Return to Article Details Moroccan Islamists on the Civilian State: Case of the Justice and Charity (Al Adl wal Ihsan) Movement and the Justice and De

الثابت والمتحول في مواقف الإسلاميين المغاربة من الدولة المدنية: نموذج العدل والإحسان والعدالة والتنمية

Moroccan Islamists on the Civilian State: Case of the Justice and Charity (Al Adl wal Ihsan) Movement and the Justice and De

هشام خباش*

الملخّص

* أستاذ في كلية الآداب، جامعة سيدي محمد بن عبدالله، فاس سايس - المغرب. مجال الاهتمام: المعرفية الاجتماعية وعلم النفس السياسي المعرفي. ** هذه الورقة أعدّت بدعم من برنامج فولوبيليس (Volubilis)، اللجنة الجامعية المختلطة الفرنسية- المغربية.

Abstract

Khabbashe’s study examines Morocco’s two main Islamist parties’ attitudes towards the modern civil state, and the extent to which members ofJustice and Charity Movement and the Justice and Development Party are willing to change their attitudes on the notion of a civilian state. Khabbashe’s findings reveal that both movements concur in their categorical rejection of a ruler being non-Muslim and in their affirmation of the importance of political participation in the context of an Islamic system of government, which is taken synonymous with shura (consultation). Notable differences are detected, however, with the Justice and Development Party deemed more receptive to partial secularism and to the election of government officials. The change in attitudes for the sample as a whole reveals a rise in the number of positive attitudes towards secularism and a drop in those concerned with its twin, democracy, and a marginal decline in the number of positive attitudes towards party pluralism and the election of government officials.

الكلمات المفتاحية:
  • الإسلاميون المغاربة
  • الدولة المدنية
  • حركة العدل والإحسان
  • حزب العدالة والتنمية
  • العلمانية
  • فصل السلطات
Keywords:
  • Civil State
  • Justice and Charity Movement
  • Justice and Development Party

نموذج العدل والإحسان والعدالة والتنمية **

تهدف هذه الدراسة الميدانية أولً إلى الكشف عن أوجه الاختلاف والتماثل بين مواقف أعضاء

«حركة العدل والإحسان» ومواقف «حزب العدالة والتنمية» («حركة الإصلاح والتوحيد»)

من الدولة المدنية، وتهدف ثانيًا إلى إيضاح مدى استعداد أعضاء كلتا الحركتين لتغيير مواقفهما

من الدولة المدنية، إن هما واجهتا وضعيات إحراج معرفي تتضمن مواقف مضادة. طبقًا لما أسفرت عنه الدراسة من نتائج، فإن مواقف الحركتين من الدولة المدنية تبقى

مطبوعة بالتماثل والثبات من جهة رفضها فكرة أن يكون حاكم الدولة المسلمة غير مسلم،

وتأكيدهما أهمية المشاركة السياسية في ظلِّ نظام الحكم الإسلامي، بوصفها مرادفًا للشورى. أما الجانب المتحول والمتباين لدى الحركتين، فيتجلى في كون «العدالة والتنمية» أكثر

تقبلً لنوع من العلمانية الجزئية ولانتخاب مسؤولي الدوائر الحكومية مقارنة ب«العدل

والإحسان»، علاوة على وجود تباين بين الحركتين على مستوى صيرورة التغير في مواقفهما،

والمتمثّل في استقرار عدد المواقف الإيجابية لدى «العدالة والتنمية» تجاه الانتخابات لاختيار

الحاكم، في مقابل ارتفاعه لدى «العدل والإحسان» ليبلغ بعد وضعية الإحراج المعرفي ما

تم تسجيله هو نفسه لدى «العدالة والتنمية». يضاف إلى ذلك تراجع عدد مواقف «العدالة

والتنمية» الإيجابية من فصل السلطات، بينما شهد هذا العدد استقرارًا لدى «العدل

والإحسان». ويبرز التحول في مواقف مجموع أفراد العيّنة («العدل والإحسان» و«العدالة

والتنمية» معًا) بعد عملية الإحراج المعرفي، من خلال ارتفاع عدد المواقف الإيجابية من

العلمانية وانخفاض المواقف من الديمقراطية، والتراجع الهامشي لعدد المواقف الإيجابية من

التعددية الحزبية ومن انتخاب مسؤولي الهيئات الحكومية.

* أستاذ في كلية الآداب، جامعة سيدي محمد بن عبدالله، فاس سايس - المغرب. مجال الاهتمام: المعرفية الاجتماعية وعلم النفس

السياسي المعرفي. ** هذه الورقة أعدّت بدعم من برنامج فولوبيليس (Volubilis)، اللجنة الجامعية المختلطة الفرنسية- المغربية.

خريف 2014

مقدّمة

لا أحد يجادل في أن الربيع العربي شكّل حدثًا تنزل خارج أفق المتوقع بالنسبة إلى الجميع. كما

أن تداعياته المتمثّلة في بلوغ الإسلاميين السلطة شكلت بدورها مفاجأة غير مسبوقة، أبهجت

البعض بقدر ما أقلقت البعض الآخر، الشيء الذي دفع أحد الصحافيين الفرنسيين إلى عنونة مقالة له

نشُرت في لوموند ب«وصول الإسلاميين إلى السلطة محمولين على شظايا الربيع العربي». وقد فوجئ

الإسلاميون، كغيرهم، بأن الربيع العربي وضعهم أمام اختبار الحكم، بكل ما يحتويه من تعقيدات.

والسؤال الذي يطرح نفسه عليهم اليوم بإلحاح هو: هل ما زالوا متمسكين بحلمهم الذي نشأوا عليه وهو

بناء دولة على منهاج النبوة ومنهاج الخلفاء الراشدين عند مواجهتهم اختبار الحكم وتولّ مقاليد السلطة،

أم أن احتكاكهم المباشر بواقع ممارسة الحكم جعلت تمثلّاتهم للتّدبير الحكومي أكثر قابلية للتفاوض،

ومواقفهم من الدولة المدنية أكثر مرونة وتفهمً؟ ليس هدفنا من هذه الدراسة إيجاد إجابات مباشرة وقاطعة عن تلك الأسئلة، بقدر ما هو استكشاف جملة

من المعطيات الميدانية التي من الممكن أن تساعد المهتمين والمختصين وصنّاع القرار على فتح حوار سياسي

وفكري في شأنها. انسجامًا مع هذا الهدف، فإن همنا هنا هو الكشف عن مدى استعداد الإسلاميين المغاربة، وخاصة «العدل

والإحسان» و«العدالة والتنمية»، لمراجعة تمثلّاتهم السياسية بخصوص مفهوم الدولة وأنظمة الحكم.

ونعني بالتمثلّات السياسية ما عناه موسكوفيسكي بمفهوم التمثلّات الاجتماعية عند ارتباطه بسياقات

سياسية، أي تلك المواقف والمعتقدات المشتركة بين أفراد جماعة معيّنة والمشكِّلة لذاكرتهم الجماعية أو

المشتركة، وهي تتكون، بحسبه، من: - نواة صلبة تتضمن عددًا من المواقف والمعتقدات غير قابلة للتفاوض، نظرًا إلى قدسيتها وأهميتها الرمزية

والتاريخية بالنسبة إلى جماعة الانتماء، أو نظرًا إلى كونها تمثّل العقيدة التي قامت عليها هوية تلك الجماعة. - محيط تلك النواة الذي يتضمن المواقف والمعتقدات القابلة للتفاوض والممكن استبدالها وتغييرها. إن اعتماد مفهوم التمثلّات الاجتماعية لدى موسكوفيسكي على هذه الصورة يدعونا إلى استحضار

إشكالية الدراسة، التي تستهدف الكشف عن مواقف الإسلاميين المغاربة، وخاصة «العدل والإحسان»

و«العدالة والتنمية»، من الدولة المدنية، والتمييز فيها بين ما يقبل منها التفاوض والمراجعة وما لا يقبل

ذلك، ثم البحث عن الجماعة المتفوقة بالمواقف القابلة للتفاوض، هل هي «العدل والإحسان» أم «العدالة

والتنمية»؟ تأسيسًا على ما سبق، نقترح صوغ المفاصل التساؤلية لإشكالية الدراسة كالآتي:

(1) Alain Gresh, «Sur les braises du «printemps arabe»: Les Islamistes à l’épreuve du pouvoir,» Le Monde diplomatique (Novembre 2012), pp. 1 et 20-21. (2) Serge Moscovici, “Communication introductive à la première conférence internationale sur les représentations sociales,” Papier présentée à: La 1ère Conférence internationale sur les représentations sociales, Ravello, Italie, 1992. (3) Joël Candau, Anthropologie de la mémoire , collection Cursus. Sociologie (Paris: A. Colin, 2005), p. 3. (4) Jean-Claude Abric, “Central System, Peripheral System: Their Functions and Roles in the dynamics of Social Representations,” Papers on Social Representations = Textes sur les représentations sociales , vol. 2, no. 2 (1993), p. 75.

إلى أي حد يشكل عامل الاختلاف الأيديولوجي بين حركة «العدل والإحسان» و«حزب العدالة

والتنمية» («حركة الإصلاح والتوحيد») عاملً مؤثرًا في مواقف أعضائهما من الدولة المدنية؟ بعبارة

أوضح، إلى أي حد يمكن الإقرار بوجود تباين دال بين مواقف أعضاء كلتا الحركتين من الدولة المدنية؟

وما مدى استعداد أعضاء الحركتين لتغيير مواقفهم من الدولة المدنية (Attitudes change) إن هم

جوبهوا بوضعيات إحراج معرفي تتضمن مواقف مضادة (Counter-attitude) صيغت بشكل حجاجي

وبرهاني؟ فهل سيظلون بعد عملية الإحراج المعرفي متشبثين بمواقفهم الأصلية أم سيتحولون نحو

مواقف أكثر انفتاحًا على الدولة المدنية بمعناها الحديث والعلماني، أم أنهم سيلجأون إلى مواقف تركيبية

تجمع بين المفهوم الإسلامي والمفهوم العلماني الحديث للدولة وتمكّنهم من تقليص حالة تنافرهم المعرفي

(Cognitive Dissonance) والذهني الناجمة عن مواجهتهم وضعية الإحراج المعرفي تلك؟

مفاهيم الدراسة وخلفيتها النظرية

سنعمد في هذا المحور إلى استدعاء عدد من الدراسات التي حاولت الإجابة عن سؤال مركزي مفاده:

هل يمكن توقّع طبيعة الانتماء السياسي للفرد من خلال موقفه السياسي تجاه موضوع ما؟ بمعنى هل

يمكن معرفة موقفه السياسي انطلاقًا من الحزب أو الجماعة التي ينتمي إليها أم أن الأفراد لا يلتزمون دائمً

بانتمائهم السياسي وإنما يغيرون مواقفهم أو يكيفونها وفقًا لما تمليه الأوضاع عليهم؟

أطروحة تلازم الانتماء السياسي مع الموقف السياسي

انتهى عدد كبير من الدراسات، بناءً على معطيات ميدانية، إلى تطابق الانتماء السياسي مع صوغ الموقف

السياسي؛ ففي دراسة لكوهن عرض فيها مشروعين للرعاية الصحية على مجموعتين: أولاهما من

الحزب الجمهوري، والأخرىمن الحزب الديمقراطي. يتضمن المشروع الأولعرضًا سخيًا للرعاية

الصحية، وقُدِّم على أنه مشروع الحزب الجمهوري؛ أما المشروع الآخر، الذي اتسم بنوع من التقشف في

دعم الرعاية الصحية، فقد عُرض على أنه مشروع الحزب الديمقراطي. وما أثار الانتباه هو أن المتعاطفين

مع الجمهوريين صوّتوا على مشروع الحزب الذي ينتمون إليه من دون تمحيص مضامينه التي تتنافى مع

قناعاتهم، والشيء نفسه بالنسبة إلى الديمقراطيين. كما توصل كارني ومعاونوه، في السياق ذاته، إلى ما يفيد بأن طبيعة الانتماء السياسي لا تؤثر في مواقف

الأفراد فقط، بل في طباع شخصيتهم أيضًا؛ فالليبراليون أكثر من المحافظين انفتاحًا على التجارب

الجديدة واستعدادًا للتفاوض، وأقل مقاومةً للتغيير وتمسكًا بالتقاليد، وأكثر تقبلً للآخرين

(5) Gregory R. Maio and Geoffrey Haddock, The Psychology of Attitudes and Attitude Change (Los Angeles; London: SAGE, 2009), p. 91. (6) R. J. Rydell and A. R. McConnell, “Consistency and Inconsistency in Implicit Social Cognition: The Case of Implicit and Explicit Measures of Attitudes,” in: Bertram Gawronski and B. Keith Payne, eds., Handbook of Implicit Social Cognition: Measurement, Theory, and Applications (New York: Guilford Press, 2010), p. 300. (7) Martha Augoustinos, Iain Walker and Ngaire Donaghue, Social Cognition: An Integrated Introduction , 2nd ed. (London; Thousand Oaks: SAGE, 2006), p. 128. (8) Geoffrey L. Cohen, “Party Over Policy: The Dominating Impact of Group Influence on Political Beliefs,” Journal of Personality and Social Psychology , vol. 85, no. 5 (2003), p. 809. (9) Dana R. Carney [et al.], “The Secret Lives of Liberals and Conservatives: Personality Profiles, Interaction Styles, and the Things they Leave Behind,” Political Psychology , vol. 29, no. 6 (December 2008), p. 807. (10) John T. Jost, Brian A. Nosek and Samuel D. Gosling, “Ideology: Its Resurgence in Social, Personality, and Political Psychology,” Perspectives on Psychological Science , vol. 3, no. 2 (March 2008), p. 126.

