Return to Article Details Zionism and Colonialism

الصهيونية والاستعمار

Zionism and Colonialism

إيليا زريق*

الملخّص

* أستاذ فخري في علم الاجتماع في جامعة كوينز، كينغستون، أنتاريو كندا. ** مقتبس وبتصرف من فصل في كتاب لم يُنشر بعد:

Abstract

Zureik explores the nature of Zionism and its colonial practices, with the objective of demystifying the Zionist myth and narrative, claiming that Zionism, and its embodiment through colonial settlement in Palestine, is endowed with a uniqueness that sets it apart from European and Western colonialism. Zureik counteracts this narrative by exemplifying four distinct colonial characteristics of settler movements, including: control over the land and the sequestering of the native population in limited geographic zones that border the settlements; the use of a surveillance regime to track and monitor the private and collective lives of the colonized group; controlling the way of life through focusing on the demographic balance of society and the use of “national security” as a justification for the use of violence and force as tools to repress the indigenous population. Zureik points to Israel’s use of force and violence as tools to protect “the security of the state,” highlighting that the campaign of Zionist settlement has actually exceeded the scale of violence that was employed in other settler states, such as South Africa. The author maintains that Zionism is not only practicing discrimination and racism, but also attempting to hide this by resorting to the law, which appeals to the language of “equality” and the “general enforcement of the law” in accordance with liberal logic in a manner that is consistent with Israel’s liberal claims, all the while Israel continues to persecute Palestinians.

الكلمات المفتاحية:
  • الصهيونية
  • الممارسات الكولونيالية
  • الاستيطان
  • التوازن الديموغرافي
  • المراقبة والتعقب
Keywords:
  • Zionism
  • Colonialism
  • Palestine
  • Colonial Practices
  • Demographic Balance

تفحص هذه الورقة طبيعة الصهيونية وممارساتها الكولونيالية، بهدف تفنيد الأسطورة

والسرد الصهيونييّن اللذين يدّعيان أن للصهيونية وتجسيدها في مشروع الاستيطان

الكولونيالي في فلسطين بدءًا من أواخر القرن التاسع عشر، طابعًا خاصًّا يميزّها، مقارنة

بما يسمّى «الكولونيالية الأوروبية- الغربية». يتصدّى زريق لهذه السردية من خلال إثبات

أربع خصائص مميزة للحركات الاستيطانية، وتتضمن: السيطرة على الارض وعزل

السكان الأصليين في مناطق جغرافية محدودة؛ استخدام نظام مراقبة للتعقّب والتنصّت على

الحياة الفردية والجمْعية للفئة المستعمرة؛ السيطرة على نمط الحياة من خلال التركيز على

التوازن الديموغرافي للمجتمع؛ اعتماد حجة «أمن الدولة» ومنطقه، لتبرير استخدام العنف

والقوة كأدوات للاستبداد بالمواطنين الأصلييّن. ويشير زريق إلى القدرة الإسرائيلية، من

خلال اللجوء إلى اللغة والحجة، لاستخدام القوة والعنف أدوات لحماية «أمن الدولة»،

مسلطًا الضوء على حملة الاستيطان الصهيوني التي تجاوزت حدود العنف الذي يمارس في

دول استيطانية أخرى كجنوب أفريقيا خلال عهد التمييز العنصري. ويعتبر أن الصهيونية

لا تمارس التمييز والعنصرية بشكل علني فحسب، بل تموّه سياساتها أيضًا باللجوء إلى

القانون الذي يستعين بلغة «المساواة» و«التطبيق العام للقانون» وفق المنطق الليبرالي، وبما

يتلاءم وادعاءاتها الليبرالية، في الوقت الذي تستمر في اضطهاد سكان فلسطين الأصليين.

هناك تطابق لا تخطئه العين بين تجارب الفلسطينيين العرب تحت وطأة الصهيونية

والصفر والسمر الذين وصفهم إمبرياليو القرن التاسع عشر بأنهم أقل وتجارب السود

شأنًا ودون البشر.

Elia Zureik, Israel's Colonial Project: Brutal Pursuit, Routledge Studies on the Arab-Israeli Conflict (London: Routledge, [2015]). (1) Edward W. Said, The Question of Palestine (New York: Times Books, 1979).

هذه [إسرائيل] ليست مجتمعًا من «شبكات العنكبوت» أو من أفراد بلا جذور جاءوا لبسط السيطرة على

أرض ليست أرضهم برعاية الاستعمار والإمبريالية. يحمل الاقتباسان السابقان للباحث الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد والقانونية الإسرائيلية روث

غافيسون نظرتين إلى الصهيونية في فلسطين متناقضتين جذريًا. ففي الأول، يرى سعيد علاقة بين

الصهيونية والإمبريالية، وفي الثاني، ترفض غافيسون، في دفاع متحمس عن الصهيونية، بشدة أي ارتباط

بينها وبين الاستعمار. وتسهب المناقشة التالية في ملامح الاستعمار الاستيطاني والجدل الدائر حول تجلياته

في المشروع الصهيوني في فلسطين. يعالج هذا المبحث، وعلى وجه التحديد، ما يلي: ملامح الاستعمار، والجدل الدائر بشأن طبيعة الدولة

الإسرائيلية، ومنطق الصهيونية، ومكان هرتسل في التأريخ الصهيوني، والخروج على الإجماع الصهيوني،

ودور اللغة في الهيمنة، والتجريد من الإنسانية، وإضفاء الطابع الأمني على الدولة.

ملامح الاستعمار

على الرغم من أن الاستعمار مكروه أخلاقيًا بسبب طابعه الاستغلالي والمهيمن، فإن البعض يرى فيه جانبًا

مضيئًا لأنه جلب إلى الشعب المستعمَر عناصر التحديث، وجلب، في الحقيقة، الحضارة. وكما سنرى،

يتضح أن هذا هو الموقف الذي اعتمده الصهيونيون الليبراليون (على نقيض الصهيونيين التحريفيين)

في تبرير وصمة الاستيطان في استعمار فلسطين. وثمة ارتباط وثيق بين الاستعمار والتمييز العنصري.

والواقع أن التمييز العنصري الطويل الأمد نتيجة طبيعية للاستعمار الاستيطاني، كما كانت الحال في جنوب

أفريقيا وكما لا يزال مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ويحدد غلاسر في مقارنته بين التمييز

العنصري في جنوب أفريقيا والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أوجه تشابه وثيق

أخلاقي وبنيوي بين النظامين. وبحسب مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ريتشارد فالك)R. Falk(

الذي يخص بملاحظاته الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، «يشكّل الاستعمار تنصلً من الحقوق

الأساسية المتمثّلة في سلامة الأراضي وتقرير المصير. وقد بات التمييز العنصري يعامَل رسميًا باعتباره

جريمة ضد الإنسانية، وأخذ ترسيخ الملامح الاستعمارية والتمييزية للاحتلال الإسرائيلي شكل عملية

تراكمية ». يميز المؤرخ د. ك. فيلدهاوس)Fieldhouse(، وهو من أهم الباحثين في مجال الاستعمار والإمبريالية،

بين الاستعمار والاستيطان، وكلاهما منتج للتوسع الإمبراطوري وبناء الإمبراطورية، وبالتالي مؤثّر في

القيم والبنية الاجتماعية في المناطق المستعمرة. وينسب إلى الاستعمار هيمنة وسيطرة أشمل على المنطقة

(2) Ruth Gavison, «Partition - for Zionism’s Sake,» Haaretz, 10/6/2011, on the Web: <http://www.haaretz.com/print- edition/opinion/partition-for-zionism-s-sake-1.366891> (Accessed 11/6/2011). (3) Abigail B. Bakan and Yasmeen Abu-Laban, «Israel/Palestine, South Africa and the ‘One-State Solution’: The Case for an Apartheid Analysis,» Politikon: South African Journal of Political Studies , vol. 37, nos. 2-3 (2010). (4) Daryl Glaser, «Zionism and Apartheid: A Moral Comparison,» Ethnic and Racial Studies , vol. 26, no. 3 (May 2003). (5) Richard Falk, «Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967,» (United Nations Document; A/65/331, General Assembly, 30 August 2010), Accessed 3 January

المستوطنة، بينما يعني الاستيطان إعادة إنتاج النماذج الأوروبية لمجتمع المستوطنين في أراض جديدة يُزعم

أنها غير مأهولة: «الاستعمار هو استغلال من جانب مجتمع أجنبي ووكلائه الذين احتلوا البلد التابع لخدمة

مصالحهم الخاصة، وليس مصالح السكان الخاضعين». ويقدّم فيلدهاوس في كتاباته عن الاستعمار

البريطاني في الشرق الأوسط تمييزًا آخر بين ما يسمّيه مستعمرات الاحتلال ومستعمرات الاستيطان.

الأولى هي تلك المستعمرات التي كان يعتقد أنها توفر للمستعمر فوائد استراتيجية واقتصادية لفترة

من الزمن. أمّا الثانية، ككندا وأستراليا، فتشير إلى مستعمرات هدفها الاستيطان. وفي أحوال الشرق

الأوسط، «لا تنطبق أي من الحالتين على فلسطين »، وفق فيلدهاوس. ومع ذلك يشير إلى أن المستوطنين

الصهيونيين سيطروا، كما جرى في أستراليا ونيوزيلندا، على الاقتصاد الفلسطيني الحديث، وكان مستوى

معيشتهم أعلى من مستوى معيشة السكان الأصليين، واعتمدوا منذ البداية على سياسات الانفصال عن

السكان الأصليين، ولاحقًا، عشية تأسيس الدولة، شاركوا في ما يَعتَ ف بأنه «تطهير عرقي.» ويختلف الاستعمار الاستيطاني عن المشاريع الإمبريالية الكلاسيكية؛ فهذه الأخيرة تنفذ عسكريًا لجني

منافع اقتصادية وكسب دوائر نفوذ آمنة من دون استيطان الأراضي بالضرورة، بينما ينطوي الاستعمار

الاستيطاني على احتلال فعلي واستيطان دائم لبلد أو أرض، كما هي الحال في أستراليا ونيوزيلندا وجنوب

أفريقيا والأميركتين مثلً. وفي معظم الحالات، يوفر البلد الأم الحماية والرعاية. وقد تضمنت هذه

المشاريع الواسعة للاستعمار الاستيطاني تشريد السكان الأصليين وإخضاعهم، وأحيانًا إبادتهم؛ هؤلاء

الذين حُوِّلوا من أغلبية إلى أقلية، إن لم يكن عدديًا، فعلى الأقل لجهة علاقات القوة. لكن الاستعمار (أو

بالأحرى الإمبريالية) يمكن أن يتضمن هو الآخر احتلال أراض عسكريًا وإداريًا من دون استيطان.

والهند أيام الحكم البريطاني مثال لذلك. وفي بعض الحالات، يمثّل الاستعمار هجينًا من الاحتلال

العسكري والاستيطان، كالاستعمار الفرنسي في الجزائر حتى إخراج الفرنسيين بالقوة من الجزائر بعد

حرب دموية. والاحتلال والاستيطان الإسرائيليان للأراضي الفلسطينية في سنة 1967 مثال هجين آخر. ويستخدم باتريك وولف)P. Wolfe(الذي يبدي اهتمامًا كبيرًا بعواقب الاستعمار وميوله الإبادية على

حقوق الإنسان، مفردتي الاستيطان (Colonisation) والاستعمار (Colonialism) بالمعنى ذاته، ويؤكد

أن أفضل طريقة لفهم الاستعمار الاستيطاني هي أن لا ننظر إليه كحادث، بل باعتباره «بنية» وعملية

تمتد على مر الزمن وتنطوي على حركة أناس من بلد إلى آخر بغرض إقامة مجتمع مستوطنين على غرار

بلد المنشأ وهو أوروبي بشكل رئيس. وهناك افتراض ضمني في ثنائية الاستعمار/الاستيطان، وهو أن

الاستيطان أقل ضررًا في تأثيره في المنطقة المستعمرة. وهنا، كما ذُكر آنفًا، استنادًا إلى عمل فيلدهاوس،

(6) David Kenneth Fieldhouse, Colonialism, 1870-1945: An Introduction (New York: St. Martin’s Press, 1981), pp. 4-7. (7) David Kenneth Fieldhouse, Western Imperialism in the Middle East, 1914-1958 (Oxford; New York: Oxford University Press, 2006), p. 117. (8) Caroline Elkins and Susan Pedersen, «Settler Colonialism: A Concept and its Uses,» in: Caroline Elkins and Susan Pedersen, eds., Settler Colonialism in the Twentieth Century: Projects, Practices, Legacies (New York: Routledge, 2005). (9) Patrick Wolfe: «Structure and Event: Settler Colonialism, Time, and the Question of Genocide,» in: A. Dirk Moses, ed., Empire, Colony, Genocide: Conquest, Occupation, and Subaltern Resistance in World History, Studies on War and Genocide; v. 12 (New York: Berghahn Books, 2008), p. 123, and «Palestine, Project Europe and the (un-)Making of the New Jew: In memory of Edward W. Said,» in: Ned Curthoys and Debjani Ganguly, eds., Edward Said: The Legacy of a Public Intellectual (Carlton, Victoria: Melbourne University Press, 2007), pp. 313-349.

يستوطن المستعمرون مناطق لا يقطنها السكان الأصليون. والواقع أن للاستيطان، في رأي البعض، تأثيرًا

اقتصاديًا مفيدًا في المستعمَر، كما جادل مثلً منظرو الصهيونية والمستوطنون في أواخر القرن التاسع عشر

وأوائل القرن العشرين، وهي حجة تتكرر حتى يومنا هذا. على نقيض الاستعمار، يُظهر الاستيطان رؤية

حميدة، إن لم تكن إيجابية، للنشاط الاستيطاني مغلفة باللغة المحايدة المتمثّلة في «الاستقلال والمساواة» بين

المستعمِر والمستعمَر، حيث يدَّعى أن القصد ليس تهجير السكان المحليين أو الهيمنة عليهم، بل العيش معهم

جنبًا إلى جنب. ويُستخدم هذا النهج الذي انعكس في التصريحات والسياسات الاستيطانية الإسرائيلية

في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقبل ذلك في إسرائيل ذاتها، لتبرير مصادرة الأراضي العربية بالجملة،

وعرقنة (Racialization) السكان الأصليين، والفصل المكاني بين المستعم ر والمستعمَر. وكما سنبين في

هذه الدراسة، أكان من حيث الأيديولوجيا أم من حيث النتائج، فإنه من الصعوبة بمكان أن نقبل الفصل

البحت بين الاستعمار والاستيطان. ولا بد أن ينطوي استيطان جماعة مستعمرة أراضي جديدة على فرض

سيطرة على السكان الأصليين بشكل أو بآخر، بغضّ النظر عمّ إذا كان للجماعة المستوطنة علاقات رسمية

بعاصمة أجنبية أم لا. وبالتالي، فإن الاستعمار الاستيطاني تسمية أنسب لوصف حالتنا هذه. وتبيّ الدراسة

أن أهم عواقب الاستعمار الاستيطاني هي التعدي على الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا

سيما حقوق المواطنة، للسكان الفلسطينيين في إسرائيل ذاتها، وكذلك في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ولكن في نهاية المطاف، لا بد أن يعتمد الاستعمار على شكل من أشكال الرعاية أو الحماية بالوكالة، تلك

التي استفاد منها في النهاية المستوطنون الصهيونيون استفادة كاملة في فلسطين إبان الانتداب. تحظى العلاقة بين الاستعمار الاستيطاني والإبادة الجماعية بقبول متزايد في دراسات حقوق الإنسان.

