العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حول الاستعمال الإبستيمولوجي والسياسي لفئتي الجنس والعرق في دراسات النوع

حول الاستعمال الإبستيمولوجي والسياسي لفئتي الجنس والعرق في دراسات النوع

The Epistemological and Political Use of “Sex” and “Race” Categories in Gender Studies

إلزا دورلين| Elsa Dorlin *ترجمة ياسين يسني **

ووديع جعواني ***

| ((12(((12(

Translated by Yassine Yassni & Wadia Jehouani

الملخّص

* أستاذة الفلسفة السياسية والاجتماعية في قسم العلوم السياسية، جامعة باريس 8، فرنسا. ** أستاذ باحث في علم الاجتماع، جامعة عبد المالك السعدي، المغرب، وزميل باحث بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية (برنامج الزماء الناشئين.)2020

*** أستاذ باحث في علم الاجتماع، جامعة عبد المالك السعدي، المغرب. **** نُشر في الأصل في:

راجع الترجمة عن الفرنسية: روضة القدري، أستاذة مساعدة ببرنامج علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، معهد الدوحة للدراسات العليا.

Abstract

Starting from a reflection on Black Feminism this article deals with the inter-relationship between gender domination and racism as one of the most important theoretical and political questions in Anglo-Saxon feminism: how far does racist segregation shape sexist segregation and create an obstacle to the political unity of feminism? If the ideological subject “women” has imploded under the impact of the critique of patriarchy what about the subject of feminism itself “we women”? Our thesis is to demonstrate how the discourse of domination provides oppressed groups with ahistorical frameworks that constantly reify these same groups including in their positive statements. In these conditions, wanting to “de-essentialise” the subject of feminism, women runs the risk of renaturalising them in a myriad of sub-categories (black women, headscarf-wearing women, migrant women...), which become preconditions to struggles. Our ability to act and be future political subjects depends on our capacity to reveal the historicity of the inter-relationship of the categories of “sex” and “race” and to use chaos techniques capable of inventing another political language.

الكلمات المفتاحية:
  • النسوية
  • النسوية السوداء
  • الهيمنة
  • التقاطعية
  • الكولونيالية
  • ما بعد الكولونيالية
  • المقاومة
  • الولايات المتحدة الأميركية
Keywords:
  • Feminism
  • Black Feminism
  • Domination
  • Intersectionality
  • Colonialism
  • Postcolonialism
  • Resistance
  • United States

إلزا دورلين| Elsa Dorlin * ترجمة ياسين يسني ** ووديع جعواني *** | ((12(((12(

The Epistemological and Political Use of "Sex" and "Race" Categories in Gender Studies

ملخص: انطاقًا من تفكير عميق في النسوية السوداء، تعالج هذه الدراسة تقاطع الهيمنة

المبنية على النوع والعنصرية، باعتبار أن هذا التقاطع يمثل أهم التحديات النظرية والسياسية

المطروحة في النسوية الأنغلوسكسونية: كيف تساهم تجربة العزل العرقي في تشكيل تجربة

التمييز القائم على الجنس، وكيف تعرقل الوحدة السياسية للنسوية؟ وإذا عرف الموضوع

الأيديولوجي «المرأة» انهيارًا داخليًا تحت ضغط انتقاد النظام الأبوي، فماذا عن «نحن النساء»

باعتباره الموضوع السياسي للنسوية؟ تتمثل أطروحتنا في إبراز أن خطابات الهيمنة تمنح

المجموعات المضطهدة أطرًا لاتاريخية تقوم بتشييء هذه المجموعات باستمرار، ويذهب

ذلك حدّ تشييء ثوابتها الإيجابية. في مثل هذه الوضعيات، تحمل إرادة تحرير النسوية أو

«النساء» من التصور الماهوي خطرَ إعادة طبعنته في شكل لامتناهٍمن الفئات الفرعية (النساء

السوداوات، والنساء المحجبات، والنساء المهاجرات... إلخ) التي تتحول إلى شروط مسبقة

للنضالات. إنّ قدرتنا على الفعل والتفكير بوصفنا ذواتًا سياسية تتطور، مرهونةٌ بقدرتنا على

كشف تاريخانية تداخل فئات «الجنس» و«العرق»، وبإتقاننا تقنيات الاستثارة، إلى حدّ ابتكار

لغة سياسية جديدة.

* أستاذة الفلسفة السياسية والاجتماعية في قسم العلوم السياسية، جامعة باريس 8، فرنسا.

Professor of Political Philosophy at the Department of Political Science, University of Paris 8, France.

** أستاذ باحث في علم الاجتماع، جامعة عبد المالك السعدي، المغرب، وزميل باحث بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية (برنامج الزماء الناشئين.)2020

Research Professor in sociology, Abdelmalek Essaâdi University, Morocco; Post–doctoral fellowship, Arab Council for the Social Sciences.

*** أستاذ باحث في علم الاجتماع، جامعة عبد المالك السعدي، المغرب.

Research Professor in sociology, Abdelmalek Essaâdi University, Morocco.

**** نُشر في الأصل في:

Elsa Dorlin, "De l'usage épistémologique et politique des catégories de ‘sexe’ et de ‘race’ dans les études sur le genre," Cahiers du genre , vol. 2, no. 39 (2005), pp. 83-105.

Abstract: Starting from a reflection on Black Feminism this article deals with the inter–relationship between gender domination and racism as one of the most important theoretical and political questions in Anglo–Saxon feminism: how far does racist segregation shape sexist segregation and create an obstacle to the political unity of feminism? If the ideological subject "women" has imploded under the impact of the critique of patriarchy what about the subject of feminism itself "we women"? Our thesis is to demonstrate how the discourse of domination provides oppressed groups with ahistorical frameworks that constantly reify these same groups including in their positive statements. In these conditions, wanting to "de–essentialise" the subject of feminism, women runs the risk of renaturalising them in a myriad of sub–categories (black women, headscarf–wearing women, migrant women...), which become preconditions to struggles. Our ability to act and be future political subjects depends on our capacity to reveal the historicity of the inter–relationship of the categories of "sex" and "race" and to use chaos techniques capable of inventing another political language.

أولا: جنس وعِرق

«كل النساء بيضاوات، وكلّ السود رجال».

1. ثورة النسوية السوداء

في منتصف القرن التاسع عشر؛ لحظة بروز تعبئات نسوية أميركية من أجل الحق في التصويت، واجهت المناضات الأفرو–أميركيات، المكوَّنات من إماء محررات وحفيدات

عبيد، كسوجورني تروث Sojourner Truth أحد الوجوه البارزة في هذه الحركة، عنصريةً عنيفة. ولم تأتِ هذه الهجمة العنصرية فقط من طرف كارهي النساء الرافضين مطلب الحق في التصويت، ولكن

(((أود شكر إليني فاريكاس Varikas Eleni لاهتمامها بهذا النص، إذ يعود الفضل في تطوير الكثير من إشكالياته إلى أبحاثها وأفكارها والتزاماتها النظرية. (((استوحينا هذا العنوان من:

Gloria Hull, Patricia Bell Scott & Barbara Smith (eds.), All the Women are White, All the Blacks are Men, but Some of Us are Brave: Black Women’s Studies (Old Westbury, NY: Feminist Press, 1982).

(((ولدت تروث كأَمة سنة 7971 في ولاية نيويورك باسم إزابيا بومفري Baumfree Isabella. وأعيد بيعها في سن 21 لجون ديمون. واغتُصبت من طرف «مالكها» وزُوّجت من عبد أنجبت منه خمسة أطفال. وبعد إلغاء العبودية، غادرت نيويورك سنة 8431،

لتتفرغ للوعظ الديني تحت اسم سوجورني تروث الذي يعني «مسار الحقيقة». وبالنسبة إلى الوجوه البارزة الأخرى من المناضات السوداوات المحررات أو حفيدات عبيد، هناك هاريت توبمان Tubman Harriet، وفرانس هاربر Harper. W. E Frances، وإدا ويلز

بارنيت Barnett Wells. B Ida، وماري تشارش تيريل Terrel Church Mary.

للمزيد من التفصيل حول سير حياتهن وكفاحهن ينظر:

Jacqueline Jones Royster, Traces of a Stream: Literacy and Social Change Among African American Women (Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 2000); Angela Yvonne Davis, Femmes, race et classe (Paris: Des Femmes, 1983).

