المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة: اللباس والتديّن
Shared Knowledge in Daily Life: Dress Codes and Religiosity
الملخّص
مرتبطة بعموم الناس كالصلاة، اللباس، اختيار الشريك، والقروض المصرفية. وتحاول هذه المقالة إبراز أهمية دراسة التدين في علاقته بالمعرفة المشتركة والنقص الذي قد يعتري التحليل الذي يقتصر على خطاب المختصين، علماء كانوا أو أيديولوجيين. لا نجد أي تعارض بين دراستي التدين والاستعمالات الأيديولوجية لدين ما. لهذا الغرض نقترح بعدًا آخر ينطلق ويشدد على دراسة المعرفة المشتركة من دون إغفال علاقاتها بالاستعمال الأيديولوجي للدين. إن نجاح الأيديولوجيات يعتمد على القدرة على تبسيط مقترحاتها وجعلها في متناول الجمهور العريض. والمثل الأعلى للأيديولوجيات الشمولية هو اختراق مختلف المجالات المجتمعية وغزوها، انطلاقًا من ما هو مرئي، كالهندام واللباس، إلى ما هو حميمي، كالأذواق الموسيقية و الحياة الجنسية. وهذا ما يفسر اختيارنا للباس المرأة الذي أصبح موضوعًا للخطاب الديني والأيديولوجي وعنصرًا بارزًا للتدين. وأبرزنا أن المعرفة المشتركة بخصوص اللباس التقليدي كانت المهيمنة بمفرداتها وتصنيفاتها وتبريراتها، بينما كان الخطاب الأيديولوجي هامشيًا والخطاب الديني شبه غائب. وصّفنا كيف كان الحجاب في المرحلة الأولى لانتشاره أشد ارتباطًا بالتبريرات والسلوكات الدينية. بعدها ركزنا على عملية «الروتنة» (أي الاعتياد) التي تتميز باستيعاب ما هو جديد وغير مألوف في إطار العالم المألوف الذي تهيمن عليه المعرفة المشتركة.
Abstract
Sociological studies have focused on the political and ideological uses of religion and have only rarely concerned themselves with the religious phenomena of daily life linked to ordinary people, such as prayer, clothing, the choice of a spouse, and bank loans. This article tries to highlight the importance of studying religiosity in its relationship with shared knowledge. The author sees no contradiction between the study of religiosity and of the ideological uses of religion. The success of ideologies depends on the ability to simplify their ideas and make them available to the masses, and ideally to penetrate and conquer the various spheres of society, starting with the visible, such as appearance and clothing, and moving on to the intimate, such as taste in music and sexual life. This, he stresses, explains our choice of women’s clothing, which has become a subject for religious and ideological discourse and a prominent element of religiosity. Common knowledge about traditional clothing dominated with its terminology, categories, and justification, while ideological discourse was marginal, and religious discourse largely absent. The paper goes on to describe how the headscarf was in the first stage of its spread linked most strongly with religious justifications and behaviors. Then it focuses on the process of normalization which is marked by the absorption of the new and unfamiliar in the context of a familiar world dominated by shared knowledge.
- لباس تقليدي
- مظهر خارجي
- تحديث
- إسلام سياسي
- Traditional Dress
- Headscarf
- Religiosity
- Knowledge
- Ideology
المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة:
ركزت الدراسات الاجتماعية على الاستعمالات السياسية والأيديولوجية للدين، ولم تهتم إلا نادرًا بظواهر دينية يومية
مرتبطة بعموم الناس كالصلاة، اللباس، اختيار الشريك، والقروض المصرفية. وتحاول هذه المقالة إبراز
أهمية دراسة التدين في علاقته بالمعرفة المشتركة والنقص الذي قد يعتري التحليل الذي يقتصر على خطاب
المختصين، علماء كانوا أو أيديولوجيين. لا نجد أي تعارض بين دراستي التدين والاستعمالات الأيديولوجية
لدين ما. لهذا الغرض نقترح بعدًا آخر ينطلق ويشدد على دراسة المعرفة المشتركة من دون إغفال علاقاتها
بالاستعمال الأيديولوجي للدين. إن نجاح الأيديولوجيات يعتمد على القدرة على تبسيط مقترحاتها وجعلها
في متناول الجمهور العريض. والمثل الأعلى للأيديولوجيات الشمولية هو اختراق مختلف المجالات المجتمعية
وغزوها، انطلاقًا من ما هو مرئي، كالهندام واللباس، إلى ما هو حميمي، كالأذواق الموسيقية و الحياة الجنسية.
وهذا ما يفسر اختيارنا للباس المرأة الذي أصبح موضوعًا للخطاب الديني والأيديولوجي وعنصرًا بارزًا
للتدين. وأبرزنا أن المعرفة المشتركة بخصوص اللباس التقليدي كانت المهيمنة بمفرداتها وتصنيفاتها
وتبريراتها، بينما كان الخطاب الأيديولوجي هامشيًا والخطاب الديني شبه غائب.
وصّفنا كيف كان الحجاب في المرحلة الأولى لانتشاره أشد ارتباطًا بالتبريرات والسلوكات الدينية. بعدها
ركزنا على عملية «الروتنة» (أي الاعتياد) التي تتميز باستيعاب ما هو جديد وغير مألوف في إطار العالم
المألوف الذي تهيمن عليه المعرفة المشتركة.
يبدو أن جُلَّ الدراسات عن الإسلام، طوال العقود الأربعة الأخيرة، ركزت على البعد السياسي
والأيديولوجي، بينما همشت دراسة التدين كمعتقدات وممارسات يومية. في المغرب كان موضوع
«الدين الشعبي» مهيمنًا خلال الفترة الاستعمارية، وهو ما يوفّر إرثًا مهامً يطاول ممارسات ومعتقدات ذات
صلة، مثل زيارة الأضرحة والسحر والجن والقرابين، وطقوس المرور كالعقيقة والختان. وقد استمر بعض
1 Hassan Rachik, Le Proche et le lointain: Un Siècle d›anthropologie au Maroc, parcours méditerraneens (Marseille: Editions Parenthèses, 2012), pp. 63-105.
خريف 2012
الأنثروبولوجيين الأجانب والمغاربة في دراسة الظواهر نفسها أو ظواهر مماثلة، لكن انطلاقًا من نظريات
وتقنيات بحث حديثة. اهتمت هذه الدراسات بظواهر دينية مرتبطة بعموم الناس، غير أنها ركزت على القرائن
الطقوسية أكثر منها على ما هو يومي. لقد بدأ الشروع في تدارك هذا النقص بدراسة ممارسات ومعتقدات دينية
لها صلة بالحياة اليومية كالصلاة واللباس واختيار الشريك والقروض المصرفية والإنصات إلى الموسيقى.
