العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مكة في المغرب: تمثلات الحج الإسلامي في الحياة اليومية المغربية

مكة في المغرب: تمثلات الحج الإسلامي في الحياة اليومية المغربية

Mecca in Morocco: Articulations of Muslim Pilgrimage in Moroccan Everyday Life

رﺷﻴﺪ ﺟﺮﻣﻮﻧﻲ| Rachid Jarmouni *

ﻣﻜﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب: ﺗﻤﺜﻼت اﻟﺤﺞ ا’ ﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎة

الملخّص

عنوان الكتاب: مكة في المغرب: تمثلات الحج الإسلامي في الحياة اليومية المغربية . عنوان الكتاب في لغته: Mecca in Morocco: Articulations of Muslim Pilgrimage in Moroccan Everyday Life . المؤلفة: خلود العجارمة Kholoud Al-Ajarma. الناشر: إدنبرة: مطبعة جامعة إدنبرة Edinburgh University Press.​ سنة النشر: 2024. عدد الصفحات: 328.

Abstract

Mecca in Morocco: Articulations of Muslim Pilgrimage in Moroccan Everyday Life. خلود العجارمة Kholoud Al–Ajarma.

الكلمات المفتاحية:
  • الإسلام
  • الحياة اليومية
  • الحج
  • المغرب
  • مكة
Keywords:
  • Islam
  • Everyday Life
  • Pilgrimage
  • Morocco
  • Mecca

عنوان الكتاب: عنوان الكتاب في لغته: المؤلفة: الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

الدوحة للدراسات العليا.

Mecca in Morocco: Articulations of Muslim

Pilgrimage in Moroccan Everyday Life

مكة في المغرب: تمثلات الحج الإسلامي في الحياة اليومية المغربية.

. Edinburgh University Press إدنبرة: مطبعة جامعة إدنبرة

Professor of Sociology at Moulay Ismail University, Morocco, and Visiting Professor in the Sociology and Anthropology Program at the Doha Institute for Graduate Studies. Email: r.jarmouni@umi.ac.ma

راكم حقل سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا

الأديان في المغرب عددًا كبيرًا

من الدراسات، وطوّر نماذج تفسيرية نظرية

ومؤشرات كمّية في رصد الظاهرة الدينية، لكنّ

الاهتمام بدراسات ميكرو–أنثروبولوجية في فهم

طقوس الدين، كالصلاة والزكاة والصوم والحج،

بقي محدودًا جدًا. وفي سياق هذا "العطش

ينظر 1):(

André Adam, Une enquête auprès de la jeunesse musulmane du Maroc , Série travaux et mémoires 28 (Rabat: Publications des Annales de la Faculté des lettres, 1963); Mohamed Tozy, "Champ et Contre Champ Politico–Religieux au Maroc," Thèse D’Etat, Université Aix–Marseille III, 1984; Rahma Bourqia, Mokhtar El Harras et Driss Bensaid, Jeunesse estudiantine Marocaine: Valeurs et stratégie, Faculté des lettres et des sciences humaines de Rabat (Casablanca: EDDIF, 1995); Mohamed Chekroun, Jeux et Enjeux culturels au Maroc (Rabat: Édition Okad, 1990); Mohamed Ababou, Changement et Socialisation de l’identité Islamique (Fès: Éditions du Ministère de l’Enseignement Supérieur de la formation des cadres de la recherche scientifique du Maroc, 2001); Mohamed El Ayadi, Hassan Rachik & Mohamed Tozy, L’islam au quotidien: Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc , Religion et société, Mohamed–Sghir Janjar (Coord.) (Casablanca: Editions Prologues, 2007);

رشيد جرموني، الدين والإعلام: في سوسيولوجيا التحولات

الدينية، ط 2 (الرباط: دار القرويين للنشر والتوزيع،.(2022 2)(في المقابل، راكم الباحثون من خارج السياق العربي – الإسلامي العديدَ من الدراسات في هذا الحقل. ينظر:

Rémy Delage, "Le pèlerinage contemporain en sciences sociales: Moments, bifurcations, nouveaux horizons," Archives de sciences sociales des religions , vol. 180 (2017), pp. 155–167; Ian Reader, "Breaking Barriers, Eroding Hegemony: Reflections on the Importance of Multilingual Studies of Pilgrimage beyond the Anglophone World," in: Dionigi Albera & John Eade (eds.), New Pathways in Pilgrimage Studies: Global Perspectives

(London: Routledge, 2017); Simon Coleman & John Eade (eds.), Contesting the Sacred: The Anthropology of Christian Pilgrimage (London/ New York: Routledge, 1991); Simon Coleman & John Eade (eds.), Reframing Pilgrimage: Cultures in Motion (London: Routledge, 2004).

