العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الجامعة حقل نزاع: الاحتجاجات الطلابية في تونس ومصر (1968-1973)

الجامعة حقل نزاع: الاحتجاجات الطلابية في تونس ومصر (1968-1973)

The University as a Field of Struggle: Student Protests in Tunisia and Egypt (1968–1973)

عدنان الأمين| Adnan ElAmine *

الملخّص

تبحث الدراسة في الاحتجاجات الطلابية في تونس ومصر خلال الفترة 1968-1973، وهي تشمل انتفاضتَين في تونس وأربعًا في مصر؛ ما يجعل من مجملها في ​كل بلد أقرب إلى موجات متعاقبة ضمن دورة احتجاجية واحدة ذات بداية ونهاية. يُظهر التحليل أن هذه الاحتجاجات، من منظور نظرية الحركات الاجتماعية، تبدو تعبيرًا عن أزمات سياسية عامة شهدها البلدان، لكن هذا التعبير يكاد ينحصر في أوساط الطلاب. ويبيّن أن هناك قضيتَين أساسيتَين شكّلتا محور اهتمامهم؛ أولاهما، قضية النظام السياسي وتأثيره في حوكمة التعليم العالي (في البلدين)، وثانيتهما القضية الوطنية (في مصر) المتعلقة باحتلال إسرائيل أراضي مصرية في حرب حزيران/ يونيو 1967، والمتصلة بقضية قومية (الثورة الفلسطينية). ويُشير التحليل إلى أن زخم هذه الانتفاضات مرتبط بدينامية الجامعات بوصفها مؤسسات، يتمثل دورها في التنشئة الاجتماعية، فضلًا عن دورها المحتمل بوصفها منصةً للتمرد على النظام؛ أي بصفتها حقلًا للنزاع الاجتماعي.

Abstract

Abstract: This article examines student protests in Tunisia and Egypt between 1968 and 1973. These include two uprisings in Tunisia and four in Egypt, which functioned more like waves within a single cycle with a beginning and an end. The analysis demonstrates that, from the perspective of social movement theory, these protests are an expression of general political crises, yet almost exclusively student-led. It shows that two issues preoccupied students: the political system and its impact on higher education governance (in both countries), and the national crisis (in Egypt) related to the Israeli occupation of Egyptian territory in the 1967 war, which in turn is connected to another national question (the Palestinian revolution). The analysis indicates that the intensity of the uprisings is linked to the dynamics of universities, between their status as formal institutions of socialization and their potential role as sites for rebellion, that is, as a field of social struggle.

الكلمات المفتاحية:
  • الاحتجاجات الطلابية
  • الحركات الاجتماعية
  • الحقل الاجتماعي
  • مصر
  • تونس
Keywords:
  • Student Protests
  • Social Movement Theory
  • Field of Social Struggle
  • Egypt
  • Tunisia

ملخص: تبحث الدراسة في الاحتجاجات الطلابية في تونس ومصر خلال الفترة 1973–1968،

وهي تشمل انتفاضتَين في تونس وأربعًا في مصر؛ ما يجعل من مجملها في كل بلد أقرب

إلى موجات متعاقبة ضمن دورة احتجاجية واحدة ذات بداية ونهاية. يُظهر التحليل أن هذه

الاحتجاجات، من منظور نظرية الحركات الاجتماعية، تبدو تعبيرًا عن أزمات سياسية عامة

شهدها البلدان، لكن هذا التعبير يكاد ينحصر في أوساط الطلاب. ويبيّن أن هناك قضيتَين

أساسيتَين شكّلتا محور اهتمامهم؛ أولاهما، قضية النظام السياسي وتأثيره في حوكمة التعليم

العالي (في البلدين)، وثانيتهما القضية الوطنية (في مصر) المتعلقة باحتلال إسرائيل أراضي

مصرية في حرب حزيران/ يونيو 1967، والمتصلة بقضية قومية (الثورة الفلسطينية). ويُشير

التحليل إلى أن زخم هذه الانتفاضات مرتبط بدينامية الجامعات بوصفها مؤسسات، يتمثل

دورها في التنشئة الاجتماعية، فضلًا عن دورها المحتمل بوصفها منصةً للتمرد على النظام؛ أي

بصفتها حقلًا للنزاع الاجتماعي.

تونس.

Abstract: This article examines student protests in Tunisia and Egypt between 1968 and 1973. These include two uprisings in Tunisia and four in Egypt, which functioned more like waves within a single cycle with a beginning and an end. The analysis demonstrates that, from the perspective of social movement theory, these protests are an expression of general political crises, yet almost exclusively student-led. It shows that two issues preoccupied students: the political system and its impact on higher education governance (in both countries), and the national crisis (in Egypt) related to the Israeli occupation of Egyptian territory in the 1967 war, which in turn is connected to another national question (the Palestinian revolution). The analysis indicates that the intensity of the uprisings is linked to the dynamics of universities, between their status as formal institutions of socialization and their potential role as sites for rebellion, that is, as a field of social struggle.

Professor of Sociology of Education at the Lebanese University. Email: elamine.adnan@gmail.com

مقدمة

وقعت احتجاجات طلابية متفرقة في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين في تونس ومصر. لكن احتجاجات عام 1968 كانت ذات طبيعة مختلفة، وسمت سائر الاحتجاجات التي امتدت خلال الأعوام اللاحقة وصولًا إلى عام 1973، وجرت على هيئة موجات متتالية في البلدين كما في بلدان عربية أخرى، مثل لبنان. ويعدّ التساؤل عن ارتباط هذه الاحتجاجات بأحداث فرنسا في أيار/ مايو من العام نفسه مشروعًا. لكن الاحتجاجات في تونس ومصر بدأت قبل ذلك؛ إذ انطلقت موجة الاحتجاجات ضد جمال عبد الناصر في مصر في شباط/ فبراير 1968، بعد 14 عامًا من تسلّمه الحكم، في حين بدأت موجة تونس ضد الحبيب بورقيبة في آذار/ مارس 1968؛ بمعنى أن هذين التحركين وقعا قبل أحداث أيار/ مايو 1968 في فرنسا، وقبل تحركات الطلاب في بلدان أخرى حول العالم في تلك الفترة. وإذا كانت احتجاجات ما قبل عام 1968 قد تميّزت بطبيعة محددة، فإن تلك التي أعقبت عام 1973

اتسمت بطبيعة مغايرة. وقد بدا الأمر كما لو أنّنا أمام "أجيال" متعاقبة من الاحتجاجات، يتميّز كل

جيل منها بسمات خاصة. ويشكّل هذا الأمر مسوّغًا لاعتماد هذين التاريخين (1968 و 1973) حَّدَين

زمنَّيَين للحقبة التي تُعنى بها هذه الدراسة. ونعتبر أن سلسلة الاحتجاجات التي نرصدها هنا تُشكّل

""دورة Cycle، بحسب مصطلحات سيدني تارو، تقع ضمن فترة زمنية معينة، لها قضيتها، ولكل منها بداية ونهاية. ويمكن أن تشتمل كل منها على عدة مراحل Episodes أو موجات Waves تنتمي إلى السياق الاحتجاجي نفسه. وقد تناول تشارلز تيلي وتارو احتجاجات الستينيات في الولايات المتحدة الأميركية على هذا الأساس؛ أي بوصفها دورة من الاحتجاجات ذات موجات متعددة. وهذا ينطبق على الاحتجاجات التي نتناولها في الحقبة الزمنية المختارة في تونس ومصر. على أن للاحتجاجات محلّ الدراسة خصوصيةً تجعل معالجتها من زاوية نظر الحركات الاجتماعية غير كافية؛ إذ إن احتجاجات الطلاب تنتمي إلى سياق مؤسسي (الجامعة)، وهو سياق يفرض عليها شروطًا محددة؛ لأن المؤسسة التربوية (كما الجامعة) معنيّة بتنشئة الأجيال الجديدة. وهكذا طرح

إميل دوركهايم هذا الموضوع منذ مطلع القرن العشرين، وطوره بيير يورديو في الثلث الثالث من القرن نفسه، خاصة في كتابه إعادة الإنتاج. ومهما يكن، فإن للجامعة، التي تتصدر النظام التعليمي، وظائف متعددة.

(1) Philip G. Altbach, Student Politics in America: A Historical Analysis (New Brunswick/ London: Transaction Publishers, 1997 [1974]). (2) Sidney Tarrow, Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 153. (3) Charles Tilly & Sidney G. Tarrow, Contentious Politics , 2 nd ed. (New York: Oxford University Press, 2015), p. 51. (4) Emile Durkheim, Education et Sociologie , 2 ème éd. (Paris: PUF, 1966). (5) Pierre Bourdieu & Jean–Claude Passeron, La reproduction: Eléments pour une théorie du système d’enseignement (Paris: Les Éditions de Minuit, 1970).

تتمثل الوظائف المعلنة والمتداولة للجامعة (ومؤسسات التعليم العالي عمومًا) في التعليم، والبحث،

و"خدمة المجتمع". وتضم الجامعة قوى بشرية متفاعلة، تشمل الإدارة والأساتذة والطلاب. وتخضع الإدارة، في الغالب، لتوجيهات السلطات المشرفة عليها، بهدف "تحقيق أهداف" الجامعة. ويخضع الأساتذة كذلك لسلطة الجامعة، صعودًا نحو سلطة الإشراف، وهم يلتزمون، في تعليمهم، بالقيم والمعارف المقرّرة. ويؤدي عمل الأساتذة والإدارة معًا إلى تنشئة الطلاب تنشئة اجتماعية، وهي

وظيفة تتمثل خلاصتها في تأمين توافق اتجاهات الطلاب (والخريجين لاحقًا) مع القيم والمعارف والمهارات السائدة اجتماعيًا وسياسيًا ومهنيًا. وعندما تكون الحكومة ذات شعبية، ولها أيديولوجيا

وسلطة قاهرة، فإن التنشئة الاجتماعية تكتسب طابعًا سياسيًا، بحيث تؤدي إلى تكوين طلاب فاعلين

في الدفاع عن السلطة و/ أو الحزب الحاكم. وكان هذا هو الحال في تونس ومصر قبل عام 1968. وإلى جانب الإعداد (عبر المناهج)، ترعى السلطات وإدارات الجامعات هياكل تنظيمية للطلاب تشكّل منظمات موازية لتنشئة القيادات. أدّت الجامعة في تونس ومصر وظيفة التنشئة الاجتماعية (السياسية)، على نحوٍ ما، قبل عام. 1968 لكن الوضع تغيّر بعد هذا العام؛ إذ نشب النزاع بين الطلاب والسلطات الحكومية والجامعية في

كلا البلدين. لذلك أصبح من الضروري، لفهم هذا التحول، الاستعانة بإطار نظري ثانٍيتمثل في نظرية الحقل الاجتماعي Social Field كما طبّقها بورديو على الجامعة. لا تعدّ هذه الدراسة تأريخًا لما حدث في تلك التحركات في البلدين، رغم أنّ المادة التي استُند إليها هي مادة تاريخية مستقاة من أعمال أنجزها مؤرخون فيهما. ويكمن الهدف من الجمع بين البلدين في فحص الاحتجاجات الطلابية من منظور أوسع يتجاوز الخصوصيات، وإن كان المرور بهذه الخصوصيات أمرًا لا بدّ منه. وتعني العمومية، في هذا السياق، تأطير فهم الاحتجاجات الطلابية

في البلدين وتفسيرها نظريًا. وبناء على ذلك، ليست إشكالية البحث تأريخية، بل هي بحث عن تفسير علم اجتماعي لما أظهرته الأحداث التاريخية الموثّقة في الدراسات. والسؤال المحوري في هذا الإطار: كيف نفسّر هذه

الاحتجاجات من زاوية نظر علم الاجتماع؟ يبدأ البحث بعرض مقارن للأحداث، لإظهار الصورة، والبناء عليها لاحقًا في تحليل الواقعة الاجتماعية Social Fact المتمثّلة في احتجاجات الطلاب

(((هذه الوظيفة لصيقة بالتعليم العالي في الولايات المتحدة والنظام الأنكلوسكسوني عمومًا والبلدان التي تقلدها. (((عدنان الأمين، التنشئة الاجتماعية وتكوين الطباع (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2005 (((عبد الغفار شكر، منظمة الشباب الاشتراكي: تجربة مصرية في إعداد القيادات (1963–1976) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2004

(9) Pierre Bourdieu, Homo Academicus (Paris: Les Éditions de Minuit, 1984).

(1((يجادل دوركهايم في كتابه التطور التربوي في فرنسا حول الفرق بين سرد الأحداث التاريخية وتعيين الأحداث البارزة التي تعين انطلاق مرحلة جديدة في ظاهرة ما في معرض نقاشه حول "مدرسة القصر" التي تُعزى إلى شارلمان، مدافعًا عن فكرة أن هذه

المدرسة أرست مرحلة جديدة في التاريخ التربوي في فرنسا، ينظر:

Emile Durkheim, L’Evolution pédagogique en France , 2 ème éd. (Paris: PUF, 1969).

