العودة إلى تفاصيل المؤلَّف البنية القاعدية للمجتمع موضوعًا لنظرية العدالة

البنية القاعدية للمجتمع موضوعًا لنظرية العدالة

Basic Structure as Subject

جون رولز| John Rawls *

** Translated by Abdellah Kessabi ترجمة عبد الله كسابي|

الملخّص

نظرية العدالة، إنصافًا نظرية تعاقدية، تنشد وضع المبادئ المنظمة للبنية القاعدية لمجتمع ديمقراطي حديث. فمبادئ العدالة في هذه النظرية تتوجّه إلى المؤسسات الاجتماعية الكبرى التي تُمنح عبرها الحقوق والواجبات الأساسية وتحكم توزيع الامتيازات الناشئة عن التعاون الاجتماعي. وتنشد البنية القاعدية، المحكومة بهذه المبادئ، المحافظة على عدالة السياق الاجتماعي التي تميل إلى التقوّض والتآكل، بفعل العرضيات التاريخية والاجتماعية والطبيعية؛ الشيء الذي يقتضي عمليات ضبط مستمرة، تروم تلافي أشكال اللامساواة غير المبررة والقيود على المساواة المنصفة في الحظوظ.

Abstract

Abstract: The theory of justice as fairness is a contractarian theory, which suggests the principles of justice that define the basic structure of a modern democratic society. The principles of justice in this theory focus the major social institutions, which assign fundamental rights and duties and shape the division of advantages that arises through social corporation. The basic structure, determined by these principles, aims to maintain background justice, which gradually tends to be eroded and undermined, because of historical, social, and natural contingencies. Thus continuous adjustments are necessary to avoid unjustified inequalities and restrictions on fair equality of opportunity.

الكلمات المفتاحية:
  • البنية القاعدية
  • عدالة السياق الاجتماعي
  • العرضيات
  • أشكال اللامساواة غير المبررة
  • المساواة المنصفة في الحظوظ
Keywords:
  • Basic Structure
  • Background Justice
  • Contingencies
  • Unjustified Inequalities
  • Fair Equality of Opportunity

Basic Structure as Subject

ملخص: نظرية العدالة، إنصافًا نظرية تعاقدية، تنشد وضع المبادئ المنظمة للبنية القاعدية

لمجتمع ديمقراطي حديث. فمبادئ العدالة في هذه النظرية تتوجّه إلى المؤسسات

الاجتماعية الكبرى التي تُمنح عبرها الحقوق والواجبات الأساسية وتحكم توزيع الامتيازات

الناشئة عن التعاون الاجتماعي. وتنشد البنية القاعدية، المحكومة بهذه المبادئ، المحافظة

على عدالة السياق الاجتماعي التي تميل إلى التقوّض والتآكل، بفعل العرضيات التاريخية

والاجتماعية والطبيعية؛ الشيء الذي يقتضي عمليات ضبط مستمرة، تروم تلافي أشكال

اللامساواة غير المبررة والقيود على المساواة المنصفة في الحظوظ ****.

غير المبررة، المساواة المنصفة في الحظوظ.

Abstract: The theory of justice as fairness is a contractarian theory, which suggests the principles of justice that define the basic structure of a modern democratic society. The principles of justice in this theory focus the major social institutions, which assign fundamental rights and duties and shape the division of advantages that arises through social corporation. The basic structure, determined by these principles, aims to maintain background justice, which gradually tends to be eroded and undermined, because of historical, social, and natural contingencies. Thus continuous adjustments are necessary to avoid unjustified inequalities and restrictions on fair equality of opportunity.

American Philosopher (1921–2002).

Researcher, Regional Academy of Education and Training, Fez Meknes, Morocco. Email: abdellah1.kessabi@gmail.com

Alvin I. Goldman & Jaegwon Kim (eds.), Values and Morals: Essays in Honor of William Frankena, Charles Stevenson, and Richard Brandt (Berlin: Springer Science, Business Media, 1978), pp. 47–71.

أولا

تكمن إحدى السمات الأساسية للتصور التعاقدي في أن البنية القاعدية للمجتمع تمثل الموضوع الأول للعدالة. فوجهة نظر العقد الاجتماعي تنطلق من محاولة بلورة نظرية للعدالة بالنسبة إلى هذه الحالة الخاصة ذات الأهمية الكبرى. ولتصور العدالة الذي سيترتب على ذلك أوّلية

تنظيمية Primacy Regulative معيّنة، مع احترام المبادئ والمعايير التي تتناسب مع حالات أخرى.

ونقصد بالبنية القاعدية الكيفية التي تترابط بها المؤسسات الاجتماعية الرئيسة في نسق واحد، تُمنح عبره الحقوق والواجبات الأساسية، ويَحكم توزيع الامتيازات الناشئة عند التعاون الاجتماعي. ويشكّل

الدستور السياسي والأشكال المقبولة قانونيًا، من المِلكية وتنظيم الاقتصاد وطبيعة الأسرة، جزءًا من

هذه البنية القاعدية. ويكمن الهدف الأول لنظرية العدالة في التوصل إلى تصوّر تُقدّم مبادئُه الأولى

إجابات معقولة عن الأسئلة الكلاسيكية والمألوفة للعدالة الاجتماعية في علاقتها بهذا المركب من المؤسسات؛ إذ تحدّد هذه الأسئلة، إن صح القول، المعطيات التي يتعيّن على النظرية أخذها في

الحسبان. ولسنا ننشد صياغة مبادئ أولى، من شأنها أن تنطبق أيضًا على كل الموضوعات. فالنظرية يجب عليها، بالأحرى، وفق هذا المنظور، تطوير المبادئ الملائمة للموضوعات المعنية، خطوة بخطوة – وفق تدرّج مناسب. أود في هذه الدراسة فحص العلّة التي من أجلها اتُّخِذَتْ البنية القاعدية موضوعًا أصلي ا للعدالة. وجليٌّ

هنا أن من المشروع لنا حصر البحث الأوّلي في حدود البنية القاعدية؛ إذ يتعيّن البدء من مكان ما،

ويمكن أن تُبرَّر نقطة الانطلاق هذه بالكيفية التي تترابط بها مع النظرية الناتجة منها. بيد أنه يجب إيجاد

إجابة أكثر جلاء من هذه، إجابة من شأنها إلقاء الضوء على السمات المميزة للبنية القاعدية من غيرها من التشكيلات الاجتماعية، وربط هذه السمات بالدور الخاص وبمضمون مبادئ العدالة ذاتها. وآمل تقديم إجابة تحقق ذلك بالضبط. بناء على ذلك، فإن العقد الاجتماعي هو اتفاق افتراضي (1) بين جميع أعضاء مجتمع ما، وليس بين بعض منهم فحسب، وهو (2) اتفاق بينهم بوصفهم أعضاء في هذا المجتمع (بما هم مواطنون)، لا بما هم أفراد يشغلون موقعًا أو دورًا خاصًا فيه. ففي الصيغة الكانطية من هذا المذهب، سألقّبها

باسم نظرية العدالة إنصافًا، (3) فإنّ الفرقاء ينظر إليهم غيرهم، وهم ينظرون إلى أنفسهم بصفتهم أشخاصًا أخلاقيين أحرارًا وسواسية، و (4) مضمون الاتفاق هو المبادئ الأولى التي ستحكم البنية

القاعدية. ونحن نفترض معطى، قائمة قصيرة من تصورات العدالة التي بلورها تقليد الفلسفة الأخلاقية، وسنتساءل عندئذ عن التصور الذي سيختاره الفرقاء من بين هذه التصورات، وسنأخذ في الحسبان هذا الحصر للخيارات المتاحة. وسنفترض أن لدينا فكرةً واضحةً وضوحًا كافيًا عن الشروط الضرورية من

أجل ضمان أن يكون اتفاق ما، مهما كان، منصفًا، وأن من الممكن تحديد مضمون العدالة بالنسبة إلى

(((في كتاب نظرية العدالة، عُدّت البنية القاعدية موضوعًا أولَ للعدالة، والمناقشة كانت متمركزة حولها. ينظر:

John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971), p. 7ff.

لكن أسباب هذا الاختيار لموضوع العدالة ونتائجه لم تحظَ بالتفسير كفاية؛ الأمر الذي أسعى لإنجازه هنا.

البنية القاعدية، أو على الأقل، الاقتراب منه، بوساطة المبادئ التي ستُعتمد (من الواضح أن هذا يفترض

مسبقًا الطابع المعقول للتقليد الفلسفي، لكن هل يمكننا الانطلاق من غير هذا؟) وهكذا، استُحضِرت العدالة الإجرائية الخالصة Justice Procedural Pure على أعلى مستوى: الانتقال من الطابع المنصف لظروف اختيار المبادئ إلى الطابع المنصف للمبادئ المعتمدة نفسها. سأتناول بالدرس ما يأتي بيانه في ما يلي: أولً، بمجرد ما نتصوّر الفرقاء، في العقد الاجتماعي، أشخاصًا

أخلاقيين أحرارًا وسواسية (وعقلانيين)، فآنئذ لا نعدم أسبابًا وجيهةً لاتخاذ البنية القاعدية موضوعًا أول (المبحثان الرابع والخامس). ثانيًا، ومراعاة للسمات المميزة لهذه البنية، الاتفاق الأصلي Initial

Agreement والشروط التي أُبرِم في إطارها، فإنّه يجب على البنية القاعدية أن تُدرك بطريقة خاصة تميّز

هذا الاتفاق من كل اتفاق آخر (المبحثان السادس والسابع). وثالثًا، يمكن التصور الكانطي، على هذا النحو، أن يأخذ في الحسبان الطبيعة الاجتماعية العميقة للعلاقات الإنسانية. رابعًا وأخيرًا، حتى وإن

كان جزء كبير من العدالة الإجرائية الخالصة ينتقل إلى مبادئ للعدالة، فإنّ على هذه المبادئ أن تجسّد،

على الرغم من ذلك، صورة مثالية من البنية القاعدية، يجب في ضوئها أن تتدبّر السيرورات المؤسساتية القائمة، ويُعاد، على نحوٍ مستمرّ، ضبط النتائج المتراكمة للتبادلات الفردية (المبحث التاسع).

ثانيًا

أود، قبل أن أتناول بالدرس هذه المسائل المختلفة، أن ألفت إلى أن من شأن الانطلاق من البنية القاعدية، وتطوير مبادئ أخرى بعد ذلك بكيفية متدرجة، أن يُضفي طابعًا خاصًا على نظرية العدالة إنصافًا. لننظر بداية، من أجل إضاءة هذه الملاحظة، في التباين مع النزعة النفعية: إذ تُؤوّل هذه، في العادة، باعتبارها نظرية عامة تمامًا. ومن الأكيد أن هذه هي الحال بالنسبة إلى المذهب الكلاسيكي في الصيغة النهائية التي أسندها إليه هنري سيدغويك. فمبدأ المنفعة يطبق بالكيفية ذاتها على كل الأشكال الاجتماعية، كما على أفعال الأفراد. وإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون استعدادات وتقييم كل واحد وطبعه، وكذا الممارسة الاجتماعية للإشادة والتأنيب، موجهة بهذا المبدأ. وللتأكد من ذلك، تُقرّ النفعية

المحكومة بالقاعدة Rule–utilitarianism بأن تمييزات معيّنة بين الموضوعات يمكن أن تثير إشكالات

خاصة. لكن التمييز بين القواعد والأفعال، فضلً عن كونه هو نفسه عامًا جدًا، إنما هو تمييز مقولاتي أو ميتافيزيقي، وليس تمييزًا في صميم فئة الأشكال الاجتماعية؛ إذ يثير سؤال كيفية تطبيق مبدأ المنفعة عبر اختلافات المقولات؛ وتُبقي الكيفية العامة، التي تُعالج بها النزعة النفعية القائمة على القاعدة هذا السؤال، على هذا التباين مع المنظور التعاقدي.

(((أشكر هوغو بيدو Bedau Hugo على التنبيه إلى ضرورة إبراز هذه النقطة. ففي تعقيباته على صيغة سابقة من هذه الدراسة، أشار

إلى أن المقطع الأخير من الجزء الثاني من نظرية العدالة بالأخص مضلل بهذا الشأن. ينظر:(((

Henry Sidgwick, The Methods of Ethics , 7 th ed. (London: Macmillan and Company, 1907).

