Return to Article Details Shiite identity in a Political Process: The Field of Power Evolution and the Reproduction of Shiite Identity in Saudi Arabia

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

Shiite identity in a Political Process: The Field of Power Evolution and the Reproduction of Shiite Identity in Saudi Arabia

أحمد سعد غازي العوفي*

الملخّص

* معيد في قسم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز.

Abstract

Using a socio-historical approach to the study of Shiites in Saudi Arabia, this analysis demonstrates how Shiite identity took its present shape by constructing a relatively independent power field through a network of relations that allow the sect to exist as a space for political action separate from its environment, and where actors compete to represent it and assume positions of influence. This field emerged and changed through a historical process of interaction between actors within it and between them and external influences (principally the state). Focusing on the Qatif region in Saudi Arabia, the study shows that sectarian hierarchy and relations of power tend to preserve their bounds by the same act of competition. This study puts forward a relational paradigm for understanding sectarian identity by dealing with it as a dynamic result of relationships and not as a discrete analytical category. This draws attention to the fact that sectarian identity is inseparable from an infrastructure of power relations within the sect and that the phenomenon of sectarianism may at root be a precursor to the production of sectarian discourse, a discourse which when dealt with relationally will reveal its link with power relations. This conception adds a new dimension to the understanding of identity, and consequently reorders the research agenda on the subject of sectarianism. It also contributes to a rethinking of the solutions to confront the crises of identity. The author proposes that best way to changes this sectarian reality is to create alternative networks of relationships by means of civil society institutions that create fields outside the sectarian field.

الكلمات المفتاحية:
  • الهوية الشيعية
  • سياسات الهوية
  • حقل السلطة
  • الطائفة
  • القطيف
  • مؤسسات المجتمع المدني
Keywords:
  • Shiite Identity
  • Identity Policies
  • Field of Power
  • Sect
  • Qatif
  • Civil Society Institutions

تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

يسعى هذا البحث من خلال الدراسة التاريخية الاجتماعية للحالة الشيعية في السعودية

إلى تقديم قراءة «علائقية» (Relational) للهوية في مقابل النزعتين الثقافية والبنيوية؛

وهي قراءة تفضي إلى تعاط أكثر تركيبًا للظاهرة. ويتبنيّ من خلال التحليل التاريخي

كيف أن الهوية الشيعية تكتسب حضورها عبر تشييد «مجال قوى» مستقل نسبيًا يجسد

شبكة علاقات تمنح الطائفة وجودها كفضاء للفعل السياسي منفصل عن المحيط،

يتنافس فيه الفاعلون لتمثيله وشغل مواقع النفوذ فيه. هذا المجال ينشأ ويتغير عبر

صيرورة تاريخية من التفاعل بين الفاعلين داخله وبينهم وبين المؤثرات خارجه (الدولة

بشكل أساسي). ويركز البحث على منطقة القطيف، وتظهر تراتبية وعلاقات قوة على

مستوى الطائفة تنزع إلى الحفاظ على حدودها عبر فعل التنافس ذاته. يقدم الكاتب عمله كمساهمة نحو بردايم علائقي لفهم الهوية الطائفية بتناولها كصيرورة

ديناميكية من العلاقات لا كوحدات ناجزة في التحليل. إنها تلفت الانتباه إلى أن الهوية

الطائفية لا تنفك عن بنية تحتية من علاقات قوة داخل الطائفة، وأن الظاهرة الطائفية

قد تكون في جذورها سابقة لإنتاج الخطاب الطائفي؛ الخطاب الذي إذا تعاملنا معه

علائقيًا سيتبين ارتباطه بعلاقات القوة. مثل هذا التصور يقدم بُعدًا جديدًا لفهمنا

للهوية، وبالتالي يعيد ترتيب الأجندة البحثية في موضوع الطائفية. كما أنه يساهم في

إعادة التفكير في الحلول لمواجهة تأزمات الهوية. فيقترح الكاتب أن العنصر الأقوى

في تغيير الواقع الطائفي هو تكوين شبكات علاقات بديلة عبر مؤسسات مجتمع مدني

تخلق مجالات قوة خارج مجال الطائفة.

