق استراتيجية القدح الأفقي latéral Dénigrement، تأخذ مقاومة الوصم لدى شباب «دوّار

الصهد» شكل إيجاد خطوط داخلية فاصلة بين «الأنا» الفاضل و«الآخر» الفاسد؛ إذ يُستدمج التوصيم

المجالي في غالب الأحيان من طرف الساكنة، كما أوضحنا سابقًا، ويتحوّل إلى إحساسٍ بالذنب

والحرج. هناك الكثير من المستجيبين الصفيحيين الذين رموا «الوصومات» كلها على الآخرين. ويمكن اعتبار هذا شكلً من أشكال التنظيف الرمزي للذات. فنحن هنا أمام رمي الوصم على آخر مجهولٍ على نحو

«مشيط» ن Diabolisant. فغالبًا ما يتمّ نفي وصم الانحراف الملتصق بالأحياء الصفيحية عن الذات

ورميه على جماعةٍ معيّنة ضمن هذه الأحياء، هي غالبًا فئة «الشّمكارة» (المدمنين). وهكذا يحاول

الشباب الصفيحيون المستجيبون جاهدين، خلال المقابلة القول «أنا لست ما يظن الآخرون أنني هو»؛ وهم يؤكدون أخلاقهم الخاصة والمتميزة والمختلفة تمامًا عن أخلاق السكان الآخرين. يمارس التدهور وتشويه السمعة المجالي تأثيرًا في البنية الاجتماعية للتهميش الحضري من خلال

نموذجين: أولً على المستوى الداخلي، فالتوصيم يغذّي الاكتئاب، ويتضافر كلاهما ليدفعا سكان الأحياء الهامشية إلى الاستسلام والابتعاد عن جيرانهم، ما يحول دون تقوية شبكة علاقاتهم وإضعاف نشاطاتهم الجماعية؛ وثانيًا على المستوى الخارجي، يضعف تماسك الوسط المحلي، ويعرقل الحراك الجماعي،

ويساهم في تبلور الانحلال الذي يعتقد الخطاب المهيمن أنه خاصية مميزة لهذه الأحياء الهامشية. في غياب تمثلاتٍ إيجابية لمكان السكن، يتبنّى السكان استراتيجيات جوارية انعزالية؛ ما يعوّق تبلور

شبكة العلاقات وبناء رأسمال اجتماعي. فللتوصيم آثار مأساوية في النفسية المكانية الجماعية؛ إذ

يقضي على التضامن الطبقي. وبالنسبة إلى لويك فاكان، صيرورة التوصيم المجالي هي بمنزلة انسلاخ هوياتي عن مجال الانتماء، ما تتمخّض عنه انقسامات داخلية تعوّق أشكال التضامن والتعبئة. هناك استراتيجية أخرى يسعى من خلالها الصفيحيون لإخفاء العلامات التي تمثّل الوصم المجالي، وتوجد مسافة معهم. ونحن نتحدث هنا عن الجسد وزيّه الذي يُعتبر استراتيجيةً أساسها إخفاء الوصم.

فالمسافة التي يحاول المستجيبون وضعها مع الحيّ الموصوم تمرّ بالضرورة من خلال الجسد والزيّ؛

إذ تقتضي الحياة الحضرية اندماجًا ماديًا في المعايير الجمالية الخاصة بالمدينة. ويعتبر الجسد معبّرًا

قويًا عن الهوية الحضرية، ويجب تدبيره كرأس مال مهم. وعلى هذا الأساس، تؤدي الملابس دورًا

مهمًا في إخفاء الانتماء الحضري؛ وهي توظّف من شباب الأحياء الفقيرة من أجل تحقيق الاعتراف،

وولوج مجالٍ متمايزٍ اجتماعيًا، كما يعبّر عن ذلك هوس شراء علامات الملابس التي يجب أن تكون

من ماركاتٍ عالمية، حتى ولو كانت مجرّد تقليد، إضافة إلى هوس الهواتف الذكية. فسلوك الاستهلاك

هو شكلٌ من أشكال مقاومة الوصم. وما يدفع الشباب الصفيحيين إلى الاهتمام بمظهرهم الخارجي والتركيز على إظهاره في تفاعلاتهم المختلطة، هو ردّة فعلٍ ضد الفكرة الرائجة في المجتمع المغربي، مفادها أنّ سكان الأحياء الصفيحية «معروفون» (يسهل التعرّف إليهم)، ويمكن تمييزهم بسهولة من خلال مظهرهم الخارجي. وهذا ما تأكّد لنا