الإبستيمولوجي"، يتنزل كتاب خلود العجارمة مكة في المغرب: تمثلات الحج الإسلامي في الحياة اليومية المغربية ليبحث طقس الحج عبر منهج إثنوغرافي، ويتساءل: كيف يعمل هذا الطقس على إنتاج قيم دينية وهوياتية ووطنية، ومن ثم ترسيخها وإعادة إنتاجها؟ وكيف يتمظهر هذا الطقس في حياة المغاربة اليومية؟ وكيف تنعكس نظرتهم إلى الحج في ممارساتهم اليومية والعادية وعبر شبكاتهم الاجتماعية الأوسع؟ وكيف يعكس هذا الطقس التراتبيات الاجتماعية والعلاقات بين الجنسين؟ وما التفاوضات التي يقيمها الممارسون لهذا الطقس بين الديني والدنيوي؟ وما السرديات الاجتماعية التي بُنيت

حول هذا الطقس في حياة المغاربة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، تضمّن الكتاب عشرة

فصول، إضافةً إلى مقدمة وخاتمة. في الإجابة عن سؤال: لماذا دراسة طقس الحج في المغرب؟ توضح المؤلفة أن ذلك نابع من أنها لم تجد دراسات حول الموضوع، وثانيًا

لأن الدراسات الأنثروبولوجية عن المغرب، بقيت منحصرة في ثيمات تقليدية كدراسة الأولياء والزوايا والتدين الشعبي والتصوف والقبيلة والسلطة، باستثناء بعض الدراسات القليلة والنادرة، التي ركزت على الطقوس الدينية. وبطبيعة الحال، سوف يلاحظ الباحث المتخصص في سوسيولوجيا الأديان، وفي أنثروبولوجيا الأديان أيضًا، أن المؤلفة، بحكم أنّها خارجية من حيث الموضعة، ربما ليست لها دراية كافية بالكثير من الدراسات التي نُشرت في السنوات الأخيرة حول "الخريطة"

3)يُقصد بالمغاربة في هذه المراجعة أهل المملكة المغربية (،

وليس إقليم المغرب العربي.

التدينية بالمغرب وتحوّلها، سواء تلك الصادرة

عن مؤسسات جامعية أو عن مراكز أبحاث أو على صيغة مقالات وكتب فردية وجماعية، لا سيّما المنشورة منها بالعربية أو الفرنسية.

أوﻻ: ا’ ﻃﺎر اﻟﻨﻈﺮي واﻟﻤﻔﻬﻮﻣﻲ واﻟﻤﻨﻬﺞ اﻟﺒﺤﺜﻲ

عرضت المؤلفة في الفصل الأول، على نحوٍ مكثف، مختلف المناقشات النظرية والرؤى المنهجية المعالجة لتجربة الحج. وكشفت في هذا السياق عن كثافة توظيف مفهوم "الطقوس"، الذي يعود تجذيره في حقلَي السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا إلى إميل دوركهايم Émile Durkheim. بيد أنها أحالت على الباحثَين

أرنولد فان جينب Arnold van Gennep

وفيكتور تورنر Victor Turner، اللذين طوّرا

هذا المفهوم/ الإطار النظري ليبحثا في "طقوس العبور"، ولتبرز إمكانية فهم "الحج بوصفه انتقالا من البنية المألوفة والحياة اليومية إلى حياة مميزة بطقوس عالية التنظيم، تتميز ب "اللاهيكلية" أو "غياب الهيكلة" (ص 16). وهذا يعني أنّ الحجّاج عندما يدخلون تجربة الحج، ينسلخون

من الحياة اليومية الروتينية ومن كل الروابط العادية، متطلّعين إلى القدسي والمتعالي، وهو ما يجعل طقوسه تجسّد "طقس العبور" في صورة

جلية. كما استدعت المؤلفة مفهوم ممارسة

The Practice of Everyday الحياة اليومية

4)(تجدر الإشارة إلى أن الباحثة وهي تشير إلى هذه الدراسات، لم تستحضر الدراسات التي أعدّها باحثون مغاربة

من الداخل، ينظر على سبيل المثال:

Mohammed Ababou, Reida Ababou & Abderrahman El Maliki, "Le jeûne du Ramadan au Maroc: Un dilemme pour les patients diabétiques et les soignants," Sciences sociales et santé , vol. 26, no. 2 (2008), pp. 79–104.