في البلدين معًا. وهذا العرض المقارن بين تونس ومصر، في هذا الموضوع، لم يُطرح بوضوح في

الأدبيات القائمة، ولهذا خُصّص له حيّز كافٍ في هذه الدراسة لتبيينه. وبعد هذا العرض الوصفي

المقارن، تنتقل الدراسة إلى تحليل الواقعة في ضوء نظرية تارو للحركات الاجتماعية، التي يُستند إليها عادةً في معالجة مثل هذه الوقائع الاجتماعية، وكذلك نظرية بورديو حول الجامعة بصفتها حقل نزاع. تقوم خطة معالجة الموضوع، إذًا، على ثلاث مراحل: الأولى، عرض موجز (وصفي) لموجات التحركات الطلابية في البلدين. والثانية، فحص هذه التحركات بحثًا عما يمكن أن يجعل منها حركات اجتماعية. والثالثة، تبيين أنه يمكن فهمها ضمن سياق الجامعة بوصفها حقل نزاع.

أولا: احتجاجات الطلاب في تونس

في 15 آذار/ مارس 1968، عُقد اجتماع طلابي عام في كلية الآداب والعلوم الإنسانية الكائنة في شارع 9" أفريل 1938" في تونس العاصمة، خارجًا عن سيطرة الاتحاد العام لطلبة تونس، الذي كانت قيادته تابعة للحزب الدستوري الحاكم. وقد اتجه الطلاب إلى تشكيل لجان بديلة. ونجحت قوة التحركات

وثباتها في حشد الدعم لها، خصوصًا من الأساتذة. وُأجريت مفاوضات مع سلطة الإشراف التي وافقت على تلبية المطالب التي رفعتها اللجنة باسم المحتجين، مقابل وقف فوري للاحتجاجات. غير أنّ انشقاقًا حدث داخل اللجنة بين الشيوعيين (المنخرطين في الحزب الشيوعي التونسي وأنصاره) وغير المنظمين سياسيًا من جهة، وطلاب اليسار الجديد (تجمّع الدراسات والعمل الاشتراكي

التونسي – آفاق أو "برسبكتيف") من جهة أخرى. وقد رفض التجمع الاتفاق، وبدأ التصعيد في مواجهة الحكومة، واندفع نحو التحريض على الإضراب العام والتظاهر، مطالبًا بالإفراج عن الطالب

محمد بن جنات، أحد أعضاء التجمع، الذي كان قد اعتُقل في احتجاجات سابقة. ويشير مطاع الواعر إلى أن التجمع رأى أن "الوضع ثوريّ متفجّر، وأنّ المطروح في ذلك الظرف ليس التوقف عند تحقيق مكسب ظرفي قطاعي، بل تجذير الاحتجاج وربطه ببقيّة الفئات الشعبيّة ودفعه نحو مساءلة أكثر عمقًا

للنظام البورقيبي". اعتبرت الحكومة التجمع حركةً متمردة، وقررت القضاء عليه وتجفيف منابع "الجراثيم" بحسب التوصيف البورقيبي لناشطي اليسار الجديد في ذلك الوقت. وفي فجر 20 آذار/ مارس 1968، أطلقت حملة اعتقالات شملت مئات الأشخاص، خضعوا للتحقيق ثم للمحاكمة أمام محكمة

استثنائية أنشئت خصوصًا لهذا الغرض، وهي محكمة أمن الدولة. وقد صادف انعقاد هذه المحاكمة وقوع أحداث أيار/ مايو 1968 في فرنسا؛ ما دفع التحقيق إلى محاولة إظهار وجود علاقة بين قادة التجمع وقادة الانتفاضة الطلابية في فرنسا، وهو تحقيق استُخدمت فيه أساليب معاملة قاسية وتعذيب.

((1 (مطاع أمين الواعر، "'مارس 1968 ' وتجذّر النضال الطلابي"، الأخبار، 2018/6/1، شوهد في 2025/8/27، في:

https://acr.ps/hBxVKxG

(1((فطين حفصية، "اليسار التونسي: قراءة في جيولوجيا الزمن"، في: 'مانيفستو' اليسار التونسي، تنسيق ياسين النابلي (تونس: المفكرة القانونية، 2023)، ص.24

تحوّلت المحاكمة إلى قضية كبرى، ووجّهت إلى المتهمين تهمة "التآمر على أمن الدولة التونسية الداخلي" بهدف الانقلاب على النظام البورقيبي. وفي 16 أيلول/ سبتمبر 1968، أصدرت المحكمة أحكامًا بالسجن في حق 94 من أعضاء التجمع و 7 من الحزب الشيوعي، وصل بعضها إلى أكثر من 15 عامًا. وتعرّض الموقوفون داخل السجون أيضًا لمعاملة قاسية دفعتهم إلى الإضراب. لم تندمل جراح احتجاجات 1968 حتى اندلعت الانتفاضة الثانية خلال العام الدراسي /1971.1972 ففي 3 آب/ أغسطس 1971، افتُتح المؤتمر الثامن عشر للاتحاد العام لطلبة تونس في مدينة قُربة، واتّسمت نقاشاته باحتدام الخلاف بين الدستوريين، الذين دافعوا عن استمرار التحالف بين الاتحاد والحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، من جهة، وبين سائر اليساريين، الذين سعوا لضمان استقلالية الاتحاد عن الحزب، من جهة أخرى. وقد حشدت الحكومة قواها بمناسبة انعقاد المؤتمر، فقد شهدت مدينة قُربة زيارات متعددة لمسؤولين سياسيين في إدارة الحزب، ووزراء سابقين، وصحافيين محليين، وأجانب. كان الطلاب اليساريون على وشك الفوز، نتيجة حصولهم على عدد كبير من نيابات المؤتمر، في حين كان طلاب الحزب الحاكم يعانون انقسامات وخلافات عدة. وتتعدد الروايات بخصوص النتيجة، لكن انتُخبت هيئة إدارية جديدة، وتولّى الطالب الحبيب الشغال، المقرب من الحزب الحاكم، منصب الأمين العام للاتحاد. وقد اعتبر الطلاب المعارضون، بحسب محمد ضيف الله،

"أن المؤتمر 18 لاتحاد الطلبة لم يُنهِأشغاله، ونعتوا ما وقع خلاله بالانقلاب. كما أنهم اعتبروا أن القيادة التي أفرزها معَّيَنة لا منتخَبة، وطالبوا، تبعًا لذلك، بعقد مؤتمر خارق للعادة (استثنائي").

بل إنهم وقّعوا عريضة اعتراضية على ما جرى، عُرفت باسم "لائحة ال 105"، نسبة إلى عدد الموقعين عليها، علمًا أن عدد الطلاب المشاركين في المؤتمر كان في حدود 175 طالبًا. ومع عودة الطلاب إلى الكليات بعد المؤتمر، كان الجو مشحونًا، وشهد مطلع العام الدراسي /1971 1972 عدّة تظاهرات لأسباب متنوّعة. وبحلول شباط/ فبراير 1972، بدأ مسلسل الأحداث التي

((1(الواعر. ((1(تقع هذه المدينة على الساحل الجنوبي لولاية نابل على بعد 07 كيلومترًا من تونس العاصمة.

(1((محمد ضيف الله، "جامعة تونس أُمّ الجامعات التونسية بين السلطة والمجتمع وفي العالم (1960–2016)"، في: سير عشر

جامعات حكومات عربية، عدنان الأمين [محرر] (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 344؛

بشأن هذا المؤتمر، ينظر شهادات عدد من المشاركين فيه في: مسيرة الاتحاد العام لطلبة تونس: شهادات بعض المؤسسين والقياديين،

تنسيق وتقديم محمد ضيف الله (تونس: منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 2010)، خصوصًا شهادات عيسى

البكوش ومنصف الشابي (من الطلاب المعارضين) والحبيب الشغال وفاضل الحميدي (من الطلاب الموالين للسلطة). ((1(ينظر أسماء الموقعين وعددهم 105 في: محمد ضيف الله، أزمنة الحركة الطلابية التونسية 1991–1910 (تونس: المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، 2020)، ص.404–402 ((1(الرواية الانقلابية نجدها عند اليسار التونسي عمومًا. ينظر: وائل بنجدو، "الانتفاضة الّطلّابية 5 فيفري 1972: الظّروف،

الأسباب، النّتائج"،، نواة 2016/2/7، شوهد في 2025/10/2، في: https://rb.gy/6fh80z

يصفها اليساريون ب "ملحمة 5 فيفري". وكانت المسألة الحاضرة في نقاشات الطلاب المعارضين رفضهم الكامل لجميع الهياكل التي أفرزها المؤتمر المنعقد في آب/ أغسطس 1971. وأفضت تلك النقاشات والاجتماعات إلى تشكيل خمس لجان تحضيرية، أقرّت شعارات ومبادئ متعددة، من بينها

النضال من أجل أن يكون الاتحاد العام لطلبة تونس ديمقراطيًا، وجماهيريًا، ومستقلًا. وعلى هذا

الأساس، عُقد مؤتمر بديل للمعارضة الطلابية، سُمّي المؤتمر الثامن عشر الخارق للعادة للاتحاد

العام لطلبة تونس، وبدأت أشغاله يوم الخميس 3 شباط/ فبراير 1972 في الحرم الجامعي لكلية الحقوق والعلوم السياسية في تونس العاصمة، بمشاركة الآلاف من الطلاب، ورفعت فيه العديد من الشعارات، من بينها "ثقافة وطنية وتعليم ديمقراطي وجامعة شعبية". وفي 5 شباط/ فبراير 1972، قبل قراءة البيان الختامي للمؤتمر، تدخّلت قوات الشرطة وميليشيات الحزب الحاكم. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح شعار استكمال أشغال المؤتمر الاستثنائي شعارًا

مركزيًا للحركة الطلابية التونسية، ولم يُنجز فعليًا إلا في عام 1988. ومن أجل تحقيق هذا الهدف،

أُنشئت "الهياكل النقابية المؤقتة"، وهي هياكل سرّية وغير معترف بها قانونيًا، تأسّست على قاعدة

برنامج نقابي – سياسي جامع للتيارات النقابية والسياسية الطلابية، عُرف باسم "برنامج "1973.

وقد جاءت ردة فعل الحكومة عنيفة، وموازية لما شعرت به من خطر فيما جرى، نظرًا إلى ما اعتبرته

تهديدًا لسلطتها، وتجسيدًا لقطيعة سياسية وتنظيمية مع الجسم الطلابي. وعمليًا، أُغلقت المؤسسات

الجامعية حتى 30 كانون الأول/ ديسمبر 1972. وأقرّت الحكومة أيضًا عددًا من الإجراءات

التعسفية تجاه الطلاب، تمثّلت في الحرمان من المنحة، وغلق المساكن والمطاعم الجامعية، وسحب تأجيل الخدمة العسكرية الذي كان يتمتع به الطلاب الذكور حتى نهاية دراستهم الجامعية. وفي نيسان/ أبريل 1973، نظّمت السلطة الحاكمة محاكمة سياسية للطلاب الموقوفين، وتعرّض العشرات

من الطلاب التونسيين للتجنيد القسري. وصدرت في حق أربعة عشر طالبًا أحكام بالسجن راوحت

بين ثلاثة وثمانية أشهر. صدرت تصريحات حادة ضد الطلاب من أعضاء في الحكومة. فقد ألقى وزير التربية والتعليم، محمد مزالي، الذي كانت الجامعة تحت سلطة وزارته، في مجلس النواب كلمة قال فيها: "إن هؤلاء لا همّ لهم إلا القضاء على جميع ما لهذه البلاد من مكاسب ومن قيم دينية وروحية. إن هذه الأحداث

تبين بوضوح أن أغلبية الطلاب ليسوا مكونين تكوينًا تونسيًا، لذلك، وكما قالت الحكومة التونسية

من قبل، يجب مراجعة محتوى التعليم وبرامجه". وفي السياق ذاته، عُقد اجتماع في قصر الرياضة

(1((ينظر أيضًا رواية تجمع آفاق ما حدث: ضيف الله، أزمنة الحركة الطلابية التونسية 1991–1910، ص.409–407 ((1(المرجع نفسه، ص.42–41 ((2(بنجدو. ((2(على أساس أن المؤتمر سوف ينجز في عام.1973 ((2(وافق وزير التربية آنذاك محمد مزالي على برنامج 37 بمنشور مؤرخ في 15 شباط/ فبراير 1973، واعترف باللجنة الجامعية المؤقتة (قيادة الهياكل النقابية المؤقتة) بعد أن أعلنت الهيئة الإدارية المنبثقة من مؤتمر قربة عام 1971 عن استقالتها في كانون الأول/ ديسمبر 1972. ولكن تلك الموافقة ظلت حبرًا على ورق.