هكذا يمكن لباحث أن يجد نفسه حبيس توجهين: من جهة دراسة الاستعمالات السياسية والأيديولوجية
للدين، التي لا تفضي نظريًا إلى الاهتمام بالتدين، ومن جهة أخرى دراسة ممارسات دينية هامشية. لا نجد أي تعارض بين دراستي التدين والاستعمالات الأيديولوجية لدين ما. بل نرى على العكس من ذلك
أنه يجب طرح سؤال العلاقة بينهما، لأن الهدف الأسمى لكل أيديولوجيا هو اقتحام المعرفة المشتركة التي توجه
أفعال الناس وأفكارهم في حياتهم اليومية، والاقتراب، وحتى الاستحواذ على ما يسمّى الرجل العادي أو
رجل الشارع. لهذا الغرض نقترح بعدًا آخر ينطلق ويشدد على دراسة المعرفة المشتركة من دون إغفال علاقاتهما
بالاستعمال الأيديولوجي للدين. لنعط فكرة مبسطة عن مفهوم المعرفة المشتركة: إن السمة الأساسية التي تميزها من باقي المنظومات الثقافية
كالأيديولوجيا والثقافة السامية العالمة، أو كل معرفة تلقّن بطريقة ممنهجة، هي كونها سهلة الولوج بالنسبة إلى
غالبية أعضاء جماعة ما، فالدين يحتوي على معارف تدرسها وتختص بها صفوة من المتعاملين كالعلماء. وعلى
عكس ذلك، يتعلم الفرد المعرفة المشتركة كما يتعلم لغته الأم، عن طريق التنشئة الاجتماعية وعن طريق الاستماع
إلى أقاربه وإلى الناس ووسائل الإعلام. ليس هناك متخصصون أو خبراء للمعرفة المشتركة على رغم وجود
تفاوت بين الناس، بين من يتمكن من الأمثال الشعبية مثلا والآخرين. كي تكون المعرفة المشتركة سهلة الولوج يجب أن تكون بسيطة وواضحة. وتتجلى قوتها في تقديم الظواهر
الاجتماعية كعالم مألوف، بديهي، طبيعيي، فطري، غني عن البيان و«لا يختلف حوله اثنان». هذا لا يستبعد في
كل الأحوال المناقشة، والحجاج، أو التبريرات. ولكن يجب أن يتم كل هذا بطرق مبسطة حتى يتسنى إشراك أكبر
عدد من الناس. ويعربّ في الدارجة المغربية عن هذه الرغبة في التبسيط وتفادي التعقيدات بطرق مختلفة كالقول
مثلا «جيني دوغري»، «جيني نيشان»، «بلا فلسفة». وتعتبر المعرفة المشتركة من المنظومات الأكثر براغماتية، إذ
توفر تأويلات وتفسيرات للعالم والمجتمع تستهدف في المقام الأول الفعل الاجتماعي، بمعنى أنها تساعد الناس
في توجيه أفعالهم الاجتماعية اليومية. ولذلك ليس لها مضمون محدد؛ فقد تكون ذات صلة بالسياسة، بالدين،
بالاقتصاد، بالصحة، بالزواج، بالغذاء، بالتربية.... إلخ. حاولنا من قبل سابق تحليل الميكانيزمات التي من خلالها يتم تحويل الدين إلى أيديولوجيا. وتتمة للمشروع
نفسه نقترح بدء دراسة انتشار الأيديولوجيات ضمن مجال المعرفة المشتركة. إن نجاح الأيديولوجيات السياسية
2 حسن رشيق: «الممارسة الأنثربولوجية بالمغرب،» في: أبو بكر باقادر وحسن رشيق، الأنثربولوجيا في الوطن العربي (بيروت: دار
الفكر المعاصر، 2012)، وسيدي شمهروش، الطقوسي والسياسي في الأطلس الكبير، ترجمة عبد المجيد جحفة ومصطفى النحال (الدار
البيضاء: دار أفريقيا الشرق الأوسط،.)2010
3 Mohamed El Ayadi, Hassan Rachik et Mohamed Tozy, L’Islam au quotidian: Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc (Casablanca: éditions Prologue, 2008). 4 Clifford Geertz, “Common Sense as a Cultural System,» in: Clifford Geertz, Local knowledge: Further Essays in Interpretive Anthology, Basic Books (New York: Basic Books, 1983), pp. 73-93. 5 Hassan Rachik, “How Religion Turns into Ideology,» Journal of North African Studies, vol. 14, nos. 3 et 4 (September- December 2009), pp. 347-358.
المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة: اللباس والتديّن
يعتمد على قدرة المثقفين والمناضلين على تبسيط المقترحات الأيديولوجية وجعلها في متناول الجمهور العريض.
ويعتبر المثل الأعلى للأيديولوجيات الشمولية اختراق مختلف المجالات المجتمعية وغزوها، انطلاقًا من ما هو مرئي كالهندام واللباس إلى ما هو حميمي كالأذواق الموسيقية والحياة الجنسية. نقترح في هذه الورقة أن نشدد على دراسة دينامية المعرفة المشتركة في علاقتها بالتدين، وذلك بتركيزنا على اللباس النسوي. وقد اخترنا هذا الموضوع لكونه ممارسة يومية وموضوعًا لمعرفة مشتركة ولأيديولوجيات
قومية ودينية. وسنصب اهتمامنا على الملابس التي خرقت المألوف وشكلت رهانًا سياسيًا وأيديولوجيًا،
وخصوصًا الجلابة النسوية خلال أربعينيات القرن الماضي والحجاب ابتداء من سبعينيات القرن نفسه. في هذا
المضمار نميز بين ثلاث مراحل في عملية التغيير التي تخصنا: مرحلة يغلب عليها المألوف، تليها مرحلة القطيعة التي تعرف اندلاع الشيء المبتكر وتبنّيه، ثم أخيرًا مرحلة «الروتنة» (Routinization) التي يصبح فيها
الجديد شيئًا روتينيًا واعتياديًا.
اللباس التقليدي
لنبدأ بلمحة سريعة عن اللباس النسوي الخارجي التقليدي. لقد لاحظ الرحالة الفرنسي الذي جال في المغرب عام 1884 تجانسًا كبيرًا في شكل لباس المرأة الريفي، وهو عبارة عن قطعة واحدة من القماش مربوطة فوق
الكتفين، ومعقودة عند الحزام. ما يختلف في بعض الجهات هو نوع القماش من صوف أو قطن ولونه الأبيض أو النيلي. في المقابل ترتدي نساء الحضر ما يسمّى الحايك، وهو أيضًا رداء غير مخيط يُلف حول الجسم. يبقى
لباس المرأة الخارجي، ريفية كانت أو حضرية، مرتبطًا بقيمة الحشمة المبنية على فكرة إخفاء جسد المرأة وحمايته.
غير أن هناك فروقًا حول ما يجب أن خيُفى. ففي حين لا تظهر المرأة الحضرية التي تلتحف الحايك إلا إحدى عينيها، يمكن للمرأة الريفية أن تكشف عن وجهها وشيء من شعرها. انطلاقًا من خمسينيات القرن الماضي شهد الحايك منافسة شديدة من جانب الجلابة التي أصبحت موضة نسوية
في بعض المدن المغربية. وقد أُدخلت على الجلابة التي كانت حكرًا على الرجال، تحسينات زادت من أناقتها
وأنوثتها كإضافة أزرار تجميلية أمامية وتعلية الكتفين محاكاة للأزياء النسوية الغربية الحديثة. وترتدي
المرأة التي اختارت الجلابة لثامًا (لْتام أو نقاب) يوضع على مستوى الأنف ويعقد في مؤخرة الرأس. وهو لا
6 Charles de Foucauld, Vicomte Ch. de Foucauld. Reconnaissance au Maroc, journal de route conforme à l›édition de 1888 et augmenté de fragments inédits rédigés par l›auteur pour son cousin François de Bondy, [Avant-propos de François de Bondy. Rapport fait à la Société de géographie le 24 avril 1885, par Henri Duveyrier, sur le voyage du vicomte Ch. de Foucauld] (Paris: Société d›éditions géographiques, maritimes et coloniales, 1939), p. 109, 118, 228, 304, 334 et 375-76
7 «الحايك أو الكساء، رداء غير مخيط يلف به الشخص جسمه حتى يغطيه به من الرأس إلى القدمين، لم يكن خاصًا بالرجال دون النساء
[....] كان الحايك ينسج قطعة مستطيلة الشكل تنجز خرقتها دفعة واحدة ويتراوح طولها بين خمسة وستة أمتار ولا يقل عرضها عن المتر
والنصف [....]». انظر: محمد بوسلام، «الحايك،» في: معلمة المغرب (سلا: مطبعة سلا، 1998)، ص 3292-3291
8 Foucauld, pp. 57, 95 et 110.
9 الجلابة «عباءة واسعة عريضة تتاأف من أجزاء عدة رئيسة يندمج بعضها في بعض بواسطة الخياطة اليدوية. غطاء الرأس ويسمى
«القبٌ » وغطاء اليدين يعرف بالأكمام وغطاء البدن ويدعى «الكسدة». وهي لباس خارجي يوضع فوق الملابس الداخلية»، انظر: محمد
بوسلام، «الجلابة،» في: معلمة المغرب، ص 3063-3062
10 Louis Villème, L’Evolution de la vie citadine au Maroc, cahiers de l’Afrique et l’Asie; 1 (Paris: Peyronnet, 1950), p. 61.