وبوحي من العمل المؤثر للباحث القانوني البولندي رافائيل ليمكين في أعقاب الحرب العالمية الثانية،

سعى باحثون، مثل وولف الآنف الذكر، وغيره لتطبيق مفاهيم الإبادة الجماعية التي استخدمها ليمكين

في تحليل جرائم الحرب النازية في دراسة وضع الفلسطينيين. ضمن نموذج الاستعمار، يمكننا التعرف أيضًا إلى الاستعمار الداخلي أو المحلي)Domestic Colonialism(

الذي يعني استغلال جماعة مستوطنة مهيمنة (وذريتها) لسكان أصليين يسكنون معهم في كيان جغرافي سياسي في دولة ما بعد الاستعمار، كما في جنوب أفريقيا وأيرلندا الشمالية وإسرائيل/ فلسطين. يناقش ديفيد ليون، في مقالة حديثة، مدى انطباق نموذج الاستعمار الداخلي على حالة إسرائيل/فلسطين.

ويقول إن الاستعمار الداخلي يميز بين المواطنين والرعايا. وتمثّل سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية شكل

(10) Raphaël Lemkin, Axis Rule in Occupied Europe: Laws of Occupation, Analysis of Government, Proposals for Redress (Washington: Carnegie Endowment for International Peace, Division of International Law, 1944). (11) Damien Short and Haifa Rashed, «Genocide and settler colonialism: can a Lemkin-inspired genocide perspective aid our understanding of the Palestinian situation?,» International Journal of Human Rights , vol. 16, no. 8 (December 2012); David Lloyd, «Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/Israel,» Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (Special Issue): Past Is Present: Settler Colonialism in Palestine (2012); Martin Shaw, «Palestine in an International Historical Perspective on Genocide,» Holy Land Studies , vol. 9, no. 1 (May 2010), and A. Dirk Moses, «Empire, Colony, Genocide: Keywords and the Philosophy of History,» in: Moses, ed., Empire, Colony, Genocide. (12) Michael Hechter, Internal Colonialism: The Celtic Fringe in British National Development, 1536-1966 , International Library of Sociology (London: Routledge and Kegan Paul, 1975). (13) David Lyon, «Identification, Colonialism and Control: Surveillant Sorting in Israel/Palestine,» in: Elia Zureik, David Lyon and Yasmeen Abu-Laban, eds., Surveillance and Control in Israel/Palestine: Population, Territory and Power , Routledge Studies in Middle Eastern Politics; 33 (London; New York: Routledge, 2011).

من أشكال الاستعمار الداخلي، لأن سكانها الفلسطينيين رعايا تسيطر عليهم إسرائيل إقليميًا لكنهم لا

يملكون حقوق المواطنة. قلت في مكان آخر إن الفلسطينيين في إسرائيل، على الرغم من أنهم مواطنون رسميًا، مستعمَرين داخليًا أيضًا من نظام سياسي يقيد وصولهم إلى الموارد (خاصة الأراضي والتعليم

والسكن بل والوظائف) وممارسة حقوق المواطنة الكاملة. أخيرًا، هناك استعمار جديد يعتمد، باستخدامه مذاهب الليبرالية الجديدة والسوق الحرة، على العلاقات

الثنائية بين الدول واستخدام المنظمات فوق الوطنية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمات أخرى من هذا القبيل، لإعادة هيكلة السياسات والثقافات والاقتصادات الداخلية للدول الأضعف (ما بعد الاستعمار بشكل رئيس) من دون احتلالها ماديًا وعسكريًا. ويخفي الخطاب الحالي المحيط بالعولمة

شكلً جديدًا من أشكال الاستعمار الجديد اتسع نطاقه منذ أواخر القرن العشرين. تُستكمل المقاربتان البنيوية والمقارنة لفهم الاستعمار اللتين نوقشا آنفًا بمقاربة يهودا شنحاف «ظواهر

الاستعمار» التي يعني بها طريقة النظر إلى الواقع الاستعماري وعيشه من ق بل من هم في مجاله، مستعمَرين

ومستعمِرين. وقد جرت دراسة هذا الجانب التجربي)experiential(والذاتي للواقع الاستعماري بشكل دقيق من جانب فرانز فانون)F. Fanon(في كتاباته عن الاستعمار الفرنسي في الجزائر، ولا سيما عمله الكلاسيكي المعذبون في الأرض (1967). وكما ستبين هذه الدراسة، يتطلب فهم عنصرية الدولة الإسرائيلية الخوض في الجوانب الذاتية للممارسات العنصرية كما تتجلى في سياق استعماري. وستسبر هذه الدراسة أيضًا معالم العنصرية في المجتمع الإسرائيلي وتسلط الضوء على خلفية ملاحظة نوريت بيليد أن «أطفال إسرائيل يربون ضمن خطاب عنصري متصلب، خطاب عنصري لا يتوقف عند نقاط التفتيش، بل يحكم العلاقات الإنسانية كافة في هذا البلد». وعلى النقيض من عنصرية الفرد والجماعة التي تظهر جلية في استطلاعات الرأي العام في إسرائيل، تؤكد الدراسة أن عنصرية الدولة وحاكميتها البيوسياسة تعزز أشكال العنصرية الفردية والجماعية - أحدها يغذي الآخر.

(14) Elia T. Zureik, The Palestinians in Israel: A Study in Internal Colonialism , International Library of Sociology (London; Boston: Routledge and K. Paul, 1979). (15) David Lyon, «National Ids in a Global World: Surveillance, Security, And Citizenship,» Case Western Reserve Journal of International Law, vol. 42, no. 3 (2010); David Harvey, A Brief History of Neoliberalism (Oxford; New York: Oxford University Press, 2005), and Nancy Fraser, «Reframing Justice in a Globalizing World,» New Left Review , no. 36 (November- December 2005). (16) Yehouda Shenhav, «The Phenomenology of Colonialism and the Politics of ‘Difference’: European Zionist Emissaries and Arab-Jews in Colonial Abadan,» Social Identities , vol. 8, no. 4 (2002). (17) Nurit Peled-Elhanan: «Legitimation of Massacres in Israeli School History Books,» Discourse Society , vol. 21, no. 4 (July 2010), p. 1, and «About Educating towards Racism and the Murder of Children,» (2006) [Hebrew], on the Web: <http://www.mahsanmilim.com/NuritPeledElhanan.htm>, English Translation is available on: <AcademicsforJustice@ yahoogroups.com> (Accessed 16 December 2009).

((1(يؤخذ في الاعتبار، مثلً، استطلاع للرأي العام أُجري مؤخرًا وتبيّن أن ٥٩ في المئة من اليهود في إسرائيل يعتقدون أن هناك

عنصرية في إسرائيل، وأن ثلثيهم يقولون إن السكان العرب هم هدف هذه العنصرية. انظر:

Israel Today, 17 March 2014 [Hebrew[.

ما هي دولة إسرائيل؟

إجمالً، لا يزال علم الاجتماع السائد وفيًا لوصف إسرائيل بأنها «رائدة» و«مجتمع مستوطن

مهاجر»، ديمقراطي في الأساس، إن لم تكن، كما جرت العادة القول، «الديمقراطية الوحيدة

في الشرق الأوسط» التي لا تملك إلا القليل من القواسم المشتركة مع مشاريع أوروبا الاستعمارية

الاستيطانية. ويرى البعض الصهيونية امتدادًا لما يسمّى قومية الشتات. هذا على الرغم من أنها، باعتراف بعض

الصهيونيين، تطورت في ظل «الإمبريالية الأوروبية الرسمية وغير الرسمية»، إذ جهد قادة صهيونيون كبار

مثل ثيودور هرتسل وحاييم وايزمان وفشلوا في البداية في «إقناع القادة الأوروبيين بأن اليهود سيشكّلون

جماعة المستوطنين البيض في البلاد، باعتبار أنها الجماعة المتعاونة المثالية التي تخدم مصالح القوى الامبريالية

الاستعمارية، كما هي الحال في أستراليا ونيوزيلندا وروديسيا والجزائر». هدفنا في هذا القسم هو عرض مختلف الفروع التي تتبنّى (سلبًا أو إيجابًا) المقاربة الاستعمارية أساسًا في

وصف إسرائيل. في أوساط أولئك المستعدين لتبنّي منظور استعماري (منهم أقلية من الكتّاب الإسرائيليين)،

ترتبط الدولة الإسرائيلية بمجموعة من التسميات؛ فيصف شافير وبيليد المجتمع الإسرائيلي من حيث

اجتماعه حول ثلاثة أهداف «متناقضة»: الاستعمار والقومية العرقية والديمقراطية. وفي مقالة حديثة،

يؤكد شافير وبيليد بشكل لا لبس فيه أن المشروع الصهيوني في تجلياته في سنتي 1948 و 1967 يشكّل

مشروعًا استعماريًا:

نعتقد أن الطابع الاستعماري للمشروع الصهيوني تبدَى بشكل مقنع في الأدبيات العلمية ويجب مواجهته من دون مراوغة. ويوفر هذا الاعتراف إطارًا مفاهيميًا متماسكًا لفهم دولة إسرائيل والأراضي المحتلة ككيان سياسي واحد.

(19) Shmuel Noah Eisenstadt, Israeli Society, Publication Series in the History of Zionism and the Yishuv (London: Weidenfeld and Nicolson, 1967).

(((2 لاع على رأي مخالف بشأن الديمقراطية والاستعمار في التجربة الإسرائيلية، انظر للاطّ:

Neve Gordon,«Democracy and Colonialism,» Theory and Event, vol. 13, no. 2 (2010), on the Wen: <DOI: 10.1353/ tae.0.0138> (Accessed 23 July 2013).

عبّر توماس عبود عن وضع دراسات العلوم الاجتماعية بشأن إسرائيل بدقة. انظر:

Thomas Abowd, «National Boundaries, Colonized Spaces: The Gendered Politics of Residential Life in Contemporary Jerusalem,» Anthropological Quarterly , vol. 80, no. 4 (2007). (21) Anthony D. Smith, «Zionism and Diaspora Nationalism,» Israel Affairs , vol. 2, no. 2 (1995). (22) Arnon Golan, «European Imperialism and the Development of Modern Palestine: Was Zionism a Form of Colonialism?,» Space and Polity , vol. 5, no. 2 (2001), p. 141.

(((2 من التسميات الكثيرة التي تصف النظام السياسي في إسرائيل بالإضافة إلى الديمقراطية ما يلي: الديمقراطية الإثنية، والحكم

الإثني، والديمقراطية الجزئية. انظر على التوالي:

Oren Yiftachel ,Ethnocracy:Land and Identity Politics in Israel/Palestine (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2006), and Nurit Elstein, «Partial Democracy,» Haaretz , 26/12/2011, on the Web: <http://www.haaretz.com/print- edition/opinion/partial-democracy-1.403608> (Accessed 23 July 2013). (24) Gershon Shafir and Yoav Peled, Being Israeli: The Dynamics of Multiple Citizenship, Cambridge Middle East studies; 16 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2002), p. 1. (25) Horit Herman Peled and Yoav Peled, «Post-Post-Zionism?: Confronting the Death of the Two-State Solution,» New Left Review, no. 67 (January- February 2011), p. 117.

ردد أورن يفتحئيل ذات مرة حجة «الضرورة» عند الإشارة إلى الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي قبل

سنة 1948 بصفته «استعمار البقاء العرقي» أو«استعمار المهجرين [اليهود]». لكنه كان على استعداد

لاستخدام نموذج الاستيطان عند تحليل السياسات الإسرائيلية الحالية حيال بدو النقب. وفي الآونة

الأخيرة كان يفتحئيل، في معرض تعليقه على وضع مواطنة الفلسطينيين في إسرائيل، أكثر انفتاحًا

عندما اعترف بأن لدى إسرائيل «مشروع تهويد قائمً على الهيمنة والاستعمار». وتصف رونيت لنتين

)R. Lentin(إسرائيل بأنها «دولة عرقية» (Racial State) لا «نظام حكم إثنوقراطي»، أو «ديمقراطية

عرقية»، أو «مجتمع استيطاني»، أو حتى «دولة عنصرية». ويدين تعريفها للدولة العنصرية لإتيين باليبار

ودافيد غولدبرغ أكثر ممّا يدين ل«عنصرية الدولة» لفوكو (Foucault) الذي تحتاج الدولة وفقه إلى

الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الداخلية والخارجية باستهداف جماعات محددة تشكل خطرًا على سيادة

الدولة وتهددها. وتستند «عرقية الدولة» على ملامح ثقافية وعرقية بدلً من التركيز على المنطق البيولوجي

أو اللون باعتباره المعبّ عن العرق. وفي نهاية المطاف، فإن «الدول العرقية هي دول مراقَبة، تراقب السكان

وتبني هيئات سهلة القياد». يُطلق رونين شامير، من خلال رصده الاستخدام الفعّال لمسؤولي الاستعمار اليهودي للبنية التحتية

لحكومة الانتداب، على الديناميات الصهيونية البريطانية في فلسطين في عهد الانتداب اسم «الاستعمار

المزدوج»، محاججًا بأن السكان اليهود في البلاد «كانوا ناشطين في الممارسات المادية الملموسة للاستعمار»،

في حين قدمت السلطات البريطانية المظلة الاستعمارية السياسية والقانونية والإدارية. ومن الدقّة القول

إن تسمية الاستعمار، إذا ما استُحضرت في هذا المجال، تُستخدم عادة في إشارة إلى السياسات الإسرائيلية

في الأراضي الفلسطينية المحتلة. من ناحية أخرى، تُظهر آن ستولر (Stoler. A) تأكيدًا أكبر في خاتمتها وتستشهد به هانّا أرندت (Arendt H.)

لتقول إنه إذا عرّفنا الديمقراطية، كما تفعل أرندت، بأنها «‹الحق في الحصول على حقوق› لشعب بأكمله

(26) Oren Yiftachel, «Israeli Society and Jewish-Palestinian Reconciliation: ‘Ethnocracy’ and Its Territorial Contradictions,» Middle East Journal , vol. 51, no. 4 (Autumn 1997). (27) Oren Yiftachel, Epilogue: Studying Naqab/Negev Bedouins: Toward a colonial paradigm,» Hagar: Studies in Culture, Polity and Identities, vol. 8, no. 2 (2008). (28) Oren Yiftachel, «Palestinian Citizenship in Israel,» pp. 129-136, in: Nadim N. Rouhana and Areej Sabbagh-Khoury, eds. The Palestinians in Israel: Readings in History, Politics and Society (Haifa: Mada al-Carmel, 2011), p. 128. (29) Etienne Balibar, «Is there a 'Neo-Racism'?,» in: Etienne Balibar and Immanuel Wallerstein, Race, Nation, Class: Ambiguous Identitie s (Translation of Etienne Balibar by Chris Turner. London; New York: Verso, 1991). (30) David Theo Goldberg, «Racial Palestinianization,» in: Ronit Lentin, ed., Thinking Palestine (London; New York: Zed Books, 2008), pp. 25-45. (31) Ronit Lentin, «Racial State, State of Exception,» State of Nature (Autumn 2008), on the Web: <http://www. stateofnature.org/racialState.html> (Accessed 24 July 2010). (32) Ronen Shamir, The Colonies of Law: Colonialism, Zionism, and Law in Early Mandate Palestine, Cambridge Studies in Law and Society (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2000). (33) Geremy Forman and Alexandre Kedar, «Colonialism, Colonization and Land Law in Mandate Palestine: The Zor al-Zarqa and Barrat Qisarya Land Disputes in Historical Perspective,» Theoretical Inquiries in Law , vol. 4, no. 2 (July 2003), p. 499, and Ronen Shamir, «Nation-building and Colonialism: The Case of Jewish Lawyers in Palestine,» International Journal of the Legal Profession , vol. 8, no. 2 (2001), pp. 109-123.

للاطلاع على مناقشة دقيقة بشأن ما إذا كانت الصهيونية استعمارية أم لا، انظر:

Forman and Kedar, «Colonialism, Colonization and Land Law».