في العاصمة، في 11 شباط/ فبراير 1972، شاركت فيه منظمات وطنية مختلفة (شباب، ونساء، وعمال... إلخ) إلى جانب الحزب الاشتراكي الدستوري. وقد عبر الوزير الأول حينها، الهادي نويرة، عن موقفه من انتفاضة الطلاب بقوله: "توجد شعارات أخرى يخجل الإنسان عند قراءتها، والمؤسف أنها تتردد في مواطن مكتظة بالفتيات [...] مثل حرية الصلات الجنسية؛ أي حرية الغريزة والإباحية والشهوة الحيوانية". تُعدّ مثل هذه الإدانة الأخلاقية نادرة في خطابات الحكومات

العربية في ذلك العهد، ولم تَرِد في الدراسات التي كُتبت عن الحركات والاحتجاجات الطلابية آنذاك معلومات عن شعارات وأفكار تتعلّق بالقيم الاجتماعية، على غرار ما انتشر في انتفاضة الطلاب في فرنسا عام 1968. ويميل المرء إلى ترجيح أن الحديث عن الحريات السياسية، الذي ورد على لسان الطلاب وضمن شعاراتهم، فسّره الوزير الأول بأنه دعوة إلى "حريات اجتماعية"، متأثرًا بانتفاضة

طلاب فرنسا. ويُفهم من كلامه أن الحكومة كانت تستعمل حجة تمكّنها من استثارة تضامن الفئات

الاجتماعية المحافظة معها، وتُنبئ في الوقت ذاته باتخاذ تدابير قمعية صارمة.

ثانيًا: احتجاجات الطلاب في مصر

في 21 شباط/ فبراير 1968، انتفض عمال حلوان فور إعلان حكم المحكمة العسكرية في "قضية الطيران"، التي قُدّم فيها عددٌ من ضباط الطيران إلى المحاكمة، لتحميلهم مسؤولية تدمير الطائرات المصرية وهي رابضة في حظائرها فجر 5 حزيران/ يونيو 1967. خرج العمال في تظاهرات انضم إليهم فيها عمال مصانع الطائرات الأخرى المجاورة، وطافوا شوارع حلوان مطالبين بإعادة محاكمة قيادات الطيران وبإحداث تغيير. وقع صدام مع الشرطة التي أطلقت الرصاص على المتظاهرين؛ ما أدى إلى إصابة العشرات من العمال أمام قسم شرطة حلوان. وفي اليوم نفسه، عُقِد مؤتمر احتفالي في كلية الآداب بجامعة القاهرة بمناسبة يوم الطالب العالمي، الذي يوافق ذكرى انتفاضة الطلاب والعمال المصريين الوطنية عام 1946. وقد دُعيت إلى المؤتمر "منظمة الشباب" في الاتحاد الاشتراكي العربي، في محاولة لفتح حوار سياسي حول "أحكام الطيران". وفي أثناء المؤتمر، ارتفعت في القاعة هتافات منددة ورافضة لتلك الأحكام، مطالبة بإعادة المحاكمة. وعندما انتشر خبر ما جرى للعمال في حلوان، تحوّل المؤتمر إلى تظاهرة ضخمة جابت كليات الجامعة، وفقدت منظمة الشباب السيطرة على الموقف. وفي الأيام التالية، خرج الطلاب من بوابات الجامعة، أول مرة منذ عام 1954، في انتفاضة عارمة شارك فيها الآلاف من طلاب الجامعات الكبرى في القاهرة والإسكندرية، وكانت بعض الشعارات المرفوعة موجّهة ضد النظام تحديدًا.

(2((منير العوادي، "الحركة الطلابية التونسية في السبعينات: زاخرة بالقوة، مفعمة بالأمل"،، 2010/4/8، شوهد في 2025/7/8 نواة

في: https://acr.ps/hBxVKtX

(2((رماح أسعد، سطور من يوميات الحركة الطلابية المصرية 1973–1968 (القاهرة: الدار للنشر والتوزيع، 1987)، ص.33 (2((أحمد عبد الله رزة، الطلبة والسياسة في مصر، ترجمة إكرام يوسف (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007)، ص.276

وفي 24 شباط/ فبراير 1968، تظاهر الطلاب أمام مجلس الأمة، وسُمح لوفد منهم بالدخول لتقديم مطالبهم إلى رئيس المجلس آنذاك، محمد أنور السادات، الذي أخذ أسماءهم متعهّدًا بعدم المساس بهم. لكنهم تعرضوا ليلًا للاعتقال من منازلهم. وكانت النتيجة أن نظّم زملاؤهم من طلاب كلية الهندسة تظاهرة خرجت من الكلية، فواجهتها قوات الأمن، ثم ارتدّت إلى داخل أسوار الكلية، حيث

أعلن عن اعتصام استمر ثلاثة أيام، على الرغم من الإعلان عن تعطيل الدراسة يومُ 25 شباط/ فبراير. وفي هذا السياق، انطلقت تظاهرات طلاب جامعة عين شمس خارج أسوار الجامعة، وظهر في صفوفهم عدد من عمال حلوان، فصدحت الهتافات المؤيدة لحركة العمال، وتدفقت المسيرة من الجامعة إلى ميدان العباسية. كما انطلقت مسيرة أخرى من جامعة القاهرة، وعندما وصلت إلى ميدان التحرير، بلغ عدد المشاركين فيها نحو أربعين ألف طالب، وهناك التقت بتظاهرة قادمة من جامعة عين شمس. وبعد اصطدام الشرطة بهم وإطلاق الرصاص عليهم، تصاعد الغضب بين الطلاب. كانت تلك هي الانتفاضة الأولى. أما الانتفاضة الثانية، فقد وقعت في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1968، حين صدر قانون جديد للتعليم العام ألغى مجموعة من التسهيلات المتعلقة بالترفيع من صف إلى آخر، والنجاح في الامتحانات (مثل التقدم المتكرر للامتحانات من دون حد، والنجاح رغم الرسوب في مادتين، والترفيع الآلي في المرحلة الابتدائية... إلخ). وفي اليوم التالي، خرج طلاب المدارس الثانوية في مدينة المنصورة إلى الشوارع احتجاجًا على القانون. تكررت التظاهرات في اليوم الذي تلاه، وبدأها هذه المرة طلاب المعهد الديني الأزهري. واتجه المتظاهرون إلى مديرية الأمن في المحافظة، فوقعت مواجهة مع الشرطة، أطلق خلالها الرصاص الحي؛ ما أسفر عن مقتل ثلاثة طلاب وفلاح، وجرح اثنين وثلاثين متظاهرًا، إلى جانب

إصابة تسعة من ضباط الشرطة وأربعة عشر من ضباط الصف. وسرعان ما انتقلت أخبار أحداث المنصورة إلى جامعة الإسكندرية، التي تضم عددًا من طلاب محافظة الدقهلية؛ فعقد اتحاد طلاب الجامعة اجتماعًا طارئًا، اُّتُخذ فيه قرار بتنظيم مسيرة احتجاج

سلمية في اليوم التالي. وفي تلك المسيرة، أُطلقت هتافات ضد وزير الداخلية شعراوي جمعة. كما سُمعت فيها، أول مرة منذ عام 1954، هتافات ضد عبد الناصر نفسه. وقاد هذه التظاهرة عاطف الشاطر، رئيس اتحاد طلاب كلية الهندسة، رافعًا علم الكلية. ووقع الصدام مع قوات الشرطة

أمام كلية الزراعة، حيث أصيب ثلاثة وخمسون من رجال الشرطة وثلاثون من الطلاب. وخلال تلك التظاهرات، ألقي القبض على الشاطر وثلاثة من زملائه، أثناء تفاوضهم مع الشرطة، ونُقلوا إلى

((2(أسعد، ص.33 ((2(رزة، ص.289 ((2("يا شعراوي يا سفاح، ولى زمانك ولى وراح"، "يا شعراوي يا سفاح، دم الطلبة غير مباح." ((2("يا جمال للصبر حدود، عشرة يونيو مش ح تعود"، 9" يونيو أيدناك، والنهاردة عارضناك"، "عبد الناصر يا سفاح، ولى زمانك ولى وراح"، "عبد الناصر يا دجال، في المنصورة وفي حلوان"، "عبد الناصر يا جبان، خايف ليه من ديان". ينظر: رزة، ص.281–275

مديرية الأمن في الإسكندرية؛ ما أدى إلى تفرّق التظاهرات، وعودة الطلاب إلى التجمع داخل كلية

الهندسة. قرر محافظ المدينة مواجهة الموقف بنفسه، فتوجّه إلى الجامعة، غير أن الطلاب حاصروه واحتجزوه

في حجرة الحرس الجامعي، التي كانت تحت سيطرتهم بعد أن قطعوا أسلاك الهاتف، ولم يُسمح له بالخروج إلا بعد أن أصدر أمرًا بالإفراج عن الطلاب المعتقلين. وعند عودتهم، عُقد مؤتمر طلابي

سُمح للمحافظ بالكلام فيه، إلا أنه لم ينجح في تهدئة الصخب الذي قوبلت به كلماته، لكنه وافق على

استقبال وفد من الطلاب في مكتبه مساء اليوم نفسه. وقبل مغادرته الجامعة، تسلّم نسخة خطية من المطالب الطلابية. وفيما بعد، استولى الطلاب المعتصمون في كلية الهندسة على ماكينة الطباعة الخاصة بالكلية، وبدؤوا في إصدار سلسلة من البيانات، وُزعت على نطاق واسع داخل المدينة. وأعلنوا

كلية الهندسة مقًّرًا دائمًا للاعتصام، وشكّلوا لجنة للرصد والاستطلاع، وأخرى لمتابعة المطالب، أسندت

مسؤوليتها إلى أحد الأساتذة الذين كانوا يساندون الطلاب، وأسهموا بقدر كبير في انتفاضتهم. في اليوم التالي، قرر مجلس الوزراء إغلاق الجامعات، وبدأت الحكومة حملة منظّمة ضد الطلاب. وعلى مدى أسبوعين، شنّت الصحف الرسمية حملة إعلامية استهدفت تقويض أيّ تأييد

تحظى به الحركة الطلابية في البلاد، وقدمت الانتفاضة بوصفها عملًا تخريبيًا من تدبير "عملاء"

ومحرضين مرتبطين بقنصليات وسفارات أجنبية، وهو ما أكّده تصريح لعبد الناصر نفسه. وفي المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي، وُصف الطلاب بأنهم خونة، وعملاء، وعابثون، ومستهترون.

واقترح عدد من المتحدثين إخضاع الاتحاد الطلابي لرقابة صارمة. وطالب علوي حافظ، أحد رموز النظام الناصري آنذاك، بالتعامل مع الحركة الطلابية "باعتبارها مجموعة من الأبناء خرجوا عن طوع آبائهم [...] ورئيس الجمهورية ومديري الجامعات، واعتبر أن الحل يكمن في الرجوع إلى 'الرياضة والدين والأخلاق"'. وفي 25 تشرين الثاني/ نوفمبر، شهدت الإسكندرية إضرابًا عامًا، واندلعت صدامات أسفرت عن مقتل ستة عشر شخصًا، واعتقال 246، حُبس 365 منهم على ذمة التحقيق. وشملت الاعتقالات عددًا كبيرًا

من طلاب كلية الهندسة، وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية، إلى جانب عدد من الخريجين. ووُجهت إليهم خمس تهم، على رأسها "التحريض على قلب نظام الحكم". وأحيل عشرون طالبًا

ومعيدان إلى مجالس تأديب في الجامعة. وبعد ثلاثة أشهر، أفرج عن الطلاب، مع توجيه قادتهم إلى

الخدمة العسكرية، في حين أفرج عن الأساتذة في أيار/ مايوُ 1969، وبقي الخريجون في السجن حتى عام 1970.