خريف 2014

المخالفين طبقيًا (الفقراء) وجسديًا (المعاقون) وإثنيًا (الهنود والأشخاص ذوو الأصول اللاتينية) ودينيًا

(المسلمون واليهود). تبقى أهم دراسة في هذا الشأن هي دراسة جوست التي احتوت على 80 عيّنة تضمنت 81822.

حالة، وشملت 12 بلدًا، لتخلص إلى أن من بين السمات التي تميز أفراد الاتجاه المحافظ من أفراد الاتجاه

الليبرالي أو الإصلاحي هي السمة المتمثّلة في أن المحافظين أكثر دوغمائية ونفورًا من الغموض وتجنبًا

للتشكيك في قناعاتهم ومعتقداتهم، وأنهم أكثر تمسكًا بأسلوب حياتهم ونمط معيشتهم، وأكثر دفاعًا عن

النظام الاجتماعي التقليدي المحكوم بالتراتبية الاجتماعية وبالتمييز بين الجنسين، كما أنهم أكثر خوفًا من

تهديدات الآخر المخالف لتقاليدهم وقيمهم ولقناعاتهم السياسية. تأسيسًا على ما سبق، وبناء على معطيات إثنوغرافية، ألا يمكننا المجازفة بإقرارنا بأن «حركة العدل

الإحسان» تمثل تيارًا إسلاميًا محافظًا في المغرب، وذلك من جهة رفضها التفاوض مع السلطة القائمة،

وتمسكها بتصورها للحكم على منهاج النبوة، وتوقفها عن دعم حركة 02 فبراير، بناء على اعتبارات

أخلاقية أكثر من كونها اعتبارات سياسية، ومنها: كون شباب 02 فبراير «لا يصومون رمضان، يدافعون

عن الجنسيين المثليين وعن سفور المرأة، وبأنهم في أغلبهم ملاحدة». وفي المقابل، ألا تمثّل «العدالة والتنمية»

التيار الإسلامي الليبرالي المعتدل في المغرب اعتبارًا لقبولها التعامل مع مختلف مؤسسات الدولة، حتى

البنكية منها ذات المعاملات الربوية، وانخراطها في الحقل السياسي الرسمي عبر توليها مناصب مهمة في

الحكومة وتشكيل ائتلاف سياسي حكومي مع حزب ذي خلفية شيوعية؟ إن القبول بهذا التوصيف يجيز لنا صوغ الافتراض التالي، وهو أن «العدل والإحسان» (المحافظون) هم

أكثر ثباتًا وتمسكًا بمواقفهم السلبية من الدولة المدنية وأكثر مقاومة لأي تغيير في قناعاتهم ومعتقداتهم في

أثناء تعرضهم لوضعيات الإحراج المعرفي، مقارنة ب«العدالة والتنمية» (الليبراليون). وإذا ما صحت هذه

الفرضية أمكن اعتبار أعضاء جماعة «العدل والإحسان» أفرادًا محكومين بالشخصية المحافظة التي تتميز

بتصلب مواقفها السياسية ورفضها الإنصات للحجج المضادة، الأمر الذي لا يسمح لها باستثمار جهد

ذهني معتبر، وبصوغ خطاطات ذهنية مركّبة تمكّنها من استيعاب المواقف المخالفة لها، وهو ما يجعلها

تنهج سياسة التقتير والاقتصاد في طاقتها الذهنية من خلال ركونها إلى خطاطات تفكيرية غير مركّبة،

نشأت عليها واعتادت اعتمادها، ودأبت على تحليل مواقف الآخرين من خلالها. وهي مبنية على نوع

من التفكير الحدي الذي يمكن صوغ فحواه كما يلي: «أنت معي سأنصت لك، وإن لم تكن معي فليس

(11) B. A. Nosek, J. Graham and C. B. Hawkins, “Implicit Political Cognition,” in: Gawronski and Payne, eds., p. 551. (12) John T. Jost [et al.], “Political Conservatism as Motivated Social Cognition,” Psychological Bulletin , vol. 129, no. 3 (2003), p. 339. (13) Abdelhak Jebbar, “Etude Socio-cognitive des croyances politico-religieuses au Maroc,” (Thèse de doctorat en cours, Faculté SAIS Fès), et N. Mahmi, “Connaissance d’autrui et attitudes protocentriques dans les mouvements religieux au Maroc: Une Approche d’ethnographie cognitive,” (Thèse de doctorat en cours, Faculté SAIS Fès). (14) Philip E. Tetlock, “Psychology and Politics: The Challenges of Integrating Levels of Analysis in Social Science,” in: Arie W. Kruglanski and E. Tory Higgins, eds., Social Psychology: Handbook of Basic Principles , 2nd ed. (New York: Guilford Press, 2007), p. 905.

(((1 نتحدث في هذا الصدد عن أن الفرد لا يحاول بذل جهد ذهني كبير، لتحليل جملة من القضايا المحيطة به، وإنما يركن إلى نوع

من التقتير المعرفي (Cognitive misers) القائم على استدعاء جملة من الإجابات الجاهزة التي اعتاد سماعها من الآخرين. انظر في

هذا الصدد:

Richard J. Crisp and Rhiannon N. Turner, Essential Social Psychology , 2 nd ed. (Los Angeles: SAGE, 2010), p. 65.

لك مكان في خطاطتي الذهنية»، وهذا ما يؤدِّي بالجماعات المحافظة إلى ضرب من التعصب في

قيمها وأفكارها يجعلها تنخرط في ما يسمّى في علم النفس الاجتماعي إطلاقية رفض المواقف

(Latitude of rejection) المخالفة لقناعاتها ومعتقداتها، على الرغم من واقعيتها وقوة حججها. من هنا،

تؤكد الجماعات المحافظة عدم التزامها بأي صيغة تفاوضية وسطية تأخذ شكل مواقف تركيبية تجمع بين

موقفها وموقف من يخالفونها الرأي.

أطروحة عدم تلازم الانتماء السياسي والموقف السياسي

حاول عدد من الباحثين في هذا السياق الخروج عن تلك الصورة النمطية التي رُسمت لليبراليين

والمحافظين؛ فليس الليبراليون بالضرورة على استعداد دائم لمراجعة مواقفهم السياسية والمجازفة

والانفتاح على تجارب جديدة مخالفة، أحيانًا، لقناعاتهم وقيمهم، إن هم قورنوا بالمحافظين. في هذا

الخصوص، وضع غرينبرغ وجوناس سنة 0032 دراسة ميدانية شملت التيار المحافظ والتيار الليبرالي

في عدد من البلدان. وخلصا إلى أن التصلب في المواقف السياسية وانعدام المرونة الذهنية في التعاطي

مع الشأن السياسي ليسا صفتين تخصان المحافظين فقط، بل هما قائمتان عند الليبراليين أيضًا. على غرار

الطرح نفسه، توصل تيتلوك إلى أن مناضلي حزب العمال في بريطانيا يعتمدون نوعًا من التفكير الحدي

(Dichotomous reasoning) في تعاملهم مع عدد من القضايا السياسية: «إما معنا وإما ضدنا»، مثلهم

مثل مناضلي حزب المحافظين. كما انتهى كل من تيتلوك وبوتيغر، اعتمادًا على تقنية تحليل مضامين

البيانات، إلى أن أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي هم أقل تطرفًا وأكثر مرونةً في عددٍ

من الموضوعات السياسية مقارنةً بالإصلاحيين الغورباتشوفيين. من هنا نخرج بفرضية خلاصتها أنه ليس من الضروري توقّع مواقف أعضاء كل من «العدالة والتنمية»

و«العدل والإحسان» من الدولة المدنية من خلال طبيعة انتمائهم السياسي، بل من خلال نوعية الوضعية

التي سيواجهونها. بناء عليه، سنتحدث عن أهمية السياق في صوغ مواقف الأفراد.

أهمية السياق في صوغ الأفراد لمواقفهم السياسية

إن للسياق دورًا أساسيًا في صوغ الفرد لمواقفه السياسية؛ فالمواقف السياسية المعبّ عنها في مختبر الدراسة

تختلف عن تلك المعبّ عنها في الواقع الاجتماعي الطبيعي، مع أنها تعود إلى الأشخاص أنفسهم. كما

إن المواقف المعبّ عنها أمام كاميرا قناة فضائية ليست هي المواقف نفسها المعبّ عنها في وضعية حميمية مع

(16) Mahmi, N, op. cit., p 17. (17) Tetlock, “Psychology and Politics,” p. 905. (18) Gregory R. Maio and G. Haddock, “Attitude Change,” in: Kruglanski and Higgins, eds., p. 571.

(1((وتجدر الإشارة إلى أن الفرد يلجأ إلى أسلوب إطلاقية رفض الموقف، عندما يمس تبنّي مواقف جديدة بهوية جماعة انتمائه.

ويرغب بتشدّده هذا في أن يُظهر مدى ولائه لفضاء انتمائه. انظر:.Augoustinos, Walker and Donaghue, p. 133

(20) Jeff Greenberg and Eva Jonas, “Psychological Motives and Political Orientation—The Left, the Right, and the Rigid: Comment on Jost et al.,” Psychological Bulletin , vol. 129, no. 3 (2003), p. 376. (21) Philip E. Tetlock, “Cognitive Style and Political Belief Systems in the British House of Commons,” Journal of Personality and Social Psychology , vol. 46, no. 2 (February 1984), p. 365. (22) Philip E. Tetlock and Richard Boettger, “Cognitive and Rhetorical Styles of Traditionalist and Reformist Soviet Politicians: A Content Analysis Study,” Political Psychology , vol. 10, no. 2 (June 1989), p. 209. (23) Nosek, Graham and Hawkins, p. 552.

خريف 2014

أصدقاء، أو المعبّ عنها في غرف الدردشة على الإنترنت، فضلً عن أن المواقف التي يعلنها الفرد عندما

يكون وحده ليست هي نفسها التي يعلنها وهو محاط بجماعته؛ إذ يكون في الحالة الأخيرة أكثر تشددًا.

وتؤدي الحوادث والأوضاع المحيطة به، من جانبها، دورًا أساسيًا في تغير مواقف الناس؛ فقد توصلت

دراسة تجريبية لفرغيسون ومعاونيه اعتمدت على تقنية ترتيب الجمل، إلى أن الأميركيين يتمسكون أكثر

بالمواقف الوطنية وبمفهوم الأمة الأميركية في حالة حدوث كوارث طبيعية أو التعرض لحادث إرهابي.

ونستحضر، في هذا الصدد، مثال مواقف زعماء بعض الحركات الإسلامية من الدولة المدنية قبل وصولهم

إلى السلطة التي لم تبق هي ذاتها بعد الربيع العربي، أي بعد وصولهم إلى السلطة. تأسيسًا على ما سبق، ندرك أن من البديهي أن يتغير موقف الفرد من موضوع ما، تبعًا لتغير الأوضاع

المحيطة به، وهو التغير الذي يتم إما نحو مواقف أكثر راديكاليةً أو نحو مواقف أكثر مرونةً وانفتاحًا.

وفي وصف تيتلوك لهذه المسألة، قدّم مثال المحافظين الذين يتخذون مواقف أكثر راديكاليةً ممّا هو

منتظر منهم، عندما يواجَهون بموضوعات تشكل خطًا أحمر بالنسبة إليهم، مثل فتح نقاش عمومي

حول دولة الرفاهية المبنية على قيم الديمقراطية الاجتماعية والتي تشكل موضوعًا مستفزًا لهم. هنا،

تنحو ردات فعلهم نحو الدعوة إلى إلغاء سياسة التمييز الإيجابي وخصخصة قطاعات الدولة على نحو

واسع، وتحرير الاقتصاد، وتخفيض الضرائب بشكل جذري. ولدينا، في هذا الصدد، مثال واضح

للعيان هو التفجيرات التي وقعت في الولايات المتحدة في 11 أيلول/ سبتمبر 0012 وأدت في أسبوع

واحد فقط إلى تغييرات مهمة في مواقف أعداد من الأميركيين المتعاطفين مع الحزب الديمقراطي

لمصلحة الحزب الجمهوري. نتحدث هنا عن عملية التراجع في المواقف الإيجابية من موضوع ما

(Régression attitudinale). بناء عليه، يُطرح سؤال تظل الإجابة عنه مقترنة بما ستسفر عنه

الدراسة من نتائج، وهو: ألا تؤدي مواجهة «العدل والإحسان» و«العدالة والتنمية» بوضعيات

إحراجية إلى تراجع في مواقفهما الإيجابية من الدولة المدنية؟ في مقابل عملية التراجع عن الموقف، نتحدث عن المواقف السياسية النافذة (Attitude Accessibility)،

ونعني بها تلك المواقف التي يتبنّاها الفرد على عجل، كما يعمل على استلهامها وتكرارها في مناسبات

عدة من دون مساءلتها، ومن دون أن يثير أي نقاش أو استفهام حولها، لكونها ذات أهمية بالنسبة إليه،

ولانسجامها مع بنيته الاعتقادية، لذلك نجده يستدعيها، أحيانًا بمناسبة أو من دون مناسبة. وهنا نتساءل

عن مدى حضور المواقف النافذة في تصور كلتا الحركتين لمفهوم الدولة المدنية؟

(24) Hicham Khabbache, “Empowering Mindreading Skill via Online Social Networks,” in: Analele Universității Ovidius. Seria Filologie (Constanța, Romania: Ovidius University Press, 2012), p. 136. (25) Crisp and Turner, p. 161. (26) Melissa J. Ferguson, Travis J. Carter and Ran R. Hassin, “On the Automaticity of Nationalist Ideology: The Case of the USA,” in: John T. Jost, Aaron C. Kay, Hulda Thorisdottir, eds., Social and Psychological Bases of Ideology and System Justification (New York: Guilford Press, 2009), p. 53. (27) Tetlock, “Psychology and Politics,” p. 905. (28) George A. Bonanno and John T. Jost, “Conservative Shift Among High-Exposure Survivors of the September 11th Terrorist Attacks,” Basic and Applied Social Psychology , vol. 28, no. 4 (2006), p. 311. (29) Hicham Khabbache, Joël Candau and Abdelhak Jebbar, “Dilemmes sociocognitifs d’Islamistes marocains confrontés au passage conceptuel de l’état religieux à l’état civil,” Societal and Political Psychology International Review , vol. 3, no. 1 (2012), p. 50. (30) Nosek, Graham and Hawkins, p. 553.