أيضًا من طرف قسم من المناضلين (ات) المناهضين (ات) للعبودية وقسم من النسويات. قرر عدد من الجمعيات خوض معركة واحدة وموحّدة من أجل حق السود والنساء في التصويت، ويشهد على ذلك قرار مندوبي اتفاقية من أجل حقوق النساء femmes des droits les pour Convention La، القاضي بتأسيس جمعية من أجل المساواة في الحقوق عام 1866، وكان هدفها الأساسي إقرار حق السود والنساء في التصويت. لكن، سرعان ما تم الاعتراض على هذه الاستراتيجية من طرف قسم من المناضلين (ات) المناهضين (ات) للعنصرية ومن النسويات. عبرت النسوية إليزابيث ستانتون Elizabeth C. Stanton عن رفضها بقولها: «كيف نقبل وضع زوجات المواطنين ‘من عرق أنغلوسكسوني’ في مرتبة أقل من السود وحفدة العبيد والإيرلنديين حديثي الهجرة؟». حدثت انشقاقات وخلافات من داخل الجمعيات النسوية حول هذه المسألة اللاأخلاقية التي تخص التفوق «المشروع» للنساء والزوجات «البيضاوات» على السود عمومًا، ولا سيما النساء «السوداوات»، ما يقود إلى إقصائهن على نحو صريح من فئة «النساء». مسألة العنصرية داخل المجموعات والجمعيات النسوية جدّ معقدة؛ فهي مرتبطة، في الآن نفسه، بالقوة الهائلة لأيديولوجيا العزل العرقي في ولايات الجنوب وانتشارها الواسع في كل المجتمع، وأيضًا باللعبة الخطيرة التي كانت تضطلع بها بعض قياديات الحركة، اللائي تبنّين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين استراتيجيةً سياسية قائمة على أساس استقطاب نساء الجنوب البيضاوات وتهميش النساء حفيدات العبيد. كانت النساء السوداوات مقصيّات أو ممنوعات من الانضمام إلى

نوادي النساء البيضاوات، بمن في ذلك نسويات سوداوات بارزات، مثل ماري تشارش تيريل Mary Terrell Church رئيسة الجمعية الوطنية للنساء الملونات، وجوزفين ريفن Ruffin Josephine ممثلة منظمة نادي إيرا الجديد Club Era New، اللواتي لم يكنّ ضحايا العنصرية التي تمارسها بعض

(((«منذ بداية سنوات 1870–1860 تدرك سوزان أنتوني Anthony. B Susan (اسم آخر بارز في الحركة النسوية) كيف تجذب نساء الجنوب البيضاوات للالتفاف حول قضية حق النساء في التصويت، حيث طلبت بكل انتهازية تضرب عرض الحائط بكل ولاء وعدالة، من فريديريك دوغ س Douglas Frederick (1895–1817) – ولد عبدًا ثم أصبح أحد الأسماء البارزة في حركة تحرر

السود  – وهو أحد المساندين الأوائل للنسوية، ألّ يحضر اتفاقية الجمعيات الوطنية الأميركية لحق النساء في التصويت المنعقد آنذاك في أطلنطا، ينظر:

Bell Hooks, "Racism and Feminism: The Issue of Accountability," in: Les Back & Solomos John (eds.), Theories of Race and Racism: A Reader (London/ New York: Routledge, 2000), p. 377;

وينظر أيضًا أعمال المؤرخة روزالين تيربورغ – بين التي تعتمدها بيل هوكس مرجعًا:

Rosalyn Terborg–Penn, African American Women in the Struggle for the Vote, 1850–1920 (Bloomington: Indiana University Press, 1998).

(((في سنة 1869، تعقد الجمعية من أجل الحقوق اجتماعها العام السنوي والأخير، ويتم أخيرًا إقرار التعديل الرابع عشر القاضي

بحق المواطنين الرجال في التصويت. وينضم فريديريك دوغلاس إلى الفريق المدافع عن أولوية السود في التصويت، رغم أنه كان دائمًا مساندًا لحق النساء في التصويت. كان حق السود في التصويت بالنسبة إليه قضية حياة أو موت: «عندما ننتزع النساء من

منازلهن لأنهن نساء فقط، عندما نشنقهن على أعمدة الإنارة، عندما نختطف أطفالهن ونكسر رؤوسهن على الأرصفة، عندما نشتمهن في كل ركن من الشارع، عندما يعشن خطر رؤية منازلهن تحترق وتتهاوى على رؤوسهن في أية لحظة، عندما نمنع أطفالهن من الالتحاق بالمدارس. عندها سيكون من المستعجل منحهن حق التصويت». ينظر: 103. p , Davis. وتراجع بعد الحرب الأهلية عدد من الجمهوريين الذين ساندوا الدفاع عن حق النساء في التصويت، وأكدوا في المقابل «أولوية» السود في هذا الحق. وقد مثل الرجال السود مليوني صوت ممكن لصالح الحزب الجمهوري. وبهذا سيعمل الحزب الديمقراطي، الذي يضم أغلبية عنصرية، على مساندة الجمعيات النسوية كجمعية سوزان أنتوني لإضعاف مساندة الجمهوريين لتصويت السود.

المناضلات النسويات فحسب، وأيضًا ضحايا تمييزهن الجنسي. رفض عدد من النساء المنتميات إلى جمعيات جنوبية مناضلة من أجل حق النساء (ونقصد هنا بيضاوات حصرًا) في التصويت، التحالفَ

مع المناضلات السوداوات، بدعوى أن أخلاقهن سيئة. وبهذا، تمت صناعة معيار الأنوثة على مقاس متعارض مع النساء السوداوات، الموصومات بكونهن شهوانيات وعنيفات وغير مثقفات و«أمهات سيئات» ومطريركيات أو أموميات متعسفات abusives Matriarches. بررت السيدة لوو Low Mrs رئيسة الفدرالية العامة لنوادي النساء في تصريح لها لجريدة عمود شيكاغو، قرار فدراليتها القاضي برفض عضوية جوزفين ريفن، بقولها: «السيدة ريفن لها شعبها. هناك، ستكون قائدة ويمكنها تحقيق أشياء كثيرة، أما بيننا فلن تخلق سوى المشاكل». في مثل هذا التمظهر لعلاقة النوع، رسمت الهيمنة في وجهها العدائي والعنيف حدودًا عازلة بين النساء أنفسهن، البيضاوات والسوداوات، وهي حدود غير قابلة للنفاذ وأقوى من تلك الموجودة بين الرجال والنساء. تقول هازل كارباي في هذا الصدد: «كانت أيديولوجيات الأنوثة البيضاء حلبة صراعات عرقية واجتماعية، مكّنت النساء البيضاوات من التفاوض على دور التبعية الذي كنّ يؤدينه داخل النظام البطريركي والتحالف المدفوع بالمصالح الطبقية المشتركة مع الرجال البيض، ضد أيّ تحالف ممكن

مع النساء السوداوات». تمثَّل الخطاب النسوي المهيمن في بداية القرن العشرين بالولايات المتحدة الأميركية، الذي تبنّته القياديات الرئيسات بكبريات الجمعيات والفدراليات المناضلة من أجل حق المرأة، في التصويت في قول: إذا منحتم حق التصويت للسود، فكل الحجج المعتمدة لمعارضة التصويت النسائي غير مقبولة وغير نزيهة. وبناء عليه، ستتم المطالبة بأولوية النساء على السود على أساس معيار عرقي للأنوثة، وستتبناه المدافعات عن الحق في التصويت النسائي في كفاحهن من أجل الحقوق المدنية. جسّدت

الزوجات النموذجيات والمنتميات إلى الطبقة الحاكمة الذاتَ النسوية، فهنّ يمثلن المرأة الناعمة ذات الأخلاق الحسنة والعفيفة والحساسة والأم المثالية. نفهم، إذًا، كيف أن الفئة السياسية «النساء»، أو بتعبير آخر تلك التي تمثل الموضوع السياسي للنسوية، ستنهار بفعل عنصرية بعض المناضلات النسويات. واعتبار النساء صاحبات أولوية على الرجال السود يدل على اعتقاد ضمني مفاده أن كل النساء بيضاوات وكل السود هم رجال. حجبت هذه الحلقة من تاريخ النساء زمنًا طويلً، وستمثل موضوع توتر بين نسويات الموجة الثانية. وفي السبعينيات، سيكون مبدأ الأختية الذي يحفز حركة تحرير النساء Libération s ’ Women WLM , Movement موضوع انتقاد النسائيات الأفرو–أميركيات اللائي ندّدن بجهل وتجاهل وضع النساء الملونات، وبتجارب الاضطهاد البطريركي المشروط على نحو وثيق بالعنصرية التي ميّزت

الحركة النسوية. وفي سنة 1973، في نيويورك، اعتبرت النسويات الأفرو–أميركيات أن من الضروري تشكيل مجموعة مستقلّة، ستحمل اسم المنظمة الوطنية للنسوية السوداء Feminist Black National

(6) Hooks, p. 379. (7) Hazel Carby, Reconstructing Womanhood: The Emergence of the Afro–American Woman Novelist (New York: Oxford University Press, 1987), pp. 17–18.

