العودة إلى تفاصيل المؤلَّف سجال الكلمات والرصاص في السودان: تحليل إثنوغرافي رقمي لخطاب حرب الخامس عشر من نيسان/ أبريل

سجال الكلمات والرصاص في السودان: تحليل إثنوغرافي رقمي لخطاب حرب الخامس عشر من نيسان/ أبريل

Sudan’s War of Words and Bullets: A Digital Ethnographic Analysis of the 15 April War Discourse 2023

** Elshifa Elamin | ﻣﻴﻦ واﻟﺸﻔﺎء ا§ *

Hawa Alzain ﺣﻮاء اﻟﺰﻳﻦ|

الملخّص

تحلل الدراسة العلاقة بين الخطاب والحرب التي اندلعت في 15 نيسان/ أبريل 2023 في السودان، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وما تزال مستمرة حتى الآن. وتعتمد الإثنوغرافيا الرقمية أداةً لجمع البيانات ووصفها، بغية إنجاز تحليل نقدي للخطاب المرافق للحرب والمندرج في دينامياتها. يتّسم هذا الخطاب بطبيعة ثنائية، ويقيم علاقة تأثير وتأثر بالحرب، تتأسس على توظيف التنوع الثقافي والتعدد اللغوي والتمايزات الإثنية لتأجيج التناقضات ووصم الخصوم وحشد الأنصار، من أجل تحقيق أهداف الحرب العسكرية من دون الالتفات إلى الآثار النفسية والاجتماعية لاستراتيجيات التجييش.

Abstract

Abstract: The article examines the relationship between discourse and the ongoing war in Sudan, which began on 15 April 2023, between the Sudanese Armed Forces and the Rapid Support Forces (RSF). It employs digital ethnography as a tool for data collection and description in conjunction with critical discourse analysis. It finds that discourse surrounding the April War is of a binary nature and shares a reciprocal relationship with the war itself. This relationship is rooted in the instrumentalization of factors such as cultural diversity, linguistic plurality, and ethnic distinctions in Sudan toward achieving military objectives – while disregarding the psychological and social impacts of mobilization strategies.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرب
  • السودان
  • السلطة
  • الخطاب
  • الإثنوغرافيا الافتراضية
Keywords:
  • War
  • Sudan
  • Digital Ethnography
  • Power
  • Discourse

** Elshifa Elamin | ﻣﻴﻦ واﻟﺸﻔﺎء ا§ * Hawa Alzain ﺣﻮاء اﻟﺰﻳﻦ|

ملخص: تحلل الدراسة العلاقة بين الخطاب والحرب التي اندلعت في 15 نيسان/ أبريل

2023 في السودان، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وما تزال مستمرة

حتى الآن. وتعتمد الإثنوغرافيا الرقمية أداةً لجمع البيانات ووصفها، بغية إنجاز تحليل نقدي

للخطاب المرافق للحرب والمندرج في دينامياتها. يتّسم هذا الخطاب بطبيعة ثنائية، ويقيم

علاقة تأثير وتأثر بالحرب، تتأسس على توظيف التنوع الثقافي والتعدد اللغوي والتمايزات

الإثنية لتأجيج التناقضات ووصم الخصوم وحشد الأنصار، من أجل تحقيق أهداف الحرب

العسكرية من دون الالتفات إلى الآثار النفسية والاجتماعية لاستراتيجيات التجييش.

Abstract: The article examines the relationship between discourse and the ongoing war in Sudan, which began on 15 April 2023, between the Sudanese Armed Forces and the Rapid Support Forces (RSF). It employs digital ethnography as a tool for data collection and description in conjunction with critical discourse analysis. It finds that discourse surrounding the April War is of a binary nature and shares a reciprocal relationship with the war itself. This relationship is rooted in the instrumentalization of factors such as cultural diversity, linguistic plurality, and ethnic distinctions in Sudan toward achieving military objectives – while disregarding the psychological and social impacts of mobilization strategies.

Researcher. She received a master’s in Linguistics and Arabic Lexicography from the Doha Institute for Graduate Studies (Corresponding Author). Email: hmu002@dohainstitute.edu.qa

Assistant Professor of English Language, Faculty of Arts, Omdurman Ahlia University, Sudan. Email: elshifamn@gmail.com

تعرّض السودان للصراعات والنزاعات والحروب والانقلابات السياسية والعسكرية

والانتفاضات والثورات خلال عقود طويلة؛ وهذا كان له تأثير في الدولة وفي حياة مواطنيه. وواحدة من هذه الحروب هي حرب 15 نيسان/ أبريل 2023، التي نُشير إليها هنا ب "حرب نيسان/ أبريل" اختصارًا، وقد نتجت من انتقال الحروب السودانية السابقة إلى العاصمة السودانية الخرطوم، وما زالت مستمرة فيها، في حين تتراجع في بعض الولايات السودانية وقد تمتد إلى ولايات أخرى. ولمختلف هذه الحروب أسباب كثيرة ذات علاقة مباشرة بالتنوع الإثني والتعدد اللغوي والقبلي والثقافي، وتأجيج النزاعات وسعي أطرافها لتحقيق أهداف سياسية والاستحواذ على الثروة، والصراع على السلطة. وعلى الرغم من ثراء الرصيد البحثي حول العلاقة بين الحرب والخطاب، فإننا لم نعثر على دراسات تتناول هذه العلاقة في سياق حرب نيسان/ أبريل، أو تهدف إلى التعرّف إلى طبيعة العلاقة بينهما.

ولذلك، أردنا لهذه الدراسة أن تغطي بعض هذا النقص في البحث في النزاعات الحربية السودانية، وذلك من خلال تسليط الضوء على المكوّن الخطابي في استراتيجياتها. وبناء عليه، تحاول الدراسة

الإجابة عن السؤالين التاليين: كيف تتشكل مفردات خطاب حرب نيسان/ أبريل في السودان؟ وما طبيعة العلاقة بين هذه الحرب والخطاب المعبّر عنها؟ ولكي نجيب عن السؤالين، اعتمدنا من جهة تقنية البحث على الإثنوغرافيا الرقمية Digital Ethnography في جمع البيانات ووصفها، وعلى التحليل النقدي للخطاب Critical Discourse Analysis في تحليل البيانات. وترصد الإثنوغرافيا الرقمية التفاعلات الاتصالية في الفضاء الرقمي، وتتتبّع ما يصدر منها عن الجماعات الافتراضية، وما يعبّر عنه ذلك من تفاعلات اجتماعية من

خلال الخطاب. وتُستخدم الإثنوغرافيا الرقمية أيضًا لوصف حياة الأشخاص والقيم التي يتبنونها باستخدام ملاحظة حسابات أو صفحات أو مواقع إلكترونية محددة، على امتداد فترات زمنية معيّنة،

بغض النظر عن حدود وجود أصحابها المكانية، التي تكون غالبًا متباعدة. إن اعتمادنا الإثنوغرافيا

الرقمية جاء من طبيعة دراستنا التي تعتمد على بيانات توضع على مواقع التواصل الاجتماعي على نحوٍ رئيس؛ وذلك من خلال تتبّع تفاعلات سودانيين على موقع فيسبوك. ونتيجةً لصعوبة معالجة

مثل هذه البيانات بأدوات الإحصاءات اللغوية، اخترنا عينة من مئة صفحة فيسبوك لمجموعات وشخصيات عامة Public Users Profiles، مقسّمة على خمسين صفحة داعمة لقوات الدعم السريع

1)(أحمد يونس، "السودان: 68 عامًا من الاستقلال... 60 عامًا من الحروب"، الشرق الأوسط، 2024/8/17، شوهد في 2025/3/7،

في: https://bit.ly/448LQnG

2)(رجاء جيئزاوي، "الحركات الاحتجاجية الشبكية في المغرب: الفضاء الرقمي مجالا لتشكيل الخطاب المطلبي للهامش"،

عمران، مج 12، العدد 47 (شتاء 2024.100)، ص 3) (الطاهر بصيص وعبد الرحمان قدي، "الإثنوغرافيا الافتراضية واستخداماتها في دراسات الوسائط الجديدة"، الرسالة للدراسات

والبحوث الإنسانية، مج 7، العدد 4 (حزيران/ يونيو 2022.86)، ص

موضح في الشكل.

أﻗﻞ ﻣﻦ 50 أﻟﻒ ﻣﺘﺎﺑﻊ

أﻛﺜﺮ ﻣﻦ 50 أﻟﻒ ﻣﺘﺎﺑﻊ

أﻛﺜﺮ ﻣﻦ 100 أﻟﻒ ﻣﺘﺎﺑﻊ

أﻛﺜﺮ ﻣﻦ 200 أﻟﻒ ﻣﺘﺎﺑﻊ

اﻟﻤﺠﻤﻮع اﻟﻜﻠﻲ

ﺗﺪﻋﻢ أو ﺗﺘﺒﻨﻰ ﺧﻄﺎب اﻟﻘﻮات اﻟﻤﺴﻠﺤﺔ

المصدر: من إعداد الباحثتين.

خلال فترة الحرب وذات دلالات لها بها علاقة.

أو تتبنى خطابها، وخمسين صفحة داعمة للقوات المسلحة السودانية أو تتبنى خطابها. وذلك كما هو

شكل يوضّح عيّنة الدراسة

ﺗﺪﻋﻢ أو ﺗﺘﺒﻨﻰ ﺧﻄﺎب ﻗﻮات اﻟﺪﻋﻢ اﻟﺴﺮﻳﻊ

في عينة الدراسة، تتوزع الصفحات التي تتبنى خطاب القوات المسلحة أو تدعمه على 22 مجموعة عامة و 28 صفحة عامة، وعدد متابعيها كالتالي: أكثر من 200 ألف متابع في 9 صفحات، وأكثر من 100 ألف متابع في 13 صفحة، وأكثر من 50 ألف متابع في 14 صفحة، وقرابة 50 ألف متابع في 14 صفحة. ومن أهمها "صفحة دعم القوات المسلحة السودانية"، و"صفحة أنا الجيش أنا الشعب"، و"صفحة الجيش السوداني"، و"صفحة دعم الجيش السوداني". أما الصفحات التي تتبنى خطاب الدعم السريع أو تدعمه، فهي تتوزّع على 5 صفحات لمجموعات عامة و 45 صفحة عامة، وكان فيها عدد المتابعين كالتالي: أكثر من 200 ألف متابع في صفحة واحدة، وأكثر من 100 ألف متابع في صفحتين، وأكثر من 50 ألف متابع في صفحتين أيضًا، وقرابة 50 ألف متابع في 45 صفحة. ومن أهمها صفحة "آل جنيد العز"، و"صفحة جغم الكيزان والفلول"، و"صفحة جاهزية سرعة حسم الجغامي (جغام الفلول") و"صفحة جاهزية لحل القضية". وتدلّ هذه الأرقام على أن متابعي صفحات كلا الطرفين يُعدَون بالآلاف؛ ما يعني إمكانية انتشار الخطابات التي تنشرها، ومساهمتها في توحيد رؤية متابعيها وتوجيه تصوراتهم وبناء قناعاتهم حيال الحرب. وطوال الفترة من 15 نيسان/ أبريل إلى كتابة هذه الدراسة، وعلى امتداد ما يقارب 15 شهرًا، تتبعنا المنشورات المكتوبة والمسموعة لكلا الطرفين، إلا أننا ركّزنا

على المنشورات المكتوبة لسهولة ملاحظة لغتها، ودوّنا المفردات التي لاحظنا أنها الأكثر استخدامًا

لمعالجة مدوّنة البحث، اعتمدت الدراسة التحليل النقدي للخطاب، لوصف البيانات وتحليلها،

بالتركيز على ما تقوله خطابات العيّنة في موضوعات السلطة، والأيديولوجيا، واللاعدالة الاجتماعية،

والعلاقات الاجتماعية من منظور عرقي وجندري. ولا يتعلق تحليل الخطاب كما نعتمده في هذه الدراسة باللغة فقط، بل يشمل أيضًا السياق الذي أنتج تلك اللغة، وبما يساعد على فهم الخلفيات الثقافية والتاريخية والأيديولوجية التي تؤثر في إنتاج اللغة وإعادة إنتاجها واستخدامها بين أفراد المجتمع. ومن أجل بلوغ هذا الهدف، يدرس التحليل النقدي للخطاب في المقام الأول طريقة تصوير الخطاب لكيفيات استخدام السلطة الاجتماعية، وموقعها من قضيتَي المساواة والعدالة، وكيفية اشتراك

الخطاب في إعادة إنتاج تلك السلطة والتشريع لها أو مقاومتها ضمن سياقَيه الاجتماعي والسياسي. لا تسمح لنا طبيعة مجتمع الدراسة الرقمي المغلق بالجزم بطبيعة الأطراف الناشرة للخطابات