هكذا يتضح مدى أهمية استحضار مفهوم الموقف بصوره وصيغه المتعددة، في ارتباطها بحقل السياسة،

إذ نكون بصدد مواقف مرنة قابلة للتفاوض والمراجعة وأخرى متصلبة غير قابلة للتغيير (إطلاقية رفض

الموقف). ويرتبط حضور إحدى الصيغ أو غيابها ب: - طبيعة الموضوع الذي سيتخذ موقفًا إزاءه؛ فمثلً موقف الإسلاميين من الديمقراطية ليس هو موقفهم

نفسه من العلمانية. - حمولة الموقف (Attitude Holder)، وهي جملة من معتقدات الفرد وتصوراته بشأن الدولة المدنية،

والتي تشكلت لديه داخل جماعة الانتماء وخارجها. - السياق أو الظرف، ومن الأمثلة التوضيحية في هذا الباب أن موقف الإسلاميين من الدولة المدنية قبل

وصولهم إلى السلطة ليس هو نفسه بعد وصولهم إليها. ولئن كان من الطبيعي أن تتغير مواقف الفرد بتغير أوضاعه وتبدل السياقات والوضعيات التي

يواجهها، فإن حضور صيرورة التغير في المواقف، إن لدى الأفراد أو لدى الجماعات، يبُرز أن تضارب

المواقف سمة طبيعية في الإنسان، وهو ما دعا مدرسة تحليل الخطاب النفسي الاجتماعي إلى توجيه

نقدٍ حادٍّ إلى أغلبية الاتجاهات النفسية الاجتماعية المحكومة منهجيًا بترسانة من الأدوات الكيفية

والكمية؛ إذ يقتصر دورها على تبويب البيانات وتفييئها ضمن خانات وجداول، الشيء الذي يجعلها

تخلع صفة النظام والانسجام على ظواهر ونشاطٍ نفسي اجتماعي هو في الأصل غير منظم، ومنها

المواقف السياسية خاصة، التي يظهر تناقضها جليًا، إن على مستوى طبيعتها أو على مستوى الواقع

المعيش، لكن تلك الاتجاهات تنظر إليها كما لو كانت منسجمة؛ إذ يمكن أن نلاحظ تناقضًا بين

مكونين يدخلان في تشكيل الموقف نفسه إزاء موضوع ما، وذلك من قبيل «إننا نقبل فصل السلطات

ولكن لا نقبل فصل الدين عن الدولة»، أو اتجاه الشخص نفسه: «أنا أؤيد نصر الله في حربه على

إسرائيل ولا أقبل بتدخله في سورية»، ويمكن أن نرصد تناقضًا ضمن المكوِّن نفسه للموقف «أنا أقبل

ولا أقبل العلمانية». لكن على الرغم من إقرار هذا التصور الأخير بأن التضارب في المواقف جزء من معيشنا اليومي، فإن

طبيعة المرء النفسية تجعله دائمً ينزع إلى ألا يبدو، لا في أعين الآخرين فقط، بل حتى بالنسبة إلى ذاته

(Self Image) أيضًا، بمظهر الحامل مواقف متناقضة، لأن ظهوره بهذا المظهر يُضعف صورته الذاتية.

ونلاحظ هنا أن البرامج الحوارية التي تقوم في بعض القنوات الفضائية على أساس إثارة سجال سياسي

حادٍّ بين خصمين سياسيين، يظل فيها مؤشر اقتدار كل طرف في الحوار مرتبطًا بكفاءته في الكشف عن

مدى تناقض مواقف الطرف الآخر (مثال ذلك برنامج الاتجاه المعاكس على شاشة قناة الجزيرة). من هنا،

فإن تناقض مواقف الفرد تجعله يعيش وضعية عدم الارتياح، ويصير الخروج من هذه الوضعية ملزمًا

(31) Maio and Haddock, p. 566. (32) Augoustinos, Walker and Donaghue, p. 141. (33) Maio and Haddock, p. 566. (34) Ian R. Newby-Clark, Ian McGregor and Mark P. Zanna, “Thinking and Caring about Cognitive Inconsistency: When and for Whom Does Attitudinal Ambivalence Feel Uncomfortable?,” Journal of Personality and Social Psychology , vol. 82, no. 2 (February 2002), p. 157.

خريف 2014

إما برفض موقف بعينه وإما الإبقاء عليه أو محاولة الجمع بين موقفين متضاربين ضمن صيغة توافقية.

والعملية هنا لا تختلف عمّ يحدث لدى الطفل في أثناء اكتسابه بعض المفاهيم العلمية المتعلقة بكروية

الأرض؛ فعندما يواجَه أول مرة بكون الأرض كروية ضمن وضعية علمية إحراجيه متضمنة عددًا من

الحجج والبراهين، يحاول التوفيق بين التصور العلمي وتصوره الذاتي القائم على فكرة الأرض المسطحة،

ضمن تصور تركيبي مضمونه ما يلي: «الأرض كروية ولكن في جزء منها مسطحة ونحن نعيش في الجزء

المسطح مما يمنعنا من السقوط». وارتباطًا بسياق الدراسة، نفترض أن الإسلاميين سيصوغون مواقف

تركيبية إزاء الدولة المدنية عندما نواجههم بوضعيات إحراج معرفي، وذلك من قبيل حديثهم عن علمانية

جزئية أو عن تعددية حزبية يُضفى عليها الطابع الإسلامي.

تطبيقات الدراسة ونتائجها

عيّنة الدراسة

تشمل عيّنة الدراسة 001 مستجوب، منهم 0 5 عضوًا نشيطًا من «حركة العدل والإحسان» (عدد الذكور

43 بينما ينحصر عدد الإناث في 7)، و 0 5 عضوًا نشيطًا ينتمون حركيًا إلى «التوحيد والإصلاح» وحزبيًا

إلى «العدالة والتنمية» (عدد الذكور: 32 في حين بلغ عدد الإناث 81)، وجلهم طلبة جامعيون يبلغ

متوسط سنهم 25 سنة.

كيفية إجراء تجربة الدراسة

يواجَه كل مستجوب بثمانية بنود، ويُستفسر في كل بند بشكل غير مباشر عن موقفه من أحد مبادئ الدولة

المدنية، وذلك من خلال طرح السؤال بالصيغة الآتية: هل مفهوم الدولة في الإسلام، مثلً، على وفاق مع

مبدأ الفصل بين السلطات؟ وبعد التعرف إلى موقفه إما إيجابًا وإما سلبًا، ننتقل إلى مرحلة ثانية قوامها

مواجهته بوضعية إحراج معرفي تتضمن موقفًا مضادًا لما سبق أن عبّ عنه، ومبرَّرًا بجملة من الحجاج

تكون نَصِّية من القرآن والسنّة أو برهانية عقلية، ليطلب منه، مرة أخرى، تقديم موقفه وتبريره. وننتظر

هنا أن يظل حبيس موقفه الأول (مع الدولة المدنية أو ضدها) أو ينتقل إلى موقف آخر مخالف لموقفه

الأول (مع الدولة المدنية أو ضدها)، بمعنى أننا نفترض أن تغيير الموقف، كعملية، يتحقق من خلال أحد

المسارات الثلاثة: الانتقال من موقف سلبي من الدولة المدنية إلى موقف إيجابي؛ العبور من موقف إيجابي

من الدولة المدنية إلى موقف سلبي؛ البقاء في الموقف نفسه المعبّ عنه قبل وضعية الإحراج المعرفي. أخيرًا نحاول التعرف إلى الصيغة التي اعتمدها المستجوب، بعد عملية الإحراج المعرفي، في تشكيله لموقفه؛

إذ سنعمل على الكشف عن المواقف السلبية من الدولة المدنية المبنية على صيغة الرفض الكلي لأحد مبادئها،

ونرمز إليها كالتالي: (موقف ضد). كما سنحاول رصد صيغتين من المواقف الإيجابية من الدولة المدنية:

الأولىصيغة الموافقة الكلية على أحد مبادئ الدولة المدنية نرمز إليها ب (موقف مع)، بينما تأخذ الأخرى

صيغة المواقف التركيبية، وفيها سنقف على مدى قدرة المستجوب على التوفيق بين صيغة الرفض وصيغة

الموافقة ضمن موقف تركيبي (موقف تركيبي): «نعم للتعددية الحزبية المؤسلمة، نعم لعلمانية جزئية...».

(35) Leon Festinger, A Theory of Cognitive Dissonance , Mass Communication Series (Voice of America); 2 (Stanford, CA: Stanford University Press, 1957), p. 7. (36) Stella Vosniadou and William F. Brewer, “Mental Models of the Earth: A Study of Conceptual Change in Childhood,” Cognitive Psychology , vol. 24 (1992), p. 535.

مثال لكيفية تطبيق التجربة

البند:2 فصل الدين عن الدولة: هل الدولة الإسلامية مع فصل الدين عن الدولة؟

وضعية الإحراج المعرفي بالنسبة إلى المستجوب الذي صرح بلا

على الرغم من كونه موجَّها بوحي من عند الله. كيف تفسر ذلك؟

وضعية الإحراج المعرفي للمستجوب الذي صرح بنعم

إلحاديًا معاديًا للدين.

(موقف ضد)

بنود الدارسة

التنفيذية، السلطة القضائية)؟ - الفصل بين الدين والدولة: هل الدولة في الإسلام مع فصل الدين عن الدولة؟ - الديمقراطية: هل الدولة في الإسلام في وفاق مع مفهوم الديمقراطية؟ - التعددية الحزبية: هل التعددية الحزبية أمر مشروع في الإسلام؟ وصاية أو عصمة أم من خلال انتصار عسكري؟

- تعيين مسؤولي الدولة في الإسلام: هل يعيَّنون بواسطة هيئة دينية أم بواسطة انتخابات؟ خبرة أو ليس مسلمً ولكن يمتلك خبرة؟

نتائج الدراسة

أثر عامل الانتماء السياسي في مجموع مواقف المستجوبين الإيجابية وفي عملية تغييرهم لمواقفهم أثر عامل الانتماء السياسي في مجموع مواقف المستجوبين

أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على ضرورة فصل الدين عن الدولة بقوله (أنتم أدرى بشؤون دنياكم) في

قضية تأبير النخل في المدينة المنورة، وكذلك باستشارته أصحابه في أحوال الدنيا كما حدث في غزوة بدر،

هناك من الفقهاء من يرى أن من يقبل بفصل الدين عن الدولة يدعو ضمنيًا إلى عزل الدين بتوجيهاته

وتشريعاته عن المجتمع، وبالتالي يكون في جبهة معارضة للإسلام. وقد ينتهي به ذلك إلى الكفر، بحكم

إنكاره لما هو معلوم من الدين بالضرورة في تسيير الأحوال المدنية. ومن هنا، فإن العلمانية تتضمن مشروعًا

(موقف تركيبي)

(موقف مع)

- الفصل بين السلطات: هل الدولة في الإسلام قائمة على فصل السلطات (السلطة التشريعية، السلطة

- مشروعية الوصول إلى الحكم في الإسلام: هل تعيين الحاكم يتم من خلال انتخابات أم من خلال - المشاركة في تسيير الدولة في الإسلام: هل الحاكم يسيّ الدولة وحده أم من خلال هيئات موازية؟ - من يفترض أن يكون حاكمً في الإسلام: عالم في الدين ولا خبرة له في تسيير الدولة أم مسلم ولا يمتلك

خريف 2014

التفاعل بني
عامل االنتامء
وعامل
اإلحراج
عامل
اإلحراج
املعريف
عامل
االنتامء
السيايس
العوامل
2.79.81.015ف
٫1)98(
الفصل بني
السلطات
1 البند
.098.018.899ح.د
1٫8323٫328٫8ف
٫1)98(
الفصل بني
الدين والدولة
2 البند
.179.0001.0038ح.د
2.316٫93.71ف
٫1)98(
الديمقراطية3 البند
.13.0001.40ح.د
.033٫731٫87ف
٫1)98(
التعددية
احلزبية
4 البند
.86.06.18ح.د
6٫442٫86.83ف
٫1)98(
االنتخابات5 البند
0.012.093.365ح.د
11.58ف
٫1)98(
املشاركة6 البند
.319.319.449ح.د
11.58ف
٫1)98(
انتخاباتتعيني مسؤويل الدولة7 البند
.562.084.016ح.د
3.43٫049٫33ف
٫1)98(
هيئة دينية
265..084.003ح.د
______.65ف
٫1)98(
رجل دينصفة احلاكم املسلم ر8 البند
______.42ح.د
________1٫64ف
٫1)98(
مسلم
______.2ح.د
______.42ف
٫1)98(
خبري وليس
ممسل
______56.ح.د

أثر كل من عامل االنتامء السيايس واإلحراج املعريف يف مواقف املستجوبني من الدولة املدنية 1 اجلدول

يبدو، من خلال المعطيات المعروضة في الجدول 1، وباستثناء البندين 2 و 7، أن انتماء المستجوبين السياسي

لا يشكل عاملً مؤثرًا في متوسط مجموع مواقفهم الإيجابية ضمن أغلبية بنود التجربة. وهذا يعني أن

هناك اتجاهًا عامًا يوجّه مواقف مستجوبي كلتا الحركتين، في ما يخص فصل السلطات، والتعددية الحزبية،

وانتخاب الحاكم، والتسيير التشاركي، ورفض انتخاب حاكم غير مسلم. ويبقى التباين قائمً بين الحركتين في البند 2 المتعلق بالعلمانية، بحيث إن نسبة 26 في المئة من ناشطي «العدالة

والتنمية» (بمتوسط 0.26)، في مقابل 11 في المئة من «العدل والإحسان» فقط (بمتوسط 0.11) هم

من عبّ عن مواقف إيجابية في هذا الصدد. وكذلك الأمر بالنسبة إلى البند 7؛ إذ نجد 05 في المئة من

«العدالة والتنمية» (بمتوسط 0.5) في مقابل 82 في المئة من «العدل والإحسان» (بمتوسط 0.28) هم

من قبلوا اعتماد الانتخابات لتعيين مسؤولي الحكومة.