من الواضح أن النظرية النفعية تُقرّ بخصوصيات الأضرب المتباينة من الحالات، لكن هذه الخصوصيات

قوربت كما لو كانت ناتجة من أصناف مختلفة من المعلولات والعلاقات العلّية التي يجب أخذها في الحسبان. وهكذا يمكن هذه النظرية القبول بأن البنية القاعدية مركب مهم من المؤسسات؛ نظرًا إلى

الطبيعة العميقة والممتدة لآثارها الاجتماعية والسيكولوجية. كما يمكنها أن تُقرّ أيضًا بفائدة تمييز هذه

البنية من التجمعات الجزئية داخلها، ومن النظام الأكثر اتّساعًا أيضًا للمحيط الدولي. فهذه التمييزات يمكن أن تكون مفيدة في تطبيقٍ منظم لمبدأ المنفعة. بيد أنه، ليس هناك، في أي حالة، تغييرٌ للمبدأ

الأول، حتى وإن كان من البدهي أن قواعد ومعايير ثانوية، مشتقة من مبدأ المنفعة، يمكن أن تُبرَّر

انطلاقًا من الخصائص المميزة للإشكالات المختلفة. فبالنسبة إلى النزعة النفعية إذًا، لا عدد الأفراد المعنيين، ولا الأشكال المؤسساتية التي تنظم قراراتهم وأنشطتهم، له وقع على القيمة الكونية لمبدأ المنفعة: فالعدد والبنية ليسا مترابطين إلّ بصورة غير مباشرة، من خلال أثرهما في الكيفية التي سيأتي بها، على الوجه الأكثر يقينًا، تحقيق القدر الإجمالي الأعلى من الإشباع (الذي يُحتسب بجمع عدد كل

الأشخاص المعنيين). من الجلي، أن المبادئ الأولى لنظرية العدالة إنصافًا لا تناسب نظرية عامة من هذا القبيل. فهذه المبادئ تدعو (كما سيأتي بيانه في الفقرة الأولى من المبحث السادس) إلى حماية البنية القاعدية لحريات قاعدية معينة متساوية بالنسبة إلى الجميع، وتضمن أن تحقق أشكالُ اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية الامتيازَ الأكبر للأفراد الأقل حظًا، وذلك في إطار مساواة منصفة في الحظوظ. فمن شأن هذه المبادئ، المطبّقة على الكثير من الحالات، إن لم يكن على غالبيتها، أن تفضي إلى إجراءات

غير معقولة. مثالنا الذي يوضّح هذا الأمر هو: بالنسبة إلى الكنائس والجامعات، فإنّ مبادئ أخرى تكون أكثر ملاءمة؛ فأعضاؤها يدافعون عادة عن أهداف معيّنة مشتركة بينهم، تُمثّل المعيار الأساسي

في اختيار شكل التنظيم الأنسب. وما يمكن الدفع به هنا هو الآتي: لأن الكنائس والجامعات بمنزلة هيئات توجد داخل البنية القاعدية، يجب عليها التأقلم مع المتطلّبات التي تفرضها هذه البنية من أجل تحقيق عدالة السياق الاجتماعي Justice Background. وهكذا، يمكن الكنائس والجامعات أن تكون محددة بكيفيات مختلفة، انطلاقًا، على سبيل المثال، مما هو ضروري للحفاظ على الحريات القاعدية المتساوية بالنسبة إلى الجميع (بما في ذلك حرية العقيدة) والمساواة المنصفة في الحظوظ. يمكن مذهب العقد، أن يبدو، أول وهلة، لا نظامي ا؛ إذ كيف يمكن أن يُعاد ربط هذه المبادئ التي

(((عدَّ جون هارساني هذا الأمر اعتراضًا ضد هذه المبادئ، ينظر:

John C. Harsanyi, "Can the Maximin Principle Serve as a Basis for Morality," American Political Science Review , no. 69 (June 1975), pp. 594–606.

لا يمكنني أن أجيب، في هذه الدراسة، بالكيفية الملائمة، عن الاعتراضات القوية جدًا لهارساني، لكنني أسجل ما يأتي: مبدأ تعظيم

الحد الأدنى لم يقترح أبدًا بوصفه قاعدة أخ قااية: ففي إطار مبدأ الفرق، هذا المبدأ خاضع لمبادئ أخرى، وينطبق على البنية

القاعدية؛ وعندما ندرك هذا المبدأ ضمن هذا الدور المحدد، بوصفه معيارًا لعدالة السياق الاجتماعي، فإن آثاره في الحالات العادية

(ينظر: الهامش 9) ليست، على ما أعتقد، مستبعدة. وأخيرًا، لا يترتب على حصر تطبيق مبادئ العدالة في حدود البنية القاعدية،

كما يلاحظ هارساني، أن عدد الأشخاص المعنيين وحده يُحدّد أي مبدأ هو الأصلح لحالة معطاة. ينظر: الفقرة الأخيرة من هذا

المبحث الثاني.

تُطبّق على موضوعات مختلفة، بعضها ببعض؟ بيد أن هناك أشك لً أخرى من الوحدة النظرية غير

تلك المحددة بوساطة مبادئ أولى عامة تمامًا. كما قد يكون ممكنًا إيجاد تدرّج مناسب لأضرب

الموضوعات، وافتراض أن فرقاء العقد الاجتماعي سيسلكون وفق هذا التدرج، من خلال إدراك أن مبادئ كل اتفاق لاحق يجب أن تكون تابعة لمبادئ كل الاتفاقات السابقة أو متّسقة معها بحسب قواعد أولوية معيّنة. فالوحدة الضمنية تأتي من خلال فكرة أن أشخاصًا أخلاقيين أحرارًا وسواسية عليهم وضع

موجِّهات معقولة وذات فائدة بالنسبة إلى الفكر الأخلاقي، انطلاقًا من الحاجة التي لديهم إلى مبادئ

منظِّمة كهذه، ومن الدور الذي يفترض أن تنهض به هذه المبادئ والموضوعات المتوافقة معها، في صميم الحياة الاجتماعية. يتعيّن أن نسجل هنا، تبديدًا للغموض، أننا عندما نبلور تصوّرًا للعدالة بالنسبة إلى البنية القاعدية

للمجتمع، أو إلى أي موضوع مهما كان، لا نفترض أن التباين في عدد الأشخاص المعنيين يُفسر وحده

كيف أن هذه المبادئ أو تلك هي الأنسب. فالاختلافات في البنية القاعدية، وفي الدور الاجتماعي للمؤسسات، هي الأساسية بالأحرى، حتى وإن كانت التباينات في العدد شروطًا ضرورية أحيانًا، وتعطي أشك لً مؤسساتية معيّنة الأفضليةَ. وهكذا، فإنّ الديمقراطية الدستورية هي أكبر من الأسرة؛

إذ لا بد من عدد أكبر من أجل دعم الأفراد الذين يشكّلونها. لكن الأهداف والأدوار المتمايزة لعناصر البنية الاجتماعية والكيفية التي تتأقلم بها بعضها مع بعض، هي التي تُفسّر وجود مبادئ مختلفة بالنسبة

إلى أنواع مختلفة من الموضوعات. ويبدو من الطبيعي افتراض أن الطابع الخاص واستقلالية مختلف أعضاء المجتمع يقتضي أن يتصرفوا، ضمن دائرة معينة، بحسب مبادئ خاصة، متصورة، كي تتلاءم مع طبيعتهم الجزئية.

ثالثًا

إن النظرية العامة المغرقة في العموم، كما هو الشأن في النفعية، ليست النوع الوحيد من التصورات التي ترفض فكرة أن تكون المبادئ الأولى مطلوبة في البنية القاعدية. لنأخذ، على سبيل المثال، النظرية التحرّريّة Theory Libertarian التي تدافع عن أن دولة دنيا تختزل وظائفها بالحماية ضد استخدام

القوة والسرقة والغش وضمان العقود وغيرها، تكون وحدها الدولة المبررة؛ وبأن كل دولة لها سلطات أوسع، إنما تنتهك حقوق الأفراد. وفي ما يخصنا نحن في هذا المقام، فالملامح الرئيسة لهذه النظرية هي الآتية. يكمن الهدف في بيان كيفية نشوء الدولة الدنيا انطلاقًا من وضعية عادلة عدالة تامة، وذلك من خلال سلسلة من المراحل، في مجموعها مقبولة أخلاقيًا، ولا تنتهك حقوق أي شخص. فإذا توصلنا إلى

فهم: إمكانية حدوث هذا إذا تصرف كل فرد كما يجب عليه أن يفعل، وعدم إمكانية نشوء دولة أخرى أكثر تطوّرًا.

(((أسير على خطى عرض روبير نوزيك في كتابه:

Robert Nozick, Anarchy, State and Utopia (New York: Basic Books, 1974).

فآنئذٍ نكون قد برّرنا الدولة الدنيا، بشرط أن تكون النظريةُ الأخلاقية التي تصف الوضعية الأصلية

بوصفها وضعية عادلة، وانطلاقًا منها تحدد ما هو مسموح به، صحيحةً. ومن أجل بلوغ هذه الغاية، نفترض أن حالة للطبيعة وُجِدت مع وفرة نسبية، في إطارها لا تثير الأشكال الفعلية لممتلكات كل واحد

أسئلة أخلاقية. أي إن أنماط الملكية القائمة آنئذ كانت عادلة، وكل فرد كان يحظى بممتلكات ملائمة. وتتميّز حالة الطبيعة هذه بغياب أي مؤسسة (مثل الدولة) من شأنها أن تفرض بعض القواعد، وأن توفر،

نتيجة لذلك، قاعدة مؤسساتية بالنسبة إلى الانتظارات إزاء سلوك الغير. تحدد النظرية التحرّريّة، بعد ذلك، مبادئ معينة للعدالة القاعدية التي تحكم اكتساب الخيرات (تملّك

الأشياء التي لا تنتمي إلى أي شخص في السابق)، ونقل الممتلكات من شخص (أو من تنظيم) إلى آخر. والصيغة العادلة من الممتلكات معرّفة آنئذٍ بكيفية متكررة: فأيّ شخص يحق له أن يحتفظ بما اكتسبه

وفقًا لمبادئ العدالة المرتبطة بالامتلاك ونقل الملكية، وليس من حقّ أيّ شخص في أيّ شيء إلّ

بتطبيق هذه المبادئ تطبيقًا مكرّرًا. وإذا انطلقنا من حالة للطبيعة تكون الوضعية القائمة للممتلكات

فيها عادلة، وإذا تصرف كل فرد، بعد ذلك، ودائمًا، على نحوٍ مطابق لعدالة الاكتسابات وعمليات

النقل، فإن كل الصيغ اللاحقة يجب أن توصف أيضًا بالعادلة. فالنظرية تدافع عن أن مبادئ الاكتساب العادل والنقل العادل تحافظ على عدالة الممتلكات في أثناء سير التعاملات عبر التاريخ، مهما كانت مدّة هذه التعاملات. وتكمن الكيفية الوحيدة المفترضة، التي يمكن أن يحدث عبرها الظلم، في الخرق المقصود لهذه المبادئ، أو عن طريق الخطأ أو الجهل بمقتضياتها، إلى غير ذلك. أخيرًا، وهذا هو الأهم بالنسبة إلينا في هذه الدراسة، يمكن أن ينشأ تنوّعٌ كبير من التنظيمات وأنماط

التعاون، بحسب ما  يقوم به الأفراد فعليًا، وبحسب الاتفاقات التي أُبرِمَت. وما  من حاجة إلى نظرية

خاصة تغطي هذه التعاملات وهذه الأنشطة التعاونية: فالنظرية المطلوبة قائمة مسبقًا في مبادئ عدالة عمليات الاكتساب والنقل، مؤوّلة بصورة صحيحة في ضوء شروط معيّنة. فكل أشكال التعاون

الاجتماعي المشروعة هي إذًا من إنشاء الأفراد الذين ينخرطون فيها إراديًا، وما من سلط ولا من حقوق

تمارسها، بصورة قانونية، التنظيمات، بما في ذلك الدولة، ما لم تكن حقوقًا مملوكة مسبقًا من لدن كل فرد يتصرف منفردًا في حالة الطبيعة الأصلية العادلة. ومن السمات الرئيسة لهذا المذهب أن الدولة تعادل أي تنظيم خاص آخر؛ إذ تنشأ بالكيفية ذاتها التي تنشأ بها بقية التنظيمات، ونشأتها، في السيرورة الافتراضية التاريخية العادلة عدالة تامة، محكومة بالمبادئ نفسها. وبدهي أن الدولة تخدم أهدافًا نوعية، لكن هذا ينطبق على التنظيمات عامة. ويضاف إلى هذا أن علاقة الأفراد بالدولة (الدولة الدنيا المشروعة) تعادل علاقتهم بأي تنظيم خاص

(((في هذا الموضع، وفي موضع لاحق، أ ميّز بين سيرورة (أو إجرائية) افتراضية تاريخية وافتراضية لاتاريخية. ففي الحالتين

السيرورة افتراضية، من حيث إنها لم تحدث فعليًا، أو يمكن ألا تكون قد حدثت. لكن السيرورات الافتراضية التاريخية يمكن أن

تكون قد حدثت: لا  يمكننا استبعادها انط قااًا من القوانين الاجتماعية الأساسية أو الوقائع الطبيعية. وهكذا، وبحسب التصور التحرري، إذا سلك الجميع بحسب مبادئ عدالة الاكتساب والنقل، وهو أمر ممكن، فإن من شأن السيرورة الافتراضية التاريخية المفضية إلى تشكل الدولة، أن تكون قد تحققت. وعلى العكس، السيرورة الافتراضية اللاتاريخية، كما هو الشأن، على سبيل المثال، بالنسبة إلى الإجراء المفضي إلى الاتفاق في الوضع الأصلي لا يمكن أن تحدث (ينظر: المبحث السادس).