NBFO , Organization. لكن مع ذلك، ظلت النسوية السوداء تعبّر عن مجموعات متعددة وحركات

مختلفة؛ ما سيتمخض عن ذلك مثلًانسحاب ائتلاف نهر كومباهي Collective River Combahee وائتلاف النسويات السحاقيات الجذريات (المتطرفات) radical féministe lesbien Collectif من المنظمة الوطنية للنسوية السوداء سنة 1974 بدعوى أن المنظمة تهيمن عليها «نسويات البرجوازية الصغيرة»، كما ستنسحب مجموعات سحاقية أخرى بسبب اختلاف عميق حول مسألة البطريركية والدعوة الانفصالية. وبالنسبة إلى ائتلاف نهر كومباهي، ليست الانفصالية السحاقية ب «التحليل السياسي الصالح»، ولا تمثل استراتيجية نضالية واقعية وناجعة، إذا ما نظرنا إلى وضع السحاقيات الأفرو–أميركيات، خاصة إذا أخذنا في الحسبان تجربة العنصرية التي يعشنها. ورغم تضامنهن مع الجماعة السوداء التي يقتسمن معها تجربة التمييز العرقي اليومي، لم تنكر نسويات الائتلاف التمييزَ القائم على الجنس الذي يقف وراءه الرجال السود، إلا أنهن أرجعن ذلك الى آثار تاريخ العبودية والعزل العرقي في البناء المعياري للأنوثة والفحولة. في نظر ائتلاف نهر كومباهي، يُعتبر التعريف الذي تقدّمه الانفصالية السحاقية عن اضطهاد النساء، بوصفه اضطهادًا قائمًا بالأساس على النوع، مغلوطًا؛ حيث إنه تعريف ينكر عوامل الطبقة والبنية العنصرية للمجتمع التي تُقولب وتُشكل التمييز القائم على الجنس. لذا يبدو من الإشكالي القول إن العبد الذي يعيش في بداية القرن التاسع عشر أو الأسود الذي يعيش في المسيسيبي في الأربعينيات نشيط، ويمتلك السلطة ومستقل ومندمج في المجتمع. وبالنسبة إلى ائتلاف نهر كومباهي، القول إن النساء يعشن التمييز لأنهن نساء يمثل امتيازًا تتمتع به النساء البيضاوات فقط، لأن النساء السوداوات لم يعتبرن، تاريخيًا، نساءً «حقيقيات». وبتعبير آخر، لا

تجسّد السوداوات نموذج الأنوثة بالنسبة إلى الأيديولوجيا المهيمنة، ولا يستفدن من الامتيازات السلبية للأنوثة، من دون أن ينفي هذا أنهن خاضعات للهيمنة، بما أنهنّ نساء.

2. حول تقاطع «الجنس» و«العرق» في موضوع النسوية

تمخّض قلق سياسي عميق عن هذه المسألة التي لا تخص التواطؤ الحاصل بين «العرق» و«الجنس» فقط، ولكن أيضًا العلاقة بين العنصرية والنسوية؛ قلق خلقه انطباع تفكّك موضوع النسوية – «نحن

(8) Combahee River Collective, "A Black Feminist Statement," in: Linda Nicholson (ed.), The Second Wave: A Reader in Feminist Theory (London/ New York: Routledge, 1997), p. 68. (9) Ibid., p. 63.

(1((«نلقن الرجال والنساء النظر إلى الرجال بوصفهم مستقلين ومقتدرين ومالكين للسلطة، ونعلم الرجال والنساء النظر إلى النساء

باعتبارهن تابعات ومحدودات القدرة وسلبيات. ولكن ل من نلقن النظر إلى الرجال السود باعتبارهم ‘مستقلين ومقتدرين ومالكينِ للسلطة’ ومن يلقنهم هذا؟ هل نلقن هذا للرجال السود؟ أو النساء السوداوات؟ أو الرجال البيض؟ أو النساء البيضاوات؟ وبالطريقة

نفسها، لمن نلقن النظر إلى النساء السوداوات بوصفهن ‘تابعات’ ومحدودات القدرة وسلبيات؟ إذا كانت هذه الصورة النمطية حقيقة

دامغة، لماذا كان إذًا على النساء السوداوات الدفاع عن أنفسهن ضد صور ‘المطريركية’ و‘العاهرة’؟»، ينظر:

Elizabeth V. Spelman, "Gender & Race: The Ampersand Problem in Feminist Thought," in: Elizabeth V. Spelman (ed.), Inessential Women: Problems of Exclusion in Feminist Thought (Boston: Beacon Press, 1988).

النساء» – بسبب التوجه نحو التصنيف المفرط لوضعيات النساء بحسب طبقتهن و«عرقهن» ودينهن وجنسيتهن وجنسانيتهن... إلخ. لقد حققت النسوية السوداء ثورة حقيقية عندما نجحت في الانتقال من إشكالية قائمة على أساس تناظر وظيفي بين «الجنس» و«العرق» إلى إشكالية تبيّن تشابك

الفئتين. وهذا ما يشهد به مؤلَّف أدريان ريتش Rich Adrienne الشهير Disloyal to Civilization: Feminism, Racism, Gynephobia الذي نشرَته سنة 1979. وردًا على الاعتقالات التي استهدفت

الأفرو–أميركيات، خاطبت ريتش نسويات شمال الولايات المتحدة البيضاوات المنتميات إلى الطبقة المتوسطة، واتهمتهن ب «تمركز البيض حول ذواتهم solipsisme White ». ويصف «تمركز البيض حول ذواتهم» الطريقة التي تتوجه من خلالها النسوية نحو التقوقع الضمني في فهم الهيمنة من زاوية وضع النساء البيضاوات فقط، وتعميم هذا الفهم على كل النساء باعتباره نموذجًا كونيًا للهيمنة القائمة على

النوع. هذا النموذج النظري شبيه بتجربة «النفق»، حيث لا تبصر سوى ما يوجد أمامك: لم يدرك هذا التيار النسوي المهيمن أن ما يعتبره كونيًا ليس في الحقيقة سوى تعبير عن وضع يخص النساء

البيضاوات والمنتميات إلى الطبقة المتوسطة فقط. ومن الأكيد أن النسوية عليها أن تأخذ شكلً نضاليًا،

لكن أنصار هذا التيّار يجسّدون ذواتًا نسويّة تناضل وتصارع، ولكنّ هذه الذوات متمركزة حول ذاتها

وتسعى للترويج لوضعها المخصوص على أنه وضع كوني، في حين أنه وضع النساء البيضاوات فحسب. وبهذا سيشكّل وضع النساء الأميركيات المنتميات إلى الطبقة المتوسطة موضوع اهتمامٍ حصري تحت غطاء مقاربة كونية لهيمنة تعيشها كل النساء، بينما سيتم تهميش التجارب المتعددة للنساء الأفرو–أميركيات وتشيكانا وأيضًا «نساء دول الجنوب». إذًا، مثّل مؤلَّف ريتش منعطفًا مهمًا في التفكير النسوي، فهو يحمل أيضًا أعراض صعوبة التفكير في موضوع نسائي متحرر حقًا من التصور الطبيعي والمتمركز. تواصلَ النّظر إلى تجربة النساء الأفرو–أميركيات مع الهيمنة البطريركية بوصفها تجربة «مختلفة»، تتمفصل على مستواها الكثير من علاقات السلطة بالطريقة نفسها تمامًا التي نُظر بها مدةً طويلة إلى «الأنوثة» متغيّرًا أو متغيرًا ممكنًا ضمن المعيار الذي تمثّله الذكورة. لكن

ريتش لم تفهم، ككثير من النسويات، أن تحرير فئتي «الجنس» و«العرق» من التصور الطبيعي يقتضي أيضًا تفكيك ما يسميه الأنغلوفونيون البياض Whiteness. تمثل تجربة الهيمنة القائمة على النوع التي تعيشها النساء «البيضاوات» المنتميات إلى الطبقة المتوسطة، هي الأخرى تقاطعًا لهيمنة النوع والطبقة والعنصرية. يقتضي تفكيك فئة «العرق» في مجتمع يتميز بمذهب العزل، بالضرورة انتقاد فكرة أن السود والإيرلنديين والقادمين من أميركا اللاتينية، مثلً، وحدهم يمثلون أقليات ومجموعات «عرقية»، والبيض يمثلون المعيار الذي من خلاله يُبنى اختلاف المجموعات الاجتماعية الأخرى. في فرنسا، ساهمت تاريخانية التصنيف العرقي لعلاقات السلطة في جعل الجمهورية، منذ الثورة،

(1((يطلق اسم تشيكانا على النساء من أصول مكسيكية في الولايات المتحدة. وفي ستينيات القرن الماضي، استطعن تأسيس حركة تشيكانا النسوية feminism Chicana، وهي حركة سياسية واجتماعية وثقافية، تدافع عن حقوقهن وتناهض كل أشكال التمييز الممارس تجاههن. (المترجمان)

(12) Vron Ware, "Moments of Danger: Race, Gender, and Memories of Empire," History and Theory: Studies in the Philosophy of History, vol. 31, no. 4 (December 1992), pp. 116–137.