أثر عامل الانتماء السياسي في عملية تغيير المستجوبين لموقفهم

إن كون التفاعل غير دال بين عامل الانتماء السياسي وعامل وضعية الإحراج المعرفي (الجدول 1)، فإنه

يؤشر على غياب صيرورة تغيير المواقف لدى كل من «العدل والإحسان» و«العدالة والتنمية» في البند

6 المتعلق بالتدبير التشاركي؛ إذ نجد أن أغلبية المستجوبين لدى الجماعتين، قبل الإحراج المعرفي وبعده،

قدمت مواقف إيجابية في هذا الصدد. والشيء نفسه يسري على البند 8؛ إذ نلاحظ أن أغلبية ناشطي

الحركتين، قبل وضعية الإحراج المعرفي وبعدها، ترفض حاكمً غير مسلم وإن كان خبيرًا. كما أن التفاعل

يبقى غير دال في عدد من البنود، وهو ما يفيد وجود تشابه بين مستجوبي الحركتين في مسار تغيير مواقفهم،

وهذا يظهر واضحًا في البند 2 المتعلق بالعلمانية؛ إذ نجد ارتفاعًا نسبيًا لدى المجموعتين في عدد الموقف

الإيجابية بعد وضعية الإحراج المعرفي. أما في ما يخص البند 3 الذي يهم الديمقراطية، فنلاحظ تراجعًا

نسبيًا لدى المجموعتين في أعداد المواقف الإيجابية بعد وضعية الإحراج المعرفي. وفي البند 4 الذييخص

مفهوم التعددية السياسية، وفي البند 7 المرتبط بانتخاب المسؤولين عن مؤسسات الحكومية، يمكن أن

نرصد تراجعًا طفيفًا في المواقف الإيجابية لدى الحركتين. في المقابل، تكشف دلالة التفاعل الواضحة المعالم بين العاملين السابقين وجود تباين في مسارات تغير

المواقف الإيجابية بين كلتا المجموعتين، وهذا ما نلاحظه في البند 5 المتعلق بانتخاب الحاكم، والبند

1 المرتبط بالفصل بين السلطات، حتى وإن كانت دلالة التفاعل في البند 1 تظل هامشية. كما نلاحظ

ارتفاعًا دالًّ في عدد المواقف الإيجابية عند «العدل والإحسان» في ما يرتبط بالبند 5؛ إذ انتقل بعد وضعية

الإحراج المعرفي من 62 في المئة، بمتوسط 0.62، إلى 72 في المئة، بمتوسط 0.72 (ت:)49(-2.33،

حدود الدلالة: (0.03)، بينما يظل مستقرًا لدى «العدالة والتنمية» بين 76 في المئة، بمتوسط 0.76،

قبل وضعية الإحراج المعرفي و 47 في المئة، بمتوسط 0.74، بعد وضعية الإحراج المعرفي (ت (49):

1، حدود الدلالة: (0.32). أما بالنسبة إلى البند 1، فنجد تراجعًا دالًّ لدى ناشطي «العدالة والتنمية»

في عدد مواقفهم الإيجابية من فصل السلطات، بعد عملية الإحراج المعرفي، من 47 في المئة، بمتوسط

0.74، إلى 52 في المئة، بمتوسط 0.52 (ت:)49(852.، حدود الدلالة: (0.006). وفي مقابل

ذلك، هناك استقرار نسبي على مستوى عدد هذه المواقف عند «العدل والإحسان» (ت:)49(0.53،

حدود الدلالة: (0.5)؛ إذ تم في هذا الصدد تسجيل 66 في المئة من أعداد المواقف الإيجابية، بمتوسط

0.66: قبل الإحراج المعرفي و 62 في المئة من أعداد المواقف الإيجابية، بمتوسط 0.62: بعد الإحراج

خريف 2014

المعرفي.

أثر وضعية الإحراج المعرفي في تغيير المواقف الإيجابية المستجوبين من مجموع عيّنة البحث

إن ما يلاحَظ من خلال معطيات الجدول 1 هو أن عامل الإحراج المعرفي غير مؤثر في كل من البندين 6

و 8، وهو ما يدل على غياب تام لعملية تغيير الموقف لدى مجموع عيّنة البحث؛ فأغلب المستجوبين، قبل

وضعية الإحراج المعرفي وبعدها، هم مع مبدأ المشاركة في تسيير الدولة (البند 6)، وضد فكرة حاكم غير مسلم وإن كان خبيرًا (البند.)8 في المقابل، يشكل الإحراج المعرفي عاملً أساسيًا في كلٍّ من البنود 1 و 2 و 3، وهو ما يعني حضورًا لصيرورة

تغير الموقف، في هذا الصدد، يتجلى في انخفاض أعداد المواقف الإيجابية من مبدأ فصل السلطات بعد عملية الإحراج المعرفي لدى مجموع عيّنة البحث من 07 في المئة، بمتوسط 0.7، إلى 57 في المئة، بمتوسط

0.57، ومن مبدأ الديمقراطية من 73 في المئة، بمتوسط 0.73، إلى 45 في المئة، بمتوسط 0.54. أما في ما يخص البند 2، فتغيير الموقف يأخذ منحىً تصاعديًا، إذ ترتفع أعداد المواقف الإيجابية من العلمانية بعد

عملية الإحراج المعرفي من 6 في المئة، بمتوسط 0.06، إلى 31 في المئة، بمتوسط 0.31. فضلً عمّ سبق، يظل عامل الإحراج المعرفي قريبًا من الدلالة في كل من البنود 4 و 5 و 7، وهو ما يعني

حدوث تغيير في موقف مستجوبي مجموع العيّنة، مع بقائه غير واضح المعالم؛ إذ تعرف مواقف المستجوبين

الإيجابية انخفاضًا طفيفًا بعد عملية الإحراج المعرفي من التعددية السياسية من 62 في المئة، بمتوسط 0.62، إلى 05 في المئة، بمتوسط 0.5، ومن اعتماد الانتخابات لتعيين مسؤولي الدوائر الحكومية من 41 في المئة، بمتوسط 0.41، إلى 83 في المئة، بمتوسط 0.38، بينما تعرف المواقف الإيجابية من الانتخابات

باعتبارها الوسيلة الشرعية الوحيدة للوصول إلى السلطة ارتفاعًا طفيفًا من 96 في المئة، بمتوسط 0.69،

إلى 73 في المئة، بمتوسط 0.73.

صيغ المواقف المعبَّر عنها من طرف المستجوبين بعد وضعية الإحراج المعرفي

الجدول 2

دلالة الفروق بين مختلف صيغ تغيّ الموقف

حدود
الدلالة
كا 2 (2)الصيغة مع
(في المئة)
الصيغة التركيبية
(في المئة)
الصيغة ضد
(في المئة)
.0504.6462620«العدل والإحسان»البند 1
.075.2403416«العدالة والتنمية»الفصل بين السلطات
.005710.3433018مجموع عيّنة البحث
.000129.0946630«العدل والإحسان»البند 2
.000139.547220«العدالة والتنمية»الفصل بين الدين
والدولة
.000197.9846925مجموع عيّنة البحث
72.5.29324022«العدل والإحسان»البند 3
.001612.87365010«العدالة والتنمية»الديمقراطية
.000913.87344516مجموع عيّنة البحث
5.091.34382826«العدل والإحسان»البند 4
561.5.39403218«العدالة والتنمية»التعددية الحزبية
.0924.76393022مجموع عيّنة البحث
.01887.944522226«العدل والإحسان»البند 5
.000136.5672424«العدالة والتنمية»الانتخابات
.000139.14621325مجموع عيّنة البحث
.000152.8180612«العدل والإحسان»البند 6
.000158.882104«العدالة والتنمية»المشاركة
.0001109.888188مجموع عيّنة البحث
.8180.4263232«العدل والإحسانس»البند 7
.00410.85481620«العدالة والتنمية»تعيين مسؤولي الدولة
1.843.379372426مجموع عيّنة البحث
1.024.54163636«العدل والإحسان»البند 7
371.5.3203640«العدالة والتنمية»حاكم غير مسلم
.0197.91183638مجموع عيّنة البحث

مجموع عيّنة البحث 38

بالرجوع إلى المعطيات التي يحتوي الجدول 2 عليها، يمكن الخروج بالاستنتاجات التالية:

حضور غير دال لصيغ المواقف ضد الدولة المدنية

الاعتدالية في توزيع الصيغ الثلاث.

يلاحَظ غياب أي حضور دالٍّ لعدد صيغ المواقف ضد الدولة المدنية في جميع بنود التجربة، بعد إجراء عملية الإحراج المعرفي، وهو ما يُظهر أن المنحى العام لإجابات المستجوبين من «العدل والإحسان» و«العدالة

والتنمية» يتجه إما نحو صيغ المواقف الإيجابية «مع الدولة المدنية» أو نحو صيغ المواقف التركيبية، وإما إلى

خريف 2014

حضور دال لصيغ المواقف المساندة للدولة المدنية

بناء على نتائج اختبار كا ٢، يبدو أن هناك حضورًا دالًّ، أو قريبًا من الدلالة، لصيغ المواقف مع الدولة

المدنية، وذلك بعد عملية الإحراج المعرفي؛ ففي البند 1، نلاحظ وجودًا دالًّ لصيغ المواقف «مع فصل

السلطات» لدى «العدل والإحسان»، وقريبًا من الدلالة لدى «العدالة والتنمية»، وهو ما نعتقد أنه عائد

إلى انسجام مفهوم فصل السلطات مع ذاكرتهم المشتركة التي تختزل عددًا من الحوادث التاريخية التي كان

فيها القاضي ينتصر لحكم يختلف عن رأي الخليفة، ويكون الخليفة ملتزمًا باتّباعه. في البند 5، تحضر بقوة صيغ المواقف من نوع: «مع عملية الانتخابات للوصول إلى السلطة»، وهنا

يستحضر المستجوبون حوادث في التاريخ الإسلامي ليبرِّروا من خلالها موقفهم هذا، ومنها بيعة

الرضوان، حيث الجميع، بما في ذلك النساء والأطفال، بايعوا النبي (). وحادثة السقيفة، حيث تمت

البيعة لأبي بكر الصديق بإجماعٍ قلما يتكرر نظيره في التاريخ، بحسب تعبيرهم. ولكن الشخص الذي

ارتكب الخطأ التّاريخي الجسيم - في نظر مستجوبي «العدل والإحسان» - وحَوّل الخلافة من نظام

انتخابي إلى ملكية، هو معاوية بن أبي سفيان. ونلاحظ هنا جرأة قل نظيرها لدى أهل السنّة؛ نجدها

لدى أفراد «العدل والإحسان» والمتمثّلة، على غرار الشيعة، في انتقادهم معاوية بن أبي سفيان انتقادًا

لاذعًا في بعض الأحيان. وما يلاحَظ أيضًا هو أن المستجوبين يعتمدون نوعًا من التأويل الاستنباطي

(Interprétation déductive) للحوادث التاريخية من أجل تبرير موقفهم في هذا الصدد؛ فالنبي لم يوص

بالخلافة لأحد من أصحابه، بمن فيهم أبو بكر، على الرغم من صلة القرابة، وهو ما يشكل، في نظرهم،

دليلً على أن الانتخابات هي السبيل الشرعي الوحيد للحكم. وفي البند 6، يلاحَظ أن صيغ المواقف لدى أغلبية المستجوبين من المجموعتين هي مع «المشاركة في

تسيير الدولة». وهم يعتمدون في تبرير اختيارهم هذا مفهوم الشورى في الإسلام؛ إذ نلاحظ أن إجابات

المستجوبين غنية بالاستشهادات من القرآن الكريم: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَ مْ وشَاوِرْهُمْ فِ الأمر ﴾؛

﴿ وَالَّذِينَ اسْتجَابُوا لرَبِِّمْ وَأ قَامُوا الصَلّاةَ وأَمْرهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمَِّا رزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؛ ﴿ وأَمْرهُمْ

شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ومن السنّة النبوية؛ إذ ورد عن أبي هريرة () قوله ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه

من رسول اللَّ صلى الله عليه وسلم. ثم استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الخروج يوم بدر،

وفي المنزل الذي ينزله عندها، وفي الخروج أو البقاء في المدينة يوم أحد، وفي مصالحة بعض الأحزاب يوم

الخندق على ثلث ثمار المدينة. ومن هنا ينتهي أصحاب كلتا الحركتين إلى اعتبار المشاركة السياسية فريضة

دينية، ولكنهم يختلفون في شكل المشاركة بحيث يرى المستجوبون من «العدل والاحسان» أن الأمر

بالمعروف والنهي عن المنكر وفضح النظام ومفاسده وتوعية الناس، كل ذلك شكل من أشكال المشاركة

السياسية، بينما يؤكد مستجوبو «العدالة والتنمية» أهمية الانخراط في مؤسسات النظام وتصحيحها من

الداخل. وما يبقى مثيرًا للاهتمام حقًا هو أن مفهوم الشورى اعتمده المستجوبون بكثافة في جل بنود

الدراسة، الأمر الذي يُظهر أنهم يحاولون من خلاله ملء الفجوة بين الدولة المدنية والدولة الدينية. ونجد في البند 7 نسبة دالة من مواقف المستجوبين من «العدالة والتنمية» مع انتخاب مسؤولي الدوائر

الحكومية، بينما تبقى هذه النسبة غير معتبَة عند «العدل والإحسان». من هنا نلاحظ أن المستجوبين

الذين هم مع انتخاب المسؤولين عن مختلف دوائر الدولة، يعتمدون في تبرير إجاباتهم كالعادة نوعًا من

(3((القرآن الكريم: «سورة آل عمران،» الآية 915، و«سورة الشورى،» الآية 83 على التوالي.