خريف 2012
يكشف من الوجه إلا العينين. هكذا ولأول مرة في تاريخ البلد سيتم التمييز بين المحافظات المتشبثات بالحايك و«العصريات» اللواتي تخلين عنه. وعربّ ت الأميرة عائشة ابنة الملك محمد الخامس عن هذه الرغبة في التغيير
حين ألقت خطابًا شعبيًا في طنجة عام 1947 منادية بتحرير المرأة. والمثير آنذاك بروزها مكشوفة الوجه مكتفية
بوشاح يغطي نصف رأسها. ولْنسُق شهادة لفاطمة المرنيسي (المزدادة عام 1940) تعربّ فيها بدقة عن بعض الرهانات اليومية التي عاشتها
وهي طفلة. تحكي كيف أن أمها وأباها تخاصما بشأن الحايك والثوب الذي يصنع منه اللثام: «كان اللثام مثلثًا كبيرًا من القطن الأبيض الغليظ إلى حد لم يكن يسمح بالتنفس، أرادت أمي أن تعوضه بآخر أسود صغير من
الثوب الحريري الشفاف، فقد أبي صوابه: إنك تبدين غير محجبة بهذا اللثام. ولكن اللثام الصغير سرعان ما شاع لأن زوجات الوطنيين ارتدينه في فاس خلال التجمعات الدينية والحفلات العامة [....] كانت أمي أيضًا تريد استبدال الحايك التقليدي بالجلباب الذكوري الذي غدت ترتاده زوجات الوطنيين. كان الحايك الذي تلف به المرأة جسدها يستلزم سبعة أمتار من الثوب القطني الأبيض، وكان على المرأة أن تقبض على طرفي الحايك المعقودين بصعوبة تحت الذقن حتى لا يسقط. ولذلك كانت شامة تقول: لا شك أن الحايك قد صنع بطريقة يغدو معها خروج المرأة تعذيبًا حقيقيًا إلى حد لا تفكر معه إلا في العودة إلى البيت وملازمته. وتضيف أمي معززة
رأيها: إذا حدث وزلقت رجلك وسقطت كوني متأكدة من أنك ستفقدين أسنانك لأن يديك مشغولتان، ثم أنه ثقيل حتى الفظاعة، وأنا جد نحيفة». وفق فاطمة المرنيسي، سمح الوطنيون لبناتهم بالذهاب إلى المدرسة مرتديات الجلابة. وكنّ السباقات في تبنّيها
وسهَّلن الأمر بعد ذلك على أمهاتهن اللواتي حذون حذوهن. وأصبحت أزقة فاس ملأى بالمتجلببات. ولم يرق
هذا التغيير رجال المحافظين الذي رأوا في تشبه النساء بالرجال علامة من علامات الفناء. من بين التبريرات التي جعلت المرأة تفضل الجلابة كونها أنيقة وعملية. وأسهمت الجلابة ذات الكمين في تحرير
يدي المرأة اللتين كانتا حبيستين داخل حائكها. وأصبح الحايك عائقًا أمام تنقل المرأة في مجال حضري متغير، يتضمن الذهاب إلى المدرسة والتسوق واختيار المشتريات وحملها وركوب الحافلة..... لقد فرضت النساء الجلابة على رغم مقاومة بعض الوطنيين المحافظين والسلطات المحلية التي كانت تعتبرها مخالفة للتقاليد. وذهب باشا مدينة فاس إلى حد معاقبة النساء اللواتي تمادين في لبس الجلابة. وأثناء نفي محمد الخامس (1955-1953) وتصعيد المقاومة ضد الاستعمار، حاول بعض الوطنيين من دون جدوى إرجاع النساء الى الحايك. وفق منظور قومي، وجب على المرأة ارتداؤه كي تعربّ عن هويتها المغربية. غير أنه على
رغم محاولات هؤلاء القوميين لم يتم فرض الحايك كشعار وطني كما كان الحال بالنسبة إلى الجلابة أو الطربوش عند الرجال، خصوصًا في المناسبات الرسمية والأعياد الوطنية.
11 André Adam, Casablanca, essai sur la transformation de la société marocaine au contact de l’Occident, 2 vols (Paris: Centre national de la recherche scientifique, 1968), p. 750. 12 Charles-André Julien, Ch.-André-Julien... L’Afrique du Nord en marche, nationalismes musulmans et souveraineté française (Paris: R. Julliard, 1952), pp. 143 et 335.
13 فاطمة المرنيسي، نساء على أجنحة الحلم، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل (الدار البيضاء: منشورات الفنك، 1998)، ص.130
14 المصدر نفسه، ص.131
15 Adam, Casablanca , p. 555
المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة: اللباس والتديّن
تم تبنّي الجلابة كلباس خارجي مع الابتكارات التي صاحبتها من دون الخروج عن الاطار التقليدي، بمعنى
أنه تم تحويل لباس ذكوري تقليدي إلى لباس أنثوي أخف من الحايك وأنسب للتنقلات داخل مجال حضري
متغير. يمكن لنا أن نتكلم في هذا المضمار عن قطيعة نسبية داخل المنظومة التقليدية، حيث حصل تغيير كيفي
مع مراعاة القيم المرتبطة بالحشمة والسترة. غير أن التغيير الأهم طاول بنية الجلابة وليس شكلها فقط. مع بداية
ستينيات القرن الماضي، تخلت بعض الشابات عن اللثام وقب الجلابة. وقد زاد كشف وجههن ثم رأسهن
من حدة القطيعة مع اللباس التقليدي. في الفترة نفسها كنت شاهدًا، وأنا ما زلت طفلا، على مواكب أو مسيرات
ترفع فيها دعوات الاستسقاء وشعارات منددة ببعض السلوكات، من بينها شرب الخمر ولبس الجلابة من
دون قب، التي كانت تعتبر من طرف المشاركين في هذه المسيرات سببًا في وقوع الجفاف الذي كان يضرب البلد
آنذاك. ومن سخرية التاريخ، إن شئنا، أن ترقى الجلابة من دون قب إلى مرتبة الزي الوطني النسوي، وذلك
في عام 1997، تزامنًا مع ولوج امرأتين، لأول مرة، البرلمان. وكان من الطقوس السياسية أن يرتدي الرجال
الزي الوطني أثناء الافتتاح الرسمي لأشغال البرلمان الذي يرأسه الملك. لهذا وجب اختيار عناصر الزي الوطني
النسوي، وهو عبارة عن جلابة بيضاء من دون قب ووشاح أبيض لا يغطي كل الرأس. ما سيعرفه اللباس النسوي ابتداءً من ستينيات القرن الماضي يُعتبر قطيعة أكبر حدة كونها طاولت المنظومة
التقليدية نفسها؛ فقد ساعد خروج المرأة للعمل، وخصوصًا الإقبال المتزايد على تدريس البنات، في غمرة الحماسة
التي عرفتها السنوات الأولى للاستقلال، على ارتداء اللباس الغربي الحديث كالتنورة (الصاية) والبنطلون. وبدأ
الحديث عن «لباس رومي» في مقابل «لباس بلدي». يبدو أن شباب ذلك العصر، خصوصًا المتعلمين منهم،
كانوا منحازين إلى الحداثة وتجلياتها على صعيد اللباس. وتبرز دراسة أجريت عام 1961 هذا التوجه الجديد
حيث نجد أن في كل مئة من التلاميذ المستجوبين 63 يودون أن تلبس زوجاتهم على الطريقة الغربية، و 15 على
الطريقة التقليدية لكن من دون لثام، و 11 بلثام. يبدو أن تبنّي اللباس الغربي لم يُطرح كمشكل عام كما كان الحال بالنسبة إلى الجلابة. فقد كانت كل أسرة ومدرسة
تدبر أمرها، سواء بالتشجيع، أو بالتغاضي، أو بالمنع الكلي لأي لباس غربي أو لشكل محدد منه كالبنطلون. كانت
هناك انتقادات من محافظين يرون أن اللباس الغربي مخالف لقواعد الحشمة والسترة ولعدم التمييز بين الجنسين،
خصوصًا بالنسبة إلى البنطلون. وتعربّ بعض الشهادات التي استقيتها أخيرًا عن ردود الفعل والجزاءات المرتجلة
تجاه البنطلون خلال العقد السادس من القرن المنصرم. أخذ ناظر مدرسة ثانوية تلميذة في سن الثانية عشرة
تجرأت، كما يعتقد، بارتدائها البنطلون، وكان جزاؤها أن طاف بها أمام التلاميذ والتلميذات مرددًا: «انظروا
من أتت لنا بالموضة». وكان المنع غير الرسمي ساري المفعول في مؤسسات تعليمية أخرى. وكانت بعض
التلميذات يخفين تحت مئزرتهن (الطابلية) الأطراف البارزة للبنطلون، وبهذا كن مجبرات على تعرية ساقيهن.
