العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهوية المجزأة: فهم بناء الهوية السياسية الكردية

الهوية المجزأة: فهم بناء الهوية السياسية الكردية

The Fragmented Identity: Comprehension of Kurdish Political Identity Construction

سيڤان سعيد| Seevan Saeed *

الملخّص

*  أستاذ مشارك في دراسات الشرق الأوسط في جامعة شانشي، الصين.

Abstract

Abstract: This paper is an attempt to re–conceptualise the notion of Kurdishness through classifying the Kurdish struggle into two different political identities; "raditional" and "new". Each of the two has already built its own history, politics, social and cultural frames, economic and diplomatic relations. This paper thus discusses the process of identity construction by both blocks, that has divided political identity into two different discourses and dichotomous labels: the Good Kurds vs the Bad Kurds, Old Kurds vs New Kurds, Submissive Kurds vs Subversive Kurds, Collaborator Kurds vs Terrorist Kurds and finally the Kurds with Honour vis the Kurds without Honour; have all been parts of the "New Divided Political Identity" of the Kurds from their own perspectives and self–descriptions to each other in the current time in the Kurdish political arena.

الكلمات المفتاحية:
  • الكردية
  • الهوية السياسية
  • الدولة القومية
  • الأكراد الجدد
  • بناء الأمة
Keywords:
  • Kurds
  • Political Identity
  • Nation-State
  • New Kurds
  • Nation-Building

ملخص: تحاول الدراسة إعادة صياغة مفهوم "الكردية" عبر تتبّع وفحص تصنيف الأكراد

لذاتهم بأنهم مركبون من هويتين سياسيتين مختلفتين: واحدة "تقليدية" وأخرى "جديدة".

وتجادل بأن هاتين الهويتين يتمثل أصحاب كل واحدة منهما الأخرى. وربما كما أسست

كل واحدة منهما  ذاتها، فقد بنت تاريخها وسياستها وأُطرها الاجتماعية والثقافية وعلاقاتها

الدبلوماسية بطريقة خاصة بها. وتشرح الكيفية التي بُنيت بها هاتان الهويتان اللتان تشكلتا في

خطابين متمايزين قائمين على عدة ثنائيات: الأكراد الجيدون مقابل الأكراد السيئين، الأكراد

القدماء مقابل الأكراد الجدد، الأكراد الخانعون مقابل الأكراد المقاومين، الأكراد المتعاونون

مقابل الأكراد الإرهابيين، الأكراد الشرفاء مقابل الأكراد الخونة. لكن تبيّن الدراسة أن كل هذه

الثنائيات ليست إلا عناصر متراكبة من هوية سياسية كردية راهنة تؤدي الصراعات والانقسامات

والمنافسات دورًا مهمًا في ديناميكيتها الداخلية.

Abstract: This paper is an attempt to re–conceptualise the notion of Kurdishness through classifying the Kurdish struggle into two different political identities; "raditional" and "new". Each of the two has already built its own history, politics, social and cultural frames, economic and diplomatic relations. This paper thus discusses the process of identity construction by both blocks, that has divided political identity into two different discourses and dichotomous labels: the Good Kurds vs the Bad Kurds, Old Kurds vs New Kurds, Submissive Kurds vs Subversive Kurds, Collaborator Kurds vs Terrorist Kurds and finally the Kurds with Honour vis the Kurds without Honour; have all been parts of the "New Divided Political Identity" of the Kurds from their own perspectives and self–descriptions to each other in the current time in the Kurdish political arena.

Associate Professor in the Middle East Studies at Shaanxi Normal University, China. Email: seevano80@googlemail.com

مقدمة

إذا نظرنا إلى حياة الناس في المنطقة الكردية وإلى تاريخهم وجغرافيتهم، وخاصة جوانبهم الثقافية، فإنه يمكننا القول إن للأكراد نوعًا من الهوية الموحدة ولديهم وحدتهم وعناصرهم المشتركة التي قد تجعل في الإمكان النظر إليهم بوصفهم أمةً متجانسة. ولكن الهوية السياسية الكردية وتعبيراتها الاجتماعية كانت في الأغلب مجزّأة وسببًا في الخلافات المستمرة. لذلك،

يمكن القول إن عملية بناء الهوية السياسية الكردية الموحدة تواجه العديد من الحواجز المعقدة، بل إن مصدر تلك التعقيدات آتٍ من المفهوم الحديث للهوية السياسية الذي يشترط وجود مجموعة من العناصر، مثل التاريخ الثقافي السياسي المشترك، على أرض واحدة، والدولة الممثلة والمجسدة لذلك التاريخ الداخلي وعلاقته بالخارج، والحدود المعترف بها، والسيادة عليها، ويقوم بتحليل الكيفية التي يجري بها تسخير تلك العناصر للتفرد الهوياتي. ومن هذا المنظور، قد يمتلك الأكراد مجمل العناصر المطلوبة لتصنيفهم أمة، ولكن فقدهم الدولة الموحدة والشروط الشكلية القانونية للحدود السيادية، التي يعتبرها المفهوم السياسي الحديث للأمة – الدولة حاسمةً كي يُعترَف بأنهم أمة، يُفقدهم

هذه الصفة. وبعبارة أخرى، قد يشكّل الأكراد أمة، لكنهم فاقدون للدولة التي تجسدهم بصفتهم تلك في الساحة السياسية الدولية الراهنة، وهذا يمثّل إشكالً ليس عمليًا فحسب، بل مفهوميًا أيضًا. انطلاقًا من وجهة النظر هذه، وتبعًا للفهم الحديث للهوية السياسية، ليس في الإمكان التعامل مع فكرة "الكردية" والهوية السياسية الكردية على النحو الذي يطلبه هذا المفهوم. لذا، تحاول هذه الدراسة تقصّي بناء الهوية السياسية الكردية من خلال النظر إلى معنى "الكردية" من زوايا مختلفة. وعلى هذا النحو، تقدّم الدراسة تحليلً نقديًا للتاريخ الحديث والوضع الحالي للأكراد في الشرق الأوسط من وجهة نظرهم إلى أنفسهم. ووفقًا لذلك، تعتبر الحالة الكردية حالةً إشكالية بالنسبة إلى القوى الخارجية، وتهديدًا للوحدة والاستقرار وانسجام الوضع الاجتماعي والسياسي في الدول التي يوجد فيها الأكراد. لهذا السبب، وعلى الرغم من ممارسة الدول ذات السيادة على المناطق التي يعيش فيها الأكراد عددًا من الأساليب لمواجهة الحالة الكردية، فإن من الممكن القول إن عناصر الهوية السياسية الكردية قد عوملت حزمةً واحدةً من تركيا وإيران والعراق وسورية طيلة المئة عام الماضية، رغم الانقسامات الداخلية الكردية حول المسألة.

