Return to Article Details The Oral Discourse of Religious Minorities and Coexistence in the Ottoman Tunisia

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

The Oral Discourse of Religious Minorities and Coexistence in the Ottoman Tunisia

محمد المريمي*

الملخّص

يمثّل الشفوي محملًا لمجالات كثيرة من حياة الناس اليوميّة وأنشطتهم. ويرتبط ذلك المحمل غالبًا بمصالحهم، وبحقوقهم بصورة خاصة، فكانت الحقول المعنية بالتاريخ الشفوي حينئذ متمّيزة بعضها من بعض، وحدودها معلّمة بالنسبة إلى نظيراتها القائمة على محمل الكتابة. ويلاحَظ أن الكتابة كانت منتشرة في الإيالة التونسية العثمانية، سواء في المركز أو لدى المجموعات المحلية والأقليات على اختلافها، ومع ذلك وجدت أغراضًا ومجالات عيش ارتبطت عن وعي أو من دون وعي بالتاريخ الشفوي. في هذه الدراسة المتعلقة بخطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك تتّبع لموضوع التاريخ المحلّي لجزيرة جربة، في الجنوب الشرقي للقطر التونسي، ولا سيما حالات مخصوصة كان التاريخ الشفوي محملها، وتتمثّل في حالة رواية الأصل عند المجموعات المحلية التي يتكوّن منها أهل جربة (إباضية، بربر، غرباء، عرب، مالكية، يهود ... الخ)، وحالة عقود ملْكية الأوقاف لدى مجموعات الإسلام الإباضي، وأخيرًا حالة ملْكية اليهود العقارية الجماعية. تسعى الدراسة الإجابة في هذا الشأن على أسئلة عدة، متعلقة بالحقوق التي يهدف المحمل الشفوي ضمانها لمصلحة المجموعات المحلّية هنا وهناك؛ وبحقيقة العلاقات الاجتماعية التي تتوارى وراء الرواية الشفوية التي تخص هذا المجال المجتمعي أو ذاك؛ وبسؤال متى يتوقّف العمل بمحمل الشفوي ليتحول إلى محمل المكتوب في الحالة التي تفرضها الرابطة الاجتماعية، التي يقوم عليها العيش المشترك في جزيرة جربة خلال العصر الحديث؟ لم يكن المحمل الشفوي من دون أن يساهم في تنظيم أهل جربة ويؤسس لبناء هرمي أو يحدد علاقة اجتماعية دقيقة وواضحة، تمثّل شكلًا من أشكال قواعد لعبة لمختلف الفاعلين الاجتماعيين، كما أنه لم يكن من دون أن يخفي الأسباب الموضوعية التي تقف وراءه ووجب نبشها.

Abstract

The written form was widespread in Ottoman Tunisia, whether at the center or amongst local groups and minorities that made up Tunisia at the time. For some purposes and spheres of life, however, writing was inextricably linked with orality. In his study, Muhammad al–Mremi examines the local history of the island of Djerba situated off the southeastern coast of Tunisia, where oral traditions were prevalent and embedded in the heritage of the local communities that make up the inhabitants of Djerba, including Ibadis, Berber, African Arabs, Arabs, Maliki Sunnis and Jews amongst others. The study explores a number of questions related to the rights of these local communities and how oral traditions guaranteed them. Al-Mremi tackles the nature of the social relations as reflected in the oral narratives explored, observing the circumstances in which the oral transformed into written form, in a situation imposed by the social bond underlying coexistence on the island of Djerba in the modern period. Orality, asserts the author, contributed to the organization of the people of Djerba, founded the hierarchy, and defined clear and precise social relations, which represented the rules of the game for the various social actors.

الكلمات المفتاحية:
  • الأقليات الدينية
  • العيش المشترك
  • الإيالة التونسية
  • السلطنة العثمانية
  • التاريخ الشفوي
  • الإباضية
Keywords:
  • Religious Minorities
  • Coexistence
  • Ottoman Sultanate
  • Eyalet of Tunis (province)
  • Oral Discourse
  • Djerba Island
  • Ibadi Movement

يمثّل الشفوي محملً لمجالات كثيرة من حياة الناس اليوميّة وأنشطتهم. ويرتبط ذلك

المحمل غالبًا بمصالحهم، وبحقوقهم بصورة خاصة، فكانت الحقول المعنية بالتاريخ

الشفوي حينئذ متمّيزة بعضها من بعض، وحدودها معلّمة بالنسبة إلى نظيراتها القائمة على

محمل الكتابة. ويلاحَظ أن الكتابة كانت منتشرة في الإيالة التونسية العثمانية، سواء في المركز

أو لدى المجموعات المحلية والأقليات على اختلافها، ومع ذلك وجدت أغراضًا ومجالات

عيش ارتبطت عن وعي أو عن غير وعي بالتاريخ الشفوي. في هذه الدراسة المتعلقة بخطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك تتّبع لموضوع

التاريخ المحلّ لجزيرة جربة، في الجنوب الشرقي للقطر التونسي، ولا سيما حالات مخصوصة

كان التاريخ الشفوي محملها، وتتمثّل في حالة رواية الأصل عند المجموعات المحلية التي

يتكوّن منها أهل جربة (إباضية، بربر، غرباء، عرب، مالكية، يهود... الخ)، وحالة عقود ملْكية

الأوقاف لدى مجموعات الإسلام الإباضي، وأخيرًا حالة ملْكية اليهود العقارية الجماعية.

تسعى الدراسة الإجابة في هذا الشأن عن أسئلة عدة، متعلقة بالحقوق التي يهدف المحمل

الشفوي ضمانها لمصلحة المجموعات المحلّية هنا وهناك؛ وبحقيقة العلاقات الاجتماعية

التي تتوارى وراء الرواية الشفوية التي تخص هذا المجال المجتمعي أو ذاك؛ وبسؤال متى

يتوقّف العمل بمحمل الشفوي ليتحول إلى محمل المكتوب في الحالة التي تفرضها الرابطة

الاجتماعية، التي يقوم عليها العيش المشترك في جزيرة جربة خلال العصر الحديث؟ لم يكن المحمل الشفوي من دون أن يساهم في تنظيم أهل جربة ويؤسس لبناء هرمي

أو يحدد علاقة اجتماعية دقيقة وواضحة، تمثّل شكلً من أشكال قواعد لعبة لمختلف

الفاعلين الاجتماعيين، كما أنه لم يكن من دون أن يخفي الأسباب الموضوعية التي تقف

وراءه ووجب نبشها.

شباط/ فبراير.2014

خريف 2014

مقدّمة

يتحمّل التاريخ الشفوي بُعدين اثنين: يتمثّل الأولفي أنه يمثّل شهادة أو وثيقة بالنسبة إلى

الباحث، تتيح له معرفة في مجال اهتمامه. وقد لا يقرّ البعض بقيمة هذه الشهادة أو الوثيقة،

فيذهب إلى القول إن مجال المعرفة يقترن بالكتابي، ولا شأن للشفوي فيه، مبرِّرًا ذلك بالقول: «إذا ضاعت

الوثيقة ضاع التاريخ». ويتمثّل البُعد الثانيفي أن الشفوي يكون أيضًا فعلً وممارسة اجتماعية، فيصبح

حينئذ تعبيرًا عن إنجاز ما يرتبط بالفاعل الاجتماعي أو بالمجموعة باعتبارها مجموعة.

سنركز في دراسة الخطاب الشفوي على مثال جزيرة جربة الواقعة في الجنوب الشرقي من القطر التونسي،

والمتميّزة بشكل لافت بتعدد أقلياتها؛ إذ اجتمع فيها أمازيغ (بربر) ويهود وإباضية، وهم جميعًا أقليات

بالنسبة إلى أغلبية سكان القطر العرب والمالكية خلال العصر الحديث. وسكنتها فئات أخرى مالكية

وحنفية وعرب، كانت في وضع الأقليات أيضًا بالنسبة إلى الأكثرية الإباضية والأمازيغية المحلية.

وبالنتيجة، كانت جربة، البالغة مساحتها حوالى 4 51 كلم 2، بمنزلة فسيفساء جمعت الكثير من الأقليات. كانت الكتابة في مجتمع جربة خلال العصر الحديث وحتى قبله محملً لمجالات من عيش الناس معيّنة

ومختلفة. ومهما يكن من أمر، كانت أداة الكتابة لدى أهل جربة تكتسي أهمية كبيرة مقارنة بجهات أخرى

في البلاد التونسية. في المقابل، بقيت مجالات أخرى من الحياة الاجتماعية واليومية ترتبط بحقوق الناس ومصالحهم المباشرة

خارج نطاق الكتابة، فنشأت حينئذ أغراض وأبواب تخص دائرة التاريخ الشفوي. وكانت الحقول المعنية

بمجالات الكتابي والشفوي مستقلة بعضها عن بعض، ولكلٍّ علاماته وحدوده. ولم يكن استعمال المحمل

الشفوي في الغالب من دون وعي المجموعات المحلية والأقليات بذلك. وكان الهدف من اختيار الشفوي

في هذا المجال أو ذاك هو تكريس هوية الذات الجماعية، وتحقيق سياسة محددة ومضبوطة في مجال التواصل

مع الآخر أو الغيرية. نختار في هذه الدراسة حالتين: تتمثّل الأولىفي تاريخ روايات الأصل (أي التحدّر النسبي) عند المجموعات

المحلية في جزيرة جربة، وتتمثّل الثانية في عقود ملْكية أوقاف المساجد والمعالم الدينية الإباضية، والملْكية

العقارية الجماعية ليهود الجزيرة؛ فقد اشتركت روايات الأصل وعقود الملْكية عند بعض الأقليات في جربة

في انتمائها إلى حقل التاريخ الشفوي. كان الهدف من نسج هذا الخطاب الشفوي تعليم ما ينتمي إلى المجموعة أو ما تنتمي إليه المجموعة

وما هو خارج عن حدودها. ويمكّن الخطاب ذاته من رسم حدود بيّنة وواضحة مع الغيرية. وكان

بالإضافة إلى ذلك أداة لرسم هرم اجتماعي يكون للمجموعة المعنية فيه مكانة ومنزلة ترتضيها لنفسها

أو تطالب بها. إن اختيار حالة جزيرة جربة في العصر الحديث يمكّن من إماطة اللثام عن الوثيقة الشفوية وأهميتها، وما

تتيحه في العلاقة بالتنظيم الاجتماعي لكل فئة من الفئات المكوّنة للمجتمع المحلي في جزيرة جربة، وفي

تواصلها مع غيرها.

(((عُرفت بعض العائلات في جربة بامتلاكها مكتبات خاصة منذ قرون وإلى اليوم، نذكر من بينها عائلة الباروني بالحشان ببني ديس،

وغيرها.