تتوافق دائمًا مع تفكير «عرقولوجي» (أي يحيل إلى عرقٍ ما انطلاقًا من عدد من «الخاصيات»)، مع الإصرار على الانصهار العضوي للكثير من العائلات أو «الأعراق» في شعب واحد. وتشهد إمبريالية الجمهورية الثالثة، مثلً، على تعايش بين أيديولوجيات عنصرية تمجّد رهاب الاختلاط وأيديولوجيات

عنصرية أخرى تدعو إلى تمازج الأجناس واختلاط وانصهار الشعوب، خاصة، الفرنسية والجزائرية. ويعني «استيعاب» فئة من السكان، على الأقل منذ الزعم بضرورة «استيعاب» اليهود في الثورة الفرنسية، أن من يَستَوعِبُ هو متفوق على نحو «طبيعي» و«وراثي» على المستوعَب، بهدف فرض

خصائص المستوعِب على المستوعَب. وفي الجهة المقابلة، وبالتحديد في القرن الثامن عشر، اتّبع الوطن الأميركي الناشئ سياسة الإنكليز في منع كل زواج أو مجرّد «علاقات بين أفراد من أعراق

مختلفة»، وذلك على نحو أكثر صرامة مما هو معمول به في المستوطنات الفرنسية. وفي ما بعد، إقرار القانون المسمى «جيم كراو» في ولايات الجنوب، حيث تقريبًا عشرة أشخاص من الساكنة

سود، سيفرض نظامَ عزلٍ عرقي. ومن خلال هذا المنظور، لستُ متأكدة من أن الحديث من داخل

المجتمع الفرنسي، عن نساء «بيضاوات» في مقابل الأخريات مسألةٌ صائبة. إذا كان استعمال تعبير «الأبيض» أو «البيضاء» يعرف استعمالً مطّردًا، خاصة من طرف الشباب ضحايا العنصرية، عوض تعبير «البرجوازي» أو البرجوازية»، فهذا لا يسمح لنا باستعمال هذا التعبير كما هو من دون معالجته ومساءلة تاريخانيته، والطريقة التي من خلالها تحضُر فئات التمييز القائمة على «الجنس» و«العرق»، سواء في خطاب المهيمنين أو المهيمَن عليهم. وفي هذه الحالة، عولمة التبادل خاصة من طرف وسائل الإعلام – كمشاهدة القنوات الأنغلوسكسونية مثلً – لا يساهم في توحيد هذه التعبيرات فحسب، بل في انتشارها أيضًا، بما في ذلك الثورية منها، التي تغيّر بعمق الموارد السياسية – وأشكال الفعل –

المتوافرة للمجموعات المنظور إليها بوصفها أقليات.

3. مفهوم التقاطع ومعضلات فكر شكلاني للهيمنة

أريد أن أجرد الأدوات النظرية التي نتوفّر عليها للتفكير في هيمنة النوع من دون عزلها عن باقي علاقات السلطة، وخاصة العنصرية. وأريد أيضًا العودة إلى تاريخ مفهمة تقاطع علاقات الهيمنة مع النقاشات النظرية الدائرة حوله في بلدان المحيط الأطلسي. لهذا سأختبر مفاهيم النسوية السوداء، باستعمال مواطن قوّتها، وكذلك بالتعلّم من المعضلات التي علقت فيها أو المشاكل التي لم تستطع حلها.

وسأسعى لجرد الأسلحة النظرية، تلك التي نتوفّر عليها وتلك التي توقف الاشتغال بها، وكذلك التي نفتقر إليها. اعتمدت أولى محاولات النظرية النسوية لمفهمة أشكال الاضطهاد المتعددة على نموذج رياضي. تفترض تجربة الاضطهاد المزدوجة أو الثلاثية التي تختبرها بعض النساء أن كل علاقة هيمنة

(1((يمثل جيم كرو Crow Jim تعبيرًا عنصريًا وقدحيًا يصم الأسود بالجهل والكسل والغباء. ظهرت هذه الشخصية في ولايات

الجنوب نحو سنة 1830 وتقمّصها ممثلون بيض صبغ وجههم بالأسود. وفي نحو سنة 1900، تم توظيف جيم كرو للحديث عن كل

قوانين العزل العنصري المفروضة في ولايات الجنوب. (1((أهتم هنا بأصول نشأة هذا التفكير ضمن النسوية الأفرو–أميركية. مع العلم أن النسوية السوداء تهتم بدراسة إشكالات فكرية قديمة. وقد سبق أن اهتم الفكر النسوي الفرنسي بإشكالات الجنس والطبقة. ويعود ذلك إلى أهمية الفكر الماركسي، ونخص بالذكر هنا التأثير الكبير للنسوية الاشتراكية التي ما فتئت تؤكد الاهتمام بالعلاقة بين تفاوتات الجنس ووضع العمال والنضالات الطبقية.

تُضاف إلى علاقة هيمنة أخرى. مثلً يمكن القول إن النساء يعانين التمييز القائم على الجنس، والبعض منهن يعانين التمييز القائم على الجنس والعنصرية، ومن بين هؤلاء الأخيرات من يعانين التمييز القائم على الجنس والعنصرية ورهاب السحاقية... إلخ. يطرح هذا التحليل الكثير من الصعوبات، لأنه يعزل علاقات الهيمنة عن بعضها البعض، ويحدد علاقاتها حسابيًا: فوفق هذا المنظور، تكون النساء من العبيد

قد خضعن لاضطهاد عرقي يشتركن فيه مع الرجال من العبيد، يُضاف إليه اضطهاد قائم على الجنس،

شبيه بذلك الذي عانته «سيداتهن». ونلاحظ جيدًا أن هذا التحليل القائم على منهج الإضافة يبقى غير

كافٍ لفهم الأشكال التاريخية للهيمنة القائمة على الجنس والعرق. وهناك نموذج آخر تم توظيفه لفهم تقاطع علاقات الاضطهاد، لكنه هذه المرة هندسي. اقترحت كمبرلي كرنشاو مفهوم «التقاطعية» بهدف الإمساك بتنوّع التقاطعات بين علاقات النوع و«العرق» والاقتراب أكثر من واقع تجارب النساء

الأفرو–أميركيات. بيّنت كرنشاو كيف أن التقاطعية السياسية لعلاقات الهيمنة تشكّل في حد ذاتها

بنية للهيمنة التي تعرقل أو تضعف الخطابات المناوئة للتمييز القائم على الجنس والعنصرية. وتنتج تقاطعية علاقات السلطة بالتأكيد توترات وصراعات وآثارًا مدمرة ومفككة لسيرورات تعبئة الحركات

الاجتماعية. ولإيضاح هذه المسألة، اشتغلت كرنشاو على العنف المنزلي، وخاصة على العزلة التي تعيشها النساء الأفرو–أميركيات المعنّفات؛ فوجودهن في تقاطع التمييز القائم على الجنس والعنصرية

يجعلهن موضوعَ لامرئيةٍ مزدوجة. إنهن منسيّات الحركات النسوية والحركات المناهضة للعنصرية.

هذه العزلة هي، في الآن نفسه، نتيجة غياب أداة نظرية لفهم تموقعهن في ملتقى تقاطع العديد من أشكال الاضطهاد وغياب موارد نضالية وأدوات عملية مشتركة صالحة لأشكال كفاح متعددة. كيف يمكن الكفاح جميعًا والأسلحة بنفسها ضد تمفصل التمييز القائم على الجنس والعنصرية؟ ستكشف

هذه الوضعية عن أبعادها الإشكالية سنة 1982؛ سنة صدور رواية اللون الأرجوانيلأليس والكر Alice Walker. أثارت هذه الرواية جدلً محتدًّا وعنيفًا، لأنها تحكي قصة امرأة سوداء اسمها سيلي Celie ضحية عنف زوجها الأسود. والكثير من الأصوات المحسوبة على الحركات المناهضة للعنصرية ندّدت بهذه الرواية التي تعيد بالنسبة إليهم إنتاج صور نمطية وعنصرية تختزل الرجل الأسود في العنف. الانتقاد الذي يمكن توجيهه إلى طرح كرنشاو يخصّ تعريفها للعلاقات الاجتماعية من زاوية قطاعات

تدخلية، وهو تعريف يفترض أن النساء منا اللواتي يعشن أشكال تمييزٍ متعددة يقعن ضمن قطاعات معزولة. وهذا التحديد لا يعزل فحسب، بل يوحّد مواقع اجتماعية متناقضة ويخلط بين هويات

موصومة ومفروضة، وهويات سياسية لمجموعات منظور إليها بوصفها أقليات. مفهوم التقاطعية، وفكرة التقاطع عمومًا، يجد صعوبة في التفكير في علاقة هيمنة متحركة وتاريخية وصعبة الشكلنة.

بتعبير آخر، التقاطعية هي أداة تحليل تثبّت العلاقات في مواقع قارة، وتقسّم أشكال التعبئة إلى قطاعات

(15) Kimberlé Williams Crenshaw, "Cartographies des marges: Intersectionnalité, politique de l’identité et violences contre les femmes de couleur,"  Cahiers du Genre , vol. 2, no. 39 (January 2005), pp. 51–82. (16) Candace West & Sarah Fenstermaker, "Doing Difference," Gender and Society , vol. 9, no. 1 (February 1995).

في فرنسا، تقترح دانيال كيرغوت مصطلح العلاقات الاجتماعية «المتبادلة البناء» للتفكير في تشابك علاقات السلطة:

Danièle Kergoat, "Le rapport social de sexe: De la reproduc–tion des rapports sociaux à leur subversion," Actuel Marx , vol. 2, no. 30 (2001), p. 87.