((3(أسعد، ص.46–44 ((3(رزة، ص.307–304 (3((هشام مبارك، الحركة الطلابية: محاولة للفهم، حول التوصيف الاجتماعي للطلبة ودورهم في الحركة السياسية، ط  2(القاهرة: مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 2008)، ص.15 ((3(رزة، ص.300–294

وفي يوم الخميس 13 كانون الثاني/ يناير 1972، ألقى السادات خطابًا برّر فيه عدم وفائه بوعده بأن يكون عام 1971 عام الحسم ضد العدوان الصهيوني، بقوله إن: "ضباب الحرب الباكستانية الهندية قد أعاق تنفيذ هذا الوعد". وقد أثار هذا التصريح سخرية واسعة، وتحولت كلمة "الضباب" إلى مادة للنكات؛ ما أشعل شرارة انتفاضة الطلاب الثالثة. بدأ الأمر بمقالة نُشرت على مجلة الحائط، بعنوان "سيدي الرئيس، ليتك لم تتكلم"، و"كان الزحام على قراءة المقالة أشبه بالزحام على الجمعيات التعاونية أو على أفران الخبز في ذلك الوقت". وفي عصر يوم السبت، 15 كانون الثاني/ يناير 1972، اجتمع عدد من مُصدري مجلات الحائط واتفقوا على عقد مؤتمر لمناقشة خطاب السادات، والخطوات الواجب اتباعها للإعداد للحرب مع العدو الإسرائيلي. وكانت جماعة أنصار الثورة الفلسطينية المحرّك الرئيس لهذا الاحتجاج. ويوم الإثنين، عُقد المؤتمر، وفي نهايته تقرّر الاعتصام بالكلية. وتوجّه وفد من مُصدري مجلات الحائط إلى إدارة الجامعة لإبلاغها بما حدث، وبالمطالب التي توصّل إليها المؤتمر. حاول اتحاد الطلبة احتواء نتائج المؤتمر، ووجّه اتهامًا إلى جماعة أنصار الثورة الفلسطينية بالهيمنة

عليه. ومع ذلك، عُقد مؤتمر ثانٍفي الكلية يوم الأربعاء، 19 كانون الثاني/ يناير 1972، في ظل أجواء متوترة ناجمة عن محاولات متكرّرة من الطلاب المحسوبين على الاتحاد لمنع تكرار نتائج مؤتمر يوم الإثنين. وازداد التوتر مع حضور كمال أبو المجد، أمين عام منظمة الشباب في الاتحاد الاشتراكي، برفقة حسن إسماعيل، مدير الجامعة. وقد وقعت مشادات كلامية بينهما وبين بعض الطلاب، انتهت بانسحابهما على وقع هتافات رافضة لشخص أبي المجد. في المساء، انتشر المعتصمون في أرجاء الكلية. وفي ساعة متأخرة من الليل ومع اشتداد البرد، بدؤوا في البحث عن أماكن للمبيت، فتجمّع عدد كبير منهم في مدرج "السّاوي". وبسبب عدم توافر مطبعة في متناولهم، أملت سهام صبري بيانَي الاعتصام شفهيًا على المعتصمين لتوفير نسخ مكتوبة منهما بغرض التوزيع في صباح اليوم التالي. وقد تضمّن البيانان محتوى البيان الصادر عن مؤتمر يوم الإثنين 17 كانون الثاني/ يناير، إضافة إلى مجموعة من التساؤلات التي وُجّهت إلى أبو المجد.

((3(طارق يوسف Tarek Yousef، صفحة حبسة 1973 على فيسبوك، "شهادة صالح عبد الجواد: الجزء الثاني"، 2024/1/22؛ شوهد في 2025/10/30، في: https://acr.ps/hBxVKrX؛ "شهادة صالح عبد الجواد: الجزء الرابع"، 2024/1/26، شوهد في

2025/10/30 في: https://acr.ps/hBxVKoe

((3(منير مجاهد Mounir Megahed، "الحركة الطلابية 1973–1972: شهادة أحمد هشام"، صفحة حبسة 73 على فيسبوك، 2022/1/15، شوهد في 2025/7/8 في: https://acr.ps/hBxVKkv (3((كمال خليل، حكايات من زمن فات (القاهرة: بيت الياسمين للنشر والتوزيع، 2012)، ص.87 ((3(مجاهد. ((3(يوسف. ((3(مجاهد.

انضم أحمد عبد الله، من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، إلى المعتصمين، ونقل إليهم اقتراح طلاب كليته بعقد مؤتمر عام للجامعة بأكملها، ووافقوا على الاقتراح. وفي صباح الخميس 20 كانون الثاني/ يناير 1972 دخل الطلاب قاعة الاحتفالات الكبرى لجامعة القاهرة واحتلوا جميع طوابقها، واستولوا على مطابع الجامعة وعلى الطابق السفلي "البدروم" من قاعة الاحتفالات، حيث توجد ماكينات الطباعة وكميات كبيرة من ورق الطباعة والحبر، وطبعوا البيان ووزعوه فورًا على الطلاب الوافدين إلى المؤتمر. ومنذ تلك اللحظة، تحوّل الاعتصام من كلية الهندسة إلى اعتصام يشمل جامعة القاهرة بأكملها.

ثم اتفق المعتصمون على تشكيل اللجنة الوطنية العليا بالجامعة عن طريق الانتخاب الحر، تبدأ من مستوى الكلية وصولًا إلى مستوى الجامعة. وبذلك تأسست اللجنة الوطنية العليا للطلاب، التي حلّت محل اتحاد الطلاب الرسمي في الجامعة، وانتُخب أحمد عبد الله رئيسًا لها. وقد جرت انتخابات

مماثلة في جامعة عين شمس، وغلب على عضوية هذه اللجان الطلاب ذوو الاتجاهات اليسارية. وطوال يومَي الخميس والجمعة (20 و 21 كانون الثاني/ يناير 1972)، دار نقاش موسّع بين الطلاب من

أجل صياغة وثيقة تعبّر عن الحركة الاحتجاجية الطلابية. واختار المؤتمر لجنة مصغرة لصياغتها، بحيث

تضم التوصيات والمطالب التي طرحت في مؤتمرات كليات الجامعة المختلفة. وجرت الموافقة

على الوثيقة بالإجماع، وطُبعت ووزعت على طلاب الجامعة والمناطق المحيطة بها، كما أرسلت إلى الصحف الحكومية، لكنها امتنعت عن نشرها. ورفعت الحركة شعار "كل الديمقراطية للشعب، وكل التفاني للوطن". وشُكّل وفد طلابي لتسليم الوثيقة إلى رئيس الجامعة في منزله بالجيزة، ودعوته إلى الجامعة لمناقشة المطالب والرد على تساؤلات الطلاب، لكنّ الوفد لم يتلَّقَ ردًا شافيًا

من سكرتارية الرئيس. أما جامعة عين شمس، فقد شهدت انقسامًا بين الحركة الاحتجاجية الطلابية والموالين للنظام. وفي مساء الأحد، 23 كانون الثاني/ يناير 1972، أجرى الطلاب مفاوضات مع الحكومة حول مطالبهم الطلابية، وتلقّوا وعودًا رسمية باعتمادها. غير أن فجر اليوم التالي شهد حملة اعتقالات واسعة النطاق شنتها السلطات، شملت ما يزيد على 650 طالبًا، جرى اقتيادهم في شاحنات كبيرة مكشوفة، وسط

برد شديد، إلى ثكنات الأمن المركزي (قرب طريق صلاح سالم، القاهرة). وبعد يوم أو يومين، تقرر

((4(أحد أبرز قياديي الحركة الطلابية في تلك الفترة، وهو مؤلف أهم كتاب حول الحركة الطلابية في مصر، والكتاب ترجمة لأطروحته حول الموضوع:

Ahmed Abdallah, The Student Movement and National Politics in Egypt 1923–1973 (London: Saqi Books, 1985);

تقول إكرام يوسف مترجمة كتابه إلى العربية في مقدمة الترجمة: "عندما كنت في السنة الأولى من التعليم الثانوي لفت نظري أن رئيس الجمهورية (السادات) تعمّد في أكثر من خطاب له سب طالب جامعي بعينه" (هو أحمد عبد الله). وقد لقبته ب "أجمل أزهار

البساتين". ينظر: رزة، ص.7 ((4(شكر، ص.301–300 ((4(منير مجاهد Mounir Megahed، "الحركة الطلابية 1973–1972: الجزء الثاني"، صفحة حبسة 73 على فيسبوك، 2021/5/5؛ "الحركة الطلابية 1973–1972: الجزء الرابع"، 2021/5/10، شوهد في 2025/7/8 في: https://acr.ps/hBxVKgM

توزيعهم على عدد من المعتقلات. نقلت الشاحنات الأولى المعتقلين إلى سجن القلعة قبيل الفجر، وكان من بينهم سهام صبري، ومحمد الجميعي، وشوقي الكردي، وأحمد بهاء شعبان. وقد ألهم هذا الحدث الشاعر أحمد فؤاد نجم في قصيدته "أنا رحت القلعة وشفت ياسين، حواليه العسكر والزنازين". وبسبب عدد الطلاب المعتقلين الكبير، نُقل معظمهم، بمن فيهم أحمد عبد الله، إلى معهد أمناء الشرطة في حلوان. عقب انتشار خبر الاعتقالات، خرج نحو عشرين ألف طالب غاضب إلى شوارع القاهرة، وتوجهوا إلى ميدان التحرير، حيث عجزت قوات الأمن عن تفريقهم. واستمرّت التظاهرات طوال اليوم، وفي

المساء بدأ الطلاب اعتصامًا في محيط تمثال الميدان. وقد حظيت الحركة الطلابية آنذاك بتعاطف شعبي واسع؛ إذ قدّم لهم العديد من سكان القاهرة الطعام والأغطية لمواجهة برد تلك الليلة القارس. وفي أثناء الليل، أصدر قائد قوات الأمن المركزي أمرًا بتفريق الطلاب الذين كانوا ينشدون الأناشيد

الوطنية، وجرى ذلك بالقوة والعنف، غير أن مجموعات أصغر أعادت التجمع في مناطق متفرقة من وسط المدينة، مردّدة أغنية الشيخ إمام "اصحي يا مصر"، واستمرت التظاهرات حتى منتصف اليوم التالي، قبل أن يُفضّ الاعتصام بالقوة. وفي 25 كانون الثاني/ يناير، عقد الرئيس السادات مؤتمرًا مع "القوى الشعبية"، ألقى خلاله خطابًا

هاجم فيه الحركة الطلابية، ودان مجلات الحائط، واصفًا اللجنة الوطنية العليا للطلاب ب "لجنة الخيانة الوطنية"، معتبرًا أن أنشطتها داخل الجامعة تُعد "احتلالًا " لا يمكن المساومة عليه. وحاول تصوير

الانتفاضة الطلابية باعتبارها تحركًا نفذته قلة منحرفة، لا تتجاوز ثلاثين طالبًا، وادّعى أنهم ينفذون

مخططًا دقيقًا بإشراف خارجي، متهمًا إياهم بالارتباط بشبكة من عملاء المخابرات الإسرائيلية،

وحث اتحادات الطلاب الرسمية على احتواء التحرك. ومع بداية العام الدراسي /1972 1973، استأنف الطلاب نشاطهم، وعاودوا طرح مواقفهم من قضايا تحرير الأرض (سيناء المحتلّة)، وتعبئة الجبهة الداخلية، وبناء اقتصاد الحرب، وتحقيق الديمقراطية. وأصدروا المئات من مجلات الحائط، ونظّموا مؤتمرات عدة ناقشت سياسات الحكومة التي لم تستجب للوثيقة الطلابية الصادرة عن اللجنة الوطنية العليا في كانون الثاني/ يناير 1972. وهكذا، انطلقت الانتفاضة الرابعة التي امتدت من 30 كانون الأول/ ديسمبر 1972، حتى 3 كانون الثاني/ يناير

انتشرت مجلات الحائط بكثافة في موجة تصعيدية كان موضوعها الرئيس الهجوم على الرئيس السادات وسياسات الحكومة. وكان رد الفعل الحكومي أنها دفعت سلطات الجامعة إلى اتخاذ إجراءات شديدة ضد العناصر النشطة، في حين استمر الطلاب في تنظيم الندوات والمؤتمرات على نحو شبه يومي. وفي أحد هذه المؤتمرات، جرى تشكيل ما عرف ب "التجمع الوطني الديمقراطي"،

(4((طارق. (((4 رزة، ص.334–330

الذي دعا إلى تشكيل لجان للدفاع عن الديمقراطية في مختلف الكليات. وبادر الطلاب إلى تنظيم اعتصام داخل قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، احتجاجًا على الاعتقالات الأخيرة،

مؤكدين تمسكهم بالوثيقة الطلابية الصادرة في كانون الثاني/ يناير 1972 وبمطالبها. وتشكلت قيادة جديدة للحركة الطلابية باسم "اللجنة الديمقراطية العليا لجامعة القاهرة". في 3 كانون الثاني/ يناير 1973، خرجت تظاهرة كبرى من جامعة القاهرة ضمّت أكثر من خمسة عشر

ألف طالب، جابت شوارع القاهرة والمدن الكبرى. وحمل المتظاهرون علمًا مصريًا طوله يزيد على

عشرين مترًا، كان منصوبًا فوق منصة قاعة الاحتفالات الكبرى. وعند النصب التذكاري، انقسمت

التظاهرة إلى مجموعتين كبيرتين؛ توجهت الأولى نحو تمثال نهضة مصر، ثم عبرت كوبري الجامعة في اتجاه ميدان التحرير، بينما سلكت الثانية شارع الدقي عبر بوابة حديقة الأورمان، وصولًا إلى ميدان التحرير. وكما في الانتفاضات السابقة، اندلعت مواجهات دامية بين الطلاب وقوات الأمن المركزي.