التحليل الارتجاعي (Analyse rétrospective) القائم على قياس مواصفات الدولة الحديثة مع حوادث

من التاريخ الإسلامي، ورصد التشابهات بين هذه المواصفات ودلالات تلك الحوادث؛ إذ يذكرون أنه

عندما فتح المسلمون مناطق عدة تركوا حكامها السابقين، وهذا دليل على أن تعيين مسؤول ما يتم وفق

معيار القبول من طرف الجماعة التي سيحكمها.

صيغ المواقف التركيبية

يبدو أن صيغ الموقف التركيبية حاضرة بشكل مهم في البند 2 لدى كل من «العدل والإحسان» و«العدالة

والتنمية»، وفي البند 3 لدى «العدالة والتنمية» فقط. وما دام أن البند 2 يستهدف قياس مدى تقبّل

المستجوبين فكرة العلمانية، فإننا نجد 66 في المئة من مستجوبي «العدل والإحسان» و 72 في المئة من

مستجوبي «العدالة والتنمية»، بعد وضعية الإحراج المعرفي، قد صاغوا مواقف تركيبية؛ إذ عبّوا عن

استعدادهم لتقبّل نوع من العلمانية الجزئية التي لا تأخذ، تبعًا لهم، شكل الفصل الحاد بين الدين والدولة

كما هي الحال في الغرب، بل تأخذ بالتمييز المنهجي بين الدين وفقه السياسة وتسيير الدولة، وهو الموقف

الذي يبقى شبيهًا بالتّكيب الفقهي والعقلي الذي نجده، بحسب أحد المستجوبين، عند الفيلسوف والفقيه

ابن رشد في فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال. من هنا، فإن دور الإسلام يتمثّل، بحسب

المستجوبين، في خلق تعاقد أخلاقي ملزم للجميع وفارض احترامه على الجميع. وإذا اعتُمد عقد أخلاقي

وضعي، فلن تكون له، في نظرهم، أي سلطة إلزامية على الناس، مقارنة بعقد أخلاقي «رباني» متمثّل في

الإسلام. إن الأخلاق الربانية التي مصدرها القرآن تبقى مقنعة للجميع، وسيتقيد بها الجميع، وبذلك

سينخرط الجميع في مسيرة الصلاح والإصلاح بإرادة منهم. وفي المقابل، علينا ألّ نُدخل الإسلام بشكلٍ

عشوائي وجزافي في تخصصات علمية ومعرفية دقيقة هو بمنأى عنها؛ فلا يمكن أن نبحث، مثلً، في

الإسلام عن كيفية قيادة سيارة، بمعنى أن هناك أمورًا في السياسة والاقتصاد والعلم مرتبطة بالعقل

البشري وبفن الاجتهاد البشري. ويشترط في النتائج التي يخرج بها هذا الاجتهاد البشري ألا تتنافى مع

مقاصد الشريعة. وقيامنا بأخذ روح التوافق بين الاجتهاد البشري ومقاصد الشرع في الاعتبار، على حد

تعبير أحد المستجوبين، سيجعلنا ننتهي إلى أسلمة العلمانية. غير أن ما يشد الانتباه هو أن 4 في المئة فقط من المستجوبين عبّوا عن مواقف إيجابية من العلمانية في

صيغتها الكلية. ومبررهم في ذلك هو أنه إذا كانت العلمانية قد مكّنت «حزب العدالة والتنمية» في تركيا

من تحقيق قسط من الرفاهية للمجتمع، فأهلً وسهلً بها. وفي ما يتعلق بالبند 3 الذي يخص مفهوم الديمقراطية، نجد 05 في المئة من ناشطي «العدالة والتنمية»

عبّوا، بهذا الشأن، عن مواقف تركيبية؛ فهؤلاء يقبلون بالديمقراطية، شريطة أن يراقبها مجلس حكماء أو

مجلس فقهاء، أي أهل الحل والعقد الذين تناط بهم مهمة التحكيم بين مختلف الفرقاء السياسيين وضمان

استقرار البلاد في المراحل الانتقالية وعدم سقوطها في حالة فوضى.

اعتدالية توزيع صيغ المستجوبين

تكشف نتائج اختبار كا ٢ عن اعتدالية توزيع صيغ المواقف من الدولة المدنية في البنود التالية: بخصوص البند 3 المتعلق بمفهوم الديمقراطية، لوحظ أن مستجوبي «العدل والإحسان» لم يتبنّوا صيغة

مواقف موحدة؛ فهم مشتتون على الصيغ الثلاث، الشيء الذي يؤشر على التباس المفهوم بالنسبة إليهم.

خريف 2014

ويُردّ ذلك، بحسب اعتقادنا، إلى تناقض جماعة «العدل والإحسان» في نظرتها إلى الديمقراطية؛ إذ نجد

عبد السلام ياسين يقلل من قيمة الديمقراطية ويعتبرها مفهومًا دخيلً يختلف عن الشورى، فالديمقراطية

هي فن تدبير الاختلاف بينما الشورى هي تحويل الاختلاف إلى انسجام على أساس عقائدي: «الشورى

تشير إلى تراضٍ عام بين مؤمنين، وإلى اندماج عاطفي قلبي إيماني، ثم إلى أمور وشؤون تابعة للغاية

الأخروية يتشاور فيها، ويتراضى على الرأي الأسَد»ِّ. كما أن هناك التضارب بين طبيعة نظام جماعة

«العدل والإحسان» الهرمي القائم على فكرة الإمام المجدِّد، وقد ساهم انخراط الجماعة مع عدد من

الحركات الاحتجاجية المدنية (02 فبراير) ومع جمعيات حقوقية ونقابية في الاحتجاج من أجل مغرب

ديمقراطي يسود فيه الملك ولا يحكم، في تشتيت مواقف نشطائها على صيغ المواقف الثلاثة. وهكذا، نجد

أن نحو 40 في المئة منهم عبّوا عن مواقف تركيبية تتبنّى نوعًا من الديمقراطية الجزئية، أو بالأحرى نوعًا

من الديمقراطية المؤسلمة المبنية على منهاج النبوة وعلى مفهوم الشورى، والمتضمّنة «الولاية التي بها تقوى

الأمة» بحسب عبد السلام ياسين. وللولاية هنا معنى روحي ورمزي يجسده مرشد روحي أو ولي من

أولياء الله الصالحين، يحظى بالاحترام والإجماع، ويستطيع من خلال نصائحه ومواعظه إخراج الناس من

حالة الفوضى التي من الممكن أن تسقطهم الديمقراطية فيها. بالعودة إلى بيانات الجدول 2، نلاحظ أن 22 في المئة من مستجوبي «العدل والإحسان» يرفضون بشكل

قطعي مفهوم الديمقراطية، ومبررهم في ذلك هو أنها مفهوم غربي دخيل على مجتمعاتنا، وأن البديل يكمن

في مجالس الشورى بوصفها آلية التسيير المثلى لأنظمة الحكم بدلً من المجالس المنتخبة. وتتكون مجالس

الشورى من علماء ورجال الدين وفقهاء ملميّن بفقه تسيير الحكم، وبهذا نتجنب مساوئ الديمقراطية

التي تسمح لمن هب ودب أن يصبح حاكمً وبرلمانيًا، كما هي الحال في إيطاليا برلوسكوني وأميركا بوش.

وفي ما يخص البند الرابع الذي يهم مفهوم التعددية الحزبية، نلاحظ غياب توجّه واضح المعالم لدى

مستجوبي كلتا المجموعتين لتبنّي صيغة مواقف موحدة؛ فهم مشتَّتون على صيغ المواقف الثلاثة؛ إذ جرى

تسجيل 32 في المئة من إجابات «العدل والإحسان» و 82 في المئة من إجابات «العدالة والتنمية» ضمن

صيغ المواقف التركيبية. إذًا، أكد أعضاء من «العدالة والتنمية» في هذا الصدد أنهم مع التعددية الحزبية

شريطة أن يلتزم كل حزب بقيم الإسلام ومبادئه، اشتراكيًا أكان أم ليبراليًا. أما أفراد «العدل والإحسان»،

فقد صرحوا بما معناه أنهم مع الديمقراطية في دعوتها للتعددية الحزبية، لكونها تمثِّل منهجًا عمليًا في تدبير

الاختلاف، ولأنهم ملتزمون باحترام الفرقاء الديمقراطيين من علمانيين وليبراليين واشتراكيين، اعتبارًا

للأخوة في الإنسانية. ولكن الغاية من العمل الإسلامي هنا هي تذويب الجميع في بوتقة الأخوة والتآزر

والتقوى، وهي السبيل إلى مرحلة الشورى، إذ ستتلاشى الخلافات الحزبية الضيقة، وتصبح الغاية المثلى

خدمة البلاد والعباد لوجه الله تعالى، في ترفع عن النزعات الذاتية الأنانية الضيقة. وفي السياق نفسه، نجد 81 في المئة من مستجوبي «العدالة والتنمية» و 32 في المئة من مستجوبي «العدل

والإحسان» عبّوا عن مواقف قطعية في رفضهم للتعددية الحزبية، وذلك بسبب ما ينجم عنها،

بحسبهم، من صراعات وخلافات بين المواطنين؛ فكم من شخص سقط ضحية حملة انتخابية بسبب

3(((عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، ط 2 (بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر، 0032)، ص.36

(3((تظل فكرة الإمام المجدِّد، الحاضرة في موقع «العدل والاحسان»، صيغة أقل حدية من مبدأ ولاية الفقيه، ولكن يصعب معها

الحديث عن ديمقراطية داخلية لدى الجماعة. انظر الموقع الإلكتروني:.>http://www.aljamaa.net<

(4((عبد السلام ياسين، حوار الماضي والمستقبل (الدار البيضاء: مطبوعات الأفق، 9971)، ص.27

تعصبه لحزب ما. ولذلك، فإن الأحزاب ضرب من العصبية، وقد صدق من قال من تحزب خان.

والإسلام بحسب تصريح أحد أفراد «العدل والإحسان» ينشد العمران الأخوي القائم على التكافل

والتعاون والتواد والتراحم. وتأسيسًا على ذلك، يرفض الإسلام منطق التحزب الذي ينتهي غالبًا إلى

التفرقة والتشرذم والصراع. وفي البند 7 نلاحظ كذلك اعتدالية في توزيع صيغ مواقف «العدل والإحسان»؛ فقد عبّ 32 في المئة منهم

عن مواقف ضدية ترفض اعتماد الانتخابات لاختيار مسؤولي الدوائر الحكومية، وتدعو إلى الرجوع إلى

شيخ مربٍّ أو مرشد أو مجلس ديني لتعيين هؤلاء، لأن ترك أمر التدبير السياسي للمواطنين الذين يعيشون

حال هشاشة اجتماعية واقتصادية وفقر وأمية سيؤدّي بهم - في نظر المستجوبين أولئك - إلى بيع أصواتهم.

في المقابل، عبّت النسبة نفسها (32 في المئة) عن مواقف تركيبية؛ إذ تم التشديد على أهمية حصول المرشح

للانتخابات على تزكية من طرف مجلس ديني أو شيخ مربٍّ يشهد على حسن سيرته. وأخيرًا، نجد 26 في

المئة من ناشطي «العدل والإحسان» مع انتخاب مسؤولي الدولة من دون أي شرط. وفي ما يخص البند 8، إذا كانت الفروق غير دالة لدى مستوجبي كلٍّ من «العدالة والتنمية» و«العدل

والإحسان»، بشأن ضرورة أن يكون الحاكم مسلمً، فإن الفرق لدى «العدل والإحسان» يظل واضح

المعالم في المقارنات الجزئية بين الصيغ التركيبية والصيغ مع (كا ٢:)1(8463. حدود الدلالة 0.049)

هذا من جهة، ومن جهة ثانية بين الصيغ التركيبية والصيغ الضدية (كا ٢:)1(8463. حدود الدلالة

0.049). وتظل قيمة الفرق قريبة من الدلالة لدى «العدل والإحسان»، إذا ما قارنا المواقف ضد

والموقف مع (كا ٢:)1(.333 حدود الدلالة 0.067)، وهو ما يجعلنا نخلص إلى أن هناك سيطرة

واضحة المعالم لكلٍّ من الموقف ضد الذي يخدم فكرة أن يتولى رجل دين السلطة لكونه يخاف الله،

وبالتالي سيكون عادلً وعلى الخط المستقيم في حكم البلاد والعباد، والمواقف التركيبية التي تخدم التوجه

القائل بأهمية أن يتولى السلطة مسلم وليس بالضرورة رجل دين، وذلك على حساب الموقف «مع» الذي

يسمح لغير المسلم بأن يصبح حاكمً. إن فحوى المبررات التي تسوقها أغلبية المستجوبين الرافضين حاكمً

غير مسلم، يتلخص في كوننا لم نسمع بحاكم مسلم أو بوذي يحكم تلك البلدان الغربية التي تمثل أكبر

ديمقراطيات العالم. كما أن الإسلام ليس دينًا عاديًا، فهو نهج حياة، ويشكل نواة صلبة لهوية المواطنين؛

فعندما نقترح حاكمً غير مسلم ليحكم المغرب مثلً، فكأننا نفترض حاكمً غير مغربي يحكم المغرب، وهذا

هو الاستعمار عينه.