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

يطرح تناول الموضوع أسئلة عدة: ما هي خصائص محمل الشفوي وما هي حدوده وما هو الجدوى منه؟

وما هي مجالات استعماله وما هي الحقوق التي يضمنها؟ وما هي حقيقة العلاقات الاجتماعية التي تتخفى

وراء الرواية الشفوية في المجالات التي تنشأ وتروج وتنقل بشأن تاريخ الأصل أو عقود الملْكية عند هؤلاء

وأولئك؟ ومتى يتوقف العمل بأداة الشفوي ليتحول، هو بدوره، إلى كتابي في العلاقة بالعيش المشترك في

وسط مثل جزيرة جربة خلال العصر الحديث؟

الشفوي، محمل لدى الأقليات في جربة

كانت الكتابة في جربة خلال العصر الحديث (الذي يهم هذا البحث) محملً يعكس جانبًا كبيرًا من حياة

الناس وأنشطة عيشهم. وقد خلّف الإخباريون المنتسبون إلى الجزيرة مؤلفات في شكل متون ورسائل

لم تشهد مناطق أخرى في البلاد التونسية مثيلً لها (إذا استثنينا الإخباريين الموالين للمخزن). واهتم

أصحاب تلك المؤلفات المتعلقة بأهل جربة ببعض الأبواب، من بينها التعريف بالجزيرة وبمعالمها

ومشايخها ومجالس العلم فيها، وبمدارسها والحوادث التي عرفتها... الخ. ونشأت الكتابة في تلك

الأغراض لتميز الأسطرغرافيا المحلية للجزيرة على المدى الطويل. بقيت أغراض أخرى غير مكتوبة ترجع، تبعًا لذلك، إلى محمل الشفوي، وتتعلق بجوانب من حياة الناس

اليومية الاجتماعية وغيرها، ولها علاقة بحقوقهم ومصالحهم المباشرة. وكانت حقول الشفوي مستقلة

تمام الاستقلال عمّ هو كتابي وبعضها عن بعض، فكان لكلٍّ علاماته الخاصة وحدوده المميزة. وقد وقع

الاختيار في شأن المحمل الشفوي هنا، كما تقدَّم، على تاريخ الأصل (أو رواية الأصل) وعقود الأوقاف

الإباضية والملْكية الجماعية ليهود جربة.

رواية الأصل لدى المجموعات المحلية

كان كلّ فرد من سكان جربة خلال العصر الحديث - كما هي الحال في مناطق أخرى - محكومًا بالانتماء

إلى مجموعة محلية معيّنة عن طريق عناصر كثيرة، من بينها، أو لعل من أهمها، رواية الأصل. وتختلف تلك

الروايات بعضها عن بعض، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف: يحيل الصنف الأولإلى الانتماء المحلي أو

(((سليمان بن أحمد الحيلاتي، علماء جربة المسمى رسائل الشيخ بن احمد الحيلاتي الجربي: في ذكر علماء جربة وأماكن

أضرحتهم والحوادث التي وقعت في أيامهم ومجالسهم العلمية، تحقيق محمد قوجة (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 9981)؛ محمد

أبو راس، مؤنس الأحبة في أخبار جربة، حققه ومهد له وعلق عليه محمد المرزوقي؛ قدم له حسن حسني عبد الوهاب (تونس: المعهد

القومي للآثار والفنون، 960 1)؛ سعيد بن الحاج علي بن حمزة بن تعاريت، «رسالة في تاريخ جربة،» في: تراجم علماء الجزيرة وذكر

أمرائها من بني سمومن وبني جلود (مخطوط بالمكتبة البارونية الخاصة، الحشان، جربة، 4/127 ه 8571 م)؛ سالم بن يعقوب،

تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية (تونس: سراس للنشر، 006 2)، ويوسف بن أمحمد الباروني، جزيرة جربة في موكب التاريخ،

تحقيق وإعداد سعيد بن يوسف الباروني، على الموقع الإلكتروني: >. http://www.elbarounia.com/LIVRE_youssef.pdf<

(((المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م: رسالة في تاريخ الثقافة، نقلها من الفرنسية إلى العربية أحمد عبد السلام

وعبد الرزاق الحليوي، الترجمة: تاريخ (تونس: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، 993 1).

(4) Mohamed Mérimi: “Sulaymân al-Hîlâtî: L’Information historique et les structures du pouvoir ibadhite à Djerba,” dans: Sami Bargaoui and Hassan Remaoun, coords., Savoirs historiques au Maghreb: Constructions et usages , cahier de CERES, série histoire; no. 16 (Tunis: Centre d’etudes et de recherches economiques et sociales, 2006), pp. 41- 52, et “Les Chroniques de Sulaymân al-Hîlâtî et Mohamed Abou Ras et construction de deux mémoires discordantes relatives à l’île de Djerba,” dans: A. El Moudden, A. Henia et A. Benhadda, coords, Ecritures de l’histoire du Maghreb: Identité, mémoire et historiographie , série colloques et séminaires; 138 (Rabat: Faculté des Lettres de Rabat, 2007), pp. 39- 58.

خريف 2014

الأهلي (الأمازيغ أو البربر، يهود جربة)، ويحيل الصنف الثانيإلى مجموعة «الغرباء»، الوافدين على الجزيرة

(العرب، الأشراف، يهود الحارة الكبيرة)، ويتخلى أفراد الصنف الثالث عن رواية أصلهم الأول لينشئوا

رواية في علاقة مباشرة بمجتمع القبول، استجابة لما يطلبه هذا الأخير منهم (الأعشاش). يذكر ابن خلدون (القرن 41 م) في هذا المجال أن أهل جربة هم عبارة عن قبائل أو فروع قبائل من كتامة، وفيهم سدويكش وصدغيان من بطونهم، وفيهم أيضا من نفزة وهوارة وغيرهما. ويثبت ابن خلدون ومن تبعه من الدارسين أن هذه القبائل تنحدر من جنس البربر؛ إذ هي تتكلم لهجات تبدو متفرعة عن البربرية. ويعرف بعض الباحثين سكان جربة بالأمازيغ الذين ترجع جذورهم إلى عصور ما قبل التاريخ ينسحب على قبائل جربة ما ينسحب على غيرهم؛ ف L Valensi تذكر في دراستها قبيلة الهمامة أن القبيلة كانت تتكون من عائلات كبيرة تُعرف بانتمائها إلى شجرة عن طريق الاسم الذي يحيل إلى الجد المؤسس

الذي قد يكون حقيقيًا وقد يكون مزعومًا، وتتحقق حينئذ بين الأفراد درجات مختلفة من القرابة

الدموية. وبذلك ينشأ الخطاب الشفوي القائم على الانتماء القبلي، ويستمر ليعلم المجال الذي يحتوي المجموعة أو الذي تحتويه المجموعة وما هو خارج عن نطاقها وعن حدودها. ويشكل الخطاب الشفوي مع ذلك أداة لرسم هرم اجتماعي يكون للمجموعة فيه مكانة ومنزلة ترتضيها لنفسها أو تطالب بها. شكلت رواية الأصل لدى أهل جربة عنصرًا من عناصر هويتهم، وانعكس هذا المكون على حياة الناس

اليومية؛ ففي المجال المعيشي، يمكن معاينته من خلال الأسماء التي تحيل إلى الجذور القبلية، فنجد أسماء

المنازل والأراضي ومكونات الحومة التي تمثّل الوحدة الترابية والاجتماعية لتقسيم الجزيرة في الداخل، وتخضع لذلك المرجع وذلك المنطق. تميزت كل حومة، حتى اليوم، بعائلاتها وأسمائها، ويجمع بين أفرادها الدم والقرابة والجوار والقرب الجغرافي... الخ. وتشد منازلها مسالك محلية ويحكمها نظام يقوم على التكافل والتآزر والتعاون في المناسبات الدينية والعائلية في الأفراح والأتراح. ولم يكن العنصر الذي يمثّله تاريخ أو رواية الأصل لدى أهل جربة ليفي بالحاجة ويستجيب بمفرده لما هو مطلوب لمجابهة الظروف الطبيعية والمناخية للجزيرة؛ فلقد كانت نتائجه على المجال المعيشي محدودة. وكان

(((محمد المريمي، «الفئات الاجتماعية بجربة وعلاقتها بالسلطة المركزية خلال العصر الحديث،» (شهادة الكفاءة في البحث، كليّة

العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 990.)1

(((أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من

ذوي السلطان الأكبر، 7 ج (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 959-19561)، ج 6، ص -847 848.

(7) “Notes sur les tribus de la Régence,” Revue tunisienne , vol. 9, no. 33 (1902), p. 282.

(((ابن يعقوب، ص.51

(9) Lucette Valensi, Fellahs tunisiens: L’Economie rurale et la vie des campagnes aux 18L et 19S siècles , civilisations et sociétés; 45 (Paris; La Haye: Mouton; [Paris]: Ecole des hautes études en sciences sociales, 1977). (10) Pierre Foissy: “L’entr’aide dans les sociétés autochtones nord-africaines: l’entr’aide dans l’île de Djerba,” et “L’Entr’aide chez les berbères ibadh’ites du Mzab,” Ibla: Revue de l’Institut des Belles Lettres Arabes: vol. 11, no. 41 (1948), et vol. 9, no. 33 (1946) resp.

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

الانتماء الإثني أو العرقي عند أهل جربة، كما هي الحال عند غيرهم، تعبيرًا عن مرحلة بدائية من التنظيم

الاجتماعي والسياسي مقارنة بما هو مطلوب للاستجابة لمتطلبات الحياة. ولم يكن العنصر ذاته يمكّن من

بناء هرمي يسمح ل«أهل جربة» بتبوّؤ أعلى هرم السلم الاجتماعي على ترابهم؛ إذ كانت تشاركهم أعراق

أخرى مغايرة ومنافسة. لقد عمد أهل جربة - بالتوازي مع انتمائهم القبلي والعرقي - إلى الانتماء إلى التفكير المذهبي الإباضي؛

فبداية من أول القرن الثاني للهجرة، مع دخول الإباضية إلى المغرب، انخرط أهل جربة في هذا الانتماء

العقائدي ليجعلوا منه أساسًا لتنظيم مجتمعي يحتوي المجال المجتمعي للجزيرة، فكان المسجد ينظّم

الحومة، وحوله تتم هيكلة الإقليم والطائفة، بل جربة بأكملها. وتؤدي الجماعة في كل مستوى من هذه

المستويات الدور الأهم في ما يخصها. تكتّم أهل جربة على رواية الأصل التي تتعلق بالعرق والانتماء بشكل أو بآخر خلال العصر الحديث،

وروّجوا لرواية الانتماء إلى المذهب الإباضي. وكانوا يسعون من وراء ذلك إلى أمرين: يتمثّل الأولفي

احتواء العنصر العربي (عائلة الباروني) الذي يشارك في الانتماء الإباضي، ثمّ إن هذا الانتماء يسمح بتنظيم

مجتمعي أرقى من الانتماء العرقي أو الإثني. تبعًا لذلك، طور أهل جربة رواية الانتماء إلى الإباضية، وتكتموا بشكل شبه كلي على رواية الأصل العرقي

والقبلي، خاصة في العصر الحديث. وكانت الغاية هي رسم حدود مع الآخر بفعل المذهب لا بفعل تاريخ

أو رواية الأصل. وتولى العنصر الإباضي حينئذ، ونتيجة لذلك، منزلة الفئة الأرقى على السلّم الاجتماعي،

بل والسياسي أيضًا، بفضل نظام «العزابة » الإداري والديني في الجزيرة الذي يشقه التفكير المذهبي.

