العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الاستعمار الاستيطاني في فلسطين بين البنية والصيرورة: محو وإزالة أم تحكم وسيطرة؟

الاستعمار الاستيطاني في فلسطين بين البنية والصيرورة: محو وإزالة أم تحكم وسيطرة؟

Settler Colonialism in Palestine between Structure and Process: Elimination or Power and Control?

أشرف عثمان بدر| Ashraf Othman Bader *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى التعرف إلى منطق الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، للإجابة عن سؤال مركزي: ما المنطق الجامع الذي يقوم عليه الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، أهو "بنية" أم "عملية" مستمرة ومسار يخضع للمتغيرات؟ تجيب الدراسة عن هذا السؤال من خلال الرجوع إلى الأدبيات المتعلقة بالموضوع، والاشتباك النظري مع مجموعة من أبرز المنظرين في مجاله، خاصة في ما يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي لمناطق 1967. ومن توظيف مفهوم ميشيل فوكو للسلطة وأنواعها، تجادل الدراسة بأن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين عبارة عن مسار عملي يخضع للمتغيرات على الأرض التي منها فاعلية المحكومين واللاعبين الدوليين والإقليميين الرئيسين، والسياقات التي تجري فيها العملية برمتها، علاوة على أن هذا المسار قائم على التجربة والخطأ، وأن المنطق الجامع له هو السعي للضبط والتحكم والسيطرة الذي يدار بمجموعة من السياسات من أهمها المحو والاستغلال الاقتصادي وإدارة السكان.

Abstract

Abstract: This paper seeks to answer the central question: Is settler colonialism in Palestine a "structure" or an ongoing "process"? The paper engages with most prominent theorists in the field of settler colonialism, with a special focus on the nature of the Israeli occupation of the West Bank and Gaza. By employing Michel Foucault’s concept of power and its types, the study argues that settler colonialism in Palestine is a process rather than a structure. It is subject to transformations on the ground, including the agency of the governed and the attitudes of major international and regional players, and the contexts in which the entire process takes place. Settler–colonialism as a process shaped by trial and error. Its overriding logic is the pursuit of power and control, facilitated by policies that most importantly include elimination, economic exploitation and population management.

الكلمات المفتاحية:
  • إسرائيل
  • الاستعمار
  • الاستيطان
  • المحو
  • السيطرة
  • البيوسلطة
Keywords:
  • Israel
  • Colonialism
  • Settlement
  • Erasure
  • Control
  • Bio-Power

أشرف عثمان بدر| Ashraf Othman Bader * (((

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى التعرف إلى منطق الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، للإجابة

عن سؤال مركزي: ما المنطق الجامع الذي يقوم عليه الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، أهو

"بنية" أم "عملية" مستمرة ومسار يخضع للمتغيرات؟ تجيب الدراسة عن هذا السؤال من خلال

الرجوع إلى الأدبيات المتعلقة بالموضوع، والاشتباك النظري مع مجموعة من أبرز المنظرين

في مجاله، خاصة في ما يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي لمناطق 1967. ومن خلال توظيف مفهوم

ميشيل فوكو للسلطة وأنواعها، تجادل الدراسة بأن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين عبارة عن

مسار عملي يخضع للمتغيرات على الأرض التي منها فاعلية المحكومين واللاعبين الدوليين

والإقليميين الرئيسين، والسياقات التي تجري فيها العملية برمتها، علاوة على أن هذا المسار

قائم على التجربة والخطأ، وأن المنطق الجامع له هو السعي للضبط والتحكم والسيطرة الذي

يدار بمجموعة من السياسات من أهمها المحو والاستغلال الاقتصادي وإدارة السكان.

Abstract: This paper seeks to answer the central question: Is settler colonialism in Palestine a "structure" or an ongoing "process"? The paper engages with most prominent theorists in the field of settler colonialism, with a special focus on the nature of the Israeli occupation of the West Bank and Gaza. By employing Michel Foucault’s concept of power and its types, the study argues that settler colonialism in Palestine is a process rather than a structure. It is subject to transformations on the ground, including the agency of the governed and the attitudes of major international and regional players, and the contexts in which the entire process takes place. Settler–colonialism as a process shaped by trial and error. Its overriding logic is the pursuit of power and control, facilitated by policies that most importantly include elimination, economic exploitation and population management.

Lecturer in the Departments of Philosophy, Cultural Studies, and Sociology, Birzeit University, Palestine. Email: ashrafshrf0@gmail.com

"النهر الذي تنزلون فيه للمرة الثانية ليس هو نفس النهر الذي نزلتم فيه أول مرة." – الفيلسوف اليوناني هيراقليطس

مقدمة

ثمة سجال نظري حول المنطق الجامع للاستعمار الاستيطاني في فلسطين، ففي حين يجادل باتريك وولف بأن المحو Elimination هو المنطق الجامع للاستعمار الاستيطاني، يحاج ديفيد لويد بأن تحولً حصل في الحالة الاستعمارية في فلسطين عام 1967 من منطق الإزالة إلى منطق الإدارة واستغلال الأيدي العاملة الفلسطينية المتدنية الأجر، من دون أن يعني ذلك انتهاء منطق الإزالة والمحو. في حين يجادل إيلان بابيه بحدوث تغير في عام 1967 في اتجاه تبني مفهوم "السجن الكبير" لإدارة المناطق المحتلة، من دون أن يعتبر هذا التغير خارجًا عن منطق المحو والتطهير العرقي. أما نيف غوردون فيتقاطع مع لويد في ادعائه تبني "الاحتلال" الإسرائيلي في مناطق 1967 السياسة الحيوية "البيوسلطة"، التي تهدف إلى مراقبة السكان الفلسطينيين ومعيشتهم. لكن حصل تحول بعد انتفاضة عام 2000 بتبني سياسة الإماتة "نكروبوليتيك Necropolitics "، والتحول من الاستعمار إلى مبدأ الفصل. في المقابل، يستخدم إيليا زريق مصطلح "الاستعمار الهجين" لتوصيف الحالة الاستعمارية في فلسطين، وهو يجمع بين الاحتلال العسكري والاستيطان، ويتسم بعدة خصائص من أهمها: السيطرة على الأرض، وعزل السكان مع استخدام نظام للمراقبة، والسعي للسيطرة على السكان بهدف تحقيق

(((حول نقد كتابات وولف، ينظر: أشرف بدر وعاصم خليل، "الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني: براديغم أم مفهوم؟"،

عمران، مج 9، العدد 53 (شتاء 2021)، ص.30–7

(2) Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4

(3) David LIoyd, "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), p. 67. (4) Ilan Pappe, The Biggest Prison on Earth: A History of the Occupied Territories (London: Oneworld Publications, 2017), p. 4.

(((يجب أن نشير إلى تحفّظنا على استخدام مصطلح "الاحتلال" لوصف الحالة الاستعمارية في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ إذ رغم شيوع استخدام المصطلح، فإنّ استخدامه يوحي على نحو خاطئ بالتمييز بين المناطق المستعمرة عام 1948 والمستعمرة عام 1967، على اعتبار أن الأولى "إسرائيل" كيان "شرعيّ" غير استعماري، بينما المناطق المحتلة عام 1967 هي مناطق مستعمرة لا يتمتع الوجود

الإسرائيلي فيها ب "الشرعية". (((مصطلح استخدمه ميشيل فوكو لوصف تحكّم السلطة في الجسد الاجتماعي (السكّان). (((مصطلح استخدمه آشلي ممبي Mbembe Achille، والمقصود به تحك م منظومة الاستعمار في السكّان عبر تحديد من يموت ومن يعيش.

(8) Neve Gordon, Israel’s Occupation (Berkeley/ London: University of California Press, 2008), p. 2. (9) Ibid., p. 208.

التوازن الديموغرافي. وتتبعه هنيدة غانم في استخدام المصطلح نفسه معتبرة أن النظام الإسرائيلي في فلسطين "نظام هجين" متعدد الأدوات، يدمج بين الاستعمار الاستيطاني والاحتلال العسكري والأبارتهايد. في حين يجادل مارسيلو سفيرسكي ورونين بن آري بأن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني يتلبس منطق "المحو المزدوج"؛ محو الحياة الأصلانية ومحو الحياة المشتركة بين اليهود والعرب، قبل مجيء الاستعمار الاستيطاني الصهيوني إلى فلسطين، وذلك بهدف تحقيق الفصل والإخضاع. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفهوم الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، بافتراض أنه مفهوم واسع الدلالات، وليس نموذجًا محددًا يمكن القياس عليه، وذلك من خلال إجراء مراجعة نقدية ومسح لأبرز الأدبيات التي تتناول مفهوم الاستعمار الاستيطاني، بهدف الإجابة عن السؤال المركزي لهذه الدراسة وهو: ما المنطق الجامع الذي يقوم عليه الاستعمار الاستيطاني في فلسطين؟ باعتبار أن كثيرًا من الأدبيات التي تتناول الاستعمار الاستيطاني في فلسطين تستند إلى مقولة وولف بأنه مبني على منطق المحو. تستخدم الدراسة منهجية متعددة التخصصات، سواء بالرجوع إلى بعض المواد الأرشيفية المتعلقة بالموضوع، أو الاشتباك النظري مع أبرز المنظرين الذين تناولوا مفهوم الاستعمار الاستيطاني والاحتلال الإسرائيلي لمناطق 1967، وفي مقدمتهم وولف، ولورينزو فيراشيني، وسارة روي، ونيف غوردون، وغيرشون شافير، وإيلان بابيه. والاستعانة بمفهوم ميشيل فوكو Foucault Michel للسلطة وأنواعها. وتجادل الدراسة بأن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين صيرورةٌ ومسارٌ يخضع للمتغيرات والفاعلين على الأرض والظروف المحيطة، وأنه قائم على التجربة والخطأ، وأن المنطق الجامع للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين هو السعي للتحكم والضبط والسيطرة، وأنه في هذا السياق يوظف عدة استراتيجيات من بينها المحو والاستغلال الاقتصادي وإدارة السكان، لتحقيق مصلحة الحركة الصهيونية؛ فالذي يحدد الأداة هو مدى ملاءمتها لتحقيق أهداف الاستعمار الاستيطاني الصهيوني المتمثلة في إقامة دولة "يهودية". تستكشف الدراسة المنطق الجامع للاستعمار الاستيطاني الصهيوني من خلال تتبع مساره على نحو موضوعي وليس كرونولوجيا، وتنقسم الدراسة قسمين: يتناول أولهما الناحية الاقتصادية، ويستعرض

((1(إيليا زريق، "الصهيونية والاستعمار"، عمران، مج 2، العدد 8 (ربيع 2014)، ص.34–7 ((1(هنيدة غانم، "التأطير المركّب لنظام هجين: جدلية الاستعمار الاستيطاني والاحتلال والأبارتهايد"، في: إسرائيل والأبارتهايد:

دراسات مقارنة، هنيدة غانم وعازر دكور (محرران) (رام  الله: مركز مدار،.)2018 (((1 يُستخدم مصطلح العرب في الأدبيات الإسرائيلية للإشارة إلى العرب الفلسطينيين.

(13) Marcelo Svirsky & Ronnen Ben–Arie, From Shared Life to Co–Resistance in Historic Palestine (London/ New York: Rowman & Littlefield International Ltd, 2018).

(((1 المقصود التتبع على أساس الموضوع وليس التسلسل الزمني.

ثانيهما العنف الاستعماري في مختلف مراحله، وهي: مرحلة اليشوف، ومرحلة ما بعد إقامة الدولة، ومرحلة ما بعد عام 1967، ومرحلة ما بعد اتفاق أوسلو.