أما في الأحياء الشعبية لمدينة الدار البيضاء التي كنت أقطنها فقد كان بعض الشباب يعاكس البنات المرتديات
16 أقدم صورة تطلعت عليها تبدي امرأة بجلابة، عارية الوجه والرأس مع وفد من أفراد حزب الاستقلال يمشون مع الملك محمد
الخامس. ترجع الصورة إلى شهر كانون الأول/ ديسمبر 1955 والمناسبة انعقاد مِؤتمرالحزب المذكور. انظر:.Julien, p. 43
17 من بين ما أتذكره جيدًا: «آ سبولة عطشانة، غيتها يا مولانا»؛ الجلابة بلا قب، ما خلات الشتا تصب (حرفيًا: لم تترك المطر يهطل)»؛
«باركا (كفى) من الويسكي، راه الشعب كا يبكي»
18 حسن رشيق، «البلدي والرومي،» ترجمة مصطفى النحال، الاتحاد الإشتراكي (الدار البيضاء)، 1999/12/18، و Hassan
Rachik, «Roumi et beldi: Réflexions sur la perception de l’occidental à travers une dichotomie locale,» Egypte: Monde arabe: nos. 30-31 (1997), pp. 293-301. 19 André Adam, Une Enquête auprès de la jeunesse musulmane du Maroc, publications des annales de la Faculté des lettres, Aix-en-Provence. Serie: Travaux et mémoires; no 28 (Aix-en-Provence: La Pensée universitaire, 1963), p. 94.
خريف 2012
البنطلون وهم يصيحون «صبي بدون خصيتين». في الوقت نفسه كانت تردد في الإذاعة الوطنية أغنية محافظة
جدًا تعاتب البنات اللواتي ارتدين «الميني جيب». كانت العتابات والمؤاخذات والجزاءات تساق باسم الأخلاق السائدة والمؤطرة بقيم تقليدية كالحياء والحشمة
والعار والسترة. ولم يكن، بحسب معلوماتي وما عايشته آنذاك، للتبريرات الدينية أي صدى يذكر. كان لباس
المرأة تقليديًا وموجهًا بأفكار تقليدية. ثم تغيرت الأمور وتعقد الإطار الثقافي فأصبح التقليدي والحديث، المحلي
والغربي، يختزل في ثنائية متكاملة وهي «البلدي والرومي». ما هو جدير بالتركيز عليه هو أن التدين لم يتم
التعبير عنه من خلال اللباس التقليدي، ولم يصبح مرتبط ا باللباس بصفة صريحة إلا مع نهاية العقد السابع من
القرن الماضي وبروز إطار ثقافي وديني سيختزل في تعبيري «اللباس الشرعي» أو «الإسلامي». وحتى نفهم هذا
التحول يجب أولا تأويل الاستعمالات الاجتماعية لثنائية «البلدي والرومي.» منذ توافر سلع غربية في السوق المغربية، ابتداء من القرن التاسع عشر، بدأ تصنيفها إلى ما هو «بلدي» (محلي،
أهلي) وما هو رومي (غربي، إفرنجي). وكانت كلمة الرومي تطلق من قبل على النصارى. وتنطبق الثنائية على
أشياء عدة كالصابون والزيت والزبدة والخميرة والدواجن. ويبقى كل ما هو بلدي ذا قيمة مادية ومعنوية
ويفضل على الرومي في جل الأحيان. وبالعودة إلى اللباس، نلاحظ أنه عدا الجيل المحافظ الذي يرتدي اللباس
البلدي والجيل الذي لا يرتدي سوى ما هو غربي، تبقى الغالبية حريصة على التوفيق بين النمطين. هكذا نجد أن
جلّ الناس الذين يرتدون اللباس الغربي في حياتهم اليومية والعملية، يملكون خزانة لباس تقليدية، كل بحسب
إمكاناته. في هذه الحالة ينحصر استعمال اللباس التقليدي في الحفلات الرسمية والدينية والعائلية. بالنسبة إلى
النساء، هناك أشكال عديدة (تكشيطا، قميص، ملحفة....) أشهرها القفطان. ولا داعي للتذكير بأنه لا يمكن
أحدًا أن يكون تقليديًا بالمطلق؛ فالقفطان لا يتنافى مثلا مع لبس حذاء غربي، والجلابة لا تتنافى مع ارتداء قميص
غربي. ولا ينتعل الحذاء التقليدي المخصص للحفلات، الشربيل، إلا النساء المتقدمات في السن. هكذا تحول
اللباس التقليدي الذي كان لصيق كل جزئيات الحياة اليومية، في البيت وخارجه، إلى لباس طقوسي. فمن
العيب مثلا حضور المرأة في حفل تأبيني وتقديم العزاء بلباس غربي، والعادة تقتضي ارتداء جلابة من دون قب
كانت إلى زمن قريب محط انتقادات المحافطين. في هذا المضمار، يلاحظ أن الإكراه والقسر في العادات يطاولان النساء أكثر من الرجال. فيمكن للرجل أن
يرتدي ما شاء في الحفلات نفسها، المرحة منها والحزينة، ويمكن أن أقول، بحسب معاينتي الشخصية، أن
الغالب عند الرجال هو ارتداء اللباس الغربي. ولنا أن نتساءل، كما هو الحال بالنسبة إلى ما يسمّى اللباس
الإسلامي، عن معنى مرونة المعايير، أكانت تقليدية أم دينية، حينما يتعلق الأمر بالذكور. كان الرجال أول من
ارتدى اللباس الغربي، وقد شاع بين الشباب الوطني والمتعلم، على الأقل، ابتداء من ثلاثينيات القرن الماضي،
أي سبعة عقود قبل انتشاره عند النساء. لم يعرف اللباس الذكوري ضبط ا اجتماعيًا صارمًا كما كان عليه الحال
بالنسبة إلى النساء. وكان التنازل الوحيد بالنسبة إلى هؤلاء الشباب المتبنين للبدلات الغربية وضع الطربوش
لتمييزهم من النصارى.
20 نرى من المفيد الرجوع إلى كلمات الأغنية التي تعربّ عن تعارض صارم بين اللباس التقليدي واللباس الغربي:
بنت بلادي زينة
والله والله زينة
ما أحلاها تلبس حايك محربل
ودير الحنة في ايديها شربيلها (حذاء تقليدي نسوي مزخرف) صقلي فاسي.
المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة: اللباس والتديّن
كيفما كانت درجة تعميم المعايير والعادات بين الجنسين، يبقى التصنيف إلى بلدي ورومي مستندًا إلى الفصل
بين الحياة اليومية العادية التي تستدعي لباسًا عمليًا والحياة الطقوسية والاحتفالية. ويعتبر المتحف الملجأ الأخير
للأشياء العتيقة حيث تجمد وتموت اجتماعيًا. لكن مادام للأشياء التقليدية وظائف اجتماعية، فهي لا تبقى
جامدة بل تخضع هي أيضًا للدينامية الاجتماعية. لهذا وجب الانتباه، ليس فقط للتعارض بين البلدي والرومي،
بل أيضًا للتكامل والتداخل في ما بينهما. يكفي أن نشير أن اللباس التقليدي تأثر بالسوق وبأذواق الموضة،
فالقفطان الذي كان قبل عقود معدودة ثقيلا وفضفاضًا، أصبح خفيفًا وأقرب إلى الجسم. وهذا يسري أيضًا
على الجلابة لكلا الجنسين. وقفنا على قطيعتين بالنسبة إلى لباس المرأة، مع بروز الجلابة ثم تبنّي اللباس الغربي. وسهل هذا الأخير «روتنة»
الجلابة النسوية، حيث غدت خلال ثلاثة عقود على الأكثر لباسًا تقليديًا ثم وطنيًا. ومما سهل انتشارها أن
القطيعة التي أُحدثت تمت في إطار اللباس التقليدي ومعايير الحشمة والسترة. ومما سهل انتشار اللباس الغربي
النسوي ولوج المرأة المجال العام: المدرسة، المعمل أو الإدارة. هناك أيضًا نشوة ما بعد الاستقلال التي كانت
تدفع الناس، السياسيين والمثقفين، إلى المطالبة بالتقدم والتنمية على الطريقة الغربية. ما يهمنا أكثر أن ولوج المرأة
المجال العام، وعلى عكس ما كُتب حول الحجاب، تم أولا خارج الخطاب الديني، وأن القطيعتين السالفتين تمتا
على صعيد المعرفة المشتركة، سواء بالنسبة إلى المتبنين أو إلى المحتجين على التغيير. تنطلق تبريرات الفريق الأول
من كل ما هو عملي ومتابعة العصر بينما يركز الثاني على القيم التقليدية المرتبطة بالحياء. ونكرر أنه لم يكن هناك
مجال لتبريرات دينية خلال هذه الحقبة. بخصوص اللباس التقليدي كانت المعرفة المشتركة التقليدية هي المهيمنة
بمفرداتها وتصنيفاتها وتبريراتها، بينما كان الخطاب الأيديولوجي القومي هامشيًا والخطاب الديني شبه غائب.
اللباس الإسلامي
لم تبرز ردود الفعل الرافضة للباس الغربي وأخلاقه من منطلقات أيديولوجية ودينية إلا في نهاية سبعينيات القرن
الماضي. سنكون هنا أمام قطيعة مزدوجة؛ إذ سيتم التخلي في بداية الأمر عن كل من اللباس الخارجي (الرومي)
والبلدي. والأهم من زاوية بحثنا هو أن تبريرات رفض اللباس الغربي وتبنّي الحجاب ستستند إلى ثقافة دينية
مبنية على استحضار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الملائمة. وستترك جانبًا، على الأقل في مرحلة أولى،
المعرفة المشتركة بمعجمها وقيمها التقليدية والعصرية. نحن أمام تغيير مهم على صعيد الأطر الثقافية للباس،
فإذا ما استثنينا بعض الحالات كتلك المتعلقة بمريدي بعض الزوايا الذين كانوا يختصون بلباس محدد، يمكن أن
نقول إنه لم يكن اللباس عنوانًا للهوية الدينية. وبالموازاة مع تبنّي الحجاب الذي كان محليًا يفيد، على العموم وما زال، تغطية الشعر، سيصبح التدين عند بعض
النساء موضوعًا لخطاب أيديولوجي وديني صريح. ويؤشر التبنّي الأول للحجاب إلى المرور من تدين معيش
بصفة ضمنية ضمن معرفة مشتركة إلى تدين مختار بصفة معلنة. وتبرز الدراسات ذات الصلة أن تبنّي الحجاب
يهم الشابات أكثر؛ فبحسب بحث أجري عام 2006 حول المعتقدات والممارسات الدينية، ترتدي 38.9 في
المئة من المستجوبات الحجاب (237 من أصل 609)، معظمهن (69.6 في المئة) تبنّينه قبل بلوغ سن الخامسة
والعشرين، و 11.2 في المئة بعد سن الخامسة والثلاثين. ويبُرز بحث آخر أجري عام 1995 أن التلميذات
21 El Ayadi, Rachik et Tozy, pp. 67-70.
خريف 2012
المتحجبات يربطن ارتداء الحجاب بمستوى التعليم، ويؤكدن أنه لا يجوز للبنت المتعلمة أن تتحجب كالنساء
الأميات اللواتي يرتدين اللباس التقليدي. لننصت لما تقوله طالبتان: الأولى في الاقتصاد والثانية في الأدب العربي: «في الماضي، كانت المرأة ترتدي لباسًا
مرتبطًا بالحياء والاحترام على رغم أنها كانت تجهل أن هذا كان ذا علاقة بالدين. وكان الحياء من أخلاق الناس.
اليوم نرتدي الحجاب عن معرفة دينية محضة لأننا نجد أنفسنا تحت ضغط الثقافة الغربية التي كان يجب علينا أن
نقاومها قبل أن نرتدي الحجاب. إن المرأة التي ترتدي الحجاب اليوم هي أقوى من نساء الماضي لأنها متعلمة.» «لم أكن أرتدي الحجاب طوال سنتي الجامعية الأولى. غير أن أمي وجدي وأبي توفوا في الشهر نفسه. أدركت أن
الحياة لا قيمة لها وارتديت الحجاب. التقيت أيضًا صديقات محجبات. هذه الصداقة وقراءة الكتب الدينية أدتا
بي إلى ارتداء الحجاب». أصبح للباس معناه الديني وبات عنصرًا مهامً للتدين. وقد كان في المرحلة الأولى لانتشاره أشد ارتباط ا بالتبريرات
والسلوكات الدينية، غير أن معاني ارتداء الحجاب تجاوزت في الوقت نفسه المجال الديني، إذ اعتبُر أيضًا طريقة
للتميز عن جيل الأمهات. فمن الناحية الدينية تطابق الجلابة «التقليدية» الشروط الدينية المرتبطة عادة بما يسمّى
اللباس الإسلامي أو الشرعي، حيث لا تكشف سوى عن العينين واليدين. وعلى الرغم من انه تم التخلي عنها،
يلاحَظ أنه منذ قرن من الزمن بدأ اللباس يعكس التمييز بين الأجيال، غير أن الوسائل المستعملة كانت رهينة
بعرض السوق. حاول جيل «المطربشين» أن يتجاوز جيل المعممين، وعند النساء كان الشيء نفسه بالنسبة إلى
جيل الجلابة مقابل جيل الحايك، ثم جيل الرومي مقابل جيل البلدي. ويمكن اعتبار الحجاب تجليًا جديدًا
للتميز بين الأجيال. أشرنا إلى أن المعاني الأولى للحجاب، كقطيعة في نمط اللباس، كانت أكثر ارتباط ا بالهوية الدينية. فالحجاب
يُعتبر عبادة، فرضًا وواجبًا شرعيًا. أما النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب، فينظر إليهن كخارقات لأمر إلهي،
وجاهلات بدينهن ومثيرات للفتنة. كان الحجاب أيضًا شعارًا ورمزًا لتصور جديد للإسلام والاحتجاج
السياسي. ولوحظ في المغرب، وفي بلدان أخرى، أن النساء الأوائل من المتحجبات كن يشاركن في نشاطات
منظمة من جانب دوائر إسلامية كانت تعنى بدراسة القرآن وبالصلاة جماعة، أو بأفعال إحسانية. في المقابل لم يسلم الحجاب من المنتقدين الذين ركزوا على معانٍسلبية، فالحجاب يُعتبر تراجعًا في وضعية المرأة
ووسيلة للعثور على زوج، «غطاء للبؤس» وطريقة لحفظ المال بتجنب مصاريف التزيين وتصفيف الشعر.