ثالثًا: الاحتجاجات الطلابية باعتبارها حركات اجتماعية

تمحورت القضية الكبرى الأولى التي حرّكت دورة احتجاجات الطلاب بين عامَي 1968 و 1973 في

مصر وتونس حول الحريات، وتمثّلت في تمرّد على نظام الحكم الاستبدادي القائم. ويتضح ذلك في

الشعارات التي رُفعت، مثل: "لا مجاهد أكبر إلا الشعب"، و"يسقط القمع"، و"لا ديمقراطية من دون

حرية سياسية للطبقة العاملة"، و"الديمقراطية كالخبز حق من حقوق الشعب" (تونس)، و"تسقط دولة العسكر"، و"يجب إنهاء حكم المباحث والمخابرات"، و"تسقط دولة المباحث"، و"تسقط صحافة هيكل الكاذبة"، و"لا حياة مع الإرهاب، ولا علم بلا حرية"، و"القضية ليست قضية طيران، بل قضية الحريات"، و"حق الجماهير في تشكيل تنظيماتها السياسية والنقابية بشكل مستقل عن الدولة"، و"رفع الرقابة عن الصحف وإقرار سيادة القانون" (مصر). وتتفرع عن هذه القضية الكبرى قضية حوكمة التعليم العالي، التي شملت المطالبة بإدارة الجامعات باستقلالية عن السلطة السياسية، وضمان استقلالية منظمات الطلاب عن الهياكل التي تديرها الحكومة، والدفاع عن الحريات الأكاديمية، كما يظهر في شعارات مثل: "دمقرطة التسيير الجامعي"، و"تمكين الطلبة والأساتذة من المشاركة فيه على نفس القدر من المساواة مع السلطة التنفيذية"، و"فصل الاتحاد عن الحزب وضمان استقلاليته"، و"رفض كل الهياكل المُنَّصبَة في آب/ أغسطس

1971"، و"اتحاد عام لطلبة تونس مستقل وديمقراطي" (تونس)، إلى جانب مطالب بإبعاد سلطات الأمن عن الجامعات وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، والتحقيق في انتهاك حرمة الجامعات واعتداء الشرطة على الطلاب، وإطلاق حرية الطلاب في تشكيل لجان وطنية في كل كلية ومعهد، وتشكيل اتحاد طلابي مستقل (مصر).

(4((وهي شعارات أطلقتها مجموعة آفاق. (((4 رزة، ص.279

وفي بعض الحالات، اجتمعت مسائل انتقاد شؤون الحكم السياسي وحوكمة الجامعة معًا. ففي احتجاجات تشرين الثاني/ نوفمبر 1968 في مصر، طالب المتظاهرون ب "محاكمة شعراوي جمعة (وزير الداخلية) وكل من شارك في أحداث المنصورة، وحرية الصحافة والنشر والإفراج عن المعتقلين السياسيين وقيام دولة المؤسسات محل دولة الأمن، وتطبيق برنامج 30 مارس تطبيقًا صحيحًا ". ومن هذا المنظور، نفهم أن إدارة الجامعة لم تكن في الواجهة في جميع الاحتجاجات، ولم يكن وزير التعليم العالي كذلك. فقد كان خط السلطة السياسية منفصلًا عن خط الإدارة الجامعية، وكان الخط الأول يمر من الحكومة (أي رئيس الجمهورية) نحو الطلاب عبر جهازين: الجهاز الأيديولوجي مماثلًا في الحزب الحاكم وفرع الاتحاد في الجامعة، والجهاز القمعي مماثلًا في وزارة الداخلية، وقوات الأمن داخل الجامعة وخارجها. لذلك دارت معركة الطلاب في البلدين مع اتحاد الطلبة (الذي يديره الحزب الحاكم) ومع وزارة الداخلية بالتوازي. أما خط الإدارة الجامعية، فكان يمر عبر "مدير" الجامعة الذي انحصر دوره غالبًا في الشؤون الإدارية؛ ما جعل موقعه أقرب إلى أمين سر

إداري منه إلى رئيس جامعة له صلاحيات سياسية. ولذا لم يأخذ الطلاب تجاهه أيّ موقف. وتجلى

هذا بوضوح في احتجاجات كانون الثاني/ يناير 1972 في مصر؛ إذ توترت الأجواء بسبب حضور أبو المجد، أمين عام منظمة الشباب في الاتحاد الاشتراكي، برفقة مدير الجامعة حسن إسماعيل. ورغم خروجهما معًا من القاعة، فإن الهتافات الرافضة لم ترتفع إلا ضد أبي المجد. ولم تُطرح في موجات الاحتجاجات مطالب تتعلق مباشرة بالجامعة كإصلاح المناهج، أو تعيين المسؤولين الأكاديميين (رئيس جامعة، عميد، أستاذ)، أو تحسين ظروف التعليم من حيث الأبنية والتجهيزات. فالمسألة كانت سياسية في جوهرها. وحتى حين كانت الانتفاضة الثانية في مصر (تشرين الثاني/ نوفمبر 1968) تتمحور حول المناهج التعليمية، فإن قضيتها كانت الرجوع عن قانون تعديل نظام الترفيع في التعليم ما قبل الجامعي؛ أي الاعتراض على أمر كان يمكن أن يضبط الامتحانات والترفع، لكن عنف الاحتجاجات وانتشارها السريع كشفا أن جوهرها كان فقدان الثقة بالحكومة، والتعبير عن تمرّد سياسي عميق. وفي موازاة الاحتجاج السياسي، برزت في مصر قضية كبرى ثانية هي القضية الوطنية. فقد انطلقت التظاهرات احتجاجًا على الأحكام الصادرة في حق الضباط المسؤولين عما حدث للطائرات

الحربية في 5 حزيران/ يونيو 1967. ثم اتسعت هذه القضية لتشمل المطالبة بالحرب ضد إسرائيل، واستعادة الأراضي المحتلة. وشغلت هذه القضية الوطنية موقعًا مركزيًا في احتجاجات عامَي 1972

و 1973 في عهد السادات، ورُفعت شعارات تعكس هذا الاتجاه، مثل: رفض المشاريع السلمية لحل

الصراع مع إسرائيل واعتبارها حلولًا استسلامية، ورفض قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، ورفض مبادرة وزير الخارجية الأميركي وليام روجرز، وكذلك مبادرة السادات، وضرورة

(((4 هو الخطاب الذي ألقاه جمال عبد الناصر في 30 آذار/ مارس 1968، ووعد فيه بإجراء تغييرات في برنامج الحكومة ووضع دستور جديد للبلاد. (4((أسعد، ص 6–44.4

الاستعداد للمعركة وخوض حرب التحرير الشعبية باعتبارها الطريق الوحيد للتحرير، وفتح باب التطوع للجماهير، وإحياء لجان المواطنين من أجل المعركة، بالتحالف مع المعسكر الاشتراكي وكل القوى الثورية وحركات التحرر الوطني في العالم، والهجوم على السياسة الأميركية والأوروبية. وفي احتجاجات كانون الثاني/ يناير 1972، شكّل الطلاب ثلاث لجان يتوزع عليها المشاركون في الاعتصام، سميت إحداها اللجنة العسكرية. واللافت أنه انضم إليها معظم المعتصمين؛ ما يعكس قوة حضور القضية الوطنية في وعي الطلاب وفي مطالبهم. وفي الفترة 1973–1968، فرضت الثورة الفلسطينية الصاعدة نفسها على المناخ السياسي العربي عمومًا والمصري خصوصًا باعتبارها تجسّد العمل الثوري اللازم في الصراع مع إسرائيل. وهكذا، ترافقت المطالب الطلابية الوطنية بمطالبة قومية تعلقت بالثورة الفلسطينية، فقد دعا الطلاب إلى إطلاق حرية النشاط والدعاية والعمل الفدائي لمنظمات المقاومة الفلسطينية في مصر، وإنشاء لجان شعبية لمناصرة القضية الفلسطينية في الأحياء والقرى ومواقع الإنتاج... إلخ. وقد حضرت هذه القضية القومية كذلك في احتجاجات تونس. ففي حزيران/ يونيو 1967، خرج الطلاب إلى الشوارع يهتفون "فلسطين عربية"، ونفّذوا وقفات احتجاجية أمام السفارة البريطانية والمركز الثقافي الأميركي. وقد تصدت لهم قوات الشرطة وفرّقتهم. ويبدو أن تجمع آفاق كان وراء

تنظيمها؛ لذلك ألقي القبض آنذاك على الطالب محمد بن جنات، ليصدر عليه حكم بالسجن عشرين عامًا أشغ لًا شاقة. وكان استمرار اعتقاله سببًا في توسع الاحتجاجات في الانتفاضات الطلابية بقيادة

التجمع. وفي يومي 10 و 11 آذار/ مارس 1968، نظم التجمع وقفات احتجاجية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس (كلية 9 أفريل) وفي شارع باريس احتجاجًا على زيارة نائب الرئيس الأميركي

هيوبرت همفري Hubert Humphrey لتونس. ورفع خلالها شعارات مناهضة للولايات المتحدة. ومع ذلك، لم تكن هذه القضية حاضرة بوضوح في أجندة الانتفاضتَين الرئيستَين اللتَين تناولتهما هذه الدراسة (1968 و.)1972 وقد برزت قضايا مشتقة من الاحتجاجات نفسها، كعنف الشرطة والإصابات والقتلى والاعتقالات والأحكام القضائية. وقد أثارت هذه القضايا تعاطفًا من السكان أو بعض الهيئات المهنية، أو من أساتذة الجامعات. أما القضايا الاجتماعية فلم تكن الدافع المباشر لأيّ تحرك، رغم ورود إشارات إليها في بعض البيانات، خاصة تلك التي صاغتها القوى اليسارية. يعرّف تيلي وتارو الحركات الاجتماعية بأنها "حملات مستمرة من أجل قضايا تقوم على أفعال

(أداءات) متكررة في المساحات العامة لترويج قضاياها ودعمها، وهي مبنية على منظمات وشبكات وتقاليد وأشكال للتضامن تدعم هذه الأنشطة". ويُظهر السرد الوصفي للاحتجاجات الذي سبق

4(((شكر؛ أحمد بهاء شعبان، انحزتُ للوطن، شهادة من جيل الغضب، صفحات من تاريخ الحركة الوطنية الديمقراطية لطلاب

مصر (1977–1967) (القاهرة: مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر، 1998)، ص.19

(50) Tilly & Tarrow, pp. 11, 145.

عرضه أن الأفعال (تظاهرات، واعتصام، وبيانات، ومجلات حائط) كانت في خدمة القضايا التي جرى التوقف عندها، ويُبرز كذلك التنظيمات والشبكات (الاتحاد، والأسر الطلابية، والأحزاب السياسية) التي أنشأها الطلاب أو انخرطوا فيها من أجل تنظيم هذه الأنشطة، وتحقيق أهدافها، وذلك ضمن دورة احتجاج امتدت بين بداية ونهاية محددتين. ومن سمات هذه الحركة أنه لم تُسجّل خلال تلك الحقبة أيّ علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع حركات

اجتماعية أخرى أو تحركات موازية، سواء في تونس أو في مصر. فعندما حدث تفاعل بين طلاب

الجامعات وعمال حلوان في مصر، كان ذلك مرتبطًا بالقضية الوطنية (ضد أحكام الطيران) وليس بمطالب اجتماعية للعمال. وبالمثل، لم تحدث تحركات عمالية موازية للموجات الطلابية الست أو متفاعلة معها، التي شهدها البلدان. وعلى العكس من ذلك، اتخذ الاتحاد العام التونسي للشغل موقفًا مناهضًا لهذه التحركات الطلابية، فقد انتقد أمينه العام، الحبيب عاشور، خلال الانتفاضة الثانية (1972) بشدة مرجعيات التيارات الطلابية التونسية، معلنًا ولاءه للسلطة السياسية، وعلى رأسها

الحبيب بورقيبة قائلًا: "وكما أن الصيني في وطنه ماويست، والروسي في بلده لينينيست، والكوبي كاستريست، فنحن في تونس بورقيبيست". وواصل: "إننا نقول للرئيس بورقيبة وللشعب التونسي من جديد، بأن البلدان الأجنبية الشيوعية أو التي تنسب إلى الشيوعية لها حرس أحمر يسمّى في الصين

الحرس الأحمر الماوي وفي روسيا الحرس الأحمر اللينيني وفي كوبا الحرس الأحمر الكوبي، ونحن في تونس الحرس الرسمي لبورقيبة وللنظام التونسي". وفي بيان صادر عن الاتحاد بتوقيع عاشور نفسه، ورد أن ما شهدته الجامعة من أحداث يخدم "الصهيونية الهدامة" و"أبناء عملاء الاستعمار". "كما أن الاتحاد العام التونسي للشغل وجماهير الطلبة أبناء المقاومين والمواطنين الذين قدموا تضحيات جسامًا في سبيل تحرير الوطن، لا يسمحون أبدًا أن تقوم سيمون في تونس

بما قام به قبلها كوهين في فرنسا ". وفي مصر، أيقظت الحركة الطلابية في كانون الثاني/ يناير 1972 حركة النقابات المهنية في الموضوع الوطني، وبطريقة تصالحية مع النظام السياسي. فقد أصدرت نقابات المعلمين والمحامين والصحفيين والمهندسين بيانات في الصحف تشيد بوطنية الطلاب وتتبنى مطالبهم بالاستعداد الجاد للمعركة. مثلًا، ذكر بيان نقابة الصحفيين أن حركة الطلاب جزء من ثورة 23 تموز/ يوليو 1952، وأنها ترتكز على مواثيق الثورة الأساسية ابتداءً من الميثاق الوطني لعام 1962 مرورًا ب "ببيان 30 مارس 1968"،

وصولًا إلى برنامج العمل الوطني الذي قدّمه الرئيس السادات في عام 1971. وباركت نقابة المعلمين