Life، بالاعتماد خصوصًا على ميشيل دو سيرتو

Michel De Certeau، ومن ثمّ تطويره في صيغة

مفهوم "الإسلام اليومي " Lived Religion ليتسنى لها التركيز على أشكال التدين كما هي ممارسة في الحياة اليومية؛ وبما يشمل الأقوال والأفعال والممارسات والطقوس والكلام والتعبيرات والرموز والصور والتمثلات، وما إلى ذلك (ص.(22 من جهةٍ أخرى، انشغلت المؤلفة، في سعيها لبناء إطار البحث النظري، بحالة السفر للقيام بالحج وما تولّده من إحساس بالهامشية، ينتج منه "شعورٌ

بالوحدة والتآخي" مع الآخرين، موضحةً أنّ هذا المنوال النظري واجه العديد من الانتقادات، من بينها القول إن تجارب الحج واختلاف بيئاتها السوسيوثقافية والسوسيوتاريخية، تُظهر أن أشكالا أخرى من العلاقات الاجتماعية تنبني في سياقه، كالتنافس والصراع. فرغم أن الحج يعني التشبع بقيم السلم والإخاء والتسامح، فإن هذه النظرة "المثالية" تصطدم بواقع مخالف. وتحيل المؤلفة في هذا النقاش على جون إيد

John Eade وميشيل سالنو Michael Sallnow،

اللذَين يقترحان "نظرية بديلة للحج بوصفه حقلا للخطابات المتنافسة التي ينبغي تحليلها في سياقات اجتماعية محددة وفقًا لمعانٍ تاريخية وثقافية محددة" (ص 17). ومن خلال مراجعة هذا التراكم النظري الذي يعود في أغلبه إلى السياق الأوروبي والغربي المستند إلى مرجعية مسيحية كاثوليكية، خلصت المؤلفة إلى منظور يتأسس على المزج بين مفهومَي الجماعوية

Communitas والاحتجاج Contestations؛ إذ

أكدت أن "من خلال جميع التحليلات النظرية المعقدة الموجودة في الأدبيات، يمكن استنتاج أن الحجّ يمثّل تجربة فردية واجتماعية، تاريخية

ومعاصرة، دينية ودنيوية، ويشمل جوانب من الجماعوية والاحتجاج" (ص 21–20 وهذا). يعني أن الباحثة استخلصت، من خلال مراجعتها للعديد من الأطر النظرية والمفهومية التي وظفت في دراسة طُقس الحج، أنه لا يمكن فهم هذا الطقس بالتركيز على الجوانب المضيئة فيه فحسب، كقيم التضامن والتآخي أو ما سمّته

بمفهوم "الجماعوية"، التي تعني القيم الجماعية التي توحّد الكل في بوتقة واحدة، بل وجب

أن ينظر إليه، باعتباره أيضًا طقسًا يحضر فيه

التوتر والصراع والخيبة والقلق، وكل القيم المضادة لمعانيه السمحة، وذلك ما يميز هذه التجربة التدينية المتكوّنة من ممارسات ومواقف

وسلوكات واتجاهات مشروطة بالتجربة التاريخية البشرية والنسبية وما يخترقها من تناقضات وتوترات معلنة حينًا ومخفية حينًا آخر. أما بخصوص المنهج البحثي، فقد استندت المؤلفة إلى المنهج الإثنوغرافي، باعتماد تقنية الملاحظة بالمشاركة، على اعتبار أن ذلك كفيل، في نظرها، بمعالجة الممارسات التديّنية

عند الحجاج، وتقديم فهم "عميق لحياة الناس بوصفهم أفرادًا، وفي نفس الوقت يتيح للمراقب تقييم التفاعلات التي تحدث في عالمهم الاجتماعي" (ص.(27 ميدانيًا، استغرق البحث ثلاثة مواسم حج؛

ما مجموعه ثمانية عشر شهرًا في المغرب بين

صيف 2015 وشتاء 2017، حيث تمكنت المؤلفة من مقابلة أزيد من مئة مشارك ومشاركة في البحث، وجمعت ما يناهز خمسمئة صفحة من المعطيات الإثنوغرافية، علاوةً على زيارة مكّة المكرمة استغرقت أسبوعين، حتى تشهد كيف يُمارَس طَقسا الحج والعمرة. وهناك انتهجت

الملاحظة بالمشاركة للتمكّن من الغوص في استكشاف تمثلات الحج لدى المغاربة، وكيف تُبنى السرديات الاجتماعية لطقس الحج. وقد زارت خلال عملها الميداني العديد من المدن المغربية، وهي: الدار البيضاء، والرباط، والمحمدية، وفاس، وآسفي، ووزان، والحسيمة، ومكناس، ومولاي إدريس زرهون، ومراكش، وورزازات، والجديدة.