هناك أيضًا من الشباب من رأى أن الحجاب ليس مقياسًا للتدين وأن الإيمان لا علاقة له باللباس وأنه شعور
داخلي يجب ألا يُعرَض على الأنظار. وبعضهم شدد على التماسك الإجتماعي ورأى في الحجاب عنصر تفرقة
للأمة الإسلامية.
22 Rahma Bourqia, «Les Jeunes et l’expression religieuse: Stratégie de l’ambivalence,» dans: Bourqia, Rahma [et al.], Les Jeunes et les valeurs religieuses (Casablanca: Eddif, 2000), pp. 57 et 62.
23 محمد الخشاني، «ارتداء الحجاب في الوسط الطلابي،» في: عائشة بلعربي [وآخرون]، النساء والإسلام (الدار البيضاء: منشورات
الفنك، 1998)، ص.126-115
24 Patrick Haenni et Hélène Füger, «Métamorphoses du voile «islamique» et distinctions sociales,» Égypte: Monde arabe (Première série), no. 26 (1996), pp. 111-130, sur le web: <http://ema.revues.org/index1473.html> (mis en ligne le 8 juillet 2008). 25 Mounia Bennani-Chraïbi, Soumis et rebelles, les jeunes au Maroc, Méditerranée (Paris: Centre national de la recherche scientifique, 1994), p. 99.
المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة: اللباس والتديّن
«روتنة» الحجاب
منذ عشر سنوات بدأ الحديث عن شيوع الحجاب وعن كونه أصبح أمرًا اعتياديًا. ويحلل محمد كرو بدقة هذا
التغيير في علاقته مع ما يسمّيه الحجاب الجديد مقارنًا ذلك بين بلدان عدة. نود هنا إعطاء فكرة موجزة عن
محتوى هذا التغيير وآثاره. أسلفنا أن الهدف الأسمى للأيديولوجيين والدعاة هو أن تخترق أفكارهم ونظرتهم للمجتمع أكبر عدد ممكن
من الناس والقطاعات الاجتماعية. غير أن من القواعد الاجتماعية البسيطة هو أنه كلما اتسع انتشار أفكار دعوة
أو أيديولوجيا ما، فقدت من دقتها ومن كثافتها. بل في ظل بعض الشروط يتغير حتى محتواها. هذا ما حدث
لأيديولوجيات مثل الماركسية والشيوعية والقومية التي بقدر ما تنتشر بقدر ما تصبح بسيطة ومغايرة للأصل.
ويصبح الحديث عن ماركسية مبتذلة وعن الشوفينية. يبدو أن هناك منطقًا للانتشار يفيد بأن اقتسام أفكار أو ممارسات جديدة من طرف أكبر عدد ممكن من الناس
يفرض تبسيطها، هذا التبسيط يفقدها الخصائص الأولى التي تميزها كمعرفة نخبوية عن المعرفة المشتركة. عندما
تصبح أيديولوجيا ما موضوع معرفة مشتركة تفقد حدودها وجلّ معالمها الأولية، ليس فقط كنتيجة للمجهود
التبسيطي للأيديولوجيين، بل أيضًا لأن تحديد المحتوى لم يعد حكرًا على صفوة من المثقفين والمختصين. هكذا
يصبح المحتوى الأيديولوجي فضفاضًا، مرنًا، وأكثر التصاقًا بمعيش الناس. بالنسبة إلى موضوعنا، يصبح
الخطاب الأيديولوجي والديني الصريح المستند إلى النصوص الشرعية هامشيًا، وتكثر «الخطابات» التي تعتمد
المعرفة المشتركة بمعجمها البسيط وبمنطقها البراغماتي. يبدو أن «روتنة» الحجاب بالنسبة إلى البعض تمّت عبر إدماجه في إطار التقاليد المحلية المرتبطة بالحشمة. في
مثل هذه الحالات تطلق على الحجاب أسماء محلية للأوشحة مثل «الزيف» أو أجنبية مثل «الفولار». وقد أبرز
البحث الميداني نفسه الذي أجري عام 2006 أن 64 في المئة من المتحجبات يقدمن تبريرات دينية و 17 في المئة
تبريرات تقليدية. غير أن البحث لم يكن ليدقق في محتوى التبريرات الدينية، كل ما نعرف هو أن المعرفة الدينية
المستندة إلى التراث الإسلامي المكتوب تبقى ضعيفة. من نتائج «روتنة» الحجاب تكاثر معانيه وتنوّعها، فإلى جانب الدوافع الدينية المحضة والمبررة بالرجوع إلى
النصوص، نجد زخمًا من المعاني المتعلقة بالحشمة وبفرض الاحترام أو صرف الأنظار بتفادي الضبط الاجتماعي
وأقوال الناس.... ومع «الروتنة» أيضًا يتم التركيز على تصنيف أنواع الحجاب. وميزت بعض المستجوبات بين
من ترتدي الحجاب عن اقتناع وبين من تفعل للرغبة في جذب الاحترام فقط. أصبح من شأن الحديث عن
الحجاب كشهادة ومؤشر على حسن الخلق والسيرة أن يفرض الاحترام ويجنب التحرش الجنسي والمضايقات في
الشارع. هذا ما عربّ عنه أحد الشباب في منتصف تسعينيات القرن الماضي: «لو أن كل الفتيات ارتدين الحجاب،
لأصبح الرجال من أمثالي مهذبين. عندما أجلس في مقهى وأرى فتاة مارة، لا أستطيع عدم مغازلتها» (طالب من
مدينة تطوان). كما بدأ أيضًا الكلام حتى على الحجاب المزيف الذي لا يرجى منه إلا تفادي الضبط الاجتماعي،
خصوصًا من طرف العائلة.
26 Mohamed Kerrou, Hijab: Nouveaux voiles et espaces publics (Tunis: Editions Cerés, 2010). 27 El Ayadi, Rachik et Tozy, pp. 69 et 73-75. 28 Bourqia, p. 57. 29 Bennani-Chraïbi, pp. 98-100.