ضمن سلطة الدولة، فلا يمكن اعتبار الدولة الإسرائيلية دولة ديمقراطية». وفي مقالة مميزة حديثة،

يصف وليد الخالدي إسرائيل بأنها دولة إخضاع، يشبه سلوك المستوطن الاستعماري فيها نظيره في إسبانيا

والبرتغال في شبه الجزيرة الإيبيرية في القرن الخامس عشر. ويصوّر الخالدي هذا التشابه بين الاثنين

كما يلي:

بهذه الطريقة الجوهرية نفسها، كانت الصهيونية منذ البداية في موقع الهجوم حرب استرداد (((3. وكما في الحالة الإيبيرية، لم يكن هناك أي تفكير جدي بما يجب فعله مع «المغتصبين» أو «الغرباء» على الأرض - كانوا ببساطة عقبات تعترض مسيرتها نحو الأمام. ولم تكن الشراكة مطروحة إطلاقًا لأن جوهر البحث كان حقًا أصليًا، حصريًا، غير قابل للطعن، ومقدسًا في الواقع.((3(...

قطع الجدل بشأن طبيعة إسرائيل شوطًا طويلً منذ أن كان يُنظر إليها على نطاق واسع، على حد

تعبير أبا إيبن، بوصفها «منارة للأمم». ويُعتبر انشغال الباحثة الأنثروبولوجية نادية أبو الحاج بعمل

غولدبرغ مثالً حديثًا للمدى الذي وصل إليه الجدل؛ ففي تعليقها على فكرة غولدبرغ «عنصرة

الفلسطينيين» (Palestinianization Racial) وبأن إسرائيل دولة استعمارية نيوليبرالية، تؤكد الحاج أن

أفضل وصف لإسرائيل هو أنها «وجه يانوس»: «إنها نظام يناور ويتحدث بطرق مختلفة بالعلاقة

مع أشكال متغيرة لرأس المال وأشكال متغيرة للتخيلات السياسية العالمية وأشكال متغيرة لنضالات

- ‹ تهديدات › - معارضة على الأرض». ويُسجَّل لغولدبرغ أنه دفع بمناقشة الع رق أبعد من التركيز

المعتاد على دراسة العلاقات العرقية في المجتمعات الليبرالية التي انشغلت بقضايا البياض وعمى

الألوان والتمييز. وبالإضافة إلى الاحتلال وتوسيع المستوطنات، يزعم غولدبرغ أن موقف نزع

الإنسانية عن الفلسطينيين في الخطاب الإسرائيلي يكمن وراء مفهوم الفلسطنة العنصرية. فهو يقول

في كتاب The Threat of Race (تهديد العرق):

الفلسطنة العنصرية هي بالتالي تخيّل الظروف المعاصرة بما هي إسقاط للماضي المتصور بمصطلحات سياسة الحاضر. الفلسطيني هو فلسطيني قديم (Philistine) ذو قيم ومصالح ورغبات غير مثقفة، بمعنى حس بدائي بعدم التطور في ما بعد الأهواء والدوافع والنزوات والشراسة القديمة والدوافع غير المسؤولة التي تطلقها. ما من دافع للفلسطيني سوى الكراهية والغضب غير المبرر، وهو غير قادر على نسق أرقى للقيم، وعلى سببية أعمق، وعلى المسؤولية كنتاج للاختيار الحر.

(34) «Eminent Scholar Ann Stoler Endorses Boycott of Israel,» (Statement released by Ann Stoler, 10 September 2010), on the Web: <http://pulsemedia.org/2010/09/17/eminent-scholar-ann-stoler-endorses-boycott-of-israel/> (Accessed 23 July 2013).

((3(Reconquista (بالإسبانية في الأصل) أو الريكونكيستا: سلسلة من الحروب أنهت الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية

وانتهت بسقوط غرناطة سنة 1492. (المترجم)

(36) Walid Khalidi, «The Reconquista of Palestine: From the 1947 United Nations Partition Resolution to the First Zionist Congress of 1897,» Journal of Palestine Studies, Vol. 39, no. 1 (Autumn 2009), pp. 30-31.

(((3 نسبة إلى الإله «يانوس» الذي يملك وجهين أحدهما ينظر شرقًا وآخر غربًا، والمقصود هنا الازدواجية المتناقضة. (المترجم)

(38) Nadia Abu El-Haj, «Racial Palestinianization and the Janus-Faced Nature of the Israeli State,» Patterns of Prejudice, vol. 44, no. 1 (2010), p. 29. (39) David Theo Goldberg, The Threat of Race: Reflections on Racial Neoliberalism (Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2009), p. 126.

يخلص غولدبرغ إلى أن «‹عنصرة الفلسطينيين› اليوم هي الشكل الأكثر قمعًا والأكثر قهرًا وإهانة

والأكثر فتكًا من أشكال الاستهداف والوصم والتبرير العنصري». لا يُعرَف الفلسطينيون ببساطة

بأنهم مجموعة عرقية أو فئة مختلفة، بل هم «مجموعة عرقية محتقرة وشيطانية». واستنادًا إلى فوكو،

يلاحظ غولدبرغ أن «سيادة الدولة تدافع عن نفسها قبل كل شيء من أجل تأمين الجماعة، وعنصريتها

العرقية (Ethnoraciality)، وحماية نقائها ودوامها وسلطتها، التي تتعهد بالوجود من أجلها وتسعى إلى

تمثيلها». وبينما تؤيد الحاج وصف غولدبرغ للعنصرية الإسرائيلية، فإنها تبتعد عن اعتبارها «عنصرية ولدت من

جديد، تضع ‹عنصرة الفلسطينيين› ضمن مسار تاريخي لم يحدث أبدًا في الدولة الإسرائيلية». ففي حين

لم يُعط الفلسطينيون السلطة لرواية تاريخهم، راكم الإسرائيليون، وفق غولدبرغ، بنجاح «رواية تاريخية

مضادة» بكسب قبول العالم كدولة ذات سيادة، على الرغم من إنجاز ذلك على حساب الرواية الفلسطينية.

وقام تأسيس دولة إسرائيل، وفي الواقع الأيديولوجيات التي شكّلت الصهيونية، على عنصرية استعمارية

«من البداية»، على حد تعبير الحاج. ولكن قبل كل شيء لا بد من الاعتراف أولً بنتيجة كون إسرائيل

دولة استيطان استعماري. وتطرح الحاج سؤالً بقولها: ما ينتج من ذلك هو لماذا ينبغي أن يرضخ

الفلسطينيون، كسائر الشعوب المستعمَرة، لوجود دولة إسرائيل وألّ يشككوا في شرعيتها؟ وأخيرًا،

تشكك الحاج بإشارة غولدبرغ إلى إسرائيل كدولة نيوليبرالية؛ فقد شاركت الدولة الإسرائيلية، كونها

دولة استعمارية، بنشاط في توسع المستوطنات ودعمها. وينفي هذا التدخل الشديد للدولة أي توصيف

للحكم الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة (أو في إسرائيل ذاتها) بأنه نيوليبرالي. وتختتم بالقول

إن الدولة الإسرائيلية تحمي المستوطنين عبر جهازها العسكري، إلا أنها «تستثمر في تدمير البنى التحتية

وسبل العيش وحياة الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتها. وهذا ‹تهذيب نيكروسياسي لدولة استعمارية

نشيطة وتدخلية على الدوام»›. على الرغم من تصنيف إسرائيل بأنها «مجتمع استعماري استيطاني»، تميل مناقشات الاستعمار إلى تعميم

خصائصه المشتركة بغضّ النظر عن مكان وقوعه؛ هناك خطر إهمال ميزاته الخاصة المشروطة جغرافيًا

وتاريخيًا. وبالنسبة إلى البعض، تطور الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية 45 عامًا تدريجيًا

ليتميز من غيره من الأشكال المألوفة للاستعمار الكلاسيكي. وكما قال أريئيل هاندل، فإن استعمار الضفة

(40) Goldberg, «Racial Palestinianization,» p. 39.

(((4 المصدر نفسه، ص.42

(((4 المصدر نفسه، ص.28

(43) Abu El-Haj, p. 29.

(((4 المصدر نفسه، ص.32

(((4 من Necropolitics، وهي العلاقة بين السيادة والسلطة على الحياة والموت. (المترجم)

(((4 المصدر نفسه، ص.40

(47) Yoav Peled, «Towards a Post-Citizenship Society? A Report from the Front,» Citizenship Studies , vol. 11, no. 1 (2007); Patrick Wolfe, «Settler Colonialism and the Elimination of the Native,» Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), p. 35, and Joseph Massad, The Persistence of the Palestinian Question: Essays on Zionism and the Palestinians (New York, NY: Routledge, 2006), pp. 13-31. (48) A. Handel, «Where, Where to Go, and When in the Occupied Territories: An Introduction to Geography of Disaster,» in: Adi Ophir, Michal Givoni and Sari Hanafi, eds., The Power of Inclusive Exclusion: Anatomy of Israeli Rule in the Occupied Palestinian Territories (New York: Zone Books, 2009).

الغربية ليس مسألة إدارة للسكان باستخدام إطار فوكوي للسياسة الحيوية، بقدر ما هو مسألة سيطرة على

الموارد (الأراضي والمياه والأجواء) مع إهمال السكان، أو، كما عبّ تيد سويدنبورغ (T. Swedenburg)

سابقًا عن الصهيونية بصفة عامة: «ما يبدو مميزًا في الاستعمار الصهيوني هو أنه، في معظم الأحيان، يعبر

عن غيرية (altruism) تجاه الأرض وليس تجاه السكان الأصليين الذين يعيشون عليها». كما تبنى نيفي

غوردون الموقف الذي يرتكز على الفصل المكاني بين المستعمِر والمستعمَر في أوضاع الضفة الغربية، مع

عواقب على السكان، كما جاء في هذا الاقتباس الطويل:

أرى أن الاحتلال عمل سنوات عديدة وفق مبدأ الاستيطان، وأقصد بذلك محاولة إدارة حياة الناس وتطبيع الاستيطان، مع استغلال موارد المنطقة (الأراضي والمياه والعمل في حالتنا). ومع مرور الوقت، قوّضت

سلسلة من التناقضات البنوية هذا المبدأ وأفسحت الطريق في منتصف التسعينيات لمبدأ توجيهي آخر، هو مبدأ الفصل. وأعني بالفصلالتخلّ عن الجهود المبذولة لإدارة حياة السكان المستعمرين (باستثناء الأشخاص الذين يعيشون في مناطق التماس أو يمرون بنقاط التفتيش)، مع الإصرار على استمرار استغلال الموارد غير البشرية (الأرض والمياه). ويفسر عدم الاهتمام أو اللامبالاة بحياة المستعمرين، وهو سمة لمبدأ الفصل، الارتفاع الأخير في أعمال العنف المميتة.

إن الإهمال الاستعماري، إن أمكننا تسميته على هذا النحو، هو مسألة مدروسة ومصممة ومخطط لها

وبدقة شديدة بمثل هذه الطريقة لخنق المجتمع الفلسطيني وإيقاع أكبر قدر من الفوضى في الحياة الطبيعية

للسكان الفلسطينيين الأصليين باستخدام ما سمّه وولف بدقة «المنطق العملي للصهيونية». والفصل،

كسياسة، ما هو إلا جانب ممّا يسمّى الإهمال، ولكن ينبغي عدم الخلط بينه وبين أي تصميم حميد. إنه في

الواقع شكل من أشكال الفصل العنصري، كما يراه غوردون. ويمكن القول إن إطار فوكو النظري أكثر أهمية لفهم موقف المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ممّا هو لفهم

السياسات الاستعمارية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وحتى في الحالة الأولى، فإن التزامات

إسرائيل بالحاكمية (Governmentality) من أجل «تطبيع» وضع أقليتها الفلسطينية ذات نطاق مقيد

وهي، على عكس التزاماتها حيال السكان اليهود، لا تهدف إلى تطبيع الفلسطينيين عبر الاندماج والمشاركة

في الجسم الاجتماعي. ومع أن قوة المراقبة التأديبية هي حجر الزاوية في معاملة إسرائيل لكل مواطنيها، فإن

الانقياد هو السلوك اليومي المتوقع من الأقلية الفلسطينية. ويختلف الوضع في الضفة الغربية اليوم جذريًا

وينسجم مع ما وضّحه غوردون وهاندل أعلاه. تتصرف إسرائيل كقوة استعمارية ذات سيادة في الأراضي

الفلسطينية المحتلة لا تخضع للمساءلة عن أعمالها أمام من تحكمهم. ثمة انحراف مثير للاهتمام عن النموذج الاستعماري يقدمه إيال وايزمان، المهندس ومخطط المدن وأحد

منتقدي ما يُعترف بأنه معاملة إسرائيل الوحشية للسكان الفلسطينيين الأصليين في الضفة الغربية. يقول

وايزمان، في رفضه الاستعمار كنموذج قابل للتطبيق، إن سيطرة إسرائيل على الفلسطينيين ينبغي أن

(49) Ted Swedenburg, Memories of Revolt: The 1936-1939 Rebellion and the Palestinian National Past (Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1995), pp. 59-60.

(((5 خط مائل في النص الأصلي، انظر:

Neve Gordon, Israel’s Occupation (Berkeley: University of California Press, 2008), p. 19 (51) Wolfe, «Palestine, Project Europe,» p. 329. (52) Eyal Weizman, «Beyond Colonialism: Israeli/Palestinian Space,» Interview with Konstantin Kastrissianakis, Re- Public, 27/9/2007 , on the Web: <http://www.re-public.gr/en> (Accessed 27 January 2012).

يُنظر إليها في المقام الأول من ناحية التكوين المكاني. ويزعم أن النزعة الاستعمارية في الأساس، بوصفها

تصميمً تاريخيًا كبيرًا، لا تأخذ في الحسبان أساليب التحدي اليومي الممارَس على الفضاء كما يمارسه

الفلسطينيون والجهات الفاعلة الدولية الأخرى كالمنظمات غير الحكومية في مواجهة الاحتلال، ذلك

أن الاستعمار يعطي الكثير من الاهتمام لدور أيديولوجيا الدولة (الصهيونية)، ولا يفسر «التصدعات

الكثيرة» في الهيمنة الإسرائيلية على الفلسطينيين. ولكن بما أن الفضاء والأرض، كما تبين هذه الدراسة،

محوريان للاستعمار بمختلف أشكاله، فلماذا لا نعترف بالسمات الاستعمارية لطرق إسرائيل في السيطرة؟

إننا لسنا مقتنعين بأن مخاوفه لا يمكن معالجتها بمنظور الاستعمار كما توضح مناقشتنا. ومع ذلك، ما الذي

يحفز أفعال دولة إسرائيل، إن لم يكن مباشرةً دثار الأيديولوجيا الصهيونية التي جرى شحذها طوال أكثر

من قرن كوسيلة للسيطرة على الفلسطينيين وطردهم؟ بيد أن منهجية وايزمان، بما أنها تركز على تفصيلات

السيطرة، كما سنوضح لاحقًا، مفيدة جدًا في تقويم طبيعة المراقبة الاستعمارية من دون إغفال رؤية الغابة

(الاستعمار) لمصلحة الأشجار (التحديات اليومية.) إن ادعاء أن دولة ما ديمقراطية لا يستبعد وجود علاقة بين الاستعمار والديمقراطية؛ فما يسمّى الدول

الديمقراطية الأوروبية كان دولًاستعمارية في المقام الأول، وكذلك التجربة الأميركية من منتصف القرن

التاسع عشر. وكما يوضح غوردون، اقترن الاستعمار بالعديد من الأنظمة الديمقراطية التي تمارس

مجالات استعمارية على الآخرين. ومع أن غوردون لا يؤيد فكرة أن إسرائيل دولة ديمقراطية، فإنه يبي

أن مشروعها في الأراضي الفلسطينية المحتلة نموذج للأنظمة الاستعمارية الديمقراطية، على الرغم من

الخواص المذكورة أعلاه. وثمة إشارة مماثلة يوردها مارك دوفيلد (Duffield. M) الذي يحدد، بالعودة

إلى جون ستيوارت مِل، مبرر المساعدات الخارجية في التصاميم الإمبريالية التي تضعها الدول الغنية

والمتبنية للقيم الليبرالية محليًا وتتصرف خارجيًا ك «ممارسي إمبراطورية». وبطريقة أعم، حذر المؤرخ

توني جُودت من النزعات العدوانية للديمقراطية: «توضح الحرب في العراق أن الديمقراطية، ولا سيما

الديمقراطية المسلحة، تقاد بسهولة بالغة إلى الحرب ما دامت تروي قصصًا من النوع الذي يتناغم مع

صورتها الذاتية». لا ننوي إراقة مزيد من الحبر في مناقشة الجدل الدائر بشأن ما إذا كانت إسرائيل مجتمعًا استعماريًا أم لا؛

فمن المهم لهذه المناقشة أن تسلط الضوء على سبب اعتقادنا (وعدد متزايد من الكتّاب) بأن سياسات

(53) Alfred W. McCoy, Policing America’s Empire: The United States, the Philippines, and the Rise of the Surveillance State, New Perspectives in Southeast Asian Studies (Madison, Wis.: University of Wisconsin Press, 2009). (54) Gordon, «Democracy and Colonialism». (55) Mark Duffield, «Development, Territories, and People: Consolidating the External Sovereign Frontier,» Alternatives: Global, Local, Political , vol. 32, no. 2 (April 2007), p. 228, and Anthony J. Hall, The American Empire and the Fourth World , McGill-Queen’s Native and Northern Series; 34. Bowl with One Spoon; v. 1 (Montreal; Ithaca: McGill-Queen’s University Press, 2005). (56) Tony Judt and Timothy Snyder, Thinking the Twentieth Century (London: William Heinemann, 2012), p. 307.