والمستعملة للغة التي تحملها. ولكن الهدف البحثي الذي نسعى له لا يستلزم ذلك، فليس مهمًا أن

نتعرّف إلى الأطراف التي تدعم الجيش بصفة دقيقة، وإن كانت مجموعات اجتماعية بعينها من سكان

هذه المدينة أو تلك مثلا، أو من المنتسبين إلى هذه المؤسسة أو تلك، أو ممّن اتّبع هذا الخط السياسي

أو ذاك. إن الهدف من الدراسة هو الوقوف على مفردات الخطاب المُستخدَم في بناء المواقف من

الحرب، وكيفيات الانخراط فيها مساندةً لهذا الفريق أو ذاك. ومن أجل ضبط منهج الدراسة، بحيث تؤدي إلى تحصيل نتائج مقبولة، ركزنا على المواضيع الخمسة التي عرضناها، وذلك باستعراض المفردات التي تحيل إليها، مع اعتمادنا مصادر خارجية لتعريفها وشرحها والإشارة إلى ما تحيل إليه من معنى أو معانٍ، ولم نعتمد على ما يرد منها في صفحات شخصية مغلقة Private Profiles، للحفاظ على مبدأ الخصوصية، واحترام أخلاقيات البحث. وبناءً على ما سبق، تقع الدراسة في ثلاثة أقسام: يبني القسم الأول الإطار النظري والمفهومي، ويتناول

ملامح الرصيد البحثي للموضوع، ويناقش الأدوات المفهومية التي تستند إليها الدراسة. ويعرض القسم الثاني التعبيرات والمفردات التي تعتمد عليها الدراسة في وصف طبيعة الخطاب الثنائية لحرب نيسان/ أبريل. ثم يحلل القسم الثالث الثنائيات الخطابية في سياق تحليل خطاب حرب نيسان/ أبريل.

أوﻻ: اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ اﻟﺨﻄﺎب واﻟﺤﺮب

1. ﺑﻌﺾ ﻣﻼﻣﺢ اﻟﺮﺻﻴﺪ اﻟﺒﺤﺜﻲ ﻓﻲ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ اﻟﺨﻄﺎب واﻟﺤﺮب

بيّنت دراسات عديدة أن اللغة تمثّل مادة العلاقات الاجتماعية، حيث يمكن أن تتأسس الممارسات

المتطرفة في السلوك اللغوي المنتج للخطاب. ويعني ذلك أنه لا يمكن – إلا من خلال دراسة الخطاب – فهم العلاقة بين طرفي أي نزاع اجتماعي، وأسبابه وفي بعض الحالات كيفية حلّها؛ ذلك لأن النزاعات الاجتماعية لا تقوم فقط على أسباب كُلّية مثل المظالم، أو التنافس على الموارد، أو

(4) Teun Adrianus Van Dijk, "Critical Discourse Analysis," in: Teun Adrianus Van Dijk, The Handbook of Discourse Analysis (West Sussex: John Wiley & Sons Inc, 2015), pp. 466–467. (5) Asif Agha, Language and Social Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2007).

الفشل البنيوي للدولة، بل أيضًا على الحقائق التي يعيشها الناس؛ وهي حقائق مبنية ومنقولة عبر الخطاب الذي يسهم في بناء الهويات والعلاقات بين الأفراد. وعلى ذلك، فإن سوء فهم أنماط خطابية تنتجها هويات محددة ذات مصالح معيّنة يمكن أن يكون سببًا في اندلاع النزاعات بينها وممارسة

العنف. وبما أن الخطاب يوفّر رؤى حول كيفية تشكيل الموضوعات الثقافية أو الدينية، فيمكن، إذًا، تحليل قضايا المعرفة والسلطة والديمقراطية وغيرها باستخدام أساليب التحليل الخطابي. وفي هذا السياق، يلُاحظ أن عددًا من الدراسات جعل من العلاقة بين الخطاب والحرب، بوصفها

وضعًا اجتماعيًا استثنائيًا، موضوعًا له. ومنها الدراسات السودانية التي ركّزت على تحليل الجانب

التاريخي السياسي في الاضطرابات التي مرّت بها الفترة الانتقالية في السودان، بعد انتفاضة

كانون الأول/ ديسمبر 2019، وعلى تأثير التحولات التي طرأت في التحالف الذي تكوّن لإدارة الفترة

الانتقالية، في علاقة بجذور تجمع المهنيين السودانيين التاريخية ونشأته وتطوره واستراتيجياته التنظيمية والقيادية ودوره خلال الفترة الانتقالية. وتناولت دراسة أخرى الاستعارة في خطاب الحرب على لبنان في تموز/ يوليو 2006؛ بوصفها استراتيجية للمواجهة الإعلامية، كما تجسدت في الخطابين الأميركي والإسرائيلي وفي السجال معهما في الخطاب العربي، بحيث تبيّن أن تلك الحرب

لم يقدها السلاح، بقدر ما قادها خطاب بلاغي استعاري مؤسّس على تصورات ذهنية كيّفتها من خلال

صوغ لُغتها. وإضافة إلى ما سبق، نشير إلى الدراسة التي اتخذت من الحرب الروسية – الأوكرانية موضوعًا لدراسة اتجاهات الخطاب الصحفي المصري حيالها. وقد تبيّن منها أن الاستراتيجيات

المتبعة في تغطية تلك الحرب توزّعت بحسب أدوار القوى الفاعلة في الخطابات حولها؛ حيث سيطر خطاب محدد على كل موقع إعلامي محدد، بناء على السياسة التي يتبناها مناصروه حيالها. ولكن البحث في علاقة الحرب بالخطاب لم يقتصر على المواجهات ما بين الدول الاستعمارية وحركات التحرير أو بين الدول المتنازعة، بل شمل النزاعات الداخلية في بعض الدول. ففي السياق الأفريقي الذي يقع السودان ضمن جغرافيته، تناول عدد من الدراسات علاقة الخطاب بالحرب، كما في مثال النزاع المسلح بين حكومة آبي أحمد وجبهة تحرير شعب التيغراي في إثيوبيا، حيث استُخدمت أدوات لغوية لعزل الخصوم ونبذهم ونزع إنسانيتهم وتعبئتهم على أساس عرقي أو

(6) Aaron V. Cicourel, "Language as a variable in social research," Sociological Focus , vol. 3, no. 2 (Winter 1969– 1970), pp. 43–52 (7) Innocent Chiluwa, Discourse Analysis and Conflict Studies (Thousand Oaks: SAGE Publications, 2019), pp. 9–10.

8) (حسن الحاج علي أحمد، "فترة انتقالية مضطربة: تحولات التحالف الهجين في السودان"، عمران، مج 12، العدد 47 (شتاء، ص 2024.9) 9)(أحمد إبراهيم أبو شوك، "تجمع المهنيين السودانيين وسؤال التنظيم والقيادة في الثورة السودانية (2019–2018)" عمران، مج 12، العدد 48 (ربيع 2024.89)، ص 10)(محمود العشيري، "الاستعارة؛ استراتيجية حرب: دراسة في لغة الخطاب السياسي للحرب على لبنان (تموز/ يوليو 2006)"،

مجلة كلية دار العلوم – جامعة القاهرة، العدد، ص 55 (2013.209) 11)(محمد محمد علي عمارة، "تحليل خطاب الحرب الروسية الأوكرانية في مواقع الصحف المصرية الخاصة: دراسة تحليلية"،

المجلة المصرية لبحوث الرأي العام، مج 22، العدد 2 (نيسان/ أبريل–حزيران/ يونيو 2023.315)، ص

عنصري أو غير ذلك من أشكال التمييز. وعلى ذلك، لم يؤدِ ذلك الصراع إلى تفاقم الانقسامات الإثنية والثقافية والسياسية فحسب، بل كذلك إلى تفاقم خطاب الكراهية لتأطير (الآخر) المعادي. ويمكن اعتبار مثل هذه الدراسات جزءًا من مثيلاتها التي تتناول أوضاعًا أفريقية عامة، وهي تبيّن

دراسة ديناميكيات اللغة في سياق العمل على حلّ النزاعات أساسي، وأن من بين الأسباب التي جعلت المجتمع الدولي غير قادر على حلّ بعضها فشله في استكشاف دور اللغة في محادثات السلام مثلا، سواء نشبت النزاعات المراد حلها لأسباب إثنية أم دينية أم غيرها. تبيّن نماذج الدراسات السابقة الذكر أهمية الخطاب ودوره الفعّال في سير الحروب التي تعتمد عادة

على قدرته التنظيمية على خلق الوحدة بين أفراد المجموعات المتحاربة، وحشد الدعم في صفوفها، وبناء على ذلك يُعتبَر شريكًا نشطًا فيها، فالخطاب لُغة لها جيش وبحرية، وفقًا لجودث إيرفن

وسوزان جال. كما أن له دورًا في تشكيل الهوية الاجتماعية والثقافية، ويزداد دوره هذا حسمًا

في ظروف الحرب التاريخية والاجتماعية، من خلال صوغ المرجعية الأساسية لهويات المنخرطين فيها. وانطلاقًا من ذلك، سوف نعتمد في دراسة طبيعة خطاب حرب نيسان/ أبريل وعلاقته بها، على القضايا الخمس المحددة التي سبق عرضها؛ لأنها تعتبر أساسية في مسار الحرب وفي تشكيل هويات المتحاربين سياسيًا وأيديولوجيًا واجتماعيًا؛ أي من منظور عنصري – عرقي وجندري.

2. ا˜ دوات اﻟﻤﻔﻬﻮﻣﻴﺔ ﻟﺪراﺳﺔ اﻟﺨﻄﺎب وﻃﺒﻴﻌﺔ ﻋﻼﻗﺘﻪ ﺑﺎﻟﺤﺮب

أ. الخطاب

ترى ثورية دريد أن الخطاب Discourse يتجاوز الجملة إلى السياق والظروف التي أنتجته. ولا يمكن فهم طبيعة خطاب ما، من خلال تحليل مكوناته اللغوية فقط؛ بل يجب التأكيد أيضًا أن علاقات منظمة داخل الخطاب نفسه تؤثّر في الواقع وتتأثّر به. وفي هذا السياق، يمكن وصف

(12) Lucas Mafu, "Discourse Structures, Weaponization of Language and Ethiopia’s Civil War," Sage Open , vol. 14, no. 3 (2024). (13) John Emike, Joel Iyiola & Ofeh Augustine, "Language in Conflict Resolution in Africa: The Discourse Strategies," American Research Journal of English and Literature , vol. 3, no. 1 (2017), pp. 1–7. (14) Scott A. Reid & Sik Hung Ng, "Language, Power, and Intergroup Relations," Journal of Social Issues , vol. 55, no. 1 (1999), p. 120. (15) Judith T. Irvine & Susan Gal, "Language Ideology and Linguistic Differentiation," Regimes of language: Ideology, Politics and Identities. vol. 81 (2000), pp. 35–36.

16) (عبد السلام المسدي، اللغة والهوية في الوطن العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.231

(17) Thouria Drid, "Discourse Analysis: Key Concepts and Perspectives," Al–Athar , vol. 9 (May 2010), pp. 20–25. (18) Deborah Schiffri, "Discourse," in: Ralph W. Fasold (ed.), An Introduction to Language and Linguistics (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), p. 171.