شتاء 2015

مقدّمة

لم تغب مسألة الأقليات عن الدراسات والتحليلات التي تتناول الدولة في المشرق العربي؛ إذ كانت تفرض نفسها في خضم أحداث سياسية مهمة، أو تحضر بشكل متضخم في انحيازات مدارس استشراقية كانت مهيمنة على المشهد البحثي. لكن بعد الاجتياح الأميركي للعراق سنة 0032، تحولت مسألة الأقليات من واحدة من إشكاليات السياسة في المشرق العربي إلى ثيمة رئيسية تحتل مساحة كبيرة في الدراسات المهتمة بمنطقة الشرق الأوسط أو بالمشرق العربي. لقد أصبح مصطلح الطائفية من الكلمات المفتاحية للحديث عن المنطقة، إذ يجري تدويره بشكل واسع في المتابعات الصحافية كما في الكتابات الأكاديمية. ولعل التقابل الهوياتي الأهم في هذا النقاش، وخصوصًا بعد الثورات العربية، هو

ثنائية سني/ شيعي التي طغت على الحالة السياسية في دول الهلال الخصيب والخليج العربي. على الرغم من الإضافات المهمة التي نتجت من هذا الاهتمام بالقضية، فإن ثمة عددًا كبيرًا من الإشكالات

النظرية والمفاهمية التي لم يجرِ التعامل معها بالشكل الكافي؛ فعادة ما يستبطن النقاش الأكاديمي (والعام بطبيعة الحال) بشأن التصنيفات الهوياتية إحدى نزعتين: التناول البنيوي الذي يتعامل مع التقسيمات الاجتماعية كوحدات ناجزة تخضع لمؤثرات اقتصادية أو سياسية، أو التناول الثقافي الذي يعيد ظهور الطائفية إلى تأثير الخطاب والأفكار. بمعنى آخر، بين اعتبار بروز الهوية الطائفية - سببيًا- مجرد تعبير

لظرف سياسي أو اقتصادي خضعت له جماعة بشرية مصمتة معرفة مسبقًا من جهة، وأن حتُ مّل هذه الهوية

معنى ذا تأثير مستقل خلقته مشاريع فكرية أو ثقافة شعبية من جهة أخرى. لذا، يسعى هذا البحث، من خلال الدراسة التاريخية الاجتماعية للحالة الشيعية في السعودية، إلى تقديم

قراءة «علائقية» (Relational) للهوية في مقابل النزعتين الثقافية والبنيوية؛ قراءة تفضي إلى تعاطٍ أكثر تركيبًا للظاهرة. وسيتبنيّ من خلال التحليل التاريخي كيف أن الهوية الشيعية تكتسب حضورها عبر

تشييد «مجال قوى» مستقل نسبيًا يجسد شبكة علاقات تمنح الطائفة وجودها كفضاء للفعل السياسي

منفصل عن المحيط، يتنافس فيه الفاعلون لتمثيله وشغل مواقع النفوذ فيه. هذا المجال ينشأ ويتغير عبر صيرورة تاريخية من التفاعل بين الفاعلين داخله وبينهم وبين المؤثرات خارجه (الدولة بشكل أساسي)، وقد نجح المجال من خلال هذه الصيرورة من إعادة إنتاج نفسه في أطوار مختلفة. بتعبيرات أخرى، نجادل في هذا البحث أن منطقة القطيف (ذات الأغلبية الشيعية، والتي ستركز الدراسة عليها) حافظت على ما يشبه الفضاء العام المنفصل الذي تتنافس نخبة الطائفة داخله على التمثيل، وبالتالي تظهر تراتبية وعلاقات قوة على مستوى الطائفة تنزع إلى الحفاظ على حدودها عبر فعل التنافس ذاته.

الهوية الشيعية في السعودية: ثلاث زوايا نظر

في تطوير هذه الإشكالية نظريًا، استعرنا مفهوم «مجال القوى» (Field of Forces) الذي استحدثه عاملِ

الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. كما وظف بشكل ثانوي مفهوم «سياسة الوجهاء» (Politics of Notables) لألبرت حوراني، واستخدم، في اختباره إمبيريقيًا، المنهج التاريخي المقارن، وتحديدًا منطق السببية المعتمدة

على المسار (Path-dependant Causation) في تحليل بيانات تاريخية مستقاة بشكل أساسي من مصادر

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

ثانوية، متتبعًا أحداثًا أساسية في الفترة الممتدة منذ أول ظهور للحكم السعودي في القرن الثامن عشر إلى

تظاهرات 013-20112، لتحقيب مراحل نشأة مجال الطائفة المستقل ومراحل تطوره. لا يقدَّم هذا البحث بشكل أساسي كمحاجّة مباشرة لأطروحات سابقة، وإنما كمساهمة نحو بردايم