من خلال بعض أجوبة المستجيبين من خارج «دور الصهد»، الذين أكّدوا لنا «صدمتهم» عندما يكتشفون أنّ أحد زملائهم يقطن في الحيٍّ الصفيحي؛ فمظهره الخارجي لا يوحي بأنه «يسكن هناك». فالتطبّع

الحضري يصعب عليه تمثّل ساكنة الأحياء الصفيحية خارج مظهر خارجي «سيئ» و«ملابس رثّة.» هذا ما يدفع أيضًا كثيرين من الشباب الصفيحيين إلى التحايل وإنكار انتمائهم الجغرافي وجيرانهم، أو التصريح بعنوانٍ غامض وعام. فاسم الحي وعنوانه هما طابو بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، وعندما يُسأل

شباب الحي الصفيحي عن عنوانهم، فهم يجيبون بطرائق عامة وغامضة، ويقصدون ضبابيتها وغموضها مخافة كشف عنوانهم الحقيقي. كما أكّد لنا كثير من المستجيبين الصفيحيين أنهم يبدّلون مسارهم الاعتيادي من المدرسة إلى المنزل إذا كان يرافقهم أحد، لأنهم لا يريدون أن يكشف عنوانهم الحقيقي.

2. «حلم» الرحيل

يتجلّى ضغط وصم الحي الصفيحي الذي يعانيه شباب الحي الصفيحي بشكلٍ واضح في رغبة أغلبيتهم، إن لم نقل جميعهم، في الفرار من مجال سكناها. ففي المقابلات التي أجريناها، اتضح لنا أنّ الحي الصفيحي يمثّل بالنسبة إلى هؤلاء الشباب حدودًا مادية يصعب تخطّيها حاليًا. فالعيش في

(56) Wacquant. (57) Fabien Truong, "La foudre et le tonnerre: Discrimination ou stigmatisation territoriale? La ‘discrimination territoriale’ au crible ethnographique des trajectoires scolaires en Seine–Saint–Denis," in: Claire Hancock et al. (dir.), Discriminations territoriales: Entre interpellation politique et sentiments d’injustice des habitants (Paris: L’Oeil d’Or, 2016), pp. 195–210.

الحي الصفيحي هو بمنزلة «ورطة مجالية» بالنسبة إلى هؤلاء الشباب؛ لكنهم يحملون أمل تجاوزها كمشروع مستقبلي يجب تحقيقه من خلال الدراسة، ثم العمل، والرحيل عن هذا الحي؛ وإلّ، فالرحيل عبر وسائل أخرى. غالبًا ما يقدم الشاب الصفيحي نفسه كفاعلٍ سلبي خاضع لقوى خارجية لا يتحكّم فيها. ويجدون

أنفسهم مقيّدين بأحيائهم بسبب غياب الموارد ورأس المال الاقتصادي أو ضعفها. ف «المسكن

الصفيحي» هو مجال «إقامة جبرية»، على حدّ تعبير لمياء زكي. والتعبير عن الرغبة في الرحيل من مكان الإقامة الصفيحي، والنظر إليه نظرةً دونية، هو شكلٌ من أشكال استدماج التمثلات الاجتماعية التي نجدها راسخةً بقوة لدى الساكنة الحضرية المهيمنة. والتعبير عن إرادة الفرار من الحي الصفيحي هو أيضًا محاولة لإيجاد تباعد مع مكان الإقامة. فالترقّي الاجتماعي لا يبدو ممكنًا إلّ خارج هذه الجماعة

الدونية. وعبّر كثير من المستجيبين عن حلم الرحيل من الحيّ الصفيحي، وهو مشروعٌ استراتيجي

غايته الفرار بالذات وتجنيب الخلَف المصير الصفيحي نفسه. وغالبًا ما تكون رغبة الرحيل مبرّرة

بالتوصيم المستدمج والمنسوج حول «دوّار الصهد»؛ وهذا ما كشف عنه الكثير من أقوال المستجيبين. كما يأخذ مشروع «الفرار» من الحيّ الصفيحي مسارات خارجية عابرة الأوطان؛ وهذا ما لحظناه عند