التفاعلات اليومية في وسائل التواصل الاجتماعي بأنها خطاب؛ لأنها تشكّل أداءً كلاميًا مكتمل

التأثير. ونقصد بالخطاب في هذه الدراسة تحديدًا التعبيرات والمفردات اللغوية المستعملة في كل تناول لحرب نيسان/ أبريل، في مختلف تشكيلاتها وتركيباتها وحمولاتها الممكنة، ضمن سياقها التاريخي وباعتبارها تهدف إلى إحداث تأثير في واقع هذه الحرب. بهذا المعنى، نعتبر أن الخطاب شكل من أشكال الممارسة الاجتماعية؛ وذلك انطلاقًا من رؤية نورمان فيركلاف إلى الظاهرة اللغوية على أنها ظاهرة اجتماعية، وإلى الظاهرة الاجتماعية على أنها ظاهرة لغوية. وفي هذا الصدد، تضيف رقية حسن أن الخطاب هو مرآة المجتمع؛ لأن القيم الثقافية والموضوعات والمعتقدات غالبًا

ما تكون منسوجة على نحوٍ معقّد في الخطاب، وأن دراسة خطاب المجتمعات يوفّر رؤى حول أنماط حياة الأفراد وممارساتهم الاجتماعية، إضافة إلى أن فهم الخطاب بوصفه مرآة للقيم الثقافية لا يثري فهمنا للمجتمعات فحسب؛ بل يسلّط الضوء أيضًا على دور الخطاب في الكشف عن المعايير الثقافية للأفراد والمجتمعات وتشكيلها. وهنا نضيف أن الخطاب لا يعكس الواقع فقط، بل قد ينتج الواقع ويشكّله ويعيد إنتاجه أيضًا، وذلك لأن العلاقة بين الخطاب والبنى الاجتماعية علاقة تسير في اتجاهين؛ فالخطاب يتحدد على نحوٍ مباشر من خلال البنى الاجتماعية، ليعود فيؤثر فيها ويرتبط بتحقيق استمراريتها ضمن مسارات معقدة للتغيير الاجتماعي. ونتيجة لهذه العلاقة الجدلية بين الخطاب والبنى الاجتماعية، فإن الخطاب يكتسب أهمية كبيرة من حيث علاقات القوة والصراع على السلطة (مثل الحروب والنزاعات). ولتحليل خطاب حرب نيسان/ أبريل، فإننا نتّبع منهجًا لا يقتصر على تخصص واحد؛ بل يعتمد على

عدّة تخصصات، تجمع بين مجالات مختلفة، لمحاولة فهم طبيعة تلك العلاقة. وفي هذا الجانب، تقدم دراسات الخطاب مناهج تحليلية تربط بين مختلف المجالات منها براغماتية اللغة، ونظرية أفعال الكلام لميشيل فوكو على وجه التحديد، والتحليل النقدي للخطاب، وتحليل المحادثة، وعلم اللغة الاجتماعي التفاعلي، وإثنوغرافيا الاتصال.

ب. السلطة

يري شياو–ينق شيانق أن السلطة Power هي القدرة المشروعة على التأثير في الآخرين. وموضوع الشرعية هو ما يميز السلطة من غيرها من أنواع السيطرة والقوة. وقد تأتي تلك الشرعية وتمرر

(19) Norman Fairclough, Language and power (New York: Longman, 1989), pp. 22–23. (20) Rukya Hassen, "Discourse as Medium of Knowledge: Transmission of Knowledge by Transmission of Discourse People Live," Journal of Education and Practice , vol. 6, no. 31 (2015), pp. 119–128. (21) Fairclough, p. 35. (22) Shiao–Yun Chiang, "Power and Discourse," in: Karen Tracy (ed.), The International Encyclopedia of Language and Social Interaction , vol. 1: A–D (Oxford: Wiley Blackwell, 2015). (23) Ibid.

عن طريق القوة مثل الحروب والنزاعات أو عن طريق الخطاب والأيديولوجيا وغيرها. ونقصد بالسلطة في سياق دراستنا مفهومها الأوسع الذي يراه فوكو وذلك من منظور طبيعتها؛ فهي علاقة تسير في كل الاتجاهات ولا تقتصر – على سبيل المثال – على الرؤساء التنفيذيين أو الساسة الذين يملون القواعد على مرؤوسيهم؛ بل هي منتشرة في التفاعلات والمواقف اليومية، مثل المشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها. ثمّ إن علاقات السلطة التي تنشأ بين القوى الاجتماعية تشكل عاملا أساسيًا، يحدد الطبيعة المحافظة أو التحويلية لإنتاج الخطاب ولإعادة إنتاجه. ويمكن ممارسة السلطة عن طريق الخطاب، انطلاقًا من أن الخطاب يجسد افتراضات أيديولوجية تضفي الشرعية على علاقات السلطة القائمة أو تشكّلها أو تعيد تشكيلها، ومن ثمّ إذا حدث تحول في علاقات السلطة من خلال الصراع الاجتماعي، يمكننا، في المقابل، أن نتوقع تحولّا في أنظمة الخطاب تباعًا. وقد تكون تحولّات أنظمة الخطاب ضرورية حتى بالنسبة إلى مجموعة اجتماعية مهيمنة، للحفاظ على مكانتها أو تغييرها على سبيل المثال.

ج. الأيديولوجيا

تعرَف الأيديولوجيا Ideology عادة بأنها أنظمة من المعتقدات المشتركة، غالبًا بين مجموعات

محددة بدلا من المجتمع الاجتماعي بأكمله. أما عن طبيعة علاقتها بالخطاب، فإنها تعتبَر وسيلة

للسيطرة على المجتمع عبر الخطاب. وقد يكون الخطاب الوسيلة المفضلة للأيديولوجيا. أضف إلى ذلك أن الممارسات الخطابية التي يلجأ إليها الناس عادة من دون تفكير هي ممارسات أيديولوجية؛ بحيث تدعم علاقات السلطة التي تكون بين أيدي مجموعات اجتماعية متنافسة. ويمكن النظر إلى الأيديولوجيا على أنها أحد أشكال الإدراك الاجتماعي، يتقاسمه أعضاء المجموعة الاجتماعية، ويتشكّل إطارًا معرفيًا معقّدًا يتحكّم في تشكيل الإدراكات الاجتماعية الأخرى، مثل المعرفة والرأي والموقف، والتحيّزات الاجتماعية. ويتألّف أيّ إطار أيديولوجي من معايير وقيم وأهداف ومبادئ

تُختار وتُطبّق وتُدمج، بطريقة تصبّ في صالح الإدراك والتفسير والفعل في الممارسات الاجتماعية

التي تخدم مصلحة مجموعة اجتماعية ما.

د. العنصرية واللاعدالة الاجتماعية

تقوم العنصرية Racism على غياب العدالة الاجتماعية Social Justice، فهي نظام اجتماعي معقّد من الهيمنة، ذو أساس عرقي أو عنصري لا عدالة فيه ولا مساواة، وهي تتألف من مكوّن اجتماعي

(24) Michel Foucault, The History of Sexuality , vol. 1: An Introduction, English Translation (New York: Random, 1978), pp. 15–17. (25) Fairclough, p. 40. (26) Ibid., p. 37. (27) Teun Adrianus Van Dijk, Discourse and Power (New York: Palgrave Macmillan, 2008), pp. 102–103.

ومكوّن معرفي، وهو الذي يضطلعُ الخطاب بدور أساسي في بلورته. فالعنصرية العرقية، مثلا، ليست فطرية، ولا تتطور تلقائيًا بين الأفراد، بل إنها مكتسبة وتحدث عادة من خلال التواصل والتفاعل عن طريق الخطاب؛ أي من خلال النص والحديث وغيرها من أشكال التواصل الأخرى. فالعنصرية يُعبّر عنها وتُصاغ ويُدافع عنها وتُضفى عليها شرعية في الخطاب؛ ومن ثمّ، يُعاد إنتاجها

ومشاركتها داخل المجموعة المهيمنة، وهكذا تُعلَم العنصرية في المجتمعات. ومن سمات هذا الخطاب، احتواؤه على التمييز اللفظي أو العنصرية اللفظية، والوصم والتحقير والتنمّر على

أساس عرقي. ولذلك فإن فهم الخطاب العنصري مرتبط بالتعرف إلى انتماءات منتجيه ومستقبِليه وهوياتهم، وكذلك بسماته اللغوية والثقافية، يمكّننا تحليلها من اكتساب رؤية عميقة لأنظمة المعتقدات والقيم المجتمعية والسرديات السائدة في مجتمع ما، والمعايير والسلوكيات الاجتماعية والثقافية وغيرها.

ه. الجندر

يشير مفهوم الجندر Gender في هذه الدراسة إلى العملية التي تشكّل الفروق في الأدوار الاجتماعية والسلوكيات والخصائص العقلية والعاطفية، وحتى الجسمانية للنساء والرجال في المجتمع. وتؤدّي اللغة المرتبطة بالجندر دورًا مهمًا في تشكيل الخطاب عبر سياقات مختلفة؛ إذ تُستخدم لتحديد الهويات والتفضيلات والاختلافات والقواسم المشتركة أو المتباينة بين الذوات الاجتماعية. ويتخلل ذلك بناء الصور النمطية، واستبعاد الآخرين أو الإساءة لهم أو تمييزهم بناءً على هويتهم

الجنسية مثلا، وبناء التحيزات والتمييزات تجاهها في المجتمعات. في هذا السياق، يختار الأفراد أنماطًا لغوية محددة، ذكورية أو أنثوية، لتلبية توقعات مجتمعاتهم، أو لتحقيق أغراضهم التواصلية التفاعلية. ويخضع الخطاب التواصلي على شبكات التواصل الاجتماعي لهذه التأثيرات نفسها، ويقوم بالأدوار المشار إليها نفسها. ولذلك يمكن القول إن اللغة المستخدمة في الخطاب لا تسمح فقط بمشاركة المعلومات عن الأيديولوجيات والثقافات والتعبير عنها حول قضية محددة، بل تؤدّي أيضًا دورًا محوريًا في تشكيل الهويات الجندرية وإعادة تشكيلها؛ وذلك من خلال عدد من العناصر

(28) Teun Adrianus Van Dijk, "Discourse Analysis of Racism," in: John Hans Stanfield (ed.), Rethinking Race and Ethnicity in Research Methods (London: Routledge, 2011). (29) Adrianus, Discourse and Power , pp. 102–103. (30) Hassen, pp. 1–2.

31) (ليلى قريدي، "مفهوم الجندر وإشكالية الترجمة"، مجلة التمكين الاجتماعي، مج 2، العدد 4 (كانون الأول/ ديسمبر 2020)، ص.48

(32) David Defranza, Himanshu Mishra & Arul Mishra, "How Language Shapes Prejudice Against Women: An Examination Across 45 World Languages," Journal of Personality and Social Psychology , vol. 119, no. 1 (February 2020), p. 4. (33) PM Gygax et al., "A Language Index of Grammatical Gender Dimensions to Study the Impact of Grammatical Gender on the Way We Perceive Women and Men," Frontiers Psychology , vol. 10 (2019), pp. 1–2.

والقيم الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في أفهام الأفراد ومنظورهم إلى الأشياء من حولهم. وفي سياق الحروب، يمكن أن تعزز اللغةُ الصورَ النمطية الأيديولوجية، عبر التعابير والمفردات المرتبطة

بالجندر؛ وهو ما يؤدي إلى فهم متحيّز للصراع، يكون على الأغلب مضطهِدًا للنساء.

3. ﺑﻨﻴﺔ اﻟﺤﺮب اﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﻤﺘﻘﺎﺗﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻴﺪان وﻓﻲ اﻟﺨﻄﺎب

على مر الأحداث التاريخية التي عاشها السودان الحديث، تمظهرت صراعات ساسته ونخبه ومثقفيه ضمن بنية متناقضة تتقاتل فيها ثنائيات Dualities بُنيت تاريخيًا، بحيث تعكس جذور الصراعات القائمة بينها. وليست الثنائية موضوعًا جديدًا في السودان؛ فقد تناولتها عفاف أبو حسبو في عام 1980، وأشارت إلى أن لها وجودًا منذ ما قبل الاستعمار، إلا أنه عمل على تغذيتها وإعادة إنتاجها، لتصبح سمة في الفضاء السياسي العام. وتقول إن الاستعمار البريطاني حاول استخدام الثنائيات القائمة وأضاف إليها أخرى ليُضعِف الحركة الوطنية في مستعمراته، ومن بينها السودان. ومنها ثنائيات التقليديين مقابل الحداثيين، والإقليميين مقابل الوطنيين، والطائفيين مقابل العلمانيين، والمعتدلين مقابل المتطرفين في النخب المتعلمة... إلخ. وتضيف أبو حسبو أن تلك الثنائيات عبرت مما قبل الوضع الاستعماري إلى الوضع الاستعماري نفسه، ثم إلى الاستقلال، وهو ما دعاها إلى أن تتحدث عما أسمته "مركزية الثنائية". وفي تفصيل قولها، أشارت إلى أن الحركة القومية السودانية اتّسمت عمومًا بالصراع الداخلي الذي تبلور في ثلاثينيات القرن العشرين ثم أربعينياته، وسيطر على العلاقات السياسية الداخلية في السودان إلى ما بعد استقلاله. ومن مظاهر تلك الثنائية وجود فكرتين قوميتين متعارضتين في ذلك الوقت: إحداهما تدعو إلى هوية سودانية مستقلة وتطالب باستقلال السودان عن مصر وبريطانيا تحت شعار السودان للسودانيين، وثانيتهما تدعو إلى وحدة وادي النيل تحت راية الحكم المصري. أما بعد استقلال السودان، فقد صارت الثنائيات العرقية والإثنية من سِمات المجتمع السوداني. ويذهب عبد الله الفكي البشير إلى ما ذهبت إليه أبو حسبو، ويرى أن من أبرز تجليّات آثار الاستعمار ثنائيات الإرث السياسي السوداني، ويضيف إلى الثنائيات السابقة: التطهير

مقابِل التمكين، واليسار مقابِل اليمين، والإسلاميين مقابِل الشيوعيين، والمدنية مقابِل العسكرية، وفي الوقت الحالي ثنائية الجيش مقابِل الدعم السريع.