آخر، يعقدون معه اتفاقًا. وهكذا، فالولاء السياسي يُؤوّل بصفته إلزامًا تعاقديًا خاصًا، إن صح القول، مع

هيئة كبرى احتكارية حققت النجاح: ويتعلق الأمر بهيئة الحماية المهيمنة محلّيًا. وعامة، ما من وجود

لقوانين عمومية موحَّدة تطبق بصورة متساوية على كل الأشخاص، بل بالأحرى شبكة من الاتفاقات

الخاصة: تُمثّل هذه الشبكة الإجراءات التي اختارت هيئة الحماية المهيمنة (الدولة) استخدامها مع زبنائها، حيثما كانوا؛ ويمكن أن تختلف هذه الإجراءات من زبون إلى آخر، انطلاقًا من الصفقة التي يبرمها كل واحد مع الهيئة المهيمنة. ولا أحد يمكن أن يُجْبَر على الانضمام إلى اتفاق ما، كما أن

لكل شخص، دائمًا، إمكان أن يصير مستقلً: فأن يكون الفرد من عملاء الدولة يكون ذلك بمنزلة

اختيار، كما هو شأن الانتماء إلى التنظيمات الأخرى بالضبط. وإذا كان التصور التحرّري يستخدم

مفهوم الاتفاق استخدامًا كبيرًا، فإنّه ليس البتة نظريةً للعقد الاجتماعي؛ لأن نظرية العقد الاجتماعي

ترى في الميثاق الأصلي تأسيسًا لنظام من القوانين العمومية المشتركة التي تُحدّد السلطة السياسية

وتضبطها، وتسري على كل واحد بوصفه مواطنًا. فالسلطة السياسية والمواطنة يجب أن تُفهما معًا، من خلال تصوّر العقد الاجتماعي ذاته. ومن خلال تصور الدولة تنظيمًا خاص ا، فالمذهب التحرري يرفض

الأفكار الأساسية لنظرية العقد، ومن الطبيعي كفاية أن هذا المذهب لا يفرد مكانًا لنظرية خاصة للعدالة من شأنها أن تنطبق على البنية القاعدية للمجتمع. أختم هذه الملاحظات الأولية بالقول إن رهان النظر في الاختلافات مع المذهبين، النفعي والتحرري، يكمن في الاعتماد على المثال ورصد الاختلاف، من أجل استجلاء الخصائص المميزة لنظرية العدالة بصفتها إنصافًا، في علاقتها بالبنية القاعدية. وتوجد اختلافات مماثلة مع الكمالية Perfectionism والحدسية Intuitionism ومع تصورات أخلاقية أخرى متداولة. ويكمن الإشكال هنا في بيان السبب في أن يكون للبنية القاعدية دور خاص، وكذلك معقولية البحث عن مبادئ خاصة تحكمها.

رابعًا

سأبدأ باستحضار اعتبارات عدة، من شأنها أن تفضي بنا إلى النظر إلى البنية القاعدية على أنها موضوع أوّل للعدالة، على الأقل عندما نشتغل في إطار نظرية كانطية للعقد الاجتماعي. الاعتبار الأول هو: لنفترض أننا ننطلق من الفكرة، المغرية في البداية، القائلة إن السياق الاجتماعي والعلاقات بين الناس يجب أن تتطور عبر الزمن على نحوٍ متوافق مع اتفاقات عُقدت بِحُرية، في

أعقاب سيرورة منصفة، وملتزم بمقتضياتها تمامًا. فعلى الفور نحن في حاجة إلى أن نعلم الوقت الذي تكون فيه الاتفاقات حرة، والظروف الاجتماعية الكفيلة بجعل هذه الاتفاقات منصفة. وهذا يضاف إليه أنه بينما أمكن لهذه الشروط أن تكون عادلة في عصر سابق، فإن النتائج المتراكمة لعدد كبير من الاتفاقات، وإن كان كل اتفاق منها يبدو عادلً، من المرجّح أن تفضي مع مرور الزمن، في علاقة

بالعرضيات التاريخية وتقلّبات المجتمع، إلى تحولّات في العلاقات بين المواطنين، وفي الإمكانات

المتاحة بالنسبة إليهم أيضًا، إذا لم تعد الشروط اللازمة لاتفاقات حرة ومنصفة قائمةً. ويكمن دور المؤسسات المشكّلة للبنية القاعدية في ضمان شروط عادلة في السياق الاجتماعي الذي على أساسه

تجري أفعال الأفراد والتنظيمات. فإذا لم تُعدّل هذه البنية وتُضبط ضبطًا مناسبًا، فإن السيرورة العادلة

في الأصل لن تعود إليها عدالتها، على الرغم من أنّ هذه المعاملات الجزئيّة قد تبدو، لمن نظر إليها

في ذاتها وبصفة منفصلة، عادلةً ومنصفةً. نقف على هذا الأمر عندما نقول، على سبيل المثال، إن التوزيع عامة، أي ذلك الذي ينشأ من التعاملات الإرادية للسوق (حتى وإن كانت الشروط المثالية للفعالية الاقتصادية متحققة) ليس منصفًا، ما لم يكن توزيع الثروة والموارد، بصورة سابقة على التعاملات ونظام الأسواق أيضًا، منصفَين. فالثروات القائمة يجب أن تكون مكتسبة بصورة صحيحة، ويجب أن تكون لكل واحد حظوظٌ متساويةٌ للحصول على دخل ما، وتُعلَم الكفايات الضرورية لذلك، وما إلى ذلك. ومرة أخرى، الشروط الضرورية لعدالة السياق الاجتماعي يمكن أن تتقوّض، بينما ما شخص تصرّف بكيفية ظالمة، ولا أخذ في الحسبان

الكيفية التي يؤثر بها الناتج الإجمالي للتبادلات العديدة المنفصلة في حظوظ الآخرين. وليس من قاعدة أن تفرض عمليًا على الفاعلين الاقتصاديين في تعاملاتهم اليومية، يمكنها استباق هذه النتائج

غير المرغوب فيها. فهذه النتائج، في الأغلب، بعيدة جدًا في المستقبل أو غير مباشرة، حيث سيكون من المستحيل، أو من المكلف جدًا، استباقها من خلال قواعد تضع قيودًا، يمكن أن تُطبّق على الأفراد. ينبغي الإشارة إلى أربع نقاط في إطار هذه الملاحظات التي يعرفها الجميع: أولً، ليس في وسعنا القول إن كانت الاتفاقات المبرمة عادلة أو منصفة من زاوية نظر اجتماعية، من خلال ملاحظة تصرف الأفراد أو التنظيمات في سياقها المباشر (أو المحلي) فحسب. لأن هذا التقييم يتوقف، في جانب كبير منه، على خصائص البنية القاعدية، وإن كانت قادرة على الحفاظ على عدالة السياق الاجتماعي. فإنصاف الاتفاقات بشأن الأجور، على سبيل المثال، يقوم على طبيعة سوق الشغل؛ إذ يتعيّن تلافي سلطة مفرطة

للسوق، ويجب أن توجد قدرة على التفاوض المنصف بين العمال ورب العمل. وهذا يضاف إليه أن الإنصاف يتوقف على الشروط الاجتماعية الضمنية، مثل المساواة العادلة في الحظوظ، التي تمتد في الماضي كما في المستقبل، في ما يتعدى الرؤية المحدودة. ثانيًا، يمكن أن توجد الشروط المنصفة في السياق الاجتماعي في لحظة مُعطاة، لتتقوّض، بعد ذلك

شيئًا فشيئًا، حتى وإن لم يكن أي شخص يتصرف بكيفية ظالمة، إذا حكمنا على ذلك من خلال القواعد التي تنطبق على مستوى الوضعية المحصورة محليًا، والتي تُحيل إلى التعاملات المعنية. فكون كل

واحد يمتلك أسبابًا وجيهة للاعتقاد أنه يتصرّف بصورة منصفة، من خلال الاحترام الدقيق للمعايير

التي تحكم الاتفاقات، ليس كافيًا لضمان عدالة السياق الاجتماعي. إنّها مسألة مهمّة وبدهيّة على

حدّ سواء: فبقدر ما أن عالمنا الاجتماعي يسوده النفاق والخداع، لدينا ميل إلى الاعتقاد أن القانون والحكومة ليسا ضروريين إلّ بسبب نزوع الأفراد إلى التصرف بصورة غير عادلة. على العكس من ذلك تمامًا، تميل عدالة السياق الاجتماعي بالأحرى إلى التآكل، عندما يتصرف الأفراد بصورة منصفة:

فالناتج الإجمالي للتعاملات المستقلة والمنفصلة لا يخدم عدالة السياق الاجتماعي، بقدر ما يحيد عنها. ويمكن أن نقول في هذه الحالة: إن اليد الخفية تقود الأمور في الاتجاه الخطأ، وترجّح الكفّة

صورة من التراكم تحتكر القلّة تشكيلها، وتنجح في الإبقاء على أشكال اللامساواة غير المبررة، وفي

وضع قيود على المساواة المنصفة في الحظوظ. وفي النتيجة، نحن في حاجة إلى مؤسسات خاصة من أجل ضمان عدالة السياق الاجتماعي، وإلى تصوّر خاص للعدالة من أجل تحديد الكيفية الواجب

اتباعها في إقامة هذه المؤسسات. ثالثًا، تفترض الملاحظة السابقة عدم وجود قاعدة ممكنة وقابلة للتطبيق، ومن المعقول أن تُفرض على الأفراد، وفي وسعها استباق تآكل عدالة السياق الاجتماعي. وهذا لأن القواعد التي تحكم الاتفاقات والتعاملات الفردية لا يمكن أن تكون معقدة جدًا، ولا أن تتطلّب الكثير من المعلومات من أجل أن تطبق بالصورة الصحيحة، ولا أن تقتضي من الأفراد الانخراط في مفاوضات مع أطراف أخرى متعددة ومتفرقة، لأن من شأن هذا أن يجعل تكاليف التعاملات باهظةً. وبعد ذلك كله، القواعد المطبقة على الاتفاقات هي بمنزلة موجهات عملية وعمومية، وليست معادلات رياضية يمكن جعلها أكثر تعقيدًا بقدر ما يسمح الخيال بذلك. كما يجب على كل نظام معقول من القواعد ألّ يتجاوز قدرة الأفراد على فهمه، وعلى العمل بقدر كافٍ من اليسر، ولا أن يفرض على المواطنين متطلّبات في المعرفة والدقة ليس في وسعهم بلوغها. فالأفراد – كما التجمعات – ليست لهم القدرة على إدراك تشعّبات أفعالهم الخاصة من زاوية نظر جماعية. كما لا يمكننا أن ننتظر منهم توَقُّع الظروف المستقبلية التي يمكنها أن

تُجَلِّي التوجهات الراهنة وتُغيّرها. وهذا بدهي كفاية إذا اعتبرنا الآثار التراكمية، عبر الأجيال، لعمليات

شراء المِلكية العقارية Property Landed وبيعها وتناقلها عن طريق الإرث. ومن غير المعقول بداهة أن نفرض على الآباء (ككبار للأسر) واجب ضبط وصاياهم مع تقديرهم لنتائج مجمل الوصايا على الجيل التالي، وبالأحرى في ما يتعدّاه. رابعًا وأخيرًا، نصل إلى فكرة تقسيم العمل بين صنفين من القواعد الاجتماعية، وبين الأشكال

المؤسساتية المختلفة التي تُطبّق هذه القواعد. فالبنية القاعدية تشمل أولًالمؤسسات التي تُحدّد

السياق الاجتماعي، وتتضمن أيضًا العمليات التي تُعدّل وتُصحّح، بصورة مستمرة، النزوعات المحتومة

للانحراف عن إنصاف السياق الاجتماعي، على سبيل المثال من خلال عمليات معيّنة، مثل فرض

رسوم أو ضرائب على الدخل والإرث، وذلك طلبًا للمساواة في الولوج إلى المِلكية. وتُطبّق هذه البنية

أيضًا، عبر نظام القوانين، مجموعة أخرى من القواعد التي تحكم التعاملات والاتفاقات بين الأفراد وبين التنظيمات (المصادقة على العقود وغيرها). وتشكل القواعد المرتبطة بالغش والعنف، وسواهما، جزءًا من هذه القواعد، كما تستوفي شرطَي البساطة والقابلية للتطبيق. وقد وُضِعت هذه القواعد من

أجل إفساح المجال أمام الأفراد والتنظيمات لتكون حرة في التصرف بفعالية من أجل تحقيق أهدافها، ومن دون قيود مبالغ فيها. ولنختم، ننطلق من البنية القاعدية ونحاول النظر في الكيفية التي يجب على هذه البنية أن تتولّى بها هي نفسها عمليات الضبط الضرورية، من أجل ضمان عدالة السياق الاجتماعي. ويكمن ما ننشد إيجاده في تقسيم مؤسساتي للعمل بين البنية القاعدية، والقواعد القابلة للتطبيق بصورة مباشرة على الأفراد والتنظيمات، التي عليهم مراعاتها في تعاملاتهم الخاصة. وإذا كان من الممكن تحقيق هذا التقسيم للعمل، فسيكون الأفراد، كما التجمعات، أحرارًا في طلب أهدافهم بأكثر فعالية، في إطار البنية

القاعدية، وهم على يقين من معرفة أن التصويبات الضرورية من أجل ضمان عدالة السياق أ جريت فيُ موضع آخر من النظام الاجتماعي.