أولا: العلاقة الاقتصادية بين المستعمِر والمستعمَر والتحولات في البنية

لا يعتبر وولف أن العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر قائمة على معادلة "السيد والعبد"، بل على

الاستغناء عن الشعب المستعمَر؛ فالهدف النهائي هو الأرض وليس الحصول على الفائض من العمال

الأصلانيين، كما هي الحال في نموذج الاستعمار الاستغلالي (الكلاسيكي). وعلى الرغم من أن عمل السكان الأصلانيين كان لا غنى عنه في الواقع العملي للأوروبيين، فإن عملية الاستعمار الاستيطاني هي في الأساس مشروع يستحوذ فيه المنتصر على كل شيء. ويقوم منطق هذا المشروع على الاستبدال وليس الاستغلال، وهو ميل مؤسسي مستمر إلى محو السكان الأصلانيين. ومن ثم يجادل وولف بأن الاستعمار الاستيطاني يسعى لخلق منظومة اقتصادية منفصلة عن السكان الأصلانيين، وذلك ليسهل استئصالهم في ما بعد. يحاج وولف بأن المستوطنين يصادرون الأراضي، ومن أجل تجنب الاعتماد على عمالة الأصلانيين يقومون باستيراد العمالة من الخارج، كما في حالات الأفارقة المستعبدين في الأميركتين، أو المدانين البيض في أستراليا، أو الهنود المستعبدين في فيجي، أو "اليهود الشرقيين" (السفارديم) في إسرائيل. في حين في حالة أميركا الشمالية البريطانية، اعتمد المستوطنون في البداية على استعباد السكان الأصلانيين، إضافة إلى استيراد المدانين البيض المتعاقد معهم والخدم من العبيد الأفارقة. لكنهم فضلوا، على نحو متزايد، قوة عاملة مستعبدة تتكون حصريًا من السود، فكانت النتيجة علاقة ثلاثية

عابرة للقارات اختلط فيها عمل العبيد الأفارقة بأرض الأميركيين المحرومين من ممتلكاتهم لإنتاج ممتلكات أوروبية، ليخلص بعدها إلى أنه "في حين أن العلاقة التأسيسية التي استلزم الأوروبيون الأفارقة فيها كانت علاقة استغلال Exploitation، فإن العلاقة التي اختاروا فيها الهنود (السكان الأصلانيون في أميركا) كانت علاقة محو Elimination ". ويشير وولف إلى أن الاستعمار البريطاني في الهند مختلف عن نموذج الاستعمار الاستيطاني، إذ يعتمد على استغلال العمالة المحلية؛ فالهند البريطانية هي استعمار من دون استيطان. لكن هذا

(((1 مصطلح يطلق على الاستيطان الاستعماري لفلسطين في الفترة.1948–1882

(16) Patrick Wolfe, Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology (London/ New York: Cassell, 1999), p. 2. (17) Ibid., p. 163. (18) Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), p. 396. (19) Patrick Wolfe, "Race and the Trace of History: For Henry Reynolds," in: Fiona Bateman & Lionel Pilkington (eds.), Studies in Settler Colonialism: Politics, Identity and Culture (New York: Palgrave Macmillan, 2011), p. 273. (20) Ibid., p. 276.

لا يعني أن البريطانيين الأفراد لا يمكن أن ينتهي بهم الأمر إلى الاستيطان هناك، فالعديد من المزارعين وغيرهم فعلوا ذلك، ولا يعني كذلك أن "الراج البريطاني" لم يقضِ على رعاياه من المستعمَرين، إذ إنه في كثير من الحالات فعل ذلك. لكن الاستيطان والقضاء على السكان الأصلانيين كانا عرضيين وليسا محوريين في المشروع الاستعماري البريطاني في الهند، بعكس نموذج الاستعمار الاستيطاني. يستدرك وولف في مقارنته الاستعمار الاستيطاني في فلسطين به في الجزائر وجنوب أفريقيا، اللذين لم يذهبا إلى استبدال السكان الأصلانيين، وإنما اعتمدا على قوة عملهم، وهذا يختلف عن الاستعمار الاستيطاني على الرغم من وجود استيطان، ويمكن أن يطلق عليه (مستوطنات فيها مستوطنون) them in Settlers with Colonies. مع الأخذ في الاعتبار أن العمالة في الحالة الفلسطينية استغلها الإسرائيليون على نحو كبير في ظل غياب بدائل من الشرقيين (المزراحيم) والروس. لكن إسرائيل كانت حريصة جدًا على ألا تصبح معتمدة على عمالة الفلسطينيين، فمهمتهم الأساسية، بحسب الحركة الصهيونية، ليست العمل بل الاختفاء، فهي لم تكن تنوي استيعاب السكان الأصلانيين. يحث فيراشيني على فهم العلاقة الديالكتيكية بين الاستعمار (الكلاسيكي/ الاستغلالي) والاستعمار الاستيطاني، فهما ليسا منفصلين تمامًا، وليسا جزءًا من المجال المفاهيمي نفسه، بل هما متشابكان

فعليًا، "فالتصميم على استغلال "الآخرين" الأصلانيين دائمًا مختلط بإرادة لإزاحتهم"، وحتى إذا

كان ينبغي النظر إلى التشكيلات الاستعمارية والاستعمار الاستيطاني على أنها منفصلة وجوديًا، فينبغي عدم التقليل من تكاملها النهائي داخل الإمبريالية. "ليس لدينا طريقة لفهم الوضع الحالي بالكامل ما لم نعتبر عملية الاستعمار الاستيطاني نمطًا محددًا للهيمنة Domination. نحن نواجه نظامًا مطردًا جديدًا لم يسبق له مثيل. هنا يصبح الاختلاف البنيوي بين الاستعمار والاستعمار الاستيطاني حاسمًا من الناحية الإرشادية لفهم الظروف الحالية: إذا كان الاستعمار والإمبريالية يستوليان على الأسواق والعمل لغرض الاستغلال والاستغلال الحصري على التوالي، فإن الاستعمار الاستيطاني يستولي عليها فحسب، ولا يريد عمالة السكان الأصلانيين؛ إنه ببساطة يتمنى أن يختفي السكان الأصلانيون، مثل الفلسطينيين".

(21) Ibid., p. 286. (22) "CASAR Lecture – Comparing Colonial and Racial Regimes," YouTube, 17/6/2013, accessed on 22/12/2021, at: https://bit.ly/3EwCQZz (23) Lorenzo Veracini, "Settler Colonialism: Career of a Concept," The Journal of Imperial and Commonwealth History , vol. 41, no. 2 (2013), p. 314. (24) Lorenzo Veracini, The Settler Colonial Present (New York: Palgrave Macmillan, 2015), p. 26. (25) Ibid., p. 93.

وقد سبقه لهذا الاستنتاج جميل هلال، ينظر:

Jamil Hillal, "Imperialism and Settler Colonialism in West Asia: Israel and the Arab Palestinian Struggle," University of Dar es Salaam Journals , vol. 1, no. 1 (1976), p. 53.

استدخلت عدة دراسات مقولة وولف بأن الاستعمار الاستيطاني "بنية وليس حدثًا"، التي توحي بأن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين أقرب ما يكون إلى النموذج الذي يحمل صفاتٍ ثابتة، فإذا حدث تغير فهو ضمن البنية ولم يخرج عنها، ومن ثم يصعب حصول أي تغير جوهري في الاستعمار الاستيطاني. هذه المقولة في حاجة إلى الفحص من خلال التعرض للمراحل التاريخية المختلفة للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، والتي يمكن تقسيمها أربع مراحل أساسية تتفرع من بعضها مراحل ثانوية، هي: مرحلة اليشوف، ومرحلة ما بعد إقامة الدولة، ومرحلة ما بعد عام 1967، ومرحلة ما بعد اتفاق أوسلو؛ وسنستعرضها في ما يلي.

1. مرحلة اليشوف: من الاندماج إلى الفصل

يتناول غيرشون شافير إطار التنمية التابع في عهد الدولة العثمانية، من خلال دراسة سوق الأراضي التي أنشأها العثمانيون بوصفها خلفيةً للاستيطان اليهودي، وذلك بتتبع كيفية دخول الصهاينة إلى فلسطين نتيجةً لتحديث السلطنة العثمانية، والتنظيمات التي أدخلتها في الفترة 1878–1839 على نظام الضرائب وملكية الأراضي والتي خدمت المستعمرين اليهود. يستعرض شافير طبيعة "الهجرة" الأولى والثانية للحركة الصهيونية؛ ففي الموجة الأولى من المستعمرين الصهاينة، كان هدف المستعمرين الجدد الأساسي هو تحسين وضعهم الشخصي، في حين كان الهدف في الموجة الثانية بناء مجتمع صهيوني. في الموجة الأولى التي بدأت عام 1882، كانت محاولة تأسيس مستعمرة استيطان طاهر (نقي) لمزارعين يهود عبر محاكاة أسلوب الزراعة الفلسطيني السائد، وهو الزراعة البعلية الحقلية، مع إضافة بعض التقنيات الأوروبية، والاستعانة بالمساعدات المالية من الملياردير اليهودي إدموند روتشيلد de Edmond Rothschild، وقد تم الاعتماد في هذه المستوطنات على العمال الفلسطينيين ذوي الأجور المنخفضة. لكن في الموجة الثانية، بدأ العمل على استراتيجية "غزو العمل" (العمل العبري) من خلال محاولة سيطرة العمال اليهود ذوي الأجور المرتفعة، ومن هنا بدأت القومية اليهودية في الظهور جليًا. باءت هذه الاستراتيجية بالفشل بسبب تفاوت الأجور، ما دفع المستعمرين الصهاينة إلى البحث عن استراتيجية بديلة بعد فشل استراتيجية غزو العمل، وهي اللجوء إلى المهاجرين اليهود من أصول يمنية،

(26) Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," p. 390.

((2(من أبرز التحولّات في مرحلة اليشوف، التحوّل نحو "العمل العبري" الذي قام بتحليله شافير من خ لاا الاسترشاد بأنماط

الاستعمار الأربعة، إضافة إلى الاستعانة بنموذج "سوق العمل المجزّأة"، الذي طرحته عالمة الاجتماع الإسرائيلية إدنا بوناتشيتش

Bonacich Edna، وتقول فيه إنّ طابع قوة العمل التي تشتغل في الأرض والتي يمتلكها المستعمِرون هو الذي يحدّد طبيعة النموذج

الاستعماري. يوضح هذا النموذج كيف أن العمال أصحاب الأجور العالية من المستعم رين؛ يردّون على منافسة الأيدي العاملة من

السكان الأصلانيين ذوي الأجور المنخفضة من خ لاا اتّباع استراتيجية الانغ قاا أو الإقصاء وهما  الاستراتيجيّتان الشائعتان لدى

المستعمِرين، أو من خلال العمل التضامنيّ بين فرق العمال من أجل الوصول إلى مساواة في الأجور، وهذه الاستراتيجية لا  تعتبر

شائعة لأنها ستؤدي إلى هروب رأس المال نحو أيدٍ عاملة منخفضة الأجور، ينظر:

Gershon Shafir, Land, Labor and the Origins of the Israeli–Palestinian Conflict, 1882–1914 (Berkeley: University of California Press, 1996), p. 16.

(((2 يجب الأخذ في الاعتبار أن تسييس الديانة اليهودية جرى على يد الصهيونية، لتصبح اليهودية دينًا وقومية؛ ما أنشأ القومية

اليهودية. وقد عمل المؤتمر الصهيوني الأول على مأسسة القومية اليهودية في السياق الصهيوني.

لكونهم يرضون بأجور أقل من المستعمرين ذوي الأصول الأوروبية، وهكذا أصبح في المستعمرات الصهيونية ثلاثة مستويات من الأجور، أقلها يذهب إلى العمال الفلسطينيين من السكان الأصلانيين، وأوسطها يتقاضاه المهاجرون اليهود ذوو الأصول اليمنية، في حين يتقاضى المستعمرون ذوو الأصول الأوروبية أعلى الأجور. ويستنتج الكاتب في هذا السياق أن الشرخ الإثني في المجتمع الإسرائيلي بين الشرقيين "السفارديم" والغربيين "الأشكناز" قد نبع من هذا التفاوت، فاليمنيون طالبوا بمساواة أجورهم بالأوروبيين ومنحهم حصصًا من الأرض أسوة بهم. لكن المستعمرين الأوروبيين رفضوا ذلك، وهكذا فشلت استراتيجية استبدال العمال الفلسطينيين بعمال يهود يمنيين؛ لأن اليمنيين رفضوا أن يعملوا بأجور رخيصة وأن يكونوا عبيدًا لإخوانهم من المستعمرين اليهود الأوروبيين. يستنتج شافير أن تشكيل دولة إسرائيل و"الأمة" اليهودية بدأ بعد موجة "الهجرة" الثانية، ويعتبر أن الاستيطان اليهودي في فلسطين مر بست مراحل: المرحلة الأولى بدأت في عام 1882 بمحاولة إنشاء مستعمرة استيطان نقي. وفي الفترة 1900–1882 كانت المرحلة الثانية (تحت ظل سيطرة الإدارة الروتشيلدية) بتحول اليشوف اليهودي إلى مستعمرة مزارع إثنية. أما المرحلة الثالثة، فقد بدأت في عام 1900 مع توقف روتشيلد عن تقديم دعمه للمزارع وطلبه تحويلها إلى مرافق ربحية، عانت في إثره الحركة الصهيونية من هجرة عكسية للمستعمرين اليهود نتيجة تخفيض أجور العمال. لكن مع انطلاق الموجة الثانية من المستعمرين في عام 1904، بدأت المرحلة الرابعة بإعادة محاولة سيطرة الصهيونية على الأرض الفلسطينية من خلال تبني مستوى معيشة العامل العربي. لكن مع بداية المرحلة الخامسة قرر العمال اليهود تغيير استراتيجيتهم من القبول بأجور مشابهة لأجور العمال العرب، إلى انتهاج استراتيجية الإقصاء باسم "غزو العمل". وفي المرحلة السادسة، ومع انطلاق النشاط الاستيطاني للهستدروت الصهيوني عام 1909، جرى اعتماد نموذج المستعمرات التعاونية، وهكذا، نتيجةً لتفاقم مشكلة الأجور، جرى الانتقال إلى أسلوب المرزعة التعاونية بهدف تأسيس مستعمرات استيطان نقي توفر أجورًا مقبولة للعمال من المستعمرين الأوروبيين. يشير باروخ كيمرلينغ إلى أن تركيبة المستوطنين في "العلياه" الأولى سنة 1882، تختلف عن الموجات الاستيطانية اللاحقة، ففيها كان معظم المستوطنين متدينين (دوافعهم دينية)، غالبيتهم من الحاخامات والمهندسين الزراعيين، ومؤشرًا على ذلك أقاموا كنيسًا قبل تشييد منازلهم، وقد عملوا على الاختلاط

مع المسيحيين والمسلمين، بمعنى أنهم لم يسعوا للفصل وكانوا على استعداد لمشاركة الآخرين والقبول بالعيش تحت حكم الدولة العثمانية طالما أن لديهم الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية، بخلاف "العلياه" الثانية التي بدأت عام 1904، وبلغت ذروتها في الفترة 1923–1919، حين تحرك المستوطنون بدوافع سياسية أكثر من كونها دينية، وذلك بهدف تحقيق "الهوية القومية". وقد كان معظمهم من صغار

(29) Shafir, pp. 45–90. (30) Ibid., pp. 187–220.