بعض المستجيبين الذين أكّدوا لنا رغبةً قويةً، ليس في ترك الحي الصفيحي فحسب، بل في ترك البلد كاملً، على اعتبار أنّ هذا البلد يسمح، بحسب قولهم، بإسكان مواطنيه في مثل هذه المجالات. وأصبحت الهجرة إلى الخارج (ويُقصد بها الهجرة السرّية إلى أوروبا)، بما تقتضيه من «ريسك»

(مخاطرة)، تفرض تدريجًا نفسها كالتفافٍ طويل لاستعادة الحق في المدينة. يبقى الخروج من الحي الصفيحي همّ جميع شباب الأحياء الصفيحية؛ لكن هذا الهمّ ليس محصورًا

في تملّك منزلٍ إسمنتي، بل يستوجب اندماجًا مختلفًا في دينامية المدينة، خصوصًا بفضل الولوج إلى

الوسائل الاقتصادية والرمزية للارتقاء الاجتماعي المستدام. فكلما أحسّ الشباب الصفيحيون، أو

من نعتناهم من بينهم «الأقلية الجيدة»، بضرورة الابتعاد عن مجالٍ ترابي غير مشرّف، فهموا أنّ «الرحيل»

لا يفعل كلّ شيء. ف «الرحيل» لا يغفر كلّيًا الأصول الاجتماعية؛ إذ غالبًا ما تبقى هذه الوصومات

ملتصقةً بهم حتى بعد اختفاء الحي، سواء على مستوى الآثار والجروح التي تبقى الساكنة حاملةً لها، أم تعلّق الأمر بذاكرة المكان التي يصعب التحرّر منها، والتي من المفترض نقلها إلى مجالات السكن

الجديدة.

3. البناء الترقيعي

يعتبر البناء الذاتي «الترقيعي» الملاذ الأخير للفقراء الذين ضاقت بهم حياة المسكن الصفيحي. وفي هذا الصدد، تنتشر في «دوّار الصهد» ظاهرة «السدّة»، وهي غرفة يتمّ إضافتها فوق المسكن الصفيحي

(58) Zaki, "La négociation," p. 117. (59) Vacchiano, p. 162. (60) Cattedra, p. 31.

الذي يصبح «بنايةً من طبقتين»، غالبًا ما يجري بناؤها لأحد شباب الأسرة الذي يبحث عن الاستقلال

وحريةٍ أكبر. الصورتان (3)(4) و تظهران «ظاهرة السدَّة» («برّاكة» بطبقة إضافية)

المنتشرة في «دوّار الصهد» وفي الكثير من الأحياء الصفيحية في مدينة تمارة

المصدر: الباحث.

يبقى أن من الناحية القانونية يُمنع منعًا كلّيًا إضافة «السدّة»، وإن خالف أحدهم هذه القاعدة، فيتم

هدمها من أعوان السلطة، في غياب الظروف السياسية المرخّصة، أو الرشاوى. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ البناء الترقيعي، خصوصًا ذلك الذي غايته توسيع المسكن الصفيحي عموديًا أو أفقيًا،

ينتعش في فترات الأزمات السياسية والاجتماعية؛ إذ تتغاضى الدولة عن «الخروقات» كلها التي قد تشمل الأحياء الصفيحية، خصوصًا في فترة الانتخابات، أو في الظروف السياسية المهدّدة السلطة

الحاكمة. فمثلً، انتشر البناء «العشوائي»، وتوسّعت المساكن الصفيحية في عام 2011، مع «الربيع

العربي» الذي مثّلته «حركة 20 فبراير» في المغرب. وفي اللحظة التي تُبنى فيها «السدّة»، ولا تتدخّل السلطات المعنية، تصبح مكسبًا يصعب نزعه، بحكم الأمر الواقع.