(34) Israt Jahan, "The Impact of Gendered Language on Our Communication and Perception Across Contexts and Domains," Journal of Language and Linguistic Studies , vol. 17, no. 4 (2021), p. 3. (35) Blackburn Robert M, Jennifer Jarman & Bradley Brook, "The Puzzle of Gender Segregation and Inequality: A Cross–National Analysis," European Sociological Review, vol. 16, no. 2 (2000), p. 1. (36) Afaf Abu Hasabu, Factional Conflict in the Sudanese Nationalist Movement 1918–1948 (Khartoum: The Graduate College University of Khartoum, 1985), pp. 3–6. (37) Ibid.

38)(عبد الله الفكي البشير، "دور الفكر في إحداث التغيير في السودان"، الملتقى السوداني للسانيات، يوتيوب، 2024/5/12،

شوهد في 2025/7/7، في: https://youtu.be/sTfXi7oUEZM?feature=shared

وفي هذه الدراسة، نتناول أحد أوجه هذه الثنائيات، ونسميها تحديدًا الثنائيات الخطابية Discourse Dichotomies، التي تشير إلى البنية الثنائية المتصارعة، بل المتقاتلة في الخطاب بحمولاته الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية، وهي تختلف عن الثنائيات Dualities التي أشارت إليها أبو حسبو والفكي، وهي غالبًا ما كانت ذات خلفية تاريخية وحمولة سياسية. على أننا نعتبر أن الثنائيات الخطابية

المتصارعة تعكس الثنائيات الاجتماعية والسياسية من جهة، وتعيد إنتاجها من جهة أخرى.

ﺛﺎﻧﻴًﺎ: ﺛﻨﺎﺋﻴﺎت ﺧﻄﺎب ﺣﺮب ﻧﻴﺴﺎن/ أﺑﺮﻳﻞ

يتّسم خطاب حرب نيسان/ أبريل بطبيعة ثنائية حادة التقابل، يمكن افتراض أنها انعكاس لبنية صراع

تاريخية وسياسية معقّدة في السودان، كما سبقت الإشارة، بحيث يُستخدم الخطاب أداةً لتعزيز

المواقف المتعارضة وإعادة إنتاج الهويات المتصارعة والنزاعات والحروب. وللإجابة عن سؤال الدراسة الأول: ما طبيعة خطاب حرب نيسان/ أبريل؟ نعرض محتويات الخطاب في صيغة ثنائيات نثبتها ونصف مكوناتها، ومن ثم نحللها باستخدام منهج التحليل النقدي للخطاب، للكشف عن الأرضية التي يقوم عليها؛ وهي التي نستند إليها في القسم الثالث من هذه الدراسة.

1. ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﻤﻮﻗﻒ ﻣﻦ اﻟﺤﺮب

ظهرت هذه الثنائية تعبيرًا عن الموقف من حرب نيسان/ أبريل؛ فهناك من يؤيد الحرب دعمًا لها،

وذلك بأن يقضي الجيش على قوات الدعم السريع المتمردة على الدولة على حدّ تعبيرهم. وهناك من يرى أنه يجب وقف الاقتتال؛ إذ إن المتضرر الوحيد هو المواطن السوداني الذي ينتمي إليه أفراد كلا الطرفين المتقاتلين. وبين هذا وذاك، ظهرت تلك الثنائية تعبيرًا عن الموقفين الرئيسين من حرب

نيسان/ أبريل. أما معاني تلك المفردات والتعبيرات والشعارات الثنائية، التي يستعملها كلا الطرفين للدفاع عن موقفهما، فهي كالتالي:

أ. "لا للحَرْب، لازِم تَقيف"ِ

إن تيار "لا للحرب ولازم تقيف" اصطفت حوله قوى سياسية ومجتمعية وشعبية، أبرزها قوى الحرية والتغيير (الائتلاف الحاكم سابقًا) ومكوّنات مهنية مجتمعية. دعونا ننظر إلى معاني المفردتين في

الفقرة التالية، قبل تحليلها. • "لا للحَرْب": أي يجب ألا تكون حرب في السودان. وهو تعبير عن موقف ظهر منذ بداية

الحرب وقبل ترجيح كفة أحد الطرفين. وغالبًا ما يكون موقفًا ودعوة حقيقية إلى وقف الحرب.

ويبدو أنه ينطلق من دوافع أخلاقية وإنسانية في المقام الأول غالبًا.

39)(عادل عبد الرحيم، "بعد 12 أسبوعًا.. حرب السودان بين داعم لوقفها ومؤيد لحسمها (تقرير)"، الأناضول، 2023/7/24،

شوهد في 2024/4/20، في: https://tinyurl.com/j4hv5459

40) (فيصل محمد صالح، "كيف تفهم الحرب في السودان...؟"، العربية، 2024/3/2، شوهد في:2024/4/20، في

https://tinyurl.com/36dduxnh

• "لازِم تَقيف": تعبير أطلقه من يؤيد ضرورة وقف الاقتتال بين الطرفين المتحاربين في السودان. ويعني أن الحرب يجب أن تتوقف.

ب. "بَلْبَسْ–البلَابِسَة–، جَغِم، دَبِلْ له"

إن تيار "بَلْبَسْ– البلَابِسَة–، جغم، دَبِلْ له" هو تيار يدعم الجيش ويدعو إلى القضاء على تمرد

الدعم السريع، ويضم تيارات إسلامية وأحزابًا سياسية؛ أبرزها حزب الأمة جناح مبارك المهدي.

أما معاني العبارات أعلاه، فهي كالتالي: • "بَلْبَسْ–البلَابِسَة": "بل بس" تعني القتل والتنكيل – فقط لا غير – في سياق حرب نيسان/ أبريل.

واشتُقَت منها مفردة "البلابسة"، وهي صفة تُطلق على من يدعمون موقفًا، "بل بس" ومفردها "بَلْبُوسي"، ف "البلبوسي" هو الداعم لموقف الجيش في مواصلة القتل لحسم حرب نيسان/ أبريل

لصالحه. وتعبير "بل بس" قد استُعمل في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018 السودانية، وكان وقتها يعني استمرار المواجهة السياسية أو الاحتجاجية الجذرية ضد نظام الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير، وهو موقف يرفض الحلول الوسط بين الثورة ونظام الإنقاذ/ البشير. وفي الوقت الحالي، تعني الانحياز إلى بديل الحرب بين الجيش والدعم السريع واستمرار المواجهة العسكرية حتى يحسم الجيش الحرب، ويتم القضاء على (التمرد). • "جَغِم": المعنى المباشِر لتعبير "جغَم" هو أكَل. وقد اشتهر بوصفه مرادفًا لتعبير "بَل بَس". على

الرغم من أن السودانيين من الطرفين المتقاتلين يستعملونه الآن للإيحاء بشدة فتكهم بخصومهم، فيقولون: إن الكتيبة كذا "جغمَت" الفريق كذا، وهكذا. وقد يُستعمَل مع ترديده مرتين فيقولون:

"جَغِم جَغِم"، وذلك مبالغة في تصوير شراسة موقف الاقتتال في سياق حرب نيسان/ أبريل.

وقد امتد المعنى واستُعمل في السياق العام السوداني بمعنى (الحَسْم) بصورة عامة. • "دَبلْ له": تعبير اشتهر خلال حرب نيسان/ أبريل، ويعني زيادة الضرب والهجوم مرة تلو

الأخرى. فكلمة "دَبل" – فعل أمر – مفردة شهيرة في اللهجة السودانية تعني ضَاعِف. وهي بمعنى المفردة الإنكليزية Double نفسه. وقد استعملها من يدعم خط "نعم للحرب"، في إشارة منهم إلى معنى الفتك بالأعداء مرات عديدة، وذلك مبالغة في التوصيف أيضًا. من خلال المسرد أعلاه نلاحظ أن هناك تباينًا في وجهات النظر بين التيارين، وتقابلُا واضحًا يعود أساسه

إلى مواقف الطرفين قبل اندلاع الحرب، وبعد توقيع الاتفاق الإطاري في 5 كانون الأول/ ديسمبر

41)(عبد الرحيم. 42)(خالد محمود، "الحرب تفرز مصطلحات جديدة لا يعرفها أحد سواهم: السودانيون يتحدثون بلغة 'ناس الشجرة' و'الدعامة'

و'الكيزان' و'البلابسة'"، أخبار السودان، 2023/6/28، شوهد في 2024/4/20، في: https://tinyurl.com/t7ymbxpv 43)(بكري الصائغ، "مصطلحات وتعبيرات سودانية جديدة ظهرت بعد معارك أبريل 2023 "، الراكوبة، 2023/8/12، شوهد في

2024/4/20، في: https://tinyurl.com/4xkk548h

2022 بين المكون العسكري والقوى المدنية (الحرية والتغيير – المجلس المركزي)، للتوصل إلى اتفاق يحلّ الأزمة السياسية في السودان حينها. وقد أسهم هذا التباين في توليد تلك الثنائيات وانتشارها؛ وهذا يؤثر في مسار حرب نيسان/ أبريل بوقفها أو استمرارها.

2. ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﺘﺴﻤﻴﺔ

إن أهم الثنائيات التي أنتجتها أو أعادت إنتاجها حرب نيسان/ أبريل، هي التعبيرات التي يستعملها الطرفان المتقاتلان والسودانيون عمومًا وغيرهم، لوصف أفراد كلا الطرفين ومجموعاتهما. فهي

تعبيرات كثيرة حاولنا ذكر أهمها وأشهرها – ما أمكن – وذلك على النحو التالي.

أ. تسميات الدعم السريع

• "الجَنْجَويد": اسم ارتبط بقوات الدعم السريع، وهو اسمها الأول الذي أطلقه عليها سكان

منطقة دارفور في غرب السودان، وهو الإقليم الذي ظهرت فيه تلك القوات. وسُمّوا "جنجويد"؛

لأن أفراد هذه المجموعات يمتطون الجياد ويحملون أسلحة رشاشة ويهجمون على القرى وينهبونها ويغتصبون نساءها ومن ثم يحرقونها، ويُطلق على الواحد منهم "جِني على ظهر جويد"

تصغيرًا لجواد، وجمعهم "جِن على ظهور الجياد"، ومن هنا أُطلِق عليهم اسم "جَنْجَويد".

وكانت هذه المفردة موجودة قبل حرب دارفور 2003، وكانت تعني عصابات النهب التي تنتمي إلى بعض القبائل العربية في دارفور. • "الدعامَة": اسم أطلُق على منتسبي قوات الدعم السريع؛ إذ كان اسمها الأول "جَنْجَويد"، ومن

ثم تطوّر وأصبح "دَعامَة" نسبة واختصار لقوات الدعم السريع؛ وهو الاسم الذي أطلُق عليها عند

تأسيسها على يد الرئيس الأسبق البشير في عام.2013 • "الأشَاوِسْ": اسم يُطلَق على أفراد الدعم السريع أيضًا، أو أطلقه أفراد الدعم السريع على

أنفسهم ومناصريهم، شاع بعد حرب نيسان/ أبريل. وقد اختيرَ استعماله نسبة إلى معناه في اللغة

العربية؛ إذ كان يستعمل قديمًا عند العرب، ويعني الرجال الأبطال الذين لا يخافون الموت

والذين يتميزون بالضراوة القاسية. • "أولْاَدْ أبُوكْ": تعني ابن والده، وكان يستخدمها بعض القبائل العربية في دارفور لمخاطبة

بعضهم كناية عن صلة الرحم والدم والقبيلة، وهي القبائل التي ينتمي إليها معظم أفراد الدعم السريع. وفي سياق حرب نيسان/ أبريل، أصبحت تعني أفراد الدعم السريع. مع احتفاظهم بمعناها الأصلي واستخدامها بينهم أيضًا إلى وقت إجراء الدراسة.