(((3 مصطلح يستخدمه الصهاينة لتوصيف الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين، ويعود في جذوره إلى أسس دينية، تفيد الحجّ إلى

الأراضي المقدسة.

السن، ومتأثرين بالأيديولوجيا العلمانية القومية الاشتراكية التي تتناقض مع اليهودية الدينية، ولذلك نجد أن المؤسسات التي أقيمت عليها دولة إسرائيل (كالهستدروت)، قد أقيمت بيد "العلياه" الثانية، علاوة على ترسيخ مبدأ "العمل العبري" والانفصال عن السكان الأصلانيين. حصل تطور اقتصادي مزدوج منذ وصول الصهيونية إلى فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، تجسد بوجود اقتصادين متنافسين: اقتصاد يهودي صناعي حديث ومتطور ورأسمالي، واقتصاد فلسطيني يتطور ويتحدث ببطء، معتمدًا على نحو كبير على الزراعة التقليدية. لقد تعامل معظم الصهاينة مع الاقتصاد الفلسطيني بوصفه اقتصادًا منافسًا ينبغي ألا يعتبر شريكًا في التنمية المشتركة. لكنه من ناحية

أخرى يجب أن يشكل سوقًا لمنتجات الاقتصاد اليهودي، وذلك ما أبرز الاختلاف بين طبيعة المجتمع الفلسطيني والاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي كان يهدف خلال فترة الانتداب البريطاني إلى إقامة اقتصاد يهودي متطور وحديث ومتنوع ومستقل (منفصل)، بحيث يصبح الدعامة الأساسية للدولة اليهودية التي سيتم إنشاؤها.

2. ما بعد إقامة الدولة: المحو والنهب والتذويب

سعى الاستعمار الاستيطاني الصهيوني إلى القضاء على قدرة الفلسطينيين في المناطق المستعمرة عام 1948 على تطوير قطاع اقتصادي مستقل، ونقل جميع وسائل إنتاجه إلى القطاع اليهودي بالتزامن مع خلق اعتماد كامل في سبل العيش العربية على الاقتصاد اليهودي. وبالفعل، بحلول نهاية ستينيات القرن العشرين، حققت دولة إسرائيل هذا الهدف من خلال سلسلة من السياسات والإجراءات والبرامج التي تم تنفيذها بالتوازي والتكامل. كان الإجراء الأول هو مصادرة الأراضي في وقت مبكر من عام

1948، فقد جرى الاستيلاء على ستين في المئة من الأراضي التي أُجبر على تركها السكان الأصلانيون من الفلسطينيين نتيجة التهجير القسري، والتي كانت مستخدمة و/ أو مملوكة لهم. أما الإجراء الثاني فكان مصادرة وسائل الإنتاج الزراعي ممثلة بالماء، ونقل معظمها لاستخدام الزراعة اليهودية. في حين كان الإجراء الثالث تنفيذ خطة إنشاء منظمة أدت إلى القضاء على 72 في المئة من المزارع العربية. أدت هذه الإجراءات الثلاثة إلى بطالة عالية جدًا في القطاع العربي الفلسطيني، على عكس الازدهار الاقتصادي الهائل في الاقتصاد اليهودي. وهكذا جرى خلق قدر كبير من الحاجة إلى الأيدي العاملة، التي توجد بكثرة لدى السكان الأصلانيين. وكان الإجراء الرابع تنظيم تغلغل العاطلين عن العمل العرب، من حيث الكمية والشخصية والتوقيت، في أكثر الوظائف تدنّيًا في سوق العمل الإسرائيلية

(على نحو أساسي الوظائف الدنيا في قطاع الخدمات). والإجراء الخامس كان برنامج تحسين البنية التحتية في القطاع العربي، الذي زاد من قدرة المستهلك وشراء المنتجات الإسرائيلية التي تم توريدها من المراكز التجارية اليهودية، ومن ثم أعيدت أجور العمال العرب إلى الاقتصاد اليهودي. والإجراء

(32) Baruch Kimmerling, The Invention and Decline of Israeliness: State, Society and the Military (Berkeley: University of California Press, 2001), p. 193.

(((3 يائير بوميل، "ربط الاقتصاد العربي بالقطاع اليهودي في إسرائيل، 1988–1967 "، موقع ترابط، 2011/2/6، شوهد في 2021/12/22، في: https://bit.ly/2Isre2M (بالعبرية)

السادس كان منع التصنيع في القطاع العربي من أجل خلق اعتماد اقتصادي كامل للعرب على الاقتصاد اليهودي وإحباط إمكانية التنافس. عقب الإعلان عن إقامة دولة إسرائيل، فُرض الحكم العسكري على السكان الفلسطينيين في المناطق المستعمرة عام 1948. واضطلعت عدة جهات بوضع السياسات، وفي مقدمتها لجنة سرية يطلق عليها "اللجنة المركزية للأمن"، (إضافة إلى "لجنة الشؤون العربية" في حزب مباي). في البداية، تركزت الأهداف حول السعي لتقليل حجم السكان الفلسطينيين، مع إعادة توزيعهم جغرافيًا ووضعهم تحت نظام مراقبة شديد. وبحسب أحمد سعدي، بنَت الحكومة الإسرائيلية سياساتها على اعتبار أن العرب المتبقين خطر أمني (طابور خامس)، وبقي ترحيلهم (على نحو مباشر) قائمًا حتى سنة 1959. غير أنه بدأ التحول في الموقف الإسرائيلي حينما دعا وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه شاريت (في جلسة مغلقة لحزب مباي سنة 1952) إلى "التهجير الهادئ" للعرب، مع تبني سياسة "الدمج" التدريجي للمتبقين. لكن وفي ضوء الفشل في ترحيلهم، اقترح إسحاق بن تسفي (الرئيس الإسرائيلي الثاني) التعامل مع الفلسطينيين من خلال "الاستيعاب الثقافي"، من دون إسقاط فكرة الطرد. حدث تحول بنيوي في السياسات الإسرائيلية تجاه فلسطينيي ال 48 في بداية عام 1957 ونهاية عام 1958، وذلك عقب تشكيل "لجنة الشؤون العربية"، التي اعتمدت رؤيتها في ما بعد سياسةً رسمية للحكومة الإسرائيلية. ونشأ التحول في إثر حدثين بارزين، هما الحرب على سيناء عام 1956 وما رافقها من احتلال قطاع غزة، بالتزامن مع مجزرة كفر قاسم (التي ارتقى فيها 49 شهيدًا). وقد ولد كلا الحدثين قناعة عند الإسرائيليين بأن العرب لن يرحلوا من تلقاء أنفسهم إن لم يُجبروا على ذلك وتحدث لهم نكبة جديدة؛ وعلى الرغم من وقوع مجزرة كفر قاسم وحرب سيناء، فإنهم بقوا

(((3 المرجع نفسه. (((3 يائير بوميل، "أسس سياسات التمييز تجاه العرب في إسرائيل، 1968–1948 "، نظرة في قيام إسرائيل، مج  16 (2006)، ص.393 (بالعبرية) (((3 حزب عمّال إسرائيل، وهو الحزب الحاكم في تلك الفترة.

(37) Tom Segev, 1949: The First Israelies (New York: An Owel Book, 1998), p. 52.

(((3 دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون عام 1952 إلى تبنّي سياسة تحويل الفلسطينيين المسلمين إلى اليهودية أو

تقريبهم إلى اليهودية من خلال التلاقح الثقافي. لكنّ دعوته لم تجد لها صدى، ينظر: أحمد سعدي، الرقابة الشاملة: نشأة السياسات

الإسرائيلية في إدارة السكان ومراقبتهم والسيطرة السياسية تجاه الفلسطينيين، ترجمة الحارث محمد النبهان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.51 (((3 المرجع نفسه، ص.59–50 ((4(يائير بوميل، في ظل أزرق أبيض: سياسات المؤسسة الإسرائيلية وفاعلياتها في قطاع المواطنين العرب، سنوات التشكل:

1968–1958 (حيفا: برديس للنشر، 2007)، ص 11. (بالعبرية)

(41) Yair Bäuml, "MAPAI Committee for Arab Affairs: The Steering Committee for Construction of Establishment Policy towards Israeli Arabs, 1958–68," Middle Eastern Studies , vol. 47, no. 2 (March 2011), p. 413.

صامدين على أرضهم، لذا يجب التخطيط على أساس استمرار وجود ما تبقى من الفلسطينيين. وهكذا نلمس أثر صمود الفلسطينيين على إعادة إنتاج وتشكيل السياسات الإسرائيلية وتحولها من فكرة الإزالة الكاملة إلى الإدارة، مع بقاء منطق الإزالة قائمًا في حال توافر ظروفٍ "مواتية". تدرج الموقف الإسرائيلي في التعامل مع من تبقى من فلسطينيي ال 48 بعدما هُجر معظمهم، من السعي للتهجير القسري والمحو الفيزيائي، بالترافق مع النهب المنظم للموارد ووسائل الإنتاج ممثلة بالأرض والمياه، إلى التحول نحو محاولة "استيعابهم" وتذويبهم داخل الدولة حينما فشلت محاولات تهجيرهم العنيفة والهادئة. تمظهر هذا التحول، في عام 1957، بتعويض المهجرين الداخليين، والاعتراف بالدروز بوصفهم أقلية، وكذلك فتح "الهستدروت" للعرب في عام 1959، والتحديث في وسائل الزراعة العربية، وفتح قسم لتعليم العرب في وزارة التعليم، إضافة إلى ضم السلطات المحلية العربية إلى مركز السلطة المحلية.

3. ما بعد عام 1967: التبعية

أوصت "لجنة الأساتذة" (المكلفة من الحكومة في أيلول/ سبتمبر 1967 من أجل إيجاد حل لمشكلة اللاجئين)، بدمج المنظومة الاقتصادية لقطاع غزة في إسرائيل. ونادى وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان، الذي كانت له اليد الطولى في تحديد سياسات "الاحتلال"، بضرورة احتفاظ إسرائيل بالأراضي المحتلة عام 1967، حتى التوصل إلى تسوية سلمية. وقد ترك ذلك إسرائيل مع واقع إدارة المناطق المحتلة وسكانها من دون التطرق إلى ثورة من السكان. وكان على إسرائيل أن تفعل ذلك مع تحسين مستويات معيشة السكان الفلسطينيين، ومن دون السماح للأراضي المحتلة بأن تصبح عبئًا اقتصاديا عليها. وبالنسبة إلى دايان، كانت الطريقة المفضلة لإدارة المناطق المحتلة قائمة على منح الحكم الذاتي للفلسطينيين، وتوفير "التكامل" الاقتصادي لهم مع إسرائيل. ولم يقبل دايان الاقتراح القائل بضرورة أن تبقى الضفة الغربية وقطاع غزة كيانين اقتصاديين منفصلين، من أجل الحفاظ على وضعهما بوصفهما ورقة مساومة. طرح دايان فكرة "التسوية الوظيفية"، وهي محاولة لفصل الأرض المحتلة وسكانها. لكنها في الواقع محاولة لدمج الضفة الغربية وقطاع غزة في أراضي إسرائيل، من دون دمج السكان الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي. وقد عارض دايان اقتراح خصمه السياسي وشريكه في الحكومة يغآل ألون،

(42) Ibid., p. 414.

((4(بوميل، في ظل أزرق أبيض، ص.14 (((4 لجنة مكوّنة من أساتذة في الجامعات الإسرائيلية برئاسة البروفيسور روبرتو بكي. ((4(يحيئيل إدموني، عشرية من التفكير في الاستيطان ما  بعد الخط الأخضر، 1977–1967 (رمات إفعال: مركز يسرائيل جاليلي لبحث قوة الدفاع – يد تبنكين، الكيبوتس الموحّد، 1992)، ص 62. (بالعبرية)

(46) Ronald Ranta, The Wasted Decade: Israel’s Policies towards the Occupied Territories, 1967–1977 (London: London’s Global University, 2009), p. 71.