وكان الانتماء إلى الإباضية محددًا أكثر من أي عنصر آخر، ولا سيما رواية الأصل، للعلاقة ببقية الفئات

المكوّنة للمجتمع المحلي في جربة. من جهة أخرى، تفيد وثائق الجنيزة التي درسها الباحث الأميركي غويتن أن يهود جربة لم ينشئوا

في البداية وحتى القرن 41 رواية أخرى غير تلك التي تجعل منهم أهليين، أو جزءًا من أهل جربة

المنتمين إلى ترابها والمتجذرين فيها. وحتى لو افترضنا أنهم انحدروا من وجهات جغرافية مختلفة

ووفدوا على جربة نتيجة حركة هجرة، فإنهم نسوا انتماءاتهم السابقة وتبنّوا الانتماء إلى أرض إقامتهم،

الأرض التي احتضنتهم.

(((1 أحمد الياس حسين، الإباضية في المغرب العربي (مسقط: مكتبة الضامري، 9961)، ص.20

(((1 محمد المريمي، إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث، تقديم عبد الحميد هنية (منوبة، تونس: كلية الآداب والفنون

والإنسانيات بمنوبة؛ تونس: دار الجنوب للنشر، 005.)2

(13) “Notes sur les tribus de la Régence,” p. 282.

(1((يتمثّل نظام العزابة في مجمل المؤسسات التي اعتمدها إباضية جربة (ونظراؤهم في جبل نفوسة ووادي ميزاب)على مستوى

جربة وعلى مستوى شتات أهل جربة في مجتمعات القبول حول البحر الأبيض المتوسط. انظر: فرحات بن علي الجعبيري، نظام

العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة (تونس: المعهد الوطني للآثار والفنون، 975 1)، والمريمي، إباضية جزيرة جربة.

(15) S. D. Goitein, A Mediterranean Society; the Jewish Communities of the Arab World as Portrayed in the Documents of the Cairo Geniza , 6 vols. (Berkeley: University of California Press, 1967-1993). (16) Mohamed Merimi, Juifs de Djerba et stratégies identitaires (Tunis: Diraset-Etudes maghrébines, 2012), et Shlomo Sand, Comment le peuple juif fut inventé: De la Bible au sionisme , traduit de l’hébreu par Sivan Cohen-Wiesenfeld et Levana Frenk (Paris: Fayard, 2008).

خريف 2014

جرت لدى يهود جربة نقلة نوعية في رواية الأصل حين وفدت على الجزيرة جالية يهودية ثانية كانت

تروج لرواية أصل في علاقة بالأندلس، واستقر أفرادها في الحارة الكبيرة على مشارف حومة تاوريت التي

تسكنها فئة «الغرباء» من المسيحيين، وخاصة من المالكية. وتبنّى «يهود جربة» القاطنون في ديغت

حينئذ رواية كان محملها في الأصل بيعة «الغريبة» قبل أن تنعكس في شكل معلم ديني وتصبح فاعلً

أساسيًا في الوجود اليهودي في جربة. وتثبت الرواية أن يهود الحارة الصغيرة (وهي تسمية حلّت محل

ديغت) ينحدرون من أصول تقترن بأورشليم القدس أو بيت المقدس، فأنشأ هؤلاء رواية في علاقة

بجذور شرقية في مقابل رواية أهل الحارة الكبيرة ذات العلاقة بجذور إسلامية غربية، فحصل تنافس بين

قدسية رواية يهود الحارة الصغيرة والتفوق المادي والحضاري الذي تريد رواية أهل الحارة الكبيرة تسليط

الأضواء عليه. مهما يكن من أمر، فإن يهود جربة، أي أهل ديغت أو الحارة الصغيرة، بقوا - من منظور إباضية جربة -

جزءًا من أهل الجزيرة، فانخرطوا في «أهليتهم» واستمروا فاعلين فيها، مثلهم مثل الإباضية أنفسهم. في السياق نفسه، وفي مقابل تاريخ الأصل لدى الفئات الأهلية، كانت عائلات تسكن جربة تعلن أنها وافدة

على الجزيرة. وقد شمل مطلب الهجرة كلًّ من العرب المالكية ويهود الحارة الكبيرة. أنشأت العائلات التي

تنتمي إلى حومة تاوريت وحومة السوق، مركز الجزيرة، تاريخ أصلها اعتمادًا على أنها وافدة على جربة،

وهو أمر يعترف لهم به أهل الجزيرة أنفسهم. ومن الأمثلة على ذلك عائلة المنياوي ونظيرتها الجمني.

وكانت عناصر هوية هذه العائلات محل تجاذب بين أطراف عدة، وكانت الفئات الأهلية المحلية تعترف

للعائلات الوافدة على جربة فتنعتها بالعائلات «الغريبة» وتجرّدها من الصفات الأخرى ذات العلاقة

بالأصل القبلي أو الديني أو المذهبي. وفي المقابل، تتمسك عائلة المنياوي أو المنّي، عائلة باللطيف اليوم، بنسبها إلى جد مؤسس وهو سيدي حميد

الذي يُنعت بأنه ولي صالح، وترجعه إلى بلدته الأصلية منّية في المغرب الأقصى. ويقال إنها في الأندلس،

وهي كائنة في جميع الأحوال بجهة الغرب. ثّم إن سيدي حميد يُعرف أيضًا بنسبته إلى جد لفريق من

الأشراف، وهو بالإضافة إلى ذلك ينتمي إلى قبيلة الحمارنة. ويُنسَب آل الجمني إلى جدهم إبراهيم الجمني الذي يُنعت بالفاضل وبعلَم الأعلام. كما إنهم يُنسبون إلى

بلدة جمنة في صحراء بلاد الجريد، وينتهي نسبهم إلى المقداد بن الأسود الكندي الذي ينحدر من إحدى

قرى المدينة المنوّرة. انتقل جد العائلة معين ونزل جمنة، وهي من قرى نفزاوة، واستوطنها وتناسل منه

أجداد الشيخ إبراهيم. بناء عليه، كانت بعض عائلات أعيان الدين تشترك في انتمائها إلى فئة الأشراف وإن

اختلفت في أصولها، فكانت مغربية بالنسبة إلى البعض ومشرقية بالنسبة إلى البعض الآخر.

(17) Merimi, Juifs de Djerba.

(1((يذكر الحسن الوزان في شأن هذا المد الذي يصفه بالكبير أنه «يقطن فيه التجار الغرباء من مسلمين ونصارى». انظر: الحسن

بن محمد الوزان، وصف إفريقيا، ترجمه عن الفرنسية محمد حجي ومحمد الأخضر، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة

والنشر، 2 ج، ط 2 (بيروت: دار الغرب الاسلامي، 9831)، ج 2، ص.94-93

(1((أرشيف عائلة باللطيف.

2(((حسين خوجة، ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، تحقيق وتقديم الطاهر المعموري (ليبيا: الدار العربية للكتاب،

9751)، ص.130

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

نجد ضمن سكان جربة فئة الأعشاش، وهم عرب يتوزع أفرادهم في مختلف أقسام الجزيرة. وقد

استمرت أسماء هؤلاء تحيل إلى صفة الفئة الوافدة على جربة من خلال الانتماء القبلي، و«تنسى» في المقابل

انتماءهم العقائدي لأنهم كانوا من منظور إباضي «مخالفون» من الناحية المذهبية. وكان وصفهم بالأعشاش

وتعريفهم به ووضعهم المنجرّ عنه فرضه الإباضية جربة، وهو حينئذ الطرف الأهلي الأقوى محليًا. وكان

من شأن هذا الوضع ضمان حقوق دنيا يرضى بها الإباضية ويقبلها الأعشاش. نزح الأعشاش من الخارج، من مناطق ريفية إلى منطقة حضرية تميزها دينامية اقتصادية طلبًا للعمل.

وتخلى هؤلاء عن انتماءاتهم القبلية والعرقية السابقة، واتخذوا في مجتمع القبول من نمط مسكنهم وحالتهم

الاجتماعية المميزة علامات لرسم هوية داخل الجزيرة. اشتغلت الفئات السنّية، من مالكية وحنفية وأشراف وعرب وأعشاش، كل من موقعها، لتأسيس بناء

هرمي مجتمعي محلي منافس للمنظومة الإباضية، ولا كان معتمدًا تقليديًا في الجزيرة.ِ وجمعت جزيرة جربة حينئذ فئات اجتماعية ذات روايات أصل شفوية متباينة ومختلفة. وانعكست جميعها

بشكل أو بآخر على الأرض في التوزيع السكني وفي العلاقة الاجتماعية، وكان أثر الانتماء العرقي

محدود الانتشار المجالي. لكن الثابت أن أصحاب التفكير المذهبي الإباضي، بتنظيمهم المتمثّل في هياكل

النفوذ المحلي (نظام العزابة)، تمكنوا من الهيمنة على الظاهرة الإثنية لبعض الفئات في جربة (الأعشاش

ويهود جربة)، وفشلوا في تطويع روايات الأصل لدى الفئات الاجتماعية الوافدة. وتمثّل انفلات العائلات

الشريفة في أنها وجدت مقابل شرفها امتيازات بأشكال مختلفة من قِبل القوى الخارجية، ولا سيما جهاز

المخزن في تونس، فحصل أفراد عائلات المنياوي والجمني على الدعم المادي والامتيازات، من إعفاءات

وإحسان وغيرها. وتمكنت تلك العائلات من إنشاء نموذج مجتمعي منافس للمنظومة المحلية الإباضية.

ولئن لم تتمكن من تقويضها تمامًا، فإنها نجحت على المدى الطويل في إضعافها بشكل ملحوظ.