44)(عبد الرحيم. 45) (عبد الجليل سليمان، "من هم 'الجنجويد'؟"،، 2019/6/27، شوهد في 2024/4/20، في: درج https://tinyurl.com/yx2e3v2b 46) (صالح الحارتي، "أزلام.. طحالب.. أشاوس"، بوابة الوسط، 2021/2/23، شوهد في 2024/4/20، في:

https://tinyurl.com/5c37k2fz

• "نَاسْ الشجرَة": كناية عن أفراد الدعم السريع، وقد شاع هذا التركيب، بعد أن سألت مذيعة في إحدى القنوات الفضائية قائد قوات الدعم السريع، محمد حَمْدَان دقَلو، عن مكان وجوده في أثناء حوار تلفزيوني فرد عليها "تحت الشجرة"، في إشارة منه إلى أنه لا يمكنه إخبارها بمكان وجوده الحقيقي لاعتبار هذا الأمر من الأسرار الميدانية له ولقواته. وقد زاد انتشار هذا التركيب، بعد أن استخدمه قائد القوات المسلحة السودانية، الفريق أول عبد الفتاح البُرهان، حين ظهر في شريط تلفزيوني في غرفة العمليات الخاصة بالقوات المسلحة السودانية، وهو يقول لقادته العسكريين متهكمًا: "ناس الشجرة بيسلموا عليكم". في إشارة منه إلى قوات الدعم السريع. • "الكدَمُول": هو الشخص التابع لقوات الدعم السريع أو المؤيّد لهم. وهو مأخوذ من اسم العمامة التي يرتديها أفراد الدعم السريع. والكدَمُول هو عمامة تُلف حول الرأس، يبلغ طولها 200–100 سنتيمتر، ويعتبر اللونان الأخضر والبني رئيسَين فيها، إضافة إلى ألوان أخرى، وتُصنع من الأقمشة القطنية؛ لأنها باردة. وشكلها أقرب إلى العمامة السودانية شائعة الظهور، وتُلف حول الرأس والرقبة وتغطي الوجه ما عدا العينين منعًا للأتربة وجفاف الفم. والكدَمُول لم تتميز به قبيلة محددة تاريخيًا أو ثقافيًا؛ فقد اشترك في ارتدائه سكان المناطق الجافة في السودان وغيره، سواء كانت عربية أو أفريقية. ولكنه في وقت حرب نيسان/ أبريل ارتبط بقوات الدعم السريع، وأصبح رمزيًا لها وصارت تُعرَف به، حتى إن أحد الولاة منع لبسه في إحدى الولايات، غالبًا لأسباب أمنية وربما لأسباب أخرى. • "شفشافة": اسم يُطلق على أفراد الدعم السريع ومن ينتمي إليهم، ويعني السارقين أو اللصوص. وجاءت التسمية من معنى كلمة "الشفشفة"، والتي كانت تعني قبل الحرب المعنى نفسه. • "أولاد الضيف": تعبير يُسمّى به أفراد الدعم السريع ومناصروهم، ويعني أنهم أفراد ليس لديهم آباء أو نسب معروف، وهو معنى خاص بثقافة بعض القبائل التي ينتمي إليها أفراد الدعم السريع. • "عرب الشتات": اسم يُطلق على أفراد الدعم السريع ومناصريهم في إشارة إلى العرب الذين يقطنون الصحراء الأفريقية، كناية عن عدم انتمائهم إلى وطن وأصولهم غير السودانية. • "مقاطيع/ ملاقيط غرب أفريقيا": في إشارة إلى عرب صحراء غرب أفريقيا، كناية عن عدم انتماء أفراد الدعم السريع إلى السودان أو عدم وصفهم بأنهم سودانيون.

47)(الصائغ. 48) (فاطمة علي سعيد، "الكدمول.. ثقافة وافدة أم إرث محلي؟"، الصيحة، 2021/8/7، شوهد في 2024/4/20، في:

https://tinyurl.com/36u62n7w

ب. تسميات الجيش السوداني

• "الجياشَة": صفة مشتقة من "الجيش"، تُطلَق على أفراد الجيش السوداني. • "الفلُول": صفة تُطلق على مؤيدي نظام حكومة الرئيس السوداني الأسبق البشير. وجاء أصل التسمية من المعنى اللغوي لمفردة "فل"؛ أي انكسر وانهزم، باعتبار أن ما حدث للنظام السابق من ثورة كانون الأول/ ديسمبر السودانية هو هزيمة وانكسار. ويُطلِق أفراد الدعم السريع

ومناصروهم وأحيانًا غيرهم صفة "فلول" على كل من يقف إلى جانب الجيش ويؤيدهم، وحتى على أفراد الجيش أنفسهم في سياق حرب نيسان/ أبريل. • "الكِيزَان": صفة مفردها "كُوز"، يطلقها أهل السودان عمومًا على المنتمين إلى الحركة

الإسلامية، وتشمل الإخوان المسلمين في السودان. والكوز في معناه اللغوي هو إناء بعُرْوة من

فخار أو غيره له "أذن" يشرب فيه أو يُصَبُ منه. وبحسب الروايات، فقد أطلُق على الإسلاميين

السودانيين صفة الكوز؛ لأنهم كانوا يرددون مقولة "الدين بحر ونحن كيزانه". وفي رواية أخرى، فإن من أطلق عليهم هذه التسمية هم أنصار الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري أيام خلافهم مع الإسلاميين، حيث شبهوهم ب "كوز اللوْرِي"، و"اللوْرِي": اسم عربة من نوع الشاحنات في

السودان، و"كوز اللوْرِي" مصنوع من الألمنيوم عادة؛ لذا يصدر أصواتًا عالية للفت انتباه سكان

القرى بأن اللوْرِي قادم. وذلك في دلالة على صوت الضوضاء الفارغ الذي يصدره ذاك الإناء.

وهي الصفة التي اتصف بها أفراد ذاك النظام، بحسب تعبيرهم. وقد امتدت التسمية لتشمل كل من ينتمي إلى ذاك النظام أو يؤيده. وقد اشتهر هذا التعبير كثيرًا في سياق حرب نيسان/ أبريل

لدى قوات الدعم السريع تجاه كل من يعارضهم من مدنيين أو عسكر. • "دولة 56": مصطلح أطلقه أفراد الدعم السريع على نظام الدولة السودانية الحالية بأنه نظام 1956؛ أي النظام الذي ورث الحكم بعد استقلال السودان في العام نفسه. وهو نظام دولة متّهَم بأنه حكرٌ للجماعات العربية المسلمة على النيل الأوسط المنفردة بالسلطة والثروة. وهو

تعبير يمثل مطلبًا لقوات الدعم السريع التي تقول إنها تريد تفكيك تلك الدولة وحلّها. • "فلَنْقَاي": اسم اشتهر وارتبط بالجيش السوداني ومؤيديه، ويعني الشخص المدني أو غير العسكري الذي جاء من منطقة مهمشة، لكنه يخدم أو يتبع السلطة أو العسكر (وغالبًا يقصد بهم

أبناء دارفور من غير القبائل العربية الذين ينتمون إلى الجيش السوداني أو يؤيدونه). ويقال إن مفردة "الفلنقاي" يرجع تأريخها إلى زمن المهدية، وقد كانت تعني حينها الشخص الذي يتودد

49) (عبد الرحمن يوسف، "معنى الفلول"، اليوم السابع، 2011/7/12، شوهد في 2024/4/20، في: https://tinyurl.com/3np3s3xx 50) (عمران سلمان، "'كيزان' السودان.. وزوال البلاء العظيم"، الحرة، 2019/4/19، شوهد في 2024/4/20، في:

https://tinyurl.com/pauzrvuj

51)(عبد الله علي إبراهيم، "دولة 56 والسردية الوطنية السودانية"، إندبندنت عربية، 2023/8/6، شوهد في 2024/4/20، في:

https://tinyurl.com/yc6hjrx9

إلى التاجر، أو الخليفة، أو العُمدة، أو أصحاب السلطة عمومًا. ويُقال إن أصلها "فلَنْقَة"، وتعني

الخدمة السخية التي يقوم بها الإنسان للغير من دون عائد مادي. وبلغة أهل دارفور "الفلَنْقَايَات"

أو "الفُلْقَانَه" هم (العبيد أو الخدَم) الذين يملكهم السلطان والذين يدينون له بالولاء والطاعة العمياء، ف "الفلنقاي" قد يؤدي أدوارًا مختلفة باسم السلطة من دون التفكير في آثارها الأخلاقية

والإنسانية. • "أبُلْدَة": شاع هذا الاسم في أثناء حرب نيسان/ أبريل، واستعمله أفراد قوات الدعم السريع

ومناصروهم لوصف كل من يقف في صف القوات المسلحة السودانية. ويقصدون به الشخص الثقيل الفهم، القليل الذكاء.

3. ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﺮﻣﺰ اﻟﻨﺴﺎﺋﻲ

إن من أهم الثنائيات التي أنتجتها أو أعادت إنتاجها حرب نيسان/ أبريل تلك التعبيرات التي يستعملها الطرفان المتقاتلان والسودانيون عمومًا وغيرهم لوصف المرأة في سياق الحرب؛ فهي إما أن تكون

"أم قرُون" أو"كَنْدَاكَة".ُ

أ. "أم قرُون"ُ

تُطلق تسمية "أم قرُون" في الأساس على الحسناء ذات الضفائر المسدولة من قبائل الرزيقات السودانية

الموجود أغلبها في غرب السودان، وغيرها من القبائل في المنطقة نفسها. و"أم قرُون" تمثل إرثًا

ثقافيًا في مجتمعات البادية؛ فهي فانوس مضيء للرجل في حياته، تشعل الحماسة في المجتمعات

بمدحها للشجعاء وهجائها للجبناء، وهي حاضرة في التاريخ النضالي منذ تكوين الدولة السودانية. وفي سياق حرب نيسان/ أبريل، أصبحت تعني المرأة التي تدعم قوات الدعم السريع أو تنتمي إليهم اجتماعيًا أو إثنيًا أو ثقافيًا أو فكريًا.

ب. "كَنْدَاكَة"

"كَنْدَاكَة" هو اسم زوجات الملوك، أو لقب الملكات النوبيات في الممالك السودانية القديمة من

القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الرابع الميلادي. وتعني المرأة القوية. وقد ارتبطت التسمية تاريخيًا

في السودان بأشهر ملكتين؛ هما أماني رينا وأماني شاخيتو. وقد انتشر الاسم على نطاق واسع مع ثورة كانون الأول/ ديسمبر، وأصبح يُطلَق عمومًا على كل امرأة قوية مناهضة للظلم واللاعدالة

الاجتماعية. وفي سياق حرب نيسان/ أبريل، يُطلق على من يُناصِرن القوات المسلحة السودانية في

حربها ضد قوات الدعم السريع.

52) (سليمان مسار، "'الفلنقاي' وحالة اللاوعي"، إسكاي سودان، 2024/3/16، شوهد في 2024/4/20، في:

https://tinyurl.com/y7yycztd

53) (عبد الله عيسى كتر عابد، "أم قرون والكنداكة"، الراكوبة، 2024/1/24، شوهد في 2025/3/7، في:

https://tinyurl.com/9s94nvzm

4. ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ "ﻧﺤﻦ وﻫُﻢ"

تُستعمل من قبل في هذه الوسائل، نذكر منها:

الضرب وتكرار الضرب للعدو.

وجُبنًا.

مفردات وتعبيرات مرتبطة بالجيشمفردات وتعبيرات مرتبطة بالدعم السريع
"ابَلْ بَسْ– البلَابِسَة" (دعاة الحرب)"لازِم تَقيف" (يجب وقف الحرب)
"اجَغِم" (قتل)"لا لِلحَرْب" (يجب وقف الحرب)
"أدَبلْ له" (زده)"الأ شَاوِسْ" (الشجعاء) َ
"الجياشَة" (أفراد الجيش)"الدعامَة" (أفراد قوات الدعم السريع)
"دولة 56" (السودان بعد استقلاله في عام
(1956
"نَاسْ الشجرَة" (أصحاب الشجرة، وهُم الدعم
السريع)
"أ بُلْدَة" (قليل الفهم) َ"الجَنْجَويد" (أفراد الدعم السريع)

التي يتكلم بها سكان العاصمة والوسط والمثقفون من السودانيين.

2025/6/25، في: https://tinyurl.com/5hyr4b5b

56)(المرجع نفسه. 57)(المرجع نفسه.