المعروف ب "التسوية الإقليمية"، والذي دعا فيه إلى إعادة رسم حدود الدولة، وتبني "الحل الأردني" الذي بموجبه يُعقد اتفاق سلام مع الأردن من أجل الحصول على أقصى درجات الأمن إضافة إلى الحد

الأقصى من الأراضي لإسرائيل، وذلك بأقل عدد من العرب. لم يكن دايان في عجلة من أمره لتقديم أي تنازلات إقليمية، وبدلً من ذلك اقترح منح الفلسطينيين شكلً من أشكال الحكم الذاتي. لقد أصبح عدم رغبة إسرائيل في دمج السكان الفلسطينيين (لكنها دمجتهم اقتصاديًا)، والتمييز الذي قامت به بين

السكان وأرضهم، هما المنطق الشامل الذي يعمل بموجبه الاحتلال، وهو منطق لم يتغير إلا قليلً على مر السنين، في حين تغير العديد من جوانب الحكم العسكري الإسرائيلي على نحو كبير. فُتِح المجال أمام المتنافسَين الرئيسَين في الحكومة الإسرائيلية (دايان وألون) لوضع رؤيتيهما موضع

التنفيذ، رغم وجود تناقض بينهما، إلا أن كلً منهما عمل على فرض الوقائع على الأرض حتى تصبح رؤيته قابلة للتبني من الحكومة، فعمد ألون إلى تنفيذ خطته الاستيطانية القائمة على بناء خط من المستوطنات في الأغوار الفلسطينية. في المقابل، رسخ دايان حالة "التطبيع" والدمج الاقتصادي. وقد نتج هذا الوضع بسبب عدم اتخاذ الحكومة الإسرائيلية أي قرار بخصوص مستقبل الضفة الغربية، وعدم تبني خطة ألون أو دايان رسميًا. ألغى دايان فعليًا الحدود بين المناطق المستعمرة عام 1948 والمناطق المستعمرة عام 1967. وبالرجوع

إلى جلسات لجنة المديرين العامين، سنجد كيف جرى ربط البنية التحتية المادية بين المنطقتين من خلال ربط شبكة الكهرباء والماء والاتصالات وحتى المواصلات. ولم تكن معظم الرسوم الجمركية والتعريفات والحواجز التي تميز تبادل السلع عبر الحدود الدولية موجودة، فتم دمج الضفة الغربية وقطاع غزة في اتحاد جمركي في إسرائيل. وعلاوة على ذلك، تم دمجهما في الاقتصاد الكلي الإسرائيلي من خلال فرض اتحاد نقدي (الليرة لاحقًا الشيكل)، فكانت البضائع الإسرائيلية تتدفق إلى الأراضي المحتلة، وفي الاتجاه المعاكس كان يجري استغلال اليد العاملة الفلسطينية داخل إسرائيل، ما أدى إلى تحويل فلسطين الانتدابية إلى وحدة اقتصادية واحدة. يصف بابيه العلاقة الاقتصادية مع مناطق 1967 ب "الاستعمار الاقتصادي الممنهج"، في حين يشير غوردون إلى حدوث تحول في الأهداف "الوطنية" الإسرائيلية في ما يتعلق بالعمالة الفلسطينية بعد عام 1967، نحو دمجها في الاقتصاد الإسرائيلي، بعدما كان الهدف في السابق استخدام العمالة "الوطنية"

(47) Gordon, p. 6.

((4(ينظر: ليفي أشكول، رئيس الوزراء الثالث: شهادات مختارة من حياته (1895–1969)، أرشيف دولة إسرائيل (القدس: دار كيتر للنشر، (2001، ص 574. (بالعبرية)؛ Ranta, p. 32. (((4 لجنة مكوّنة من المديرين العامين في الوزارات الإسرائيلية تمّ تشكيلها في 15 حزيران/ يونيو 1967، وكانت مهمتها وضع

سياسات الحكم الإسرائيلي في مناطق.1967 ((5("الأراضي المستحوذ عليها"، وثيقة رقم 4/61315–، أرشيف دولة إسرائيل، معهد عكيفوت. (بالعبرية) גל

(51) Pappe, p. 147.

(((5 وهذا ما  تذهب إليه ليلى فرسخ، ينظر: ليلى فرسخ، العمالة الفلسطينية في إسرائيل ومشروع الدولة الفلسطينية، 2007–1967، ترجمة سام برنر (رام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية؛ بيروت: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية – مواطن،.)2010

الإسرائيلية. ويجادل غوردون بأن ما يظهر بقوة عند فحص الأشكال المختلفة للسيطرة العاملة في المجال الاقتصادي هو أنها منذ البداية لم تُستخدم من أجل إخضاع الاقتصاد المحتل للمصالح الاقتصادية لإسرائيل فحسب، بل استخدمت أيضًا بوصفها أدوات مركزية لإدارة السكان الفلسطينيين. ومع ذلك، ففي مرحلة معينة بدأت وسائل السيطرة "المستنيرة" (التي لا تعتمد على العنف) من قبل السلطة السيادية في تفكيك الأجهزة والممارسات المسيطرة التي تعمل في خدمة الأنماط التأديبية والبيولوجية للسلطة، ما  يجعل "الطابع الاستغلالي" للاحتلال مرئيًا. في المقابل، تجادل سارة روي Roy Sara بأن إسرائيل أنشأت بنية تحتية تلائم اقتصادها، لكنها لم تسمح للسكان العرب بالتفاعل مع هذه البنى، وبأن دوافع السيطرة الإسرائيلية سارت تحت مظلة مقتضيات السيادة اليهودية والقوة العسكرية اللازمة لتحقيقها، وعبرت عن ذلك بقولها: "لم تتعامل الصيغة الإسرائيلية الاستثنائية للاستعمار الاستيطاني مع قطاع غزة والضفة الغربية المحتلين كمنطقتين مستعمرتين منفصلتين ليتم استغلالهما وفق النمط الاستعماري المعتاد (أي عن طريق إيجاد بنى مرتبطة بالربح، تنتج أرباحًا للدولة الحاكمة)، وإنما قامت بدمج

الموارد واليد العاملة الفلسطينية داخل إسرائيل كآلية للتعجيل في الضم الكامل للأرض ولموارد اقتصادية أخرى إلى الدولة اليهودية. وبهذا المعنى، فإن استغلال الفلسطينيين الاقتصادي حدث لأسباب كانت سياسية أساسًا، لا اقتصادية. علاوة على هذا، أثبتت

أهداف إسرائيل الأيديولوجية والسياسية أنها أكثر استغلالية من أهداف أنظمة حكم استيطانية أخرى، لأنها تسلب السكان الأصلانيين أهم مواردهم الاقتصادية، أي الأرض والمياه واليد العاملة، كما تسلبهم القدرة الداخلية والطاقة الكامنة في تطوير هذه الموارد". وتحاج روي بأن جوهر السياسة الاقتصادية التي اتبعتها إسرائيل في المناطق المحتلة قائم على الإفقار التنموي De–development، وهذه السياسة تتكون من: المصادرة ونزع ملكية الأراضي، والدمج الاقتصادي، وتوجيه الاقتصاد إلى الخارج (عبر سياسة التصدير)، إضافة إلى إضعاف البنية المؤسساتية الفلسطينية (التقييد والتقويض المباشر وغير المباشر للمؤسسات التي يمكنها أن تخطط مع الوقت

(53) Gordon, p. 76.

((5(مع نهاية القرن السابع عشر وخ لاا القرن الثامن عشر، حصل تحوّل في السلطة السياسية، من سلطة سيادية إلى سلطة

انضباطية، سلطة سيادية يملك فيها الملك أو الحاكم حقّ الموت أو الحياة للرعية وفقًا للقانون؛ قانون السيف (قانون الإماتة

والإحياء) الذي يملك بموجبه الحاكم حقّ القتل. وتمركز التحوّل وقتئذ في تقنيات السلطة وآليّاتها المنحصرة بالأساس في التحكّم

في جسد الفرد بواسطة نظام متكامل من الرقابة والتراتبية والتفتيش والتسجيل. لكن، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ظهر اهتمام السلطة بالحياة، وتوجّه نحو دولنة البيولوجي وفق قانون جديد يحوّل ويعدّل في القانون القديم (قانون الإماتة والإحياء) لكن

لا يمحوه، قائم على الحقّ في الإماتة والإحياء، وذلك باستخدام تكنولوجيا أخرى للسلطة تهتمّ بالإنسان الحيّ وليس بالإنسان

الجسد كما هي الحال في السلطة الانضباطية. ينظر:

Michel Foucalute, Society must be Defended (New York: Picador, 2003), p. 241. (55) Gordon, p. 76.

((5(سارة روي، قطاع غزة: السياسات الاقتصادية للإفقار التنموي، ترجمة محمد طربية (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018)، ص.5

استثمارًا منتجًا وتدعمه). وبناء عليه، فإن السياسة الاقتصادية استُخدمت بوصفها شكلً من أشكال الرقابة

الحكومية، وفي وقت لاحق، لتحديد جدوى اقتصادية. وتشير إلى حدوث تغيرات بنيوية بعد عام 1967، إلا أنها كانت عبارة عن تغيير منحرف منع تحول النمو الإيجابي إلى تنمية اقتصادية طويلة الأمد. والمؤشرات التي استخدمها الإسرائيليون لقياس النجاح الاقتصادي، كزيادة دخل الفرد وزيادة الإنفاق، من أجل قياس النجاح الاقتصادي، تكشف فشل التنمية الاقتصادية الحقيقية، فغياب التغيير البنيوي (الإيجابي) كان له تأثير تمثل بالتبعية الشديدة لإسرائيل، والتشظي في القطاعات، والتآكل الداخلي. يتمايز فيراشيني من وولف بادعائه وجود انقطاع في الاستعمار الاستيطاني بين عامي 1948 و 1967، معتبرًا المناطق المستعمرة عام 1948 شكلً من أشكال الاستعمار الاستيطاني، في حين أن الأراضي

المحتلة في عام 1967 تمثل "فشلً" للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني؛ فالاستعمار الاستيطاني فيها انتقل إلى نظام علاقات مختلف عن عام 1948، حيث تم الانتقال من القضاء على جميع السكان الأصلانيين إلى السيطرة على من بقوا. ويجادل فيراشيني بحصول تحول من شكل الاستعمار الاستيطاني إلى شكل الاستعمار الاستغلالي، مدعيًا نجاح الاستعمار في الفصل بين

المستعمِر والمستعمَر في أراضي 1967، ونجاح الاستعمار الاستيطاني في مناطق 1948 في "إضفاء

الطابع المحلاني" على المستعمِر بالتوقف عن النظر إليه بوصفه مستوطنًا. وبناء عليه، فإن احتلال الأراضي الفلسطينية بعد عام 1967 "ينطوي على الانتقال من نظام علاقات يمكن فهمه على أنه استعمار استيطاني إلى نظام علاقات يمتاز بشكل حاسم بأشكال استعمارية (أخرى"). ويستند فيراشيني، في تمييزه بين نمطي الاستعمار (الاستغلالي والاستيطاني)، إلى كيفية التعامل مع السكان الأصلانيين، هل هو في اتجاه الفصل أم التطبيع؛ فالمجتمع الاستعماري يكون ناجحًا في حال

فصله بين المستعمِر والمستعمَر واحتفاظه بالمستعمرات، لكن لا ينجح مشروع الاستعمار الاستيطاني

في النهاية إلا حينما يخفي نفسه، أي حينما يتوقف المستوطنون عن التعريف بأنفسهم بوصفهم "مستوطنين" ويصبحون "مواطنين"، ويصبح وضعهم "طبيعيا". في حين نجد في الأراضي المستعمرة عام 1967 تراجعًا ملموسًا في قدرة إسرائيل على إعادة إنتاج مشروع استيطاني ناجح للمستوطنين، حيث

فشلت إسرائيل في جعل المستوطنين والمستوطنات في الضفة وغزة امتدادًا لمجتمع المستوطنين في ظل عدم الاعتراف الدولي بشرعيتهم.

(((5 المرجع نفسه، ص.153–150 ((5(تجادل روي بتشكّل الإفقار التنموي الاقتصادي تحت الحكم الإسرائيلي من خلال نفي التحوّل البنيوي العقلاني، وقد تطوّر

هذا الإفقار عبر مجموعة من السياسات التي كانت انعكاسًا للضرورات الأيديولوجية الملحّة لدى الحركة الصهيونية، والتي يمكن

تصنيفها إلى الفئات التالية: المصادرة ونزع الملكية، والدمج وتوجيه الاقتصاد إلى الخارج، وإضعاف البنية المؤسساتية، ينظر: المرجع نفسه، ص.166 (((5 المرجع نفسه، ص.169

(60) Lorenzo Veracini, "The Other Shift: Settler Colonialism, Israel and The Occupation," Journal of Palestine Studies , vol. 42, no. 2 (2013). (61) Ibid., p. 27. (62) Ibid., p. 28.