(1) Cecil J. Edmonds, "Kurdish Nationalism," Journal of Contemporary History , vol. 6, no. 1 (1971), pp. 87–107; John Hutchinson, Modern Nationalism (London: Fontana Press, 1994). (2) Ofra Bengio (ed.), Kurdish Awakening: Nation Building in a Fragmented Homeland (Austin: Texas University Press, 2014). (3) Anthony D. Smith, Nationalism (Cambridge: Polity Press, 2001); Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origins and Spread of Nationalism (New York: Verso, 2006). (4) Ernest Gellner, Thought and Change (London: Weidenfeld and Nicolson, 1969); Smith. (5) Marc Edelman, "Social Movements: Changing Paradigms and Forms of Politics," Annual Review of Anthropology , vol. 30, no. 1 (2001), pp. 285–317.

على الصعيد الداخلي، أي داخل الساحة السياسية الكردية ذاتها، كانت الهوية الكردية غالبًا ما تغدو

موضوع انقسام، لأنها لم تكن تعتبر من الناحية العملية هوية واحدة عند الجهات السياسية الكردية الفاعلة، وقد جرى التعامل معها داخليًا من خلال مقاربات مختلفة تستند على نحو رئيس إلى الفرص

السياسية وبالاعتماد على السلطات والموارد في الدول التي يقطنها الأكراد. في العقود الثلاثة الأخيرة، وخاصة بعد ظهور "حزب العمال الكردستاني" Partiya Karkerên Kurdistan, PKK، وتعزيز عمله المسلح، بدأت عملية بناء الهوية السياسية تتشكّل ببطء، ولكن في إطار هويتين سياسيتين رئيستين. تناقش هذه الدراسة الهوية السياسية الكردية على أنها مكونة من هويتين سياسيتين مختلفتين بدلً من هوية موحدة في الوقت الحالي.

أولا: القومية الكردية الثقافية والهوية السياسية

يُعتقد أن تعداد الأكراد اليوم هو نحو 40 مليون نسمة. وبسبب القمع والحرمان من الجنسية، لم تكن هناك أي تدابير إحصائية لتحديد العدد الدقيق للأكراد على مستوى العالم. أما جغرافيًا، فيقطن

الأكراد في المنطقة التي يدعونها كردستان، والأكراد وكردستان وفقًا للموسوعة الفرنسية الكبرى كما يلي: "الأكراد هم أمة آسيوية تتموضع في غرب إيران والمرتفعات المحيطة بنهري دجلة والفرات، وتمتد كردستان من منطقة لُرِستان في إيران حتى خاربوط، وهي نقطة تلاقي فرعي الفرات. يبلغ طول هذا الخط نحو 900 كم من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي، وعرضه من 100 كم إلى 200 كم على خطوط الطول المتوازية من 34 إلى 39، وخطوط العرض من 37 إلى 46 في الشرق. الوديان الرئيسة في كردستان هي وادي نهر بدليس، ووديان أدهم وشيروان، ومرتفعات زغرة. بحيرة وان وقلعتها هي عاصمة هذه الأمة الآسيوية الشجاعة". إن مدن ديار بكر في تركيا، وأربيل في العراق، والقامشلي في سورية وسنندج في إيران هي المدن الأربع الكبرى التي يعتبرها الأكراد عواصم إقليمية لكل جزء من أرضهم داخل الدول الأربع. واليوم، لا مكان لكردستان على الخريطة السياسية الرسمية التي تعترف بها دول العالم، أي لا توجد كردستان رسميًا. ولذا، فإن خريطة كردستان ليست سوى رغبة أو مطلب للأكراد أنفسهم. وتقع أرض الأكراد في

شمال العراق وجنوب شرق تركيا وشمال سورية وغرب إيران. وعلاوة على ذلك، فإن هناك عدة ملايين من الأكراد الذين يعيشون في مدن كبرى وعواصم بلدان، مثل إسطنبول وطهران ودمشق وبغداد.

(((أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، عبد  الله أوج  ناا المعروف ب Apo ورفاقه في تركيا. بدأ الحزب عمله

المسلّح عام 1984، حيث نال شعبية ضخمة في أقسام كردستان الأربعة خصوصًا في تركيا وسورية. الحزب مُصنف

منظمة إرهابية من تركيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، ويُعتبر أكبر حزب سياسي كردي، ولديه تأثير

في غالبية الأكراد في الشرق الأوسط.

(7) David McDowall, A Modern History of The Kurds (London: I.B. Tauris, 2010). (8) Najati Abdullah, Kurdistan ya Armenistan: Shehidekan ya Milhurekan [Kurdistan or Armenia: Martyrs or Tyrants] (Sulaymaniyah: Jin Publisher, 2009). (9) McDowall.

وفي حين لا يزعم أحد من الأكراد أن تلك المدن الكبرى الإقليمية مناطق كردية، فإن العدد الهائل منهم من الذين يعيشون فيها جعلها مهمة جدًا لكفاحهم ونفوذهم وهويتهم الاجتماعية والسياسية. على سبيل المثال، تعتبر إسطنبول في بعض الأحيان أكبر مدينة كردية وليست ديار بكر أو أربيل، حيث إن هناك ما بين أربعة إلى خمسة ملايين كردي يعيشون في إسطنبول. وعلاوة على ذلك، فإن هناك جاليات كردية كبيرة تعيش في بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، مثل أرمينيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا والعديد من الدول الأخرى. أيضًا، هناك أكثر من مليوني كردي في أوروبا والولايات المتحدة، وأكثر من مليون في ألمانيا وحدها. بعد سرد هذه المعلومات الجغرافية والديموغرافية عن الأكراد فيما يتعلق بتاريخهم ووجودهم في المنطقة، من الممكن القول إن مفهوم الدولة – الأمة وما يترتب عليه من مفهوم للهوية السياسية الكردية قد لا يكون مناسبًا في المساعدة على فهم حالة القومية الكردية. ولأسباب عديدة، من

الواضح أن العملية تختلف عما أوضحه العلماء عن القومية في أماكن أخرى، فمن وجهة نظر أنتوني سميث، تؤدي الذكريات الجماعية دورًا حاسمًا في تشكيل الأمة وفقًا لنظريته حول الرمزية العرقية.