(((5 أساسًا، يميل هؤلاء الباحثون الذين يعترفون بالطابع الاستعماري للمجتمع الإسرائيلي، ومن بينهم أولئك الذين يتطابقون

مع الكتاب الإسرائيليين الليبراليين، إلى الحد من إمكانية تطبيق النموذج الاستعماري على الفترة التي أعقبت حرب 1967 وإقامة

المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. للاطّلاع على استثناء ذلك، انظر:

Gershon Shafir, «Zionism and Colonialism: A Comparative Approach,» in: Ilan Pappé, ed., The Israel/Palestine Question, Rewriting Histories (London; New York: Routledge, 2003).

الاستيطان الأصلية للصهيونية التي يعود تاريخها إلى الجزء الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تُظهر سمات تتوافق مع سمات الأنظمة الاستعمارية المستلهمة من أوروبا. وكما يستنتج غلين بومان، إنها تمثيل فكري في شكل صهيونية استيطانية هرتسلية وارتباطها بالاستعمار الأوروبي الذي لا يزال يغذي طبيعة السياسات والمعاملة الإسرائيلية للفلسطينيين في فلسطين التاريخية.

منطق الصهيونية

... الأفكار السياسية كالصهيونية يجب دراستها تاريخيًا بطريقتين: (1) من حيث النَّسب، بغية إثبات مصدرها، وقرابتها ونسبها، وانتمائها إلى أفكار أخرى وإلى مؤسسات سياسية، (2) كنظم عملية للتراكم (السلطة، الأرض، الشرعية الأيديولوجية) والاقتلاع (Displacement) (أشخاص، أفكار أخرى، شرعية سابقة [الأقواس في النص الأصلي)].

في لغة حاييم وايزمان الازدرائية، سيجري تعزيز المشروع الصهيوني في فلسطين بطريقة تدريجية مماثلة، «فدان آخر، عنزة أخرى»، وعلى الرغم من المعارضة الفلسطينية. وفي مواجهة الامتلاك الصغير للأراضي عن طريق الشراء، بدأ الاستيطان الصهيوني في فلسطين المنتدبة، ولاحقًا في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، بممارسات خفيّة عبر التسلل والترويع والقوة العارية التي بلغت ذروتها في التطهير العرقي سنة 1948 واستمرار مصادرة الأرض والأملاك في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وامتدت عملية الطرد إلى مصادرة وتدمير المناطق المبنية من منازل وقرى بأكملها سنة 1948 ومحاولات

(58) Bashir Abu-Manneh, «Israel in US Empire,» New Formations , no. 59 (Autumn 2006) (59) Glenn Bowman, «Making Place for the Palestinians in the Altneuland: Herzl, Anti-semitism, and the Jewish State,» in: Zureik, Lyon and Abu-Laban, eds., Surveillance and Control in Israel/Palestine. (60) Said, «Zionism from the Standpoint,» p. 11.

(((6 المصدر نفسه.

(62) Uri Blau, «The Settler behind Shadowy Purchases of Palestinian Land in the West Bank,» Haaretz, 8/6/2012, on the Web: <http://www.haaretz.com/weekend/magazine/the-settler-behind-shadowy-purchases-of-palestinian-land-in-the-west- bank.premium-1.435253> (Accessed 8 June 2012).

((6(يورد آرون شاي مثالً لاستخدام أساليب التسلل من أجل طمس ملكية اللاجئين الفلسطينيين في مناقشته للطريقة التي تمت

بها «تسوية» عدد كبير من القرى الفلسطينية (أكثر من 100) في «المنطقة الشمالية» وحدها بالأرض و«إزالتها» من الوجود بين سنتي

1965 و 1969 بناء على أوامر دافيد بن غوريون وبالتعاون مع جمعية إسرائيل للمسح الأثري والصندوق القومي اليهودي وإدارة

الأراضي الإسرائيلية وعدد من الوزارات: كانت الخطة إجراء العملية بهدوء، من دون الكثير من الصخب. وكان واضحًا للجميع أنه إذا هُدم عدد كبير من القرى في المرة

الواحدة، سيكون هناك غضب شعبي عارم. وكانت الخطة «تسوية» منطقة تمتد من أرض الجليل جنوبًا؛ لتشمل كل تل ورابية وكوخ،

بحيث تصبح الأرض «نظيفة». وكما قال أحد الذين أجريت مقابلة معهم، فإن من شأن ذلك منع القرويين العرب من الادعاء يومًا ما

بأن: «هذه شجرتي. كانت هذه قريتي». كما صرح هذا الشخص أنه لو كان هناك قرى يهودية مهجورة، فإنها تكون قد دمرت أيضًا، لأن

الهدف كان تطهير الأرض. انظر:

Aron Shai, «The Fate of Abandoned Arab Villages in Israel, 1965-1969,» History and Memory, vol. 18, no. 2 (Fall- Winter 2006), p. 93. (64) Akiva Eldar, «Netanyahu’s Ongoing Acquisition of Lands by Force,» Haartz, 1/11/2011, on the Web: <http:// www.haaretz.com/print-edition/features/netanyahu-s-ongoing-acquisition-of-lands-by-force-1.393069> (Accessed 11 November 2011).

مركّزة لمحو الوجود الفلسطيني في البلاد. وهذه السياسة جزء لا يتجزأ من محاولات إسرائيل المستمرة لإفراغ القدس العربية من سكانها. لقد ألغت الحكومة الإسرائيلية، باعترافها هي، حقوق الإقامة لربع مليون عربي من سكان القدس والمناطق المحيطة في السنوات الأخيرة، كثيرون منهم مهنيون وعمال وطلاب عائدون من دراستهم في الخارج. وكما ظهر في عدة قضايا علنية معروضة على

المحاكم متعلقة بملكية العقارات في القدس الشرقية، تنطوي عمليات نزع الملْكية هذه على معاملات احتيالية. إن الطبيعة التراكمية المستمرة للمشروع الاستعماري هي ما يوصِّف المشروع الصهيوني منذ بدايته أفضل

توصيف، وهي عملية مستمرة بلا هوادة حتى يومنا هذا. لقد تشكل الاستيطان الصهيوني الأول في فلسطين، بدءًا من أواخر القرن التاسع عشر وطوال النصف الأول من القرن العشرين، أيام الحكم

التركي في البداية والبريطاني لاحقًا، واستلهم أيديولوجيًا من الاستعمار الأوروبي، على الرغم من عدم

وجود بلد أو عاصمة يمكن الحديث عنها. ولكن هذا، كما سنبيّ لاحقًا، لا يُبطل اعتبار الصهيونية

منذ البداية حركة استعمارية استيطانية. وبسبب قلة عدد المستوطنين والمحاولات الأولى غير الناجحة لاستعمار فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر برعاية البارون دي روتشيلد (Rothschild)، لم يجر التفكير في الاحتلال العسكري بوصفه خيارًا مجديًا. وفي نهاية المطاف بعد سنة 1917، في أعقاب وعد بلفور، نشأ

تواطؤ بريطاني صهيوني دفع جون ستراوسون (J. Strawson) إلى التعليق بأن «القومية اليهودية نمت

في رحم الاستعمار البريطاني». وبكلمات فورمان وكيدار: «لذلك، ومن بداية الحكم البريطاني، دلّت الوثائق الرسمية على سياسة إمبراطورية للاستيطان اليهودي، وتسهيل الهجرة، واستملاك الأراضي،

(65) Akiva Eldar, «Israel Admits it Revoked Residency Rights of Quarter Million Palestinians since 1967,» Haaretz, 12/6/2012, on the Web: <http://www.haaretz.com/news/diplomacy-defense/israel-admits-it-revoked-residency-rights- of-a-quarter-million-palestinians-1.435778> (Accessed 12 June 2012), and Nir Hasson, «Israel stripped thousands of Jerusalem Arabs of residency in 2008,» Haaretz, 2/12/2009, on the Web: <www.haaretz.com> (Accessed on 3 December

(66) Nir Hasson, «The Palestinian Taxi Driver who’s Crucial to Jewish Settlement in East Jerusalem,» Haaretz 11/5/2012. On the Web: <http://www.haaretz.com/news/diplomacy-defense/the-palestinian-taxi-driver-who-s-crucial-to-jewish- settlement-in-east-jerusalem-1.429579> (Accessed 11 May 2012).

وفي خطوة ذات صلة، توشك وزارة الدفاع، التي تسيطر ظاهريًا على الأراضي التي احتلتها سنة 1967، على تنفيذ سجل عقاري جديد

يتجاهل الطابو العثماني المعمول به، ويهدف إلى إعطاء المستوطنين حق إدراج أسمائهم في السجل الجديد كدليل على الملْكية.

وبإغلاق السجل الجديد أمام أصحاب الأرض الفلسطينيين، حرمتهم إسرائيل فعليًا حق الاستئناف المستند إلى الطابو العثماني. انظر:

Chaim Levinson: «Settlers Say they Bought Outpost Land, One Year after Palestinian owner’s Death,» and «Israel to Begin Recording settler Land Claims, Deny Palestinians’ Right of Appeal,» Haaretz, 3/7/2012, on the Web: <http:// www.haaretz.com/news/diplomacy-defense/settlers-say-they-bought-outpost-land-one-year-after-palestinian-owner-s- death-1.448533>, and <http://www.haaretz.com/news/diplomacy-defense/israel-to-begin-recording-settler-land-claims- deny-palestinians-right-of-appeal-1.448379> , resp. (Accessed 3 July 2012). (67) Meir Margalit: Seizing Control of Space in East Jerusale m (Jerusalem: Sifrai Aliat Cag, 2010) [Hebrew]; Discrimination in the Heart of the Holy City , Jerusalem Strategic Planning Series; v. 7 (Jerusalem: International Peace and Cooperation Centre, 2006), Available <http://www.kibush.co.il/downloads/book-hw.pdf> (Accessed 4 October 2011), and «Settlements and Settlers in the Old City,» Challenge Magazine, no. 95 (January-February 2006), and Eldar, «Netanyahu's Ongoing Acquisition». (68) John Strawson, «Reflections on Edward Said and the Legal Narratives of Palestine: Israeli Settlements and Palestinian Self-Determination,» Penn State International Law Review , vol. 20, no. 2 (2002), pp. 377.

والاستيطان، والتنمية، وعناصر السيادة. وبالإضافة إلى المصالح المتبادلة المتصورة، استندت العلاقة

البريطانية - الصهيونية إلى خطاب التطوير والتحديث». تحتل البروفسورة روث غافيسون مكانًا مركزيًا بين الصهيونيين الليبراليين في الدفاع عن مسألة التوافق بين

كون إسرائيل يهودية وديمقراطية في وقت واحد؛ ففي خطاب ألقته في الولايات المتحدة أمام حشد من

رجال القانون قبل عامين، أكدت أن هذا التوافق لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بقي اليهود أغلبية مستقرة،

وإلا ستكون الدولة غير مستقرة وتتحول إلى دكتاتورية وليس واضحًا لماذا الدكتاتورية هي النتيجة

الوحيدة لدولة متعددة الأعراق أو ثنائية القومية. تجاهد غافيسون لتمييز إسرائيل من الدول الأخرى

المتعددة الأعراق التي تمثل دكتاتوريات وغارقة في الصراع - دول الشرق الأوسط المجاورة خصيصًا. وفي رأي غافيسون، لا يهم ما إذا كانت الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين الذين يعيشون في ما أصبح

إسرائيل قد «طُردت أو هربت»، فالحقيقة الرئيسة «هي أنهم غادروا [التشديد من عندي]». وهكذا، تُطمس

الظروف المحيطة بشتات الفلسطينيين بغية عدم الاعتراف بالدليل التاريخي الدامغ على أنهم طُردوا أساسًا

على يد الدولة الإسرائيلية الوليدة، وهو ما يشهد عليه عدد غير قليل من الباحثين الإسرائيليين، وبالتالي

يحق لهم طلب العودة بموجب القانون الدولي. لقد سمح عدم الرغبة في معالجة هذا الواقع لغافيسون

بتجنب الدور الذي قامت به إسرائيل في خلق مشكلة اللاجئين والاعتراف بمسؤوليتها الأخلاقية وذنبها.

والأهم من ذلك، تستند غافيسون إلى الكلمة السحرية الديموغرافية الصهيونية لمصلحة الهيمنة العددية

اليهودية الدائمة (باعتبارها ضامنة للديمقراطية!) لتبرير منع اللاجئين نهائيًا من ممارسة حقهم في العودة.

وهي تتناسى حقيقة أن إسرائيل، استنادًا إلى سلسلة من مشاريع القوانين التي أقرّها الكنيست أو التي

يدرسها، تنزلق تدريجيًا إلى الاستبداد على حساب السكان الفلسطينيين الذين يمثّلون الهدف الرئيس لهذه

القوانين، ولكن السكان اليهود كذلك سوف يتأثرون قريبًا.

هرتسل: رمز صهيوني!

ممّا له دلالته، كما أشرنا سابقًا، هو أن أهم القادة الصهيونيين سعوا (بلا جدوى) إلى نيل رعاية الدولة

العثمانية المتهالكة منذ سنة 1886، عندما دعا هرتسل، منظّر الصهيونية السياسية، في كتاب دولة اليهود

إلى ما يلي:

إذا قبل جلالة السلطان المعظَّم إعطاءنا فلسطين، فاننا نتحمل مسؤولية تنظيم مالية تركيا بالكامل. وسنمثّلِ لأوروبا جزءًا من السور الأوروبي ضد آسيا ومخفرًا أماميًا للحضارة في وجه البربرية، وعلينا كدولة محايدة

أن نظل على اتصال بأوروبا برمّتها والتي سيكون عليها أن تضمن وجودنا.

(69) Forman and Kedar, «Colonialism, Colonization and Land Law,» p. 497. (70) Ruth Gavison, «Israel as a Jewish and Democratic State,» (Interview Given after a Lecture that Was Delivered on 11 February 2011 at the University of California in Los Angeles), on the Web: < http://www.gavison.com/a2624-israel- as-a-jewish-and-democratic-state> (Accessed 23 July 2013). (71) Tal Dahan, Situation Report: The State of Human Rights in Israel and in the Occupied Territories, Translated Gila Svirsky, Shaul Vardi and Mairav Zonszein (Jerusalem: Association for Civil Rights in Israel (ACRI), 2012), on the Web: <http://www.acri.org.il/pdf/state2012en.pdf> (Accessed 15 September 2013). (72) Theodor Herzl, The Jewish State, Translated and with introduction by Henk Overberg (Northvale, NJ: Jason Aronson, 1997), pp. 148-149.