في السياق ذاته، يجادل نديم روحانا بأن المشروع الصهيوني مشروع مستمر، لذلك من المبكر الحكم بهزيمته أو انتصاره (نجاحه الكامل)، فحتى اللحظة ما زال المشروع الصهيوني يفتقر إلى المشروعية (على الأقل في مناطق 1967)، وما زال السكان الأصلانيون يرفضون وجوده ويقاومونه، وحتى في مناطق 1948 يرفض الفلسطينيون الاعتراف بيهودية الدولة. في المقابل، يتبنى بابيه مقولة وولف بأن الاستعمار عبارة عن بنية قائمة على المحو بدأت في فلسطين في عام 1882، ووصلت إلى ذروتها في عام 1948، واستمرت بقوة في عام 1967، وما تزال حية حتى اليوم. وضمن هذا البنية، يتم استخدام أسلوب "السجن الكبير"، وهو أحد الأساليب العديدة التي استخدمتها دولة إسرائيل الاستعمارية الاستيطانية للحفاظ على المشروع حيا. ويعمل "السجن الكبير" بموجب مفهوم سجن "البانوبتيكون" Panopticon، الذي تم تصميمه للسماح للحراس برؤية سجنائهم، وليس العكس. كان المبنى دائريًا وفي وسط الدائرة برج مراقبة كبير ومستدير، في أي وقت كان يمكن الحراس أن ينظروا إلى زنزانة كل سجين، ومن ثم يرصدوا تحركاته، في حين أن الستائر الموضوعة بعناية تمنع السجناء من رؤية الحراس بحيث لا يعرفون إذا كانوا يخضعون للمراقبة أم لا، لذا فإن "نظرة" البانوبتيكون ستجبر السجناء على التصرف على نحو أخلاقي، كما لو أنهم تحت نظر الله. وبحسب بابيه، فإن إنشاء "السجن الكبير" في حزيران/ يونيو 1967 ليس من أجل الحفاظ على الاحتلال، بل هو بدلٌ من ذلك واستجابة عملية للمتطلبات الأيديولوجية للصهيونية الساعية للسيطرة قدر الإمكان على فلسطين التاريخية وخلق دولة مطلقة فيها حصرية لأغلبية يهودية. وقد أدت هذه الدوافع إلى التطهير العرقي لفلسطينيي عام 1948، فضلً عن أنها تغذي الأعمال الإسرائيلية اليوم، لذلك يعتبر هذا السجن الكبير النتيجة المنطقية والحتمية لتاريخ الصهيونية وأيديولوجيتها. يحلل غوردون التحولات والتغيرات التي حدثت في عام 1967 باستخدام مفاهيم فوكو للسلطة، متخذًا من التحول في استخدام العنف الاستعماري أداةً لقياس هذا التحول في بنية "الاحتلال"، والتغير الذي حدث في أشكال السيطرة على مر عشرات السنين في مناطق 1967. ويقسم غوردون "الاحتلال" إلى خمس فترات: الحكومة العسكرية (1980–1967)، والإدارة المدنية (1987–1981)، والانتفاضة الأولى (1993–1988)، وسنوات أوسلو (2000–1994)، والانتفاضة الثانية (2001 وما بعدها). تميزت فترة الاحتلال الأولى وجزء من الثانية بمحاولة إسرائيل تثبيت حكمها في المناطق من خلال التأكيد على

((6(نديم روحانا، "انتصار الصهيونية أو هزيمتها"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد  110 (ربيع 2017)، ص.24–12 (((6 بالرجوع إلى أحمد سعدي، هنالك فارق بين مفهوم السجن الكبير المستند إلى أطروحة بنثام وواقع الحكم العسكري الإسرائيلي، فالهدف من السجن عند بنثام التطبيع والرقابة، بينما في حالة الحكم العسكري الإسرائيلي شمل أيضًا مفهومًا عامًا لأمن

الدولة. الفارق الثاني يكمن في طريقة ممارسة السلطة، ففي السجن – كما يشير فوكو – الإجراءات روتينية أو تستند إلى مجموعة من القواعد والطقوس، بينما في الحكم العسكري تتمثل حالة الاستثناء القائمة على سلطة تعسفية غير مقيدة، ينظر: سعدي، ص.109–107

(65) Pappe, p. 3. (66) Ibid., p. 4. (67) Gordon, p. 18.

أنماط السلطة التأديبية والبيولوجية، مع الأخذ في الاعتبار أنها استخدمت إجراءات قسرية ضد السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا سيما خلال السنوات الأربع الأولى من الاحتلال. لكن بحلول نهاية عام 1971، بعد أن نجحت إسرائيل في ضرب المقاومة المسلحة في غزة، تم تقليل استخدام القوة الغاشمة على نحو كبير. لذا، على الرغم من أن السلطة السيادية كانت موجودة دائمًا، جرى خلال العقد الأول تحول واضح من السلطة السيادية والتدابير القسرية إلى السلطة التأديبية والسلطة الحيوية، لكي يصبح السكان الواقعون تحت الاحتلال قابلين للانقياد ليس بسبب نشر القوات العسكرية بقدر ما هو بسبب رفع مستوى معيشتهم وتغيير نمط حياتهم.

4. ما بعد اتفاق أوسلو: التبعية الاقتصادية مع الانفصال عن السكان

أبرمت منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل ما يعرف باتفاق باريس الاقتصادي، وكان ملحقًا اقتصاديًا لاتفاق أوسلو. على أرض الواقع، وبحسب ما يشير غوردون، ساهم اتفاق باريس في تكرار العديد من الديناميكيات الاستعمارية التي كانت موجودة منذ عام 1967 فقد ضمن الاتفاق محافظة إسرائيل، على سيطرتها في المجال الاقتصادي. وبحسب غوردون أيضًا، أعاد "الاحتلال" هيكلة نفسه مع انطلاق الانتفاضة الأولى، فقلل من التركيز على الأنماط التأديبية والحيوية للسلطة مع التأكيد على السلطة السيادية. أما ما  بعد أوسلو، فقد جرت إعادة تنظيم السلطة في ثلاثة مجالات متميزة (المؤسسات المدنية، والاقتصاد، وإنفاذ القانون)، حيث أعيدت هيكلة الفضاء الفلسطيني، ونقلت جميع المسؤوليات – ولكن ليس كل السلطات – المتعلقة بإدارة السكان إلى الفلسطينيين أنفسهم، مع محافظة الاحتلال على سيطرته المتعلقة بالفضاء الفلسطيني. تحول "الاحتلال" نحو تبني مبدأ الفصل الكلّي على حساب مبدأ الاستعمار، الذي يعني محاولة إدارة حياة الناس وتطبيع الاستعمار، مع استغلال الموارد (الأرض والمياه والعمل). لكن مع مرور الوقت، قوضت سلسلة من التناقضات الهيكلية هذا المبدأ، وأفسحت المجال في منتصف التسعينيات، مع إبرام اتفاق أوسلو، لمبدأ إرشادي آخر هو مبدأ الفصل، والمقصود به التخلي عن الجهود المبذولة لإدارة حياة السكان المستعمَرين، باستثناء الأشخاص الذين يعيشون في مناطق التماس أو الذين يمرون عبر نقاط التفتيش، مع الإصرار على استمرار استغلال الموارد غير البشرية (الأرض والمياه). إن عدم الاهتمام، أو اللامبالاة بحياة السكان المستعمَرين، الذي يميز مبدأ الفصل يفسر العنف المميت، وتبني سياسة الإماتة (النكروبوليتيك)، الذي تمظهر في انتفاضة الأقصى والحروب التي شُنت على قطاع غزة.

(68) Ibid., p. 50. (69) Ibid., p. 174. (70) Ibid., p. 158. (71) Ibid., p. 173. (72) Ibid., p. 200.

يمكننا القول، بالاستناد إلى ما سبق، إن هنالك تغيرًا وتحولً في الاقتصاد السياسي للاستعمار

الاستيطاني الصهيوني، فبعدما كان التوجه إلى الاندماج (في الموجة الاستيطانية الأولى)، برز في فترة الانتداب البريطاني السعي لإقامة اقتصاد منفصل عن الاقتصاد الفلسطيني. لكن، بعد إقامة الدولة، تحول نحو نهب الاقتصاد الفلسطيني في مناطق 1948 وتذويبه في الاقتصاد الإسرائيلي واستغلال الموارد واليد العاملة، لينتقل في عام 1967، في تعامله مع اقتصاد الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى خلق حالة من الاعتمادية والتبعية المتبادلة؛ فبقدر ما اعتمد الاقتصاد الفلسطيني على العمالة في إسرائيل، اعتمد الاقتصاد الإسرائيلي على اليد العاملة الفلسطينية، وقد تجسد ذلك في الاستغلال الاقتصادي للموارد واليد العاملة. أما بعد اتفاق أوسلو، فقد تم جمع التبعية الاقتصادية لفلسطينيي مناطق 1967 مع الفصل عن السكان، وهذا يدفعنا إلى الاستنتاج أن تنظير وولف للاقتصاد السياسي للاستعمار الاستيطاني على أساس أن اقتصاد المستعمَرين اقتصاد منفصل ينطبق بالأساس على مرحلة ما قبل إقامة دولة إسرائيل. لكنه لا يصلح أداةً تحليلية لما بعد ذلك. وما زلنا في حاجة إلى فحص قول وولف بأن منطق الاستعمار الاستيطاني هو المحو/ الإزالة، وهذا ما سنتناوله في القسم اللاحق.

ثانيًا: العنف الاستعماري: محو وتطهير عرقي أم تحكم وضبط وسيطرة؟

نظر زئيف جابوتنسكي Jabotinsky ev ' Ze (1940–1880) إلى استخدام العنف في السياق الاستعماري الصهيوني من خلال طرح عقيدة "الجدار الحديدي"، التي يعتبرها الكثيرون الأساس الذي بنيت عليه العقيدة العسكرية للحركة الصهيونية منذ العشرينيات حتى يومنا. والمقصود ب "الجدار الحديدي" هو "السعي إلى فرض سلسلة من الظروف السياسية التي تحرم العرب من التدخل في المشروع الصهيوني، وذلك عن طريق استعراض القوة في حالات الضرورة، أو استخدام القوة المادية الفعلية [...] إذ يتعين على السياسة الصهيونية ألا تترك مجالً للشك في العقل العربي بأن اليهود، واليهود فقط، سيكونون أصحاب السيادة في أرض إسرائيل، وأن العرب سيقيمون هم أنفسهم، كما هو مخطط له، فيها بصفتهم أقلية قومية". يشير وولف إلى أن المستعمِرين في الاستعمار الاستيطاني يأتون بنية البقاء، ويجادل بأنه مرتبط بالمحو والإلغاء، ولكنه ليس بالضرورة مرتبطًا بالإبادة الجماعية، مع إصراره على أن الإبادة الجماعية

((7(نبيه بشير، "قراءة جديدة لعقيدة الجدار الحديدي: مرفق نص: النظرية الأخلاقية للجدار الحقيقي"، مجلة قضايا إسرائيلية، العدد 69 (2018)، ص.40 (((7 المرجع نفسه، ص.42

(75) Wolfe, Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology , p. 2.

(((7 المقصود هنا المحو الديموغرافي بمعنى الترحيل القسري للأصلانيين خارج حدود الكيان الاستعماري، فقد توسع بعض الباحثين في استخدام هذا المصطلح لينحتوا منه مفاهيم ومصطلحات من بينها: المحو الاجتماعي Sociocide والتطهير المكاني Spaciocide وكذلك منطق المحو السياسي الذي نجده في الكتابات التي تتناول محو الصوت السياسي للفلسطينيين، علاوة على الكتابات التي تتناول المحو الثقافي Culturecide.

في الاستعمار الاستيطاني لا تمارس لمرة واحدة، بل هي حالة تدمير مستمرة. ويحاج بأنه يتمحور حول الأرض. وفي المقابل، يميل فيراشيني، في توصيفه الحالة الاستعمارية في فلسطين، إلى استخدام مصطلح الترحيل Transfer بدل الإزالة والمحو. أما بابيه فيعتبر أن العدسة المناسبة لدراسة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني هي التطهير العرقي، معتبرًا أن "الهدف الرئيس للحركة (الصهيونية) هو تطهير فلسطين بأسرها تطهيرًا عرقيًا شاملً"، وهو

ما يصنف في المعاهدات الدولية جريمةً ضد الانسانية، حيث قامت الهيئة الاستشارية، التي شكلها دافيد بن غوريون للإشراف على عملية إعلان دولة إسرائيل، بوضع الخطة "د" (دالت) التي تتضمن طرد الفلسطينيين على نحو منهجي. بدأ التطهير في كانون الأول/ ديسمبر 1947 بسلسلة من الهجمات اليهودية على القرى العربية، ما سبب بترحيل 75 ألف فلسطيني. وفي آذار/ مارس 1948، تم تنفيذ الخطة (دالت)، فارتكبت مجزرة دير ياسين التي اقتلع في إثرها 250 ألف فلسطيني من أرضهم. يشير بابيه إلى حدوث 31 مجزرة في المناطق المستعمرة عام 1948، في الفترة 11 كانون الأول/ ديسمبر –1947 19 كانون الثاني/ يناير 1949، من مجزرة طيرة حيفا إلى خربة علين (الخليل)، (نتج من هذه المجازر تهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني)، علاوة على ذلك، مجازر كفر قاسم وقبية في الخمسينيات، والسموع في الستينيات. أما في المناطق المستعمرة عام 1967، فقد تم استبعاد التطهير العرقي على نطاق واسع بسبب الظروف الخاصة التي نشأت بعد الحرب (من بينها وجود معارضة دولية لمثل هذه الممارسات)، وعلى الرغم من اتخاذ القرار بعدم تكرار عمليات الطرد الجماعي التي ارتُكبت في عام 1948، فإن إسرائيل نفذت عمليات تطهير عرقي في المناطق التي احتلتها عام 1967. المجموعة الأولى المستهدفة كانت من سكان الحي اليهودي القديم في البلدة القديمة في القدس في 18 حزيران/ يونيو 1967، إذ طُرد من لم يغادروا الحي طواعية. ومن اليوم الأول للاحتلال، تم طرد 6000 فلسطيني من القدس إلى الأردن، كانوا يعيشون في ثلاثة من الأحياء الأربعة القديمة (حي المغاربة الذي جرى هدمه كليًّا، والسريان، والشرف). يظهر أرشيف الأمم المتحدة خمس حالات من التهجير وهدم البيوت في مناطق الضفة الغربية: الهدم الهائل للمنازل في قلقيلية، وترحيل أعداد كبيرة من الناس من طولكرم، والترحيل الجماعي

(77) Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." (78) Lorenzo Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010).