تفسير النتائج ومناقشتها

إن السؤالين اللذين يستوجبان التحليل والمناقشة بناء على المعطيات الميدانية هما ما يلي: أين يتمثّل الثابت

من مواقف الإسلاميين المغاربة من الدولة المدنية؟ وأين يتجلى المتحول منها؟

تمظهرات المواقف الثابتة لدى الإسلاميين المغاربة

يمكن معالجة هذا العنصر من خلال مستويين: الأوليأخذ شكل ثوابت في المواقف القائمة بين الجماعتين،

بمعنى أن مستجوبي «العدل والإحسان» و«العدالة والتنمية» عبّوا عن المواقف نفسها إزاء جملة من البنود

التي تخص الدولة المدنية، بينما يتمثّل المستوى الآخر في المواقف الثابتة ضمن الجماعتين، بحيث نجد أن

أغلبية مستجوبي الجماعتين لم تغير مواقفها إزاء عدد من البنود، على الرغم من تعرضها للإحراج المعرفي.

خريف 2014

المواقف الثابتة بين الجماعتين

إن غياب دلالة الفروق بين إفادات المستجوبين، أكانوا من «العدل والإحسان» أم من «العدالة والتنمية»

في إجاباتهم عن بنود عدة، يكشف بوضوح تبنّي كلتا الحركتين مواقف مماثلة إزاء بعض مكوِّنات الدولة

المدنية على الرغم من الاختلاف الأيديولوجي القائم بينهما؛ فلدى ناشطي الحركتين شبه إجماع على رفض

فكرة حاكم غير مسلم، حتى وإن امتلك الخبرة، وفي اعتماد التدبير التشاركي في تسيير الشأن العام، وهو

الإجماع الذي استمر، حتى بعد مواجهتهم وضعية الإحراج المعرفي، بحيث نلاحظ ثبات مستجوبي

الجماعتين على مواقفهم، علاوة على التقارب النسبي بينهما على مستوى صيرورات تحوّل المواقف في ما

يخص موضوع العلمانية والديمقراطية والتعددية السياسية وانتخاب مسؤولي الدولة. كما نسجل اتفاقًا

بينهم بخصوص شرعية الانتخابات لأجل الوصول إلى الحكم، إضافة إلى وجود تقبّل جزئي وحذر، من

طرفي الجماعتين، لكل من الديمقراطية والتعددية الحزبية. وقد أدى هذا التقبّل الجزئي إلى اعتمادهما على

صيغ المواقف التركيبية التي كثيرًا ما انتهت بهما إلى إضفاء الطابع الإسلامي على بعض أسس الدولة المدنية

(«أسلمة الديمقراطية والتعددية الحزبية...»). وكتفسير مقترح، نعتقد أن مصدر هذا التماثل في المواقف (Uniformité attitudinal) بين الحركتين يكمن

في توجيه أيديولوجي مهيمن (Orientation idéologique dominante)، لا يخضع له الإسلاميون فقط

بل أيضًا جمهور عريض من المسلمين غير المنتمين، وهو التوجيه الذي يأخذ شكل الدوكسا (Doxa)

التي هي عبارة عن حس مشترك يوجه خطاطات الناس الإدراكية والتفسيرية لاتخاذ مواقف متماثلة

واعتبار مضامين تلك الخطاطات حقائق غير قابلة للنقاش أو المراجعة أو الدحض. وتتجلى الدوكسا

بوضوح في اعتبار المستجوبين الإسلام نموذجًا للحكامة الجيدة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛

فنظام الحكم الإسلامي يمثّل بالنسبة إليهم بديلً حقيقيًا من نظام الحكم الليبرالي الجشع ومن شمولية

النظام الاشتراكي وتسلطه؛ فهو يحتوي على حلول نهائية لمختلف المشكلات الاقتصادية والسياسية

والاجتماعية التي تعاني بسببها مجتمعاتنا في الوقت الراهن. ولا يخفى على أحد أن عددًا كبيرًا من القنوات

الفضائية والمواقع الرقمية تروج، وباستفاضة، لفكرة النظام الإسلامي الحامل حلولً جذرية لمختلف

مشكلاتنا وإحباطاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي الفكرة التي ليست في حاجة إلى مزيد من

الترويج، لكونها تحظى بقبول لدى جمهور عريض من الناس العاديين غير المنتمين لأي حركة إسلامية. كما

نجد الفكرة ذاتها قائمة في عدد من المقررات الدراسية لدول عربية محسوبة على النهج الليبرالي؛ ففي مقرر

الفلسفة في المغرب نلاحظ أن هناك تنصيصًا على كون النظام الاقتصادي الإسلامي أتى بوسطيته واعتداله

لتجاوز قصور النظامين الليبرالي والاشتراكي وعجزهما. ولا يختلف أحد في أن بلوغ الإسلاميين السلطة بعد الربيع العربي لا يعود إلى قوة برامجهم السياسية، ولا

إلى سطوة حملاتهم الانتخابية، بل إلى انغراس فكرة «النظام الإسلامي بوصفه البديل الوحيد» وتجذرها

في أذهان السواد الأعظم من الناس. بقي أن نشير إلى أن النظرة التبجيلية والتمجيدية لنماذج من النظم

السياسية أو الاقتصادية، والتي تأخذ شكل الدوكسا، لا تخص المسلمين فقط في تمثّلهم للنظام الإسلامي،

(41) Nihel Chabrak and Russell Craig, “Student Imaginings, Cognitive Dissonance and Critical Thinking,” Critical Perspectives on Accounting , vol. 24, no. 2 (March 2013). (42) Ministère d’éducation nationale et de formation des cadres, Manuel scolaire de la pensée islamique et de la philosophie, Baccalauréat (Rabat: Imprimerie Almaref, 1979), p. 537.

وإنما نجده أيضًا لدى عدد من الأوروبيين في تمثّلهم للنظام الليبرالي؛ ففي دراسة حديثة لشبراك ومعاونيه،

تم التوصل إلى أن عددًا من الطلبة الفرنسيين في شعبة الاقتصاد يرفضون توجيه أي نقد إلى النظام الليبرالي

بوصفه سببًا في الأزمة العالمية، على الرغم من أن الوقائع التي عُرضت عليهم تبيّ محدودية هذا النظام؛ إذ

نجدهم يخلعون على مبادئه وتوجهاته نوعًا من الهالة والتقديس.

ويبقى المشكل المطروح، بحسب اعتقادنا، في ذاك المواطن البسيط الذي أيد الإسلاميين وعلّق آمالً

عريضةً على تجربتهم في الحكم، ونظر إليها على أنها ستحقق له جميع أحلامه؛ فهي تظل، بحسب ظنه،

محكومة بمنطق المطلق والمقدس لا بمنطق النسبي والسياقي. ولقد كشفت الأوضاع السياسية الأخيرة

الصعوبات التي تواجه الإسلاميين في تحقيق ولو جزء ضئيل من طموحات الناس وأمانيهم. وأمام

هذا الوضع أصبح حديث عدد من الدعاة والخطباء والمسؤولين السياسيين الإسلاميين يتمحور حول

نسبية تجربة الحكم الإسلامي بدلً من إطلاقيتها، وكونها اجتهادًا بشريًا وليست نصًا منزلً مطلق الإقرار

والتنفيذ. وهذا، من منظور الدراسات الإنسانية في العلوم السياسية، يُعدُّ مؤشرًا إيجابيًا على بداية إخراج

مفهوم نظام الحكم الإسلامي من الدوكسا. غير أن ما يغذي صفة قدسية نظام الحكم الإسلامي وإطلاقيته هو لجوء المنتسبين إلى الحركات

الإسلامية إلى ما يسمّى أسلوب الميول نحو التوكيد (Confirmation prone)؛ إذ يعاودون صوغ

جملة من مقومات الدولة المدنية لتتماشى مع تصوراتهم المسبقة حول الدولة الإسلامية، لتنتهي غالبًا

إلى تشكيل مواقف تركيبية تحمل العناوين التالية: أسلمة الديمقراطية وأسلمة التعددية السياسية

وأسلمة العلمانية. ولكن عندما يواجهون بمقولات تتنافر كليًا ومرجعيتهم الاعتقادية، ويصعب

توكيدها بفعل الأسلمة، فهم يرفضونها بصيغة القطع (Latitude of Rejection)، ومن ذلك رفضهم

حاكمً غير مسلم على الرغم من كونه خبيرًا في شؤون الحكم. إن الميول نحو توكيد قناعات ومعتقدات

سياسية دينية من خلال عملية انتقاء جملة من مبادئ الدولة المدنية وتأويلها لكي تنسجم مع تلك

المعتقدات تنتهي، كما سبق أن أشرنا، إلى أسلمتها، وبالتالي خلع صفة القدسية عليها. وفي هذا الباب،

نجد كتابًا لعبد السلام ياسين، مرشد «العدل والاحسان» بعنوان: أسلمة الحداثة، هادفًا من وراء

ذلك إخراج مجموعة من مبادئ الدولة المدنية من دار الكفر إلى دار الإسلام. فإن كانت دعوة شخص

ما غير مسلم إلى اعتناق الإسلام تبدو قابلة للاستيعاب، فإن ما يستعصي على الفهم هو معنى أسلمة

مفاهيم ومبادئ مجردة متعلقة بالدولة المدنية! فبحسب ماكغرو ودولان، نحن هنا أمام عملية

للشخصنة، بمعنى التصرف إزاء مبادئ وأسس الدولة المدنية ذات الطبيعة المجردة، كما نتصرف مع

الأشخاص، وذلك بإسنادنا إليها جملة خصائص وصفات تهم الأشخاص وليس الكيانات المجردة.

وتبقى الغاية من فعل الشخصنة غير بريئة؛ إذ يُبتغى من خلالها التأثير في إدراكات الناس، وخاصة

العوام منهم. فمن الصعب على الإنسان العادي أن يفهم خطابًا مجردًا يتحدث عن مؤسسات الدولة

(43) Chabrak and Craig, “Student Imaginings”. (44) Clifton E. Brown, Mark E. Peecher and Ira Solomon, “Auditors’ Hypothesis Testing in Diagnostic Inference Tasks,” Journal of Accounting Research , vol. 37, no. 1 (Spring 1999), p. 11. (45) Abdessalam Yassine, Islamiser la modernité (Rabat: Al Ofok impressions, 1998). (46) Kathleen M. McGraw and Thomas M. Dolan, “Personifying the State: Consequences for Attitude Formation,” Political Psychology , vol. 28, no. 3 (June 2007), p. 299.

خريف 2014

وقوانينها ودساتيرها، ولكن عندما نشخصن تلك المفاهيم ونجسدها في الواقع، فآنذاك يستطيع فهمها

واستيعابها بيسر وبسهولة من دون بذل أي جهد ذهنيٍّ مرهق يتطلب مستوى معينًا من التجريد.

لذلك، ليس بالغريب إيجاد ضرب من الشخصية في خطابات بعض الحركات الإسلامية وبياناتها

عبارات فيها ضرب من الشخصنة لمؤسسات الدولة، وذلك عبر توظيف عبارات من قبيل: «برلمان

ملحد، قانون كافر، دستور فاسق».

المواقف الثابثة «الضمنفردية»

إن رفض أغلبية ناشطي الجماعتين حاكمً غير مسلم وإن كان خبيرًا، قبل وضعية الإحراج المعرفي وبعدها،

يكشف عن ثبات مواقف هؤلاء أمام عملية إطلاقية رفض المواقف التي تجيز لحاكم غير مسلم أن يحكم

بلدًا مسلمً؛ فأي تراجع، بحسب المستجوبين، عن عقيدة الحاكم سيمس مباشرة بهويتهم التي تظل غير

قابلة للتفاوض. ومن هنا تظل فرضية حاكم غير مسلم اقتراحًا مستفزًا ومزعجًا لدى عدد كبير من

المستجوبين الذين انتهى بنحو 03 في المئة منهم إلى الانفعال بشكل سلبي: «هل أنت مجنون تعرض عليّ

هذا الاقتراح»؛ «هذا ليس بحثًا، إنه إهانة»؛ «عليك أن تتوقف عن طرح هذه الأسئلة». نحن هنا، أمام

وضعية - مشكلة مركّبة، وغير قابلة للحل وغير قابلة للتوفيق بين التزامات المستجوبين السياسية الدينية

وأحد مبادئ الدولة المدنية القائم على تحييد الدين في اختيار الحاكم. وممّا يزيد في تعقيدها كونها تشكل

تهديدًا لهويتهم، الشيء الذي نجمت عنه تلك الانفعالات السلبية. لكن في المقابل، يتقبل عدد كبير من

المستجوبين حاكمً مسلمً لأرض غير مسلمة لكون المسلم في نظرهم أكثر من غير المسلم عدالة وإنسانية.

لكن سنكون مجانبين للصواب إذا وسمنا هذا الموقف بالعنصري أو التمييزي، فالأمر لا يخرج عمّ يسمّى

في علم النفس الاجتماعي تفضيل جماعة الانتماء (Ingroup Favoritism) الذي هو سلوك طبيعي في

الجماعات الدينامية. ولكن ما يسترعي الانتباه هو أن 8 في المئة من مستجوبي «العدل والإحسان» و 01

في المئة من مستجوبي «العدالة والتنمية» يتفقون مع إمكانية تولّ حاكم غير مسلم مقاليد الحكم إذا ما بلغ

الحكمَ بواسطة انتخابات نزيهة، إذ يرون أن على الجميع احترام إرادة الشعب، وإذا كان نصف المجتمع

غير مسلم فيجوز أن يكون هناك حاكم غير مسلم. نحن هنا، انطلاقًا من تخصص المعرفية الاجتماعية

الضمنية (Implicit Social Cognition)، أمام إمكانية إيجاد أشخاص ينتمون إلى جماعة من دون أن

يتبنّوا، جزئيًا أو كليًا، معتقداتها، بمعنى أن الانتماء ليس هو الاعتقاد؛ فانخراط الفرد في جماعة ما مردّه

ربما إلى أن لديه أصدقاء أو أفرادًا من عائلته منتسبين إلى تلك الجماعة، أو لأنه يحظى بالتقدير الكافي من

طرف أعضائها. في مقابل إطلاقية الرفض، نلاحظ أن هناك حضورًا لإطلاقية قبول مبدأ المشاركة في تسيير الدولة لدى

الجماعتين (Latitude of Acceptance)، قبل وضعية الإحراج المعرفي وبعدها. نحن هنا أمام ما يُطلَق عليه

المواقف النافذة (Attitude Accessibility) التي يوافق عليها الفرد بسهولة ويسر من دون أدنى اعتراض،

وذلك بسبب وجود انسجام معرفي بين مرجعيته الاعتقادية («الشورى في الإسلام») والمحدّدات المدنية

لذلك المبدأ، الشيء الذي شكّل وضعية مثالية مكّنت الأغلبية من بلوغ مستوى الصيغ «مع».