وذهب إلى القول، «سنشكّل لأوروبا جزءًا من السد المواجه لآسيا، ونكون بمنزلة رائد الثقافة في وجه

الهمجية».

تحتفي أوساط الأكاديميين الإسرائيليين البارزين، كالعال السياسي شلومو أفنيري، بهرتسل الذي يحتل

مكانة خاصة أبعد من كونه منظّر الصهيونية الحديثة والحالم بها. فقد أعلن أفنيري في مؤتمر مكرس

لهرتسل أن «أعماله» و«مهاراته التنظيمية» هي التي غيرت التاريخ اليهودي. روّج هرتسل، وهو نتاج

المجتمع الأوروبي البرجوازي الليبرالي، آراءه في الرواية الطوباوية Altneuland (أرض قديمة جديدة).

وعلّق أفنيري في كتاباته عن هرتسل أهمية على الرواية التي يفسرها كبرهان على تسامحه ووعيه بالوجود

العربي في البلاد ووعده بمنح العرب حقوقًا وفرصًا متساوية للمشاركة في الانتخابات في الدولة اليهودية

المستقبلية. ويرى أفنيري هذه الآراء التي كان قد دافع عنها في وقت سابق قبل ثلاثة عقود في كتابه

صنع الصهيونية الحديثة (1981)، دحضًا لادّعاء أن الصهيونية مرتبطة بالاستعمارية أو العنصرية بأي

شكل من الأشكال. والواقع أنه، كغيره من مثقفي التيار السائد الإسرائيليين، يعتبر الصهيونية حركة

«ثورية». وكان فيلدهاوس، من بين آخرين، كما سنرى أدناه، هو الذي رأى خيطًا مشتركًا بين رؤية

هرتسل في مطلع القرن العشرين وانتشار الأيديولوجيا الصهيونية الإقصائية مع إنشاء دولة إسرائيل.

وظلت وجهة نظر القيادة الصهيونية في سنة 1948 هي وجهة نظر هرتسل: يجب أن يكون هناك دولة

صهيونية، وكما رآها بن غوريون، لن يكون هناك أي مجال فيها لغير اليهود. وقد أظهرت حوادث سنة

1948 أن التطهير العرقي، لا التعاون، كان الاستراتيجيا الصهيونية. من الصعب قبول التفسيرات

الصهيونية السائدة لموقف هرتسل الخيّ في مواجهة تصريحه الذي يستشهد به الآخرون غالبًا والمسجل في

مذكراته سنة 1895 عن الثمن الذي يجب أن يدفعه السكان الفلسطينيون المحليون للاستعمار الصهيوني:

يجب أن نصادر الملْكية الخاصة للعقارات المخصصة لنا بلطف. وسنحاول إغراء السكان المفلسين عبر الحدود بتحصيل عمل لهم في بلدان العبور، في الوقت الذي نحرمهم فيه من العمل في بلادنا. وسيقف أصحاب الأملاك إلى جانبنا. يجب إجراء عملية الاستملاك وإبعاد الفقراء بسرية وبحذر. قد يعتقد أصحاب الأملاك أنهم يغشوننا، أي يبيعوننا [الأرض] بأكثر مما تستحق، ولكن لا شيء سيباع لهم مرة أخرى.

منذ خمسة وأربعين عامًا، عالج أفنيري في أثناء ركوبه موجة الشهرة كباحث في تفسيرات ماركس مسألة

الاستعمار في تقارير صحافية عن ماركس التي ظهرت في نيويورك ديلي تريبيونمن سنة 1852 إلى سنة

1862. في مقدمة المجلد الذي حُرر في هذه التقارير، جادل أفنيري بأن كتابات ماركس عن المجتمعات

.Golan, «European Imperialism,» p. 143 ((7(ورد في:

(74) Shlomo Avineri: «Avineri on Herzl,» Haaretz, 17/6/2010, on the Web: <http://www.jewishagency.org/JewishAgency/ English/About/Updates/Personal+Stories/Archive/2010/jun17.htm?variety=hp> (Accessed 17/7/2010), and «Herzl's Vision of Racism.» Haaretz, 9/2/2009, on the Web: <http://www.haaretz.com/print-edition/opinion/herzl-s-vision-of- racism-1.269714> (Accessed 29 August 2009). (75) Shlomo Avineri, «Zionism According to Theodor Herzl,» Haaretz , 20/12/2002, on the Web: <http://www.haaretz. com/culture/books/zionism-according-to-theodor-herzl-1.24821> (Accessed 30 April 2010). (76) Fieldhouse, Western Imperialism in the Middle East , p. 345.: Derek J. Penslar, «Herzl and the Palestinian Arabs: Myth and Counter-Myth,» ورد في (77) Journal of Israeli History: Politics, Society, Culture , vol. 24, no. 1 (March 2005), p. 67.

الآسيوية أوضحت تخلّف هذه المجتمعات لجهة نمط الإنتاج الآسيوي المهيمن الراكد. وأصبح

هذا موضوعًا ثابتًا في تصريحات أفنيري عن الشرق الأوسط العربي، بما في ذلك المواجهة بين إسرائيل

والفلسطينيين. فإسرائيل تُقدَّم بوصفها مجتمعًا حديثًا بنيته الاجتماعية دينامية ولا تتأثر في أي حال بطبيعته

الاستعمارية. كان الدور التغييري للاستعمار كما صوره ماركس، وفق أفنيري، غائبًا في الشرق الأوسط

العربي الإسلامي. ويرجع ذلك، إلى حد كبير، إلى شكل الحكم غير المباشر فيه. ولذلك، أعاق الحكم

الاستعماري غير المباشر تطور نمط الإنتاج الرأسمالي والصراع الطبقي المصاحب له، وترك حكمً بدائيًا

وسلطويًا على حاله، حيث النخب المحلية هي المستفيد الرئيس. والعالم العربي ما بعد الاستعمار هو

استمرار لمجتمعات تقليدية حل فيها الجيش «الحديث» محل الأنظمة الاستبدادية القديمة. ويخصص براين

تيرنر(B. Turner)، وغيره، مقالة كاملة لانتقاد شرح أفنيري للتناقض بين العالم العربي وإسرائيل. وفي

حالة الأخيرة، يشير إلى أن تطور إسرائيل، منذ نشأتها، حظي بتدفق كبير لرؤوس الأموال من الخارج -

وهي ميزة بقيت صحيحة حتى يومنا هذا، وجرى تسهيل التشكيل الطبقي في إسرائيل عن طريق الفصل

العرقي وتهجير السكان العرب الأصليين. وفي ما يتعلق بالعالم العربي، يشير تيرنر إلى وجود تشابه أفضل

بين الاستعمار البريطاني لأيرلندا الشمالية وفلسطين. «ومثلما لاحظ ماركس ‹تأثيرًا معيقًا› في استعمار

بريطانيا لأيرلندا، كذلك يمكن للمرء أن يجد توقف التنمية في الشرق الأوسط بسبب التأثير المزدوج

للاستعمار البريطاني والإسرائيلي». رسم هرتسل خططًا تفصيلية في سنة 1901، وبتجاهل تام لرفاه السكان الفلسطينيين الأصليين، لتأسيس

شركة لاند اليهودية العثمانية التي نسخت في وجوه كثيرة شركة الهند الشرقية الهولندية وشركة الهند

الشرقية البريطانية. وعلى الرغم من أن شركة هرتسل الاستعمارية لم تتحقق، فإن روحها حيّة في الهيكل

المؤسسي للمنظمات الوطنية الصهيونية الرئيسة، ولا سيما الصندوق القومي اليهودي، حيث الممتلكات

اليهودية مملوكة للدولة اليهودية بشكل جماعي، وتظل يهودية إلى الأبد، تمشيًا مع ميثاق هرتسل المقترح.

واليوم هناك أكثر من 90 في المئة من الأراضي في إسرائيل ملكية يهودية، وهو ما يناقض تمامًا أنماط

ملْكية الأراضي السابقة، حيث لم تكن هذه الملْكية في سنة 1948 تتجاوز 7-5 في المئة من الأرض. ثمة مثال للقراءة الصهيونية المتشددة لهرتسل يعطيه الجغرافي الإسرائيلي أرنون غولان الذي أعلن أن

«الصهيونية لم تكن إمبريالية أو استعمارية بطبيعتها، بل حركة تحرر وطني تطورت في شرق أوروبا ووسطها،

(78) Shlomo Avineri, ed., Karl Marx on Colonialism and Modernization; his Despatches [sic] and Other Writings on China, India, Mexico, the Middle East and North Afric a (Garden City, NY: Doubleday, 1968).

لمعالجة أكمل للجدل الدائر بشأن أسلوب الإنتاج الآسيوي وانطباقه على الدولة العربية، انظر:

Elia Zureik, «Theoretical Considerations for a Sociological Study of the Arab State,» Arab Studies Quarterly , vol. 3, no. 3 (Summer 1981). (79) Shlomo Avineri, «Modernization and Arab Society: Some Reflections,» in: Irving Howe and Carl Gershman, eds., Israel, the Arabs, and the Middle East (New York: Doubleday, 1972). (80) Bryan S. Turner, «Avineri's View of Marx's Theory of Colonialism: Israel,» Science and Society , vol. 40, no. 4 (Winter 1976-1977).

(((8 المصدر نفسه، ص.406

(82) Walid Khalidi, «The Jewish-Ottoman Land Company: Herzl›s Blueprint for the Colonization of Palestine,» Journal of Palestine Studies, vol. 22, no. 2 (Winter 1993). (83) Forman and Kedar, «Colonialism, Colonization and Land Law». (84) Sabri Jiryis, The Arabs in Israel , Translated from the Arabic by Inea Bushnaq (New York: Monthly Review Press,

جنبًا إلى جنب مع غيرها من حركات التحرر الوطني في هذه المنطقة». وفي الوقت نفسه، رأى أن من

الملائم وصف المشروع الصهيوني في فلسطين بأنه «شكل من أشكال الاستعمار غير الرسمي ازدهر في ظل

نظام إمبراطوري رسمي». قد يسأل المرء ما الذي يشكل «الاستعمار غير الرسمي؟». في الأساس، ثمة من

يقول إن الصهيونيين الذين يفتقرون إلى عاصمة استعمارية رسمية توفر الدعم الاقتصادي والعسكري،

اعتمدوا على أنفسهم عبر تكنولوجيتهم ومعرفتهم ورأس مالهم، وتعاونوا مع البريطانيين لتحقيق منافع

متبادلة لكليهما. ومن فوائد هذا التعاون يذكر غولان استعداد البريطانيين للسماح بالهجرة اليهودية إلى

فلسطين التي ساهمت إلى حد كبير في زيادة عدد السكان اليهود من مجرد 10 في المئة وقت أصدرت

بريطانيا وعد بلفور سنة 1917 إلى قرابة 30 في المئة عشية الانسحاب البريطاني من فلسطين أواخر

الأربعينيات. وثمة سمة أخرى لما يسمّى الاستعمار غير الرسمي هي نمط التوسع الحضري الصهيوني

في فلسطين الذي نما بشكل مستقل عن نظيره العربي. لقد اتخذ النمط الصهيوني «النموذج الاستيطاني»

بينما عكس النمط العربي النموذج «الاستعماري». والأهم من ذلك، وفق غولان، أن «النظام [الحضري]

اليهودي لم يأت للسيطرة على النمط العربي الذي ظل المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للسكان

العرب الفلسطينيين». وبحسب غولان، تطور النظامان الحضريان اليهودي والعربي بشكل منفصل

تحت وصاية «الاستعمار غير الرسمي». وبالتالي، وفق هذا المنطق، إذا كان هذان القطاعان منفصلين، ​فهما

منفصلان ومختلفان ولكن ليسا بالضرورة منفصلين ومتفاوتين. وكان لهذا التصوير للاستعمار الاستيطاني

الصهيوني بأنه حميد ولا يعتمد على ما يسمّى الإمبريالية البريطانية الرسمية نتيجة مباشرة مفادها، بحسب

غولان، أنه «منذ أواخر الثلاثينيات حتى إنهاء حكومة الانتداب في سنة 1948، كانت الحكومة

البريطانية في فلسطين تميل إلى دعم الجانب العربي». ويتناقض هذا الرأي مع رأي قدّمه المؤرخ الإسرائيلي

حاييم جربر ينسب عاملً سببيًا رئيسًا إلى «المعاملة التفضيلية» التي منحتها بريطانيا للجانبين؛ فقد

فضلت الصهيونيين على مستويات عدة، كما في التعليم والتعاون العسكري والقمع «الوحشي» للسكان

العرب. وعلى جبهة مختلفة يقدم دعمً لهذا الموقف جون نايت(J. Knight) الذي يدرس بشكل نقدي

الزعم السائد في تأريخ فلسطين بأن الشرطة البريطانية كانت معادية للجالية اليهودية أو لم تفعل ما يكفي

لحمايتها. وهو يبيّ، على العكس من ذلك، أن الشرطة والجيش كان لهما دور فعّال في تعزيز وعد بلفور من

خلال توفير تدريب وتسليح وتجنيد اليهود الفائضين لإخماد الثورة العربية التي استمرت من سنة 1936

إلى سنة 1939. وعلى وجه التحديد، أبرز نايت دور أوردي وينغيت (Wingate. O) الذي وصفته

حوليات الصهيونية بأنه «مؤمن متشدد بالصهيونية [التي] تبنّاها دينًا له»، والذي أ رسل إلى فلسطين

في سنة 1936 كضابط استخبارات، وأخيرًا أخذ على عاتقه مهمة قيادة ما يسمّى الفرق الليلية الخاصة

(يسمّيها آخرون «عصابات القتل اليهودية») لقتال السكان العرب الأصليين.

(85) Golan, «European Imperialism,» p. 140.

(((8 المصدر نفسه، ص.138

(((8 المصدر نفسه، ص.141

(88) Haim Gerber, «Zionism, Orientalism, and the Palestinians,» Journal of Palestine Studies , vol. 33, no. 1 (Autumn 2003). (89) John Knight, «Securing Zion? Policing in British Palestine, 1917–39,» European Review of History, vol. 18, no. 4

(((9 المصدر نفسه، ص.533

(((9 المصدر نفسه، ص.534

إن الادعاءات التي تصوّر التطورات الحضرية الاقتصادية للوسط العربي كانفصال، أو تساو، أو مجرد

اختلاف مقارنة بالوسط اليهودي، هي المعيار في الدراسة الصهيونية لمشروع الاستعمار الاستيطاني

لإسرائيل. بيد أن هناك أدلة تجريبية مضادة تثبت أن التطور الحضري اليهودي في فلسطين جرى على حساب

نظيره العربي، أكان ذلك في الاستيلاء على الأراضي أم في إغلاق سوق العمل أمام العمال العرب في فترة ما

قبل الدولة، ناهيك عن الحصول على رأس المال. وكما بيّ يعقوبي وليفين ولوكمان(Lockman)،

لا تزال العلاقة الحضرية التابعة قائمة حتى يومنا هذا في ما يسمّى المدن المختلطة. يقول يعقوبي:

غالبًا ما يُنظر إلى مصطلح «المدن المختلطة» بوصفه يشير إلى صورة مثالية للحيز الحضري المشترك. لكنه

تعبير مضلِّل، لأنه يخفي عن الجمهور الإسرائيلي مدى التفرقة والفقر الذي يعانيه المواطنون العرب الذين يعيشون في مدن، مثل عكا واللد وحيفا والرملة، حيث يشكلون 30-20 في المئة من السكان.

علاوة على ذلك،

هذا الوضع ليس عرضيًا أو تطوريًا أو محايدًا: إنه نتاج سياسة متعمدة، ضمنية غالبًا ولكن صريحة أحيانًا، تعمل وفق المنطق القومي العرقي، وهدفها الرئيس كان ولا يزال الهيمنة السكانية للأغلبية اليهودية على الأقلية العربية في المدن المختلطة.