((7(إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007)، ص.7 (((8 المرجع نفسه، ص.12 (((8 المرجع نفسه، ص.37 (((8 المرجع نفسه، ص.50 (((8 المرجع نفسه، ص.288

(84) Pappe, p. 112. (85) Ibid., p. 82.

لنحو 50 ألف شخص من منطقة أريحا، وتدمير ثلاث قرى في منطقة اللطرون التابعة للقدس (بيت نوبا، ويالو، وعمواس)، وأخيرًا هدم قريتين في منطقة الخليل. وإضافة إلى ذلك، جرى طرد

أهالي قرى أخرى، مثل بيت عوا التي يبلغ عدد سكانها 2500 نسمة، وبيت مرسم التي يبلغ عدد سكانها 500 نسمة. ومن طولكرم طُرِد 7000 فلسطيني. وهُدِم على نحو متعمد 850 منزلً من بين 2000 منزل في قلقيلية، علاوة على تهجير أكثر من 10000 شخص يعيشون في قرى اللطرون الثلاث، وتدمير منازلهم. ووفقًا لمصادر الأمم المتحدة، طردت إسرائيل ما  يقرب من 180 ألف فلسطيني في الأيام الأولى للاحتلال. يشير شافير، في تناوله للعنف الذي مارسته إسرائيل في مناطق 1967، إلى التقنيات البارزة في مصفوفة الهيمنة الإسرائيلية (نظام التصاريح، والاعتقال الإداري، والترحيل، وهدم المنازل، والتعذيب في السجون). في حين تطبق الحكومة الإسرائيلية وتدعم أربع آليات رئيسة لمصادرة الأراضي: 1. إعلان الأراضي ممتلكات مهجورة، 2. مصادرة الأراضي للاحتياجات العامة، 3. مصادرة الأراضي لتلبية الاحتياجات العسكرية الأساسية والعاجلة، 4. إعلان المناطق المرغوب في مصادرتها "أراضي دولة". وعلى عكس موجات الاستعمار حول العالم، فإن الاستيلاء على الأرض في الحالة الفلسطينية يتخذ نهجًا متقطعًا، باتباع مسارات متوازية للوصول إلى الهدف نفسه. يحاول غوردون، في تناوله العنف الاستعماري الإسرائيلي في مناطق 1967، تفسيرالعدد  القليل نسبيًا من الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد "الاحتلال" مقارنة بالاحتلالات العسكرية الأخرى، وخاصة

خلال السنوات ال 34 الأولى من الاحتلال (وقد حدث تحول في ما بعد سيجري بحثه لاحقًا)، بانيًا

تفسيره على الافتراض بأن هناك علاقة عكسية بين العنف المطلق الذي يُستخدَم في المقام الأول لقمع المقاومة وخلق حالة من عدم اليقين وانعدام الأمن المستشري، وأشكال السيطرة التي تهدف إلى تطبيع الاحتلال العسكري من خلال تسخير طاقات السكان وتوجيهها تجاه النشاطات التي تتوافق مع مصالح المحتل، ومن ثم فإن زيادة عدد القتلى الفلسطينيين علامة على فشل محاولات إسرائيل لتطبيع الاحتلال. وبحسب غوردون، فإن مشكلة إسرائيل في تعاملها مع مناطق 1967 تكمن في العدد الكبير من السكان الذين بقوا فيها، بعكس مناطق 1948 التي تم تهجير معظم سكانها في عملية التطهير العرقي التي نفذتها، في حين أنها قامت بتطهير منطقتين فقط في الضفة الغربية: وادي الأردن (باستثناء أريحا)، واللطرون (القدس)، حيث تم تطهير وادي الأردن جزئيًا لأن إسرائيل أرادت تأمين الحدود مع

(86) Ibid., p. 116. (87) Ibid., p. 119. (88) Ibid., p. 127. (89) Gershon Shafir, A Half Century of Occupation (Berkeley: University of California Press, 2017), p. 35. (90) Ibid., p. 71.

(((9 يؤخذ على غوردون في تحليله اقتصاره على تناول أشكال السلطة وتحولّاتها في مناطق 1967، من دون الرجوع إلى تجربة

الحكم العسكري في مناطق 1948، التي تمأسس فيها كثير من الممارسات والمفاهيم لإدراة السكان، وحدثت فيها تطورات وتحولات مهمة في كيفية التعامل مع السكان الأصلانيين.

الأردن، كما تم إخلاء جيب اللطرون من السكان. (يغفل غوردون عن التهجير الذي حصل في باقي مناطق الضفة، كقلقيلية وطولكرم وبيت عوا التي أشار إليها بابيه). ويفسر غوردون عدد القتلى القليل نسبيًا من الفلسطينيين بالاستناد إلى مفاهيم فوكو للقوة وأشكال السيطرة،

متناولًالإجراءات القسرية المستخدمة في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال السنوات الأولى من الاحتلال، (وما زال معظمها مستمرًّا)، كفرض حظر التجول وترحيل القادة وهدم المنازل والاعتقالات وتعذيب

المعتقلين، في حين تم إدخال عدد قليل جدًّا من الممارسات الجديدة في السنوات الأخيرة (كتكثيف الاغتيالات). ويدعي غوردون أن الأجهزة والممارسات التي تهدف إلى السيطرة والتي تم توظيفها في المناطق المحتلة تتبع الأنماط الأساسية الثلاثة للسلطة (السيادية والتأديبية والبيوسلطة) التي نظر لها فوكو؛ فخلال السنوات الأولى للاحتلال، أكدت إسرائيل على السلطة التأديبية والسلطة الحيوية، وقللت من الاعتماد على السلطة السيادية (التي تتضمن القتل). السلطة التأديبية (الانضباطية) مستمرة ومنتشرة وتعمل في أدق أجزاء التفاعلات اليومية من أجل إنتاج مجموعة من المعايير والممارسات الاجتماعية ونشرها. ويعمل الانضباط من الأسفل لأنه يحاول فرض التجانس على السكان في الفكر والسلوك، ومن ثم يسعى جاهدًا لجعل الناس طيعين؛ فالانضباط يهدف إلى توليد التطبيع من خلال تنظيم الحياة اليومية، في كثير من الأحيان، عن طريق زيادة إنتاجية السكان من حيث المنفعة الاقتصادية مع تقليل ذكائهم السياسي. بينما تتعامل السلطة الحيوية مع السكان (وليس الفرد) بوصفهم مشكلة سياسية، وهي لا تعارض نشر السلطة التأديبية. لكنها تدمجها وتعدلها، وتعمل على نطاق مختلف مع تطبيق سلسلة من الأدوات المتميزة، ففي حين أن الانضباط (السلطة التأديبية) يسعى لإدارة الموضوع الفردي، فإن السلطة الحيوية تدير الفرد فقط بقدر ما هو/ هي عضو في مجموعة سكانية، حيث تنشر السلطة الحيوية مجموعة من المؤسسات التي تنسق وتنظم الرعاية الطبية وخدمات الرعاية الاجتماعية والاقتصاد وما إلى ذلك، في حين توثق المجال السياسي والمعرفي وتقيده؛ ومن أجل إدارة السكان تستخدم السلطة الحيوية الأجهزة الإحصائية والأساليب العلمية وكذلك آليات المراقبة. ويجادل ممداني بأن التطهير العرقي، بوصفه سياسةً، ناتجٌ من الحداثة الأوروبية في سياق تأسيس

الدولة القومية، وذلك لأن الدولة القومية (المنبثقة من معاهدة وستفاليا) تسعى ل "تجانس" أراضيها من خلال القضاء على الأقليات التي تحول دون ذلك، عن طريق ممارسة التطهير العرقي الذي يشمل الإبادة الجماعية أو نقل السكان، بحيث يتم إبعاد الأقلية عن منطقتها لتتركز في جزء ضئيل منها بمعزلٍ عن الأغلبية، ومن ثم فإن العنف الاستعماري وممارسة التطهير العرقي ضد السكان الأصلانيين، متأثران بفكر الحداثة الغربية ومفهوم الدولة القومية.

(92) Gordon, p. 5. (93) Ibid., p. 11–12.

(((9 في المقابل، تجادل حنّة أرندت بأنّ التطهير العرقي في المستوطنات الاستعمارية (التابعة للاستعمار الأوروبي) هو الذي وفّر

الأرضية الخصبة لظهور النخب النازية والتطهير العرقي في أوروبا، ينظر:

Hanna Arendt, The Origins of Totalitarianism (San Deigo/ New York/ London: A Harvest Book, 1973), p. 206. (95) Mahmood Mamdani, Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities (Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 2020), p. 4.

يذهب ممداني إلى اعتبار التطهير العرقي، الذي مارسته الصهيونية عام 1948، إعادة إنتاج لما جرت ممارسته في أوروبا ضد اليهود والأقليات الأخرى، وذلك من أجل إقامة الدولة القومية الصهيونية في سياق الحداثة الغربية. وتدفعنا مجادلة ممداني إلى التساؤل: أكان منطق المحو (التطهير العرقي) الذي مارسته الحركة الصهيونية مهيمنًا في فترة إقامة الدولة، ثم حل في ما بعد منطق آخر، بعد أن استتبت الأمور وتم الاطمئنان إلى تشكيل دولة بأغلبية يهودية، أم أن منطق المحو هو المنطق المهيمن منذ نشأة الحركة الصهيونية حتى يومنا هذا؟ يمكننا القول إن أغلب الباحثين الذين يتناولون الاستعمار الاستيطاني الصهيوني يستبطنون منطق المحو والتطهير العرقي. لكن كثيرًا من الوقائع المناقضة لهذا المنطق تجعلنا نذهب في اتجاه إعادة التفكير

في ذلك، ففي ذروة عملية المحو والتطهير العرقي عام 1948، وبحسب أرشيف الجيش الإسرائيلي كانت الحاجة إلى أيدٍ عاملة في بعض المجالات (كالعمل في كروم العنب) سببًا في الإبقاء على

1030 فلسطينيًا من مدينة اللد (بعدما تم تهجير 20 ألفًا من سكانها). كذلك يبرز ما حصل مع سكان

قريتي الفريديس وجسر الزرقاء حينما أقنع المستوطنون في المستعمرات المجاورة، قادة "الجيش الإسرائيلي" بعدم طردهم، وذلك لأنهم يحتاجونهم إلى العمل في مزارعهم ومنازلهم، حيث تغلب هنا منطق الاستغلال الاقتصادي على منطق المحو. وإذا كان المنطق الجامع هو المحو، فكيف يمكن تفسير ترحيل المسلمين وإبقاء الدروز، وكذلك الأمر بالنسبة إلى جزء من المسيحيين كما حدث عام 1948 في قريتي كفر ياسيف وبلدة شفا عمرو. وتكرر ذلك بعدم ترحيل سكان الناصرة الذين يبلغ عددهم 16 ألف نسمة منهم نحو 10 الآف من المسيحيين.

(96) Ibid., p. 27.