والسؤال هو: ماذا كان الأمر في ما يهمّ عقود الأوقاف الشفوية؟

عقود الأوقاف الشفوية وملكية اليهود الجماعية

• تتوافر في أرشيفات العائلات الخاصة بعض الوثائق المكتوبة ذات الصلة المباشرة بالأوقاف الموقوفة

على مساجد إباضية جربة. ونلاحظ أن عددها قليل جدًّا، بل هي نادرة (نتطرق لاحقًا إلى عقود الأوقاف

المختلطة التي تحيل إلى هذه الوثائق بالذات) أو تكاد تكون كذلك. وقد نشُرت منها حالة وحيدة هي وثيقة

تتعلّق ببعض أوقاف جامع بني لاكين. وتحتفظ بعض العائلات إلى اليوم بمثل هذه الوثائق، من ذلك

أننا عثرنا عن طريق الصدفة على وثيقة في بعض أوقاف جامع الساطوري، وذلك في أثناء بحث ميداني

أُنجز في صيف سنة.990 1 تقريبًا

(((2 الأرشيف الوطني التونسي، الدفتر رقم 49، بتاريخ 0-1159/116 ه 47-1746.17 م

(((2 المريمي، «الفئات الاجتماعية بجربة».

(23) S. E. Tlatli, “Evolution du peuplement et de l’habitat djerbiens,” dans: Séminaire pour la sauvegarde de l’architecture et de l’environnement de Djerba: 23-26 Janvier 1975: Communications et recommandations ([Djerba]: Association de sauvegarde de Djerba, [1975]).

2(((المريمي، إباضية جزيرة جربة.

(((2 الجعبيري، ص.234

(((2 محمد المريمي، «الذاكرة العائلية وواقع مجموعة مستاوة في جزيرة جربة خلال القرنين 891 و 1 م،» مجلة معهد الآداب

العربية، السنة 65، العدد 190 (0022)، ص.78-47

خريف 2014

تُسند إلى هذه الوثائق أسماء وعناوين مختلفة، فيُعرف بعضها بلفظة «بيان» أو «زمام» أو «قائمة»، وهي

في نهاية المطاف عبارة عن جرد أو إحصاء أملاك مساجد تكون الغاية من كتابتها تحديد أملاك المؤسسة

الدينية. وقد نجد ما يماثلها لدى مجموعات دينية أخرى، لكن لأغراض مختلفة لا للغايات ذاتها. وتُنسب

الأملاك في الحالة التي نحن فيها إلى «جماعة المصلين في المسجد»؛ فبالنسبة إلى وثيقة جامع بني لاكين، مثلً،

نقرأ ما يلي: «هذا بيان تحديد أملاك جماعة المصلين بجامع لاكين بحومة غيزن». وتزعم الأسطورغرافيا المحلية الإباضية أنه كان يُفترض أن يحفظ أرشيف عائلة بومسور الخاص هذه

البيانات؛ فلقد كانت لهذه العائلة مكانة خاصة لدى إباضية جربة، فالفضل في تنظيم جربة الإباضية يرجع

إلى الجدّ المؤسس للعائلة (ومؤسس أول مدرسة إباضية وأول سوق في الجزيرة، وهي سوق الخميس)

ثمّ إلى ابنه من بعده، مؤسس نظام العزابة. كما كان لأفراد العائلة - بفضل علمهم وعملهم اللذين

أكسباهم لقب «العلماء العاملون» - دور مهم في مختلف فترات تاريخ الجزيرة حتى العصر الحديث؛

فكان من التقاليد والعرف أن يشغل أفراد العائلة إدارة أوقاف المساجد في جربة، أقلها مساجد الإباضية

الوهبية. وكانت المؤسسة المعنية تُعرف لدى أهل جربة بلفظة «تغميت» (لعلها تعادل مؤسسة جمعية

الأوقاف التي أنشأها المصلح خير الدين التونسي حوالى سنة 874.)1 بناء عليه، كان من المفترض أن نجد

الأرشيف الخاص بوثائق بيانات أوقاف مساجد الإباضية تُنقل من جيل إلى جيل ضمن عائلة بومسور،

ولكن هؤلاء يذكرون أن هذه الوثائق، إن وِجدت، ضاعت أو أُتلفت. لذا، تهدف كتابة الإباضية مثل هذه الوثائق إلى المحافظة المادية على الوقف، وبعبارة أخرى حفظ الإرث

الجماعي من التلف والنسيان؛ فكانت كتابة الوقف وتحديد مكون الملكية من باب التأسيس لعلاقة بالذاكرة

الجماعية لا غير. ولم يكن الهدف في المقابل حفظ الحقوق، فذلك شأن موكول عمليًا لمباشرة هياكل النفوذ

المحلية بمختلف مستوياتها، وفي الحالة التي نتحدث عنها ل«جماعة المصلين» في المسجد بالأساس. من

هنا، لم يكن الأمر يحتاج - من الناحية الإجرائية على الأقل - إلى تدخّل عدول الإشهاد ولا إلى علاقة

ما بالقاضي. وتوحي الوثائق المذكورة أن تحديد ملْكية الوقف وطبيعته ومكانه وحدوده يغني عن تحديد

الزمن الذي كان في عهدة أولي الأمر، من هياكل النفوذ المحلي في المستويات المختلفة. والأهم من هذا كله أن الوثائق محلّ دراستنا تمكّن من تحديد الأملاك من حيث طبيعتها (جنان، موضع،

موضع داخل آخر، زيتونة، زلماطي، نخلة...) بما تحتويه أحيانًا، وموقعها بحدودها الأربعة. وتمثّل عناصر

التعريف هذه مؤشرات على عقود وقف شفوي ميّزت المدرسة الفقهية الإباضية في جربة، فتمثّل الوثائق

المكتوبة المتعلقة بأملاك أوقاف مساجد إباضية جربة حينئذ خواتم، أو نتائج للعقود الشفوية المبرمة

وفقًا للعرف والعادة، من جانب المحبس الإباضي، بحضور العزابة في المؤسسة الدينية التابعة للمذهب

المذكور. وكأن إباضية جربة يمتثلون إجرائيًا للقوانين الإسلامية الأولى، إذ لم يكن يُفرض في على الواقف

في البداية كتابة عقود الأوقاف، ولم تكن الكتابة تشكل حينئذ شرطًا من الشروط الضرورية لكل فعل

(((2 الجعبيري، ص.234

(2((المصدر نفسه.

2(((الحيلاتي، علماء جربة.

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

ذي صبغة قانونية، فكانت عقود الأوقاف لدى الإباضية تبُرم- تبعًا لذلك - خارج الزمن السياسي

والمجتمعي الرسمي. أنشأ الإباضية في جربة عقود أوقافهم بصيغة الشفوي، بإرادة وإدراك وعن وعي، تمامًا مثلما اختاروا في

المقابل الكتابة في باب النوازل التي تُرفع أمام هيئات العزابة، ويحكم أعضاؤها فيها. وكانت النوازل تُرر

في سجلات أو دفاتر بخط أعضاء تلك الهيئات، وتُفظ في المكتبات الخاصة، ومن ذلك دفتر نوازل تتصل

بموضوع هو موضوع الطلاق والنفقات بين سنتي 9167 و 90 71. ينسحب التمشي الإباضي المعمول به في جربة على ما هو معمول به في باقي المناطق الإباضية الأخرى؛ إذ

يلاحظ الضابط السامي لدائرة غرداية، في تقرير يرجع إلى سنة 8851، أن أوقاف وادي ميزاب ترجع

إلى فترة تأسيس القصور. ويشير إلى أن عددها ما انفك يرتفع منذ ذلك الحين بمؤسسات متتالية. ولكن

فحص دفاتر جميع المساجد وجوامع المنطقة للمعمرين لم يُتح سوى الحصول على معلومات غير كافية

وغير كاملة. كذلك لم تسمح الأبحاث المتعلقة بأملاك الوقف في المنطقة، والمنجزة من طرف السلطة

العسكرية الاستعمارية بعيد احتلال الجزائر، بالكشف عن أي أثر لأي جرد محتمل. فكان الشفوي

حينئذ أداة فاعلة لدى إباضية وادي ميزاب جنوب الجزائر، كما كانت لدى نظرائهم في جربة. ويرجع

أول عقد مكتوب لوقف إباضي، وهو العقد الذي نشره مارسيل مرسييه إلى بداية القرن 91، وبالتحديد

إلى سنة ٤٠8 1. في مقابل هذا الاختيار الإباضي، كان «الغرباء» من المالكية والحنفية يحرصون ابتداء من القرن 16، بل قبل

ذلك بفترة طويلة، على كتابة عقود أوقافهم، لضمان حقوقهم على الأملاك المكتسبة، سواء بالشراء أو

بالمعاوضة أو بغيرهما؛ إذ كان المالكية والحنفية يعيشون في محيط إباضي جزيري معاد لهم ولا يوفر الضمانات

التي يطالبون بها. وقد حذا هؤلاء حذو المجتمعات المستقرة في مدن القارة لتبرير حقوق ملكيتهم، بما في

ذلك ملْكية الأوقاف الموقوفة على مؤسساتهم الدينية. وعليه، كانت الإثباتات المعتمدة في آلية التوقيف

مختلفة في الجزيرة من مجموعة عقائدية إلى مجموعة أخرى. • تتيح الوثائق ذات الصلة ببيعة الغريبة القول إن يهود جربة اهتموا هم كذلك بإنشاء أملاك أوقاف

معالمهم الدينية، مثلهم مثل بقية فئات المجموعات المحلية في الجزيرة. وقد كتب فيليكس ألوش نصًّا

(30) Mohamed el Aziz ben Achour, “Le Habous ou waqf: L’Institution juridique et la pratique tunisoise,” dans: Institut de recherches et d’études sur le monde arabe et musulman, Hasab wa nasab: Parenté, alliance et patrimoine en Tunisie , sous la dir. de Sophie Ferchiou; préf. de Françoise Héritier-Augé, sociétés arabes et musulmanes; 7 (Paris: Ed. du Centre national de la recherche scientifique, 1992), p. 65.

(((3 نشير إلى أن جزيرة جربة كانت خلال العصر الحديث تخضع لأتراك طرابلس (0-1551161 تقريبًا) ثم لأتراك تونس

العثمانيين بداية من ذلك التاريخ، انظر: المريمي، «الفئات الاجتماعية بجربة».

(((3 الجعبيري، ص.275

(Alger: Ancienne maison Bastide-Jourdan, Etude sur le waqf abadhite et ses applications au Mzab،Mercier Marcel (33) Jules Carbonel, 1927).

(3((أجوبة عظوم، كتاب مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس، 2 ج، رقم.4854

(((3 يحتفظ في الأرشيفات الوطني التونسي بوثائق تتعلق بأوقاف بيعة «الغريبة» الخاصة بيهود جربة.

(36) Mohamed Mérimi, les waqfs juifs en Tunisie à l’époque coloniale et précoloniale,” Papier présenté à: “ Les Fondations pieuses waqf - habous chez les chrétiens et les juifs en terre d’islam,” (Colloque international organisé par l’IISMM en partenariat avec l’IREMAM, le Campus Condorcet, le CNRS et l’EPHE, Paris, 3 – 4 Novembre 2011) (en cours de publication).