علائقي لفهم الهوية الطائفية بتناولها كصيرورة ديناميكية من العلاقات لا كوحدات ناجزة في التحليل. إنها تلفت الانتباه إلى أن الهوية الطائفية لا تنفك عن بنية تحتية من علاقات قوة داخل الطائفة، وأن الظاهرة الطائفية قد تكون في جذورها سابقة لإنتاج الخطاب الطائفي؛ الخطاب الذي إذا تعاملنا معه علائقيًا

سيتبين ارتباطه بعلاقات القوة. مثل هذا التصور يقدم بُعدًا جديدًا لفهمنا للهوية، وبالتالي يعيد ترتيب

الأجندة البحثية في موضوع الطائفية. كما أنه يساهم في إعادة التفكير في الحلول لمواجهة تأزمات الهوية، فيقترح البحث، بناء على نتائج الدراسة، أن العنصر الأقوى في تغيير الواقع الطائفي هو تكوين شبكات علاقات بديلة عبر مؤسسات مجتمع مدني تخلق مجالات قوة خارج مجال الطائفة. تنوعت زوايا التحليل التي تبنّتها دراسات جادة قامت بمعالجة المسألة الشيعية في دول الخليج العربي.

ويمكن القول بشكل عام إن المشترك بين هذه الدراسات كلها هو تجنّب التحليل الجوهراني) Essentialist(

للهوية، وتجنّب العودة بالتحليل إلى «الصراع التاريخي» في القرون الإسلامية الأولى. باستثناء دراسة ولي

نصر (في كتابه الواسع التأثير: صحوة الشيعة)، قامت معظم الدراسات بالتعامل مع الطائفية كظاهرة

حديثة مرتبطة ارتباطًا أساسيًا بالأيديولوجيات أو بالظروف السياسية المعاصرة. يقودنا ذلك إلى القول بأن

الأطروحات الاستشراقية (وأشهرها كتابات برنارد لويس الذي يشدد على أن الهويات الدينية في الشرق

الأوسط هي الهويات الحاسمة، ويمنحها عمقًا تاريخيًا بعيدًا وديمومة لم تنقطع) انحسر كثيرًا تأثيرها في

توجيه البحث بشأن موضوع الأقليات. إن النزعة الجوهرانية لم تختفِ، ربما، في النقاش العمومي والكتابات الصحافية، لكن اتضح من مراجعة الدراسات السابقة أن هذه النزعة لم يعد لها موضع في الدراسة العلمية. يمكننا أن نميز ثلاث ثيمات أساسية في الكتابات التي تناولت الحالة الشيعية في السعودية بالدراسة: التحليل الجيوسياسي؛ الدولة كمصدر للطائفية؛ الحركات الدينية كصانع للهوية الشيعية. وحيث إن من قبيل مجانبة الدقة أن تصنَّف الدراسات بشكل حاسم في أحد هذه الأبعاد الثلاثة، لأن كثيرًا ما يقوم

الباحثون بالتعرض لأكثر من بُعد واحد في أعمالهم، فإن التصنيف يقوم على اعتبار أن الثيمة المركزية أو

الغالبة هي التي تصبغ الدراسة.

زاوية النظر الأولى: البُعد الجيوسياسي

ليس مفاجئًا أن تطغى زاوية النظر هذه على كتابات الباحثين في مجال العلاقات الدولية، ولا سيما أولئك

المتأثرين بالمدرسة الواقعية الجديدة، حيث يجري التعاطي مع الهوية الطائفية كمورد للقوى الإقليمية،

(1) Vali Nasr, The Shia Revival: How Conflicts within Islam will Shape the Future , with a New Afterword (New York: W. W. Norton, 2007). (2) Bernard Lewis, The Multiple Identities of the Middle East (New York: Schocken Books, 1999).

(((وهو ما لاحظه غريغوري غاوس في ما يخص تعاطي وسائل الإعلام المعتبرة في الغرب مع الطائفية في الشرق الأوسط، انظر:

http://www.brookings.edu/blogs/up-front/posts/2013/06/08-sectarianism-politics-new-middl.