خامسًا

تشير أفكار أخرى أيضًا إلى الدور الخاص للبنية القاعدية. وقد رأينا إلى حدود الآن، أن شروطًا معيّنة في

السياق الاجتماعي ضرورية من أجل أن تكون التعاملات بين الأفراد منصفة: تسم هذه الشروط الوضعيةَ الموضوعيةَ للأفراد إزاء بعضهم بعضًا. لكن، ماذا عن طبع الأفراد أنفسهم ومصالحهم؟ إنها ليست محددة أو مُعطاة. ويجب أن تأخذ النظرية في العدالة في الحسبان الكيفية التي تشكلت بها أهداف الناس وتطلّعاتهم، ويُعدّ هذا جزءًا من إطار تفكير أوسع، يجب في ضوئه أن يُفسّر تصوّر للعدالة. يُقرّ الجميع الآن بأن الصورة المؤسساتية للمجتمع تؤثر في أعضائه، وتُحدّد في جزء كبير نوعَ الأشخاص

الذين يريدون أن يكونوا عليهم، كما نوع الأشخاص الذي يكوّنونهم. فالبنية الاجتماعية تضع أيضًا حدودًا وبكيفيات مختلفة لآمال الناس وطموحاتهم. لأن الفكرة التي يكوّنونها عن أنفسهم تتوقف جزئيًا،

وعن حق، على موقعهم في المجتمع، وتأخذ في الحسبان الوسائل والحظوظ التي يمكنهم المراهنة عليها بصورة معقولة. وهكذا، لنقل إن النظام الاقتصادي ليس إطارًا مؤسساتيًا من أجل إشباع الرغبات

والتطلعات القائمة فحسب، بل إنه أيضًا كيفية لتشكيل الرغبات والتطلّعات المستقبلية. وبصورة عامة أكثر، تؤثر البنية القاعدية في الكيفية التي ينتج بها النظام الاجتماعي ويُعيد بها إنتاج صورة معيّنة من الثقافة

المشتركة بين الناس، كما بعض التصورات لما هو خير بالنسبة إليهم عبر مرور الزمن. ومرة أخرى، لا يمكننا أن نعتبر قدرات الأفراد ومواهبهم هباتٍ طبيعيَّةً محددة مرة واحدة وإلى الأبد. فمن

الأكيد وجود مكوّن جيني مهم، حتى في الكيفية التي تُصقل بها هذه الهِبات. ومع ذلك، فهذه القدرات والمواهب لا يمكن أن تُنمَّى أو تُصْقل بصورة مستقلة عن الشروط الاجتماعية، وحتى عندما يأتي ذلك، فإنه يتّخذ صورة من بين صور أخرى ممكنة. فالقدرات الطبيعية التي نطوّرها قائمة دائمًا على اصطفاء محصور من بين الإمكانات التي كان من الممكن أن تتحقق بها. وهذا يضاف إليه، أن قدرة ما ليست، على سبيل المثال، شيئًا مشابهًا لحاسوب عصبي بخصائص قابلة للقياس ومستقلة عن الظروف الاجتماعية. ومن بين العناصر ذات التأثير في صقل القدرات الطبيعية، تبرز المواقف الاجتماعية المتعلقة بالمساعدة والتشجيع، والمؤسسات الاجتماعية أيضًا الموكول إليها إنماء هذه القدرات واستخدامها. فحتى قدرة كامنة معيّنة في لحظة ما ليست مستقلة عن العلاقات الاجتماعية القائمة، وعن الأحداث الجزئية السالفة

في مسار الحياة. فليست غاياتنا النهائية وآمالنا الشخصية، بل أيضًا قدراتنا ومواهبنا المتحققة، هي التي تعكس، في جانب كبير منها، تاريخنا الشخصي وحظوظنا، ووضعنا الاجتماعي. وليس من وسيلة لمعرفة ما كان يمكن أن نكون عليه لو كانت تلك المعطيات مختلفة عما هي عليه. أخيرًا، يجب تقريب الاعتبارات السابقة من واقعة أن البنية القاعدية من المحتمل جدًا أنها تسمح

بأشكال من اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية ذات الأهمية بالنسبة إلى آفاق حياة المواطنين، وذلك

انطلاقًا من أصلهم الاجتماعي، ومن المواهب الطبيعية التي ينمّونها، والصدف والأحداث العارضة التي شكلت تاريخهم الشخصي. ويمكننا افتراض أن أشكال اللامساواة هذه محتومة؛ إذ إنها إما ضرورية، وإما بالغة الأهمية من أجل الحفاظ على تعاون اجتماعي ذي فعالية. وهناك على الأرجح أسباب متعددة لهذا الأمر، لا تُعدّ الحاجة إلى التحفيزات إلً واحدًا منها. يمكن إلقاء الضوء على طبيعة أشكال اللامساواة في ما يخص آفاق الحياة من خلال مقابلتها مع أشكال أخرى. لنتصوّر جامعة بهيئة تدريس مكوّنة من ثلاثة مستويات، وكل فرد من هذه الهيئة يقضي الزمن نفسه في كل مستوى ويتلقّى فيه الأجر ذاته. ففي حين توجد في كل لحظة أشكال من اللامساواة في المرتبة والأجر، ليس هناك أشكال من اللامساواة في آفاق الحياة بين أعضاء هيئة التدريس. وهذه هي الحال أيضًا عندما يعتمد أعضاء هيئة ما نظامًا قائمًا على التدوير أو التناوب في تولّي مناصب معيّنة ذات امتيازات، أو ذات أجر أعلى، لأنها تنطوي، على سبيل المثال، على مسؤوليات أكبر. فإذا

كان النظام متصوّرًا، حيث يفسح المجال أمام الجميع لشغل هذه المناصب لمدة متساوية، ما عدا عند حدوث أمر عارض، أو وفاة، ونحو ذلك، فإن ذلك معناه عدم وجود لامساواة في آفاق الحياة. يكمن ما يجب أن تحكمه نظرية العدالة في أشكال اللامساواة في آفاق الحياة بين المواطنين الذين يتعاقبون على مواقع البداية الاجتماعيّة، وعلى الامتيازات الطبيعية والعرضيات التاريخية. فحتى

عندما تكون هذه التفاوتات ضئيلة في بعض الأحيان، فإن أثرها يمكن أن يكون على قدر من الأهمية، حيث تكون له، على المدى البعيد، نتائج تراكمية بالغة. وتركز الصورة الكانطية من مذهب العقد الاجتماعي على هذه التفاوتات في البنية القاعدية، مع القناعة بكونها الأكثر أهمية. فإذا تمكّنا من إيجاد مبادئ ملائمة تحكم هذه التفاوتات، وإذا ما نشئت المؤسسات اللازمة لذلك، فإن حلّ إشكال أُ تصحيح التفاوتات الأخرى سيكون أيسر بكثير.

سادسًا

في نظرية العدالة إنصافًا، عُدَّت مؤسسات البنية القاعدية عادلة، بمجرد أن تستوفي المبادئ التي من شأن أشخاص أخلاقيين أحرار وسواسية وموجودين في وضع منصف أن يتبنّوها بهدف تدبير هذه البنية. والمبدآن الأكثر أهمية يُعبَّر عنهما كالآتي: (1) لكل شخص حقٌ متساوٍ في النظام الأكثر امتدادًا من الحريات القاعدية المتساوية، التي تتوافق مع النظام نفسه من الحريات بالنسبة إلى الجميع. (2) التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية مسموح بها بشرط (أ) أن يكون فيها الامتياز الأكبر للأفراد الأقل حظًا، و (ب) أن تكون مرتبطة بوضعيات ووظائف مفتوحة أمام الجميع، ضمن شروط مساواة منصفة في الحظوظ.

(((نوقش هذان المبدآن في الفقرات 13–11 وفي مواضع أخرى في: Rawls. وتوجد صياغة أوجز، تتضمن المبدأ العادل للتوفير وقواعد الأولوية، في: Ibid., p. 341.

دَعُونا ننظر في الكيفية التي يؤثر بها الدور الخاص للبنية القاعدية في شروط الاتفاق الأصلي، ويستدعي اعتبار هذا الاتفاق افتراضيًا ولا تاريخيًا. والآن البنية القاعدية بالتعريف هي النظام الاجتماعي المجمل

الذي يُحدّد عدالة السياق الاجتماعي (وسنلاحظ أنني وضعت هنا إشكال العدالة بين الأمم جانبًا).

وهكذا، وفي المقام الأول، كل وضعية منصفة إزاء الأفراد، متصوّرين بصفتهم أشخاصًا أخلاقيين

أحرارًا وسواسية، يجب أن تكون بصورة تقلّص بقدر كافٍ من التفاوتات الناتجة من تأثير العرضيات

في صميم هذا النظام. إن الاتفاقات الفعلية المبرمة آنئذٍ، والأفراد يعلمون موضعهم في مجرى الحياة الاجتماعية، خاضعة لتأثيرات العرضيات الطبيعية والاجتماعية من كل صنف. وتتوقف المبادئ المُتبناة على المجرى الفعلي للأحداث التي وقعت في صميم البنية المؤسساتية لهذا المجتمع. ولا يمكننا، من خلال اتفاقات واقعية، تجاوز الأحداث العارضة، أو إيجاد معيار مستقل كفاية. ومن الجلي أيضًا، عندما نتصوّر الفرقاء بصفتهم أشخاصًا أخلاقيّين أحرارًا وسواسية، سبب لزوم أن

يعلموا القليل جدًا من الأشياء عن أنفسهم (وأحيل هنا إلى قيود حجاب الجهل). فذلك لأن من شأن اتّباع نهج مغاير أن يتيح لوقائع عارضة منوّعة التأثير في المبادئ الرامية إلى حكم علاقاتهم الاجتماعية

بوصفهم أشخاصًا أخلاقيين. ولهذا نفترض أن الفرقاء لا يعرفون وضعهم في المجتمع، ولا حظّهم الحسن أو السيئ في توزيع القدرات والمواهب الطبيعية؛ فجميعهم يوجد ضمن حدود الاختلافات الطبيعية. ولا يعرف الفرقاء أيضًا غاياتهم النهائية ومصالحهم، ولا مزاجهم السيكولوجي الخاص. أخيرًا، ومن أجل ضمان الإنصاف بين الأجيال (على سبيل المثال في الاتفاق بشأن المبدأ العادل

للادخار)، لا يعلم الفرقاء الذين نفترض أنهم معاصرون بعضهم لبعض شيئًا عن الحالة الراهنة للمجتمع؛ إذ ليست لديهم معلومات عن مستوى الموارد الطبيعية، ولا عن مستوى وسائل الإنتاج والتكنولوجيا، باستثناء ما يمكن أن يستنتج مما يعلمونه عن سياق العدالة. فالحظ الحسن أو العاثر لجيلهم ليس معلومًا لديهم، لأن الأفراد المعاصرين بعضهم لبعض، عندما يخضعون لتأثير وصف عام للحالة الراهنة للمجتمع في اللحظة التي يتوافقون فيها على كيفية التعامل فيما بينهم، ومع الأجيال المقبلة، فإنهم لم يضعوا جانبًا بعد آثار الأحداث العابرة في التاريخ، وآثار العرضيات الاجتماعية في

البنية القاعدية. فعلى هذا النحو، نصل إلى الصيغة القصوى، بدلً من الدنيا من حجاب الجهل: يجب

(((يكمن السبب، في مقاربة أولى، في أن إشكال العدالة الاجتماعية يهم البنية القاعدية من حيث كونها تشكل سياقًا اجتماعيًا

ونظامًا مغلقًا. والبدء بمجتمع الأمم لن يقوم بغير جعل مهمة إيجاد نظرية للعدالة بالنسبة إلى السياق الاجتماعي أكثر صعوبة.