(5((الاتحاد العام التونسي للشغل، فيسبوك، 2023/1/26، شوهد في 2025/11/11، في: https://acr.ps/hBxVKd3 (5((سيمون للوش Simone Lellouche هي زوجة أحمد بن عثمان القيادي في تجمع آفاق، وكان هذا الطالب قد حاكمته محكمة أمن الدولة سابقًا في انتفاضة عام 1968 أو في قضية ما يعرف ب "محاكمات تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسية". وقد

اعتقلت للوش أيضًا أواخر كانون الثاني/ يناير؛ أي عشية الانتفاضة الطلابية الثانية. (5((دانيال كوهين بينيديت Daniel Cohn-Bendit هو الطالب الذي اشتهر في قيادة احتجاجات الطلاب في فرنسا، ولقب بدانيال الأحمر بسبب حمرة شعره وأفكاره اليسارية. ولد في فرنسا في عام 1945 من أبوين يهوديين هربا من ألمانيا النازية في عام.1933 5(((ضيف الله، أزمنة الحركة الطلابية التونسية، ص.415–413

في بيانها الحركة الطلابية بالقول: "إننا نبارك صيحتكم ونستجيب لندائكم، وإن ثورتكم العارمة لتنبهنا جميعًا، ونحن نؤمن أنها ثورة صادرة من القلوب الحانية على مصير الوطن". وقال بيان نقابة المهنيين: "إن أوسع فئات المثقفين في مصر تقف بلا تردد إلى جانب الطلاب، وكانت تقول أيضًا إن الطلاب بحركتهم إنما ملؤوا فراغًا تنظيميًا فادحًا تعاني منه البلاد. وإنهم طليعة مصالح فئات اجتماعية

عريضة وليسوا حركة طلاب عادية". وأيّد بيان نقابة المهندسين حركة الطلاب، قيادةً وقاعدةً، مضمونًا وأسلوبًا. وأصدر خمسة من كبار الكتّاب في مصر بيانًا لم يُنشر، وذكروا فيه: "إذا كان قد شابت مطالب الطلبة ونداءاتهم بعض الأخطاء أو بعض الشطط في التفكير أو في التعبير، فإنما مردّ ذلك إلى حماس الشباب أو اندفاعه أو نقص في الخبرة السياسية، وليس نقصًا في الوطنية".

رابعًا: الجامعة باعتبارها حقل نزاع

يقع جزء كبير من وظيفة التنشئة الاجتماعية للطلاب على عاتق الأساتذة الجامعيين، بما في ذلك التكوين السياسي في حالة سيادة تأييد السلطة والامتثال لها. ولكن الأساتذة، واقعيًا، يُعلّمون ويبحثون

ويقدّمون مساهمات فكرية داخل الجامعة وخارجها، باستقلالية نسبية عما هو مقرر وسائد. فمساهمة البحوث العلمية أو تقديم "قيمة مضافة" تعني الخروج عمّا هو سائد في اختصاصاتهم. وهذا يقع

تحت اسم "الحريات الأكاديمية". وفضلًا عن ذلك، يدخل الأساتذة فيما بينهم في نزاعات معلنة أو خفية حول أمرين: المكانة والموقف. تتعلق المكانة، وهي التي توقّف عندها بورديو، بالموقع من هرمية السلطة في الجامعة وبالموقع الاجتماعي عمومًا؛ حيث إن هناك تراتبية (جامعية واجتماعية) بين أساتذة الاختصاصات المهنية (طب، وهندسة، وإدارة أعمال، وقانون... إلخ) وأساتذة الاختصاصات غير المهنية. وداخل الأخيرة، هناك تراتبية بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. أما الموقف، فيتعلق باتجاهات الأساتذة الفكرية، التي تنجم عنها نزاعات معلنة أو مضمرة تخترق التراتبيات. فقد يتمتع أستاذ في الفلسفة أو في علم الاجتماع أو التاريخ بمكانة اجتماعية عالية (غير مالية أو غير مهنية) بسبب أفكاره وكتاباته، وقد ينعكس ذلك على مكانته داخل الجامعة نفسها، وقد يدخل على أساسها في نزاعات مع زملائه، فضلًا عن نزاعه المحتمل مع إدارة الجامعة. ويحتمل هذا التطور تعرّض

الأستاذ المعني للطرد أو أيّ شكل آخر من أشكال العقاب كلما تعارضت أفكاره وأفعاله مع اتجاه التنشئة الاجتماعية ومسّت النظام القائم. وقد شهد تاريخ التعليم العالي في تونس ومصر وقائع من

هذا القبيل في أكثر من محطة. وحصيلة هذه النزاعات وجود تيارات في الجامعة نفسها وفي التعليم العالي عمومًا وخارجه، يعبّر عنها المثقفون، بمن فيهم الأكاديميون الذين تقاعدوا من التعليم وتابعوا

نشاطهم الكتابي، وكل الخريجين الذين يمارسون العمل الثقافي والسياسي. وهذه التيارات تصل موجاتها إلى الطلاب.

(5((غالي شكري، الثورة المضادة في مصر، كتاب الأهالي 15 القاهرة: الأهالي (، 1987)، ص.118–116 ((5(الكتّاب الخمسة هم: توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وحسين فوزي، ولويس عوض، وأحمد بهاء الدين. ينظر: رزة،

ص.369

(57) Bourdieu.

يعدّ الطلاب الأكثر قابلية للخروج من الأطر التي ترسمها التنشئة؛ فالطبع الاجتماعي Habitus الذي يتكون من حصيلة التنشئة يتضمن تجاوزه. صحيح أنهم يودّون "التعلم" للحصول على مكانة اجتماعية بعد التخرّج، لكنهم، وبوصفهم شبابًا، يميلون إلى التمرّد الذي قد يأخذ شكل الإبداع

الفردي، أو العمل الجماعي Collective Action، كالشغب Trouble، أو الاحتجاج Protest. وعلى العموم، تكون مجموعات الأقران Peer Groups والهويات الجماعية هي الحاضن لنزعات التمرد الجماعي. إن استعداد الأساتذة للانخراط في النزاع، واستعداد الطلاب للانخراط في التمرد، أمران كامنان في الحياة الجامعية، ويحتملان التفعيل في سياقات معينة، وتأتي الأزمات الاجتماعية والسياسية، وما يرافقها من صراعات سياسية لتغذيتهما وإطلاقهما. فالتعليم العالي هو "مكان للصراعات والتوترات التي تشكل بالطبع جزءًا من السياق الأوسع للمجتمع العالمي، ولكنها تنشأ أيضًا من

ديناميكية خاصة بالمؤسسة". واعتمادًا على ما سردنا من وقائع الانتفاضات الطلابية مقارنةً بقلة الاحتجاجات لدى الفئات الاجتماعية الأخرى، يمكن القول إن الأساتذة والطلاب، من بين سائر الفئات الاجتماعية، هم الأكثر حساسية تجاه هذه الأزمات والأكثر استعدادًا للانخراط في مواجهتها، والأكثر جاهزية وسرعة في هذا الانخراط. ويقع الانفجار في أوقات الأزمات العامة. والفترة التي تناولتها الدراسة هي فترة أزمات حكم، وأزمات وطنية وقومية. وهكذا، يمكن فهم انخراط الأساتذة أحيانًا في الاحتجاجات. ففي مصر، كانت بواكيرها احتجاجًا

على حكم العسكر، فقد طالب مجموعة من الأساتذة بتسريع العودة إلى الحياة الدستورية وإلغاء الأحكام العرفية وحل "مجلس الثورة". وكانت النتيجة أنه طُرد نحو ستين من أعضاء هيئة التدريس، ما بين معيد ومدرس مساعد ومدرس وأستاذ، في جامعة القاهرة، من عملهم من دون إبداء أيّ مبرر لذلك الإجراء، في أيلول/ سبتمبر 1954. وكان الضحايا من اتجاهات مختلفة: مؤيدون لمحمد نجيب، وذوو ميول وفدية، ويساريون، وإخوان مسلمون، وآخرون "ممن يتّسمون بشجاعة القول". وبعد ذلك، ظهر الأساتذة على مسرح الاحتجاجات أكثر من مرة في مصر. ففي انتفاضة تشرين الثاني/ نوفمبر 1968، شكل المعتصمون في كلية الهندسة في جامعة الإسكندرية عدّة لجان،

منها واحدة للمتابعة، أسندت مسؤوليتها إلى أحد الأساتذة الذين كانوا يؤيدون الطلاب وأسهموا بقدر

كبير في انتفاضتهم. وخلال الانتفاضة نفسها، ألقي القبض على عدد كبير من طلاب كلية الهندسة

(58) Brian Donahoe et al., The Formation and Mobilization of Collective Identities in Situations of Conflict and Integration (Halle/ Saale: Max Planck Institute for Social Anthropology, 2009). (59) Iman Farag, "L’université Égyptienne: Enjeux et modes de mobilisation," Maghreb–Machrek , vol. 1, no. 127 (1990), p. 66.

6(((دونالد مالكوم ريد، دور جامعة القاهرة في بناء مصر الحديثة، ترجمة إكرام يوسف (القاهرة: مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر، 1997)، ص.296

وأعضاء هيئة التدريس في جامعة الإسكندرية. ووُجّه قرار اتهام بقلب نظام الحكم إلى الطلاب وثلاثة من أعضاء هيئة التدريس وثلاثة من الخريجين. وأحيل معيدان إلى مجالس تأديب في الجامعة. وفي انتفاضة كانون الثاني/ يناير 1972 توافد عدد من المثقفين والصحافيين والشعراء من خارج الجامعة إلى قاعة الاحتفالات. وبناء على هذا، يمكن أن نجد مديرًا للجامعة يتعاطف مع الطلاب مثله مثل أيّ أستاذ. وحصل ذلك

في احتجاجات 1972 في مصر. وبحسب شهادة أحمد هشام، وصل مدير جامعة القاهرة إلى حد الاعتراف باللجنة الوطنية العليا مماثلًا شرعيًا لطلاب الجامعة وبديلًا من الاتحاد الطلابي الرسمي.

وهذا نادر الحصول في ذلك الزمن. بل شهدنا عكسه عمومًا. وحصل في تونس ما حصل في مصر، ولكن قوة النشاط السياسي المنظم في تونس، ربما، جعلت الأساتذة الأفراد أقل علانية. ويفيد أحمد نظيف فيما كتبه عن ميشيل فوكو، ماثلًا، عندما كان يدرّس في تونس في الستينيات أنه "انخرط بقوة في دعم 'العمل الثوري' لتجمع الدراسات الاشتراكية المعروف باسم 'برسبكتيف'، وأنه حوّل سكنه في سيدي بوسعيد إلى مقرّ لاجتماعات الطلاب المناضلين

وقامت حركة 'برسبكتيف' بنقل الآلة الناسخة التقليدية إلى داره، فتمت هناك كتابة المناشير وطبعها. بل ذهب فوكو إلى أبعد حد في مساعداتنا فكان يحمل الطالب حاتم الزغلّ في سيارته كل ليلة ليوزع المناشير في أنحاء عديدة من مدينة تونس ويبقى فوكو في سيارته يترصد". ومن المرجح أن كثيرين من الأساتذة الجامعيين في تونس كانوا منخرطين في العمل السياسي اليساري. وفي انتفاضة 1972، وقّع نحو 150 أستاذًا رسالة إلى رئيس الجمهورية دعوه فيها إلى إيجاد حل سليم للأزمة. في حين وجّه عمداء الكليات رسالة موقّعة في 12 نيسان/ أبريل 1972 إلى الرئيس بورقيبة طالبوه باتخاذ قرار سليم يقضي بانتخاب هياكل جامعية وإصلاح التعليم العالي. وفي كل الأحوال، هناك تفسيران لهذا الانعدام النسبي للظهور العلني للأساتذة في تونس؛ الأول هو الدور المركزي للتنظيم السياسي

(اليساري)، أما الثاني فيتعلق بحداثة الجامعة التونسية (ُأنشئت في عامُ 1960) مقارنةً بالجامعات المصرية التي كانت فاعلة في الاحتجاجات في حقبة الستينيات. ففي منتصف الستينيات، كان

عدد مدرّسي الجامعة التونسية 156 مدرّسًا بينهم فقط 76 مدرسًا تونسيًا. وفي عام 1968 لغيت، أُ

إدارة الجامعة التونسية بعد قمع الانتفاضة. وجرى ربط الكليات والمؤسسات العليا مباشرة بإدارة التعليم العالي التي استُحدثت في صُلب كتابة الدولة للتربيةَ القومية. واختفت تمامًا، بوصفها جامعة، طوال 18 عامًا، على الرغم من استمرار التعليم العالي في التطور والانتشار؛ بمعنى أن الهيئة التعليمية الجامعية أصبحت مشتتة بين وحدات أكاديمية (كليات ومعاهد)، ولا توجد أي علاقة أفقية فيما بينها.