بالنسبة إلى النقاد، ولا سيما المؤرخ غابرييل بتربرغ الذي يعاتب أفنيري على «ليبراليته الظاهرية»، ليس هناك

شيء أبعد عن الحقيقة بخصوص الرواية الصهيونية المعيارية. تثبت آراء هرتسل أن قومية «المستوطنين»

تهدف إلى «إنشاء دولة يهودية في أرض يسكنها مواطنون غير بيض»، و«اعتقاد هرتسل بأن امتلاك

مشروع استعماري ناجح على النمط الأوروبي في الشرق هو المسار النهائي للقبول في الغرب». وعب

عن موقف مغاير لموقف أفنيري عالم سياسي زميل هو زئيف شتيرنهيل الذي يؤكد في مراجعة نقديةِ

لكتاب بتربرغ بأن الصهيونية المستوطنة في فلسطين الانتدابية وعواقبها على السكان الفلسطينيين الأصليين

يجب أن يُنظر إليها باعتبارها ضرورة أملتها الظروف التاريخية في أوروبا وتجربتها في أعقاب الحرب العالمية

الثانية، حين لم يكن لدى اليهود «مكان يذهبون إليه». علاوة على ذلك، لهذا السبب ولأسباب أخرى،

لا يمكن أن يُنظر إلى الصهيونية باعتبارها شكلً من أشكال الاستعمار. وكان شتيرنهيل، وهو معارض

شرس للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة كاد يدفع حياته على أيدي مستوطنين يهود إرهابيين،

(92) Haim Yacobi: ed., Constructing a Sense of Place: Architecture and the Zionist Discourse , Design and the Built Environment Series (Aldershot, England; Burlington, VT: Ashgate, 2004); «In-Between Surveillance and Spatial Protest: the Production of Space of the 'Mixed City' of Lod?,» Surveillance and Society , vol. 2, no. 1 (2004), and «Separate and Unequal,» Haaretz , 17/10/2008, on the Web: <http://www.haaretz.com/print-edition/ opinion/separate-and-unequal-1.255647> (Accessed 8 August 2013). (93) Mark LeVine, Overthrowing Geography: Jaffa, Tel Aviv, and the Struggle for Palestine, 1880-1948 (Berkeley: University of California Press, 2005). (94) Zachary Lockman, Comrades and Enemies: Arab and Jewish Workers in Palestine, 1906-1948 (Berkeley: University of California Press, 1996). (95) Yacobi, «Separate and Unequal». (96) Gabriel Piterberg, The Returns of Zionism: Myths, Politics and Scholarship in Israel (London; New York: Verso, 2008), p. 10.

(((9 المصدر نفسه، ص.19

(98) Zeev Sternhell, «In Defence of Liberal Zionism,» New Left Review, no. 62 (March-April 2010), p. 111.

استثناء حين وصف المستوطناتبأنها شكل من أشكال «الاستعمار الصهيوني ». ومع ذلك، لا يمكن

أن تفسر حجةُ الضرورة بشكل مقْنع الطرد المنهجي للأقلية الفلسطينية في إسرائيل ذاتها، واستمرار التمييز

الواسع النطاق ضد أفرادها. وكما يفترض أن يعرف شتيرنهيل وغيره الآن، كان طرد معظم السكان

الفلسطينيين في سنة 1948 إلى حد كبير عملً متعمدًا حرض على تطهير البلاد من سكانها العرب. وساق حجة الضرورة التاريخية أيضًا الباحث القانوني حاييم غانز في الصهيونية فقط (2008)، مع

إضافة اشتراط أن الصهيونية (وتجسيدها في شكل إسرائيل) يجب أن تعترف بمسؤوليتها في خلق مشكلة

اللاجئين الفلسطينيين، ولكن هذا لا يعني أن اللاجئين يستطيعون ممارسة حقهم في العودة. جرى التوفيق بين آراء هرتسل هذه التي تبدو متناقضة على يد الفيلسوف محمد علي الخالدي، وأكدها

بتربرغ. يجادل الخالدي أساسًا بأن رواية أرض قديمة جديدة كانت أداة تبشير تستهدف جمهورًا

أوروبيًا على أمل كسب تأييد المؤسسات السياسية في أوروبا. ووفق الخالدي، «لم تُفهم الرواية كعمل

يستهدف اليهود في المقام الأول، بل محاولة إقناع تستهدف جمهورًا أوروبيًا غير يهودي». وكما رأينا

آنفًا، في اقتراح إنشاء شركة الأرض اليهودية العثمانية لاستعمار فلسطين وسورية، أخذ هرتسل العظة

من المشاريع الاستعمارية الأخرى كشركة الهند الشرقية البريطانية في القرن التاسع عشر. وقدّم ميثاق

شركة هرتسل خططًا مفصّلة لاستملاك الأراضي وتوطين الفلسطينيين خارج وطنهم، وكانت مثل هذه

التفصيلات غائبة عن أرض قديمة جديدة. ولم يعتبر الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للسكان الأصليين قط خيارًا جادًا في الفكر الصهيوني السائد،

على الرغم من جهود بريت شالوم، وهي جماعة يهودية ثنائية القومية منشقة نشطت في ثلاثينيات القرن

العشرين، ومحاولات أخرى لاندماج اتحاد العمال العربي واليهودي الذي تغلبت فيه القومية اليهودية

على دعوات متفرقة لتضامن الطبقة العاملة العربية واليهودية. وعلى حد قول غيرشون شافير ويوآف

بيليد، «كانت السمة الأبرز للحركة العمالية اليهودية في فلسطين أنها لم تكن حركة عمالية على الإطلاق،

بل كانت حركة استعمارية ظلت فيها مصلحة العمال ثانوية قياسًا بمقتضيات الاستيطان». وتعليقًا

على نتائج شافير، ومؤداها أن الأسس التي تقوم عليها الدولة الإسرائيلية يجب أن تكون مفهومة لجهة ما

حدث قبل سنة 1914 مع إنشاء مستوطنات يهودية خالصة ومجموعات عمل مغلقة، يضيف فيلدهاوس

أن وعد بلفور في نهاية المطاف هو ما جعل المشروع الصهيوني ممكنًا. وباستقراء أكثر من نصف قرن

لاحق، يمكن القول بثقة إن إسرائيل ما كانت قادرة على تنفيذ سياساتها غير القانونية والتمتع بحصانة

من القانون الدولي بشأن معاملتها التمييزية للفلسطينيين لولا حصولها على الدعم الغربي، ولا سيما من

(99) Zeev Sternhell, «Colonial Zionism,» Haaretz, 17/10/2008, on the Web: <http://www.haaretz.com/print-edition/ opinion/colonial-zionism-1.255642> (Accessed 5 June 2011). (100) Muhammad Ali Khalidi, «Utopian Zionism or Zionist Proselytism? A Reading of Herzl’s Altneuland,» Journal of Palestine Studie s, vol. 30, no. 4 (Summer 2001) (101) Piterberg, The Returns of Zionism , pp. 39-40. (102) Khalidi, «Utopian Zionism,» p. 61. (103) Shafir and Peled, p. 37, and Gershon Shafir, «Israeli Society: A Counterview,» Israel Studies , vol. 1, no. 2 (Fall

(104) Fieldhouse, Western Imperialism in the Middle East , p. 127.

الولايات المتحدة. وعلى القدر نفسه من الأهمية، يوضح زاكاري لوكمان في مقالة نقدية لكنها توفي

الأشياء حقّها، أن شافير، في تحليل طرائق المشروع الصهيوني في فلسطين، لم يعط الاعتبار الواجب لدور

العنف في تنفيذ المشروع الصهيوني وتأثيره في تهجير السكان الفلسطينيين وطردهم، وكلها عوامل جعلت

قيام دولة إسرائيل ممكنًا. ليس هناك نقص في الكتابات الاحتفالية بشأن الصهيونية، على الرغم من أن المنظور النقدي، الذي

يتعرض لهجوم مستمر واتهامات بمعاداة السامية، يحقق تقدمًا ويغدو مسموعًا على نحو متزايد في

الأوساط الأكاديمية. ويبيّ كتابان حديثان مزالق تبنّي النسخة المثالية للصهيونية. يقدم إيال تشاورز

وجهة نظر فلسفية لفهم المشروع الصهيوني في فلسطين على أنه «حركة وطنية فريدة»، بأنظمة فكرية

وأساليب عمل خاصة بها، بينما في كتاب حديث آخر يركز بوعز نيومان على دور الرغبة، بوصفها «حالة

وجودية متأصلة» في حدوث الاستعمار اليهودي لفلسطين أوائل القرن العشرين. ويعتمد التحليل

في الكتابين على التجربة الفكرية اليهودية في أوروبا ولاحقًا في فلسطين، من دون أي إشارة إلى دراسات

مقارنة لمجتمعات المستوطنين. الفلسطينيون غائبون في الصوت والعمل. وهذا الإغفال مقصود، كما

يعترف المؤلفان. يدرس تشاورز الأسس الفلسفية للصهيونية، وهو يعالج أولً مفهوم الزمن في الخطاب الصهيوني،

ويؤكد أنه يمثّل رفضًا لمفهوم كانط الغائي الخطي للزمن والتقدم بوصفهما عنصرين رئيسين للحداثة.

فبتصور الوقت «المجزأ» و«شبه الدوري» كأساس ل«التخيلات الزمنية»، يفتح الزمن آفاقًا للمحادثة بين

«لحظات بعيدة وتأسيس الهوية على هيئة صور وحوادث ملموسة» ويجعل الزمن المجزأ من الممكن

بالنسبة إلى الفرد والمجتمع استعادة الذاكرة وتقبّل الماضي. وفي الفصل الثاني، يطرح المؤلف مفهومًا رئيسًا

ل«التاريخ المقطّع»، الذي كان لديه في تقديرنا تأثير في ما بعد الحداثة ()Postmodern، عبر تقديم «صورة

من التاريخ بلا شكل وخالية من روايات كلية متماسكة أو بنى أساسية داعمة». يؤخذ «البناء» على أنه

استعارة «أساسية» تشير إلى بناء الدولة وبناء البيئة. فقد شرع الصهيونيون في فلسطين في تشكيل الفضاء

كوسيلة لتأكيد تجذرهم وتعزيز شعورهم بالانتماء إلى المجتمع. وعلى الرغم من أن العرب الفلسطينيين

كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة في مطلع القرن العشرين، لم يؤد ذلك بأي وسيلة إلى إعادة تقويم شمولية

وأخلاقية للمشروع الصهيوني. لكن جرى إتمام هذا الاحتلال الأولي مع بناء المهارات وصقلها، وهي

علامات مميزة للنشاط الاستعماري بشكل عام مهما تكن مقاصده وأغراضه، على حساب تطوير اللغة

والمهارات اللازمة لنظام سياسي ديمقراطي. يزعم نيومان أنه بتركيزه على «الرغبة الصهيونية في أرض إسرائيل»، يطلب أيضًا الشروع في جانب غير

مستكشف من الصهيونية. ويتصور الرغبة كسمة «وجودية» كشفت في كتابات أوائل مستوطني القرن

(105) Zachary Lockman, «Land, Labor and the Logic of Zionism: A Critical Engagement with Gershon Shafir,» Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2012). (106) Eyal Chowers, The Political Philosophy of Zionism: Trading Jewish Words for an Hebraic Land (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2011). (107) Boaz Neumann, Land and Desire in Early Zionism, Translated by Haim Watzman, Schusterman Series in Israel Studies (Waltham, Mass.: Brandeis University Press, 2011), p. 40. (108) Chowers, p. 11.

(((10 المصدر نفسه، ص.15

العشرين، ويشار إليهم بلغة الصهيونية بوصفهم «روادًا». ولكن هؤلاء أنواع خاصة من الرواد، كما قيل

لنا؛ فهم لم يأتوا إلى فلسطين ل«شق طريق» أو «فتح» أراض جديدة كما فعل غيرهم ممّن يسمَّون روادًا،

في أميركا الشمالية وأفريقيا وأماكن أخرى مثلً. كانوا رواد «بناء» و«إعمار» و«استرداد». وهذه ليست

ريادة يمكن ربطها بالاستعمار. لكنه يشير أيضًا إلى أن هؤلاء الرواد شكلوا أقلية ضئيلة (13 في المئة) من

المستوطنين، ولكنهم شكلوا نواة طبقات النخبة المستوطنة، وفي نهاية المطاف العمود الفقري للمؤسسة

العسكرية الإسرائيلية. أُجريت أبحاث الكتاب الأخير في أثناء الانتفاضة الثانية سنة 2000. في المقدمة، يؤكد المؤلف مهمته:

استكشاف رغبة اليهود في الأرض. وكشخص لا يتحدث العربية، يترك للفلسطينيين تقديم روايتهم

عن رغبتهم في الأرض. وهذا تناظر مشكوك فيه، وإن كان المؤلف بلا شك قصد توخي النزاهة في دعوة

الجانبين لسرد قصصهم. ففي رأي الفلسطينيين، هم مدعوون إلى كشف سبب رغبتهم في الأرض على

قدم المساواة مع المستعمرين الجدد، وكأن العيش المستمر في فلسطين أكثر من ألف سنة ليس دليلً كافيًا

على تمسكهم بالأرض. لا يحتاج المرء إلى أن يكون بارعًا في اللغة العربية ليفهم معنى الصورة الأيقونية

للاجئين الفلسطينيين الذين طُردوا من ديارهم سنة 1948، وعلى الرغم من ذلك ما زالوا حتى الآن،

وبعد أكثر من 60 سنة، متشبثين بمفاتيح مساكنهم المصادَرة في فلسطين. أرض فلسطين موضوع دائم في

التاريخ والأدب الفلسطيني - العربي والأجنبي. ولم ير الفلسطينيون حاجة إلى نظم مدائح في فلسطين،

البلد الذي يمثّل بيئتهم الطبيعية واعتبروه أمرًا مفروغًا منه، حتى شُ دوا منها وشعروا بزحف المشروع

الصهيوني على أراضيهم. يصف نيومان في جميع فصول كتابه رغبة المستوطنين في الأرض بكلمات غامضة ومجازية، بل وإيروسية.

تغدو الرغبة في الأرض تأسيسية لوجود المستوطنين. ولكن كيف تحدث الرغبة؟ هل هي فطرية؟ هل

الرغبة كيان اجتماعي، كما تذكّرنا باحثة الأنثروبولوجيا آن ستولر في كتاباتها عن الاستعمار؟ يحدد

بوعز منهجيات نفسية عدة لدراسة الرغبة، يرفضها جميعًا لأنها تقوم على الصياغة الفرويدية للاوعي

الذي ترتبط فيه الرغبة بالعلاقة الأبوية وتحول الحاجات. ويستقر على ما يلي استنادًا إلى قراءته لكتاب

لدولوز)(ضد أوديب: الرأسمالية والفصام Anti-Oedipus: Capitalism and Schizophrenia

(Deleuze) وغوتري (Guattari:) ما يفعله دولوز وغوتري هو رغبة تطهير في جوهرها ومعناها. لا تعرف الرغبة إلا الاشتهاء، التكاثر. إنها طاقة نقية، سيولة لا تعرف أي أصول (أي مستمدة من الاحتياجات) أو مكان وصول (أي من دون أي مطالب) وليست مرتبطة أساسًا بأي جسم بعينه. هكذا أفهم رغبة الرواد في أرض إسرائيل.

والجدير بالذكر أن آراء دولوز في الاستيطان الصهيوني في فلسطين كاشفة وربما، كما يمكن القول، تتعارض

مع آراء نيومان. ففي مقابلة في سنة 1982، ظهرت أولً فيي مجلة التحرير في 9-8 أيار/مايو 1982 وأعيد

نشرها في مجلة دراسات فلسطينية، سئل دولوز عن اللقاء الفلسطيني مع الصهيونية، فكان ردّه:

(((11 «الرواية الصهيونية للعديد من الرواد (الحالوتسيم) هي قصة وقوع في الحب عاطفيًا، بل وجنسيًا، مع أرض إسرائيل»، انظر:

.Neumann, p. 52 (111) Ann Laura Stoler, Race and the Education of Desire: Foucault’s History of Sexuality and the Colonial Order of Things (Durham: Duke University Press, 1995). (112) Neumann, p. 30.