ﺛﺎﻧﻴًﺎ: ﻣﺎﻗﺒﻞ اﻟﺤﺞ وأﺛﻨﺎءه وﻣﺎﺑﻌﺪه

بما أن الفرد المسلم الراغب في الحج لا يفعل ذلك إلا مرة واحدة طوال حياته في الغالب، ونظرًا

إلى التعقيدات الإدارية التي تفرضها المملكة العربية السعودية على الوافدين عليها للحج بتخصيص نسبة محددة لكل بلد من مجموع الحجاج، صار هذا الطقس، أكثر من أي وقت مضى، محاطًا بهالة من القداسة والاستيهامات والتمثلات الاجتماعية، التي يمتزج فيها ما هو معقول بما هو غير معقول. دعا ذلك المؤلفة إلى تخصيص الفصول الثلاثة الأولى من القسم الأول من الكتاب، للوقوف عند مرحلة ما قبل الحج (الفصل الأول)، وهي مرحلة الاستعدادات النفسية والاجتماعية والمالية وغيرها، ما يشكّل أولى العقبات التي يكون على المقبلين على الحج أن يمروا بها. ولعل أهم ما توصلت إليه، في هذه المرحلة الأولى من مراحل الاستعداد للحج، أن طقس الحج مترسخ في البنى العميقة للمجتمع، بحيث تصاحبه العديد من الطقوس مثل تنظيم الحفلات والولائم لتوديع الحاجّ والحاجّة، مع

ما تتأسس عليه من تراتبيات اجتماعية وطبقية وفئوية وجندرية تعيد إنتاج بنى المجتمع. بمثل هذه الممارسات، ورغم أن طقس الحج واحد

وأنه يدخل في إطار المقدس، فإن الديناميات الاجتماعية تجعله يقع ضمن منطقة التفاوض بين الديني والدنيوي. أما الفصل الثاني، فقد خصصته المؤلفة، لاستجلاء التجربة المباشرة في ممارسة الحج في الديار المقدسة، وقد مثّل هذا الفصل واسطة العقد في الكتاب كلّه، لأنه انتبه إلى أن تجربة الحج هي تجربة حسية تمرّ عبر الحواس الخمس،

من لمس وذوق وشم وبصر وسمع، برعت المؤلفة في استجماع معطيات مباشرة تحيل عليها، مما يتلفظه الحجاج ويحسونه ويلمسونه ويرونه ويتذوقونه. وفي روايات الحجاج حول تجاربهم الطقسية تمتزج حواسّهم كلّها. فرؤية

الكعبة أول مرة تثير كثيرًا من المشاعر الفياضة،

كالبكاء والشوق والحنين. أما زيارة قبر الرسول محمد فهي لحظة مفعمة بالعواطف الجياشة والأحاسيس المرهفة، في حين أن شرب ماء زمزم، وتذوّقه على أنه ماء مقدس يشفي من كل

العلل، بحسب ما يعتقده الحجاج، يمثلّان لحظة فارقة في تتبّع تجارب الحجاج التطهرية تحيل

على معنى الولادة الجديدة. في هذا الصدد، تشير المؤلفة إلى أنّ "المشاعر المقدسة والحسية التي تثير العواطف تتداخل في علاقة معقدة، وهذا ما يؤكده الحجاج، الذين غالبًا ما يدّعون أن

تجربة الحج نفسها تتجاوز الكلمات، إن لم تكن تتجاوز الفهم" (ص.(98 وخصصت المؤلفة الفصل الثالث لمرحلة العودة من الحج، وما يكتنفها من توترات بين المثال التديّني والواقع المعيش. فبعد تجربة

روحية مكثفة، يعود الشخص إلى بلده، حاملا لقب "الحاجّ" أو "الحاجّة"، وهو لقب يضفي

عليه هالة اجتماعية وتمييزًا أخلاقيًا ودينيًا.

بيد أنه، مثلما كشفت تصريحات المشاركات والمشاركين في البحث، يعيش توتّرًا على وقع مفارقات الطهارة الروحية و"التدنّس" الدنيوي الذي لا يستطيع الانفكاك منه. وفي هذا السياق، عملت المؤلفة على العودة إلى إطارها النظري الذي انطلقت منه في بداية دراستها، والذي انبنى على التوتر بين التآخي والروحانية التي تجتاح الحاجّ في مساره الطقوسي الذي يعبر به من حال إلى حال، وعلى التوتر الذي يخترق الحياة الاجتماعية، من جرّاء سلوكيات الحاجّ ومواقفه في الحياة اليومية، وما قد ينتج منها من مخالفة ل "الصفاء الروحي" الذي كان قد توشّح به قبل عودته من مكة.