ويجب أن يوجد على مستوى معيّن نظام [اجتماعي] مغلق، وهذا النظام هو الذي ننشد أن نضع له نظرية في العدالة. فنحن أكثر

استعدادًا لمقاربة هذا الإشكال بالنسبة إلى المجتمع (وفي هذه الحالة المجتمع منظور إليه كأمة)Nation متصور كنظام من التعاون

الاجتماعي، مكتف بذاته بهذا القدر أو ذاك، وحائز ثقافة بهذا القدر أو ذاك من الكمال. وإذا توفقنا في حالة المجتمع، يمكننا محاولة توسيع نظريتنا الأصلية وتكييفها في أفق أبحاث جديدة. (((حُدّدت الاختلافات الطبيعية كالآتي: إذا كان الإشكال الأساسي للعدالة يهم العلاقات بين الناس المشاركين مشاركة كاملة في

المجتمع، الذين هم متكتلون سويّة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طوال مسار حياتهم، فمن المعقول افتراض أن الحاجات الفيزيائية

والقدرات السيكولوجية لكل واحد إنما تتباين أو تختلف ضمن الحدود الطبيعية. وندع جانبًا الإشكال الذي يهم الأشخاص الذين

هم في حاجة إلى عناية طبية خاصة، وكذلك الإشكال الذي يخص التعامل مع المعوّقين ذهنيًا: فإذا كان في وسعنا إقامة نظرية ذات

صلاحية ضمن الحدود الطبيعية، فيمكننا مقاربة هذه الحالات لاحقًا.

أن يُنظر إلى الفرقاء، بقدر الإمكان، كأشخاص أخلاقيين فحسب، بصرف النظر عن العرضيات. فمن أجل أن تكون الوضعية الأصلية منصفة، فإنها تتعامل مع الفرقاء بكيفية متماثلة، لأنهم سواسية بوصفهم أشخاصًا أخلاقيين: كل واحد منهم محدد بالخصائص الأساسية ذاتها. إننا ننطلق من وضعية للامعلومة information no of state a، ولا نفسح المجال فيها إلّ للمعلومات الضرورية من أجل أن يكون الاتفاق عقلانيًا، لكنه مستقل كفاية عن العرضيات التاريخية والطبيعية والاجتماعية. فقدر أكبر كثيرًا من

المعلومة قد يكون متوافقًا مع شرط الحياد المنشود، لكن التصور الكانطي يتطلّب أكثر من ذلك. وهكذا، فالسبب الذي من أجله يجب اعتبار العقد الاجتماعي افتراضيًا ولا تاريخيًا بدهيٌ. وبيان

ذلك أن الاتفاق في الوضع الأصلي يمثل نتيجة لسيرورة عقلانية من التداول في إطار شروط مثالية ولا تاريخية، تُعبّر عن قيود معقولة معيّنة. ولا توجد، على المستوى العملي، أي وسيلة لإدارة سيرورة

التداول هذه، ولا لنكون على يقين من كونها ستستجيب للشروط المطلوبة. وتبعًا لذلك، فالنتيجة لا يمكن التحقق منها من لدن العدالة الإجرائية الخالصة على نحو ما ستترتب على تداول بين الفرقاء في وضعية واقعية. فالنتيجة يجب أن تُحدّد من خلال استدلال تحليلي؛ أي إن الوضع الأصلي يجب أن يوصف بقدر كافٍ من الدقة، من أجل أن يكون ممكنًا إرساء تصوّر للعدالة من شأنه أن يحظى

بالأفضلية في أثناء المواجهة بين الحجج، وذلك انطلاقًا من طبيعة الفرقاء والوضعية التي يوجدون عليها. ومضمون العدالة يجب أن يكتشف بوساطة العقل، أي من خلال حل إشكال الاتفاق الذي يطرحه الوضع الأصلي. وبغية الحفاظ على التأويل الذي بحسبه ندخل في الوضع الأصلي في الزمن الحاضر، فإن أسئلة العدالة كلها تخضع للمعالجة، مع احترام القيود التي تنطبق على أناس معاصرين بعضهم لبعض. لنأخذ الادّخار العادل مث لً: بما أن المجتمع نظام من التعاون ممتد في الزمن بين الأجيال، فيتعيّن

إيجاد مبدأ عادل للادّخار. فبدلً من تخيّل اتفاق مباشر (افتراضي ولاتاريخي) بين كل الأجيال، يمكننا

أن نطلب من الفرقاء الاتفاق على مبدأ عادل للادّخار، خاضع للشرط؛ المتمثل في أن عليهم أن يريدوا أن تكون كل الأجيال السابقة قد عَمِلت به. وهكذا، فالمبدأ الصحيح هو ذلك الذي يجب على جيلهم العمل به، والذي كانوا سيريدون أن تكون قد اتّبعته الأجيال السابقة (وبأن الأجيال المقبلة ستقوم بالشيء نفسه)، مهما يكن قدر التباعد في الماضي (أو في المستقبل).

(((1 أدين لجوشوا ربانويتز Rabinowitz Jochua بهذه الكيفية في صياغة الاخت ف بين الصيغتين القصوى والدنيا من حجاب الجهل. (((1 تختلف هذه الصياغة لشروط الاتفاق حول المبدأ العادل للادخار عن تلك المتضمنة في: Rawls, pp. 161–162, 330. تشير هذه الصياغة الأخيرة إلى أن الفرقاء يجب أن يريدوا أن تكون الأجيال السابقة قد سلكت وفق المبدأ الذي سيتبنونه بوصف بعضهم معاصرًا لبعضهم الآخر. وبما أننا نفترض أن الأجيال ليست منشغلة بمصالح بعضها بعضًا، فلا شيء سيُلزمهم برفض القيام بأي ادّخار.

ومن أجل التغلب على هذه الصعوبة، افترضت أن الفرقاء كان لديهم انشغالٌ بذريّتهم أو نسلهم. فالأمر يتعلق بفكرة معقولة، لكن الشرط

الموضوع هنا له خاصية حلّ الصعوبة، من دون تعديل الفرضية المتعلقة بالأسباب المحفّزة. كما يحافظ هذا الشرط على التأويل الذي

بحسبه ندخل في الوضع الأصلي في الزمن الحاضر، ويتّسق مع شرط الخضوع التام والنظرية المثالية عامة. وأدين بهذه المراجعة

لتوماس ناجيل Nagel Thomas وديريك بارفي Parfit Derek، كما اقترحتها أيضًا جان إنكليش English Jane التي أشارت إلى العلاقة

. Jane English, "Justice between Generations," Philosophical Studies , no. 31 (1977), p. 98:مع النظرية المثالية. ينظر

لا يطرح الطابع الافتراضي واللاتاريخي للوضعية الأصلية، أي صعوبة إذًا بمجرد أن ندرك هدفها النظري. وفي التأويل الذي، بحسبه ندخل في الوضع الأصلي في الزمن الحاضر، يمكننا إذًا أن نضع أنفسنا في هذه الوضعية في أي لحظة، من خلال استدلالنا الأخلاقي، فحسب، بشأن المبادئ الأولى، في إطار احترام القيود الإجرائية المطلوبة. وتتموضع أحكامنا المفكر فيها جيدًا في مستويات مختلفة من العمومية، من الأكثر جزئية إلى الأكثر تجريدًا. وهكذا، وعندما نُصدّق على الأحكام المُعبّر عنها

من خلال هذه القيود، بمعنى القيم الموافقة لفكرة معاملة منصفة بين أشخاص أخلاقيين سواسية (في الوضع الأصلي)، فيجب علينا أيضًا القبول بالحدود المفروضة على تصوّرات العدالة التي ستنبثق

منها. فالوضع الأصلي بمنزلة محاولة لتمثل وتوحيد العناصر الصورية والعامة لتفكيرنا الأخلاقي في بناء بسيط وجذاب، بغية استخدامها لتحديد ما ستكونه مبادئ العدالة الأكثر معقولية. أختم بالإشارة إلى أنه بمجرد التنصيص على الدور الخاص للبنية القاعدية وصرف النظر عن مختلف العرضيات بغية إيجاد تصوّر ملائم للعدالة تحكمها، فإن شيئًا ما مثل الوضع الأصلي يبدو محتومًا. إنه

امتداد طبيعي لفكرة العقد الاجتماعي عندما يجري اتخاذ البنية القاعدية موضوعًا أوّل للعدالة.

سابعًا

سأفحص الآن الأسباب التي تجعل للاتفاق الأصلي خصائص تميزه من أي اتفاق آخر. ومرة أخرى يكمن التفسير في دور البنية القاعدية. وعلينا التمييز بين التنظيمات والاتفاقات الجزئية في صميم هذه البنية القاعدية من جهة، والاتفاق الأصلي والانتماء إلى المجتمع من جهة أخرى. لننظر بداية في الاتفاقات الجزئية: تتمثل خاصية هذه الاتفاقات في كونها قائمة على الموارد والقدرات والإمكانات والمصالح المعلومة (أو المفترضة) للفرقاء، كما هي متحققة في صميم المؤسسات المُشكّلة للسياق

الاجتماعي. وفي وسعنا أن نفترض أن كل واحد من الفرقاء، فردًا كان أم تنظيمًا، توجد رهن إشارته

إمكانات منوعة، يمكنه المقارنة بين منافعها وأضرارها المتوقعة بغية التصرف تبعًا لذلك. ويمكننا، ضمن شروط معيّنة، تقييم مساهمة أحد ما في فعل تعاوني دائم أو في تنظيم قائم؛ ويكفي معاينة بأي كيفية

يمكن أن يشتغل الفعل التعاوني أو التنظيم إذا لم يكن هذا الشخص مشاركًا فيه؛ وهو ما يُعدّ مقياسًا

لقيمته بالنسبة إلى الفعل التعاوني أو إلى التنظيم. ويُقيّم الأفراد، من جانبهم، مصلحتهم في الانخراط

فيها، مقارنة بإمكاناتهم الخاصة. وهكذا، فالاتفاقات الجزئية أُبرِمت في سياق أشكال العلاقات القائمة والممكن توقّعها، من حيث إنها كانت أو ستكون، احتم لً، متحققة في البنية القاعدية، وهذه الأشكال هي التي تعطي التقييمات التعاقدية قاعدة. إن سياق العقد الاجتماعي مختلف جذريًا؛ إذ يجب أن يأخذ في الحسبان الوقائع الثلاث الآتية من بين وقائع أخرى. وهذه الوقائع هي أن الانتماء إلى المجتمع أمرٌ معطى، وأنه لا يمكننا أن نعرف

ما سنكون عليه لو لم نكن ننتمي إليه (الفكرة ذاتها ليس لها ربما أي معنى)؛ وبأن المجتمع منظور إليه ككل، ليس له غايات ولا تراتبية للغايات، بالمعنى الذي ينطبق على الأفراد والتكتلات. إن أهمية هذه الوقائع جليّة بمجرد أن نحاول النظر في العقد الاجتماعي بصفته عقدًا عاديًا، وفي الكيفية التي يمكن

أن يجري بها التداول المفضي إليه. وبما أن الانتماء إلى المجتمع معطى، فإن السؤال لا يمكن أن ينصبَّ، بالنسبة إلى الفرقاء، على مقارنة الامتيازات المتاحة في مجتمعات أخرى. وهذا يضاف إليه أنه

من المستحيل تقدير المساهمة الممكنة أو المحتملة في المجتمع بالنسبة إلى فرد ليس عضوًا فيه بعد؛

لأن هذا الإمكان لا يمكن أن يُعرف، وليس منسجمًا، في كل الأحوال، مع الوضعية الراهنة. وفضلً عن ذلك، لا يوجد، من زاوية نظر المجتمع متصوّرًا ككل في علاقته بأعضائه، مجموع من الغايات

المشتركة، يمكننا انطلاقًا منها قياس المساهمة الاجتماعية المحتملة لفرد ما أو تقديرها. فللتنظيمات والأفراد غايات من هذا الصنف، بينما المجتمع الحسن التنظيم، وإن كان موضوعه تحقيق العدالة لكل مواطنيه، فإن ليس من شأن هذا الهدف تقديم ترتيبٍ للمساهمات المنتظرة، ولا تحديد الأدوار الاجتماعية لكل واحد على أساس هذه القاعدة، ولا قيمة كل واحد من زاوية نظر اجتماعية. ومفهوم المساهمة الفردية في المجتمع التي ينظر إليها كما لو كانت تنظيمًا (حيث يحقّ للتنظيم أن يقدّم شروطًا للانخراط فيه مشتقّة من الأهداف التي للأعضاء المنتمين إليه)، لا مكان له في إطار تصور كانطي. ونتيجة لذلك، من الضروري إبرام العقد الاجتماعي بكيفية خاصة تميزه من سواه من الاتفاقات. تتحقق هذه النتيجة، في نظرية العدالة إنصافًا، من خلال بناء مفهوم الوضع الأصلي. فهذا البناء يجب أن يعكس التمييز الأساسي أعلاه، وتقديم العناصر الناقصة من أجل إبرام عقد مناسب. لننظر في الوقائع المشار إليها في الفقرة السابقة مباشرة. ففي علاقة بالواقعة الأولى، يفترض الفرقاء في الوضع الأصلي أن انتماءهم إلى المجتمع ثابتٌ. ويعكس هذا الافتراض واقعة أننا وُلدنا في مجتمعنا، وأننا