(6((مجاهد، "الحركة الطلابية 1973–1972: شهادة أحمد هشام." 6(((أحمد نظيف، "ميشيل فوكو في تونس... عن اليسار والحركات الطلابية والجنس وإسرائيل"، رصيف 22، 2021/3/30،

شوهد في 2025/10/29، في: https://cutt.ly/Br7O1ZNl

(6((تأسست جامعة القاهرة في عام 1908، وجامعة الإسكندرية في عام 1942، وجامعة عين شمس في عام.1950 (((6 منير السعيداني، "الحركة النقابية لمدرسي الجامعة التونسية"، عمران، مج 4، العدد  13 (صيف 2015)، ص 112، 119،.121

أما النقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي، فقد أنشئت في عامُ 1971، وكانت جزءًا من الاتحاد العام التونسي للشغل، الموالي آنذاك للحكومة. وكانت مناصفة بين الشيوعيين والدستوريين. وكان أول إضراب لهم عام 1972 على خلفية المطالبة بالترفيع في الأجور، مع بعض النزاع بين الشيوعيين واليسار الجديد. صحيح أن الطلاب في تونس كانوا أيضًا مشتتين بين هذه الوحدات الأكاديمية، لكن اتحاد الطلبة الذي تأسس في عام 1953 في فرنسا قبل نشوء الجامعة التونسية جمعهم وأوجد لاحقًا دينامية نزاع مع السلطة السياسية تنامت مع الوقت إلى أن انفجرت في انتفاضة عام 1968، ثم في انتفاضة عام 1972. ويعزى الفضل في هذا إلى الجهة التي قدّمت إجابات بديلة للطلاب في مواجهة إجابات اتحاد الطلبة والحزب الدستوري إبان الأزمة؛ وهي اليسار الجديد. عندما عُقد اجتماع طلابي، في 15 آذار/ مارس 1968، في كلية 9" أفريل" في تونس العاصمة، وكان بدايةً لموجة الاحتجاجات الأولى في تونس، كان تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي اليساري، الذي تأسس في فرنسا في عام 1963، وانتقل إلى تونس في عام 1964، قد نشر أفكاره النقدية لنظام بورقيبة بين الطلاب عبر نشرة برسبكتيف. ولم يكن لهذه الأفكار أن تنتشر بين الطلاب لولا استعدادهم لتلقّيها، وللتمرد أيضًا. وقد وجد التجمع في نكسة حزيران/ يونيو 1967 مناسبة لإطلاق التظاهرات ضدّ الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد شكّل عنف الحكومة ضد المحتجين مسوغًا لمواصلة التمرد على نظام بورقيبة. انتهت انتفاضة عام 1968، وبدا كأن تجمّع آفاق انتهى مع الضربات الأمنية لقياداته وأعضائه. لكن عمق

جذوره بين أبناء جيله جعله ينبت من جديد بصيغة أخرى. وهذا ما يسميه فطين حفصية "برسبكتبف البنت" تارة و"برسبكتيف 2–" تارةً أخرى، مع إنشاء تنظيم "برسبكتيف – العامل التونسي" المرتكز "في أدبياته على الموروث الماوي والتروتسكي وإعلان وجود اليسار الماركسي في تونس [...] من أجل خدمة الطبقات الكادحة والتعريف بكفاح العمال التونسيين أينما كانوا". وكان "النص" الجديد يعطي الأولوية للطبقة العاملة، ساعيًا، بحسب حفصية، لإحداث "ثورة داخل الثورة" وإيجاد

"وعاء تنظيمي سياسي يتبنّى الماركسية صيغةً عامة، وينظّم نضالات شعبية في المعركة مع النظام"، بحسب أبو السعود الحميدي، الناشط السياسي السابق في صفوف آفاق، وسياسة "القرب النصي" مع البروليتاريا بتوزيع أعداد من نشرة العامل التونسيبالدارجة التونسية في المهجر والداخل "بَاشْ (حتّى)

تخدم الطبقات الكادحة وتْعرّف بْكِفاح العمّال التّوانْسَة وِينْ (أيْنمَا) كَانُوا". لكن لا يسع المراقب إلا أن

يلاحظ أن المنشورات التي تصدر عن التنظيم حول الطبقات الكادحة كانت تحفز الطلاب، وكأنها كُتبت لهم، وليس للعمال. ويلاحظ هذا الأمر من اقتباس حفصية لهذه العبارة: "الأمر الذي كان له تأثير

6(((ضيف الله، "جامعة تونس أُمّ الجامعات التونسية"، ص.318 (((6 حفصية، ص.24

مباشر على تجذّر النضال الديمقراطي في الجامعة التونسية في صفوف الطلبة الذين قاموا بانتفاضة عارمة في 5 فيفري.1972 " ثم نشأت منظمة يسارية ثانية من رحم آفاق واليسار عمومًا اسمها "الشّعلة". وقد نعتت هذه المنظمة منذ البداية تجربة العامل التونسي بالانحراف التروتسكي في الحقول الشبابية والطلابية والثقافية والنقابية. ودخل هذان التنظيمان المتوازيان في تنافس وصراع حول طبيعة المجتمع والثورة والقضايا القومية والدولية. وكانت حركة المرور بينهما نادرة جدًا، واقتصرت على بعض العناصر. لكنهما التقيا، بحسب ما يقول حفصية، على فكرة تأسيس حزب الطبقة العاملة واتخاذ الماوية "ديانة" مع اتجاه أكثر راديكالية للشعلة لبناء الحزب الماركسي اللينيني تحت "نيران العدو" وفي ضوء النظرية الثورية، وبإفراز من الحركة الجماهيرية نفسها وليس "بشكل فوقي". حُظر الحزب الشيوعي في تونس في عام 1963، والسبب، بحسب بورقيبة، أن الشيوعيين ساهموا

في "المؤامرة" بكتاباتهم وبياناتهم، و"خَّْرْطُوا عْلِينَا النّاس" (جَعلُوا الناس أكثر جسارة ضدنا).

وأصبحت الساحة فارغة يساريًا في انتظار مجموعة آفاق. ومع حضورها، انتعشت الأفكار الماركسية بين الطلاب. أما في مصر، فقد حلّ الحزب الشيوعي المصري والحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) في عام 1965، باعتبار أن الاتحاد الاشتراكي يلبّي مصالح الجماهير، وأن سياسات عبد الناصر

الاجتماعية، وبخاصة قانون الإصلاح الزراعي (1952) والتأميمات وبناء السد العالي ونشر التعليم المجاني وتوظيف خريجي الجامعات وغيرها، هي في صلب برامج الحزب الشيوعي، وأنه يجب أن يساعد في بناء "الدولة الاشتراكية الجديدة". هذا فضلًا عن أن عبد الناصر حليف الاتحاد السوفياتي. لذلك، عندما وقعت نكسة حزيران/ يونيو 1967 كانت الساحة خالية، حتى في الجامعة، من الأحزاب اليسارية. كان الاتحاد الاشتراكي نفسه في صفوف الطلاب يساريًا عمومًا في نسخته الناصرية، وهذا يشمل الشيوعيين السابقين والمستجدين. لذلك، شهدنا في كل الانتفاضات الطلابية المصرية في تلك الفترة مشاركةً ما من فاعلين في هذا الاتحاد، بل أصبح الناصريون أنفسهم في صف الاحتجاجات

(((6 المرجع نفسه. (6((المرجع نفسه، ص.25 (6((هي تمرد عسكري في صيغة "انقلاب"، بحسب توصيف السلطات التونسية، ضد سلطة بورقيبة ونظامه السياسي. اتهم بالمشاركة فيه عسكريون ومقاومون سابقون للقوات المسلحة الاستعمارية الفرنسية. اكتشفت السلطات التونسية مخطط التمرّد في

كانون الأول/ ديسمبر 1962، وقبضت على ما بين 200 و 004 من "المتآمرين". وفي 31 كانون الأول/ ديسمبر، أحالت النيابة العسكرية 26 متهمًا منهم بتهمة التآمر على أمن الدولة، وحوكم 11 منهم بالإعدام، والعشرات غيرهم بأحكام مختلفة. (7((حفصية، ص.20 7(((جينارو جيرفازيو، الحركة الماركسية في مصر، 1981–1967، ترجمة بسمة محمد عبد الرحمن وكاردميني كارتولانو (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص.213

ضد السادات بعد تسلّمه الحكم واعتماده سياسة خفية ثم مكشوفة لمحو الناصرية والناصريين من الجامعات بدعم المجموعات الإسلامية ضدهم. في الانتفاضة الأولى (21 شباط/ فبراير 1968)، تحول المؤتمر الذي دعت إليه منظمة الشباب في الاتحاد الاشتراكي حول موضوع أحكام الطيران إلى تظاهرة ضخمة طافت كليات الجامعة رافعةً شعارات التغيير، ومطالبة بالحريات، ومستنكرة أحكام قيادات الطيران. وكان الأمر عفويًا جدًا. وكان عمال حلوان قد خرجوا في التظاهرات تحت قيادة مقرر منظمة الشباب الاشتراكي في المصنع. في الانتفاضة الثانية (تشرين الثاني/ نوفمبر 1968)، بادر الاتحاد إلى تنظيم مسيرة الاحتجاج التي

أطلقت فيها هتافات ضد الحكومة. وفي انتفاضة عامُ 1972، حاول الاتحاد أن يكون مؤيدًا ومعارضًا هنا وهناك في الوقت نفسه. وقد أصدر اتحاد طلاب جامعة القاهرة بيانًا يدعو إلى الإفراج عن المعتقلين، وأعلن تأييده للحركة، وسجّل "الخطوات الديمقراطية للسيد الرئيس". أما في جامعة

عين شمس، فقد انقسم بين مؤيد للنظام ومؤيد للمحتجين. كان المزاج اليساري للطلاب الناصريين، وعموم طلاب الجامعات الذين خضعوا للتنشئة السياسية في إطار النظام الناصري، يتسم بولاء واضح لعبد الناصر وإيمان بشعاراته القومية والاشتراكية. لكن الأحداث غيّرت ذلك، وأبرزت قوى يسارية جديدة؛ ما تسَّبَب في ظهور الاحتجاجات الطلابية

واندفاعها إلى الأمام وإحداث أربع موجات. مثلت هزيمة حزيران/ يونيو 1967 ضربة قاسية لليسار المصري الرسمي، ويُظهر "تحليل صفحات مجلة الطليعة اليسارية أن الموضوع الرئيسي للمقالات المنشورة بعد الهزيمة هو 'النقد الذاتي' بلا منازع"، فضلًا عن نقد "الطبقة الجديدة" من البيروقراطية والتكنوقراط. وكانت المجلة قد

أنشئت في عامُ 1965، وكُلّف لطفي الخولي بإداراتها، ومثّلت الإرث الرسمي للماركسية، بدعم من الحكومة مقابل الولاء للثورة. في هذه الأجواء، ظهرت مجموعات من اليسار الجديد، فيما يسمّيه جينارو جيرفازيو "الحركة الشيوعية

الثالثة". وهو يرى في شعارات اليسار الجديد التي رُفعت في جامعة القاهرة في مطلع السبعينيات "استلهامًا واضحًا من الحركة الطلابية في فبراير 1968" ويقول، استنادًا إلى ما كتبه بهاء الدين شعبان،

إن المناضلين المصريين الشباب ولجوا إلى عالم الأيديولوجيا الماركسية من "باب الوطنية"، وإن المولد الحقيقي لليسار الجديد جاء من الجامعة. ويقدّم كتاب المبتسرون لأروى صالح دليلًا على أن تنظيم اليسار الجديد يقوم على قاعدة مفرطة في السرية وعلى الطريقة الستالينية، وعلى

(7((أسعد، ص.33 (7((جيرفازيو، ص.227 (((7 المرجع نفسه، ص 252، 254،.255 (7((معنى الكلمة المولودون قبل الأوان، والعنوان مقتبس من قول لغرامشي: "حيث يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد"، الذي يحيل إلى نظريته في الهيمنة الثقافية.

علاقة بالسلطة مارسها المتمرسون ضمن التشكلات الماركسية المنظمة على الوافدين الجدد إلى الجامعة. وعلى أي حال، لا تسمّي صالح، التي تتحدث في كتابها عن تجربتها مع الماركسية في تلك الفترة وإحباطها، المجموعة التي كانت تنتسب إليها. ولكن حنا السيسي كاتب مقال "أروى صالح والجيل الضائع في الماركسية المصرية" يشير إلى أنها كانت قائدة طلابية في مطلع السبعينيات، وأنها كانت عضوًا في حزب العمال الشيوعي المصري. في ساحات الجامعات، تزامن وجود ثلاث مجموعات من اليسار الجديد، هي حزب العمال الشيوعي المصري و 8" يناير" والمطرقة. وكانت العلاقة بينها تتّسم بالعداء والصدام في بعض الأحيان، سواء داخل الجامعة أو خارجها. وإلى جانبها، كان هناك تياران من اليسار المستقل، أحدهما نادي الفكر الاشتراكي، والثاني نادي الفكر الناصري. وكانت هناك جماعة أنصار الثورة الفلسطينية التي تضم خليطًا من الطلاب الشيوعيين والناصريين والديمقراطيين الملتزمين، وهي مجموعة نشطة، تتداخل في خطابها القضيتان الاجتماعية – السياسية والوطنية – القومية. وقد ظهرت في كلية الهندسة في جامعة القاهرة وانتشر نفوذها ليعمّ الجامعة بأسرها، بل وصل إلى جامعات أخرى وخصوصًا جامعة عين شمس. وقد تلاقت في أفكارها مع اليسار الجديد باعتماد حرب فيتنام والثورة الكوبية وتشي غيفارا وماو تسي تونغ نماذج تدمج بين التحرّر الوطني والتحوّل الاجتماعي والسياسي.