ﺛﺎﻟﺜ ﺎ: اﻟﺤﺞ: اﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ واﻟﺘﺪﺑﻴﺮ اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ واﻟﺠﻨﺪر

لم يكن طقس الحج في يوم من الأيام معزولا عن الأنساق السياسية والاجتماعية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي يندرج فيها، فهذا الركن الأعظم في الإسلام، يمثّل عنصرًا مُبَنيِنًا لكل الحقول الاجتماعية، من خلال علاقة الديني بالسياسي، وبالتدبيري (بالمعنى الاقتصادي)، والروحاني بالسياحي في إطار ما صار يُعرف بالسياحة الدينية، وعلاقة الهيمنة بين السلطة الأبوية والسلطة السياسية. فكيف عالج الكتاب هذه الثنائيات؟ يقرّبنا الفصل الرابع، وهو الأول من القسم الثاني، من كيفية استدعاء القيم الوطنية خلال الحج، عبر الارتباط بالدولة، خصوصًا أن من يرأسها في المغرب أميرٌ للمؤمنين. فالحج

مسألة حساسة عند المخزن (كناية عن الدولة.) لذلك، سعى للتحكم في تنظيمه وتأطيره عبر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي تعدّ

من وزارات السيادة، بمعنى أنها خارج التداول الحزبي والانتخابي. لذلك، نفهم السبب الذي يجعل الملك يوجّه كل سنة رسالة إلى موكب

الحجيج المغربي مع أول رحلة من الرحلات التي تحملهم إلى السعودية، حاثًا إياهم على أن يكونوا سفراء للمغرب في الديار المقدسة. ورغم أن اللباس المغربي يبقى مميزًا للحجاج

المغاربة، فإن حمل العلم الوطني ونصب الخيام المزيّنة به، ووجود المرشد الديني الذي يدعو

للملك في كل أركان الحج التي يؤدونها وهم في خشوع وتذلل للرحمن، أعمال تدل كلّها على منزع هوياتي – ديني وطني بالغ الأهمية (113 ص). في المقابل، بينت المؤلفة، من خلال إجابات بعض الحجاج والحاجات، خصوصًا

من الفئة العمرية الشابة والمتعلمة، أنهم يوجهون انتقادات حادة للتدبير الحكومي المغربي لملف الحج، سواء كان ذلك بسبب الأثمان

5)(يعود توظيف هذا المفهوم إلى الإرث الأنثروبولوجي الكولونيالي الذي عمل على الاشتغال على الثنائيات المتعارضة (المخزن/ السيبة، والشرع/ العرف، واللغة العربية/ اللغة الأمازيغية). ينظر:

Robert Montagne, Les Berbères et le Makhzen dans le Sud du Maroc, Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (Groupe Chelouh) (Paris: F. Aclan, 1930).

6)(يحكي عبد الله حمودي أنه اضطر إلى تقديم رشوة كي يتمكن من تسجيل اسمه في قوائم/ لوائح المترشحين للحج. وهي رواية تدل على جرأة الباحث وشجاعته، وتكشف، من جهة أخرى، عن كيفية تحوّل الحج إلى مجال لانتعاش زبونية

ومسلكيات لاأخلاقية. يقول حمودي: "استطعت أن أتسجّل في

لوائح الحج بمساعدة عون من الرتبة الدنيا. هذا الأخير جعل نفسه في خدمتي مقابل قدر معين من المال اتفقنا على تسمتيه 'صدَقة'. كان يخاطبني سلفًا باللقب العظيم للحاج، ويسمي

'بركة' كدفعة من الحساب أؤديها له". عبد الله حمودي، حكاية

حج: موسم في مكة، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي (بيروت: دار الساقي، 2010.30)، ص

الباهظة التي تُثقل كاهل الحجاج خصوصًا من

الفئات المتوسطة، أو بسبب تنظيم عملية الإيواء والمرافقة والمواصلات، وما إلى ذلك من الإجراءات التي أثارت شكاوى واحتجاجات وغضبًا وتوترًا، ما لبث أن انفجر كلّه في شبكات

التواصل الاجتماعي اليوم. وارتباطًا بنفس ثيمة علاقة السياسي بالديني في تدبير طقس الحج، استطلعت المؤلفة آراء أفراد العيّنة في تدبير السعودية لهذا الطقس. وقد كشفت

أنهم غير راضين عن التغييرات التي شملت العديد من المآثر التاريخية والقبور والمساكن والمجالات التي كان يعيش فيها الرسول أو صحابته. وقد عبّروا أيضًا عن سخطهم إزاء فرض