خريف 2014

هو نقل لرواية شفوية يرجع تاريخها إلى سنة 9311، ثم نقلها عنه في سنة 9891 الألماني فروند ورد فيها

ما يلي: «كانت المنطقة المحيطة بالغريبة مسكونة كلها، على ما يبدو، بيهود جربة، وقد حاول قائد مسلم ذات يوم

تشتيت المجموعة اليهودية وتحويل الغريبة إلى جامع ولكنه لم يفلح، فقد كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى

جفاف هذه المنطقة الخصبة بالمياه الجوفية في غضون بضعة أشهر. وقد شاهد القائد العربي منابع المياه تجف

الواحد تلو الآخر، والمواشي تهلك، ورجال عشيرته يموتون الواحد بعد الآخر مصابين بداء إلهي خفي.

وقد كان هذا القائد على درجة كافية من الفطنة ليتنبه إلى أن في ذلك إنذارًا من الله القوي القدير، فبادر

مسرعًا إلى إعادة البيعة والأراضي المحيطة إلى يهود جربة، محققًا بذلك رضا الجميع، ومنذ ذلك العهد،

أصبحت ‹الغريبة› محجّة لليهود والمسلمين ولكل ذي عقيدة». تمثّل هذه الرواية شهادة شعبية تناقلها يهود جربة جيلً بعد جيل في شكل أسطورة لم تكن وحدها خاصة

بفئة اليهود في جربة. الغريبة واقعة في حومة بني دي من قسم بني ديس، وليست البيعة الوحيدة،

على ما يبدو، بالنسبة إلى يهود جربة؛ إذ يشير فالنسي وأودوفييش إلى أن الحارة الكبيرة وحدها كانت تعد

إحدى عشرة بيعة، ولم تكن الأسطورة التي يرويها ألوش الأسطورة الوحيدة التي اتخذت من بيعة

الغريبة محورًا لها، بل تتحدث أساطير أخرى عن الفتاة القديسة التي كانت تُدعى الغريبة وعاشت في

الجهة ودُفنت في موضع الغريبة حاليًا. ولعلها جاءت من البحر حاملة على صدرها لفائف التوراة، وما إن

وصلت إلى الجزيرة منهكة القوى، حتى ماتت، فأقيم لها عند مكان وفاتها ذلك المعلم. مهما يكن الأمر، فإنه من الطبيعي أن تتعدد الأساطير والروايات الضامنة لحياة فئة اجتماعية بقيت على

امتداد العصر الحديث، وقبله، متميزة في محيط اجتماعي مختلف عنها. واذا ما سلّمنا برواية ألوش،

يمكن أن نلاحظ أن أسطورة الغريبة الواردة في نصه اتخذت من النظام العقاري الذي يهم محورًا

لها، وجعلت من أرض اليهود في الجزيرة عبارة عن ملْكية سامية للغريبة، الولية الصالحة من المنظور

اليهودي وغيره. عندما ندرس هذه الأسطورة من الداخل نلاحظ أنها تخضع لمنطق منسجم وحوادثها تتعاقب تباعًا. وقد

اتخذت الأسطورة من المنطقة المحيطة بالغريبة الإطار الجغرافي لها، وقد لا تكون تلك المنطقة سوى الحارة

الصغيرة التي يسكنها اليهود إلى اليوم، وتضم معلم الغريبة نفسه والمناطق المحيطة وكانوا يتعاطون فيها

الأنشطة الفلاحية، وكانت مزدهرة في إنتاجها وأراضيها بفضل ريها بمياهها الجوفية، ومستمدة توازنها

(37) Félix Allouche, “Pèlerinage à la Ghriba,” cité par: Wolfgang Slim Freund, “La Ghriba”: Rendez vous seculaire sur l’île de Jerba,” dans: Walter Nutz, ed., Kunst, Kommunikation, Kultur: Festschrift zum 80. Geburtstag von Alphons Silbermann (Frankfurt am Main; New York: P. Lang, 1989), p. 296, cité dans: Ibla: Revue de l’Institut des Belles Lettres Arabes , vol. 53, no. 165 (1990).

(3((أبو راس، ص.85

(39) A. L. Udovitch et L. Valensi, «Communautés juives en pays d’Islam: Identité et communication à Djerba», in Annales E.S.C. , nos. 3-4 (Mai-Août 1980), p. 765.

(4((محمد العربي السنوسي، «أسطورة الغريبة ويهود جربة إلى الحرب العالمية الثانية،» في: دراسات في تاريخ جربة (تونس:

الأندلس، 9961)، ص 155 وما بعدها.

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

الطبيعي والبشري من «بركة» الغريبة وقدرتها القدسية، وكانت «البركة» محل عقيدة من قبل الجميع.

ولم تتضمن الأسطورة إطارًا زمنيًا محدودًا وواضحًا، فظهر يهود جربة من خلالها كفئة اجتماعية متجذرة

في واقعها، قديمة الاستقرار في محيطها ومنسجمة معه، هادئة في حياتها، ولم يختل توازنها إلا عندما حاول

«قايد» ما افتكاك المنطقة المحيطة بالغريبة من أصحابها اليهود وتحويل البيعة إلى مسجد. تجسَّد تناقض يهود جربة مع «العرب» من المسلمين في تغيير اللوحة التي تمثّل المنطقة المنتزعة من اليهود؛

فبمجرد انتقالها إلى القايد وأتباعه، تنقلب معطياتها رأسًا على عقب، وتفقد توازنها الطبيعي والبشري.

وكان لتأثير «بركة» الغريبة في المنطقة ظواهر ملموسة جدًا هي علاماتها الخارجية، وقامت بدور الواسطة

بين اليهود والعالم المقدس. وسنحاول - بالاعتماد على مؤشر مؤسسة القايد التي تضمنتها الأسطورة - أن

نؤرخها ونتعرف على الأقل إلى الفترة التي حبكت خلالها خيوطها. نحن نعلم من الناحية التاريخية أن مؤسسة «القيادة» يرجع ظهورها إلى أواخر العهد الحفصي في أفريقيا.

وقد دخلت تلك المؤسسة إلى جربة مؤقتًا خلال القرن 16، حين عُيّ درغوث باشا الغازي مصطفى

«قايدًا» على الجزيرة سنة 968 ه 67/15 م، وتم دخولها الفعلي والنهائي خلال القرن 81، وبالتحديد في

سنة 1561 ه / -1743 4417 م. ولما كانت من المؤسسات المخزنية، اعتمد متوليها على «العرب»،

حلفاء السلطة العثمانية، ولم يعتمد على «البربر» المحليين المخالفين لها. وساد التناقض بين يهود جربة

و«العرب» من «الغرباء» خلال مرحلة «القيّاد» في الجزيرة، خاصة بعد أن ساد الوفاق بين «أهل جربة»

(يهودًا وإباضية معًا) في عهد «المشيخة» (مشيختا آل السمومني وآل بن جلود). ذكر ابن أبي الضياف أن القايد حميدة بن عياد أمر أتباعه بنهب حارة اليهود ليشغلهم عن نفسه لما فرّ من

جربة سنة 0912 ه /أيلول- سبتمبر 9417 م، بمناسبة هجوم جند علي برغل من الترك عليها.

واتُّذت فئة اليهود آنذاك كبش فداء لتجاوز أزمة نظام حمودة باشا في جربة. ويشير أ. مارتل إلى أن ثورة

سنة 8641 أدت إلى اتخاذ حارتي اليهود من جديد كبش فداء بسبب تأزم الأوضاع السياسية العامة في

الإيالة التونسية. وبذلك أصبحت مكتسبات اليهود في جربة، وخاصة منها الممتلكات العقارية،

مهدَّدة من جانب «العرب» منذ الانتصاب الحقيقي والنهائي لمؤسسة القايد في الجزيرة.

((4(يعرف Levis Strauss «البركة» بقوله:

“Force et action, qualité et état substantif et vertu à la fois, abstraite et concrète, omniprésente et localisée,” Cité dans: Raymond Jamous, Honneur et baraka: Les Structures sociales traditionnelles dans le Rif , Atelier d’anthropologie sociale (Cambridge; New York: Cambridge University Press; Paris: Editions de la Maison des sciences de l’homme, 1981), p. 202.

(4((روبار برنشفيك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م، نقله إلى العربية حمادي الساحلي،

السلسلة الجامعية، 2 ج (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 988 1)، ج 2، ص 113، ومحمد الهادي الشريف، تاريخ تونس من عصور

ما قبل التاريخ إلى الإستقلال، تعريب محمد الشاوش ومحمد عجينة، ماذا يجب أن تعرف عن؟ (تونس: دار سراس للنشر، 9801)،

ص.55

(4((انظر الفقرة الخاصة بمؤسسة القايد، في: المريمي، إباضية جزيرة جربة.

(4((أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد بن نصر بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، تحقيق أحمد

الطويلي، 8 ج (تونس: الدار التونسية للنشر، 9891)، ج 3، ص.32

(45) André Martel, Les Confins saharo-tripolitains de la Tunisie (1881-1911) , publications de l’Université de Tunis, Faculté des lettres et sciences humaines de Tunis, Quatrième série, Histoire; v. 5, 2 vols. (Paris: Presses universitaires de France, 1965), vol. 1, pp. 98-99.

خريف 2014

ربما تفاقم الخطر المحدق بربع يهود جربة وعقارهم عندما أقر حمودة باشا (813-17821) في تونس

سياسة رمت إلى «منعهم من ‹شراء› ذلك... حتى غلت أكرية دورهم وتضايقوا بسبب ذلك في السكنى

مضايقة أفضت إلى تعفن الهواء وانتشار أسباب الأمراض»، «حتى أصبحوا عبيد جباية وآلة لغيرهم

ليس لهم من ثمرات خطط بلادهم إلا مشاهدة استئثار غيرهم بها». وكان شراء الربع والعقار بالنسبة

إلى اليهود قبل ذلك «بلا حجر من حيث إنهم من رعايا المملكة»، وصدر أمر محمد باي في الخامس من

صفر سنة 2751 ه/ الثلاثاء 41 كانون الأول - ديسمبر 8581 م بتسريح اليهود لشراء ما يملك من

الربع والعقار بالحاضرة وغيرها، وانتحال الفلاحة بمقتضى عهد الأمان، وبذلك أقرت سياسته المساواة

في تلك الحقوق بين مختلف رعايا الإيالة التونسية، فكان أن شارك اليهودُ في امتلاك الأرض بقيةَ الفئات

الاجتماعية في جربة وغيرها من مناطق الإيالة الأخرى. نستنتج من المعطيات التاريخية السابقة أن اليهود مروا في علاقتهم بمسألة الربع والعقار بمرحلة صعبة

امتدت من تاريخ انتصاب القايد في جربة سنة 1561 ه 44-1743/17 م إلى تاريخ صدور أمر محمد

باي القاضي بمساواة اليهود بغيرهم من رعايا السلطة المركزية سنة 2751 ه/ 8581 م، وهي المرحلة

التي ربما حُبكت خلالها خيوط أسطورة الغريبة التي نتناولها بالدرس. وكان لليهود في الغريبة «بركة»

تشبه بركة المذهب الإباضي بالنسبة إلى الفئات الإباضية، وكسبت الغريبة من القوة ما كسبته زاوية

إبراهيم الجمني بالنسبة إلى الفئات السنّية المالكية. وما عادت الغريبة، بفضل ما كسبته من «بركة»، معلمً

حكرًا على اليهود، بل أصبحت أيضًا «مفتوحة» و«متفتحة» على «العرب» والمسلمين، وجميع المؤمنين من

دون اعتبار الاختلافات الدينية والمذهبية، وأصبحت مركزًا يحج إليه اليهود في الداخل ويهود «الشتات»

وغيرهم (إلى اليوم).