أظهرت حرب نيسان/ أبريل ثنائية "نحن وهُم"، ممثلةً في خطاب قوات الدعم السريع وخطاب القوات المسلحة السودانية؛ حيث استخدم أفراد الدعم السريع ومناصروهم مفردات ثقافتهم في مقابل ثقافة اللهجة السودانية. ويظهر لنا هذا الاختلاف في التعبير من خلال ملاحظتنا وتتبعنا لبعض حسابات وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نرى أن بعض مفردات قبائل الدعم السريع وتعبيراتها قد طغت على خطاب حرب نيسان/ أبريل في وسائل التواصل الاجتماعي. وهي مفردات لم تكن

• "طقِيق": مفردة ظهرت في خطاب الدعم السريع، ثم استخدمها أفراد الطرفين لاحقًا. وتعني

• "جَري دَنْقَاس": تعبير يعني جري العدو مع انخفاض الرأس وانخفاض الظهر كناية عن

الجبن والعار، ويستخدم في سياق حرب نيسان/ أبريل بمعنى الفرار من أرض المعركة والقتال. • "عَرد": تعبير استخدم وانتشر في سياق حرب نيسان/ أبريل، ويعني الهرب والجري خوفًا

جدول يُلخّص مفردات وتعبيرات حرب نيسان/ أبريل

54)نُشير هنا إلى أنه لا يوجد لهجة سودانية واحدة، فهناك مجموعة لهجات محلية. وعادة ما يُقصد باللهجة السودانية تلك اللهجة (55)(زول خبر، #"بل_جغم_فتك_متك_عرد# جري دنقاس ابلدة ام قاش"، زول خبر، يوتيوب، 2024/5/26، شوهد في

"أولْاَدْ أبُوكْ" (أفراد الدعم السريع)َ

"االفلُول" (باقي الجيش المهزوم)"أ ولْاَدْ أبُوكْ" (أفراد الدعم السريع) َ
"الكِيزَان" (المؤتمر الوطني، الإسلاميون)"الشَفشَافة" (اللصوص)
"فلَنْقَاي" (من ينتمي إلى الجيش)"الكدَمُول" (عمامة للف الرأس)
"كَنْدَاكَة" (المرأة الثائرة)"أ م قرُون" (المرأة من قبائل أفراد الدعم السريع) ُ
"أولاد الضيف" (من ليس له نسب)
"عرَب الشتات" (ليسوا سودانيين)
"مَقاطيع غَرب أفريقيا" (من ليس له نسَب ومكانه
غرب أفريقيا)

المصدر: من إعداد الباحثتين، استنادًا إلى مدونة الدراسة التي أشرنا إليها في مقدمة الدراسة وهي: 50 صفحة/ مجموعة عامة تتبنى خطاب القوات المسلحة أو تدعمه، و 50 صفحة/ مجموعة عامة تتبنى خطاب قوات الدعم السريع أو تدعمه.

ﺛﺎﻟﺜ ﺎ: اﻟﺴﻠﻄﺔ واﻟﺘﻔﺎوت واﻟﻌﺪاﻟﺔ ﻓﻲ ﺛﻨﺎﺋﻴﺎت ﺧﻄﺎب ﺣﺮب ﻧﻴﺴﺎن/ أﺑﺮﻳﻞ

يُمثّل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع طرفَي الصراع في حرب نيسان/ أبريل. ويرجع تأسيس الجيش السوداني إلى ما قبل مملكة كوش السودانية في عام 732 ق. م.، بينما يرجع تاريخه الحديث إلى إعلان استقلال السودان من الاستعمار الإنكليزي – المصري في 1 كانون الثاني/ يناير 1956، حين آلت الشؤون الدفاعية إلى قوة دفاع السودان التي تَغيَر اسمها إلى الجيش السوداني في 31

كانون الثاني/ يناير 1956. ومن هذا التاريخ، ظل الجيش حاضرًا في المشهد السياسي السوداني

إلى 11 نيسان/ أبريل 2019؛ إذ ترأس الفريق أول أحمد عوض بن عوف، وزير الدفاع حينها، المجلس العسكري الانتقالي لحُكم السودان، بعد ثورة كانون الأول/ ديسمبر، ثم تلاه في المنصب نفسه البرهان

في 12 نيسان/ أبريل 2019، والذي تولى لاحقًا السلطة كاملةً باعتباره السلطة العليا في البلاد. أما قوات الدعم السريع، فيرجح ظهورها عام 2003، بعد تفجُر صراعات بين الحكومة السودانية

والحركات المسلحة في دارفور. وقد كان للدعم السريع (الذي كان مواليًا للحكومة حينها) دورٌ مؤثرٌ

في العمليات القتالية التي جرت في المنطقة وحسم من خلالها علاقاته العدائية مع القبائل المسلحة (المتمردة على الجيش). ثم كانت نقطة التحول في تاريخه في عام 2013، حين أعيدَت هيكلته باعتباره قوة نظامية منفصلة عن الجيش السوداني تحت قيادة البشير، تتفاعل، بناءً على قرارها الخاص، مع

بعض الأحداث التي كان لها أثر في تعزيز وجودها محليًا وصعودها إقليميًا. ثم أعلن الدعم السريع

58) (عبد الرحمن الفكي، تاريخ قوة دفاع السودان (الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 1971.67)، ص 59) ("القوات المسلحة السودانية"، تقرير، مركز أبحاث غرب آسيا (6 تموز/ يوليو 2023.4)، ص

انحيازه إلى ثورة كانون الأول/ ديسمبر، وساهم في إطاحة الرئيس البشير في نيسان/ أبريل 2019؛ وهو الأساس الذي اعتبر بموجبه نفسه شريكًا في ذلك التحول. وبعد نهاية حُكم البشير دخَل السودان

الفترة الانتقالية التي تشكلت قيادتها من مكون مدني مثّلته قوى الحرية والتغيير، ومكوّن عسكري تكوّن

من شقين متنافسين؛ هما الجيش والدعم السريع. وعلى الرغم من توافق التحالف المدني والعسكري على تكوين حكومة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، استمر وضع التذبذب وعقد التحالفات وفكها وإعادة عقدها بين المكونات المدنية والعسكرية حتى 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021 حينما أطاح البرهان الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، وانفرد المكون العسكري بالسلطة، وصولا إلى اندلاع حرب نيسان/ أبريل.

1. ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺧﻄﺎب ﺣﺮب ﻧﻴﺴﺎن/ أﺑﺮﻳﻞ ﺣﻮل اﻟﺴﻠﻄﺔ

تقوم السلطة على ركائز لا يمكن أن تكون إلا بها، وتتجلى هذه الركائز في امتلاكنا الموارد الاجتماعية النادرة، مثل القوة والمال والعقار والمعرفة والمعلومات والمكانة، واللغة أو الخطاب. ويُعدّ الخطاب

من أهم موارد السلطة في هذا العصر؛ لأن التحكم في الخطاب يعني التحكم في أذهان الناس وأيديولوجياتهم وممارساتهم الاجتماعية. وبحسب ما عددناه من محتويات خطاب الحرب لدى طرفي النزاع المسلح، تمثلت لنا علاقات السلطة في خطاب حرب نيسان/ أبريل في استعمال مفردات وتعبيرات مثل: "فلول"، و"جياشة"، و"جنجويد"، و"أشاوس"، و"أولاد أبوك"، و"ناس الشجرة"، و"دعامة"؛ إذ يسعى كل فريق لتنميط نفسه بصورة محددة، وتنميط الآخر أيضًا. يصف أفراد الدعم أنفسهم بأنهم "أشاوس"؛ أي الرجال الأبطال الذين لا يخافون الموت والذين يتميزون بالضراوة القاسية والشجاعة، وغيرها من الأسماء التي عرفناها، وذلك في مقابل تعريف الآخر بأنه "فلُول"؛ أي الذي "فلّ" وغاب بسبب هزيمته وانكساره، وغيرها من التسميات. ويحدث العكس أيضًا في الطرف المقابل، حيث يحاول أفراد الجيش تنميط أنفسهم بأنهم قوات مسلحة سودانية؛ وهو تنميط قائم على حقيقة أنهم فعلايُسمون بهذا الاسم، مقابل تنميط أفراد الدعم بأنهم متمردون؛ أي متمردون عليهم

باعتبارهم قوات مسلحة سودانية شرعية. بهذا التقابل، استُخدم الخطاب، في حرب نيسان/ أبريل، بوصفه عكسًا لعلاقات السلطة المادية، من

حيث هي سلطة قائمة وشرعية في مواجهة سلطة صاعدة، متمردة عليها وساعية لإطاحتها. ليس مهمًا

60)(البدوي عبد القادر البدوي، "قوات الدعم السريع السودانية: من ميليشيات إلى قوة نظامية (2018–2003)"، تحليل استراتيجي، رقم 6، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021/8/17، ص 4–1، شوهد في 2025/6/23، في:

https://tinyurl.com/vnwpbsb9

61) (حسن الحاج علي أحمد، "فترة انتقالية مضطربة: تحولات التحالف الهجين في السودان"، عمران، مج 12، العدد 47 (شتاء، ص 2024.8) 62) (شيماء محي الدين، "الصراع في السودان: الأسباب والتداعيات والمآلات المستقبلية"، مجلة الدراسات الإفريقية، مج 46، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2024.372)، ص 63) (تون أ. فان دايك، الأيديولوجيا والخطاب: مقدمة متعددة التخصصات، ترجمة سعيد بكار ولحسن بوتكلاي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.51)، ص

في هذا السياق تحديد من يمتلك الشرعية ومن هو خارج عنها، من خلال تحليل اللغة المستخدمة في تسمية أطراف الحرب. هذا من ناحية السلطة بوصفها سلطة سياسية مادية وفعلية، أما من ناحية السلطة الرمزية فكلا الطرفين سعى لاكتسابها، من خلال تعريف الآخر أو إعادة تعريفه بتسميات وتوصيفات وسرديات وتحديدات تضعِفه، وتسحب منه شرعية الوجود فيما يمنحها لذاته. وبذلك يتعامل الخطاب مع قضية السلطة عبر ثنائية الشرعية والتمرد، حيث يُصور أحد الأطراف على أنه

الحامي للدولة والآخر على أنه مهدد لها من خلال تكوين خطاب سلطوي يؤكد التفوق الأخلاقي والسياسي لأحد أطراف النزاع، إضافة إلى استخدام الخطاب لاستراتيجيات أخرى مثل الإقصاء. وتُستمد شرعية الخطاب من وضع الحرب القائم نفسها بوصفها علاقة سُلطة؛ حيث تعتمد الأطراف

المتحاربة على مفاهيم مثل الدفاع عن الوطن أو تحقيق الديمقراطية، في سعي لإضفاء طابع مشرف ونبيل على مواقفها في نظر مؤيديها لممارسة سلطتها عليهم. ويُستخدم الخطاب لإنتاج مفاهيم لصيقة

بالحرب، من قبيل السيطرة والإخضاع والهزيمة والنصر أو إعادة إنتاجها، عبر خطابات التعبئة. وبكل هذه العناصر يندرج خطاب الحرب في بناء سرديات يُنتجها الفاعلون في الحرب، لتبرير سياساتهم

وسعيهم للحفاظ على السلطة أو الاستيلاء عليها.

2. ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺧﻄﺎب ﺣﺮب ﻧﻴﺴﺎن/ أﺑﺮﻳﻞ ﺣﻮل ا˜ ﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ

في سياق خطاب حرب نيسان/ أبريل، تقوم ثنائية مواصلة الحرب أو إيقافها على أيديولوجية متكاملة تؤجج الصراع وتمثل وقودًا لاستمرار الحرب. وقد أشار أحمد إبراهيم أبو شوك في هذا الصدد إلى أن ثنائية "لا للحرب" و"نعم للحرب" تندرج ضمن ثنائية أعم هي ثنائية "نحن وهُم"؛ تلك الثنائية الإقصائية التي يتوزع وفقًا لها قاموس السياسة السودانية. ينقسم مؤيدو "نعم للحرب" إلى ثلاث مجموعات؛ تعتقد المجموعة الأولى أن الحرب ستقضي على قوات الدعم السريع. وتعتقد المجموعة الثانية أن استمرار الحرب سوف ينهي سيطرة النخبة النيلية المسيطرة على مقاليد السلطة والثروة منذ استقلال السودان في عام 1956. أما المجموعة الثالثة، فترى في قوات الدعم السريع مصدرًا للشر، وهي تتكون من الغاضبين على قوات الدعم السريع التي أخرجتهم عنوة من ديارهم. أما المنادون بإيقاف الحرب فهم أيضًا ثلاث مجموعات؛ تعتقد المجموعة الأولى أن ذلك الإيقاف قد يعيد الوضع السياسي إلى ما قبل 15 نيسان/ أبريل. وأما المجموعة الثانية، فهي مجموعة النضال المسلح التي وقّعت سلام جوبا في عام 2020. بينما تحاول المجموعة الثالثة أن تضع مشروعًا سياسيًا مكملا لمشروع مالك عقار الذي يستند إلى مرتكزات، منها ضرورة مخاطبة

الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحرب، وغيرها من المرتكزات. بذلك يُستخدم خطاب حرب نيسان/ أبريل لاستقطاب الأنصار والمؤيدين وإضفاء الشرعية على

الأفكار المصورة للحرب، سواء أكانت تعتبرها واجبة الاستمرار أم واجبة الإيقاف، بحيث يكون ذلك