((9(حاييم يعكوبي، "المدن المختلطة: نحو فضاء مديني مضاد"، مجلة جدل، العدد  18 (تشرين الأول/ أكتوبر 2013)، ص 1، شوهد في 2021/12/22، في: https://bit.ly/33qxhPF (((9 في تلك الفترة لم يكن الجيش الإسرائيلي قد تأسس، إنما كانت ميليشيات صهيونية مسلحة. (((9 بابيه، ص.144 (((10 يجادل عادل مناع بأنّ "تاريخ بقاء الفلسطينيين في الجليل يؤكّد وجود سياسة عليا للتطهير العرقي أحيانًا، ويدحضها في حالات أخرى، وهذه الحالات، التي لا تستوي مع السياسة العامة، لها أسبابها المرتبطة بالجغرافيا، وبمعاملة 'غير المسلمين' على نحو مختلف؛

فالدروز تمّ التعامل معهم على نحو مغاير تمامًا عن التعامل مع بقية السكّان العرب، كما  عومل المسيحيّون بصورة عامة بحساسية

ونعومة، خوفًا من ردة فعل الدول الغربية وكنائسها. هذه المعاملة غير المتجانسة للفلسطينيين في حيفا والجليل برزت خ لاا أشهر الحرب ولعدة سنوات بعد انتهائها. وتؤكد هذه الأمثلة وغيرها أن حالات 'عدم الطرد' لم تكن عفوية، بل نتيجة سياسة عليا من القيادة

الإسرائيلية قائمة على مصالحها السياسية ومرتبطة أيضًا بمواقف بعض قيادات تلك الطوائف  الدينية والسياسية"، ينظر: عادل مناع، نكبة

وبقاء: حكاية فلسطينين ظلوا في حيفا والجليل (1956–1948) (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2016)، ص.21 (((10 يفسر بابيه ذلك بأن قادة الدروز تعهّدوا بالولاء لإسرائيل، بعكس المسيحيين الذين رفضوا ذلك. "تجب الإشارة هنا إلى أنّ

موقف الدروز ترواح ما بين التعاون مع الصهيونية، والمقاومة المسلحة كما في حالة قريتي يانوح وجت". ينظر: سعدي، ص.149

ويشير بابيه إلى أن بن غوريون اهتم بالرأي العام العالمي، ولذلك لم يرحّل سكان الناصرة. لكن هذا التفسير (إن سلّمنا بصحته) يشير

إلى أن المنطق الجامع للاستعمار ليس المحو والتطهير العرقي، ولو كان كذلك لما  ألقت الحركة الصهيونية بالً لتعهّد الدروز

بالولاء، فالفكر الصهيوني قائم على إقامة دولة يهودية "نقية"، ولا  للرأي العامّ العالمي، فهي أصلً لم تهتمّ به حينما  قامت بالمجازر،

فهل كانت ستهتم به حينما تقوم بالترحيل! علاوة على ذلك، فقد جرى ترحيل أعداد كبيرة من المسيحيين في مناطق متعدّدة. (((10 بابيه، ص.188 (((10 المرجع نفسه، ص.199

وإضافةً إلى ما سبق، إذا كان المنطق الجامع للاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو المحو والتطهير العرقي، فلماذا تم إبقاء عشرات الآلاف من الفلسطينيين (أغلبهم مسلمون) في مناطق 1948، ولم يتم ترحيلهم أسوة بأغلبية الفلسطينيين؟ فإذا قيل إن إسرائيل ندمت على ذلك واعتبرت أنها قد وقعت في خطأ استراتيجي حينما لم تقم بترحيل كامل الفلسطينيين عام 1948، فلماذا لم تستدرك ذلك حينما سنحت لها الفرصة وواتتها الظروف لتهجير باقي الفلسطينيين كما حدث عام 1956، حينما قامت بمجزرة كفر قاسم، وأثناء الحرب على سيناء؟ الأهم من ذلك هو ما حدث عام 1967، فإذا كان المنطق هو المحو والترحيل والتطهير العرقي، فلماذا تم الإبقاء على أغلبية سكان الضفة الغربية وقطاع غزة؟ لماذا سُمِح لسكان قلقيلية بالعودة بعد أن تم

تهجيرهم؟ إذ "حسب سجلات البلدية فإن العائدين إلى المدينة بعد 23 يومًا من النزوح، بلغ 9446 من أصل 15 ألفًا". صحيح أنه تم ترحيل عشرات الآلاف من المناطق المحتلة عام 1967، لكن بقي مئات الآلاف. وبحسب شلومو غازيت، فإن سبب تراجع دايان عن تهجير أهل قلقيلية هو صمودهم، ف "بعد أن اتضح له أن هؤلاء الجماعة (من سكان قلقيلية) لم يختفوا، بل كل ما حدث أنهم هربوا مسافة 3 كيلومترات وناموا تحت الأشجار وخلقوا مشكلة إنسانية، إذ في اليوم التالي سيأتي مصورو التلفاز ويصورونهم، حينها قال: لم ننجح، إذًا هيا نعيدهم". وبحسب الرواية الفلسطينية، فقد ساهم في عودة مهجري قلقيلية ما فعله رئيس بلدية قلقيلية حسين صبري، ورئيس بلدية نابلس حمدي كنعان، فبعد هدم بيوت قلقيلية وحرقها والتهجير القسري للسكان أثناء حرب 1967، رفض أهل قلقيلية الهجرة إلى الأردن، وبقوا يسكنون في الكهوف وتحت الأشجار، فتوجه رئيس البلدية صبري بمساعدة كنعان لمخاطبة قناصل الدول الغربية وسفرائها، ومن بينهم السفير الأميركي في قنصلية القدس، وقد أسفرت هذه الجهود، مع صمود الأهالي، عن تراجع دايان عن قراره بتهجير الناس والسماح لهم بالعودة. قد يقول قائل إن إسرائيل اتبعت سياسة التهجير التدريجي من خلال التضييق على الفلسطينيين وتشجيعهم على الهجرة. لكن هذا الادعاء، رغم وجاهته وصحته، يتناقض مع أمرين، أولهما، أن إسرائيل (على نحو خاص في أول 15 عامًا من الاحتلال) عمدت إلى ترسيخ حالة من الرخاء الاقتصادي النسبي في أوساط الفلسطينيين (مقارنة بالوضع تحت الحكم الأردني في الضفة الغربية والحكم المصري في قطاع غزة)، وذلك لتحقيق الهدوء الأمني، ما قاد إلى تشجيع الفلسطينيين على البقاء في أرضهم، فلو كان المنطق المحو والترحيل لكان التوجه العام هو التضييق الاقتصادي عليهم

(((10 يامن نوباني، "قلقيلية.. حين غيرت نكسة 1967 وجه المدينة"، إذاعة صوت فلسطين، 2018/6/5، شوهد في 2021/12/22،

في: https://bit.ly/3yNZueo

((10("مقابلات مع أشخاص"، وثيقة رقم 5002/13–، أرشيف دولة إسرائيل، 1985/4/26، ص 21. (بالعبرية) א (((10 ازدهار رابي، "قلقيلية وحرب حزيران 1967: دراسة وثائقية"، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، 2001، ص.91

وقد أكّد هذه المعلومة عبد الرحيم الحنبلي أثناء مقابلته. (((10 هذا ما تجادل به رنا بركات، ينظر:

Rana Barakat, "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History," Settler Colonial Studies, vol. 8, no. 3 (2018), pp. 349–363.

لدفعهم إلى الهجرة وليس العكس. وثانيهما، كيف لاستعمار استيطاني قائم على المحو أن يسمح بعودة عشرات الآلاف من الفلسطينيين تحت مظلة اتفاق أوسلو (بصرف النظر عن الموقف السياسي من الاتفاق)؟ وفي السياق نفسه، إذا كان الهدف هو المحو والتخلص من السكان والاحتفاظ بالأرض، فكيف يمكن تفسير إخلاء سيناء عام 1982، وما حصل من الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، ومن بعدها من بعض مستوطنات شمال الضفة الغربية، وقطاع غزة عام 2005 حيث انسحبت إسرائيل من داخل القطاع لكنها أبقت على تحكمها وسيطرتها من الخارج؟ هنالك ملاحظة يجب أخذها في الاعتبار، هي ضرورة التمييز بين المحو وما يطلق عليه سعدي "إعادة الترتيب الجغرافي". يهدف المحو إلى اقتلاع الأصلانيين وتهجيرهم قسريًا خارج حدود الكيان

الاستعماري، ومحو ذكراهم من بيوت ومبانٍ بعد إحلال المستعمِرين محلهم. تشترك إعادة الترتيب الجغرافي مع المحو في وجود حالة من التهجير القسري للسكان وإحلال المستعمِرين محلهم. لكنها تمتاز منه في أن من يتم ترحيلهم يبقون داخل حدود الكيان الاستعماري. كذلك يشتركان في فظاعة الفعل وكونه جريمة في حق الأصلانيين، حيث تتشابه الآليات من حيث استخدام الترحيل القسري، لكنهما يتمايزان من حيث النتيجة، فالمحو يهدف إلى حل المشكلة الديموغرافية بتهجير الأصلانيين وذلك لضمان أغلبية يهودية، بينما إعادة الترتيب الجغرافي تهدف إلى السيطرة والتحكم في الحيز الجغرافي وإقامة المستعمرات في الأماكن التي تم ترحيل الأصلانيين منها. وبناء عليه، يجب التمييز بين التهجير القسري لمئات الآلاف، في الفترة 1949–1947 وعلى فترات متقطعة بعد ذلك وصولً إلى عام 1967، وإعادة الترتيب الجغرافي للأصلانيين كما حدث في إقرث وكفر برعم والغابسية وصفورية وفراضية وكفر عنان، وفي ما بعد في أحياء القدس وضواحيها (كالشيخ جرّاح) وبوابة

رفح والعراقيب والخان الأحمر وغيرها من التجمعات. أيضًا، يجب التمييز بين منطق المحو وسياسة الإماتة؛ فمنطق المحو قائم على الترحيل القسري أو التطهير العرقي، أما سياسة الإماتة فناتجة من مفهوم "كي الوعي" (المنبثق من عقيدة الجدار الحديدي)، الذي نظّر له رئيس الأركان الإسرائيلي موشيه يعلون في سياق ضرورة توجيه ضربات عسكرية ساحقة تجبر الفلسطينيين على الإقرار بعجزهم عن الانتصار على إسرائيل. في "كي الوعي" حصل التحول من سياسة الإحياء (البيوبوليتيك) إلى سياسة الإماتة (نكروبوليتيك) بهدف الترويض والردع، وبوصفه أداةً من أدوات الضبط والتحكم والسيطرة على السكان، في حين أن هدف سياسة المحو هو التخلص من السكان عبر التهجير والتطهير العرقي. في المحو يمارَس العنف والقتل بهدف التخويف وصولً إلى طرد الأصلانيين على نحو جماعي، أما في "كي الوعي" فيكون الهدفُ الردعَ للوصول إلى حالة من الضبط من دون أن يعني ذلك عدم تسبب سياسة "كي الوعي" في رحيل عدد من الأصلانيين.

(((10 سعدي، ص.74 (((10 المرجع نفسه. (((11 موشيه يعلون، "الحرب على الوعي كعنصر من عناصر الأمن القومي: تجربة شخصية"، معهد الأمن القومي (2019)، ص 146، شوهد في 2021/12/22، في: https://bit.ly/2OVU52q (بالعبرية)

كل ما سبق ذكره يجعلنا نعيد التفكير في المنطق الجامع للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، فلو كان المنطق الجامع هو المحو والترحيل والتطهير العرقي لما تم تجاوزه في أي محطة، وهذا يدفعنا إلى الادعاء بأن المنطق الجامع للاستعمار الاستيطاني في فلسطين هو السعي للتحكم والضبط والسيطرة، من دون التقليل من أهمية الفاعلية الفلسطينية Agency في إفشال مخططات الترحيل الصهيونية؛ فصمود جزء من الفلسطينيين عام 1948 في أراضيهم، إضافة إلى صمودهم عقب مجرزة كفر قاسم عام 1956، علاوة على صمود معظم سكان أراضي 1967 عقب الحرب، والثبات على الأرض رغم العنف الوحشي الذي استخدم في انتفاضة الأقصى عام 2000، والإصرار على البقاء وعدم الرحيل على نحو جماعي من قطاع غزة على الرغم من شن أربع حروب عليها (2021–2008)، فضلً عن الثبات أمام مخططات التهجير القسري وهدم البيوت كما هو متمظهر في قرية العراقيب والخان الأحمر؛ كل ذلك أضعف من استخدام سياسة الترحيل القسري والمحو، لكنه لم يسقطها كليّأ من جدول أعمال دولة

إسرائيل. لا يعني تسيّد سياسة أو منطق في مرحلة من المراحل انتفاء وجود سياسة أو منطق آخر وعدم وجود

تنافس بين هذه السياسات، أو حتى عدم المزاوجة بين السياستين (أو المنطقين) أو أكثر، ففي ذروة تبنّي منطق المحو عام 1948، ظهر منطق الاستغلال في عدم تهجير قريتي الفريديس وجسر الزرقاء وبعض سكان اللد، وفي عام 1967 امتزج منطق المحو مع منطق الاستغلال وإدارة السكان، وفي ذروة تبنّي منطق الفصل مع قطاع غزة كان هنالك تبنّي "كي الوعي"، ومؤخرًا التوجه إلى تبنّي منطق

الاستيعاب مع الأبارتهايد عبر "خطة الضم". يفسر تحليلنا موافقة سلطات الاستعمار الاستيطاني على عودة الآلاف من أفراد منظمة التحرير الفلسطينية تحت مظلة اتفاق أوسلو، بعكس المنطق المعروف عنه بسعيه الدائم للترحيل القسري؛ فالموافقة على عودة الآلاف كانت مشروطةً باتفاق أوسلو، الذي يحوي في طياته الهدف من الموافقة على عودتهم، وهو المساعدة في الحفاظ على "الأمن" و"الاستقرار"، أو بعبارة أخرى تمكين المشروع الصهيوني من إحكام سيطرته على المقاومة الشعبية في قطاع غزة والضفة الغربية، بعدما بدأ يفقد جزءًا

منها نتيجة انتفاضة عام 1987. وعلى المنوال نفسه، يمكننا تفسير تخلي الحكومة الإسرائيلية عن "الأرض" في سيناء عام 1982، ولبنان عام 2000، وقطاع غزة عام 2005، بعكس المنطق الذي يقوم عليه الاستعمار الاستيطاني وهو الاحتفاظ بالأرض، لأن المنطق الرئيس الذي يحرك الاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو السعي للتحكم والسيطرة، الذي اعتقدت إسرائيل بإمكانية تحقيقه من "الخارج" بواسطة استخدام وسائل المراقبة الحديثة (كاميرات مراقبة، وطيارات من دون طيار، وأقمار تجسس)، كما هو حاصل على نحو أساسي في قطاع غزة، أو عبر عقد اتفاقيات دولية تضمن نشر مراقبين دوليين كما هو حاصل في سيناء وجنوب لبنان.