بطريقة الخطاب المهيمن نفسها، وهو الخطاب الذي يطبعن ويسجن الأشخاص في هويات الآخرين المختلفين الموجودة على نحو دائم ومسبق. إلى أي حد يمكننا قبول التفكير بعمليات منطقية ومعرفية شبيهة بتلك التي يوظفها المهيمنون؟

ثانيًا: من أجل إبستيمولوجيا للمقاومة

1. نقض التصنيفات والقناعات السائدة لإفشال الهيمنة

عندما نريد تجاوز الفهم الشكلاني Formelle «للجنس» أو «العرق» إلى فهم علاقتهما التاريخية والسياسية، نجد أنفسنا أمام مشكل صعب، يخص قدرتنا على فهم الهيمنة خارج ألفاظ وفئات فرضتها الهيمنة على العالم، وبناء عليه نكون إزاء صلاحية أدوات تحليلنا. أثار النقاش الذي أطلقته الحركة النسوية السوداء، إضافة إلى تحيّزات فئة «النساء»، مشكل الفئات التي من خلالها نفكر في هيمنة النوع

ونمهد لتحررنا. يكمن التحدّي، إذًا، في التفكير في الهيمنة من خلال تعدد سيرورات إنتاجها التاريخية، وأيضًا الشروط المعرفية والمادية لمثل هذا التفكير. يبدو كأن الهيمنة تفرض علينا دائمًا فئاتها الخاصة، ما يجعلنا، على نحو نسقي، نسقط عند استعمالها في تفكير لاتاريخي يمنعنا من القبض على منطق الهيمنة نفسه. ومن هنا، يمكننا الحديث عن مكر العقل المهيمن الذي يتجسد في الخطر الدائم لإعادة طبعنة الفاعلين السياسيين، أي موضعتهم بوصفهم ذواتًا خاضعة (النساء، السود) وتثبيت هوياتهم فوق خطوط وتقاطعات على حساب تفكير مهتم بتاريخانية علاقات السلطة وسيرورات بناء الذوات السياسية. تبدو الصعوبة، في الآن نفسه، إبستيمولوجية وسياسية، لأن قدرتنا على التفكير في الأطر اللاتاريخية للفكر المهيمن الذي لا ينفكّ يشيّئ المجموعات والأفراد المنظور إليهم باعتبارهم آخرين

مختلفين، مشروطةٌ بقدرة هؤلاء المختلفين على التفكير في أنفسهم بوصفهم ذواتًا سياسية. «تتمثل المفارقة التي نواجهها اليوم، بوصفنا منظّرات نسويات، في كون تعريفنا لذواتنا قائمًا على أساس مفهوم (النساء) الذي علينا تفكيكه ونزع الطابع الماهوي عن كل خصائصه». وأمام هذه الصعوبة، سيبحث فريق من النسويات عن إعادة الاشتغال على السيرورات المعقّدة للتماهي وفك التماهي للمجموعات المنظور إليها باعتبارها آخرين مختلفين altérisés groupes، وذلك

(1((ترجمة المصطلح الإنكليزي othering الذي يعني سيرورة اجتماعية تصنع الاختلافات وتصنع «الآخرين»، كما يدل المفهوم أيضًا على مصطلح «الأصناف الغيرية» altérisées catégories الذي توظفه كولات غيومان Guillaumin Colette. (1((تستخدم المؤلفة عبارة tumulte du technique التي تصعب ترجمتها إلى اللغة العربية بالمعنى المقصود نفسه، وقد أخذتها من:

Edward W. Saïd, Culture et impérialisme (Paris: Fayard, 2000). المترجم)(

(1((تتحدث جوديث بتلر عن «الخطاطات المعيارية للفهم intelligibilité ’ d normatifs schèmes »، ولم تهتم بما هو ظاهر وما يراد له أن يكون ظاهرًا، بل بالخفي والمنظور المشوه الذي يمثل إطار نظر نفهم من خلاله واقعنا ويحدد أفعالنا وردود أفعالنا.

(20) Linda Alcoff, "Cultural Feminism versus Post–Structuralism: The Identity Crisis in Feminist Theory," Signs: Journal of Women in Culture and Society , vol. 13, no. 3 (Spring 1988), p. 406.

من خلال مفاهيم الوعي واستيقاظ الوعي والذات والتجربة، وأيضًا «الفئات المتشابكة للتجربة». لم تنتهِ نقاشات النظرية النسوية الأنغلوسكسونية، وما زال رهان إنتاج مفهمة للذاتية قائمًا. بتعبير آخر، هي السيرورات التي يصنع من خلالها الأفراد والمجموعات المهيمن عليها هوية سياسية، من خلالها يناضلون ويحققون ذواتهم؛ ذواتًا مسؤولة عن تحررها. «أن تكون الذات نقطة انطلاق معطاة مسبقًا للسياسة، يقتضي التحرر من مسألة البناء والتعديل السياسي للذوات أنفسها». ستستند جوديث بتلر إلى انتقادات النسويات الموجهة إلى فئة «النساء» بوصفها فئة عاجزة مبدئيًا عن خلق تضامن حقيقي بين كل النساء، لأنها لا تشكل هوية سياسية. على النسوية أن

تنتج بنفسها هويتها السياسية. ولا يعني هذا التوقف عن استعمال مصطلح «النساء»، بل يعني أنه يجب الاستغناء عن هذا المصطلح شرطًا مسبقًا لأي سياسة نسوية. وانطلاقًا من هذه الفكرة، تقدّر بتلر القوة التخريبية لسيرورات إعادة تملّك الهويّات المُستهجنة. ويعني تفكيك فئة «النساء» بالنسبة إلى بتلر الاستمرار في استعمالها وتكرارها على نحو هدّام وخارج السياق. بتعبير آخر، هذه الفئة (أي النساء) لا يمكن أن تصبح هوية سياسية إلا بشرط تحريفها عن استعمالها المعياري وتحريرها من ركيزتها الأنطولوجية التي هي «الجنس». وانطلاقًا من هذا، فإن موضوع النسوية موضوع متطور باستمرار، ولا يحيل على أي تحديد معياري، ويمكن أن يصبح موضوع نضال جماعي. من هنا، تكون إعادة تملّك فئات الهيمنة مرحلة ضرورية ضمن السيرورات المتعدّدة التي تبني من خلالها المجموعات المختلفة، المنظور إليها باعتبارها آخرين، هويةً سياسية بعيدة عما نسميه «التعبئة الهوياتية». لكن، كل هذه المحاولات المتكررة لقلب دونية محتوى الفئات وإعادة التملك الإيجابي للهويات الموصومة، تنخرط ضمن استراتيجيات كفاح محددة على نحو وثيق بوضعيات مادية تمخضت عن علاقة قوة. وعمومًا، فإن مسألة اختيار أسلحة الكفاح يحددها الأقوى. وغالبًا ما تكون

الأبعاد الهدامة لاستراتيجيات القلب (قلب المحتوى الدوني للفئات) هشة، لأنها تعتمد تقنيات تحوير

(2((ينظر:

Gloria Anzaldúa, Borderlands/La Frontera: The New Mestiza (San Francisco: Spinsters/Aunt Lute, 1987); Bell Hooks, Feminist Theory from Margin to Center (Boston: South End Press, 1984).

(2((ينظر:

Teresa de Lauretis, Alice Doesn’t: Feminism, Semiotics, Cinema (Bloomington: Indiana University Press; London: Macmillan, 1984); Denise Riley, Am I That Name? Feminism and the Category of ‘Women in History’ (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988).

(2((ينظر:

Joan Wallach Scott, "Genre: Une catégorie utile d’analyse," Éléni Varikas (trad.), Les Cahiers du Grif , vol. 37–38, no. 1 (Juin 1988), pp. 125–153; Judith Butler, "Contingent Foundations: Feminism and the Question of ‘Postmodernism,’" in: Judith Butler & Joan Scott (eds.), Feminists Theorize The Political (New York: Routledge, 1992).

(2((ينظر:

Margaret L. Andersen & Patricia Hill Collins, Race, Class & Gender: An Anthology (Belmont, CA: Wadsworth Pub. Co.,

(25) Butler, "Contingent Foundations," p. 13.

وتحريف لإطارات الهيمنة أو الأنساق الفئوية. تؤكد أطروحتي أن هذا البعد الهدام محدود، ويمكن أن يكون أكثر تهديدًا إذا ما كانت هنا محاولة للتحايل أو تفادي مكر العقل ذاته، من خلال استخدام إطارات نظرية جديدة. تاريخيًا، هذا ما حاول مرارًا جزء من الفكر النسوي القيام به. تكتب جوان سكوت «يجب علينا أن ننتبه جيدًا إلى التمايز القائم بين قاموس تحليلنا والمادة التي نحاول تحليلها. علينا أن نجد وسائل (ولو أنها غير مكتملة) لوضع فئاتنا تحت النقد وتحليلنا تحت النقد الذاتي. ويعني هذا تحليل طريقة اشتغال التعارضات الثنائية في سياقها، وقلب وتغيير البناء التراتبي عوض القبول بواقعيته، وبكونه معطى أو متضمنًا في طبيعة الأشياء. وهذا ما حاولت من دون

شك النسويات فعله سنواتٍ طويلة». ومن بين أهم المساهمات الفكرية لفكر فرانز فانون أن من أقوى الآثار البغيضة للهيمنة هي قدرتها على فرض المصطلحات التي من خلالها يتمّ التعبير عن الكفاحات التحررية والمقاومة. وقد حدد