هناك حركتان مختلفتان جدًا داخل الرأسمالية. إنها الآن مسألة سلب شعب ما أرضه وجعله يعمل، استغلاله، من أجل مراكمة فائض: وهذا ما يسمّى عادة مستعمرة. الآن، على العكس من ذلك، إنها مسألة

إفراغ أرض من شعبها من أجل تحقيق قفزة إلى الأمام، حتى لو كان ذلك يعني تحويلهم إلى قوى عاملة في مكان آخر. لقد حدث تاريخ الصهيونية وإسرائيل، مثله مثل تاريخ أميركا، بالطريقة الثانية: كيف تجعل مساحة ما فارغة، وكيف تتخلص من شعب؟.

هذا بالتأكيد منظور مختلف للصهيونية، ولكن هل هو موثوق وماذا يخبرنا عن متاعب أولئك الموجودين في

الطرف المتلقي للصهيونية كالفلسطينيين؟ إنه لا يسبر الأساس الاجتماعي للرغبة. لماذا هي رغبة البعض

والبعض الآخر لا؟ لماذا تُمَّل لغة الرغبة بأوصاف تنتقص من السكان الفلسطينيين الأصليين؟ درس كلا المؤلفين فهم ظهور الصهيونية السياسية والقومية اليهودية كظاهرة متأخرة في القرن التاسع

عشر، من دون اعتبار «وجهات نظر ضحاياها ‹الفلسطينيين›»، على حد تعبير عنوان مقال لإدوارد

سعيد جزم فيه أن «إحدى السمات الدائمة للمثالية الأنانية، مع ذلك، هي تصور أن الأفكار مجرد

أفكار، وأنها موجودة فقط في عالم الأفكار. إن الميل إلى اعتبار الأفكار تتعلق فقط بعالم من التجريدات

يتزايد بين من يعتقدون أن الفكرة مثالية في الجوهر، وخيّة، وغير ملوثة بالرغبات أو الإرادة البشرية.»

ويذهب سعيد لينوه بأن «الأفكار السياسية الفعالة كالصهيونية يجب دراستها تاريخيًا بطريقتين: (1)

نسبيًا لكي يمكن إثبات مصدرها وقرابتها ونسبها وانتمائها إلى أفكار أخرى وإلى مؤسسات سياسية، (2)

كنظم تراكم عملية (للسلطة والأرض والشرعية الأيديولوجية) واقتلاع (لناس وأفكار أخرى وشرعية

سابقة.») يستحق الأمر تأمّل معنى الزمن في تجربة الاستعمار الصهيوني الحالية، وهو موضوع محوري في كتاب

تشاورز، فهذا يقدم لنا لقطة عن تطور الزمن. يطرح العال م السياسي أمل جمال، زميل تشاورز في القسمِ

نفسه، مفهوم «الزمن العنصري» ل «دراسة معاملة إسرائيل التمييزية بين مواطنيها الفلسطينيين وأولئك

الذين يعيشون في الأراضي المحتلة». ومنطلقه هو القول، بالاتكاء على كتاب مارتن هايدغر المعروف

لتشاورز الذي يعتمد عليه أيضًا في نقاشه للتهجير، إن التحكم في الزمن ضرورة أساسية للإنسان، تميز

البشر من الحيوانات. وتصور الرواية الصهيونية الزمن في التجربة اليهودية على أنه دينامي وأبدي؛ وفي

التجربة الفلسطينية بأنه فارغ وساكن ومتقطع. وعلاوة على ذلك، «يتميز الزمن اليهودي الإسرائيلي من

الفلسطيني بتبنّي طرق تهدف إلى كبح تدفق الزمن الفلسطيني أو إعاقته أو تأخيره أو إبقائه ساكنًا». إن غياب أي تركيب جدلي بين واقع فلسطين ومواجهتها مع الصهيونية ثغرة كبيرة في هذين الكتابين؛

فالصهيونية تقدم بوصفها مكتفية بذاتها ومعزولة عن محيطها، وأصولها تظل يهودية خالصة في تجسيدها،

وإن كانت أوروبية في إلهامها. وهنا يجدر تكرار اقتباس من غيرشون شافير، وهو الآخر إسرائيلي وطالب

(113) Gilles Deleuze, Elias Sanbar and Timothy S. Murphy, «The Indians of Palestine,» Discourse , vol. 20, no. 3: Gilles Deleuze: Areason to Believe in this World (Fall 1998). (114) Edward Said, The Question of Palestine (New York: Times Books, 1979), pp 10-11. (115) Amal Jamal, «On the Troubles of Racialized Time,» in: Yehouda Shenhav and Yossi Yonah, eds., Racism in Israel (Jerusalem: Van Leer Institute and Hakibutz Ha-Meuhad, 2008), p. 376 [Hebrew].

انظر أيضًا كتاب جمال «الصراع على الزمن وقوة «المؤقت»: اليهود والفلسطينيون في متاهة التاريخ»، الذي علق فيه على مناقشة

تشاورز للزمن في الفلسفة الصهيونية، على الموقع الإلكتروني:.>http://www.men-in-the-sun.com/EN/amal-jamal-part-1<

في الصهيونية المبكرة في فلسطين. إنه يجسد الصلة بين الاستعمار وفهم الفكرة الصهيونية. ففي محاولات

للهروب من الاضطهاد الأوروبي، استطاع المستوطنون اليهود في فلسطين «الهروب من أوروبا، ولكن

ليس التخلص منها».

الخروج على الإجماع

يقع في صميم الصراع العربي - الإسرائيلي جهد المستوطنين الصهيونيين لخلق مجتمع يهودي خالص في فلسطين ومقاومة هذا المشروع الاستعماري، أولً من السكان العرب الأصليين، ولاحقًا من الدول، العربية وغير العربية... وينظر العرب إلى عمليات البناء الاجتماعي والوطني وبناء الدولة التي تقوم بها إسرائيل بوصفها عمليات تدمير وتشتيت وهدم للمجتمع العربي الفلسطيني.

يتناقض تعليق أفيشاي إيرليخ تناقضًا صارخًا مع الادعاءات الاعتيادية لإسرائيل وأنصارها بأن الصراع

العربي - الإسرائيلي أساسًا صراع بين دول، وقضية فلسطين مكون عَرضَي لها. وينعكس الموقف الصهيوني

السائد حيال الفلسطينيين بأوضح صوره في كلمات غولدا مئير التي أعلنت بوقاحة منذ أكثر من ثلاثة

عقود: «ليس هناك شيء اسمه شعب فلسطيني»، وهو تصريح انتُقد بشدة، ووصفه كتاب إسرائيليون

يعترفون بالطابع الاستعماري لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية منذ سنة 1967 بأنه مختلف عمّ تبي

في إسرائيل ذاتها منذ سنة 1948؛ يُنظر إلى المشروع الأخير ضمنًا أو صراحة على أنه غير استعماري في

جوهره وربما يكون قد تحول إلى استعماري من دون قصد أو ب«طريق الخطأ» بعد سنة 1967، كما في

عمل غورنبيرغ. عمومًا، وباستثناء عدد قليل من الكتّاب كما سنرى أدناه، لا يزال يُنظر إلى المشروع

الصهيوني إلى حد كبير في سياقه التاريخي بوصفه غير استعماري إن لم يكن تحرريًا. وأي انحرافات عن

نموذج التحرير هي انحرافات ناجمة عن ضرورة تاريخية. وفي حين لا يُنكر أن يكون لنشوء المشروع

الصهيوني في فلسطين التاريخية، وتضم إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، تواريخ ومسارات مختلفة،

فإن الطرد ومصادرة الأراضي وتهجير السكان الأصليين - وجميعها ملامح الاستعمار الاستيطاني تظل في

كلتا الحالتين سمات مشتركة للصهيونية. على الرغم من أن كتّابًا ماركسيين، فلسطينيين وعربًا وغربيين، حللوا إسرائيل تاريخيًا منذ نشأتها من منظور

الاستعمار، فقد عمد العديد من كتّاب التيار السائد، ومنهم إسرائيليون، في العقود القليلة الماضية

إلى خرق الإجماع المسيطر حول طبيعة إسرائيل كما قدمها علماء الاجتماع الإسرائيليون والغربيون، وذلك

بوضع تشكلها في سياق الاستعمار والصراع اللاحق مع السكان الفلسطينيين الأصليين. إن تنفيذ إعادة

البناء الفكري هذه لم يكن سهلً؛ ففي السابق، كان ربط الصهيونية في الخطاب الأكاديمي بالاستعمار

(116) Gershon Shafir, «Settler Citizenship in the Jewish Colonization of Palestine,» in: Caroline Elkins and Susan Pedersen, eds., Settler Colonialism in the Twentieth Century: Projects, Practices, Legacies (New York: Routledge, 2005), p. 41. (117) Avishai Ehrlich, «Israel: Conflict, War and Social Change,» in: Colin Creighton and Martin Shaw, eds., The Sociology of War and Peace (London: Macmillan, 1987), p. 122. (118) Gershom Gorenberg, The Accidental Empire: Israel and the Birth of Settlements, 1967-1977 (New York: H. Holt,

(119) Abd al-Wahhab Kayyali, Palestine: A Modern History (London: Croom Helm, 1981), and Maxime Rodinson, Israel: A Colonial-settler State?, with an Introd. by Peter Buch; Translated from the French by David Thorstad (New York, Monad Press, 1973).

يُعتبر «افتراء»، كما لاحظ عالِالاجتماع أوري رام، أو كما عبّ بقوة أكبر المؤرخُ إيلان باب ه الذي عانىِ

شخصيًا ومهنيًا نتيجة وجهة نظره النقدية للصهيونية، «إن أي إشارة إلى الصهيونية بوصفها استعمارًا

تعادل في الخطاب السياسي الإسرائيلي الخيانة وكراهية الذات». وساهم ناشطون سياسيون وأكاديميون يهود ذوو ميول يسارية في أوائل السبعينيات، من خلال كتاباتهم،

في إرساء أسس منظور يهودي نقدي للمجتمع الإسرائيلي بدأ أخيرًا، وإن ببطء، يترك أثرًا ملموسًا في

الوسط الأكاديمي. وقد اعتمدتُ على كتابات هؤلاء منذ أكثر من ثلاثة عقود في كتابيي الفلسطينيون في

إسرائيل: دراسة في الاستعمار الداخلي (1979)، ولا حاجة إلى تكرار ذلك هنا كاملً؛ فقد عالج أوري

رام في مقال صحافي ولاحقًا في كتابه التاريخ الفكري وراء إطار الاستيطان في علم الاجتماع

الإسرائيلي. والمناقشة الفورية التالية هي لمحة موجزة عن جهد حفنة من الكتّاب الإسرائيليين الذين

يندرجون في هذا التصنيف. ومن أوائل أفراد هذه المجموعة أوري ديفيس، وهو عضو مجموعة ماتسبن

التروتسكية المناهضة للصهيونية، ومن أوائل من كشفوا أعمال الصندوق القومي اليهودي كأداة استعمارية

لتجريد الفلسطينيين الأصليين من أراضيهم، وأطلق تسمية التمييز العنصري على معاملة إسرائيل

للفلسطينيين قبل فترة طويلة من استخدامها. كما كان سمحا فلابان الذي كان ذات يوم عضوًا

ناشطًا فيي حزب يسار الوسط البائد مبام، واحدًا من أوائل الكتّاب الذين كتبوا منذ أكثر من ثلاثة عقود عن

أثر الصهيونية في السكان الأصليين. ومن المهم أن نلاحظ أن فلابان الذي اعترف بأن النضال الفلسطيني

شكّل «حركة وطنية»، لم يفسر الصهيونية كمشروع استعماري، وهو نفسه لم يكن معاديًا للصهيونية.

بل إنه يذكر في مقدمة كتابه سنة 1979، أن صعود النزعة العسكرية و«تفكك» ما سمّه القيم العالمية

والتقدمية داخل الصهيونية هما اللذان يجب تصحيحهما إذا كان للسلام مع الفلسطينيين أن يتحقق.

الكاتب الثالث في مجموعة الكتّاب الإسرائيليين الذين قدّموا بعد عقد من الزمن مناقشة أشمل للصهيونية

وتوجهاتها الاستعمارية هو عالِالنفس بنيامين بيت هلحمي الذي يربط إسرائيل صراحة بالاستعمار طوال

تاريخها. ففي كتابه الخطايا الأصلية (1992)، يوضح أنه حتى لو لم تكن نيات المستوطنين الصهيونيين

استعمارية منذ البداية، فإن الطريقة التي تكشفت بها الصهيونية في فلسطين، كحال حركات الاستيطان في

أي مكان آخر، لا يمكن أن تكون إلا استعمارًا استيطانيًا. وعلى الرغم من أن المشروع الصهيوني لم يكن

لديه بلد أمّ لتبنّيه، ولم يكن مدفوعًا بالبحث عن أسواق والحصول على المواد الخام، فقد أعطت رعايته

من قوى استعمارية مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة في فترات تاريخية متعاقبة الصهيونيين الزخم

المطلوب للمضي قدمًا، مع قليل من الاعتبار الجدي لتطلعات ومعارضة السكان الأصليين الذين اعتُب وا

(120) Uri Ram, «The Colonization Perspective in Israeli Sociology: Internal and External Comparisons,» Journal of Historical Sociology , vol. 6, no. 3 (September 1993). (121) Pappé, ed., The Israel/Palestine Question, p. 81. (122) Ram, «The Colonization Perspective». (123) Uri Ram, The Changing Agenda of Israeli Sociology: Theory, Ideology, and Identity, SUNY Series in Israeli Studies (Albany: State University of New York Press, 1995) (124) Uri Davis, Apartheid Israel: Possibilities for the Struggle within (London; New York: Zed Books, 2003), and Uri Davis, Andrew Mack and Nira Yuval-Davis, eds., Israel and the Palestinians (London: Ithaca Press, 1975). (125) Simha Flapan, Zionism and the Palestinians (London: Croom Helm; New York: Barnes and Noble Books, 1979).

(((12 المصدر نفسه، ص.13

«فائضًا سكانيًا». ويتابع بيت هلحمي بأن «إنشاء السيادة اليهودية في فلسطين لم يكن ممكنًا إلا على حساب

‹الفلسطينيين›. كان لا بد من القضاء عليهم أو إبعادهم أو طردهم». إن مسألة هل كانت الصهيونية

استعمارية عمدًا أم عن غير عمد قضية خلافية، لأن جميع حالات الاستعمار الاستيطاني تنتهي إلى طرد

السكان الأصليين. في الوقت نفسه تقريبًا، ظهرت على الساحة الأكاديمية ثلاث شخصيات محورية في هذه المدرسة النقدية

عُرفوا باسم ما بعد الصهيونية: عال الاجتماع غيرشون شافير، والمؤرخ بابه، وعالِالاجتماع باروخ

كيمرلينغ. يقول شافير في مقدمة كتابه، الأرض والعمل وأصول الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني،

1914-1882: «لقد وصلت إلى استنتاج مفاده أن أفضل فهم للمجتمع الإسرائيلي، في معظم تاريخه،

لا يكون من خلال التفسيرات المنغلقة الموجودة بل من خلال السياق العام للعلاقات الإسرائيلية -

الفلسطينية». ويجب أن تُفهم هذه العلاقة عبر النظر في «ملاءمة نموذج الاستيطان الأوروبي للحالة

الإسرائيلية [التي] تعود إلى بعض أوجه التشابه البنيوي». ويتابع شافير: «في البداية، كانت الصهيونية

تشكيلة من القومية الأوروبية الشرقية، أي حركة عرقية تبحث عن دولة. ولكن في نهاية الرحلة، يُستحسن

النظر إليها بوصفها مثالً متأخرًا للتوسع الأوروبي الخارجي الذي استمر بلا انقطاع من القرن السادس

عشر حتى أوائل القرن العشرين». وبالنسبة إلى منظور شافير المادي (عكس المثالي)، فإن جوهر الاستيطان الصهيوني الأولّي لفلسطين

يدور حول قضية الأرض والعمل، وكيفية تنفيذ الاستيطان من دون استغلال السكان الأصليين. وأيًا

من هذه القضايا - الأرض أو العمل أو السكان - لم تحل من قبل المشروع الصهيوني دون الفصل العرقي

والاستغلال والسلب الصريح، وفي نهاية المطاف التطهير من الفلسطينيين بعد نزع ملْكياتهم. وقدّم بابه، أكثر الكتّاب الإسرائيليين النقديين غزارة في الإنتاج، وقد اشتهر أيضًا بدراسات ما بعد

الصهيونية، في سلسلة من الكتب، تقويمً نقديًا للأصول التاريخية للصراع العربي - الإسرائيلي كما ظهر

في التأريخ الإسرائيلي السائد؛ أبقى تركيزه في كتاباته كلها على المكوّن الفلسطيني في الصراع. وهو يرفض

(127) Benjamin Beit-Hallahmi, Original Sins: Reflections on the History of Zionism and Israel (London; Concord, MA: Pluto Press, 1992), p. 82.