64) (أحمد إبراهيم أبو شوك، "لا للحرب في السودان: الرأي والرأي الآخر"، سودانايل، 2023/6/3، شوهد في 2024/4/20، في:

https:// tinyurl. com /3 ma 9 f 88 y

التصوير من أسس تبرير ممارسات الأطراف المتنازعة. ففي بعض عناوين الخطاب، مثل "بل بس"، والذي تبنّته أغلب الفئات المساندة للجيش مثلا، دعوة مباشرة إلى استمرار الحرب والقتال حتى القضاء على الخصم، بينما يمثل خطاب "لا للحرب" محاولة لتفكيك ذلك المنطق الحربي ل "بل بس". إن المنطق التبريري الذي يقوم عليه الخطاب الأيديولوجي، سواء أكان في علاقة بالحرب أم لا، هو الذي يفسر مسعى كل طرف لفرض رؤيته ومعتقداته ووجهة نظره وإسكات الأصوات المعارضة داخل معسكره وخارجه في الآن نفسه. ومهما كانت مفردات ذلك الخطاب بسيطة، فإنها في تجانسها وامتداداها وربطها التفاصيل بعضها ببعض تؤدي إلى تعزيز تصورات محددة عن الهوية والانتماء الوطني؛ ومن ثمّ، تبرير الحرب وأسباب استمرارها أو تبرير الدعوة إلى إيقافها. وفي الأمثلة التي استعرضناها، ادعى أنصار الجيش السوداني أنهم يدافعون عن الدولة الوطنية السودانية ضد الميليشيات المتمردة، بينما يروّج أفراد الدعم السريع لخطاب تفكيك "دولة 56"، في إشارة إلى ضرورة

إعادة هيكلة الدولة السودانية التي يصفونها بأنها منحازة إلى مصلحة نُخب معينة. ومن مفردات هذه الثنائية الأيديولوجية المؤسسة لبنية خطاب الحرب الديمقراطية والعدالة والوطنية وغيرها. ويرى أغلب مؤيدي قوات الدعم السريع أن النزاع المسلح وسيلة لتحقيق عدالة تاريخية ضد تهميش بعض المناطق والقبائل والمظالم التي تعرضت لها، بينما يرى مؤيدو القوات المسلحة أن حرب الدعم السريع على الجيش محاولة غير شرعية قانونيًا ولا مشروعة سياسيًا للاستيلاء على السلطة والدولة

بقوة السلاح. وفي الحالتين، يشتغل الخطاب بمنطق تبرير الحرب وشرعنتها أو العكس، ولكن في محاولة متقاسمة من طرفي النزاع لترسيخ التجييش الأيديولوجي حول كل طرف، بإنتاج تعبيرات جديدة أو إعادة إنتاج تعبيرات سابقة مأخوذة من سياقات سياسية واجتماعية واقتصادية تاريخية، تعزز الانتماء الجمعي إما إلى الشرعية السياسية للسلطة القائمة أو إلى المظلومية المناوئة لها، من خلال تقديمها بوصفها امتدادًا لنضالات سابقة.

3. ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺧﻄﺎب ﺣﺮب ﻧﻴﺴﺎن/ أﺑﺮﻳﻞ ﺣﻮل اﻟﻌﻨﺼﺮﻳﺔ واﻟﻼﻋﺪاﻟﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ

يتميز النظام الاجتماعي السوداني بتاريخية معقدة للامساواة الاجتماعية، لا تزال مستمرة إلى الآن، وتقوم على تهميش الفقراء وأبناء الطبقات الشعبية، وأبناء الأقليات العرقية والإثنية، وإقصائهم من مساحات تقسيم الثروة والسلطة والمشاركة الاجتماعية، والمساواة الثقافية. فعلى مستوى اللامساواة الاجتماعية العامة بين الأعراق، يمكن أن تكون العنصرية ضمنية، وقد تتجلى في تفاصيل التفاعل اليومي، ولكنها تؤثر تأثيرًا قويًا وعميقًا في بناء المواقف الاجتماعية وإعادة بنائها وتأكيدها في مجالات

الحياة جميعها، خاصة تلك التي تتميز بتعدد المشاركين فيها وتنوعهم العرقي في السودان. أما على مستوى الخطاب، فتتمظهر العلاقات العنصرية في استعمال مفردات وتعبيرات مثل: "الكدمول"، و"الفلنقاي"، و"الأبُلدة". ومن خلال هذه الأمثلة، يتبين لنا أن ممارسة اللغة الخطابية، بوصفها ممارسة

ثنائية، تقف على أرضية عنصرية صلبة من جهة، وتعيد ترسيخها من جهة أخرى. وتقوم صلابة تلك الأرضية على ثارات تاريخية معقدة، أشرنا إلى بنائها وإعادة بنائها منذ ما قبل الحقبة الاستعمارية من تاريخ السودان الحديث، مستخدمة ثقافة عنصرية متكاملة. وفي هذا الصدد يشير فان دايك إلى أن

في البُنى اللغوية تمثيلات للبُنى العنصرية القائمة فعلا، وأنها تشتغل على مستوى المعنى من خلال

المفردات وعلى اعتبار بناء ذلك المعنى فعلا يتم في سياقات تاريخية واجتماعية معينة؛ لأن الإنسان لا يولد بتمثلات أو مواقف أو آراء عنصرية، بل يتعلمها من خلال التلقين الذي تُستخدَم فيه لغة مجتمعه التي تُعتبَر من أهم الأنظمة الرمزية المعبرة عن العنصرية والمبلغة عنها والبانية لها في الوقت

نفسه. إن كلمة "الكدمول"، مثلا، التي استُعيدت من التراث الشفوي السوداني، ليُوصف بها أفراد الدعم

السريع ومن يناصرهم بصورة عامة، هي اسم لباس لسكان المناطق الصحراوية الجافة التي تقع على الشريط الصحراوي شمال السودان وغربه مرورًا بتشاد والنيجر وجنوب المغرب ومالي. وهو لباس

متناسب مع مناخ تلك المناطق وخصائص طبيعتها البيئية من ارتفاع لدرجة الحرارة، وحضور دائم تقريبًا للغبار وأتربة العواصف الرملية، وهذه الخصائص هي التي تستدعي ارتداءه لإخفاء معظم أجزاء

الوجه وتغطية ملامحه. وهذا اللباس موجود ومُنتشر منذ ما قبل ظهور الحركات المسلحة. وتفيد كل

هذه المعطيات أن "الكدمول" موروث ثقافي اجتماعي متناسب مع البيئة الصحراوية التي ظهر فيها وانتشر. ولكن إعادة صوغ دلالاته بحيث تصير ثقافية في معنى الأيديولوجيا العنصرية جعلت منه لباسًا غريبًا؛ إذ دخل إلى السودان عبر دارفور، عن طريق أفراد حركة العدل والمساواة الذين كانوا أول

من استخدمه، وهو يخفي ملامح مسلحين لا يريدون أن يُعرفوا، ويُعدّ مكوّنًا من مكونات استراتيجية

قتالية كما اشتهر في حرب نيسان/ أبريل. ومن خلال هذه الممارسة الخطابية الموجهة أيديولوجيًا،

لم يعد "الكدمول" مكوّنًا من مكونات ثقافات مجموعات عرقية ما، فقد تحول إلى علامة رمزية أو

أيقونة عنصرية. وتشتغل تعبيرات عنصرية أخرى ضمن خطاب حرب نيسان/ أبريل كالمنطق والآلية التحويلية، حيث تشير تسميات من قبيل "فلنقايات"، و"أبُلدة"، و"عرب الشتات" إلى أفراد وجماعات بناءً على

انتماءاتهم الإثنية والمناطقية. وتتأكد الفعالية العنصرية لمثل هذه التسميات في الحالات التي يُظهر

خطاب الحرب فيها كيفية تداخل استغلال الهويات العرقية مع استغلال الهويات الإثنية، بوصفها أداة للحرب تجعل التمييزين العنصري والإثني مترسخين وقابلين باستمرار للاستدعاء في بناء الصور النمطية لتبرير اضطهاد من تصورِهُم عنصريًا والسيطرة عليهم. وبذلك يعيد خطاب الحرب إنتاج العبارات والتمثيلات والاستعارات العنصرية، بحيث يعيد إنتاج الصور النمطية لمن يُقدَمون على أنهم لا يستحقون العدالة الاجتماعية. وبذلك يكون إنتاج الفوارق

الاجتماعية وإعادة إنتاجها على أساس التمييز العنصري والإثني غير العادل، نوعًا من المقدمة لتبرير شيطنة جماعة أو جماعات بعينها، وإقصائها، وحرمان من يُقدَمون على أنهم من الفئات الأقل شأنًا

من المشاركة الاجتماعية باعتبارهم غير جديرين بها، ومن المشاركة السياسية باعتبارهم غير مؤهلين

65)(المرجع نفسه. 66)(سعيد.

للقيادة. وبهذه المحتويات ذات الآثار الاجتماعية والسياسية والثقافية، يمثل خطاب الحرب رابطًا قويًا بين العنصرية واللاعدالة الاجتماعية، بحيث تكون له أدوارٌ محورية في تأجيج النزاعات وترسيخ

مسبباتها، واستمرار الحرب، واستشراء العنف القتالي المنظم بين المجموعات؛ أي استمرار عدم استقرار السودان إلى آماد طويلة أخرى. إن وقوفنا على توظيف ظاهرة ثقافية توظيفًا خطابيًا، كالتوظيف الذي أشرنا إليه، يحقق الافتراض الذي

صغناه عن طبيعة العلاقة بين الخطاب وحرب نيسان/ أبريل بأنها علاقة تأثير وتأثّر، فقد أثرت الحرب في اللغة من خلال توليد مفردات وتعبيرات عنصرية مضلِلة تاريخيًا وغير عادلة سياسيًا وغير منصفة

اجتماعيًا للثنائيات المتقاتلة بحيث صارت تلك اللغة نفسها موْرِدًا من موارد استمرار الحرب، دفاعًا

عن معتقدات يقدمها على الغالب طرفا النزاع، تحت عنوان تحقيق العدالة الاجتماعية، وتنازع الحق فيها وشرعية المطالبة بها.

4. ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺧﻄﺎب ﺣﺮب ﻧﻴﺴﺎن/ أﺑﺮﻳﻞ ﺣﻮل اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺠﻨﺪرﻳﺔ

تبدو البنية الثنائية المتقابلة التي تتكون من "الكنداكة" و"أم قرون" مثيرة للاهتمام والتأمل. هناك من يرى إمكانية قراءة الاعتماد على التاريخ النوبي في تعميم مفردة "كنداكة" وصفًا للمرأة السودانية وعدم

فعل الأمر نفسه مع مفردات مثل "أم قرون" و"ميِرَم"، على أنها تعميم يحتفي بمجتمع احتكر السلطة

في السودان منذ استقلاله، متناقضًا مع الانتقادات التي أثارتها احتجاجات ثورة كانون الأول/ ديسمبر التي ذاع فيها هذا التعبير. إن ذلك الاستعمال الخطابي تنميط ثقافي ذو مرتكزات أنثروبولوجية تبجل ثقافة بقعة جغرافية محددة من مجمل السودان، وتسقط ثقافات سودانية أخرى، وهذا دليل على سيطرة عقل نخبوي مركزي على أدوات المعرفة الاجتماعية والتاريخية بمكونات السودان الثقافية، من منظور جندري. ظهرت مفردة "الكنداكة" في أثناء ثورة كانون الأول/ ديسمبر، وكان سياق ظهورها سياقًا قوميًا جامعًا،

بحيث لم يكن محتملا أن ينتج اعتراضًا عليها. أما تسمية "أم قرون"، فقد ظهرت في سياق حرب نيسان/ أبريل، وهو سياق قبَلي، تنتفي فيه القومية لمصلحة القبيلة. ولذلك، لا يمكن أن نجادل

في منطق إنتاج الخطاب الجندري في سياق حرب نيسان/ أبريل، باعتماد سياقي ظهور التسميتَين وما صاحبهما من تأييد أو خلاف، بل على أساس سؤال: كيف اختيرت المرأة الرمز في الحالتين؟ ففي سياق الثورة، كان اختيار مفردة "كنداكة" من دون غيرها من المفردات – على كثرتها – لأنها تضمن وصف المرأة السودانية القوية الثائرة، وتسميتها على أساس معنى المفردة المستعملة. وفي المقابل، كان ظهور تسمية "أم قرون" واستعمالها من أفراد قوات الدعم السريع ومناصريهم وغيرهم من السودانيين خلال الحرب على أساس أن تلك المفردة تعني المرأة التي تنتمي إلى القبائل العربية

67) (عماد البليك، "ماذا تعني 'كنداكة' أيقونة المرأة في احتجاجات السودان؟"، العربية، 2019/4/17، شوهد في 2024/4/20، في:

https://tinyurl.com/2xtsntkf

عابد 68).(

التي تقطن غرب السودان، التي لها أيضًا من القوة ما يبرر استعمال التسمية. وليس في اختيار هاتين التسميتَين ولا في السياقَين خلاف إذًا، بما أنهما تشيران إلى القوة الرمزية للنساء وأن استعمالهما كان في خضم الحرب. ولذلك فإن انعدام الخلاف، يعني أن خطاب الحرب الجندري يقوم على ثنائية لا تقيم في الحقيقة للنساء وزنًا. كما يعني أن الصراع التاريخي الضارب في القدم يوظف الثقافة لخدمة أهداف تصوير الحرب من منظور ثقافي ورمزي ليبدو صراعًا ثقافيًا في مظهره. وفي هذا الصراع المرير، نلمس في

الخطاب الحربي الجندري إنتاج صور النساء ومنازلهن وأدوارهن و/ أو إعادة إنتاجها خلال الحرب وفقًا لأطر ثقافية وأيديولوجية محددة، حيث يُعاملن بتمجيدهن رمزيًا وتهميشهن فعليًا. وليست تلك

القوالب إلا القوالب التقليدية ذاتها التي تقيّد مشاركتهن وتمنع تحررهن الفعلي، وتبقيهن في أوضاع

تحمل آثار الحرب من جوع وتشرد وتهجير وعنف اقتصادي وحربي ذي أساس جندري، وتحمُل

المسؤولية العائلية بمفردهن والتعرض للاغتصاب والتحرش والاستعباد والاستغلال الجنسي، إضافة إلى انقطاع الفتيات عن الدراسة.