وتختلف أيضًا عملية بناء الأمة التي يتحدث عنها سميث عن عملية بناء الدولة، وبذلك فإنه يمكن القول إن الدول قد تنشأ من دون الحاجة إلى الذاكرة الجماعية والتذكر، ولكن الأمم تتطلب ذكريات مشتركة لإعطاء منتسبيها غير المتجانسين تمثلً عامًا مشتركًا لهويتهم، ومصدرًا للفخر والاعتزاز، ومصيرًا متحدًا. فمن خلال تحقيق تاريخي دقيق للحركة القومية الكردية، ربما يمكن الباحث القول

إن الفشل في الحفاظ على ذاكرة مشتركة بين الأكراد هو واحد من الجوانب الإشكالية لمشروعهم القومي، ففي الإمكان ملاحظة تأثير التشرذم ودوره الحاسم في صياغة عملية بناء الدولة – الأمة الكردية والحفاظ على هويتهم القومية. وربما يتشارك معظم الأكراد التاريخ الكردي الممتد حتى انهيار جمهورية مهاباد الكردية في عام 1946 بما في ذلك من إنجازات واضطرابات، لذلك فإن أفضل صياغة لعناصر التاريخ أو الذاكرة الكردية العالمية المشتركة يمكن أن نجدها في توصيف سيسيل إدموندز للفكر القومي الكردي، أو ما أسماه آنذاك "الأسس التاريخية للفكر القومي الكردي" على النحو التالي: "يشكل الأكراد أمة واحدة سكنت موطنها الحالي لمدة ثلاثة آلاف سنة على الأقل. لقد عاصروا صعود العديد من الأعراق الإمبراطورية وسقوطها، مثل الآشوريين والفرس والإغريق والرومان

(10) Diar Xerib, Xwendneweyaki New Bo Mejooy Kurdistan [A New Study for the Kurdistan History] (Sulaymaniyah: Shivan Publications, 2016), p. 68. (11) Seevan Saeed, Kurdish Politics in Turkey: From the PKK to the KCK (New York: Routledge, 2017), p. 43. (12) Anthony D. Smith, "Memory and Modernity: Reflections of Ernest Gellner´s Theory of Nationalism," Nations and Nationalism , vol. 2, no. 3 (1996), pp. 371–388. (13) Anthony D. Smith, "Culture, Community and Territory: The Politics of Ethnicity and Nationalism," International Affairs , vol. 72, no. 3 (1996), pp. 445–458. (14) Smith, Memory and Modernity , p. 384. (15) Bengio (ed.). (16) Edmonds.

والعرب والمغول والأتراك. ولديهم تاريخهم ولغتهم وثقافتهم الخاصة. لقد جرى تقسيم بلدهم ظلمًا. لكنهم المالكون الأصليون، وليسوا غرباء حتى يتم تقبّلهم كأقليات مع امتيازات محدودة تُمنح على

هوى المغتصبين". في الواقع، يحتوي هذا البيان على معظم العناصر المكونة لنوع "الأمة" كما حددتها نظرية الرمزية العرقية. إنها عناصر الروابط العرقية (المتخيلة أو الحقيقية)، والرموز والثقافة والبقعة الجغرافية، مضافة إليها المطالبة السياسية بالحق في تقرير المصير، الذي يعتبر بالنسبة إلى إيلي كيدوري وإرنست غلنر واحدةً من ركائز الرابطة القومية. بيد أن مفهوم الأخيرين لا ينطبق على الحالة الكردية إلا في نهاية القرن التاسع عشر كما عبّر عنها الأكراد العثمانيون من الشبان المتعلمين، تلك الموجودة في

مضمون أول صحيفة مطبوعة كردية (كردستان) نُشرت في عام 1898 في القاهرة. إن هذا التمثل للأمة الكردية يمكن أن يسمح لبعضهم بالقول إن تاريخ الأكراد الحديث، خاصة بعد عام 1946، هو بمنزلة فجوة فاصلة في الذاكرة التاريخية الكردية، وخاصة بين صفوف الأكراد في إيران والعراق، وإن هناك عوامل ساهمت جزئيًا في خلق هذه الفجوة، منها جهود الدول المركزية التي يشكّل

الأكراد جزءًا من سكانها، وكذلك الأحزاب السياسية الكردية الحديثة التي ظهرت مباشرة بعد انهيار

جمهورية مهاباد في عام 1946، وانقساماتها التي تعود في بداياتها إلى الخلافات بين قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق في عام 1960 واستمرت طوال السبعينيات والثمانينيات. بل إن بعضهم يبني فكرة الفجوة في تاريخ الوعي القومي الكردي ذاته على حدث المحاولة الكردية الأولى والوحيدة عام 1946 لإنشاء "شبه دولة" كردية مستقلة في القرن العشرين، مؤكدًا على هشاشتها بسبب التشرذم الاجتماعي الأصلي (ريفي عشائري – حضري يساري) الذي كان يشق الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، الحامل للمشروع، وكان قد تأسس في السياق نفسه وأصبح الأكثر شعبية بين الأكراد في ذلك الوقت.

(17) Ibid., p. 88. (18) Smith, Nationalism. (19) Elie Kedourie, Nationalism , 4 th ed. (Hoboken, NJ: Blackwell Publishers, 2010). (20) Gellner. (21) Martin Strohmeier, Crucial Images in the Presentation of Kurdish National Identity (Leiden: Brill; Boston: Brill Academic Publishers, 2003), p. 26. (22) McDowall.

(((2 يمكن اعتبار الحزب الديمقراطي الكردستاني أساس القومية الكردية الحديثة في العراق. أسّسه حمزة عبد الله وإبراهيم أحمد

ورفاقهما تحت قيادة الزعيم الملا  مصطفى برزاني الذي تصدّى للعراق مراتٍ عديدة حتى أُجبر على الفرار عام 1975 في أعقاب

اتفاق الجزائر بين العراق وإيران.

(24) Saeed, p. 24. (25) Liam Anderson & Gareth Stansfield, The Future of Iraq: Dictatorship, Democracy or Division (New York: Palgrave Macmillan, 2004), pp. 155–184. (26) McDowall, p. 127.