نحقق في إطاره شكلً، من بين أشكال أخرى ممكنة، من شخصنا؛ فالسؤال المتعلّق بالانخراط في مجتمع آخر سؤال لا يُطرح. فالأمر يتعلق، بالنسبة إلى الفرقاء، بالاتفاق على مبادئ ستُطبّق على البنية

القاعدية للمجتمع، حيث يفترض أن يقضوا حياتهم. وإذا كانت المبادئ المتبنّاة تأخذ الهجرة في الحسبان من دون أدنى شك (بشرط وجود ضوابط ملائمة)، فإنها لا تسمح بترتيبات لن تكون عادلة إلّ إذا كانت الهجرة مسموحًا بها. فالروابط التي يجري تمتينها بين الأشخاص والأمكنة، وبين التكتلات

والجماعات المشتركة Communities، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الروابط الثقافية، على العموم، هي روابط بالغة القوة ليُتخلّى عنها؛ وهذا الأمر يجب عدم القلق بشأنه. فالحق في الهجرة لا يؤثر إذًا في

معايير بنية قاعدية عادلة، لأن هذه البنية يجب تصوّرها بصفتها إطارًا يولد فيه الناس، ومن شأنهم أن

يمضوا فيها حياتهم كاملة. لننظر الآن في الواقعة الثانية المشار إليها أعلاه. ويمكن أن نلاحظ أن حجاب الجهل لا يُوجِد وضعية منصفة بين أشخاص أخلاقيين سواسية فحسب، بل يُحيل أيضًا من خلال استبعاده المعلومات المتصلة بالقدرات والمصالح الفعلية للفرقاء إلى واقعة أنه، بصرف النظر عن موقعنا وتاريخنا في المجتمع، حتى قدراتنا المحتملة لا يمكن أن تُعرف ومصالحنا وطبعنا لم يتشكلا بعد. وفي النتيجة، تُعبّر الوضعية الأصلية، بكيفية ملائمة، عن واقعة أن طبيعتنا، خارج المجتمع، ليست شيئًا آخر غير

إمكان من بين قائمة عريضة من الإمكانات. وثالثًا، لا وجود لغايات اجتماعية خارج تلك التي تحددها مبادئ العدالة، والحال أن هذه المبادئ لم تُعتمد بعد.

بيد أنه، وإن كانت الحسابات التي من شأنها أن تؤثر في الاتفاقات داخل المجتمع لا مكان لها في الوضع الأصلي، فإن جوانب أخرى من هذا الأخير تشكل إطارًا لعملية تداول عقلاني. فالحلول

الممكنة لا توفر إمكانات للانخراط في مجتمعات أخرى، بل تشكل بالأحرى قائمة من تصوّرات

العدالة، موجّهة لحكم المجتمع الذي تنتمي إليه. فمصالح الفرقاء وتفضيلاتهم معطاة من خلال

رغبتهم في الخيرات الأولية، وغاياتهم النهائية وأهدافهم سبق أن تشكلت، حتى وإن لم يكن لهم علم بها؛ وهذه المصالح القائمة مسبقًا، والشروط الضرورية أيضًا من أجل صون الشخصية الأخلاقية، هي التي يتوخّون حمايتها، وذلك بترتيب التصورات المقترحة على قاعدة أفضليتها (في الوضع الأصلي) بالنسبة إلى الخيرات الأولية. وأخيرًا، توفر النظرية العامة المتاحة في المجتمع قاعدة كافية

لتقييم إمكانية تطبيق التصورات المختلفة للعدالة، ونتائجها أيضًا. انطلاقًا من هذه الخصائص المميزة للوضع الأصلي، فإن فكرة العقد الاجتماعي بصفته فعلً عقلانيًا يمكن الدفاع عنها، على الرغم من

الطبيعة غير المألوفة لهذا الاتفاق.

ثامنًا

لنفكّر الآن في طرائق ثلاث من العلاقات البشريّة، يُرى فيها، منعكسًا، مضمون المبادئ المتعلّقة بالعدالة

نفسها. أولً، مبدأ الاختلاف (الذي يحكم أشكال اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية) لا يقوم بأي تمييز بين ما هو مكتسب من لدن الأفراد بصفتهم أعضاء في المجتمع، وما كان من الممكن أن يكتسبوه لو لم يكونوا كذلك. والحال أن فكرة حصول الفرد على نصيب من الامتيازات يتعدّى ما كان في وسعه الحصول عليه في مجتمع آخر، أو في حالة الطبيعة، غير ذات معنى. ويمكننا، إن شئنا ذلك، إدراج حالة الطبيعة في بناء الحجاج المتعلق بالوضع الأصلي في صورة ما يمكن أن نطلق عليه نقطة اللااتفاق Non– Agreement Point، وهذه النقطة يمكن تعريفها كأنانية مُعمّمة مع النتائج المترتبة عليها، وفي الإمكان

أن تمثل حالة الطبيعة. لكن هذه الشروط لا تُحدّد حالة معينة. فكل ما نعلمه في الوضع الأصلي هو أن لكل واحد من تصوّرات العدالة المتاحة بالنسبة إلى المشاركين نتائجَ ذات أفضلية، مقارنة بالأنانية

المعممة. فالأمر لا يتعلق بتحديد مساهمة كل فرد في المجتمع، ولا بحساب الامتيازات التي من شأنها أن تأتي لكل واحد عن عدم انتمائه إلى المجتمع وضبط الامتيازات الاجتماعية للمواطنين انطلاقًا من هذا

((1(هذه الأشياء محددة، حيث إنه، من زاوية نظر الوضع الأصلي، من العق نااي، بالنسبة إلى الفرقاء، الرغبة فيها، مهما  تكن غاياتهم النهائية (التي لا يعرفونها). إنها، إن صح القول، بمنزلة وسائل مُعمّمة من أجل تحقيق كل الأنساق العقلانية من الغايات أو

جلّها. ينظر: Rawls, pp. 92–95, 396f, 433f.

(((1 أحد أهداف المبحثين السابع والثامن تقديم رد على النقد الوجيه جدًا لمبدأ الاختلاف، هذا النقد الذي قدّمه دافيد غوتيي في

دراسته:

David Gauthier, "Justice and Natural Endowment," Social Theory and Practice , no. 3 (1974), pp. 3–26.

أُحيل هنا إلى هذه المناقشة لأن حجتها قائمة على إمكانية التمييز بين ما  هو مكتسب من لدن الأفراد بصفتهم أعضاء في المجتمع، وما كان في الإمكان أن يكتسبوه في حالة الطبيعة. فإذا لم تكن لهذا التمييز دلالة مفيدة، فأعتقد أن مبدأ الرد على اعتراض غوتيي يبدو جليًا. لكن كان يتعيّن الدفع بأكثر من ذلك، وفي جميع الأحوال، أتفق تمامًا مع ملاحظاته في الصفحة 25 وما بعدها، وحجتي

متصورة في جانب كبير منها بغية بيان بأي كيفية يمكن لتصور كانطي للعقد أن يُصاغ في انسجام معها.

(((1 ينظر: Rawls, pp. 136, 147; cf 80.

التقدير. وعلى الرغم من إمكان أن يبنى تمييز حول الاتفاقات المبرمة في صميم المجتمع، فإنّ حسابات كهذه، في الحالة المتعلقة باعتماد مبادئ بالنسبة إلى البنية القاعدية، ليس لها أساس. فلا وضعيتنا في مجتمع آخر، ولا حالة الطبيعة، يمكنهما القيام بدور في تقييم تصورات العدالة. ومن الجليّ أن هذين

المفهومين ليس لهما أي صلة بتطبيق مبدأي العدالة. ثانيًا، وفي علاقة بالنقطة السابقة، يحكم مبدآ العدالة اكتسابَ الحقوق Entitlements مقابل المساهمة

في تنظيمات أو في أشكال أخرى من التعاون، داخل البنية القاعدية. فهذه المساهمات، كما سلف الذكر، تخضع للتقييم على قاعدة الأهداف الخاصة للأفراد والتنظيمات، وتتوقف مساهمة كل واحد، جزئيًا، على مجهوداته وإنجازاته، وجزئيًا على الصدفة والعرضيات الاجتماعية. ولا يمكن أن تُحدّد

المساهمات إلّ في علاقة بهذا التجمع أو ذاك، وفي هذه الوضعية أو تلك. فهذه الوضعيات تعكس المنفعة الهامشية لفرد ما بالنسبة إلى جماعة خاصة. ويجب عدم خلطها مع المساهمات في المجتمع نفسه، أو مع قيمة المواطنين من حيث إنهم أعضاء في المجتمع. ومجموع ألقاب فرد ما، أو حتى مجموع مساهمات هذه الحقوق من دون مقابل في تنظيمات داخل المجتمع، يجب ألّ يُعَدّ مساهمة

فيه. ففي تصوّر كانطي، ليس من موضع لفكرة مساهمة فرد في المجتمع متصورة بصفتها مساهمة

في تنظيم ما داخل المجتمع. وإذا شئنا، على الرغم من ذلك، المقارنة بين قيمة المواطنين، فإن هذه القيمة ستكون دائمًا متساوية في مجتمع عادل وحسن التنظيم. ونجد لهذه المساواة صدى في نظام

الحريات القاعدية المتساوية بالنسبة إلى الجميع، وفي المساواة المنصفة في الحظوظ، وفي إعمال مبدأ الاختلاف. ثالثًا وأخيرًا، لنُذكّر بأن الفرقاء، في إطار تصور كانطي، يُعدّون أشخاصًا أخلاقيين أحرارًا وسواسية.

والقول إنهم أشخاص أخلاقيون يعني أن لديهم تصورًا للخير (نظام من الغايات النهائية) وقدرةً على

فهم تصوّر للعدالة والعمل به في حياتهم (حس للعدالة). والحال أن حرية الأشخاص الأخلاقيين

يمكن أن تُؤوّل بكيفيتين. أولً، يَعْتَبِرون، بوصفهم أشخاصًا أحرارًا، أن من مصلحتهم العليا الامتثال

لقاعدة العقل، أي لقاعدة المبادئ العقلانية والمعقولة التي تُعبّر عن استقلاليتهم، وعن كل مصالحهم

الأخرى، حتى الأكثر أساسية منها. وفضلً عن ذلك، لا يَتصوّر الأشخاص الأحرار أنفُسَهم مرتبطين

بصورة وثيقة بغاية نهائية جزئية ما، أو بقائمة من الغايات من هذا النوع؛ إذ إنهم يَعدّون أنفسهم قادرين

على تقييم غاياتهم ومراجعتها في ضوء اعتبارات معقولة. وثانيًا، نفترض أن أشخاصًا أحرارًا مسؤولون

عن مصالحهم وغاياتهم؛ إذ إنهم قادرون على مراقبة حاجاتهم ورغباتهم ومراجعتها، ويتحمّلون

مسؤوليتها عندما تقتضي الظروف ذلك.

(((1 قيمة المواطنين في مجتمع حسن التنظيم قيمة متساوية دائمًا، لأن كل واحد، في مجتمع من هذا النوع، يفترض فيه الامتثال

لمؤسسات عادلة، والقيام بكل واجباته والتزاماته، محفز في ذلك، عندما يكون الأمر ضروريًا، بوساطة حس للعدالة، قوي بما بكفي.

فأشكال اللامساواة لا تصدر عن قيمة أخلاقية غير متساوية، وتفسير هذا يوجد في موضع آخر. (((1 ينظر: الفقرة الثانية من المبحث التاسع أدناه. (((1 قُدّمت هذه الملاحظات بصورة أكثر اكتم لً في:

John Rawls, "Reply to Alexander and Musgrave," The Quarterly Journal of Economics , no. 68 (1974), pp. 639–643.

والآن، تدل الحرية، كما تُطبّق على المؤسسات الاجتماعية، على تشكيلة معيّنة من الحقوق والحريات.

وتُحيل الحرية المتساوية إلى أن حريات وإمكانات قاعدية معيّنة متساوية بالنسبة إلى الجميع، وبأن

أشكال اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية محكومة بمبادئ منضدّة بإحكام، بغية ضمان القيمة الحقة لهذه الحريات. انطلاقًا من التعريفات السابقة للحرية المنطبقة على الأشخاص الأخلاقيين، وعلى الهيئات الاجتماعية، من الجليّ أن أشخاصًا أحرارًا وسواسية ليسوا معرّفين كأولئك الذين علاقاتهم

الاجتماعية متوافقة مع المبادئ نفسها التي سيجري انتقاؤها في الوضع الأصلي. ومن شأن هذا أن يُقوّض عملية الحجاج لمصلحة هذه المبادئ، وهي العملية التي تقوم على كون هذه المبادئ ستحظى

بالانتقاء في الوضع الأصلي. بيد أنه بمجرد أن الفرقاء وُصفوا بألفاظ لها تعبير مؤسساتي، فليس من قبيل الصدفة أن المبادئ الأولى للعدالة، نظرًا إلى دور البنية القاعدية، تُطبّق مباشرة على هذه البنية.