خاتمة

يبقى الخطاب السياسي حول دور الصفيح في المغرب غامضًا جدًا. فتطور هذه الظاهرة الصفيحية

يعتبر خللً في البنية الحضرية، وغالبًا ما يقدّم كخللٍ وظيفي في عمل مؤسسات الدولة، وكنتاج إدارةٍ

فاسدة. وبهذا، ينظر إلى تسامح الدولة، خصوصًا في لحظات ضعفها، مع ممارسات البناء في دور

الصفيح، باعتباره مسألة موقّتة؛ في حين أنّ الحي الصفيحي في المغرب يمكن أن يُقضى عليه في أي

(((6 ومع ذلك، لا يمكن أن تمنع السلطات، بشكلٍ كامل، محاولات ساكنة الأحياء الصفيحية تخصيص المكان، التي تتضاعف بشكلٍ شبه يومي في ما يسميه آصف بيات «التعدّي الصامت للمألوف» Ordinary the of Encroachment Quiet The. ينظر في

ذلك:

Assef Bayat, Sreet Politics, Poor People’s Movements in Iran (New York: Columbia University Press, 1997); Assef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People change the Middle East , 2 nd ed. (Palo Alto, C A: Stanford University Press,

لحظةٍ إذا ما كانت الدولة في حاجةٍ إلى المجال الترابي الذي يوجد عليه. لذا، محكوم على ساكنة دور الصفيح بالعيش، في هذا «الموقت الدائم»، حياةً صعبة وهامشية تعوّق بشكلٍ كبير إمكانات التعبئة

وبلورة ملفٍّ مطلبي. تبقى الدولة ترفض تهيئة الحي الصفيحي، وترفض أيضًا تهيئة ساكنيه؛ فمثلً من خلال منع بناء سقف المسكن الصفيحي بالإسمنت، أو ربط المسكن الصفيحي بمجاري الصرف الصحي، خوفًا من فهم هذه المسألة باعتبارها شكلً من أشكال الاعتراف الرسمي بها. وتدبّر الدولة علاقتها بالحي الصفيحي

من خلال الغياب والحضور؛ فهي غائبةٌ عنه لأنها ترفض تمكينه من التجهيزات الضرورية التي تتوافر غالبًا في أحياء المدينة الأخرى المجاورة، مثل الإنارة العمومية والنظافة وتزويد المنازل بالماء الصالح

للشرب، وحاضرة لأنها تعمل جاهدة على تدبير هشاشة المكان. توضح لمياء زكي أنّ هذه الإكراهات كلها، المادية والرمزية، تريد أن تؤكّد أنّ الحي الصفيحي لا ينتمي إلى المدينة الحقيقية المثالية، مع ترك بعض المجالات حرًّا لفعل تحسين ظروف العيش، لكن من

دون الترخيص للساكنة بتملّك المجال. وتطور الدولة اليوم شكلً من أشكال «التمييز الإيجابي» في تعاطيها مع الأحياء الصفيحية؛ فسياسة محاربة اللامساواة المجالية تعمل على جعلها شكلً حضريًا

عاديًا من خلال التغاضي عن التعاملات التجارية غير المهيكلة (مثلً سرقة الكهرباء والماء والتزويد

بتراخيص التزوّد بالهاتف الثابت والإنترنت والاستفادة من إنارة عمومية للأزقة والتغاضي في بعض

الأحيان عن البناء العشوائي.) بيد أنّ ما سعينا لإبرازه في هذه الدراسة هو أنّ معاناة قاطني الأحياء الصفيحية المعزولة لا تتوقّف عند صعوبة الولوج إلى أبسط الخدمات الاجتماعية؛ بل تتجاوزها إلى صعوبة تقديم الذات في الحياة اليومية؛ إذ تحمل ساكنة دور الصفيح، خصوصًا فئة الشباب، وصمًا سوسيو–مجاليًا قد يفقدهم ماء

وجههم في تفاعلاتهم المختلطة، ويسيء أيضًا إلى الصورة التي يحملونها عن ذواتهم. فالإحساس بالظلم الاجتماعي في المدينة لا يتوقّف عند العيش في دور صفيحية فحسب، وما يرافق ذلك من قهر اجتماعي، بل يتجاوزه إلى قدرة هؤلاء الشباب على تأمل الفرق بين أحياء فقيرة وأخرى غنية؛ ما يزيد من شدّة الإحساس بالظلم الاجتماعي. فالعزل، كما يؤكد ذلك لويك فاكان، صيرورة يتمخض عنها الكثير من أشكال التهميش التي تأخذ شكلً ماديًا ورمزيًا. ويجعل هذا الحرمان والتمييز والوصم

المجالي التفاعلات اليومية صراعًا غايته تصحيح هذا الوصم.