لكن لا بد من أن يخضع هذا الادعاء فيما يتعلق بالقضية الكردية لمداولات تجريبية بدلً من اعتباره أمرًا مسلّمًا به؛ ذلك لأن القناعة السائدة داخل التاريخ القومي الكردي، كما يلاحظ عباس والي، تعتبر

قناعة "بدائية" و"عرقية" على حد سواء، وهي بذلك تتجاوز الوعي المتولد عن العمل الحزبي. فبالنسبة إلى القومي الكردي العادي، كما يقول والي، "الأمة الكردية كيان بدائي، تشكيل طبيعي متجذر في طبيعة كل كردي، يُعرّف هوية الناس والمجتمع عبر التاريخ". أما بالنسبة إلى الجانب العرقي

للخطاب، فيشير والي إلى أن "مفهومي المجتمع الكردي والهوية الكردية يقومان على الأصل القومي المشترك، الذي يُعرف بوصفه 'إثنية' كردية موحدة". لكن علينا أن نلاحظ أن هذا التوصيف غير

مواكب في الحقيقة للتحولات الهائلة التي حدثت في المجتمع الكردي، خاصة في الشمال، أي في الجنوب الشرقي من تركيا. فإذا كان صحيحًا أن الهوية الكردية أخذت سمات عرقية إلى حد بعيد،

فإن الخطاب القومي العرقي للهوية الكردية شهد في السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في الجزء الشمالي من

كردستان، خاصة منذ عام 2005 مع تأسيس اتحاد مجتمعات كردستان Koma Civakên Kurdistan, KCK، فمنذ ذلك الحين، أصبحت مفاهيم مثل ديمقراطية "الحقوق المدنية" والتأميم والتعايش موضع نقاش بالتوازي مع المصطلحات القومية العرقية المعروفة مثل "الكردية"، باللغة الكردية "كردايتي." هذا التحول في البنية الاجتماعية وفي الفكر السياسي الكردي أنتج حالة جديدة بشأن أسئلة الهوية والانتماء، إذ في حين تتشارك الهوية الناشئة في المكونات الأساسية مع الهوية القومية العرقية المهيمنة، تنفتح الأولى لتدمج داخلها العناصر الاجتماعية والفكرية الجديدة. بعبارة أخرى، أدخلت ممارسات اتحاد مجتمعات كردستان هويةً سياسيةً كرديةً جديدة ومختلفة تتجاوز الفهم التقليدي والمشترك للرابطة القومية – العرقية الكردية. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا المنظور "الجديد" للرابطة الكردية، الذي طوره إلى حد ما اتحاد مجتمعات كردستان والحركة الكردية في تركيا، كان مستوحى من نضال

حزب العمال الكردستاني، وقد شكّل بذلك، إلى حد ما، هويةً سياسيةً تنافس المنظور "التقليدي" السابق لمعنى "الكردية".

ثانيًا: هويتان سياسيتان وكردية واحدة

كما وضحنا ذلك في بداية الدراسة، لا يمكن النظر إلى الهوية السياسية الكردية من خلال الفهم السائد للنظريات الاجتماعية للقومية المدمجة للهوية السياسية – الثقافية في مفهوم الدولة – الأمة، وبناء عليه، سنحاول إعادة تصور مفهوم الكردية من خلال تصنيفها إلى هويتين سياسيتين مختلفتين بدلً من هوية

(27) Abbas Vali, "Genealogies of the Kurds: Construction of Nation and National Identity in Kurdish Historical Writing," in: Abbas Vali (ed.), Essays on the Origin of Kurdish Nationalism (Costa Mesa, CA: Mazda Publishers, 2003), pp. 58–

(28) Ibid., p. 59. (29) Ibid., p. 61. (30) Zeynep Gambetti & Joost Jongerden, The Kurdish Issue in Turkey: A Special Perspective (London: Routledge,

(31) Saeed.

موحدة. لقد بنَت كل من تلك الهويتين الرئيستين – كل منهما على حدة – تاريخها الخاص وسياستها وأطرها الاجتماعية والثقافية وعلاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية، ولا تستطيع أي من الهويتين أن تذوب في الأخرى، كما لا يمكن لأي منهما التنازل بغية الاقتراب من الأخرى لخلق هوية كردية موحدة. كل واحد من الفريقين الحاملين للهويتين يدّعي أن هويته مبنية على جذور سليمة ضاربة في التاريخ والثقافة الكردية، وكل من الهويتين يفتقر إلى بعض الجوانب التي يُفترض أنها أساسية لمزاعم الانتماء الكردي. ولذلك، فإن عملية بناء الهوية السياسية من كليهما لم تكن تحظى برضا مجمل الأكراد، وعلاوة على ذلك، يبدو أن منظور غالبية الأكراد تجاه كلتا الهويتين قد أفضى إلى صورتين مختلفتين: الأكراد الجيدون مقابل الأكراد السيئين، الأكراد القدامى مقابل "الأكراد الجدد"، الأكراد الخاضعون مقابل الأكراد المناضلين، الأكراد المتعاونون مقابل الأكراد الإرهابيين، الأكراد الشرفاء مقابل الأكراد الخونة. لكن كل هذه المتقابلات تشكّل أجزاء من "الهوية السياسية الجديدة والسياقية" للأكراد، وهي نابعة من وجهات نظرهم وتوصيفهم لأنفسهم. يمكن القول أيضًا إن انقسام وجهات النظر بين الجهات الفاعلة في كلتا الكتلتين قد انعكس على التفاصيل الكبيرة والصغيرة لحياة الأكراد اليومية، وإن شركاء كل كتلة يسلطون الضوء على الاختلافات في عدة قضايا ويرفضون وجهة نظر الطرف الآخر. وفي الوقت الحالي يزداد الخط الفاصل بين الكتلتين وضوحًا أكثر فأكثر. لقد أصبح من الصعب أن تكون كرديًا وأن تكون نشطًا سياسيًا من دون أن يتم

تصنيفك أو وضعك ضمن إحدى الكتلتين. وفي واقع الأمر، فإن هناك بعض الفاعلين السياسيين غير المنتمين إلى أي من الكتلتين، لكنهم ضعاف الأثر ولا تكاد ملاحظتهم. ومع ذلك، فهم ما زالوا يفكرون أو يتحركون في فلك إحدى الكتلتين. وبالفعل، على الرغم من الأسماء والألقاب المختلفة لمئات الأحزاب والحركات السياسية بين الأكراد في الأجزاء الأربعة من كردستان، فإن الكتلتين في الوقت الراهن يمثلهما الحزب الديمقراطي الكردستاني – بارزاني وحزب العمال الكردستاني – أوجلان. لقد أصبحا قوتين مع منظورين مختلفين للهوية الكردية، وهناك منافسة شديدة بين الكتلتين. ويمكن بسهولة رؤية الاختلافات والمنافسات، بدءًا من الأهداف والغايات وصولً إلى الأساليب الرمزية والعملية. والاختلافات واضحة بينهما،

سواء فيما يتعلق بموضوع استقلال كردستان، أو فيما يتعلق بمفهوم الدولة القومية الكردية و"الأمة الديمقراطية" وعلاقتهما بالقوى الإقليمية والدولية، بل إن الاختلاف يشمل حتى نمط المجتمع المنشود والاختلافات الرمزية بشأن أسلوب قواتهم المقاتلة وهيئتها: البشمركة وقوات كريلا.