فحرية الأشخاص الأخلاقيين ومساواتهم يجب أن يكون لهما شكل عمومي، ومضمون المبدأين يستجيب لهذا المطلب. وهذا يتعارض، على سبيل المثال، مع النزعة النفعية الكلاسيكية التي تعتبر القدرة على الشعور باللذة والألم أو على اختبار تجارب معينة، ذات قيمة داخلية أساسية، من دون أن يكون أي تعبير مؤسساتي لازمًا بصورة خاصة، حتى وإن كانت أشكال اجتماعية أسمى بداهة من أخرى، بوصفها وسائل أكثر فعالية من أجل بلوغ كل إجمالي أعلى من الإشباع أو القيمة.

تاسعًا

أصل الآن إلى النقطة الرابعة والأخيرة (يُنظر المبحث الأول)، وبهذا الشأن، إن كان في وسع المجتمع الاستناد، بصورة معقولة، إلى جانب كبير من العدالة الإجرائية الخالصة من أجل تحديد الأنصبة المزمع توزيعها، فمن أجل أي أسباب يجب أن يجسد تصوّرٌ للعدالة شكلً مثاليًا من البنية القاعدية، في ضوئها

يجب حصر النتائج المتراكمة للسيرورات الاجتماعية القائمة وضبطها. بيد أنه انطلاقًا من الدور الخاص للبنية القاعدية، من الطبيعي طرح السؤال الآتي: اعتبارًا لأي مبدأ، من شأن أشخاص أخلاقيين أحرار وسواسية، القبول بكون أشكال اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية خاضعة بقوة لتأثير صُدف الحياة الاجتماعية والعرضيات الطبيعية والتاريخية؟ بمجرد أن يعتبر الفرقاء بعضهم بعضًا أشخاصًا من هذا النوع، فغني عن البيان أنهم سينطلقون من فرضية أن كل الخيرات الاجتماعية الأولية، بما في ذلك الدخل والثروة، يجب أن تكون متساوية، أي إن كل واحد يجب أن يحظى منها بنصيب متساوٍ. غير أنه عليهم أن يأخذوا في الحسبان المقتضيات التنظيمية والفعالية الاقتصادية. فمن غير المعقول إذًا التمسك بتوزيع متساوٍ. فالبنية القاعدية يجب أن تسمح بأشكال اللامساواة التنظيمية والاقتصادية، بقدر ما تتيح تحسين وضعية كل واحد، بما في ذلك وضعية الأفراد الأقل حظًا، وبشرط أن تكون هذه الأشكال من اللامساواة متوافقة مع حرية متساوية بالنسبة إلى الجميع، مع مساواة منصفة في الحظوظ. وبما أن الفرقاء ينطلقون من توزيع إلى أنصبة متساوية، فإن

(((1 في خصوص العدالة الإجرائية الخالصة، ينظر:

Rawls, A Theory of Justice , pp. 84–89, 310–315, 64, 66, 72ff, 79, 274–280, 305–310.

أولئك الذي سيحصلون على الأقل (أخذًا للتوزيع المتساوي نقطة مرجعية) لهم، إن صح هذا التعبير، حق الاعتراض أو الفيتو Veto. وبهذه الكيفية يتوصّل الفرقاء إلى مبدأ الاختلاف. فالتوزيع المتساوي

قُبل هنا نقطةً مرجعيةً، لأنه يُعبّر عن الكيفية التي يتموضع بها الناس عندما يُتمثلون بما هم أشخاص

أحرار وسواسية. فمن بين الأشخاص المعرّفين بهذه الكيفية أولئك الذين لهم كسب أكثر من غيرهم

يجب أن يتصرفوا بكيفية تتيح تحسين وضعية أولئك الذين لهم كسب أقل. وتُبرز هذه الاعتبارات الحدسية الأسبابَ التي تجعل مبدأ الاختلاف بمنزلة المعيار الملائم الذي يجب أن يحكم أشكال

اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية. من أجل فهم مبدأ الاختلاف، يجب ألّ تغيب عن الذهن عناصر متعددة. أولً، مبدآ العدالة، في اشتغالهما المشترك، يجسدان عنصرًا مهمًا من العدالة الإجرائية الخالصة في التحديد الفعلي للأنصبة.

فالمبدآن يُطبّقان على البنية القاعدية، وعلى نظامها المتعلق باكتساب الحقوق؛ وضمن حدود ملائمة،

كل نتيجة لعملية توزيع الأنصبة عادلة. فالتوزيع المنصف لا يمكن أن يأتي إلّ عند التطبيق الفعلي، مع مرور الزمن، لسيرورة اجتماعية منصفة، في إطارها، على نحوٍ مطابق لقواعد مُعبّر عنها عموميًا،

تُكتسب الحقوق وتحظى بالاعتبار. وتُحدّد هذه السمات العدالة الإجرائية الخالصة. ولهذا، إذا تساءلنا بصفة مجردة إن كان توزيع قدر معطى من الأشياء بين أفراد محددين، برغبات وتفضيلات معلومة، أكثر عدلً من توزيع آخر، فإن السؤال ليس له بكل بساطة أي جواب. في النتيجة، مبادئ العدالة، خاصة مبدأ الاختلاف، تُطبّق على المبادئ والبرامج السياسية العمومية

التي تحكم أشكال اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية. إنها مستخدمة من أجل ضبط نظام الحقوق والمكاسب والعمل على ضمان توازن المعايير والقواعد المألوفة التي يستخدمها هذا النظام في الحياة اليومية. فمبدأ الاختلاف يصلح، على سبيل المثال، في فرض الضرائب على المِلكية والدخل، بالنسبة إلى السياسة الاقتصادية والمالية. ويسري على النظام القائم للقانون والقرارات العامة، لكن ليس على التعاملات والتوزيعات الخاصة، ولا على قرارات الأفراد والتنظيمات، بل بالأحرى على السياق المؤسساتي الذي يحتضن هذه الأمور. فليس هنالك تداخل غير قابل للتوقع أو غير معلوم مسبقًا مع انتظارات المواطنين ومكتسباتهم. وتُكتسب الحقوق وتحظى بالاعتبار بصورة مطابقة لما يُقرّره نظام

القواعد العمومي. فكل رسم أو تقييد قابل للتوقع مبدئيًا، وتُكتسب الممتلكات مع العلم أن من شأن

تصويبات معيّنة أن تحدث لاحقًا. والاعتراض الذي وفقًا له يفرض مبدأ الاختلاف تداخلات مستمرة

ومتقلبة قائم على سوء فهم. ومرة أخرى، لا يفترض مبدآ العدالة أن التوزيع الفعلي يجب أن يكون مطابقًا، في لحظة معطاة (ولا مع مرور الزمن)، لبنية ما قابلة للملاحظة ضد المساواة، ولا أن درجة اللامساواة المحتسبة بعد التوزيع يجب أن تقف عند حدود معيّنة، على سبيل المثال عند قيم معامل جيني Gini. فما  هو لازم أو

(19) Ibid., p. 88.

(((2 في خصوص هذا المقياس والقياسات الأخرى للامساواة، ينظر:

Amartia K. Sen, On Economic Inequality (New York: W. W. Norton, 1973), ch. 2.

مطلوب، هو أن أشكال اللامساواة (المسموح بها) تقدم مساهمة معينة لانتظارات الأفراد الأقل حظًا، وهذه المساهمة الوظيفية ناتجة من تطبيق نظام الحقوق القائم في المؤسسات العمومية. بيد أن الهدف لا يكمن في استبعاد العرضيات المختلفة للحياة الاجتماعية، لأن الأخيرة محتومة جزئيًا. فحتى إذا

كان توزيع متساوٍ للمواهب الطبيعية يبدو أكثر انسجامًا مع المساواة بين أشخاص أحرار، فإن السؤال المتعلق بإعادة توزيع هذه المواهب (لو كان ذلك ممكنًا) لا يُطرح، لأنه لا يتماشى وحرمة الشخص. وليس من الضروري أيضًا وضع فرضية بشأن درجة هذه الاختلافات الطبيعية، ونحن نفترض أن هذه المواهب التي تُصقل عبر مسار الحياة خاضعة لتأثير شتى أضرب العرضيات. وعلى المؤسسات تنظيم التعاون الاجتماعي بكيفية تعطي الجهودَ الخلّقة الأفضليةَ. فلدينا الحق في قدراتنا الطبيعية، وفي كل ما حصّلنا بشأنه حقًا من خلال المشاركة في سيرورة اجتماعية منصفة. ويكمن الإشكال، بالطبع، في معرفة كيفية توصيف هذه السيرورة. فمبدآ العدالة يُعبّران عن فكرة أن الشخص يجب ألّ يحظى بأقل

ممّا كان في الإمكان أن يحصل عليه من خلال توزيع للخيرات الأولية إلى أنصبة متساوية، وبأن أشكال اللامساواة القائمة، عندما تتيح إنتاجية التعاون الاجتماعي عملية تحسين عامة، يجب أن تكون في مصلحة أولئك الذين تكون وضعيتهم أقل تحسنًا، إذا أخذنا التوزيع إلى أنصبة متساوية نقطةً مرجعية. ويحدد مبدآ العدالة أيضًا صورة مثالية من البنية القاعدية، يجري في ضوئها حصر السيرورات الإجرائية والمؤسساتية القائمة وضبطها. ومن بين هذه القيود نجد الحدود المفروضة على مراكمة المِلكية (خاصة في حالة وجود ملكية خاصة لوسائل الإنتاج)، وتصدر هذه الحدود عن متطلّبات القيمة الحقّة للحرية السياسية والمساواة المنصفة في الحظوظ، وعن تلك القائمة على الاعتبارات المرتبطة باستقرار المجتمع؛ وهذان الصنفان معًا من المتطلّبات مرتبطان بهذا الخير الأول الذي يتمثل في احترام الذات. فنحن في حاجة إلى مثال كهذا، من أجل توجيه التصويبات الضرورية للحفاظ على عدالة السياق الاجتماعي. وكما سبق أن رأينا ذلك (المبحث الرابع)، حتى لو تصرّف الجميع

بصورة منصفة، أي بمراعاة القواعد التي من المعقول والواقعي فرضها على الأفراد، فإن نتيجة تعاملات كثيرة منفصلة يمكنها تقويض عدالة السياق الاجتماعي. ويضحي هذا الأمر بدهيًّا بمجرد أن نتصوّر

المجتمع، وهذا ما علينا فعله، على أنّه يراعي التعاون بين الأجيال. وهكذا، وحتى إن كان الأمر يتعلق بمجتمع حسن التنظيم، فإنّ التصويبات في البنية القاعدية دائمًا ما تكون ضرورية. علينا إذًا إقامة تقسيم مؤسساتي للعمل بين البنية القاعدية والقواعد التي تُطبّق بصورة مباشرة على التعاملات الجزئية.

ويبقى الأفراد والتنظيمات أحرارًا في طلب غاياتهم، في إطار مؤسسات السياق الاجتماعي التي تتولّى العمليات الضرورية للحفاظ على بنية قاعدية عادلة. والحاجة إلى مثال بنيوي من أجل تحديد القيود وتوجيه التصويبات لا يتوقف إذًا على الظلم أو اللاعدالة. فحتى في حالة الامتثال الدقيق لكل القواعد المعقولة والواقعية، فإن تصويبات كهذه لازمة بصورة مستمرة. ومسألة وجود الكثير من مظاهر اللاعدالة في الحياة السياسية والاجتماعية الفعلية لا تقوم بغير تأكيد هذه الضرورة. ونظرية إجرائية خالصة وخالية من المبادئ المبنينة الضرورية لنظام اجتماعي عادل لن تكون لها أي فائدة في عالمنا،

(((2 ينظر: , pp. 224–227, 277f, 534–537, 543–546 A Theory of Justice Rawls,.

في حين يكمن الهدف السياسي في استبعاد اللاعدالة وتوجيه التغيير نحو بنية قاعدية منصفة. ويجب أن يحصر تصورٌ للعدالة المبادئَ المبنينة الضرورية وتحديد التوجه العام للفعل السياسي. وفي غياب صورة مثالية لمؤسسات السياق الاجتماعي كهذه، فلن تكون هنالك قاعدة عقلانية من أجل التصويب المستمر للسيرورة الاجتماعية بغية ضمان عدالتها، ولا من أجل القضاء على الظلم القائم. والنظرية المثالية، التي تُحدّد بنية قاعدية عادلة تمامًا، تُعدّ إذًا مكم لً ضروريًا للنظرية غير المثالية. ومن دونها،

لن يكون للرغبة في التغيير هدف.