فانون بوضوح المعضلة التي يسقط فيها التحليل النقدي للهيمنة، وأيضًا الكفاحات السياسية عندما تجد نفسها عاجزة وعالقة في الفخّ. كان فانون يوظّف مصطلح «العرقنة» لتوصيف واحد من أكثر الآثار الملتوية لعلاقات الهيمنة الإمبريالية القائمة على أساس فئة العرق، كأن تفرض على المهيمَن عليهم

أنماطًا عملية وخطابية يستخدمونها لتحرّرهم، ما يضعف الآثار الهدامة لهذا التحرر. يقول فانون في

مؤلفه معذبو الأرض: «من الممكن أننا لم نوضح بما يكفي أن المذهب الكولونيالي لا يكتفي بفرض قانونه فقط على حاضر ومستقبل الدول المهيمَن عليها. ولا يكتفي بسجن الشعب في شباكه وإفراغ

دماغ المستعمَر من كل شكل ومن كل مضمون. كما يستند إلى نوع من التشويه المنطقي للوصول إلى

تاريخ الشعب المضطهَد وتحويره وتشويهه والقضاء عليه». يقوم هذا الفكر السياسي على فكرة أساسية مفادها أن الهيمنة تشتغل بوصفها عالمًا مشوّهًا تاريخيًا

وقع في شراكه المهيمَن عليهم والمكرهون على التفكير في أنفسهم من داخله. نفهم الآن كيف أن

فئات التحليل التي نوظفها لها تأثير في الوضعيات المادية للكفاح. حاليًا، وبفضل تأثير الأعمال

الأنغلوسكسونية، تظهر اهتمامات جديدة وتنبثق أبحاث تستعمل مصطلح «العرق» للحديث عن العلاقة الاجتماعية التي تُعرقن اختلافًا اجتماعيًا، سواء كان استعماله يتم من خلال استعمال معقوفتين

أو من دونهما؛ فمصطلح العرق يحيل في بعض الخطابات العلمية إلى فئة لتحليل علاقة سلطة.

(2((للاستدلال على هذه النقطة، ينظر دراسة غايل باتيرسون لنضالات «الباغيات»؛ الاسم الذي أطلقته مناضلات كويوت Coyotte على أنفسهن:

Gail Pheterson, Le prisme de la prostitution , Nicole–Claude Mathieu (trad.), Bibliothèque du féminisme (Paris: Editions L’Harmattan, 2001);

وينظر أيضًا قول جوديث بتلر: «إن الإمكانية السياسية لإعادة الاشتغال على قوة أفعال الخطاب وتوجيهها ضد قوة الظلم تقتضي إعادة تملك قوة الخطاب من خلال تحريره من سياقاته السابقة»:

Judith Butler, Le pouvoir des mots: Politique du performatif , Charlotte Nordmann (trad.) (Paris: Éditions Amsterdam, 2004), p. 77. (27) Scott, p. 139. (28) Frantz Fanon, Les damnés de la terre (Paris: La Découverte, 2002 [1961]), p. 201.

ورغم ذلك، فهذا الاهتمام بالعنصرية وبنماذج عرقنة الاختلافات الاجتماعية يساهم في إعادة إدماج المصطلح في النقاش الفكري الفرنسي، وفي تبلور ما يمكن نعته بالشكل الجديد ل «علم الأعراق». لكن المشكل المطروح هنا هو الآتي: بأي وسيلة يمكن لاستعمال فئة العرق أن يكون قابلً للتطويع والفهم؟ ويقصد بفئة العرق فئة تحليل، أي مفهومًا يحيل إلى علاقة عرقنة للعلاقات الاجتماعية؟

هل يحيل جليًّا، سواء تعلق الأمر بإعادة تحديده أو توظيفه الحذر، إلى سيرورة بدلً من أن يحيل إلى

هوية أيديولوجية أو إلى هوية سابقة على التحليل؟ يثير استعمال فئة «العرق» جدلً حادًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة. فهناك، من جهة، المدافعون عن استعمال وصفي لمصطلح «العرق» للحديث عن شكل معين للعلاقات الاجتماعية أو لتحديد أشكال التمييز العرقية التي تعانيها بعض المجموعات الاجتماعية، ويدافع هذا الفريق عن «العرق» باعتباره فئة شبيهة بفئات النوع والطبقة أو حتى المهنة. وفي الجهة المقابلة، هناك فريق يرفض تبسيط فئة من فئات الهيمنة، وبالنسبة إليه لا يكون استعمال مصطلح العرق كافيًا حتى مع التنصيص على أن العرق هو فئة اجتماعية ومبنية، وبناء عليه لا

يكون هذا الاحتياط الضروري كافيًا للحيلولة دون توصيف للعالم الاجتماعي من خلال أحكام القيمة

المرتبطة ب «العرق». لذا ينبهنا بول غيلروي، في سياق حديثه عن استعمال مصطلح «العرق» في العلوم الاجتماعية والسياسية، قائلً: «ليس من السهل إعادة بناء معنى (العرق) أو القضاء على معناه الأصلي. أن نتخيّل أن من السهل إعادة صياغة أخطر معانيه في شكل حميد وديمقراطي، كفيل بالمبالغة في

تقدير السلطة النقدية للرافضين لهذه المعاني نفسها. استطاعت المجموعات المضطهدة بناء تقاليد سياسية وإيتيقية وهوياتية وثقافية مركبة رغم أوضاعها والأدوات المحدودة التي ما كانت حتمًا لتختارها

لو كانت في موضع الاختيار. ساهم قبول تداول «العرق» في تهميش هذه التقاليد لحساب تاريخيات رسمية عن الحداثة، ما أدى إلى تقهقرها في أعماق تاريخ ما قبل سياسي». وبالنسبة إلى غيلروي، لكي تتمكن المجموعات المختلفة المنظور إليها بوصفها آخر، فإن عليها التحرر من الفئات التي يفرض المهيمِن الفعل والتفكير من خلالها، وعليها بلورة فكر قادر على إنتاج فئات جديدة وليس فئات تمّت إعادة تحديدها فقط. وبهذا، فعلينا إمّا قبول مصطلحات هذه الجدلية – إكراه واصم من جهة، وإعادة تملك هدام للهويات

من جهة أخرى – أي المصطلحات التي تحدث ضمنها علاقات الهيمنة، أو على العكس من ذلك، هناك مخاطرة بإنتاج تقنيات الفوضى الثائرة tumulte de Techniques؛ تقنيات تمكننا من الكشف عن أشكال الهيمنة وعناصرها الأساسية ودوافعها الكامنة. ويتعلق الأمر ببلورة جهاز تحليل قادر على فهم الطرق التي من خلالها توظف علاقة الهيمنة «الجنس» و«العرق» بوصفهما وسائل وأدوات تستطيع بفضلها استدامة العلاقة والمحافظة على قوتها، ما يمكنها من إضعاف كل القوى المقاومة. ومن وجهة

(29) Paul Gilroy, Between Camps, Nations, Cultures and the Allure of Race (London: Allen Lane, 2000), p. 12.

ينحو مصطلح «الإثنية ethnicité » أو «المجموعات الإثنية ethnique groupe » نحو تأدية دور فئات وصفية مقارنة ب «العرق»، لكن هنا أيضًا «بغضّ النظر عن الفئات التي نستعملها، من المستحيل تحريرها من علاقات القوة التي تنبثق فيها، والرهانات السياسية والنظرية

التي تحيل إليها والافتراضات والحس المشترك الذي يجعلها جلية وذات مرجعية ذاتية»:

Eleni Varikas, "Sentiment national, genre et éthnicité," Tumultes , no. 11 (1998), p. 93.

نظر إبستيمولوجية، لا يجب الاقتصار فقط على توضيح وتفكيك ونزع الطبيعي عن فئات الهيمنة. ليست المسألة متوقفة فحسب على التزامٍ بموقفٍ قوامه نزع طابع الطبيعة عن فئات الهيمنة، ك «الجنس» أو «العرق»، ثم إعادة استعمالها للحديث عن علاقة الهيمنة التي تدعمها هذه الفئات «اجتماعيًا»، بل

تتعلق المسألة أيضًا بأنظمة الهيمنة في فضاء نزاع تحتله هي ومن يقاومها. إذًا، المسألة المطروحة هي: ما مدى قدرتنا على توظيف «تقنيات الفوضى الثائرة» التي ستمكننا من صناعة طرق تفكيرنا وأطر فهم خاصة للعالم، عالم نستطيع الفعل فيه على نحو مختلف ونملك القدرة على «بنائه جميعًا» على حد قول فانون، بفضل ما تكتسبه النساء من قوة بفعل تعدّد تجاربهن مع الهيمنة؟

2. إعادة التفكير في النوع عوض عَرْقَنة النسوية

إلى حدود فترة حديثة، اهتم التفكير النسوي بشكل واحد من الهيمنة القائمة على النوع، وتجاهل إلى حد ما باقي الأشكال الأخرى. وبهذا، ما اعتدنا اعتباره شكلً من الأشكال الثابتة لبناء فئات ثنائية متعارضة للهيمنة: ذكر – أنثى، رجل – امرأة، مذكر – مؤنث، إيجابي – سلبي، عقل – عاطفة، قوة – ضعف، سلطة – تبعية، أبيض – أسود، عنف – نعومة، ثقافة – طبيعة، عمومي – خاص، ملتحٍ – غير ملتحٍ... إلخ، ليست في الحقيقة سوى واحد من الإنتاجات التاريخية المحددة اجتماعيًا. تعبّر

الديمومة المفترضة للتقابل الثنائي لعلاقات النوع عن هيمنة نوعٍ معدلة من طرف فئة «العرق». وتكشف تجربة النساء الأفرو–أميركيات ضمن أي شروط تكون هويتُهن الهجينة («أن تكون امرأة» و«أن تكون سوداء»، ومن ثم ألا تكون «امرأة») نتاجًا محضًا لأيديولوجيا تمييزية قائمة على «الجنس» و«العرق».