(62) Zaki, "L’action publique au bidonville." (63) Wacquant.

(((6 يمكن وضع هذا الصراع ضمن المنظور الأوسع للعدالة الاجتماعية في إطار «الصراع من أجل الاعتراف»، بمفهوم نانسي فرازر التي تربط الاعتراف بإعادة التوزيع وبالحقوق السوسيو–اقتصادية، أكثر منه بمفهوم أكسيل هونيث، يُنظر:

Nancy Fraser, Qu’est–ce que la justice sociale? Reconnaissance et redistribution (Paris: La Découverte, 2005); Nancy Fraser, "Recognition without Ethic?" Theory, Culture and Society , vol. 18, no. 2–3 (2001), pp. 21–42; Axel Honneth, La lutte pour la reconnaissance (Paris: Editions du Cerf, [1992] 2000); Axel Honneth, La société du mépris: Vers une nouvelle théorie critique (Paris: La Découverte 2006).

في هذا الصّدد، أبرزنا في هذه الدراسة أنّ شباب هذه الأحياء استطاعوا إبداع الكثير من الاستراتيجيات

والتكتيكات التي يجب فهمها كأشكال «مقاومة»، ولو أنها سلبية وضعيفة نظرًا إلى غياب مؤسّسات

مدنية قادرة على التعبئة والضغط على صنّاع القرار. ولهذا، فهي لا تتجاوز محاولة تصحيح الوصم

والتخفيف منه من خلال تحسين ظروف العيش في المسكن الصفيحي، من خلال ترقيعها وتوسيعها عموديًا، أو تحسينها داخليًا بتغطية القصدير بالأقمشة أو الجبص، وتجهيزها بصنابير الماء الصالح

للشرب من خلال ربطٍ غير شرعي بأنابيب النافورات العمومية. وبهذا، فأشكال مقاومة هذا الوصم المجالي مرتبطة بشكل كبير بالنماذج الاجتماعية القائمة، كقوة المجتمع المدني وتمثلّات العدالة الاجتماعية. من شأن تطوير الدراسات عن التمييز والتوصيم الاجتماعيين أن يساهم بشكلٍ كبير في تعزيز الفهم الإمبريقي العميق لهذه الظواهر، وسبر أغوار التوصيم المجالي في أوساط حضرية وسياسية مختلفة، ولفت انتباه صناع القرار إلى ضرورة اهتمام السياسات العمومية، ليس بتقليص مشكل الحرمان المادي فحسب، بل أيضًا ضغط الهيمنة الرمزية التي تعانيها الساكنة الفقيرة. أخيرًا، ليست هذه الدراسة إلّ مقدمة لمجموع من البحوث والدراسات ننوي القيام بها في موضوع

التوصيم والتمييز المجاليَين، وتوسيع أفق البحث المقارن في فضاءات فقيرة أخرى، مثل أحياء «السكن

الاجتماعي» التي استفاد منها بعض الأحياء الصفيحية في إطار مشروع «مدن من دون صفيح»، والتأكد من فرضية ما إذا كانت الحركية الجغرافية (إعادة الإيواء) تصحّح وصم الحي الصفيحي أم تنتقل معه

وتبقى ملتصقةً به.

References

المراجع

العربية

بورديو، بيير. (إشراف.) بؤس العالم، ج 1: رغبة الإصلاح. ترجمة محمد صبح. مراجعة وتقديم فيصل دراج. دمشق: دار كنعان للدراسات والنشر،.2010 دفاتر السفير العربي – 2019. ملف «العشوائيات». السفير العربي/ مؤسسة روزا لكسمبورغ – مكتب شمال أفريقيا (2019:). في https://bit.ly/2KlG7kp لينك، بروس ج. وجوك فيلان. «مفهمة الوصمة». ترجمة ثائر ديب. مجلة عمران. العدد 31 (شتاء

المالكي، عبد الرحمن. الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب. فاس: منشورات مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية،.2015

(65) Loïc Wacquant, Tom Slater & Virgílio Borges Pereira, "Territorial Stigmatization in Action," Environment and Planning A , vol. 46, no. 6 (2014), p. 1270.