البناء الهرمي والعلاقات الاجتماعية

وظف الإباضية في جربة، وكذلك يهود جربة (وهم من توابعهم)، أداة الشفوي في أكثر من مجال من

مجالات الحياة، مقارنة بغيرهم من الفئات الاجتماعية المتعايشة في الجزيرة. وكان الشفوي مبررًا يكرس في

حالة رواية الأصل تنظيمً ذاتيًا ينعكس على الأرض كما رأينا من خلال حق التكافل والتضامن والتعاون

بين الأفراد داخل المجموعة الواحدة، ويكرس كذلك في حالة ملْكية الأرض حق ولاء الأفراد لهياكل

النفوذ المحلي والانتماء إلى المجموعة. وكان الهدف من وراء استعمال أداة الشفوي لدى الإباضية وكذلك

يهود جربة هو اتخاذ موقع آخر غير زمان - مجال ومجال - زمان الدولة، فكان اختيار الشفوي عبارة عن

طريقة تبليغ أو تواصل مع الآخر أو الغير، ولا سيما السلطة المركزية وأعوانها وحلفائها الموضوعيين، من

مالكية وحنفية، المقيمين بالجزيرة.

((4(ابن أبي الضياف، ج 4، ص.287

((4(المصدر نفسه.

((4(المصدر نفسه.

((4(المصدر نفسه.

(5((الأرشيف الوطني التونسي، الدفتر رقم.1605

(((5 الحيلاتي، ص.28

(52) Merimi, Juifs de Djerba.

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

وقد مثّل نظام العزابة الإباضي الذي يتجلّ في هياكل النفوذ المحلي أهل جربة خلال العصر الحديث. وكان

لهذا التنظيم مؤسساته الخاصة المميزة والموزعة بين المسجد والحومة والإقليم والطائفة، وفي جزيرة جربة

بأكملها، بل إن جانبًا منه يمتدّ خارج جربة، حيث توجد مجموعات جربيي الشتات في مجال الإمبراطورية

العثمانية وغيرها حول البحر الأبيض المتوسط. كانت مكانة المساجد تستجيب لهذا التنظيم الهرمي، فكانت لجماعة الحومة مساجد لاجتماعاتها، وكذلك

تفعل جماعة الإقليم والطائفة، وهكذا دواليك. المهمّ هو أنه كان لهياكل النفوذ الإباضية حرية التحرك

لامتلاك الأوقاف المحبوسة شفويًا والتصرف فيها وفقًا لقوانين وعادات وأعراف خاصة. وإنه ليس في

نيتنا التوقف عند المماثلة القائمة بين التنظيم الإباضي والتنظيم لدى يهود جربة، لكن نشير فقط إلى أن

هؤلاء توخّوا نفس المنهج المعتمد لدى أولئك؛ إذ عاش يهود جربة (يهود الحارة الصغيرة لاحقًا) في حالة

«تعليب» كاملة بالنسبة إلى المنظومة المحلية الإباضية في الجزيرة. خلال عهد القيادة في جربة، لم تنقطع علاقة إباضية جربة بالشفوي، ولكن الشفوي، الذي كان له معنى

التواصل مع الغير ويحمل مفهوم الخروج عن زمن الدولة ومجالها، لم يصمد، كما سنرى لاحقًا، فكان يعبّ

حينًا عن المقاومة ضد الزوال، فيتواصل في باب الحضور الإباضي، ويكون حينًا آخر محل تفاوض وتفاهم،

ويتحول أحيانًا أخرى إلى مكتوب فيقبل شروطه فاعلون ويرفضه فاعلون آخرون. ليس بوسعنا أن ندرك الظاهرة الشفوية لدى إباضية جربة - كما وظّفت في عقود الأوقاف - ولا أن

نفهمها من دون ربطها بممارسات مصاحبة، من ذلك استعمالهم ملْكية السجيل التي تُعرف اليوم في

القانون التونسي بالارتفاق. ويعني السجيل ملْكية شخص داخل عقار يملكه شخص آخر، وبعبارة

أخرى يكون مالك الفرع غير مالك الأصل. وهكذا توجد داخل كل ملْكية خاصة شجرة أو اثنتان أو

أكثر لسجيل هو وقف من أوقاف مسجد ما. فكانت ملْكية السجيل في الغالب أشجارًا مثمرة مشتتة

داخل ملْكيات عقارية خاصة. ويكون مالك الأصل ملزمًا بريّ الفرع وتعهده وتسليم منتوجه إلى

وكيل المسجد المعني. وفي حالة بيع السجيل، يُلفَت نظر الشاري إلى الوضع الذي يكون عليه المشترى.

وقد استُغلت ملْكية السجيل بكثرة في ظاهرة التحبيس في جربة ووادي ميزاب وغيرهما من مناطق

الإباضية الأخرى. كان استعمال السجيل يندرج بهذه الطريقة ضمن سرّية الممارسة الوقفية والتكتم على العلاقة الحقيقية

بين الفرد والمجموعة، التي تتناغم مع الصبغة الشفوية لعقود الأوقاف العامة لدى الإباضية. وبذلك

تجعلنا ظاهرة السجيل أمام خاصية من أهم خاصيات الممارسة الإباضية في باب الوقف العام، إلى جانب

استعمال محمل الشفوي؛ فقد كان لها ارتباط بالتنظيم الداخلي للمجموعات الإباضية وتحديد هويتها

بالنسبة إلى الغيرية.

(((5 محمد المريمي، «مجموعات الجربيين الشتات وعلاقتهم بمجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط في العصر الحديث،»

في: دراسات في تاريخ جربة، ص 1. 03-82

(5((نعني بهذه اللفظة، وهي ترجمة من الكلمة الفرنسية Emboitement، أن النظام الإباضي كان يحتوي على المنظومة الجماعوية

ليهود جربة، يهود الحارة الصغيرة، فكان هؤلاء يعيدون إنتاج النظام المحيط، أو يكاد يكون الأمر كذلك.

(((5 لا يسمح المجال بنتناول دراسة الأسئلة والأجوبة الملحقة للعقود المختلطة التي نتناولها بالدرس لاحقًا ضمن هذا البحث.

خريف 2014

قبل التطرق إلى أسباب استعمال ملْكية السجيل في ارتباطها بالشفوي وبالظاهرة الوقفية الإباضية عمومًا،

نشير إلى أن تنظيم الأوقاف الإباضية والاعتماد على طريقة الشفوي مكّنانا من ربط علاقة بالتراب وأكسبا

أهل المذهب الإباضي قوّة مثّلها نظام العزّابة الذي تمثّله هو بدوره مؤسسة المشيخة وترمز إليه. فلقد

أخضع الإباضية لنفوذهم فئة «يهود جربة» بعقد تاريخي وعملي اقتصادي وأمني وغير ذلك، وأخضعوا

فئة الأعشاش لشروطهم، وامتلكوا فئة «العبيد»، فكان للإباضية منزلة في أعلى الهرم الاجتماعي في الجزيرة.

وبالتوازي أقصوا المالكية والعرب من صفة الأهلية، وهمّشوهم داخل المنظومة التي أنشأوها لأنفسهم

وأطلقوا عليهم صفة «الغرباء»، فخصصوا لهم مجالً لتجمع سكناهم وسمحوا لهم بتأسيس معالم دينية

خاصة بهم في حدود مجال إقامتهم، فاشتملت حومة تاوريت وحومة السوق على مسجد تاوريت وعلى

جامع نُسب إليهم عُرف ب«جامع الغرباء». في تلك الأثناء، فرضت أعداد كبيرة من العائلات التي تنسب نفسها إلى «الشرف» (عائلات شريفة

مالكية وحنفية) نفسها محليًا، فاعترفت السلطة المركزية لها بصفتها تلك، وأسندت إلى بعضها من

العائلات التجارية امتيازات من قبيل دفع نصف قمرق على صادراتها ووارداتها ولبعضها الآخر من

عائلات الدين والعلم امتيازات أخرى جبائية ومالية من نوع الإعفاءات على العقارات والإحسانات

وغير ذلك. وبداية من القرن 81، كسبت فئة الأعشاش من القوة ما أتاح للسلطة المركزية الممثَّلة في حكومة البايات

المراديين والحسينيين استعمالها أداة لتقويض المنظومة المحلية. وقد ورد في أكثر من مصدر في الدفاتر الجبائية

للقرن 81، ثم في القرن الموالي، في الأحكام الصادرة لجماعة جربة بتونس في سنة 49/12 ه 8341 م

في عهد حسين باي في الحكم الثاني أن «الأعشاش القاطنين بجربة يدخلون معهم في جميع ما عليهم مثل

العادة السابقة». وكان الهدف هو اعتبار فئة الأعشاش فئة أهليّة وفرضها بصفتها تلك على الفئات

الإباضية صاحبة القوة محليًا، والهدف هو تقويض البناء الهرمي للمجتمع المحلي في جربة الذي تتفوق

فيه الفئات الاجتماعية الإباضية على حساب الفئات السنّية (مالكية وحنفية)؛ تقويضه من الداخل و/أو

إضعافه إلى الحد الأدنى. وهكذا ركز نظام البايات على أدوات عدة، من بينها رواية الأصل لدى مجموعة الأعشاش للنفاذ إلى

المنظومة المحلية الإباضية. وركز البايات من خلال اختيارهم الجانب الإثني للأعشاش على إدماجهم

في أهل جربة، وإضعاف هؤلاء، ولا سيما إضعاف تنظيمهم الإداري والسياسي القائم على التفكير

المذهبي الإباضي.

(((5 عظوم، أجوبة عظوم، 2 ج، مخطوط بالمكتبة الوطنية رقم.4854

(((5 الأرشيف الوطني التونسي، صندوق عدد 1، دفتر عدد 1، نوازل البيت الحسينة. يذكر فيها بدرملّي الشريف الحنفي وقوشة

الشريف (المالكي) «لا يؤدوا (كذا) في جميع متاجرهم بجزيرة جربة ما ينزلون إليها وما يطلعون منها إلا نصف قمرق على عادتهم

الجارية بمقتضى الوثيقة التي بأيديهم».