"الإسلام الوهابي" باعتباره رؤية وحيدة وموحّدة

للنص الديني، وخصوصًا فرض نوعٍ من اللباس

على النساء ومنعهن من التبرك – كما اعتدن ضمن الثقافة الدينية المغربية – بمسجد الرسول وغيره من الأماكن المقدّسة. ومن مثالب الحج لدى المغاربة بحسب المؤلفة عدد الضحايا في كل موسم؛ بسبب التدافع أو بسبب أشغال التوسعة وما إلى ذلك، على الرغم من إقرارها بوجود آراء متناقضة بخصوص الموت في مكة، بين اعتباره ميزة لا يحظى بها إلا من أحسن "النية" إلى الله، وبين عدّه دليلا على الفشل في تدبير الحج وتيسير حركية الحجاج (ص.(109 ويبدو مما عرضته المؤلفة أن التمييز الجندري بين الرجال والنساء بيّنٌ أثناء الحج. وهو ما يظهر

7)(من بين التحديات البحثية التي رشحت في الآونة الأخيرة، خصوصًا مع الانفجار التكنولوجي، كيفية رصد الباحثين في

حقل الأنثروبولوجيا للعديد من الظواهر التدينية في علاقتها

بالإنترنت. ولعل في بلورة تقنية "النيتنوغرافيا " الحديثة في دراسة التفاعلات التي تقع في عالم الإنترنت، ما يفيد منهجيًا

الموجة الجديدة من البحث في هذه الثيمات.

في السلوكات والمواقف والاتجاهات التي ما زالت تهيمن على الحجاج الرجال على نحو يشكّل، بتعبير بيير بورديو Pierre Bourdieu، "هابيتوسًا" لم تؤثر فيه التعديلات القانونية التي

بدأت السعودية العمل بها من حيث إسقاط قانون حرمان النساء اللّواتي لم تتجاوز أعمارهن 45 سنة من الحج من دون محرم. وما زالت المرأة وهي تمارس هذا الطقس الكبير، يُنظر إليها على

أنها "حُرمة". في المقابل، توصلت المؤلفة إلى

أن النساء بعد تجربة الحج الروحية، استطعن أن يستعدن جزءًا من هيمنتهن على الحقل الأسري

والديني والاجتماعي، بفضل ما حققه لهن من اكتساب رساميل اجتماعية وثقافية ودينية ورمزية، وما بوّأهن من مكانة داخل المجتمع الصغير

(الأسرة) أو الكبير، وما أكسبهن من حظوة اجتماعية (ص.(115

راﺑﻌًﺎ: اﻟﺤﺞ ﻏﻴﺮ اﻟﺮﺳﻤﻲ: ﺣﺞ "اﻟﻤﺴﻜﻴﻦ" واﻟﺴﺮدﻳﺎت اﻟﻤﻐﺮﺑﻴﺔ ﻟﻠﻄﻘﺲ اﻟﺤﺠﻲ

قدّم القسم الثالث من الكتاب بفصوله السابع والثامن والتاسع، نظرةً أنثروبولوجية تتعلق بالسرديات التي شكّلها المخيال الاجتماعي المغربي حول الطقس الحجي. ويظهر ذلك من خلال خلق مجالات للحج "المحلي" في بعض

المناطق المغربية. من جهةٍ أخرى، كشف هذا القسم عن وجود تراث فني غنائي تطوّر عبر

الزمن للتغني بطقس الحج ومميزاته وبالتمثلات والاستيهامات التي ألصقت به. كما أنّ مكانة الحج في قلوب المغاربة، أنتجت تشكيل سرديات أسطورية (مثل رؤية أحد الإسكافيين الفقراء من جانب بعض الحجاج في مكة رغم أنه لم يذهب إلى الحج)، تتناقلها الأجيال. ضمن هذا السياق،

تنقلنا المؤلفة إلى "حج المسكين"، فماذا تقصد به؟ وما القراءات الممكنة لهذا النوع من الحج "المحلي"؟ وما دلالاته الأنثروبولوجية؟ حاولت الباحثة استجلاء أجوبة لهذه الأسئلة عبر رحلة استكشافية لمنطقتين في المغرب، الأولى تقع بالساحل الأطلسي قرب مدينة آسفي، حيث يوجد بالقرب من الشاطئ ضريح "سيدي شاشكال"، الذي يؤمّه العديد من الفقراء

الذين لا يجدون ما يمكّنهم من أداء الحج "الرسمي" إلى مكة، وكأن لسان حالهم يقول: إذا كنّا سنعبد الله ونحج إلى بيته، ف "النيّة أبلغ من

العمل". وهذا يعني أن الحج يمكن أن يكون في أي مكان، ما دامت النية صادقة. هكذا قال بعض المشاركين في البحث تبريرًا لاختيار هذا النوع