(32) Seevan Saeed, Wercherxani Bizawti Netewiy Kurd [Transformation of the Kurdish National Movement] (Tehran: Xezelnus Print House, 2018). (33) Abdullah Ocalan, Liberating Life: Woman’s Revolution (Cologne: International Initiative Edition & Mesopotamian Publishers, 2013). (34) Saeed, Wercherxani Bizawti Netewiy Kurd , p. 249. (35) See: Ocalan; Bengio (ed.); Xerib.

ثالثًا: الخطاب السياسي لكلتا الكتلتين والاستراتيجيات

سنفحص في الفقرات التالية – ولو باختزال – خطاب مسعود بارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني) الذي يزعم التكلم باسم "الأكراد التقليديين"، وكذلك خطاب عبد الله أوجلان (حزب العمال الكردستاني) الذي يدّعي التكلم باسم "الأكراد الجدد". لقد استعرت هذين التصنيفين من

أدبيات الكتلتين وتوصيف بعضهما لبعضٍ ولأنفسهما، وهي خطابات لا تعدّ ولا تحصى، ثم إن الأمثلة القليلة التي نقدّمها في هذه الدراسة ليست سوى جزء من قائمة أمثلة طويلة لا نهاية لها، وهي تُظهر بوضوح هذين الاتجاهين المختلفين بشأن الرابطة الكردية وأسس هويتها السياسية. كذلك سنحاول تجنّب تفصيل مرتكزات الخطابين من خلال خلفيتهما التاريخية وأنشطتهما، وبدلً من ذلك سنعمل على تحليل عدد قليل من الأحداث المهمة التي يمكن أن تُظهر تلك الاختلافات بين الخطابين. يقوم الخطاب السياسي الرئيس لكلتا الكتلتين على مفاهيم الأمة والدولة، وفي الغالب شكّل هذان المفهومان الهويات السياسية لكل منهما. والسؤال الذي نأخذه هنا في الاعتبار هو إذا ما كان ينبغي للأكراد أن تكون لهم دولة قومية (قومية هنا بالمعنى الذي يعطونه لهويتهم من منظور إثني ثقافي) مماثلة للدول القومية في المنطقة، فكيف يمكن تحقيق هذا الهدف. في واقع الأمر، نتيجة للقمع والحرمان المستمرين اللذين عاناهما الأكراد على المستويين الفردي والجماعي، فقد تعامل الأكراد مع مفهوم الدولة بحساسية شديدة، فمن ناحية، يرغب كل الأكراد تقريبًا في إقامة دولة كردية قومية

كما هي الأمم العرقية الثقافية الثلاث الأخرى – العرب والفرس والأتراك – في المنطقة، ومن النادر جدًا أن تجد شخصًا كرديًا يرفض حلم استقلال الأكراد وكردستان. ومن ناحية أخرى، كانت مسألة الثقة

والولاء للدولة والتعامل بإيجابية معها معضلة دائمة للأكراد، ويجادل بعض المتابعين للمسألة بأن هذا الوضع قد خلق عقدة نفسية لديهم. على مرّ التاريخ الحديث، يمكن أن نلاحظ أن غالبية الأكراد تطلّعوا دائمًا إلى اليوم الذي تصبح فيه

الدولة الكردية راسخة وموجودة. لكن التاريخ أظهر أن بعض الأكراد يتعاونون مع أعدائهم ضد هذا الطموح، ويمكن القول إن جميع الانتفاضات الكردية تقريبًا ومحاولات التحرر قد انكسرت بسبب

تعاون بعض الجماعات الكردية ضد هذه الطموحات. ومن هذا المنظور، فإن فكرة الاختلاف بين الخطابين لا تقوم فقط على قاعدة الأيديولوجيا، وانطلاقًا من مفهوم الكتلتين للأمة والدولة. ففي واقع الأمر، هناك مجال كبير للصراعات الداخلية والتنافس بين مختلف الجماعات الدينية والطائفية والقبلية والسياسية والاجتماعية داخل الأكراد أنفسهم، وفي هذا السياق تؤدي فكرة بناء دولة كردية

(36) Saeed, Kurdish Politics in Turkey. (37) Ocalan. (38) Dilshad H. Khdhir, "Dynamics of Kurdish Identity Formation in the Kurdistan Region–Iraq Between 1991 and 2014," PhD Thesis, University of Nottingham, Nottingham, UK, 2016. (unpublished) (39) Yasin Serdesti, Jiyan u Têkoşni Siyasi Ahmad Tofiq 'Abdollah Ishaqi': Lekołinewey mejoyi bałgenameyi [The Life and Political Struggle of Ahmad Tofiq, 'Abdollah Ishaqi': Analysing a Historical Document] (Sulaymaniyah: Shivan Publications, 2017).

إلى إشعال محرك الخلافات التي تتشكل على هيئة خطابات أيديولوجية متصارعة. كان موقف حزب العمال الكردستاني الماركسي – اللينيني المتطرف يعارض بشدة البنية القبلية والإقطاعية التي سادت في المناطق الريفية الشاسعة في شمال كردستان، وهي المناطق ذاتها التي تشكّل محور قوة الخطاب التقليدي للحزب الديمقراطي الكردستاني في جنوب كردستان. وتاريخيًا، جرى تشكيل الحزب

الديمقراطي الكردستاني في هيكل قبلي استمد قوته منه، وهو اليوم يمارس سياسات محافظة في إقليم كردستان العراق انطلاقًا من قواعده العشائرية. ومن الواضح أن أساس الخلافات كان هذا النهج والموقف الأيديولوجي تجاه مفهوم الإقطاع وملّك الأراضي في كردستان، الذي تحوّل إلى شرخ في

الهوية الكردية. وبناء عليه، يمكن الباحث أن يقف بسهولة على أسس الاختلافات الهائلة في تفاصيل النهج ووجهات النظر بين الخطابين بشأن مفهومي الأمة والدولة. بالتوافق مع هذه البنية الاجتماعية الإقطاعية القائمة على التنظيم العشائري، ليس في أجندة زعماء الحزب الديمقراطي الكردستاني مشروع بناء دولة – أمة كردية بالمفهوم السياسي الحديث للعبارة، وهي في خطابهم فكرة مستحيلة التنفيذ، بل هي كما قال جلال الطالباني في عام 2009 فكرة مبنية على أوهام بعض الشعراء والفنانين الأكراد، مؤكدًا أنه ليس من الواقعي أن يطالب الأكراد بدولة – أمة بهذا المعنى، وأن التعاون مع القوى الكبرى والحصول على بعض الحكم الذاتي في كل جزء من كردستان سيكون الهدف الأعلى للأكراد. والمرة الوحيدة التي فكر فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومن هم في فلكه من هذه الكتلة، في مسألة تحقيق مثل هذا الهدف كان في عام 2017 بمناسبة تنفيذ فكرة الاستفتاء، أما غير ذلك فإن نشاط هذا الحزب وكتلته "التقليدية" ظل يسير وفق استحقاقات خطاب الدولة القومية من المنظور الإثني الثقافي الذي لا يمكن تحقيقه كما يقول. بعبارة أخرى، كان الحزب الديمقراطي الكردستاني دائمًا ملتزمًا بكونه ضمانة لتركيا وسورية والعراق وإيران،