(58) Mohamed Mérimi, “Une Famille maraboutique de Jerba au XVIIIe siècle,” dans: Abdelhamid Hénia, dir., Etre notable au Maghreb: Dynamique des configurations notabiliaires , connaissance du Maghreb (Paris: Maisonneuve et Larose; [Tunis]: Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 2006), pp. 181- 200. (59) Archives Nationales de Tunisie, D 581, C 53, A 5, Doc. 1.

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

فتاوى المالكية وأوقاف الإباضية

قامت الحياة الجماعوية للفئات الإباضية في صيغتها المحلية (مقابل الشتات الجربي الموزع في مجتمعات

حوض البحر الأبيض المتوسط) على أوقاف المساجد في الأساس. وكان الشفوي محملً للعقود المنشئة لتلك الأملاك، كما ذكرنا، بفعل العلاقة بالغير على وجه الخصوص. ولقد كان موضوع أوقاف الإباضية مصدر اهتمام علماء أفريقيا والأندلس والمغرب الذين أصدروا في شأنه منذ القرنين 9 و 01 ه/ 15 و 16 م فتاوى عدة. ويتوافر لدينا في هذا الخصوص أمثلة عدة، من بينها

ما ورد في المعيار المغربللونشريسي (ت 914 ه/ 1508 - 0915 م) في مسألة التحبيس على مساجد

الإباضية وعلى فقرائهم، إذ يقول: «وسئل سيدي عيسى الغبريني رحمه الله عن أناس من أهل المجّمة حبسوا على مساجد الإباضية وعلى

الفقراء منهم الملازمين للمساجد المذكورة، فإن انقرضوا رجع ذلك لمن على مذهبهم بالجبل، فإن لم يكن رجع ذلك على جزيرة جربة وقام قائم من أهل السنة وخرب مساجدهم، فسأل السائل هل يكون الحبس

باطلً لانقطاع هذه الطائفة ويرجع ميراثًا أو يرجع حبسًا أو يرجع لفقراء أهل السنة؟ فأجاب بما معناه: القيام على هؤلاء واستتابتهم من الأمور اللازمة لمن ولّه الله الحكم، وأحباسهم يجب إبطالها، إذا كانت على من يتمذهب بمذهبهم...». لا ندري هل أن السائل الذي توجه بسؤاله إلى العالِعيسى الغبريني انطلق من وثيقة وقف مكتوبة، أم أنه يتحدث استنادًا إلى ممارسة معايشة. لكن الشيء المؤكد هو أنه يركز في زمن أول على علاقة مجموعة

من أهل المجّمة بمساجد ينتمون إليها عن طريق الوقف. ويركز في زمن ثان على علاقة بين مجموعات

متفرقة جغرافيًا يجمع بين أفرادها الانتماء إلى التفكير المذهبي الإباضي تتمثّل في المجّمة المذكورة والجبل،

ولعله جبل نفوسة وجزيرة جربة التي تنتقل إليها ملْكية الوقف تباعًا كلما اندثر المستفيد النهائي للوقف

في الموضع السابق. وكان التفكير المذهبي الإباضي هو محدِّد العلاقات الأفقية جميعها بين مؤسسات دينية

ومحيطها الاجتماعي والعمودية، وبين مناطق تدين جميعها بنفس بالعقيدة. ما يهم هو هذه العداوة التي نشأت بين المجموعات الإباضية والمجموعات السنّية المخالفة لها، والتي

يمثّلها علماء أفريقيا والأندلس والمغرب الذين كانوا يعتنقون «مذهب أهل الحق»، فكان هؤلاء يحمون أصحاب الحكم السياسي القائم على المذاهب السنّية بما يؤول إليه أمر الإباضية خاصة في قوتهم وقوة نفوذهم، ويحملونهم خاصة إبطال أوقافهم حين يكون المستفيدون منها هم الذين يعتنقون مذهبهم. كان توقيف الربع والعقار على مساجد الإباضية بطريقة المحمل الشفوي، واختيار ملْكية السجيل إلى جانب غيرها من أصناف الأملاك الأخرى بمنزلة ردّة فعل على ما كان يترصد معتنقي المذهب الإباضي

(6((المريمي، «مجموعات الجربيين الشتات.»

(((6 أحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء أفريقية والأندلس والمغرب، خرجه

جماعة من الفقهاء باشراف محمد حجي، 13 ج (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 983-19811)، ص.362

خريف 2014

من مخاطر في تراث مؤسساتهم الدينية، وبالتالي في تنظيمهم السياسي والاجتماعي الجماعوي. وهكذا اعتُمد الشفوي في الأوقاف الإباضية في جربة، بل أيضًا في المناطق الأخرى المشابهة وخلال العصر الحديث

وقبله. وكان اختيار الشفوي إذًا اختيارًا استراتيجيًا بالنسبة إلى الإباضية اقترن بعقود الأوقاف الموقوفة

على المساجد الإباضية. السؤال الذي يُطرح هو: هل سيترك تغيّ وزن الفاعلين الاجتماعيين في جربة (مالكية وحنفية وإباضية

وهبية وإباضية مستاوة وعرب) المجال لحرية الفعل الإباضي الشفوي في مجال التوقيف على المساجد كما كان في السابق؟ وهل سيصمد الحامل الشفوي الذي اعتُمد لقرون مضت ويسمح بتواصل العمل به؟ وهل هو قادر على التمكين من العيش المشترك في الجزيرة؟

العيش المشترك: من الوقف الشفوي إلى وقف التوافق

تتوافر لدينا في باب الوقف وثائق من صنف خاص نجدها محفوظة في أرشيف أملاك الدولة، ومختلطة مع عقود العدول التي تتعلق بجمعية الأوقاف. ونجدها أيضًا محفوظة في أرشيفات خاصة

بملْك العائلات. نذكر من بين الأمثلة اللافتة لهذا الصنف وقْف جامع الشيخ الكائن في حومة القشعيين، ووقْف مسجد تلوات الكائن في حومة الظهيرة من خمس بني معقل، والمنتمي إلى فريق مستاوة، فيما ينتمي جامع

الشيخ الأول إلى الوهبية. وكلا الفريقين يمثّل فرعًا من الإباضية. نُطلِق على هذه الوثائق صفة «وثائق وقف مختلطة»؛ يتميّز نصها أو متنها بأنه يجمع مدونة فيها كلمات

تحيل عادة إلى المدرسة الفقهية الإباضية بممارستها الشفوية، فتُستعمل حينئذ ألفاظ من قبيل «قائمة» أو «زمام» أو «بيان» تحيل إلى الجرد المكتوب ذي العلاقة بالذاكرة الجماعية لأملاك موقوفة شفويًا على المسجد

الإباضي، كما بيّنا سابقًا. وتشمل المدوّنة نفسها ألفاظًا تحيل إلى المدرسة الفقهية المالكية بممارستها المكتوبة،

فتستعمل كلمات من قبيل «عقد» أو «رسم» أو «حبسية». وعليه، نجد أنفسنا أمام وثائق ونصوص تخلط بين ممارسات ترجع إلى مدرستين مختلفتين في الإسلام في تونس، المدرسة الفقهية الإباضية من جهة والمدرسة الفقهية المالكية من جهة ثانية. تمتاز هذه الوثائق أيضًا باستعمالها آليتين مختلفتين لتوقيف الأملاك. تقوم الآلية الأولىعلى الشفوي،

وهي آلية ظل تكرس نظامًا يقوم على ممارسات العرف والعادة لدى المجموعة الإباضية، وتقوم الآلية

الثانية على الكتابة، وهي رسمية، تحترم ما هو جار به العمل في المدرسة الفقهية المالكية المعتمَدة لدى

المخزن التونسي.

(((6 يوجد مقر أرشيف وزارة أملاك الدولة والشئون العقارية بشارع البئة عدد 96 الزهراء بن عروس تونس الكبرى.

(((6 حبسية جماعة المصلين في جامع الشيخ بالقشعيين جربة، وثيقة مخطوطة محفوظة في إحدى الأرشيفات الخاصة للعائلات

بجربة (أمانة الشيخ سيدي محمد بن إبراهيم الجمني).

(6((وثيقة مخطوطة من أرشيف العائلات بجربة. توجد صورة منها محفوظة في مكتبتي الخاصة.

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

نلاحظ أن المحبّس في هذا النوع من العقود هو «جماعة المصلين» في المساجد الإباضية، وهو ما يعبّ عن

إرادة هؤلاء نقل تراث المسجد المادي برمّته من ربع وعقار وغيره من الحامل الشفوي التقليدي إلى

المكتوب الرسمي. وتضم هيئة جماعة المصلين مشايخ الدين والعلم وأعيان المال الذين يرجع إليهم

كامل النفوذ في المسجد، فيتولون تعيين الإمام والوكيل والوقاد والمؤذن... إلخ. وعزلهم، وهم الذين

يملكون الوقف ويديرونه وفقًا للفقه الإباضي ولعرف أصحاب المذهب وعاداتهم. وتكون لهم سيرة

مطابقة لسيرة أسلافهم ومحترِمة لها. وتشكل جماعة المسجد الحلقة الدنيا بالنسبة إلى تنظيم محلي هرمي، وهو

نظام العزابة المعمول به أيضًا في وادي ميزاب وجبل نفوسة. اللّفت للنظر هو أن هذا الصنف من عقود الأوقاف يجمع بين فاعلين يتباينون في انتمائهم المذهبي

والعقائدي. وكلٌّ من هؤلاء يبحث عن تجاوز وضع وتحقيق حقوق ومكتسبات. يريد المحبس (بالجمع)

وهم جماعة المصلين بالمسجد أن يلفت النظر إليه بالنسبة إلى الغير، وفي الحالة التي نحن فيها، بالنسبة إلى

أصحاب السلطة في الجزيرة، وخاصة القاضي المالكي؛ ففي حالة مسجد الشيخ في القشعيين، يبلغ

عدد المحبسين في الوقف ستة عشر نفرًا، جميعهم يُنعت بالمكرم وبالأجل، فيعيد عقد الوقف من خلال

هذه الأوصاف والنعوت حينئذ إنتاج الوضع الذي كان عليه هؤلاء في المؤسسة الدينية والحومة، وحتى

المجموعة التي ينتمون إليها. يبحث المحبس من خلال نقل الوقف من الشفوي إلى المكتوب أيضًا عن كسب حقوق محددة؛ فهو يطالب

باعتراف الغير بدوره في تصريف تراث المسجد وإدارته، فيتعلق الأمر إذًا بالاعتراف للجماعة الإباضية

بمكانتها ضمن نظام المجموعة المحلية ومنزلتها التي ينتمون إليها. ويتوقف عقد جامع الشيخ المذكور عند أصل أملاك جماعة المسجد ومأتاها؛ إذ انتقل تراث المسجد إلى

المحبسين الحاليين من أجدادهم، فهو إذًا عبارة عن تراث جماعي. ويتصرف فيه وفقًا لنظام ثقافي يتعلق

بالسيرة ويحترم العرف والعادة وفن الإنجاز المعتمَد لدى أمثالهم الإباضية هناك، في أماكن أخرى (وادي

ميزاب وجبل نفوسة...). ومجمل القول أن أهمية هذه الوثيقة المكتوبة من منظور إباضي تكمن في أن «جماعة المصلين» احتفظت

بملْكية وقف الجامع، وواصلت الاستفادة منه على الرغم من تحول الوقف من الصيغة الشفوية إلى

حالة الكتابة، فلم يكن لتغيير وضع الوقف أي تأثير في علاقة المؤسسة الإباضية بتراثها الوقفي ومحيطها

الاجتماعي والسياسي. في المقابل، يعمل القاضي المالكي، من خلال قبول تحويل محمل وقف إباضي شفوي الأصل إلى الكتابي

والمصادقة عليه، على الخروج من وضع التهميش الذي كان عليه نظراؤه العاملون سابقًا في جربة. ويعمل

كذلك على مدّ نفوذه على مجال أرحب بالنسبة إلى سالف تاريخ المؤسسة التي يشغلها. ومجمل القول هو

فرض القاضي على الإباضية الذين يتجهون إليه قبول العلاقة بالهيئة القضائية، بمستوييها المحلي والمركزي.