(47) Marilynn B. Brewer, «The Social Psychology of Intergroup Relations: Social Categorization, Ingroup Bias, and Outgroup Prejudice,» in: Kruglanski and Higgins, eds., p. 695. (48) Nosek, Graham and Hawkins, p. 550.

تمظهرات المواقف المتحولة لدى الإسلاميين المغاربة

انطلاقًا من النتائج الميدانية للدراسة يمكن الخروج بفكرة خلاصتها أن التحول في المواقف يأخذ شكل

تباين بين الجماعتين، ثم تباين «ضمنفردي» لدى مجموع عيّنة البحث بعد وقبل وضعية الإحراج المعرفي،

وفي الأخير شكل التباين بين أفراد ينتمون إلى الجماعة نفسها.

التباين في المواقف بين الجماعتين

يكشف هذا العنصر أن عامل الانتماء السياسي شكّل عاملً مؤثرًا في مواقف مستجوبي كلتا الجماعتين

من العلمانية ومن انتخاب مسؤولي الدوائر الحكومية؛ إذ نلاحظ أن العدالة والتنمية أكثر من «العدالة

والإحسان» تقبلً لمبدأ العلمانية وأكثر تأكيدًا لأهمية انتخاب المسؤولين الحكوميين بدلً من تعيينهم. ومرد

مرونة مواقف «العدالة والتنمية» في هذا الصدد إلى كونها جرّبت الحكم ومسؤولياته؛ فبحسب دراسة

لساكي ومعاونيه، نجد أن الأفراد الذي سبق لهم أن تحمّلوا مسؤوليات عمومية واتخاذ قرارات متنوعة

تهم الشأن العام، أكانت استراتيجية أم تكتيكية، هم أكثر من سواهم استعدادًا للتعايش مع أفكار متضاربة

مع قناعاتهم. هكذا، تكون المشاركة النشطة ل«العدالة والتنمية» في عدد من مؤسسات الدولة (برلمان،

وزارات، مجلس مستشارين، بلديات) وحضورها الفاعل في المجتمع المدني (نقابات، أحزاب، جمعيات)

مقارنة ب«العدل الإحسان»، قد جعلا منها حزبًا أكثر مرونة وبراغماتية في مواقفها السياسية، وأكثر تقبلً

لمبدأ العلمانية الذي ينظر إليه الكثير من الإسلامين بوصفه مرادفًا للإلحاد. وفي ما يخص «العدل والإحسان»، فإن رفضها أي حوار مع النظام الحاكم، ووضعها مسافة بينها وبين

فعل تدبير الشأن العام وتسييره، وعزوفها عن ممارسة السياسة في الفضاءات العمومية الرسمية، كل ذلك

جعلها تتعامل مع جملة من القضايا من دون واقعية سياسية كافية وخالية من المرونة والبراغماتية السياسية.

وقد جاء تزايد مواقفها السلبية من مبدأ انتخاب مسؤولي الدوائر الحكومية ومن مبدأ العلمانية، مقارنة

بتلك المسجلة لدى «العدالة والتنمية»، لتأكيد هذا المعطى. علينا ألا ننسى، كذلك، أن النظام الهرمي لجماعة «العدل والإحسان»، وعلى رأسه، كما هي الحال لدى

الشيعة، الإمام المجدِّد الذي يجمع بين يديه مختلف السلطات، جعل مستجوبيها يرجحون مبدأ تعيين

مسؤولي الدولة من طرف الشيخ المربي بدلً من اعتماد مبدأ الانتخابات، الشيء الذي كشف بالملموس عن

أهمية فكرة الإمام لدى ناشطي «العدل والإحسان»؛ فالمرجع السياسي والديني والتربوي الأساسي للعدل

والإحسان هو ما كتبه الإمام. وبالتالي، حتى قراءة ناشطي «العدل والإحسان» للدين تظل وفية لتأويل

شيخهم للقرآن والسنّة، باعتباره من بين أولياء هذا القرن الذي أتى ليجدد أمر الأمة. يبدو بجلاء أننا أمام

عدد من العناصر التي تؤجج نوعًا من الدوغمائية السياسية لدى جماعة «العدل والإحسان»، وبحسب

هونت وميلر، يتميز الأشخاص الدوغمائيون بكونهم أقل تقبلً للأفكار المتناقضة مع معتقداتهم

ومواقفهم، إذ نجدهم عاجزين عن تصريفها أو تبريرها أو التوفيق في ما بينها. وهذا ما نلاحظه، بالطبع،

لدى «العدل الإحسان»، فهي تدّعي أنها حركة إسلامية ديمقراطية ترفض احتكار ملك المغرب لجميع

(49) Abraham Sagie, Dov Elizur and Meni Koslowsky, “Effect of Participation in Strategic and Tactical Decisions on Acceptance of Planned Change,” Journal of Social Psychology , vol. 130, no. 4 (1990), p. 459. (50) Hunt and Miller, Cités par: M-A. Martinie and V. Fointiat, “Enfreindre sans craindre: Tolérance à la dissonance dans le paradigme de l’hypocrisie induite,” Psychologie française , vol. 55, no. 1 (Mars 2010), p. 43.

خريف 2014

السلطات، وتؤكد في المقابل أهمية اختيار مسؤولي الدولة من طرف الشيخ المربي، وأهمية الولاء للشيخ

المربي، كي تتوحد الأمة وكي لا تسقط في الفتنة. إن الصورة النمطيّة في حديثنا عن «العدل الإحسان»

لا تختلف كثيرًا عن الصورة النمطية للمحافظين الجمهوريين، التي تغذِّيها مرجعيتهم الإنجيلية في تدبير

الحكم، إذ نجدهم يرفضون مجموع القيم الليبرالية، وذلك من قبيل حرية الإجهاض، والاعتراف بحقوق

الأقليات الإثنية والثقافية، وفي الوقت نفسه نجدهم من دعاة المجتمع الحر. وفي ما يتعلق بصيرورة التحول في الموقف، يظل التباين واضح المعالم بين الجماعتين حول مبدأ اعتماد

الانتخابات للوصول إلى الحكم، إذ عرفت «العدالة والتنمية» استقرارًا نسبيًا قبل الإحراج المعرفي

وبعده، في أعداد مواقفها المتوافقة مع هذا المبدأ، والتي تظل أصلً مرتفعة لديهم، بينما ازدادت لدى

«العدل والإحسان» أعداد المواقف الإيجابية من الانتخابات بعد وضعية الإحراج المعرفي، الشيء الذي

يؤشر على كون وضعية الإحراج المعرفي قد أثّرت بالفعل في مستجوبي «العدل والإحسان» وأثارت

لديهم نوعًا من الخلاف المعرفي الداخلي الذي أدى بهم إلى مساءلة مواقفهم السابقة ومراجعتها. لقد

عَرّضتهم وضعية الإحراج المعرفي فعلً، بحسب عبارة سيغلر، لصيرورة عملية التعلم المجهري

الذي يتميز بكونه غير مدرسي وغير رسمي، والذي قد يتحقق في دقائق أو ساعات، ويؤدي إلى تغيير

معتبر في أحكام الأفراد ومواقفهم من قضية ما. ولقد تمثّل هذا التغيير بجلاءٍ في بلوغ نسبة كبيرة من

ناشطي «العدل والإحسان» إلى صيغة المواقف «مع»، الأمر الذي يؤشر على أن تمثلّات ناشطي «العدل

الإحسان» حول عدد من القضايا التي تهمُّ الدولة المدنية، ومنها اعتماد الانتخابات للوصول إلى

السلطة، لا يمكن وسمها بالجمود، فهي مواقف مرنة وقابلة للتبدل والتغيير عندما تواجَه بوضعيات

قوية في بنيتها الحجاجية. إن التباين بين الحركتين، الناتج من صيرورة تحوّل مواقفها، يظهر، كذلك، في تراجع عدد المواقف التي تقر

بفصل السلطات لدى «العدالة والتنمية»، في حين تظل مستقرة لدى «العدل والإحسان». والسؤال عن

سبب تراجع «العدالة والتنمية» عن مواقفها الإيجابية من فصل السلطات بعد وضعية الإحراج المعرفي،

يكشف عن واقعة استخدام نشطائها لاستراتيجية النفاق المرن (Hypocrisie induite) التي تعكس

مدى اختلاف التصريحات عن القناعات؛ فحضور هذه الاستراتيجيا لديهم مرده، بحسب اعتقادنا، إلى

استعجالهم الوصول إلى السلطة، وبالتالي كانوا ملزمين بطمأنة أطراف متعددة على اعتبار أنهم ليسوا كيانًا

مزعجًا في حالة تسلّمهم مقاليد الحكم. من هنا، كان عليهم إقناع الأحزاب الديمقراطية والرأي العام

بأنهم مع الديمقراطية والانتخابات النزيهة والحفاظ على التعددية السياسية وفصل السلطات. وعليهم في

المقابل، طمأنة ملك المغرب بكون موضوع فصل السلطات ليس ذا أهمية بالنسبة إليهم. يظهر التباين بين جماعة «العدل والإحسان» و«العدالة والتنمية» بجلاء على شكل توزيع صيغ المواقف

بين الأفراد؛ فإذا كان هناك اتجاه عام نحو تبنّي صيغة مواقف معيّنة لدى أفراد العدالة والتنمية في أغلبية

البنود - باستثناء البند المتعلق بالتعددية السياسية - فإننا نلاحظ تشتت أفراد «العدل والإحسان» بشأن

صيغ المواقف الثلاثة في كلٍّ من البند المتعلق بالديمقراطية والتعددية السياسية وانتخاب مسؤولي الدوائر

الحكومية. ومردّ ذلك هو، بحسب اعتقادنا، إلى التباين الصارخ بين نظامهم الداخلي الذي يرتكز على

(51) Robert S. Siegler, “Microgenetic Studies of Self-Explanation,” in: Nira Granott and Jim Parziale, eds., Microdevelopment: Transition Processes in Development and Learning , Cambridge Studies in Cognitive Perceptual Development (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2002), p. 31. (52) Martinie and Fointiat, p. 41.

سلطة الشيخ المربي ودفاعهم عن قيم الديمقراطية والتعددية السياسية في الفضاء العمومي. وغني عن

البيان أن المشهد نفسه يمكن رصده لدى بعض الجمهوريين في الولايات المتحدة الأميركية، من خلال

كونهم يعيشون القيم المحافظة ويربون أبناءهم عليها، وفي الوقت نفسه يدافعون في الفضاءات العمومية

عن القيم الليبرالية. وفي اعتقادنا أن هذا الوضع الذي يعيشه أفراد «العدل والإحسان» يؤثر سلبًا في ما

يسمّى في علم النفس المعرفي وظيفتهم التنفيذية الذهنية (Mental Executive Function) المتضمنة

خطاطتين: الأولىتحوي فكرة الشيخ المربي ورؤاه وأحلامه ووصاياه بوصفها مرجعًا للحركة، كما تبرر

احتكاره السلطة لكونه أمرًا ربانيًا، وتتضمن الخطاطة الأخرىجملة من المواقف التي تتماشى وقيم

الدولة المدنية. وتبقى محدودية الوظيفة التنفيذية الذهنية لدى هؤلاء في عدم قدرتها على القيام بكبح

فعّال (Efficient Inhibition) لإحدى الخطاطتين والإبقاء على الأخرى، وهو ما ينجم عنه تذبذب في

المواقف وتوزعها بين مختلف الصيغ. وكذا، عدم قدرة أصحابها على تحليل تينك الخطاطتين وتوصيفهما

والإحاطة بمختلف جوانبهما والاستيعاب الذاتي لتعقيداتهما (Self complexity) ضمن صيغ تركيبية.