تأسيس الدولة – الأمة الكردية ليس جزءًا من أجندته مع التأكيد الدائم لهذه الدول على أن. ماذا كان خطاب الكتلة الأخرى، أي "الأكراد الجدد"؟ نشأ حزب العمال الكردستاني في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ضمن مسار فكرة الدولة – الأمة نفسه. وعلى الرغم من المشقة وانسداد جميع السبل تقريبًا أمام تحقيق هذا الحلم، فقد ادعى حزب العمال الكردستاني أنه

يعمل على إنشاء كردستان اشتراكية مستقلة كبرى. وكان من الصعب في ذلك الوقت حتى مجرد التفكير في هذا الادعاء، لأن تحقيق هذا الهدف كان حينها مستحيلً وربما استمر ذلك حتى اليوم. ومع ذلك، فلطالما ميّز حزب العمال الكردستاني خطه عن "الأكراد التقليديين" من خلال الدعوة إلى

(40) Xerib, p. 236. (41) Ausama Gulpi, "Dewleti Kurdi xewneki shaiyraneye" [The Kurdish State is an Illusion of Poets], Rewend , 2011, accessed on 20/2/2020, at: https://bit.ly/37jPNuT (42) "Mulla Mustafa Barzani: Only Autonomy for South Kurdistan," Interview with Mustafa Barzani by a French Journalist, YouTube, 30/12/2015, accessed on 12/4/2022, at: https://bit.ly/3vbc0mM (43) Ibid. (44) McDowall.

الدولة القومية الكردية المستقلة، على غرار الدول المجاورة في المنطقة، مضيفًا إليها صفة الاشتراكية بمضمونها الماركسي. غير أنه نتيجة للمراجعات التي أجراها أوجلان ودراسته لطبيعة الدولة وانتقاده لفكرة الدولة – الأمة، حوّل حزب العمال الكردستاني خطابه إلى فكرة "الكونفدرالية الديمقراطية"

بوصفها حلً بديلً للمنطقة وللبلدان التي يشكّل الأكراد جزءًا من سكانها، بدلً من الدعوة إلى دولة

قومية كردية ذات سيادة. بعبارة أخرى، توصّل حزب العمال الكردستاني إلى فكرة أن إقامة دولة قومية تأتي بالحرية  يمكن أن كردية مماثلة للدولة القومية التركية – فضلً عن مدى استحالة تحقيق ذلك – لا والكرامة للأكراد. وفي واقع الأمر، هذه نقطة مهمة يمكن الاستفاضة في شرحها، لكن هذه الدراسة غير مخصصة لتقديم عرض شامل لأفكار أوجلان حول الكونفدرالية الديمقراطية. على أي حال، يمكنني باختصار القول إن فكرة المساواة بين الجماعات الإثنية والدينية التي تسكن هذه المنطقة وتتمتع بمستوى معين من الاستقلالية والحقوق الاجتماعية والثقافية والسياسية ضمن الدول القائمة (العراق وإيران وتركيا وسورية حيث يعيش الأكراد) يمكن لها أن تقود إلى فكرة الكونفدرالية الثقافية من دون إلحاق ضرر بالحدود السياسية الرسمية، شرط أن تتعاون السلطات المركزية في أنقرة وطهران وبغداد ودمشق بإيجابية مع المسألة الكردية. يريد أوجلان القول إنه ليس في مقدور الأكراد أن يربحوا المعركة مع تلك الدول الأربع. ينبغي أن يكون هناك إحساس بالأخوّة بين الجماعات الإثنية والدينية

والثقافية المتنوعة. يستهدف خطاب الأكراد الجدد تقديم حل لمسألة الأكراد مع الإثنيات الأخرى عبر إشاعة الحرية والمساواة في الحقوق بين الجميع، بدلً من النضال للوصول إلى دولة كردية مستقلة كما اعتادوا أن يطالبوا في السابق. إن قرار هذا التحول الأيديولوجي، أي التحول من فكرة استقلال كردستان بوصفها دولة قومية إثنية للأكراد ذات سيادة معترف بها، إلى فكرة إقامة دولة وطنية حرة ديمقراطية للشعب الكردستاني ضمن حدود الدول التي تقع فيها كردستان، جاء من فكرة تغيير المنظور الأيديولوجي وتطور وعي صانعي السياسة في حزب العمال الكردستاني. بعبارة أخرى، لقد تجاوز حزب العمال الكردستاني الفهم التقليدي لواقع الأكراد بوصفهم أمة عرقية بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة، ينتسب إليها كل من يعتبر نفسه كرديًا أينما كان من منظور عرقي – ثقافي. وخلال فترة سجنه، سنحت لأوجلان فرصة كبيرة لإعادة النظر في سياسة حركته وأيديولوجيتها، ففيما يتعلق بفكرة الدولة والدولة الكردستانية، جادل أوجلان بحذر بأنه "في الوقت الراهن" يجب ترك فكرة الدولة القومية الكردية بمعناها الإثني الثقافي. ولذا لم يرفض حزب العمال الكردستاني فكرة الدولة القومية في حد ذاتها. نستطيع إذًا، من خلال متابعة خطاب "الأكراد الجدد" وأنشطتهم، أن نلاحظ أن فكرة وجود دولة حرة ومستقلة، وبناء حالة وطنية سيادية للأكراد قائمة على جدول الأعمال. لكن التعامل معها تغيّر على نحو

(45) Saeed, Wercherxani Bizawti Netewiy Kurd , p. 236. (46) Ocalan. (47) Abdullah Ocalan, Prison Writings II: The PKK and the Kurdish Question in the 21 st Century (London: Trans Media Publishing, 2011), p. 10.