مناقشة وخاتمة

كانت الاحتجاجات الطلابية ما بين عامَي 1968 و 1973، في تونس ومصر، تعبيرًا عن سخط الطلاب

تجاه الأزمات التي يعانيها كل بلد في تلك الفترة. وظهر هذا التعبير بدايةً انفعاليًا، بمعنى الغضب،

ولكنه كان عميقًا بعمق الأزمة السياسية. وعمليًا، امتدت الاحتجاجات على مدار أربع إلى خمس

سنوات. وتحرّك الطلاب أكثر من غيرهم من فئات المجتمع الأخرى، وأحيانًا دون غيرهم. وهذا

ربما يقدّم دليلًا على ثلاثة أمور: 1. يشكّل الشباب الجامعي (الطلاب) نوعًا من الحسّاس Sensor للأزمات الاجتماعية، 2. يمتلكون رصيدًا ومهارات ومشروعية ويعيشون في شروط (الجامعة) تجعلهم قادرين على التحرك، وعلى تقديم قيم وأهداف بديلة وإحداث بلبلة في النظام العام الذي تضبطه السلطة السياسية، 3. ليسوا متصلين في تمردهم بالفئات الاجتماعية الأخرى، أو كانت الحركة الاجتماعية التي انخرطوا فيها خلال تلك السنوات مستقلة نسبيًا عن الحركات الاجتماعية الأخرى. من المهمّ التأكيد أن احتجاجات تونس ومصر لم تكن انعكاسًا تلقائيًا لأحداث عام 1968 في فرنسا،

والعالم، وإلا لكانت انتهت معها، بل هي أصلًا انطلقت قبل أيار/ مايو من ذلك العام. وعلى هذا

(((7 المرجع نفسه، ص.266–265 (((7 أروى صالح، المبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية (القاهرة: دار النهار،.)1997

(78) Hannah ElSisi, "Arwa Salih and the Lost Generation of Egyptian Communism," JACOBIN , 9/28/2020, accessed on 29/10/2025, at: https://cutt.ly/er7O8sNg

(7((خليل، ص.195–193

الأساس، هناك فرقان جوهريان بين ما جرى في تونس ومصر وما جرى في فرنسا. الفرق الأول، أن طلاب فرنسا أطلقوا شعارات وقيمًا تتعلق بالنظام الاجتماعي، وليس بالحكومة فحسب، وهذا

يشمل النظام الرأسمالي ونظام القيم، منها ماثلًا: "تمتعوا من دون عائق " Jouissez sans entraves و"ممنوع المنع" و"كونوا واقعيين، اطلبوا المستحيل". ومثل هذه القيم والأفكار لم تُطرح بتاتًا في مصر أو تونس علنًا. وربما استند الوزير الأول نويرة، في اتهاماته الأخلاقية للمحتجين في تونس، إلى تسريبات نقلتها له أجهزة الأمن عن هذه العلاقات لتبرير اتهاماته للطلاب المحتجين. ولم يكن ممكنًا أن تُطرح في البلدين شعارات تحمل قيمًا تتعلق بالحريات الاجتماعية بسبب البيئة المحافظة وخاصة

في مصر، ولأن القوى السياسية الأخرى (غير اليسار الجديد) الحاضرة في الجامعات كانت ستتحول إلى عدو أشرس من الحكومة نفسها. وكانت السرية التنظيمية تحيط باليسار الجديد، وعلى الأرجح السرية الاجتماعية. وهذا المزيج بين أثر السلطة السياسية (خارج التنظيم اليساري) وسلطة التنظيم (داخل التنظيم اليساري) هو مصدر الإحباط الذي عبّرت عنه أروى صالح. ويتمثل الفرق الثاني في أن التحركات في فرنسا أطلقها الطلاب، لكنها تحولت إلى عصيان اجتماعي عام. فقد توسعت ثورة الطلاب في باريس والمدن الجامعية نحو الطبقة العاملة وجميع فئات السكان تقريبًا، وفي جميع أنحاء البلاد، لتشكّل الحركة الاجتماعية الأكثر أهمية في القرن العشرين في فرنسا.

وبناء عليه، تبدو احتجاجات الطلاب في البلدين مستقلة نسبيًا عن حركات الاحتجاج الأخرى في

المجتمع. تأثرت الاحتجاجات في البلدين بقوة بما حصل في العالم في ذلك الوقت، لجهة الإجابات الراديكالية حول النظام السياسي التي استحضرها اليسار الجديد فيهما، وكذلك المجموعات السياسية الأخرى التي وجدت في ماو تسي تونغ وغيفارا وفيتنام نماذج تُحتذى في الصراع مع إسرائيل. وقد نقل هذا التبني القضيةَ من المستوى الاجتماعي إلى المستوى الوطني والقومي (تحرير الأرض ودعم الثورة الفلسطينية)، وخاصة في مصر. وبهذا المعنى، كان المزاج السياسي لدى الطلاب في تونس يساريًا راديكاليًا، في حين كان في مصر يساريًا اشتراكيًا – قوميًا. وغالبًا ما اتّهمت السلطات السياسية في

البلدين الطلاب المحتجين بالخيانة، أو العمل لصالح جهات أجنبية لكي تسوّغ قمعها لهم. وفي جميع الأحوال، أظهرت الحركات الطلابية الاحتجاجية في البلدين مكانة الجامعة بوصفها

حقلَ نزاعٍاجتماعي. فالطلاب الذين كانوا، قبل 5 حزيران/ يونيو 1967 في مصر، موضوعًا لعملية تنشئة اجتماعية تستند إلى مرجعية "ثورة 23 يوليو"، أصبحوا بعد هذا التاريخ على استعداد للتمرّد.

واحتاج الأمر إلى بعض الوقت (حتى صدور أحكام الطيران)، لكنّه انفجر بقوة، ونمت على قاعدته "جامعة" موازية، يتداول فيها الطلاب أفكارًا ثورية، وينهلون من خارج "المنهج الرسمي" للجامعة

(80) ElSisi, pp. 87–100.

(8((انتشر شعار Vivre sans temps mort, jouir sans entraves" " على الجدران في باريس، وخاصة في جامعتَي السوربون

ونانتير في احتجاجات 1968 في فرنسا. وأساس الجملة ما ورد في كتاب لراوول فانجيم، ينظر:

Raoul Vaneigem, Traité de savoir–vivre à l’usage des jeunes générations (Paris: Gallimard, 1967).

أفكارًا ونزعات تتحدّى النظام السياسي برمّته. أما في تونس، فقد كان "منهج التمرد" أكثر جاهزية بفضل نشاط تجمّع آفاق منذ عام 1964، لكن النتيجة كانت هي نفسها في البلدين: تمرّد الطلاب على

النظام القائم. يمكن القول إن هذا التمرد نخبوي الطابع، بقدر ما تعدّ الجامعة نخبوية المكانة، وهو تمرد على النظام السياسي، وليس على السلطة الجامعية، نظرًا إلى اعتبار الأخيرة تابعة مباشرة للنظام، وأن قضية

الطلاب (والأساتذة) العميقة تتعلّق بدورهم في اتخاذ القرارات (حوكمة التعليم العالي). وهكذا، يكشف تحرك الطلاب عن العلاقة بين أزمة السلطة السياسية وأزمة السلطة الجامعية، التي كانت مستترة تحت عناوين أيديولوجية وعلاقات أبوية، تعتّم على الفرق بين السياسات المعلنة والسياسات القائمة فعلًا. قد تُظهر الاحتجاجات في البلدين الجامعةَ على أنّها كانت موقعًا للنزاع أكثر مما كانت حقلًا له، لكن النزاع المستمر بين هيئات السلطة الطلابية (الاتحاد) وطلاب التمرد (المجموعات البديلة)، أو قضية حوكمة الجامعة، يظهر خصوبة الحقل الجامعي، من ناحية أثره في الطلاب على الأقل. وهذا يفرض التوسع في البحث في هذه النقطة. وتحتاج نقطة انطلاق الاحتجاجات إلى مزيد من السبر، وكذلك تحتاج نقطة انتهائها إلى المتابعة بحثًا عن التحّولّات اللاحقة. ولعل ذلك يلقي المزيد من

الضوء لفهم منطق الحركات الاجتماعية عندما تكون الجامعة هي المعنية، ويكون الطلاب الفاعلين.

تنويه

هذه الدراسة مستلّة من مشروع بحثي أوسع عنوانه "أجيال الشباب العربي المتمرد" حاصل على منحة بحثية من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

المراجع

References

العربية

أسعد، رماح. سطور من يوميات الحركة الطلابية المصرية 1973–1968. القاهرة: الدار للنشر والتوزيع،.1987 الأمين، عدنان. التنشئة الاجتماعية وتكوين الطباع. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،

جيرفازيو، جينارو. الحركة الماركسية في مصر، 1981–1967. ترجمة بسمة محمد عبد الرحمن وكاردميني كارتولانو. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010

(82) Laurent Gervereau, "Les affiches de 'mai 68'," Persée , 1988, pp 160–171;

ينظر أيضًا:

"Mai 68 en 10 slogans inoubliables," ELLE , accessed on 3/11/2025, at: https://acr.ps/hBxVKqe

خليل، كمال. حكايات من زمن فات. القاهرة: بيت الياسمين للنشر والتوزيع،.2012 رزة، أحمد عبد الله. الطلبة والسياسة في مصر. ترجمة إكرام يوسف. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2007 ريد، دونالد مالكوم. دور جامعة القاهرة في بناء مصر الحديثة. ترجمة إكرام يوسف. القاهرة: مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر،.1997 السعيداني، منير. "الحركة النقابية لمدرسي الجامعة التونسية". عمران. مج 4، العدد  13 (صيف

سير عشر جامعات حكومات عربية. عدنان الأمين [محرر]. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 شعبان، أحمد بهاء. انحزتُ للوطن، شهادة من جيل الغضب، صفحات من تاريخ الحركة الوطنية الديمقراطية لطلاب مصر (1977–1967). القاهرة: مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر،.1998 شكر، عبد الغفار. منظمة الشباب الاشتراكي: تجربة مصرية في إعداد القيادات (1963–1976). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004 شكري، غالي. الثورة المضادة في مصر. كتاب الأهالي 15 القاهرة: الأهالي.،.1987 صالح، أروى. المبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية. القاهرة: دار النهار،.1997 ضيف الله، محمد. أزمنة الحركة الطلابية التونسية 1991–1910. تونس: المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر،.2020 'مانيفستو' اليسار التونسي. تنسيق ياسين النابلي. تونس: المفكرة القانونية،.2023 مبارك، هشام. الحركة الطلابية: محاولة للفهم، حول التوصيف الاجتماعي للطلبة ودورهم في الحركة السياسية. ط  2. القاهرة: مؤسسة حرية الفكر والتعبير،.2008 مسيرة الاتحاد العام لطلبة تونس: شهادات بعض المؤسسين والقياديين. تنسيق وتقديم محمد ضيف الله. تونس: منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات،.2010

الأجنبية

Abdallah, Ahmed. The Student Movement and National Politics in Egypt 1923–1973. London: Saqi Books, 1985. Altbach, Philip G. Student Politics in America: A Historical Analysis. New Brunswick/ London: Transaction Publishers, 1997 [1974]. Apostolidès, Jean–Marie. "La génération 68 en France et le changement des valeurs." Horions Philosophiques. vol. 12, no. 2 (2002).

Bourdieu, Pierre. Homo Academicus. Paris: Les Éditions de Minuit, 1984. Bourdieu, Pierre & Jean–Claude Passeron. La reproduction: Eléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les Éditions de Minuit, 1970. Donahoe, Brian et al. The Formation and Mobilization of Collective Identities in Situations of Conflict and Integration. Halle/ Saale: Max Planck Institute for Social Anthropology, 2009. Durkheim, Emile. Education et Sociologie. 2 ème éd. Paris: PUF, 1966. ________. L’Evolution pédagogique en France. 2 ème éd. Paris: PUF, 1969. Farag, Iman. L’université Égyptienne: Enjeux et modes de mobilisation." Maghreb– Machrek. vol. 1, no. 127 (1990). Gervereau, Laurent. "Les affiches de 'mai 68'." Persée. 1988. Hampton, Rosalind. Black Racialization and Resistance at an Elite University. Toronto: University of Toronto Press, 2020. Tarrow, Sidney. Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1998. Tilly, Charles & Sidney G. Tarrow. Contentious Politics. 2 nd ed. New York: Oxford University Press, 2015. Vaneigem, Raoul. Traité de savoir–vivre à l’usage des jeunes générations. Paris: Gallimard, 1967.