الأجنبية

Arrif, Abdelmajid. "Variations spatiales du privé et du public à travers les exemples de Ben M’sik et de Hay Moulay Rachid à Casablanca." Les Cahiers d’Urbama. no. 13

Baduel, Pierre–Robert (dir.). Chantiers et défis de la recherche sur le Maghreb contemporain. Tunis: IRMC; Paris: Karthala, 2009. Bayat, Assef. Life as Politics: How Ordinary People change the Middle East. 2 nd ed. Palo Alto, C A: Stanford University Press, [2009] 2013. ________. Sreet Politics, Poor People’s Movements in Iran. New York: Columbia University Press, 1997. Benkirane, Réda. Bidonville et recasement: Modes de vie à Karyan Ben M’sik (Casablanca). Genève: Institut Universitaire d’Études du Développement/ Université de Genève, 1993. Bourdieu, Pierre. La distinction: critique sociale du jugement. Paris: Editions de Minuit, 1979. Depaule, Jean–Charles. Les mots de la stigmatisation urbaine. Paris: Éditions de la Maison des sciences de l’homme, Éditions Unesco, 2006. Donzelot, Jacques. Quand la ville se défait: Quelle politique face à la crise des banlieues?. Paris: Éditions du Seuil, 2006. Ferrand–Bechmann, Dan (ed.). Pauvres et mal logés: Les enjeux sociaux de l’habitat. Collection: Habitat et Sociétés. Paris: Editions L’Harmattan, 1990. Fouquet, Thomas & Odile Georg (eds.). Citadinités subalternes en Afrique. Paris: Editions Khartala, 2018. Fraser, Nancy. "Recognition without Ethic?." Theory, Culture and Society. vol. 18, no. 2–3 (2001). ________. Qu’est–ce que la justice sociale? Reconnaissance et redistribution. Paris: La Découverte, 2005. Goffman, Erving. Stigmate: Les usages sociaux des handicaps. traduit de l’anglais par Alain Kihm, collection: Le sens commun. Paris: Éditions de Minuit, [1963] 1975. Hancock, Claire et al. (dir.). Discriminations territoriales: Entre interpellation politique et sentiments d’injustice des habitants. Paris: L’Oeil d’Or, 2016. Honneth, Axel. La lutte pour la reconnaissance. Paris: Editions du Cerf, [1992] 2000. ________. La société du mépris: Vers une nouvelle théorie critique. Paris: La découverte, 2006. Jensen, Sune Qvotrup & Ann–Dorte Christensen. "Territorial stigmatization and local belonging." City. vol. 16, no. 1–2 (2012).

Marcuse, Peter & Ronald van Kempen (eds.). Of States and Cities: The Partitioning of Urban Space. Oxford: Oxford University Press, 2002. Mazzella, Sylvie (dir.). L’enseignement supérieur dans la mondialisation libérale: Une comparaison libérale (Maghreb, Afrique, Canada, France). Tunis: Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 2007. Navez–Bouchanine, Françoise. "Espaces publics des villes marocaines." Les Annales de la Recherche Urbaine , no. 57–58 (Décembre 1992–Mars 1993). ________. "L’espace limitrophe: Entre le privé et le public, un no man’s land? La pratique urbaine au Maroc." Espaces et Sociétés. Numéro spécial intitulé. Espace public et complexité sociale. no. 62–63 (1991). Otero, Marcelo. "Repenser les problèmes sociaux: Le passage nécessaire des populations ‘problématiques’ aux dimensions ‘problématisées’." Sociologies. 15/11/2012. at: https://bit.ly/3ag1D4K Rachik, Abderrahmane. Ville et pouvoirs au Maroc. Casablanca: Editions Afrique Orient, 1995. Villes reélles, villes projetées: Fabrication de la ville au Maghreb. Paris: Maisoneuve et Larose, 2006. Wacquant, Loïc, Tom Slater & Virgílio Borges Pereira. "Territorial Stigmatization in Action." Environment and Planning A. vol. 46, no. 6 (2014). ________. Parias urbains: Ghetto, banlieues, etat. Paris: La découverte, 2006. Zaki, Lamia. "L’action publique au bidonville: L’état entre gestion par le manque, ‘éradication’ des kariens et accompagnement social des habitants." L’Année du Maghreb II. Dossier: Femmes, famille et droit. (2005–2006).