أساسي في خطابهم، ويمكن أن نلاحظ في الخطاب الحالي لحزب العمال الكردستاني، الذي يقوم على فكرة الكونفدرالية الديمقراطية والحكم الذاتي الديمقراطي، أن أيديولوجية هذا الحزب لا تريد حاليًا الإضرار بسيادة الدول التي تقتسم كردستان. ومع ذلك، فإن وجهة نظر حزب العمال الكردستاني تجاه الدولة والأمة تختلف عما جرى تعريفه من خلال السياسة والنظريات السياسية السائدة. يقترح أوجلان وحزب العمال الكردستاني كيانًا بديلً من الدولة – الأمة بالمفهوم القومي، هو دولة جمهورية ديمقراطية لا تقوم على قاعدة العرق كما هو الحال في الشرق الأوسط على مدار المئة عام الماضية. يجب القول إن هذا القرار كان حقًا قرارًا صعبًا، ليس بالنسبة إلى الشعب الكردي فحسب، بل إلى قادة حزب العمال الكردستاني أيضًا، وخاصة بالنسبة إلى أوجلان نفسه الذي يجادل بأن خروجه من هيمنة التفكير في الدولة القومية لم يكن سهلً على الإطلاق. ويُرجع ذلك إلى حقيقة أنه لفترة طويلة من تاريخ الأكراد كانت الدولة حلمًا كبيرًا، وكان كل الأمل في المستقبل مرتبطًا بفكرة وجود دولة على غرار الدول المجاورة، على الرغم من أن جميع الأحزاب الكردية كانت تستبعد هذ الفكرة. لقد جاء حزب العمال الكردستاني بفكرة إنشاء "دولة كردستان الاشتراكية المستقلة الحرة"، وكانت النقطة التي جعلت تأثيره يزيد بسرعة بين الأكراد هي التركيز على فكرة إقامة دولة كردستان الكبرى المستقلة، في حين أن "الأكراد التقليديين" كانوا يطالبون بالحكم الذاتي فحسب داخل حدود دول العراق وسورية وإيران وتركيا. وبمعنى ما، أوجد حزب العمال الكردستاني حلً بديلً من القضية الكردية خارج نموذج الدولة القومية، فمن ناحية، اقترح فكرة تحقيق وضع سياسي واجتماعي للشعب الكردي على أساس الكونفدرالية عوضًا عن تكرار المحاولات الفاشلة لتأسيس دولة قومية كردية. ومن ناحية أخرى، اعتمد الأكراد التقليديون، وخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، كما هو الحال دائمًا، على القوى الكبرى والإرادة الدولية لصياغة السياسات وحماية الوضع الراهن للدول القومية في المنطقة. لم يكن خطاب "الأكراد التقليديين" ينوي أبدًا الإضرار بالحدود الرسمية لهذه الدول القومية التي يقطن فيها الأكراد. الاستثناء الوحيد الذي يمكن ملاحظته في تاريخ "الأكراد التقليديين" هو إجراء الاستفتاء في أيلول/ سبتمبر 2017، وكان هذا الادعاء هو المطالبة بدولة كردية في المناطق الكردية داخل العراق فحسب. أعلن بارزاني ودعاته أنهم يريدون أن يكونوا جارًا جيدًا لجميع الدول الأربع المحيطة بالدولة الكردية المقبلة، ولن يضروا بهم ولن يدعموا النضال الكردي في أراضيهم. وعلاوة على ذلك، دعا بارزاني، بعد فشل عملية الاستفتاء في كردستان العراق في عام 2017، الحكومة العراقية إلى استئناف الحوار مع حكومة إقليم كردستان، وقال بوضوح إنهم لا ينوون إعادة ترسيم الحدود وإلحاق أي ضرر

(48) Saeed, Wercherxani Bizawti Netewiy Kurd , p. 258. (49) Ocalan, Prison Writings II , p. 49. (50) Xerib, p. 239. (51) "Interview with Murat Karaylan," Sterk TV , 2019, accessed on 20/8/2019, at: https://bit.ly/37QJpLO (52) Saeed, Kurdish Politics in Turkey.

بالحدود السيادية العراقية. ومع ذلك، وعلى الرغم من مشاكلها التي لا نهاية لها، فقد هاجمت الدولة العراقية الجيش الكردي (البشمركة) وتمت استعادة سيطرة الحكومة العراقية على مدينة كركوك بعد 14 عامًا من السيطرة الكردية عليها، واضطر بارزاني إلى ترك منصبه رئيسًا لإقليم كردستان

العراق. ومن ثم، يمكن القول إن العملية كانت مجرد خطوة تكتيكية من بارزاني وحلفائه في إقليم كردستان العراق لتمديد فترة حكمهم وسلطتهم، وتجنّب التعرض للعزل من قبل الحكومة العراقية على

خلفية مسألة صفقات النفط المستقلة مع تركيا من دون العودة إلى بغداد. وفي هذا السياق، غالبًا

ما يرفع ممثلو كلتا الهويتين السياسيتين، بعضهما في وجه بعض، مظاهر الاختلاف مع الآخر، ويطلقون الصفات السلبية على بعضهما البعض. على سبيل المثال، يزعم حزب العمال الكردستاني أن "الأكراد التقليديين" يخضعون للأعداء ويتعاونون معهم من أجل تحقيق مصالحهم القبلية والسياسية على حساب المصلحة الوطنية لكردستان. في حين يتهم الحزب الديمقراطي الكردستاني "الأكراد الجدد" بأنهم بعيدون عن المفهوم الأصيل للانتماء الكردي، وأنهم يستخدمون رموزًا غير كردية في نضالهم، بما في ذلك استعارة مصطلحات "حرب العصابات" من أميركا اللاتينية بدلً من استخدام مصطلح "البشمركة" الذي أنشأه الأكراد في عهد جمهورية مهاباد.

خاتمة

تناولت هذه الدراسة حالة الهوية الكردية المجزأة، والكتلتين الرئيستين اللتين صاغتا بنية الهوية السياسية الكردية المعاصرة: "الأكراد التقليديون" و"الأكراد الجدد". وبغضّ النظر عن كيفية وصف كل من الكتلتين بعضهما بعضًا واستمرار التنافس بينهما، فإن خصوم الحرية القومية الكردية ينظرون إلى كلتا الكتلتين بالطريقة ذاتها. وعلى الرغم من الخلافات التي لا حصر لها بين كل من سورية وتركيا والعراق وإيران، فإن هذه الدول متفقة بطريقة أو بأخرى على مسألة مواجهة إرادة الأكراد وحلمهم في السير بعملية بناء حالة وطنية كردية. وفي كثير من الأحيان، تُستخدم تسمية "الأكراد الجيدين" لوصف أولئك الذين يتعاونون مع تلك الدول (أساسًا الحزب الديمقراطي الكردستاني وكتلته)، في

حين تُستخدم تسمية "الأكراد السيئين" لوصف أولئك الذين لا يذعنون لإرادة تلك الدول (أساسًا حزب