(((6 المريمي، إباضية جزيرة جربة.

(66) Jacques Berque, “Cadis de Kairouan, d’après un manuscrit tunisien,” Revue de l’Occident musulman et de la Méditerranée , vol. 13, nos. 13-14 (1973), pp. 97- 108.

خريف 2014

يذكَر أن أول من تولّ قضاء جربة هو أبو القاسم بن ناجي القيرواني (ت 829 ه/ 4361 م)، الذي

قال بعد توليه خطّة قضاء جربة: «قدمت قاضيًا وخطيبًا بجزيرة جربة فأقمت بها ثلاثة أعوام وخمسة أشهر

في زمن السلطان أبي العباس أحمد الحفصي 772 - 96/7 ه -1370 94.13 وإنما ذكرت جربة لأنها

أول ولاية ولّيتها، فكنت في غاية ما يكون من الإشفاق والخوف على نفسي، ولا نجد فيها من نشاركه في أمرنا لأن أهلها خوارج ولهم مذهب لأنفسهم». ويشير ابن ناجي إلى أنه كان خارج المنظومة القضائية المحلية المعتمدة لدى الإباضية، وقد بقي الأمر كذلك بالنسبة إلى من أتى بعده من القضاة إلى حين العهد الذي بدأت تتسرّب فيه كتابة العقود المكتوبة بحسب المدرسة الفقهية المالكية والحنفية في آخر القرن 17

وما بعده. تتقاطع في عقود الوقف المختلطة آليتان للتوقيف، لكلٍّ منطقها، الأولى إباضية والأخرى مالكية. وحين تعكس تلك الآليات تقليديًا على الأرض وفي الجغرافيا، نجدها في حالة الجوار في مجال الجزيرة.

ويؤشر إنتاج عقود الأوقاف المختلطة المكتوبة على معنى قانوني عالي القيمة. وتصبح تلك العقود عبارة عن فضاء عام له مدلول العيش المشترك. وتترجم عقودنا عن طابع الاختلاط في الممارسات والقواعد والترتيب، ويكتسي الاختلاط مع ذلك قيمة الاتفاق. ويمكن الحديث حينئذ عن تواصل وحوار بين المجموعات. تبيّ حالة عقود الوقف المختلطة أن «الجماعة» الإباضية قبلت التخلي عن الزمن الجماعوي. ويتمثّل

في إنقاذ الأملاك الموقوفة من النسيان عن طريق الكتابة، والهدف من ذلك هو إنشاء ذاكرة المجموعة.

وقد قبل أعضاؤها الانحياز إلى النموذج الرسمي الذي يمثّله القاضي المالكي والهيئة القضائية ويرمز إليه. وفي المقابل، يفرض هؤلاء قوانينهم وقواعدهم في إنتاج الوقف بما يفترضه من آلية قانونية. نحن هنا في حالة وقف عام أو أهلي، وتبُرز عقود الوقف المختلطة ما كان من تبادل بين الإباضية والمالكية،

بما تفترضه من ربح وخسارة وتنازل ضمن إرادة البحث عن قواعد للعيش المشترك أو التعايش. ولكن كل ذلك التحرك والفعل والفعل المقابل يتم من أعلى الهرم الاجتماعي بين الأعيان المحليين لهذا الطرف وذاك. وقد قام القاضي المالكي وعدول الإشهاد بالنسبة إلى عقود الوقف المختلطة بدور الوسيط أو المعدّل؛ إذ

أتاح هؤلاء التعاون والتعايش واندماج عناصر كانت إلى ذلك العهد غير مندمجة. وشكّل العامل القانوني

والقضائي أداة في يد المالكية للنفاذ إلى العالم المغلق الجماعوي للإباضية المحلية في جربة ولتخطّيه. وكانت الغاية من ذلك إحداث انسجام في قيم مجتمعية متناقضة لكن من دون عنف بين المجموعات. من الناحية التاريخية، تظهر عقود الأوقاف المختلطة بداية من النصف الأول للقرن 81، بعد انتقال وضع جربة من المشيخة إلى القيادة سنة 1743 - 44.17 وقد أعطى هذا التحول في وضع الجزيرة حينئذ النفوذ

(((6 وردت في: الجعبيري، ص.275

(6((تفيد وثائق أرشيف أملاك الدولة خاصة بأوقاف جربة أن تسرب العقود المكتوبة على طريقة المدرسة الفقهية المالكية والحنفية

ترجع إلى أواخر القرن 17 م. وكان الأمر يخص عقود الأوقاف الخاصة.

خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية

والقوة للجهاز القضائي المركزي في شكله المحلي. وحكمت هذه الظرفية التاريخية عوامل عديدة أدت إلى الدينامية التي تؤشر عليها عقود الوقف المختلط في مجتمع جربة.

خاتمة

تبيّ دراسة حالة «الشفوي» في الإيالة التونسية خلال العصر الحديث على الأقل، ومن خلال مثال جزيرة

جربة بالذات، أن «الشفوي» كان بمنزلة حامل لمجالات عدة (ثقافية واجتماعية وقانونية) تتعلق بحياة الناس، الذين ينتظمون في شكل مجموعات يحكم عامل الجوار العلاقة بينها. وقد كان للشفوي حدود

معلّمة بشكل واضح، وكان مستقلً عن مجال الكتابي بلا لَبس. ربما لا يكون تاريخ أو رواية الأصل وملْكية الأرض المجالات الوحيدة التي حملها الشفوي، لكن ذلك

كله كان الأدوات الأهم في أيدي المجموعات المحلية في جربة خلال العصر الحديث. وقد وظِّفت تلك الأدوات في التنظيم الذاتي للمجموعة من جهة، وفي التواصل مع الآخر أو الغير من جهة أخرى. ويعني ذلك أن الشفوي كان في علاقة بحقوق كل مجموعة على أساس أنها كذلك، أو بالأفراد الذين تتكوّن منهم

المجموعة ذاتها. لقد بيّنت دراستنا هذه أن بعض مجالات الشفوي كان مجديًا جدًا لأنه فاعل بصورة خاصة في العلاقة

بالغير، مثل حالة الحقوق الجماعية المتعلقة بملْكية اليهود للأرض المحيطة بمعلم الغريبة والتي لم تكن سوى حومة ديغت أو الحارة الصغيرة (الرياض اليوم) التي تكفلها المرأة التي تُنسب إليها

الأسطورة المذكورة سابقًا. وبيّنت الدراسة أيضًا أن روايات أخرى، مثل تاريخ أصل البربر الذي

يتداوله أهل جربة، كان محدود الفاعلية وغير قادر على تنظيم المجموعة وربط العلاقة المرجوة بالغير، فتمّ تبعًا لذلك السكوت عن الرواية، ولا سيما خلال العصر الحديث، لمصلحةالانتماء إلى التفكير

المذهبي الإباضي. إن الشفوي هو في حقيقة الأمر، وفي جميع الأحوال، إنشاء ينتجه الفاعلون الاجتماعيون، ويصنّف وفقًا لاختلاف الفئات المنتجة، فتكفل رواية أصل الأهلية والتأصل في المكان لفئات أولى (البربر، اليهود). وتعلن فئات ثانية عدم مطالبتها بالأهلية في المكان، وتتشبث بوضع «الغربة» في مكان استقرارها (العرب، الأشراف). وتنشئ فئات ثالثة رواية محلية لربط علاقة بمكان القبول بأدوات المكان نفسه وخصائصه، وتقطع مع الانتماء القبلي والتاريخي إلى خارج جربة (الأعشاش). والأهم في ذلك كله هو أن الرواية - كل رواية من هذه الروايات - كانت تريد من جهة أن ترتبط بالمكان

بعلاقات تضمن حقوقًا على الأرض، وكانت تريد من جهة أخرى أن تكسب اعتراف الآخر بتلك الحقوق في إطار العيش المشترك وعلاقة الجوار بين المجموعات المختلفة. وقد قام مجتمع جربة على هرم اجتماعي

يقوم هو بدوره على سلّم يحتوي على قمّة وقاعدة، وعلى ترتيب تفاضلي للفئات الاجتماعية غير منفصل

عن ميزان القوى السياسية والاجتماعية في الجزيرة.

خريف 2014

لم يكن الشفوي في هذه الحالة قادرًا على تحقيق الترتيب المرجو من جانب أهل جربة، فتمّ السكوت عن

رواية الأصل لدى فئات البربر والانتماء إلى التفكير المذهبي الإباضي الذي كان يسمح بالتنظيم الداخلي

للمجموعات التي يشقها والعلاقة بالآخر. ولم يكن من الغريب - تبعًا لذلك - أن تعتمد فئات «العرب»

من شرفاء جربة اعتناق المالكية والأتراك الحنفية. ويندرج اعتماد الشفوي في مجال امتلاك الربع والعقار، سواء لدى الإباضية أو اليهود في جربة، ضمن

التنظيم الذاتي لتلك المجموعات و/ أو حماية المنظومة لذاتها باعتبارها أقلية دينية من الأخطار المحدقة.

ولا يكون ذلك من دون علاقة بحقوق تلك المجموعات على أرض الواقع. نتبيّ ممّا سبق أن الشفوي هو عبارة عن أداة غير ثابتة في حضورها واستعمالها. وتشير عقود الأوقاف

المختلطة المدروسة إلى أن الشفوي قد يكون محل تفاوض وتجاذب بين الأعيان المحليين والمتنفذين في

مؤسسات الدولة في صيغتها المحلية (القاضي، عدول الإشهاد)، فيتحول المحمل الشفوي إلى مكتوب

ضمن فعل وفاقي بين أطراف متخاصمة أو متنافسة.