(((12 للاطلاع على مناقشة شاملة للجدل الدائر حول ما بعد الصهيونية، انظر:

Laurence J.Silberstein« ,Problematizing Power:Israel’s Postzionist Critics », Palestine – Israel Journal , vol. 9, no. 3 (2002), and The Postzionism Debates: Knowledge and Power in Israeli Culture (New York: Routledge, 1999). (129) Gershon Shafir, Land, Labor, and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882-1914, Cambridge Middle East Library; 20 (Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1989), p. 11.

في الآونة الأخيرة، تبنّى نيفي غوردون موقفًا مماثل لافتًا؛ إذ صرّح في مقدمة كتابه: «أعتقد جازمًا أن الخلافات الراهنة التي تغذي

الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني لا يمكن فهمها من دون الأخذ بعين الاعتبار عملية التطهير العرقي التي جرت في أثناء حرب 1948

.Gordon , Israel’s Occupation, p. 19:وبعدها» انظر

(130) Shafir, Land, Labor, p. 10.

(((13 المصدر نفسه، ص.8

(((13 راجع تحليل زاكاري لوكمان المهم والشامل لكتاب شافير الذي يقول فيه إنه على الرغم من أن شافير قدم مساهمة مهمة

لتسليط الضوء على الأساس المادي للصهيونية، على النقيض من التصور المثالي السائد الذي ساوى الصهيونية المبكرة مع

الاشتراكية، فقد افتقر تحليله إلى الاعتراف بالطابع العنيف للتجربة الصهيونية وأثرها في طرد السكان الفلسطينيين الأصليين، في:

.Lockman, «Land, Labor and the Logic of Zionism» m

ادّعاء التأريخ الصهيوني أن الدافع الأساس للاستيطان اليهودي في فلسطين كان القومية والاشتراكية.

يقول بابه إن من غير الصحيح منهجيًا افتراض وجود علاقة سببية بين أيديولوجيات المستوطنين

ونياتهم وكتاباتهم، من ناحية، وما تكشَّف فعلً على أرض الواقع، من ناحية أخرى. وما يراه بشكل صحيح هو أن الدافع وراء المشروع الصهيوني منذ بدايته الأولى هو الاستعمار والتطهير العرقي كمآل. وعند إجراء تحليل مقارن للاستيطان الصهيوني وغيره من الحركات التبشيرية المسيحية في أفريقيا، يبين بابه أن المظاهر الأيديولوجية لهذه الجماعات التي تأثرت بالاستعمار الأوروبي تحت راية المثالية والتقدم،

كذّبتها التطورات الفعلية التي أدت إلى استغلال السكان الأصليين وسلبهم. كان كيمرلينغ عند وفاته سنة 2007 قد بلغ مكانة بارزة كعالِومثقف عام. وهو معروف جيدًا بانتقاداته

اللاذعة لأريئيل شارون بوصفه المهندس الرئيس للسياسات الاستعمارية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، ولشن «إبادة سياسية» ضد الفلسطينيين. ويختلف تحليله للصهيونية والوضع في إسرائيل ذاتها إلى حد ما.

ففي كتابه المشترك مع جويل مغدال Palestinians: The Making of a People (الفلسطينيون: صناعة

شعب) (1993)، ليس هناك مكان للاستعمار بوصفه مبدأ تنظيم لشرح المواجهة التاريخية بين الصهيونية

والفلسطينيين. والكتاب عبارة عن تمثيل زمني لظهور القومية الفلسطينية، مع تركيز شديد على الجوهر

الأصلي (Primordialism) والفئوية الداخلية. وما جعله منعشًا لكثير من القراء هو أن أكاديميًا إسرائيليًا

معروفًا قام بكتابته. التقطت مراجعة جان سلبي (J. Selby) لكتابات ما بعد الصهيونية الضعف المركزي في منهجية كيمرلينغ. فعبر التأمل في كلمات كيمرلينغ بأن الصهيونية هي «حركة استيطانية فريدة غير ربحية وغير اقتصادية»، يذهب سلبي إلى القول بخصوص تصوير الصهيونية على أنها «مدفوعة حصرًا

بالمشاعر القومية، والنتيجة هي أنه [كيمرلينغ] ينتهي إلى قول لا شيء عن النظام الاستعماري العالمي النظامي الذي تشكلت ضمنه الحركة الصهيونية، ولا عن الاقتصاد السياسي للاستيطان في فلسطين في ظل الاحتلال العثماني والانتداب البريطاني». ويقدّم عالِالاجتماع جيل إيال تفسيرًا مغايرًا لكنه متعاطف مع الصهيونية، على الرغم من اعترافه بأن

الصهيونية كأيديولوجيا متشربة بخطاب استشراقي، وهو رأي يشاركه فيه المؤرخ الإسرائيلي جربر

الذي أشرنا إليه سابقًا. ويشير إيال في معرض تعليقه على أعمال سعيد وشافير وآخرين، إلى أن صهيونية المستوطنين جسّدت مواقف متنوعة، بل متناقضة، حيال السكان العرب في فلسطين، افتتانًا واشمئزازًا،

تفوقًا وإعجابًا. وفي حين لا ينكر المواقف الاستعمارية للكتّاب الصهيونيين بدءًا من هرتسل، فإن دافع هذه

(133) Ilan Pappé, «Zionism as Colonialism: A Comparative View of Diluted Colonialism in Asia and Africa,» South Atlantic Quarterly, vol. 107, no. 4 (Fall 2008). (((13 المصدر نفسه، و (New Haven The forgotten Palestinians: A History of the Palestinians in Israel Ilan Pappé,

.)[Conn.]: Yale University Press, 2011 (135) Baruch Kimmerling, Politicide: Ariel Sharon's wars against the Palestinians (London: New York: Verso, 2003). (136) Jan Selby, «Post-Zionist Perspectives on Contemporary Israel,» New Political Economy, vol. 10, no. 1 (March

(137) Gil Eyal, The Disenchantment of the Orient: Expertise in Arab Affairs and the Israeli State (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 2006), pp. 33-61. (138) Gerber, «Zionism, Orientalism, and the Palestinians».

المواقف كان حاجة المستوطنين الصهيونيين إلى النأي بأنفسهم عن الثقافة «الأصلية» للسكان الأصليين «الشرقيين» (العرب واليهود من أصل شرق أوسطي)، وتأسيس هوية منفصلة منعزلة أيضًا عن التجربة

الأوروبية في وصم اليهود. وكما عبّ شافير باقتدار، فإن المستوطنين اليهود في فلسطين «تمكنوا»، في

محاولاتهم للهروب من الاضطهاد الأوروبي، «من الهرب من أوروبا، ولكن ليس التخلص منها».

وبالنسبة إلى هذا الكاتب، فإن محاولات إيال وغيره، ديريك بنسلار مثلً، لتقديم الصهيونية كخليط من مشاعر متعددة الأوجه بينها مشاعر معادية للاستعمار الأوروبي، لا تنفي أن الهدف النهائي للصهيونية، باستثناء أقلية من ثنائيي القومية (nationalists - bi) الذين هُِّشوا وحُيِّدوا، كان دائمًاستعمار الأرض،

وضمان أغلبية يهودية كبيرة، مع كون سلب الأراضي ونقل السكان العرب بدائل ملموسة، وكذلك في مواجهة المعارضة العربية، بناء مجتمع منفصل محصن بما سمّه الرجعي فلاديمير جابوتنسكي «الجدار

الحديدي» للانفصال عن جيرانه العرب. وعلى النقيض من المدافعين الآخرين عن الصهيونية، لم يخجل جابوتنسكي من الاعتراف بأن الفلسطينيين أمّة والدعوة إلى المشروع الاستعماري الصهيوني، المشروع

الذي لا يمكن أن يدوم إلا باستخدام القوة العارية لمواجهة معارضة العرب له:

إن الاستعمار الصهيوني، حتى بأكثر أشكاله تقييدًا، يجب إمّا أن ينتهي وإمّا أن ينفَّذ ضد إرادة السكان الأصليين. ولا يمكن لهذا الاستعمار، بالتالي، أن يدوم ويتطور إلا بحماية قوة مستقلة عن السكان المحليين - جدار حديدي لا يمكن للسكان الأصليين اختراقه. هذه هي، جملة وتفصيلً، سياستنا تجاه العرب. وصوغها بأي طريقة أخرى لن يكون إلا نفاقًا.

حتى الآن، لا تزال إسرائيل ملتزمة بالاعتراف بدورها في ما يسمّيه الأنثروبولوجي داني رابينوفيتش

«الخطيئة الأصلية» التي أسفرت عن تدمير المجتمع الفلسطيني سنة 1948، الذي أنشئت إسرائيل على بقاياه. ولدى تقديم تفسير نقدي للكتابات الإسرائيلية السائدة، يؤكد المؤرخ بتربرغ أن الطابع الاستعماري للصهيونية و«أسطورتها التأسيسية» تتجلى في ثلاثة «مبادئ أساسية في روايات المستوطنين السائدة:»

... التفرد المزعوم للأمّة اليهودية والبحث الدؤوب عن السيادة في الوطن الموهوب توراتيًا، وتفضيل وعي المستوطنين الصهيونيين على حساب المستعمَرين، وعلى حساب نتائج الاستعمار من قبل المستوطنين وليس

(139) Shafir, «Settler Citizenship in the Jewish Colonization,» p. 41. (140) Derek J. Penslar, Israel in History: The Jewish State in Comparative Perspective (New York: Routledge, 2006).

على الرغم من أن فصل بنسلار «هل الصهيونية حركة استعمارية» يعترف بأن «العناصر الاستعمارية كانت موجودة كذلك في معاملة

الأقلية العربية في إسرائيل ومصادرة الدولة لأراضيها»، فإن فحوى فصله فكري بطبيعته لا يأخذ في الاعتبار المسائل المادية المهمة

المتمثّلة في الأرض والعمل ورأس المال والعنف - المكونات الرئيسة للاستعمار في السعي لبناء الدولة. والفصل هو فضح لما

يراه تفردًا ثقافيًا للصهيونية وردة فعلها المناهض للاستعمار على أوروبا. ويؤكد أن المواقف الاستعمارية للصهيونيين الغربيين، إن

وجدت، كانت موجهة ضد اليهود الشرقيين لا ضد السكان العرب. وهو لا يرى خيط ا يربط السياسات الصهيونية المبكرة والمتأخرة

تجاه السكان العرب، أكان في إسرائيل ذاتها أم في الأراضي المحتلة، ولا سيما أن الأخيرة تنطوي على استمرار الاستيلاء على

الأراضي والسيطرة على السكان. انظر: المصدر المذكور، ص.91

(141) Ahmad H. Sa'di, «The Borders of Colonial Encounter: The Case of Israel’s Wall,» Asian Journal of Social Science, vol. 38, no. 1 (2010), and Ian S. Lustick, «Abandoning the Iron Wall: Israel and «the Middle Eastern Muck,» Middle East Policy, vol. 15, no. 3 (Fall 2008). (142) Sa’di, «The Borders of Colonial Encounter,» p. 47.

نياتهم، وإنكار أن وجود العرب الفلسطينيين على الأرض المخصصة للاستعمار كان العامل الوحيد الأهم الذي حدد الشكل الذي اتخذته أمّة المستوطنين.

إلى جانب المحاولات المستمرة لمحو الرواية الفلسطينية بشأن العلاقة التاريخية بالبلد، شارك السياسيون الإسرائيليون على أعلى مستوى في تشويه الوجود الفلسطيني وإخفائه الصريح. وأظهرت الأبحاث الجارية لطالب الدكتوراه شاي حزكاني أن الرقيب الإسرائيلي، عبر حجب المواد الأرشيفية عن الباحثين، يواصل إخفاء الطبيعة الحقيقية للحوادث التي تلت هجوم 1948 على السكان المدنيين الفلسطينيين وطردهم: «في ظل قيادة رئيس الوزراء دافيد بن غوريون، تم تكليف باحثين شرق أوسطيين بارزين في الحكومة بمهمة تقديم دليل يدعم موقف إسرائيل، أي إن الفلسطينيين فروا بمحض إرادتهم ولم يُطردوا

في عام.»1948

استنتاجات

اقتفى هذا المقال أثر التصورات الصهيونية عن الفلسطينيين والأرض التي يعيشون عليها، وأظهر أنه في حين وجدت انحرافات وتفسيرات مختلفة بعض الشيء للصهيونية بين المتحدثين باسم الصهيونية وأنصارهم، كانت هناك ولا تزال نواة جوهرية ثابتة تصنّف المواقف تجاه الفلسطينيين، أكانوا من مواطني إسرائيل أم يقيمون في الأراضي المحتلة، وهي: كيفية التأثير في إدارة السكان والسيطرة على الأراضي لضمان الهيمنة اليهودية الدائمة في فلسطين التاريخية. وكحال المشاريع الاستعمارية عمومًا، جرى التفكير

في تبادل الأراضي ومصادرتها وتهجير السكان أو تبادلهم أو طردهم تمامًا. وفي بعض الأوقات الحاسمة

مارستها القيادة الصهيونية بمختلف أطيافها السياسية. ومع التطهير العرقي، وصلت هذه الممارسات ذروتها عشية إقامة الدولة في سنة 1948، ويجري الآن المجاهرة بها وممارستها حيال الضفة الغربية. أكدنا أن على الرغم من أن هذه المواقف تعكس أيديولوجيا خاصة بالصهيونية يجري صوغها بشكل متزايد بلغة الأمن واسترداد الأراضي والدعوات الدينية، فإن المشروع في الأساس علماني ومتجذر في الشخصية الاستعمارية للحركة الصهيونية وتجلياتها في إسرائيل 1948 وفي التوسع اللاحق عبر النشاط الاستيطاني في أراضي 1967. ولكي تنجح هذه التجربة يجب أن يكون هناك خطاب ثابت يجرّد السكان

الفلسطينيين الأصليين من الإنسانية. وقد استخدمت لغة إضفاء الطابع الأمني بطريقة مقنعة لتبرير تعليق حقوق الإنسان الأساسية للفلسطينيين.

(143) Piterberg, The Returns of Zionism, p. 62. (144) Shay Hazkani, «Catastrophic Thinking: Did Ben-Gurion Try to Rewrite History?,» Haartetz, 16/5/2013, on the Web: <http://www.haaretz.com/weekend/magazine/catastrophic-thinking-did-ben-gurion-try-to-rewrite-history. premium-1.524308> (Accessed 25 September 2013).