خريف 2012
اذا أخذنا البُعد الزمني بعين الاعتبار، نرى أن الأجيال اللاحقة من المتحجبات تميّزت من أسلافها لأنها وجدت
أن ما كان تبنّيًا للباس جديد أصبح عرضًا شائعًا بين العروض المختلفة في السوق. لم يعد ارتداء الحجاب قرارًا
استثنائيًا مثيرًا للدهشة كما كان عليه الحال في بداية الثمانينيات. كانت رغبة الدعاة والإسلاميين حينها تحقيق
تمييز صارم بين ما هو إسلامي وما هو تقليدي أو غربي، وقد تأتى هذا لفترة وجيزة بدأت بعدها الحدود الرمزية
في التلاشي لأن منطق المعرفة المشتركة يفرض التهجين بين المنظومات المختلفة. فأصبح الحجاب رديف الجلابة
وسروال «الدجين» وألبسة من القبيل نفسه. ولم يفلح المنطق الأيديولوجي بفرض حدوده الرمزية الصارمة إلا
ضمن فئة من المتحجبات. تقول مناضلة إسلامية مصرية معبرة عن هذه الصرامة إنه كان في وسعها أن تضع شيئًا
على رأسها وتستمر في كونها «متحجبة ليبرالية» أو أن تقرر أن تكون مسلمة ملتزمة. وتبين أن عليها أن تختار بين
هذا وذاك وأنه لا يمكن تبنّي الخيارين، الإسلامي والغربي، في آن واحد. بعد المراحل الأولى للتبنّي لم يعد التعارض بين الإسلامي والغربي الدافع الأساس لارتداء الحجاب، وتم تجاوزه
بابتكار موضات عديدة تمزج بين ثقافات متنوعة خيُتزل فيها الديني إلى بُعد من الأبعاد الممكنة. إلى جانب
الهوية الدينية، أصبح الحجاب مركّبًا من العلامات يحيل على التمييز الاجتماعي والمكانة الاجتماعية للمتحجبة
وأذواقها. لقد تم الابتعاد عن اللباس الأول للمحتجبات الذي كان طويلا متقشفًا داكن اللون، وكثرت أشكال
الحجاب، كما ألوانه وأحجامه وطرق ارتدائه، وكذا الإكسسوارات الملازمة له. وتعددت الألبسة المرافقة له من
ألبسة غربية بعضها يُتهم بإبراز جسد المرأة. ويبدو، بحسب بعض الشهادات، أن في بداية التسعينيات كانت المحجبات في المغرب لا يهتممن بالموضة، فقد
كن يرتدين الجلابة والحجاب «من دون ماكياج ومع غياب تام للأناقة». حينها بدأت المصريات الاهتمام
بالحجاب الأنيق. والتقت هند التعراجي، وهي صحافية مغربية، مسؤولة مصرية في مجلة أناقة وحشمة وسألتها
هل ترى «أن هناك تناقضًا بين تمجيد استعمال الحجاب وفي الوقت نفسه العمل في مجلة الموضة وهو عالم يرتكز
أساسًا على الأناقة والإغراء». وكان جواب المسؤولة «إن الله جميل ويحب الجمال، وديننا الإسلامي لا يطلب منا
أن نترهبن ولكنه ينصحنا باجتناب الإثارة واستفزاز الآخر». لم يعد الحجاب مع شيوعه عنوانًا واضحًا للتدين وللهوية الدينية، ولم يعد التمييز محصورًا بين المتحجبات
وغيرهن، بل تعدى ذلك ليشمل المتحجبات أنفسهن. تعددت طرق ارتداء الحجاب وبدأ تصنيفه إلى أصناف
عدة. هناك من يتكلم عن «حجاب العري» أو «حجاب المتبرجات» أو «الحجاب المزيف»، أو «الحجاب
الليبرالي»، ويُقصد هنا أن المتحجبات اللواتي يلبسن اللباس الغربي، يكثرن من الألوان ويبدين أشكال
أجسامهن. ولوحظ المسار نفسه في مجتمعات أخرى. فبحسب ناشطة إسلامية مصرية، لم تعد هناك معادلة بين
«المتحجبة» و«الإسلامية» لأن ثمة نوعين آخرين من المتحجبات، فهناك تلك التي تتحجب وهي متشبعة بالفكر
العلماني وبالحلم الأميركي مع قليل من الثقافة الإسلامية، وتلك التي تتحجب في إطار تقليدي. من آثار السوق الحديث، والموضة التي تغذيه، ضرورة التنوع في اللباس الذي يروم تلبية الرغبات والأذواق
30 Haenni et Füger, pp. 111-130. 31 Kerrou, pp. 36 et 47.
32 هند التعارجي، «عندما يتحول الحجاب إلى أداة للإثارة،» حوار أنجزته خديجة بوتني، على الأقل (الدار البيضاء)، العدد 7 (1992)،
ص.53-50
33 المصدر نفسه، ص.51
34 Haenni et Füger, pp. 111-130.
المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة: اللباس والتديّن
المختلفة. كان اللباس التقليدي قبل الاستعمار رتيبًا، بمعنى أنه كان لا يعرف تغييرات من جيل إلى آخر،
وبالأحرى بالنسبة إلى الجيل نفسه. وكانت الجلابة، بحسب علمنا، أول لباس نسائي عرف تأثير السوق، على رغم صغر هذا الأخير لارتباطه بالصناعة التقليدية ذات الإنتاج المحدود. بدأ الحجاب، واللباس الإسلامي عامة، رتيبًا أيضًا وذلك قبل أن ينقضّ عليه «السوق الرأسمالي» ليتفاعل مع رغبات المتحجبات ويفرض بعضًا
من قواعده. للسوق أثر على التدين والثقافة بصفة عامة لم ينل حقه من البحث؛ فقد أصبح الحجاب موضوعًا
جماليًا لا ينفي الأناقة والتدلل وإغواء الجنس الآخر. وأصبحت معايير براغماتية تحدد أيضًا اختيار نوعية الحجاب
كما كان الحال بالنسبة إلى الجلابة واللثام. هناك مثلاًالبحث عن حجاب مريح وعن تطابق الألوان وتجانسها. هكذا أصبحت المعالم مبهمة ولم يعد الحجاب مقتصرًا على منظومة مغلقة كما في بداياته، بل أصبحت تتجاذبه
منظومات وهويات ثقافية ودينية عدة. يبقى السوق أكبر المساهمين في «روتنة» الحجاب، حيث يطبّق عليه المنطق نفسه الذي يطبّق على باقي السلع
النسائية. ومن أبسط ما يمكن ملاحظته استحضار المعجم نفسه: «آخر صيحة في حجاب المرأة»، «دي آخر ما وصلت إليه موضة لف الحجاب»، «الملابس الإسلامية الراقية»، «أناقة وحشمة.» لم تكن فكرة الإغواء غائبة عن أوائل المتحجبات. بعض المستجوبات منهن أكدن أنه كان من الصعب تبنّي حل
وسط بين الالتزام الديني ومغريات الحياة كالإغواء وجذب الجنس الآخر. وقالت طالبة متحجبة أنها في بعض الأحيان كانت تغبط البنات غير المتحجبات اللواتي كن يقمن بهذا. لكنها تضيف أنها سرعان ما تتراجع عن هذه
الفكرة التي تنعتها بالشيطانية. وتقر طالبة أخرى في الطب بأن الحجاب ضروري، ولكنها لا ترتديه خوفًا من أن لا تكون في مستوى المسؤولية وأن ترتكب السيئات. هذا النوع من التوجس كان حاضرًا في أولى مراحل تبنّي
الحجاب وينمّ عن غلبة البعد الديني للحجاب. غير أن الأجيال التالية التي بدأت استحضار الأبعاد البراغماتية
والجمالية لم يعد لها حرج صارم في الأخذ بالأبعاد الدينية وغير الدينية. وهذا أهم ما يميز «روتنة» الحجاب و«الروتنة» بصفة عامة، حيث يتم بالتدريج استيعاب الشيء غير المألوف وتدجينه في إطار ما هو مألوف.
خلاصات
لا يكفي الحديث عن تعدد معاني الحجاب، بل يجب أيضًا تحليل كيفية انتظامها ضمن نماذج ثقافية محددة. هناك النموذج الديني الذي ينعت غالبًا بالأصولي أو الإسلامي والذي يشترط لباسًا شرعيًا: جلباب، برقع، نقاب.
في هذه الحالة تغلب المعاني الدينية. وهناك نموذج آخر يمزج بين الحجاب واللباس التقليدي، خصوصًا عند
المتقدمات في السن. وتغلب هنا القيم التقليدية المرتبطة بالحشمة. ثم هناك النموذج الذي يمزج بين الحجاب
واللباس الغربي. وهنا يمكن أن تغلب القيم البراغماتية والجمالية. هكذا لا يمكن بأن نسلّم أن لباس الحجاب مرتبط في كل الحالات بالتدين، وحتى إذا فعلنا ذلك يلزمنا الأخذ بعين الاعتبار علاقة التدين بأبعاد المحيط الثقافي أكانت تقليدية أم غربية. والتدين، كما بيّنت دراسات سابقة، لا يستثني النساء غير المتحجبات.