العمال الكردستاني وكتلته). ومع ذلك، وعلى المستوى الاستراتيجي، يُنظر إلى كلتا الكتلتين على

أنهما تشكلّان تهديدًا وعقبةً في وجه المشاريع الوطنية للدول الأربع في المنطقة. ويبدو أن كلتا الكتلتين تطالب بالوحدة القومية الكردية، وتسعى لخلق بيئة جديدة تظهر فيها الهوية الكردية بهيئة موحدة، وهذا مطلب دائم لحزب العمال الكردستاني الذي يمثل كتلة "الأكراد الجدد"،

(53) "Barzani Holds Press Conference Ahead of Referendum," Russia Today English (2017), accessed on 12/10/2019, at: https://bit.ly/3jJGR4x (54) "Is it the End for Kurdish Leader Masoud Barzani? – Inside Story," Aljazeera , 29/10/2017, accessed on 12/4/2022, at: https://bit.ly/3uPMPaN (55) Seevan Saeed, "Partiya Boykote Bi Ser Ket" [The Party of Boycott Had Victory], Yeni Özgür Politika, accessed on 28/10/2019, at: https://bit.ly/3OdVuLK

فهو غالبًا ما يدعو إلى إحياء حزب المؤتمر الوطني الكردستاني KNK الذي يمكن أن  يضم تحت

جناحه جميع الأحزاب السياسية والحركات والمنظمات الاجتماعية. ولطالما حذّر القادة الكبار في حزب العمال الكردستاني، بمن فيهم أوجلان نفسه، من أنه إن لم يقم الأكراد بإحياء المؤتمر الوطني الكردستاني فلن يقدروا على مواجهة المتغيرات الجديدة التي قد تقود إلى إعادة صياغة سياسات الشرق الأوسط. ومع ذلك، يبدو من الناحية العملية أن القادة وأصحاب المصلحة في كلتا الكتلتين يعملون على جعل الفجوة أكبر وأكبر، نتيجةً لعدة أسباب سياسية وأيديولوجية، وحتى قبَلية وشخصية. ذلك من الناحية العملية. لكن موضوع الأكراد يثير على المستوى النظري قضايا أخرى شديدة التعقيد تتعلق بالروابط المفاهيمية بين مفهوم الدولة – الأمة والدولة الوطنية بالمفهوم السياسي، والدولة القومية بالمفهوم الثقافي والمتخيل الإثني، وكل هذه المفاهيم تتصادم على مستوى الممارسة مع مفهوم الدولة – الأمة القائم على المواطنة والديمقراطية التي هي شبه مفقودة في المنطقة. وما يزيد من هذا الوضع النظري والمفاهيمي تعقيدًا هو أن الدول المجاورة لا تبني شرعيتها على متغيرات الانتماء السياسي فحسب، بل كذلك على متغيرات إثنية تثير الهوية الإثنية الكردية، وهي تظهر جليًا في العلاقة

بين العروبة والفارسية، والفارسية والتركية المشوشة بمفهوم كلاسيكي آخر سقط سياسيًا في بداية القرن

الماضي وبقي ذهنيًا واستراتيجيًا، هو العثمانية.

References

المراجع

Abdullah, Najati. Kurdistan ya Armenistan: Shehidekan ya Milhurekan [Kurdistan or Armenia: Martyrs or Tyrants]. Sulaymaniyah: Jin Publisher, 2009. Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origins and Spread of Nationalism. New York: Verso, 2006. Anderson, Liam & Gareth Stansfield. The Future of Iraq: Dictatorship, Democracy or Division. New York: Palgrave Macmillan, 2004. Bengio, Ofra (ed.). Kurdish Awakening: Nation Building in a Fragmented Homeland. Austin: Texas University Press, 2014. Edelman, Marc. "Social Movements: Changing Paradigms and Forms of Politics." Annual Review of Anthropology. vol. 30, no. 1 (2001). Edmonds, Cecil J. "Kurdish Nationalism." Journal of Contemporary History. vol. 6, no. 1 (1971). Gambetti, Zeynep & Joost Jongerden. The Kurdish Issue in Turkey: A Special Perspective. London: Routledge, 2015. Gellner, Ernest. Thought and Change. London: Weidenfeld and Nicolson, 1969.

(56) "Interview with Murat Karaylan." (57) S. Huseyin, "Interview with Cemil Baiyk on Kurdish National Unity," Roj News (2016), accessed on 20/7/2019, at: https://bit.ly/3EdDeNS

Hutchinson, John. Modern Nationalism. London: Fontana Press, 1994. Kedourie, Elie. Nationalism. 4 th ed. Hoboken, NJ: Blackwell Publishers, 2010. Khdhir, Dilshad H. "Dynamics of Kurdish Identity Formation in the Kurdistan Region– Iraq Between 1991 and 2014." PhD Thesis. University of Nottingham. Nottingham, UK, 2016. McDowall, David. A Modern History of The Kurds. London: I.B. Tauris, 2010. Ocalan, Abdullah. Prison Writings II: The PKK and the Kurdish Question in the 21 st Century. London: Trans Media Publishing, 2011. ________. Liberating Life: Woman’s Revolution. Cologne: International Initiative Edition & Mesopotamian Publishers, 2013. Saeed, Seevan. Kurdish Politics in Turkey: From the PKK to the KCK. New York: Routledge, 2017. ________. Wercherxani Bizawti Netewiy Kurd [Transformation of the Kurdish National Movement]. Tehran: Xezelnus Print House, 2018. Serdesti, Yasin. Jiyan u Têko ş ni Siyasi Ahmad Tofiq ´Abdollah Ishaqi´: Lekołinewey mejoyi bałgenameyi [The Life and Political Struggle of Ahmad Tofiq, 'Abdollah Ishaqi': Analysing a Historical Document]. Sulaymaniyah: Shivan Publications, 2017. Smith, Anthony D. "Culture, Community and Territory: The Politics of Ethnicity and Nationalism." International Affairs. vol. 72, no. 3 (1996). ________. "Memory and Modernity: Reflections of Ernest Gellner´s Theory of Nationalism." Nations and Nationalism. vol. 2, no. 3 (1996). ________. Nationalism. Cambridge: Polity Press, 2001. Strohmeier, Martin. Crucial Images in the Presentation of Kurdish National Identity. Leiden: Brill; Boston: Brill Academic Publishers, 2003. Vali, Abbas (ed.). Essays on the Origin of Kurdish Nationalism. Costa Mesa, CA: Mazda Publishers, 2003. Xerib, Diar. Xwendneweyaki New Bo Mejooy Kurdistan [A New Study for the Kurdistan History]. Sulaymaniyah: Shivan Publications, 2016.