(((11 مع الأخذ في الاعتبار أن الاستمرار في الاحتلال المباشر لقطاع غزة أصبحت خسائره أكبر من مكاسبه.

يمكننا القول بفشل الوسائل المذكورة في تحقيق الضبط والتحكم والسيطرة بالكامل (وإن كانت قد نجحت جزئيًا)، وذلك باستنادنا إلى فشل قوات الأمن الإسرائيلية في معرفة مكان الجندي المأسور

جلعاد شاليط الذي استمر وجوده في قطاع غزة عدة سنوات، أو في منع صواريخ المقاومة، وكذلك فشل قوات الوجود الدولي في منع المقاومة اللبنانية من التحرك، ما دفع بعض السياسيين الإسرائيليين إلى التصريح بخطأ فكرة الانسحاب من جنوب لبنان وقطاع غزة، لأن هذا الانسحاب وفر للمقاومة مناطق جغرافية تستطيع التحرك من خلالها. ويفسر ذلك الدعوات المتكررة من جانب بعض القيادات الصهيونية لإعادة احتلال قطاع غزة بهدف إعادة التحكم فيه على نحو ناجع، والقضاء على أي مقاومة للمشروع الصهيوني.

خاتمة واستنتاجات

يمكننا الادعاء بأن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو عملية وصيرورة ومسار متطور غير خطي يستند إلى التجربة والخطأ، ويتحول في أشكال السلطة التي يتقمصها وأدواتها التي يستخدمها، فقد تحول في علاقته الاقتصادية مع السكان الفلسطينيين من الاندماج إلى الفصل إلى الاستيعاب فالدمج والتبعية والاستغلال الاقتصادي، بما يحقق مصالحه ويخدم مشروعه. وكما أن مياه النهر متغيرة وغير ثابتة، فكذلك الأمر في ما يتعلق بالاستعمار الاستيطاني في فلسطين، لكون الظروف الموضوعية والذاتية المتعلقة به متغيرة وغير ثابتة، فالعوامل الموضوعية المحيطة بنشأة المشروع الصهيوني التي سمحت له بممارسة التطهير العرقي، والعوامل الذاتية المتعلقة بفاعلية الفلسطينيين ومقاومتهم وثباتهم، حالت كلها دون استمرار الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في ممارسة منطق المحو، ودفعته إلى تغيير أدواته وسياساته وحتى المنطق الذي يحتكم إليه. وبما أن البنية "الاقتصادية" والسياسية متغيرة وغير ثابتة، فهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأن المنطق الحاكم للسياسات يتغير نتيجة للتأثر بعاملَي الزمان (المرحلة التاريخية)، والمكان (الحيز الجغرافي)، علاوة على الظروف المحيطة (الفاعلون الداخليون والخارجيون). يجب التمييز بين المنطق الذي تحتكم إليه جميع السياسات وتنبثق منه، والسياسات المتنوعة التي تسود حينًا وتتنحى حينًا آخر، فالقول بأن منطق الاستعمار الاستيطاني هو المحو يتلبس بخطأ منهجي نابع من الاختزالية. إنه اختزال لتاريخ الاستعمار الاستيطاني في لحظات مؤسسة كعام 1948، واختزال لجميع السياسات في سياسة واحدة؛ فالاستعمار الاستيطاني الصهيوني استخدم عدة سياسات لتحقيق هدفه المتمثل في إقامة دولة يهودية عنصرية، تمحورت حول المحو والاستغلال والتمييز. لكنها في المجمل احتكمت إلى منطق أساسي هو السعي للتحكم في السكان الأصلانيين وضبطهم والسيطرة على الأرض.

((11(ومثالً على الفاعلية الخارجية يمكننا الاستشهاد باتفاقية كامب ديفيد مع مصر (بصرف النظر عن الموقف منها)، والتي قادت إلى إخلاء المستوطنات الإسرائيلية في سيناء.

وبحسب التسلسل التاريخي لحالة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، يمكننا الادعاء بأنه يضع التحكم في الإنسان (الجسد الاجتماعي) والسيطرة على الأرض على رأس سلّم أولوياته، فبقدر "تدجينه" أو "استلابه" أو "محوه" الجسدي للإنسان المستعمَر يكون الاستعمار الاستيطاني قد نجح، ويأتي استهداف الأرض لأنها مصدر حياة الإنسان، بوصفها وسيلة إنتاج أساسية، واستمراره في الوجود في الحيز المستعمَر من ناحية، والذي هو حيز انطلاق مقاومة الاستعمار الاستيطاني من ناحية أخرى، فإذا سُلبت الأرض حُرم المستعمَر المقاومُ من الحيز الذي ينطلق منه للمقاومة، وإذا تمّت السيطرة على الأرض بالسلب (الغزو) أو الاستيطان تم التحكم في الإنسان والسيطرة عليه. لكن هذه العملية تحمل في أحشائها بذور تشكّل المقاومة، فعملية السلب ستكون دافعًا لمن لم يجرِ "تدجينهم" أو "استلابهم" أو "محوهم" ثقافيًا كي يقاوموا، وهذه هي معضلة الاستعمار الاستيطاني، وسر العلاقة الجدلية بين

الاستعمار الاستيطاني والمقاومة بأشكالها المتعددة. مارس الاستعمار الاستيطاني "المحو" الديموغرافي على نحو مباشر في فلسطين (أساسًا عام 1948 وفي محطات تاريخية أخرى)، ومارسه على نحو هادئ ومتدرج في مناطق 1967، ما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن المحو أداة أساسية ومؤسسة وليس هدفًا في حد ذاته أو منطقًا جامعًا. يمارس الاستعمار الاستيطاني المحو الديموغرافي لخشيته أو لعدم قدرته على السيطرة على هذا الإنسان والتحكم فيه بسبب مقاومته للقوة الاستعمارية. لكن حينما يحقق الاستعمار الاستيطاني الضبط والسيطرة والتحكم في المستعمَر يتنحى السعي للمحو الديموغرافي، ويحل مكانه السعي لإدارة السكان (التحول من الإزالة إلى الإدارة)، والعكس صحيح، وذلك للمحافظة على الضبط والتحكم والسيطرة. لا شك في أن المحو الديموغرافي والتهجير القسري والتطهير العرقي هي سمات أساسية ومؤسسة للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وقد تجسدت بوضوح في عام 1948، ولولاها لما قامت دولة إسرائيل، لكن تتبع المسار التاريخي يكشف لنا أن المنطق الجامع له ليس المحو، بل هو الضبط والتحكم والسيطرة، التي قد تتحقق تارةً بالمحو، وتارة بالإدارة أو الاحتواء أو التمييز والفصل أو الدمج، وذلك لتحقيق الهدف النهائي، وهو خدمة المشروع الصهيوني الاستعماري القائم على فكرة الدولة اليهودية العنصرية.

References

المراجع

العربية

بابيه، إيلان. التطهير العرقي في فلسطين. ترجمة أحمد خليفة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،

بدر، أشرف وعاصم خليل. "الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني: براديغم أم مفهوم؟." عمران. مج 9، العدد 35 (شتاء.)2021

بشير، نبيه. "قراءة جديدة لعقيدة الجدار الحديدي: مرفق نص: النظرية الأخلاقية للجدار الحقيقي." مجلة قضايا إسرائيلية. العدد).2018(69 رابي، ازدهار. "قلقيلية وحرب حزيران 1967: دراسة وثائقية". رسالة ماجستير. جامعة النجاح الوطنية. نابلس،.2001 روحانا، نديم. "انتصار الصهيونية أو هزيمتها". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد  110 (ربيع.)2017 روي، سارة. قطاع غزة: السياسات الاقتصادية للإفقار التنموي. ترجمة محمد طربية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2018 زريق، إيليا. "الصهيونية والاستعمار". عمران. مج 2، العدد 8 (ربيع.)2014 سعدي، أحمد. الرقابة الشاملة: نشأة السياسات الإسرائيلية في إدارة السكان ومراقبتهم والسيطرة السياسية تجاه الفلسطينيين. ترجمة الحارث محمد النبهان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 غانم، هنيدة وعازر دكور (محرران). إسرائيل والأبارتهايد: دراسات مقارنة. رام  الله: مركز مدار،.2018 فرسخ، ليلى. العمالة الفلسطينية في إسرائيل ومشروع الدولة الفلسطينية، 2007–1967. ترجمة سام برنر. رام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية؛ بيروت: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية – مواطن،.2010 مناع، عادل. نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل (1948–1956). بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2016 يعكوبي، حاييم. "المدن المختلطة: نحو فضاء مديني مضاد". مجلة جدل. العدد  18 (تشرين الأول/ أكتوبر 2013:). في qxhPF /33 ly. bit:// https

العبرية

إدموني، يحيئيل. عشرية من التفكير في الاستيطان ما  بعد الخط الأخضر، 1977–1967. رمات إفعال: مركز يسرائيل جاليلي لبحث قوة الدفاع – يد تبنكين، الكيبوتس الموحّد،.1992 "الأراضي المستحوذ عليها". وثيقة رقم 61315/4–. أرشيف دولة إسرائيل. معهد عكيفوت. גל أشكول، ليفي. رئيس الوزراء الثالث: شهادات مختارة من حياته (1895–1969). أرشيف دولة إسرائيل. القدس: دار كيتر للنشر،.2001 بوميل، يائير. "أسس سياسات التمييز تجاه العرب في إسرائيل، 1968–1948 ". نظرة في قيام إسرائيل. مج 16.)2006(

________. في ظل أزرق أبيض: سياسات المؤسسة الإسرائيلية وفاعلياتها في قطاع المواطنين العرب، سنوات التشكل: 1968–1958. حيفا: برديس للنشر،.2007 ________. "ربط الاقتصاد العربي بالقطاع اليهودي في إسرائيل، 1988–1967 ". موقع ترابط.

2011/2/6:. في https://bit.ly/2Isre2M

يعلون، موشيه. "الحرب على الوعي كعنصر من عناصر الأمن القومي: تجربة شخصية". معهد الأمن

القومي (2019:). في https://bit.ly/2OVU52q

الأجنبية

Arendt, Hanna. The Origins of Totalitarianism. San Deigo/ New York/ London: A Harvest Book, 1973. Barakat, Rana. "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History." Settler Colonial Studies. vol. 8, no. 3 (2018). Bateman, Fiona & Lionel Pilkington (eds.). Studies in Settler Colonialism: Politics, Identity and Culture. New York: Palgrave Macmillan, 2011. Bäuml, Yair. "MAPAI Committee for Arab Affairs: The Steering Committee for Construction of Establishment Policy towards Israeli Arabs, 1958–68." Middle Eastern Studies. vol. 47, no. 2 (March 2011). Foucalute, Michel. Society must be Defended. New York: Picador, 2003. Gordon, Neve. Israel’s Occupation. Berkeley/ London: University of California Press,

Hillal, Jamil. "Imperialism and Settler Colonialism in West Asia: Israel and the Arab Palestinian Struggle." University of Dar es Salaam Journals. vol. 1, no. 1 (1976). Kimmerling, Baruch. The Invention and Decline of Israeliness: State, Society and the Military. Berkeley: University of California Press, 2001. LIoyd, David. "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/Israel." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). Mamdani, Mahmood. Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities. Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 2020. Pappe, Ilan. The Biggest Prison on Earth: A History of the Occupied Territories. London: Oneworld Publications, 2017. Ranta, Ronald. The Wasted Decade Israel’s Policies towards the Occupied Territories 1967–1977. London: London’s Global University, 2009. Segev, Tom. 1949: The First Israelies. New York: An Owel Book, 1998.

Shafir, Gershon. Land, Labor and the Origins of the Israeli–Palestinian Conflict, 1882–1914. Berkeley: University of California Press, 1996. ________. A Half Century of Occupation. Berkeley: University of California Press,

Svirsky, Marcelo & Ronnen Ben–Arie. From Shared Life to Co–Resistance in Historic Palestine. London/ New York: Rowman & Littlefield International Ltd, 2018. Veracini, Lorenzo. Settler Colonialism: A Theoretical Overview. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010. ________. "The Other Shift: Settler Colonialism, Israel and The Occupation." Journal of Palestine Studies. vol. 42, no. 2 (2013). ________. "Settler Colonialism: Career of a Concept." The Journal of Imperial and Commonwealth History. vol. 41, no. 2 (2013). ________. The Settler Colonial Present. New York: Palgrave Macmillan, 2015. Wolfe, Patrick. Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology. London/ New York: Cassell, 1999. ________. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006).