35 El Ayadi, Rachik et Tozy, pp. 204-208. 36 Bourqia, pp. 58 et 62.
37 نجد على سبيل المثال أن 75 في المئة من المستجوبين يعتبرون المرأة غير المتحجبة مسلمة، في حين يرى 10 في المئة العكس. انظر:
.El Ayadi, Rachik et Tozy, p. 69
خريف 2012
لا يمكن الجزم بصفة صارمة ومطلقة بغلبة نموذج ما. بل هناك تنويعات باختلاف الموضوع والقرينة. فاللباس كان منظامً في إطار ثنائية التقليدي والعصري، ولم يصبح موضوعًا للتدين إلا في عهد قريب. وما زال تأثيث
المنزل منظامً خارج كل تصور ديني، حيث نجد التقابل بين الصالون البلدي والصالون الرومي ولا أثر لأي فكرة من قبيل «الثأثيث الإسلامي.» لا تعني «الروتنة» انتشار الشيء نفسه وتبنّيه كما هو من جانب أكبر عدد من الناس، بل إضفاء معان «جديدة»
انطلاقًا من المرجعية الثقافية والوضع الاجتماعي للمعنيين. هكذا نرى أن ما يميز مجتمعات كالمغرب ليس رجوع التدين أو ضعفه، ولا الصحوة الدينية أو الابتعاد عن الدين. إن ما يميز هذه المرحلة غير المسبوقة من تاريخ المغرب هو التعدد الديني، ليس هنا بمعنى اختلاف الديانات، ولكن بمعنى اختلاف التصورات عن الدين نفسه. وهذا ما يغفله عدد من دارسي الإسلام والدول المسلمة الذين يفضلون إعطاء صورة كبيرة للإسلام يبدو فيها التدين عبارة عن منظومة متجانسة ومنسجمة من المعتقدات والسلوكات. يجب أن نقر بأن أمام كل فرد مجموعة أو مخزون من الاختيارات تقل أو تكثر بحسب درجة انفتاح النظام السياسي، وبأن هذا يدفعنا لدراسة التدين بكل تنويعاته عوض الخروج بتعميمات تجعل كل المسلمين أفرادًا مستنسَخين. والثقافة، بالنسبة إلينا،
دينًا كانت أو غير ذلك، ليست مجموعة من القيم تُفرض على الأفراد معتقدات وسلوكات معينة، بل مخزون من القيم يجد فيه الفرد عروضًا متنوعة، مختلقة ومتناقضة. ويتحدد مدى الاختيار بالنسبة إلى كل فرد بمدى الانفتاح السياسي والثقافي للمجتمع الذي ينتمي إليه. ف «الروتنة» كعملية اجتماعية تفترض إذ ا وجود حد أدنى من الحرية الفردية والجماعية. وهكذا يصعب الحديث عنها في الدول التي تفرض الحجاب أو تمنعه. لم يكن في وسع النساء العصريات إبان الاستعمار سوى تبنّي الجلابة الذكورية، هذا ما كان معروضًا وممكنًا. فضاء الممكن هذا سيتسع بالنسبة إلى الأجيال التالية التي ستُقبل على اللباس الغربي. والآن أصبح العرض متنوعًا جدًا، خصوصًا أن النماذج الثقافية التي أوردناها ليست بالضرورة حصرية، بل قابلة للمزج والتهجين. في إطار هذا التعدد الذي يعرفه المشهد الديني والثقافي عامة، نرى من الضروري دراسة نشأة مستوى ثقافي يعد وسطًا بين الثقافة العالمة (culture savante) والثقافة المشتركة؛ فمع تعقّد التراتب الثقافي الذي لم يعد محصورًا قي ثنائية الخاصة والعامة كما كان معروفًا في المجتمعات التقليدية، وخصوصًا مع بروز طبقات وسطى
متعلمة، نشهد بروز معرفة وسطى متأثرة أكثر بالخطاب الثقافي العالمي والخطاب الأيديولوجي. لتوضيح هذه الثقافة الوسطى يمكن التذكير بما يسمّى اللغة الثالثة، وهي بين اللغة العربية والعامية. ونفترض أن التدين تغير
بوجود هذه الطبقات الوسطى المؤهلة لإضفاء المعايير البراغماتية والجمالية على الحجاب. ويجد الفرد المتعلم نفسه مضطرًا إلى حد ما إلى استعمال أفكار وكلمات مستقاة من الخطابات العالمة وتبسيطها لتبرير سلوكه. إن دراسة التدين بكلّ وجوهه يجنّبنا، على الأقل، أن نجعل من الجزء ك. هناك مثلا دارسون للتدين الشعبي يعطون صورة للإسلام تتسم بالتنوع والرخاوة بينما نجد دارسي الأيديولوجيات الإسلامية يفضون إلى صورة معاكسة، كليانية متسمة بالتشدد والصرامة. إن الأخذ بكل وجوه التدين، خصوصًا منها المرتبط بالمعرفة المشتركة الملتصقة بدورها بالحياة اليومية، يدعونا إلى تجنب الصور الكبيرة عن الإسلام والمسلمين.
المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة: اللباس والتديّن
المراجع
العربية كتب باقادر، أبو بكر وحسن رشيق. الأنثربولوجيا في الوطن العربي. بيروت: دار الفكر المعاصر،.2012 بلعربي، عائشة [وآخرون.] النساء والإسلام. الدار البيضاء: منشورات الفنك،.1998
النحال. الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق الأوسط،.2010
معلمة المغرب. سلا: مطبعة سلا،.1998 دوريات
البيضاء)، العدد 7،.1992 رشيق، حسن، «البلدي والرومي»، ترجمة مصطفى النحال، الاتحاد الإشتراكي،.1999/12/18
الأجنبية
Pensée universitaire, 1963. (Publications des annales de la Faculté des lettres, Aix-en-
رشيق، حسن. سيدي شمهروش: الطقوسي والسياسي في الأطلس الكبير. ترجمة عبد المجيد جحفة ومصطفى
المرنيسي، فاطمة. نساء على أجنحة الحلم. ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل. الدار البيضاء: منشورات الفنك،
التعارجي، هند. «عندما يتحول الحجاب إلى أداة للإثارة.» حوار أنجزته خديجة بوتني. على الأقل (الدار
Books
Adam, André, Une Enquête auprès de la jeunesse musulmane du Maroc. Aix-en-Provence: La
Provence. Serie: Travaux et mémoires; no 28) Adam, André. Casablanca, essai sur la transformation de la société marocaine au contact de l’Occident. 2 vols. Paris: Centre national de la recherche scientifique, 1968. Bennani-Chraïbi, Mounia. Soumis et rebelles, les jeunes au Maroc. Paris: Centre national de la recherche scientifique, 1994.(Méditerranée) Bourqia, Rahma [et al.]. Les Jeunes et les valeurs religieuses. Casablanca: Eddif, 2000. El Ayadi, Mohamed, Hassan Rachik et Mohamed Tozy. L’Islam au quotidian: Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc. Casablanca: éditions Prologue, 2008.
خريف 2012
Foucauld, Charles de. Vicomte Ch. de Foucauld. Reconnaissance au Maroc, journal de route conforme à l’édition de 1888 et augmenté de fragments inédits rédigés par l’auteur pour son cousin François de Bondy. [Avant-propos de François de Bondy. Rapport fait à la Société de géographie le 24 avril 1885, par Henri Duveyrier, sur le voyage du vicomte Ch. de Foucauld]. Paris: Société d’éditions géographiques, maritimes et coloni ales, 1939. Geertz, Clifford. Local knowledge: Further Essays in Interpretive Anthology. New York: Basic Books, 1983 (Basic Books). Julien, Charles-André. Ch.-André-Julien... L’Afrique du Nord en marche, nationalismes musul mans et souveraineté française. Paris: R. Julliard, 1952. Kerrou, Mohamed. Hijab: Nouveaux voiles et espaces publics. Tunis: Editions Cerés, 2010. Rachik, Hassan. Le Proche et le lointain: Un Siècle d’anthropologie au Maroc. Marseille: Edi tions Parenthèses, 2012. (Parcours Mediterraneens) Villème, Louis. L’Evolution de la vie citadine au Maroc. Paris: Peyronnet, 1950. (Cahiers de l’Afrique et l’Asie; 1)
Periodicals
Haenni, Patrick et Hélène Füger. «Métamorphoses du voile «islamique » et distinctions so ciales.» Egypte: Monde arabe (Première série), no. 26, 1996. Sur le web: <http://ema. revues.org/index1473.html> (mis en ligne le 8 juillet 2008). Rachik, Hassan. “How Religion Turns into Ideology.» Journal of North African Studies: Vol. 14, nos. 3 et 4, September-December 2009.