لقد مثّلت الآثار المتعارضة التي أنتجتها فئات «الجنس» و«العرق» الشرط لإمكانية استغلالهن وإنتاج معيار معرقن للنوع. وبناء عليه، فموضوع النسوية غير متوافق مع فئة «النساء»، بما هي نتاج علاقة هيمنة؛ موضوع النسوية هو نتاج سياسة، وليس وضعية معطاة مسبقًا. ومع ذلك، إذا اعترفنا بتعدد علاقة النوع، وإذا كان تعدد تجارب الهيمنة يشكّل مادة مشاريع النسوية نفسها، فلا يجب أن نسقط مرة أخرى في فخ تفكير تمكن في البداية من نزع الطبيعي عن علاقات النوع، لكنه بعد ذلك سيفشل بسبب إعادة طبعنة علاقات الهيمنة الأخرى، من خلال قبول فكرة وجود علاقة نوع و«عرق»، ثم علاقة نوع وطبقة... إلخ. ولا يمكن أن نقبل بثبوت ووحدة فئات «العرق» والطبقة والدين بدعوى تأريخ فئة «الجنس». بتعبير آخر، لا يمكن تأريخ هيمنة النوع والاشتغال على إنتاجاتها التاريخية المتعددة، بالاقتصار على تجزيء هيمنة النوع إلى عدد كبير من أشكال الاختلاف: الطبقة و«العرق» والجنسانية والجنسية والثقافة والدين... إلخ، ولا تشكل النساء السوداوات فئة ثابتة تحيل إلى هوية محددة في: «النساء السوداوات». وبالطريقة نفسها، يمكننا طرح سؤال: ماذا يعني تعبير «النساء الغربيات»؟ عطفًا

3(((تتحدث جوديث بتلر أيضًا في مقدمة مؤلفها قلق في النوععن «تحالفات الكفاح luttes des coalition:»

Judith Butler , Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity (New York: Routledge, 1990), p. XXVI.

3(((«على الرغم من ذلك، وعلى الأقل فترةً معينة، انتقلت الممرضات من ‘أنا’ إلى ‘نحن’. لقد أصبحن فاع جماعيًا منتجًا

للمعنى، ومسؤول عن تاريخه الخاص. وبهذا نجحن في الخروج من وضع الأنوثة المفروضة إلى وضع النساء المالكات لسلطة

الفعل في بناء وتطوير العلاقات الاجتماعية. استطاعت من خلالهن المجموعة الاجتماعية النساء تملّك طرق تفكير وفعل جديدة

وأشكالً أخرى من ‘الإنتاج الاجتماعي للوجود الإنساني’. لقد ساعدونا في التفكير في اليوتوبيا. 99:» p , Kergoat.

على ما سبق، لا يمكننا قبول عرقنة موضوع النسوية بدعوى نزع الطبيعي والماهوي. لكن إذا ما أقدمنا على هذا، نجازف بالسقوط في تحديد ثابت لأشكال مقاومة وكفاح النساء في مصطلحات متصلبة للهيمنة، وخاصة مصطلحي «العرق» أو «الثقافة». كما نجازف بتشكيل عالم حيث أشكال الهويات البديلة من الهوية المسماة «امرأة»، وحيث سيرورات البناء السياسي للذات تصبح حاملةً للطبيعي كما كان عليه حال مفهوم «المرأة». يمكننا هنا الاستشهاد بمثال هذه الهوية الأنثوية «المسلمة» التي أطنبت وسائل الإعلام في التركيز عليها، والتي تحيل على التقوى والعفة وعلى معيار إيتيقي للأنوثة يجمع بين التقليدي والماهوي، وهذا مشابه لبناء معيار آخر إيتيقي مهيمن ضمن بعض الخطابات السياسية، يجعل من «الأوروبيات» أو «الغربيات» نماذجَ عن الحضارة ونساء متحررات، ولكن مفرطات في «الأنوثة». في التمثلات الكولونيالية التي تداولتها البطاقات البريدية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تم عرض نساء البحر الكاريبي والجزائر وتونس والمغرب في صورة فاطمة الأمية، أو صورة المورسكية الجميلة أو الباغية. أشكال المسرحة هذه تنحو إما نحو فحلنة viriliser النساء أو تحويلهن إلى مواضيع مفرطة في الشهوانية outrance à érotiser. وفي كلتا الحالتين، لا يتعلق الأمر بعرض أيّ خاصية نموذجية «للأنوثة الأوروبية»: لأن النساء موضوع العرض لا ينظر إليهن بوصفهن نساء. ونلاحظ، إضافة إلى هذا، كيف يستعمل المنظور الفوتوغرافي الفرنسي الحجاب موضوعًا شهوانيًا

شبيهًا بالدور الذي يؤديه قصر الحريم في الفضاء الأسطوري للاستشراق، كمكان النساء المخفيات المنعزلات، مكان يمكن ولوجه دائمًا لتلبية كل الرغبات. إنه فضاء ارتكاز كل الاستيهامات التي تعرض فيه دائمًا؛ إما في بعدها الفعلي أو التخيلي. وبالموازاة مع هذا، فالتاريخ الكولونيالي لعلاقات النوع ساهم أيضًا في بناء الفحولة. ويرتبط توجه نزع الفحولة عن الرجال بربط النساء بشهوانية مفرطة. لقد أدى الاستغلال السياسي لعلاقات النوع دورًا مهمًا في استبعاد المهيمَن عليهم، سواء

(3((يمكن الإحالة هنا إلى بيان «ليس باسمنا!»، الصادر في آذار/ مارس 2004، في: https://bit.ly/3AAL2aq أطلقت شبكة نسويات NextGenderation بيان «ليس باسمنا» بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في آذار/ مارس 2004، بالتزامن مع النقاشات الدائرة حول الدستور الأوروبي. للمزيد من التفصيل يرجي الاطلاع على:

Andrijasevic Rutvica & Sarah Bracke, "Venir à la connaissance, venir à la politique," Multitudes , vol. no 12, no. 2 (2003), (المترجم) pp. 81–88.

كما يمكن الإحالة أيضًا إلى نص كريستين دلفي الموجه إلى ائتلاف حقوق النساء، في:

Christine Delphy, "Débat sur le voile au collectif droits des femmes," Lmsi , 17/11/2003, accessed on 20/6/2021, at: https://bit.ly/3gHhQ8m

وإلى الكتاب الجماعي الذي أشرفت عليه شارلوت نوردمان:

Charlotte Nordmann (dir.), Le foulard islamique en questions (Paris: Éditions Amsterdam, 2004).

(3((للمزيد من التفصيل في هذه النقطة، ينظر:

Christelle Tarraud, Mauresques (Paris: Albin Michel, 2003); Malek Alloula, Le Harem colonial: Images d’un sous– érotisme (Paris: Slatkine, 1981); Jennifer Yee, Clichés de la femme exotique: Un regard sur la littérature coloniale française entre 1871 et 1914 (Paris: Editions L’Harmattan, 2000).

(3((كما تساهم فحلنة النساء في ربط المجموعات المهيمَن عليها بالبهيمية، ما ينزع عنها الإنسانية ويُقصيها خارج الحضارة.

تعلّق الأمر بالعبيد المرحلين أو «الأهالي»، من التحديدات المعيارية الاجتماعية الأوروبية للأنوثة والذكورة. وهكذا عملت المجتمعات الكولونيالية منذ القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين على تبرير الاستغلال السياسي للنساء وإهانة الرجال. وقد كشفت الكثير من الدراسات المهمة المهتمة بالهند في الفترة الكولونيالية عن الأهمية التي مُنحت لبناء الذكورة، باعتبارها وسيلة استثبات الهيمنة

البريطانية. وشكّلت العلاقة بين الفحولة والأنوثة وسيلة دعمٍ رمزي لعلاقة الاضطهاد العنصري التي أقرّتها السلطة البريطانية ضد المستعمَرين. وقد سمح الحضور الدائم لخطابات شديدة التركيز

على النوع بالتقليل من شأن البابو البنغالي Babu Bengali، المنظور إليه على أنه فاسق وغير مؤدب ومخنث، بينما نُظِر إلى البريطاني باعتباره رياضيًا وشجاعًا وشهمًا، أي حاملً لخصائص تجعل

حكمه شرعيًا. وهذا الاستعمال الإمبريالي لفئات «الجنس» و«العرق» بصفتها عوامل للتراتبية

الاجتماعية، يمكّننا من فهم إلى أيّ حد علاقة النوع تعني السلطة، وإلى أي حد تتحول إلى رهان

سياسي: فالتاريخ الكولونيالي يفرض إطار الفكر والفعل الذي من خلاله تمرّ كل أشكال الهيمنة

والمقاومة. وهكذا، ف «قضية الحجاب» الحالية تساهم في فرض أخلاق محددة على نساء شابات، وفرض فحولة محددة على رجال من مهاجرين شباب منحدرين من شمال أفريقيا. إنها تجديد في الحاضر لوصم قديم للنساء المستعمَرات، بوصفهن نساء فاسقات وسافلات. ما زالت هذه المسألة

حاضرة في جدلية السلطة: فهي تجسد هيمنة نوع، تؤدي دورًا حاسمًا في بناء الهوية السياسية

للأجيال المنحدرة من آباء عاشوا تجربة الاستعمار الفرنسي، على جانب أو آخر من شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ولأن هذه القصة مشوّهة، وعصية على الحل، ومعقّدة، فهي ما زالت فاعلة في

الحاضر: إنها تعبير عن مكر العقل المهيمِن المتهالك، الذي يجعل من «الأنوثة» موردًا سياسيًا.