من الحج. أما القراءة الثانية فتُخبرنا أن هذا الحج

المحلي نوع من التعبير الاحتجاجي عن التدبير السعودي لطقس الحج، الذي بالغ، موسمًا بعد

آخر، في الترفيع في تكاليفه الإدارية والمالية، ما حرم العديد من الفقراء منه (ص.(197 أمّا الحج إلى الموقع الثاني "سيدي بوخيار"

الواقع في الشمال الشرقي للمملكة المغربية الذي يُعرف في التداول اللغوي المغربي ب "الريف"،

والذي يقام تحت عنوان "حج المسكين"، فقد توصلت المؤلفة إلى أنه صار يقام سنويًا للتعبير

الاحتجاجي والسياسي، عبر إشهار الأعلام الأمازيغية في الأقمصة، وإبراز الهوية الأمازيغية (عاش الريف) في تناغم مع مجريات الطقس الديني الواجبة، حيث اعتبر أحد المستجيبين هذا الحج حجًا مقدسًا (ص.(205 لم يسلم حج "المسكين" من نقض من جانب مستجيبين آخرين في البحث، اعتبروه حجًا

"حرامًا" أو "بدعةً" أو من ال "شركيات". ولهذا،

فهو لا يحظى بإجماع لدى المغاربة. وعلى الرغم من هذه الاعتراضات على حج المسكين، بينت المؤلفة أن في إقامته سنويًا دلالة على وجود

مفاوضة اجتماعية بين المعايير الدينية الرسمية (التديّن الأرثوذكسي) وأخرى غير رسمية (التدين

الشعبي). وعلى الرغم من تموقع هذا التديّن

الشعبي على هامش المجتمع، فإنّه يظلّ مؤثّرًا

فيه، عبر نسج سرديات تبريرية تُنتَج ويعاد إنتاجها عبر الأجيال المتعاقبة (ص.(208

لا شك في الفائدة البالغة لكتاب الباحثة الفلسطينية خلود العجارمة حول الحج، خصوصًا

في مستوى المقاربة والمنهج الإثنوغرافي، اللذين مكّناها من التعمّق في تجربة الطقوسية، وكيفية

بَنْينَتهِللحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية

والإدارية والفردية والجماعية في المغرب. وفي هذا الكتاب، لم يظهر طقس الحج عند المغاربة معطى دينيًا محضًا يتغيّا الخلاص الفردي

والجماعي والتماس الفضائل الدينية، بل ظهر مجالا للتوترات اليومية ومسرحًا ل "خيبة الأمل،

أو الشعور بالقلق، جراء الخلافات والجدالات وعدم الرّضا على بعض جوانب تجربة الحج"

ص (255). وقد سبق لحمودي في كتابه حكاية حجأن أظهر هذا التوتر الذي يسود تجربة الحج، وأنه ليس تجربة مقدسة كما يعتقد العديد من المسلمين. ولكن هل يصحّ على الكتاب قول مؤلفته إنّه "أول

دراسة إثنوغرافية للحج في بلد واحد، سواء من حيث الأداء أو أهميته في الحياة اليومية للمغرب" ص (26)، وإنها أول باحثة تتطرق إلى هذا الموضوع (ص 30)؟ وهل قدّمت بالفعل إطارًا

نظريًا جديدًا في حقل أنثروبولوجيا الإسلام؟ يمكن تفنيد ادّعاء المؤلفة الأول باستحضار كتاب حمودي حكاية حجالذي يُعدّ دراسة

إثنوغرافية في رصد ظاهرة الحج عبر الوقوف عند تجربة باحث أنثروبولوجي مغربي تشابكت مع البناءات الاجتماعية والسوسيو–أنثروبولوجية لطقس الحج في المجتمع المغربي. وتجدر الإشارة إلى أن المؤلفة، قد أحالت على هذا الكتاب في متن كتابها أكثر من مرّة. ويمكن

استحضار دراسة عبد الرحيم العطري، التي تُعدُ حفرًا أنثروبولوجيًا في طقس الحج باعتماد

تقنية الملاحظة بالمشاركة، التي مكّنت الباحث من الوقوف على دلالاته عند المغاربة، وعلى كيفية فهم هذا الطقس في علاقته ببقية الأنساق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع المغربي. ورغم أن الدراسة صدرت حديثًا، فإنّ المؤلفة لم تُشر إليها. أمّا الإطار النظري الموظّف في الدراسة،

فلم يخرج عن الأطر النظرية التي أنتجت في سياقات سوسيوثقافية مختلفة عن السياق العربي – الإسلامي، حيث ركّزت على ما توصّل