التباين في المواقف «الضمنفردية» لدى مجموع عينة البحث

نحن هنا أمام تحوّل في مواقف أفراد عيّنة البحث أنفسهم بعد تعرضهم لوضعية الإحراج المعرفي،

الذي يأخذ إما شكل وتيرة تصاعدية وإما شكل وتيرة تنازلية لأعداد المواقف الإيجابية من أحد أسس

الدولة المدنية. التحوّل التصاعدي في المواقف الإيجابية: يتجلى هذا التحوّل بوضوح في ارتفاع عدد المواقف الإيجابية

من العلمانية والانتخابات، وهو ما يؤشر على أن المبدأين كليهما قابلان للتفاوض بشأنهما من طرف

المستجوبين. لكن إذا كانت النسبة الأكبر من المستجوبين قد بلغت مستوى صيغ المواقف «مع»، وذلك

في ما يخص اعتبار الانتخابات السبيل الشرعي والوحيد للوصول إلى السلطة، فإن أغلبية المواقف من

العلمانية لم تتعدّ حافة الصيغ التركيبية. وبناء عليه، ندرك أن وضعية الإحراج المعرفي بشأن مفهوم

العلمانية حرضت لدى المستجوبين نوعًا من الصراع المعرفي الداخلي. وقد حاول هؤلاء الخروج من

هذه الوضعية، عبر إيجاد صيغة توافقية بين تمثلّاتهم الدينية حول مفهوم الدولة والتعريف المرجعي،

والمتعارف عليه للدولة المدنية، وذلك عبر صوغهم مواقف تركيبية: «نعم لعلمانية جزئية، إذ يظل الإطار

العام إسلاميًا وبالضبط عندما يتعلق الأمر بالتوجهات الأخلاقية، بينما علينا عند مباشرتنا لمجالات

متخصصة أن نفتح الباب للعقل البشري على مصراعيه ليقول كلمته». التحوّل التنازلي في المواقف الإيجابية: لاحظنا، بحسب معطيات الدراسة، تراجع عدد من المستجوبين

عن مواقفهم الإيجابية من بعض مبادئ الدولة المدنية، ومنها الديمقراطية وفصل السلطات وانتخاب

مسؤولي الدوائر الحكومية والتعددية السياسية. ومردّ هذا التراجع، بحسب اعتقادنا، إلى كون وضعية

الإحراج المعرفي التي واجهها المستجوبون قد شكلت وضعية غير منتظرة وغير متوقعة؛ فهُم لم يضعوا

(53) Fayeza S. Ahmed and L. Stephen Miller, “Executive Function Mechanisms of Theory of Mind,” Journal of Autism and Developmental Disorders , vol. 41, no. 5 (May 2011), p. 667. (54) Allen R. McConnell and Christina M. Brown, “Dissonance Averted: Self-Concept Organization Moderates the Effect of Hypocrisy on Attitude Change,” Journal of Experimental Social Psychology , vol. 46, no. 2 (March 2010), p.

(55) Jonathon R. B. Halbesleben and M. Ronald Buckley, “Social Influences on Performance Evaluation: Implications for the Development of Performance Standards,” Journal of Applied Management and Entrepreneurship , vol. 14, no. 3 (2009), p. 74.

خريف 2014

في حسبانهم أن الباحث الذي طبّق هذه الدراسة - هو في تصورهم شخص جامعي ليبرالي - سيلبس

لباس أحد مرشدي الحركات الإسلامية، ليبسط أمامهم وضعيات إحراج معرفي تتضمن جملة من

المأثورات الدينية التي تتنافى ومبادئ الدولة المدنية. ونتفق، في تحليلنا هذا، مع اتجاه يُدعى النظرة الجديدة

للتنافر المعرفي (New Look) ويلاحِظ أن بعض مسيّي الشركات، وحتى بعض العمال المهاجرين،

عندما يواجَهون بوضعيات غير متوقعة يلجأون إلى تمثلّاتهم الأصلية لطرائق التدبير والتسيير كي يحتموا

بها. من هنا، يجوز أن نفترض أن للإسلامين موقفين: الأولضمني، وهو ضدّ مبادئ الدولة المدنية،

والآخر صريح، وهو مع تلك المبادئ. والمرء، بحسب تخصص المعرفية الاجتماعية الضمنية، لا يصرح

دائمً بما هو مقتنع به؛ فأحيانًا نتفوه بخطاب مخالف لقناعاتنا، ويكفي أن نحرج بسؤال أو استفسار مستفز

لنعود ونعلن قناعاتنا الحقيقية. وبالتالي، فإن هذا التراجع لدى مستجوبي العيّنة عن مواقف إيجابية من

الدولة المدنية، وهو ما لم يتم إلا بعد وضعية الإحراج المعرفي، يدل على اعتماد هؤلاء على «التقية» بمعناها

الشرعي، وهي - إذا ما جازفنا وخلعنا عليها دلالات حديثة - سنعتبرها إحدى استراتيجيات قراءة

أذهان الآخرين، وهي التي تعتمد على جملة من الوسائل لملاءمة عملية التواصل مع قناعات الآخر

ومعتقداته. وليس الآخر، هنا، سوى الباحث، مطبِّق هذه الدراسة. والغاية من هذه العملية، بحسب

نظرية التدبير المؤثّر (Impression Management)، هي التأثير فيه وكسب وده وتعاطفه وتسويق

صورة إيجابية حول جماعة الانتماء، بما يبُرز للآخرين مدى انفتاح تلك الجماعة ومدى قابليتها للتفاعل

مع مبادئ الدولة المدنية. وقد ظهر هذا السلوك بوضوح لدى الإسلاميين بعد حوادث 11 أيلول/

سبتمبر؛ إذ عمدت جماعات عدة معتدلة إلى طمأنة الرأي الغربي بإرسال إشارات تفيد بكونها غير معادية

للديمقراطية وحقوق الإنسان وقيم الحداثة. وقد تلقفها، إبان الربيع العربي، بعض المسؤولين الغربيين،

إذ لاحظنا أن كلًّ من أوباما وكاميرون وآلان جوبيه لم يتوقف عن التلميح إلى أنه غير متخوف من وصول

الإسلاميين إلى الحكم، وأن الإسلام ليس معاديًا للديمقراطية. وفي هذا الصدد، قال جوبيه حرفيًا في أحد

تصريحاته لقناة الجزيرة: «إن الزعماء السابقين قدموا لنا معلومات خاطئة حول الإسلاميين والإسلام، بينما

الإسلام يتماشى والديمقراطية».

التباين بين أفراد الجماعة نفسها

نلاحظ أن مستوجبي «العدل الإحسان» لم يتبنّوا صيغة موحدة في ما يخص مواقفهم من الديمقراطية

والتعددية السياسية وانتخاب المسؤولين عن الدوائر الحكومية؛ فهم مشتتون بين صيغة مع وضد

والصيغة التركيبية. ونلاحظ الشيء نفسه بالنسبة إلى مستجوبي «العدالة والتنمية» في ما يخص البند المتعلق

(56) E. Eser Telci, Ceyda Maden and Deniz Kantur, “The Theory of Cognitive Dissonance: A Marketing and Management Perspective,” Procedia - Social and Behavioral Sciences , vol. 24 (2011), pp. 378. (57) Carl P. Maertz, Ahmad Hassan and Peter Magnusson, “When Learning Is not Enough: A Process Model of Expatriate Adjustment as Cultural Cognitive Dissonance Reduction,” Organizational Behavior and Human Decision Processes , vol. 108, no. 1 (January 2009), p. 66, and Halbesleben and Buckley, p. 74. (58) Nosek, Graham and Hawkins, p. 549. (59) N. Epley and A. Waytz, Mind Perception (In Press). (60) James T. Tedeschi, ed., Impression Management Theory and Social Psychological Research (New York: Academic Press, 1981), p. 12.

(((6 حديث وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والأوروبية آلان جوبيه إلى قناة «الجزيرة» التلفزيونية، نيويورك، تاريخ 22 أيلول/

سبتمبر.2011

بالتعددية الحزبية. ويعني هذا أننا أمام تباينات «بينفردية»، بمعنى أن هناك اختلافًا بين أفراد الجماعة

نفسها في صيغ مواقفهم. وفي ما يخص «العدل والإحسان»، فإن مصدر هذا التباين «البينفردي» يتمثّل،

من وجهة نظرنا، في قصور خطابها الأيديولوجي الذي لم يتمكن من توجيه رأي مريديها لتبنّي صيغة

موحَّدة للمواقف؛ فأفراد «العدل والإحسان» يعيشون، كما يعلم الجميع، تناقضًا حادًا بين نظام حركتهم

الثيوقراطي، حيث جميع السلطات في يد الإمام، ونضالهم المستميت من أجل مغرب ديمقراطي تلغى فيه

فكرة إمارة المؤمنين، ولا تحتكر السلطات في يد الملك. وهذا ما نجم عنه تأرجح آراء مستجوبي «العدل

والاحسان» بين قبول ديمقراطية كلية وديمقراطية تبنى على انتخابات يحصل فيها المرشحون على تزكية

الشيخ المربي. التأرجح ذاته نلحظه في عدم قدرة أفراد «العدل والإحسان» على التوفيق بين نضالهم، في

الفضاءات العمومية، من أجل حرية التعبير والتعددية الحزبية، وانحصار فهمهم للعالم من خلال ما

يقدمه لهم شيخهم من كتابات وخطابات ورؤى، معتبرين - باعتماد مصطلح كيرنول - أن كل ما

يوصي به الشيخ وما يرويه من أحلام ورؤى يشكل أنموذج فئة للمعرفة السامية، وعلى الجميع أن يتمركز

حوله وينهل منه (Protocentrism). ويلاحظ الباحث الإثنوغرافي، في هذا الصدد، أن بعض حركات

الشيخ وسكناته تُدّوَّن وتُعتبر سنّة حميدة على الجميع اتباعها. وفي ما يتعلق بالعدالة والتنمية، يعود تباين صيغ مواقف أفرادها من التعددية الحزبية في الأساس إلى

تضارب سياساتها بين كونها حزبًا منفتحًا على القوى الديمقراطية، كما تعتبر نفسها، ومشاركة في الفضاء

السياسي العمومي، وبين رهاناتها الضمنية التي تومئ بها إلى نشطائها بأنها تدعو بالهداية للأحزاب

الديمقراطية، «فهم أناس طيبون الله يهديهم». ويُقصد بالهداية هنا أن يتخلى مسؤولو تلك الأحزاب عن

قناعاتهم الديمقراطية ويتبنّوا المرجعية الإسلامية. بعبارة أوضح، نحن هنا أمام دعوة إلى أسلمة الأحزاب

وأسلمة التعددية السياسية.

خاتمة الدراسة وحدود فرضياتها

يمكن الخروج، بناء على نتائج الدراسة، بإمكانية توقّع مواقف المستجوبين من خلال انتمائهم السياسي

في كل من البند المتعلق بانتخاب مسؤولي الدوائر الحكومية وبند العلمانية؛ إذ تظل «العدالة والتنمية»

أكثر استجابة ل«مشخاص» الليبراليين وأكثر تقبلً لهذين البندين من «العدل والإحسان» التي تظل

وفية ل«مشخاص» المحافظين. وممّا يزكي صدقية هذه الفرضية هو الأعداد المرتفعة للمواقف الإيجابية

لدى «العدالة والتنمية»، قبل وضعية الإحراج المعرفي من الانتخابات وبعدها، بوصفها السبيل الشرعي

الوحيد للوصول إلى الحكم وعدم التحاق «العدل والإحسان» بركب «العدالة والتنمية»، بهذا الشأن، إلا

بعد مواجهتها لوضعية الإحراج المعرفي. كما أن «العدالة والتنمية» عبّت أكثر من مرة عن ليونة في تغيير مواقفها انتهت بها، أحيانًا كثيرة، إلى

استخدام نوع من النفاق المرن؛ فصيغ المواقف التركيبية حاضرة أكثر عند «العدالة والتنمية» مقارنة

ب«العدل والإحسان»، وهو ما يكشف بوضوح عن أن «العدالة والتنمية» على استعداد للتفاوض والبحث

عن صيغ توافقية بين تمثلّاتها الدينية للدولة ومفهوم الدولة المدنية. وفي المقابل، كشفت اعتدالية توزيع

(62) Rachel Karniol, “Egocentrism Versus Protocentrism: The Status of Self in Social Prediction,” Psychological Review , vol. 110, no. 3 (July 2003), p. 564.

خريف 2014

صيغ المواقف لدى «العدل والإحسان» عن عدم قدرة هذه الحركة، بوصفها توجهًا محافظ ا، على تحمّل

تناقض مواقفها من الدولة المدنية، والتفاوض حوله للخروج بإجابات توفيقية تأخذ شكل صيغ تركيبية. بيد أن محدودية فرضية الانتماء السياسي تظل قائمة في عدد من البنود، وهو ما يؤشر على وجود خلفية

فكرية واعتقادية عامة، وجهت كلتا الحركتين نحو الاختيارات نفسها التي تأخذ شكل الدوكسا، وتبرز

هذه المسألة في تشابه مسارات تحول المواقف بين الحركتين في عدد من البنود. كما أن التوصيف الصارم

لكلتا الحركتين بكون إحداهما تمثّل الوجه المحافظ والأخرى تمثّل الوجه الليبرالي يظل عرضة للمناقشة،

وخصوصًا عندما نجد لدى «العدل والإحسان» استعدادًا لمراجعة أفكارها بشأن الانتخابات، بعد وضعية

الإحراج المعرفي، وتبنّي مواقف إيجابية في هذا الصدد، الشيء الذي يكشف صعوبة إسناد صفة الانفتاح

والمرونة المعرفية والقابلية للتفاوض بشكل كلي ل«العدالة والتنمية» دون «العدل والإحسان». أما بالنسبة إلى مجموعة عيّنة البحث، فقد كشفت وضعية الإحراج المعرفي عن وجود نواة صلبة لتمثلّات

الإسلاميين للدولة المدنية غير قابلة للتفاوض، وتشمل مبدأ المشاركة السياسية على اعتبار أن ارتباطه

بمفهوم الشورى يشكل العمود الفقري لنظام الحكم الإسلامي. وتتضمن، كذلك، شرط رفض حاكم

غير مسلم، بينما تظل بقية المواقف، ومنها المتعلقة بمفهوم العلمانية، قابلة للتفاوض والمراجعة، وبذلك

تشكل محيط تمثلّات الإسلاميين للدولة المدنية.

مراجع إضافية

Books Gawronski, Bertram and B. Keith Payne (eds.). Handbook of Implicit Social Cognition: Measurement, Theory, and Applications. New York: Guilford Press, 2010. Moscovici, Serge. La Psychanalyse, son image et son public. 2eme ed. Refondue. Paris: Presses universitaires de France, 1976. (Bibliothèque de Psychanalyse) Periodical Elcheroth, Guy, Willem Doise and Stephen Reicher. “On the Knowledge of Politics and the Politics of Knowledge: How a Social Representations Approach Helps Us Rethink the Subject of Political Psychology.” Political Psychology: vol. 32, no. 5, October 2011.