ومن خلال ما سبق، نفهم أن الأمر يتعلق، بالنسبة إلى بعض النساء الشابات اللائي يعبّرن عن

حقّهن في اختيار ارتداء الحجاب، ويلتزمن سياسيًا للدفاع عن وضعهن في مواجهة العنصرية التي

يعشنها، باستراتيجيةٍ مرتبطة بسيرورة أعم لبناء ذات سياسية لجيل يواجه بأكمله تاريخ الكولونيالية الفرنسية. إنها سيرورة محفوفة بالمخاطر، مثلما يكون محفوفًا بالمخاطر ما يقوم به قسم من الفكر النسوي الذي يريد أن يجعل من هذه السيرورة تعبيرًا عن تقاطع فئات «الجنس» و«العرق»، ما يجعله

قريبًا من خطر المساهمة في العرقنة المكتنفة في العلاقات الاجتماعية. إذا أرادت النسوية تصفية

حساباتها مع العنصرية، فعليها تحمّل مسؤولية توضيح التاريخ الكولونيالي وجينيالوجيا العنصرية

وتفادي السقوط في عرقنة ماهوية للعالم؛ فإرادة نزع الطبيعي عن «الجنس» أسقطت النسوية في إعادة طبعنة «العرق».

(3((هذا المنطق قديم جدًا. فعندما أراد بوفون وصم الخصائص المنحلة «للمتوحش» الأميركي، عمل بشكل كبير على بناء صورة

«المتوحش الضعيف وصاحب الأعضاء التناسلية الصغيرة والجسم الخالي من الزغب واللحية ومن الحماسة للإناث:»

Georges–Louis Leclerc & Comte de Buffon, Histoire naturelle, générale et particulière: Avec la description du Cabinet du Roi , vol. 9 (Paris: Imprimerie Royale, 1761), p. 104; Elsa Dorlin, "Au chevet de la Nation: Sexe, race et médecine: XVII e –XVIII e siècles," PhD Dissertation, Université Paris IV– Sorbonne, Paris, 2004. (36) Maneesha Lal "Sexe, genre et historiographie féministe con–temporaine: L’exemple de l’Inde coloniale," in: Ilana Löwy & Hélène Rouch (coor.), La distinction entre sexe et genre: Une histoire entre biologie et culture , Cahiers du genre 34 (Paris: Editions L’Harmattan, 2003), p. 163.

قد تكون القدرة على إنتاج أدواتٍ لفهم العالم الاجتماعي كفيلةٍ بتغيير علاقة القوة من أهم تحديات النسوية المعاصرة، التي عليها أن تفهم عالمًا يمكنها أن توجد فيه من خلال الفعل فيه سياسيًا، والمقاومة

على نحو تضامني. وليتحقق هذا، من مصلحتها تخليد بعض تقاليد الفكر الذي اختار صنع أدوات تحليله الخاصة لفهم الهيمنة. لكن يبقى هدفها الأساسي الكشف عن طرق مختصرة وفضاءات تلاقي كفاحها وتحالفاتها المتضامنة كاليوتوبيات.

References

المراجع

Alcoff, Linda. "Cultural Feminism versus Post–Structuralism: The Identity Crisis in Feminist Theory." Signs: Journal of Women in Culture and Society. vol. 13, no. 3 (Spring 1988). Alloula, Malek. Le Harem colonial: Images d’un sous–érotisme. Paris: Slatkine, 1981. Amselle, Jean–Loup & M’Bokolo Elikia.  Au cœur de l’ethnie: Ethnies, tribalisme et État en Afrique. Paris: La Découverte, 2005. Andersen, Margaret L. & Patricia Hill Collins. Race, Class & Gender: An Anthology. Belmont, CA: Wadsworth Pub. Co., 1992. Anzaldúa, Gloria. Borderlands/La Frontera: The New Mestiza. San Francisco: Spinsters/ Aunt Lute, 1987. Back, Les & Solomos John (eds.). Theories of Race and Racism: A Reader. London/ New York: Routledge, 2000. Butler, Judith & Joan Scott (eds.). Feminists Theorize the Political. New York: Routledge, 1992. Butler, Judith. Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York: Routledge, 1990. ________. Judith. Le pouvoir des mots: Politique du performatif. Charlotte Nordmann (trad.). Paris: Éditions Amsterdam, 2004. Carby, Hazel. Reconstructing Womanhood: The Emergence of the Afro–American Woman Novelist. New York: Oxford University Press, 1987. Davis, Angela Yvonne. Femmes, race et classe. Paris: Des Femmes, 1983. Dorlin, Elsa. "Au chevet de la Nation: Sexe, race et médecine: XVII e –XVIII e siècles." PhD Dissertation. Université Paris IV– Sorbonne. Paris, 2004. ________. "De l’usage épistémologique et politique des catégories de ‘sexe’ et de ‘race’ dans les études sur le genre." Cahiers du genre. vol. 2, no. 39 (2005). Fanon, Frantz. Les damnés de la terre. Paris: La Découverte, 2002 [1961]. Gilroy, Paul. Between Camps, Nations, Cultures and the Allure of Race. London: Allen Lane, 2000. Hooks, Bell. Feminist Theory from Margin to Center. Boston: South End Press, 1984. Hull, Gloria, Patricia Bell Scott & Barbara Smith (eds.). All the Women are White, All the Blacks are Men, but Some of Us are Brave: Black Women’s Studies. Old Westbury, NY: Feminist Press, 1982.

Kergoat, Danièle. "Le rapport social de sexe: De la reproduc–tion des rapports sociaux à leur subversion," Actuel Marx. vol. 2, no. 30 (2001). Lauretis, Teresa de. Alice Doesn’t: Feminism, Semiotics, Cinema. Bloomington: Indiana University Press; London: Macmillan, 1984. Leclerc, Georges–Louis & Comte de Buffon. Histoire naturelle, générale et particulière: Avec la description du Cabinet du Roi. Paris: Imprimerie Royale, 1761. Löwy, Ilana & Hélène Rouch (coor.). La distinction entre sexe et genre: Une histoire entre biologie et culture. Cahiers du genre 34. Paris: Editions L’Harmattan, 2003. Nicholson, Linda (ed.). The Second Wave: A Reader in Feminist Theory. London/ New York: Routledge, 1997. Nordmann, Charlotte (dir.). Le foulard islamique en questions. Paris: Éditions Amsterdam, 2004. Pheterson, Gail. Le prisme de la prostitution. Nicole–Claude Mathieu (trad.). Bibliothèque du féminisme. Paris: Editions L’Harmattan, 2001. Riley, Denise. Am I That Name? Feminism and the Category of ‘Women in History’. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988. Royster, Jacqueline Jones. Traces of a Stream: Literacy and Social Change Among African American Women. Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 2000. Saïd, Edward W. Culture et impérialisme. Paris: Fayard, 2000. Spelman, Elizabeth V. (ed.). Inessential Women: Problems of Exclusion in Feminist Thought. Boston: Beacon Press, 1988. Tarraud, Christelle. Mauresques. Paris: Albin Michel, 2003. Terborg–Penn, Rosalyn. African American Women in the Struggle for the Vote, 1850– 1920. Bloomington: Indiana University Press, 1998. Varikas, Eleni. "Sentiment national, genre et éthnicité." Tumultes. no. 11 (1998). Wallach Scott, Joan. "Genre: Une catégorie utile d’analyse." Éléni Varikas (trad.). Les Cahiers du Grif. vol. 37–38, no. 1 (Juin 1988). Ware, Vron. "Moments of Danger: Race, Gender, and Memories of Empire." History and Theory: Studies in the Philosophy of History. vol. 31, no. 4 (December 1992). West, Candace & Sarah Fenstermaker. "Doing Difference." Gender and Society. vol. 9, no. 1 (February 1995). Williams Crenshaw, Kimberlé. "Cartographies des marges: Intersectionnalité, politique de l’identité et violences contre les femmes de couleur."  Cahiers du Genre. vol. 2, no. 39 (January 2005). Yee, Jennifer. Clichés de la femme exotique: Un regard sur la littérature coloniale française entre 1871 et 1914. Paris: Editions L’Harmattan, 2000.