عاشرًا

وهذا من شأنه أن يتمم مناقشتي للنقاط الأربع المشار إليها في ختام المبحث الأول. وإحدى نتائج ما قيل هي رد على المثالية. والإشكال هو الآتي: حتى يتبلور تصور كانطي للعدالة، يبدو من المستحسن فصل بنية مذهب كانط عن خلفيته المثالية الترنسندنتالية، وإعطاؤه تأويلً إجرائيًا بوساطة بناء الوضع

الأصلي (ولهذا الفصل أهمية، على الأقل من أجل أن تتيح لنا النظر إلى أي حدّ يمكن الدفع بتأويل إجرائي للتصور الكانطي في إطار نزعة إمبريقية معقولة). لكن علينا، من أجل بلوغ هذا الهدف، بيان أن الوضع الأصلي الذي يُحيل إلى فكرة العقد الاجتماعي لا يسقط أمام الاعتراضات المشروعة التي رفعها المثاليون ضد مذهب العقد في عصرهم. وهكذا، يرى هيغل أن هذا المذهب يخلط المجتمع والدولة بتنظيم من الأشخاص الخواص، ويُفضي إلى جعل القانون العام محددًا بكيفية مفرِطة، لا من حيث صورته ولا من حيث مضمونه العام، بالمصالح الخاصة الجزئية والعرضية للأفراد؛ ولا يمكنه أن يأخذ في الحسبان أن الميلاد في مجتمعنا والانتماء إليه لا يتوقف علينا. فبالنسبة إلى هيغل، كان العقد الاجتماعي بمنزلة تعميم غير مشروع وغير نقدي للأفكار المرتبطة (لما يطلق عليه) المجتمع المدني، التي تقف في حدوده. ويعترض، فضلً عما سبق، بكون مذهب العقد الاجتماعي لم يتوصل إلى الإقرار بالطبيعة الاجتماعية للكائنات الإنسانية، ويقوم على توصيف هذه الأخيرة بقدرات طبيعية ثابتة معيّنة، وبرغبات جزئية محددة ومستقلة

عن المجتمع، ومن أجل حاجات نظرية، سابقة له. لقد حاولتُ الرد على هذه الانتقادات، أولً من خلال بيان أن الموضوع الأول للعدالة يكمن في البنية القاعدية للمجتمع، التي تقع على عاتقها المهمة الأساسية المتمثلة في تحقيق عدالة السياق الاجتماعي (المبحثان الرابع والخامس). ومن شأن هذا الموقف أن يبدو، أول وهلة، بمنزلة تنازل؛ لكن الأمر ليس على هذا النحو: فالوضع الأصلي يمكن توصيفه دائمًا بكيفية تتيح خلق وضعية اتفاق

منصف بين أشخاص أخلاقيين أحرار وسواسية، وداخلها يمكن هؤلاء التوصل إلى اتفاق عقلاني. ويقوم هذا التوصيف على كيفية معيّنة لتصوّر أشخاص أخلاقيين أحرار وسواسية، وعلى طريقة معيّنة

(((2 ينظر:

Friedrich Hegel, The Philosophy of Right , Thomas M. Knox (trans.) (Oxford: Clarendon Press, 1942), pp. 58f, 70f, 156f,

في تأويل رغباتهم وحاجاتهم (ومن أجل حاجات الحجاج في الوضع الأصلي) في صورة قائمة من الخيرات الأولية. ومن الأكيد أنه يجب التمييز بين الاتفاق على تصور للعدالة وكل الاتفاقات الأخرى، لكن هذا المطلب لا شيء فيه يبعث على الدهشة؛ إذ يجب أن ننتظر أن تكون للاتفاق الذي يضع مبادئ للبنية القاعدية خواص تميّزه من كل الاتفاقات المبرمة داخل هذه البنية القاعدية (المبحثان السادس

والسابع). وأخيرًا، أبرزتُ كيف يمكن نظرية العدالة إنصافًا أن تأخذ في الحسبان الطبيعة الاجتماعية

للكائنات الإنسانية (المبحث الثامن). وفي الآن نفسه، ومع أن هذا التصور الأخلاقي يستند إلى قاعدة فردانية ملائمة (الوضع الأصلي بصفته علاقة منصفة بين أشخاص أخلاقيين أحرار وسواسية)، فإنه يفرد المكانة المناسبة للقيم الاجتماعية، من دون التضحية لا بحرية الشخص، ولا بحرمته. من الممكن ألّ تتمكن تصورات تعاقدية أخرى من الرد على النقد المثالي. فمذاهب للسيرورة التاريخية، كمذهبَي توماس هوبس Hobbes Thomas وجون لوك Locke John، أو التصور التحرري، حتى وإن

كانت تنطوي على اختلافات مهمة في ما بينها، يبدو أنها تواجه هذا الاعتراض. أولً، بمجرد أن يُبرم العقد الاجتماعي بين كائنات إنسانية في حالة الطبيعة (في حالة هوبس ولوك)، أو أن يقبل الأفراد بأن يصيروا عملاء لهيئة الحماية المهيمنة (بحسب النموذج التحرري)، يبدو محتومًا أن تكون حدود هذا الاتفاق، أو الظروف التي يصدّق عليها، متأثرة، ضرورة وبكيفية جوهرية، بعرضيات السيرورة الافتراضية التاريخية العادلة وحوادثها، إلى حد أن لا شيء يضمن عدالة السياق الاجتماعي ولا الاقتراب منها. ومذهب لوك خير مثال على هذه الصعوبة؛ إذ يفترض أن أعضاء المجتمع لا يحظون، في أعقاب الميثاق الاجتماعي، بالحقوق السياسية المتساوية؛ فللمواطنين الحق في التصويت بوصفهم مالكين، حيث أن غير المالكين ليس لهم لا حق التصويت، ولا الحق في ممارسة السلطة السياسية. ومن المحتمل أن عمليات المراكمة التي حدثت، عبر الأجيال في أثناء السيرورة الافتراضية التاريخية العادلة، جردّت الكثير من الناس من الملكية، من دون أن يكون في الإمكان عَدُّ ذلك بسبب خطأ منهم. وحتى إن كان العقد الاجتماعي، وتفويض السلطة السياسية المترتب عليه، عقلانيَين تمامًا من زاوية نظرهم،

ولا يتناقضان مع واجبهم إزاء الله، فإنهما لا يضمنان لهم هذه الحقوق السياسية القاعدية. ومن زاوية نظر كانطية، يخضع مذهب لوك عن خطأ العلاقات الاجتماعية بين الأشخاص الأخلاقيين للعرضيات التاريخية والاجتماعية الغريبة عن حريتهم ومساواتهم، التي من شأنها إضعافها. فالقيود التي وضعها لوك على السيرورة الافتراضية التاريخية ليست قوية كفاية، كي تُحدّد تصورًا لعدالة السياق الاجتماعي، من شأنه أن يحظى بقبول أشخاص أخلاقيين أحرار وسواسية. ويمكن أن نثبت هذا، إذا افترضنا أن الميثاق الاجتماعي أُبرِم مباشرة بعد خلق الكائنات الإنسانية بما  هي أشخاص أحرار متساوون في حالة الطبيعة. فمن خلال افتراض أن وضعيتهم إزاء بعضهم بعضًا تُعبّر بصورة مناسبة عن حريتهم

ومساواتهم، وبأن الله (وهذا هو موقف لوك) لم يفوّض إلى أي منهم حق ممارسة السلطة السياسية،

(((2 ينظر:

John Lock, "Second Treatise of Government," Gutenberg eBook , accessed on 14/8/2023, at: https://bit.ly/3OMM4co

وتُقرأ الفقرتان 140 و 158 سوية.

فمن المحتمل أنهم سيقرّون مبادئ ضامنة لحقوق قاعدية متساوية (بما في ذلك الحقوق السياسية)

بالنسبة إلى السيرورة التاريخية اللاحقة كلها. وهذه القراءة للوك تجعل مذهبه افتراضيًا، وليس تاريخيًا

إذا افترضنا أن الناس، طوال الفترة المعنية كلها، كانوا متفرّقين؛ ما يستبعد إمكانية عقد اتفاق ما بينهم.

وإذا كان لوك لم ينظر في هذه الإمكانية الأخرى، فإن ذلك يبرز الطابع التاريخي لنظريته. رأيتُ أيضًا أن كل نظرية للعقد عليها الإقرار بضرورة تقسيم للعمل بين إجراءات البنية القاعدية الهادفة إلى الحفاظ على عدالة السياق الاجتماعي، وتحديد النظام القانوني للقواعد التي تُطبّق مباشرة على

الأفراد والتنظيمات وتحكم تعاملاتها الجزئية وضمان ذلك النظام. وأخيرًا، من غير المجدي، في إطار

تصور كانطي للعقد، التمييز بين وضعية الأفراد في حالة الطبيعة ووضعيتهم في المجتمع. فهذا النوع من المقارنة ينتمي حصرًا إلى الاتفاقات المُبرمة في إطار مؤسسات السياق الاجتماعي، ولا يمكن أن

يؤدي أي دور في تحديد الحقوق القاعدية لأعضاء المجتمع. ويضاف إلى ذلك أن كل معيار للمقارنة بين الامتيازات النسبية للمواطنين يجب أن يؤسس على علاقاتهم الحاضرة، وعلى الكيفية التي تشتغل بها المؤسسات الاجتماعية راهنًا، وليس على الكيفية التي ارتقى بها التعاقب التاريخي الفعلي (أو تعاقب افتراضي عادل) عبر الأجيال الماضية (أو من شأنه أن يرقى) بوضعية كل واحد في علاقة بحالة الطبيعة الأصلية (أو الافتراضية). هدفي ها هنا ليس نقد النظريات الأخرى للعقد؛ إذ يتطلّب ذلك مناقشة أخرى. بل حاولت بالأحرى بيان سبب اتخاذ نظرية العدالة إنصافًا البنية القاعدية للمجتمع موضوعًا أول للعدالة، ومحاولتها بلورة نظرية نوعية لهذه الحالة الخاصة. واعتبارًا للسمات الفريدة وللدور الفريد لهذه البنية أيضًا، فإن فكرة الاتفاق ذاتها يجب، نتيجة لذلك، أن تخضع للتعديل إذا شئنا تحقيق القصد من مذهب العقد في صورته الكانطية. وقد توخّيتُ بيان الكيفية التي يمكن أن تتم بها التعديلات الضرورية. جامعة هارفارد

تنويه وتقدير

صيغت هذه الدراسة وخضعت لمراجعة مهمة من دراسة قُدّمت تحت العنوان نفسه في لقاءات الجمعية الأميركية للفلسفة (قسم المحيط الهادئ) في مدينة بورتلاند Portland، ولاية أوريغون Oregon في

آذار/ مارس 1977، وأُعيد نشرها في العدد  14 من دورية American Philosophical Quarterly (نيسان/ أبريل 1977). أما المبحثان الثاني والثالث فجديدان. وإنني مدين لجوشوا كوهين Jochua وكونتن Thomas M. Scanlon وتوماس م. سكانلون Jochua Rabinowitz وجوشوا رابانويتز Cohen سكنر Skinner Quentin في المناقشات القيمة بشأن موضوعها. وأشكر بورتون دريبن  Burton Dreben على العديد من التنقيحات، وأشكر أيضًا توماس هيل Thomas Hill وهوغو بيدو Hugo Bedau على تعقيباتهما المفيدة.

(((2 أدين لكونتن سكنر Skinner Quentin بهذه الكيفية في فهم الطابع التاريخي لنظرية لوك.

المراجع

English, Jane. "Justice between Generations." Philosophical Studies. no. 31 (1977). Gauthier, David. "Justice and Natural Endowment." Social Theory and Practice. no. 3

Goldman, Alvin I. & Jaegwon Kim (eds.). Values and Morals: Essays in Honor of William Frankena, Charles Stevenson, and Richard Brandt. Berlin: Springer Science,

Harsanyi, John C. "Can the Maximin Principle Serve as a Basis for Morality." American

Hegel, Friedrich. The Philosophy of Right. Thomas M. Knox (trans.). Oxford: Clarendon

Gutenberg eBook.

at:

of Government."

Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971. _______. "Reply to Alexander and Musgrave." The Quarterly Journal of Economics.

Sidgwick, Henry. The Methods of Ethics. 7 th ed. London: Macmillan and Company,

References

Business Media, 1978.

Political Science Review. no. 69 (June 1975).

Press, 1942. Lock, John. "Second Treatise https://bit.ly/3OMM4co Nozick, Robert. Anarchy, State and Utopia. New York: Basic Books, 1974.

no. 68 (1974). Sen, Amartia K. On Economic Inequality. New York: W. W. Norton, 1973.