من خلال خطاب حرب نيسان/ أبريل 2023، تبيّنت لنا حلقة أخرى في تاريخ الحروب والنزاعات

والانقلابات في السودان. وتكشّفت لنا جملة من السياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي في إطارها تدور رحى الحرب وينتج خطابها ويروَج. وقد وظّف خطاب الحرب واقع

التعدد العرقي والتنوع الثقافي والاختلاف الإثني الموجود في السودان توظيفًا سياسيًا وأيديولوجيًا

يجيّش للحرب ويوفّر لها الموارد، لا المادية فحسب، بل الرمزية أيضًا من خلال اللغة. وقد كان

تركيزنا في التحليل على قضايا السلطة وتوزيعها وممارستها وبناء/ نزع شرعيتها، وقضايا العنصرية والتعدد العرقي وترسيخه واستدامته واستثماره للتهميش والإقصاء والاستبعاد، وقضايا اللاعدالة الاجتماعية في المشاركة الاجتماعية والسياسية وعدم توفير أسس المساواة بين القبائل والطبقات والمناطق والمجموعات الإثنية، وقضايا الأيديولوجيا وتوظيفها لتجانس المجموعات والجماعات الاجتماعية في بناء الهويات والسرديات والمطالبات بالتقاسم والاعتراف، وقضايا الجندر في علاقة بتحديد أدوار النساء ومنازلهن واستغلالهن رمزيًا مع الإبقاء واقعًا على هامشيتهن وتعريضهن للاستغلال بأنواعه. وبذلك كان انتقال الحرب السودانية إلى الخرطوم، من خلال حرب نيسان/ أبريل، مناسبة أخرى لاختبار ما يمكن اعتباره قاعدة العلاقة بين الحرب والخطاب تأثيرًا وتأثرًا في الاتجاهين.

ولم يكن الخطاب في النماذج التي سجلناها وحللناها مجرد أسلوب لنقل المعلومات عن الحرب أو طريقة لعكس صورتها فقط؛ بل تبين لنا أيضًا أنه جزء من بنيتها العميقة، يحدد من هو الطرف الظالم، ومن هو الطرف المظلوم، وما القضية العادلة والقضية غير العادلة، ومن يمتلك الشرعية ومن لا يحق

(69) Amal Bourhrous et al., "Through Their Eyes, Experiences of Displaced Sudanese Women and Girls in Eastern Chad," Stockholm International Peace Research Institute, SIPRI (March 2025).

له ذلك؛ ومن ثم إعادة إنتاج البنية الثنائية المتقاتلة بين طرفي النزاع، واستمرار الحرب بينهما وزيادة طول أمدها وتجديد فرص انتقالها من موضع إلى آخر و/ أو من صيغة إلى أخرى. اعتمدت الدراسة على أدوات الإثنوغرافيا الرقمية والتحليل النقدي للخطاب، بناءً على إطار نظري

لفهم التفاعل الخطابي الرقمي في سياق حرب نيسان/ أبريل. وعلى الرغم من أهمية النتائج التي تولدت من هذه الأدوات، فقد تبين لنا أن لهما حدودًا؛ إذ لم نستطع الجزم بمدى تأثير خطاب الحرب في التفاعلات بين المتصارعين على أرض الواقع، ولم نستطع التأكد ممّا إذا كانت بعض

هذه الخطابات ناتجة أو غير ناتجة من حملات منظمة تشنها مجموعات مهيكلة أو من مبادرات فردية تحركها دوافع شخصية ومنافع ذاتية غير مرتبطة مباشرة بسياق جماعي قابل للتحديد. وقد ركّز التحليل النقدي للخطاب على كشف العلاقات القائمة أو التي يمكن أن تقوم بين السلطة واللاعدالة الاجتماعية وغيرها من القضايا في النصوص، لكنه لم يوفر لنا – على نحوٍ حاسم وواضح – أدوات كافية لفهم الأبعاد النفسية والسلوكية لمن ينتجون خطاب الحرب أو يعيدون إنتاجه أو يتبنونه ويروجونه. يضاف إلى ذلك أننا لم نتناول دور وسائل الإعلام التقليدية (القنوات والإذاعات الفضائية والتلفزيونية... إلخ) في إنتاج خطاب الحرب أو إعادة إنتاجه أو تبنيه وترويجه، وهو ما يحتاج إلى دراسات منفصلة. وبالإقرار بهذه الحدود المنهجية والتحليلية التي كانت لدراستنا، يمكن القول إنها قد فتحت مجالا لأسئلة جديدة جديرة بالطرح والبحث منها: كيف يتفاعل الخطاب الحربي الرقمي في وسائل التواصل الاجتماعي مع الخطاب الحربي التقليدي في القنوات التلفزيونية والفضائية وغيرها؟ وهل يمكن أن يواجه خطاب الحرب، سواء أكان رقميًا أم بوسائل تقليدية بخطاب اللاحرب؟ وما تأثير الخطاب

الحربي في النسيج الاجتماعي المتعدد والمتنوع في فترة ما بعد انتهاء الحرب؟

اﻟﻤﺮاﺟﻊ References

اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

أبو شوك، أحمد إبراهيم. "تجمّع المهنيين السودانيين وسؤال التنظيم والقيادة في الثورة السودانية

2019–2018))". عمران. مج 12، العدد 48 (ربيع.(2024 أحمد، حسن الحاج علي. "فترة انتقالية مضطربة: تحولات التحالف الهجين في السودان". عمران. مج 12، العدد 47 (شتاء.(2024 البدوي، البدوي عبد القادر. "قوات الدعم السريع السودانية: من ميليشيات إلى قوة نظامية (–2003 2018)". تحليل استراتيجي. رقم 6. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2021/8/17. في:

https://tinyurl.com/vnwpbsb9

بصيص، الطاهر وعبد الرحمان قدي. "الإثنوغرافيا الافتراضية واستخداماتها في دراسات الوسائط الجديدة". الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية. مج 7، العدد 4 (حزيران/ يونيو.(2022

جيئزاوي، رجاء. "الحركات الاحتجاجية الشبكية في المغرب: الفضاء الرقمي مجالا لتشكيل الخطاب المطلبي للهامش". عمران. مج 12، العدد 47 (شتاء.(2024 العشيري، محمود. "الاستعارة؛ استراتيجية حرب: دراسة في لغة الخطاب السياسي للحرب على لبنان (تموز/ يوليو 2006)". مجلة كلية دار العلوم – جامعة القاهرة. العدد (.2013(55 عمارة، محمد محمد علي. "تحليل خطاب الحرب الروسية الأوكرانية في مواقع الصحف المصرية الخاصة: دراسة تحليلية". المجلة المصرية لبحوث الرأي العام. مج 22، العدد 2 (نيسان/ أبريل– حزيران/ يونيو.(2023 فان دايك، تون أ. الأيديولوجيا والخطاب: مقدمة متعددة التخصصات. ترجمة سعيد بكار ولحسن بوتكلاي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الفكي، عبد الرحمن. تاريخ قوة دفاع السودان. الخرطوم: الدار السودانيّة للكتب،.1971 قريدي، ليلى. "مفهوم الجندر وإشكالية الترجمة". مجلة التمكين الاجتماعي. مج 2، العدد 4 (كانون الأول/ ديسمبر.(2020 "القوات المسلحة السودانية". تقرير. مركز أبحاث غرب آسيا (6 تموز/ يوليو.(2023 محي الدين، شيماء. "الصراع في السودان: الأسباب والتداعيات والمآلات المستقبلية". مجلة الدراسات الإفريقية. مج 46، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير.(2024 المسدي، عبد السلام. اللغة والهوية في الوطن العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013

ا˜ ﺟﻨﺒﻴﺔ

Abu Hasabu, Afaf. Factional Conflict in the Sudanese Nationalist Movement 1918– 1948. Khartoum: The Graduate College University of Khartoum, 1985. Agha, Asif. Language and Social Relations. Cambridge: Cambridge University Press,

Blackburn, Robert M. Jennifer Jarman & Bradley Brook. "The Puzzle of Gender Segregation and Inequality: A Cross–National Analysis." European Sociological Review. vol. 16, no. 2 (2000). Bourhrous, Amal et al. "Through Their Eyes, Experiences of Displaced Sudanese Women and Girls in Eastern Chad." Stockholm International Peace Research Institute. SIPRI (March 2025). Chiluwa, Innocent. Discourse Analysis and Conflict Studies. Thousand Oaks: SAGE Publications, 2019.

Cicourel, Aaron V. "Language as a Variable in Social Research." Sociological Focus. vol. 3, no. 2 (Winter 1969–1970). Defranza, David. Himanshu Mishra & Arul Mishra. "How Language Shapes Prejudice Against Women: An Examination Across 45 World Languages." Journal of Personality and Social Psychology. vol. 119, no. 1 (February 2020). Drid, Thouria. "Discourse Analysis: Key Concepts and Perspectives." Al–Athar. vol. 9 (May 2010). Emike, John. Joel Iyiola & Ofeh Augustine. "Language in Conflict Resolution in Africa: The Discourse Strategies." American Research Journal of English and Literature. vol. 3, no. 1 (2017). Fairclough, Norman. Language and power. New York: Longman, 1989. Fasold, Ralph W. (ed.). An Introduction to Language and Linguistics. Cambridge: Cambridge University Press, 2006. Foucault, Michel. The History of Sexuality. vol. 1: An Introduction, English Translation. New York: Random, 1978. Gygax, PM et al. "A Language Index of Grammatical Gender Dimensions to Study the Impact of Grammatical Gender on the Way We Perceive Women and Men." Frontiers Psychology. vol. 10 (2019). Hassen, Rukya. "Discourse as Medium of Knowledge: Transmission of Knowledge by Transmission of Discourse People Live." Journal of Education and Practice. vol. 6, no. 31 (2015). Irvine, Judith T. & Susan Gal. "Language Ideology and Linguistic Differentiation." Regimes of language: Ideology, Politics and Identities. vol. 81 (2000). Jahan, Israt. "The Impact of Gendered Language on Our Communication and Perception Across Contexts and Domains." Journal of Language and Linguistic Studies. vol. 17, no. 4 (2021). Mafu, Lucas. "Discourse Structures, Weaponization of Language and Ethiopia’s Civil War." Sage Open. vol. 14, no. 3 (2024). Reid, Scott A. & Sik Hung Ng. "Language, Power, and Intergroup Relations." Journal of Social Issues. vol. 55, no. 1 (1999). Stanfield, John Hans. Rethinking Race and Ethnicity in Research Methods. London, Routledge, 2011. Tracy, Karen (ed.). The International Encyclopedia of Language and Social Interaction. vol. 1: A–D. Wiley Blackwell, 2015. Van Dijk, Teun Adrianus. Discourse and Power. New York: Palgrave Macmillan,

________. The Handbook of Discourse Analysis. West Sussex: John Wiley & Sons Inc,