إليه تورنر وفان جينب وغيرهما في صياغة مفاهيم "الولادة الجديدة" أو "طقوس العبور" أو "الهامشية التي تولّد معاني الجماعوية والاحتجاج أو التوتر"، أو من خلال التركيز على مفهوم "الإسلام اليومي" أو "الإسلام المعيش"، من دون بذل جهد حتى لو كان ضئيلا في الوقوف على مسافة نقدية من تبنّي هذه المفاهيم والنظريات. وعلى الرغم من محاولة المؤلفة إكساب الإطار

8) (عبد الرحيم العطري، أنثروبولوجيا الحج الإسلامي: من

التجربة الدينية إلى النقد المنفتح (تطوان: منشورات باب الحكمة،.(2021

النظري الذي استندت إليه صبغة إجرائية تناسب رصد الظاهرة المدروسة، فإنها لم تَبْن تصوّرًا نظريًا أصيلا في حقل أنثروبولوجيا الإسلام؛ خصوصًا أنها ترى أنّ كتابها لم يكن مخصصًا لطقس الحج فحسب، وأنه دراسة أشمل في أنثروبولوجيا الإسلام (ص.(20 من خلال ما سبق من ملاحظات نقدية، أرى أن الكتاب، رغم أنه يشكّل من خلال مقاربته

اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

للنشر والتوزيع،.2022

منشورات باب الحكمة،.2021

ا˜ ﺟﻨﺒﻴﺔ

المنهجية وإطاره النظري، مجهودًا مهمًا في دعم مراكمة دراسات من هذا النوع في حقل أنثروبولوجيا الإسلام، فإنه لم ينجح في الاندراج ضمن المجهود الإبستيمولوجي المطلوب لبناء أنثروبولوجيا حوارية تجمع ما بين المفاهيم والأطر النظرية التي تشكّلت في السياق الغربي، ونقلها إلى السياق العربي – الإسلامي، مع مراعاة الانتباه إلى ضرورة توطينها على نحو مطابق للسياق الذي توظَف فيه.

اﻟﻤﺮاﺟﻊ References

جرموني، رشيد. الدين والإعلام: في سوسيولوجيا التحولات الدينية. ط 2. الرباط: دار القرويين

حمودي، عبد الله. حكاية حج: موسم في مكة. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. بيروت: دار الساقي،

العطري، عبد الرحيم. أنثروبولوجيا الحج الإسلامي: من التجربة الدينية إلى النقد المنفتح. تطوان:

Ababou, Mohamed. Changement et Socialisation de L’Identité Islamique. Fès: Éditions du Ministère de l’Enseignement Supérieur de la formation des cadres de la recherche scientifique du Maroc, 2001. Ababou, Mohammed, Reida Ababou & Abderrahman El Maliki. "Le jeûne du Ramadan au Maroc: Un dilemme pour les patients diabétiques et les soignants." Sciences sociales et santé. vol. 26, no. 2 (2008). Adam, André. Une enquête auprès de la jeunesse musulmane du Maroc. Série travaux et mémoire 28. Rabat: Publications des Annales de la Faculté des lettres, 1963. Albera, Dionigi & John Eade (eds.). New Pathways in Pilgrimage Studies: Global Perspectives. London: Routledge, 2017. Bourqia, Rahma, Mokhtar El Harras & Driss Bensaid. Jeunesse estudiantine Marocaine: Valeurs et stratégie. Faculté des lettres et des sciences humaines de Rabat. Casablanca: EDDIF, 1995.

Chekroun, Mohamed. Jeux et Enjeux culturelles au Maroc. Rabat: Édition Okad, 1990. Coleman, Simon & John Eade (eds.). Reframing Pilgrimage: Cultures in Motion. London: Routledge, 2004. Delage, Rémy. "Le pèlerinage contemporain en sciences sociales: Moments, bifurcations, nouveaux horizons." Archives de sciences sociales des religions. vol. 180

Eade, John & Michael J. Sallnow (eds.). Contesting the Sacred: The Anthropology of Christian Pilgrimage. London/ New York: Routledge, 1991. El Ayadi, Mohamed, Hassan Rachik & Mohamed Tozy. L’islam au quotidien: Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc. Religion et société. Mohamed– Sghir Janjar (Coord.). Casablanca: Editions Prologues, 2007. Montagne, Robert. Les Berbères et le Makhzen dans le Sud du Maroc, Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (Groupe Chelouh). Paris: F. Aclan,

Tozy, Mohamed. "Champ et Contre Champ Politico–Religieux au Maroc." Thèse D’Etat. Université Aix–Marseille III, 1984.