شتاء 2015

مستغلةً إياها في حروب بالوكالة. وتُردّ صراعات الهويات هنا إلى استثمار هذه القوى للطائفة بشكل

استراتيجي، وذلك إما كأثر للضخ الأيديولوجي في هذا الصراع وإما كاتصال ودعم مباشر؛ فغريغوري

غاوس، على سبيل المثال، يعتبر أن الهويات العابرة للدول (الهوية الشيعية من ضمنها) تمثّل تهديدًا أمنيًا

للأنظمة (كما تدركه هذه الأنظمة) في الخليج؛ إذ إن «من الممكن أن يستخدمها القادة الطامحون كمصادر

قوة، كما يمكن أن تمثّل تهديدًا للأنظمة التي توجه (الهوية) ضدها». هذه النظرة كانت المقدمة الأساسية في أعمال أكثر صلة بالموضوع، ككتاب لورنس r ë Lou المذهب الشيعي

والسياسة في الشرق الأوسطوكتاب ولَي نصر صحوة الشيعة؛ فإيران تصبح بثورتها ونفوذها في قلب

المسألة الشيعية في الشرق الأوسط، وأهم عناصر التفسير لظاهرة «صحوة الشيعة». تؤكد r ë Lou في كتابها

الآنف الذكر أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي العمق الأهم للمذهب الشيعي وتمظهراته سياسيًا،

وأن «أي محاولة لتحليل الإسلام السياسي الشيعي أو المذهب الشيعي بشكل عام من خلال منظور

يفترض عداوة قديمة بين العرب والإيرانيين ما هي إلا محاولة واهمة». إن التأثيرات المتجاوزة للحدود، واستخدام البُعد المذهبي كورقة في السياسية الخارجية لعدد من دول

المنطقة، هما من أهم مصادر التحفيز للانتماءات الطائفية. غير أن التشديد المفرط على هذا البُعد يعرّض

الباحثين لإشكاليتين أساسيتين: أولاهما صرف الانتباه عن الفاعلون على المستويات المحلية، وإهمال

السياقات الوطنية والفضاءات العامة التي يتفاعل هؤلاء الفاعلون ضمنها، وهو ما قد يؤدي إلى الإخفاق

في تفسير (أو حتى ملاحظة) أشكال التفاوت النوعي في بعض الأحيان، وهي التي تميز استجابة المنتمين

إلى الأقلية المذهبية في دول مختلفة أو ربما مناطق مختلفة داخل الدولة نفسها. ثانيتهما - والأهم ربما - أن

مثل هذا التركيز يفشل في تفسير أصول تشكّل الطائفة، كونه يأخذها كمعطى في التحليل.

زاوية النظر الثانية: الحركة الشيعية

تقوم طائفة أخرى من الدراسات بالتركيز على نشاط الحركة الشيعية وفاعليها، كمفسر للبروز السياسي

للهوية المذهبية، فتهتم بتوثيق التجربة الحركية الشيعية من خلال المصادر التاريخية المتوافرة، أو من

خلال تجارب قياداتها، وربطها بصناعة أو «تسييس» الانتماء المذهبي. ومن أفضل الأمثلة لهذا النزعة

أعمال كتّاب محليين كفؤاد إبراهيم في كتابه الشيعة في السعودية، وبدر الإبراهيم ومحمد الصادق

في الحراك الشيعي في السعودية. وعلى الرغم من أن الكاتبين أكدا في مطلع الحديث دور الدولة

الإقصائي في دفع الحراك الهوياتي في هذا الاتجاه، فإنهما كرسا معظم التحليل لتتبّع الحراك الشيعي

ودوره في خلق الهوية.

(4) F. Gregory Gause III, The International Relations of the Persian Gulf (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 3012 [Kindle Version]. (5) Nasr, The Shia Revival. (6) Laurence Louer, Shiism and Politics in the Middle East , Translated from French by John King (New York: Columbia University Press, 2012), p. 3. (7) Fouad Ibrahim, The Shi’is of Saudi Arabia (London: Saqi, 2006).

(((بدر الإبراهيم ومحمد الصادق، الحراك الشيعي في السعودية: تسييس المذهب ومذهبة السياسة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث

والنشر،.)2013

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

إن الدراسات التي تربط بين الحركة الشيعية في السعودية (بامتداداتها الإقليمية، وتحديدًا علاقتها بالمركز

الشيعي العربي في العراق) تمتاز بتقديمها صورة وصفية للحالة الشيعية أكثر تفصيالً، الأمر الذي يفوت الدراسات التي تتبنّى مستوى الوحدات الكبرى في التحليل. ولعل الإغراق في السرد التاريخي - الذي

يضيّع في الوقت ذاته كثيرًا من العمق النظري- هو الذي يمنح هذه الدراسات قيمة كبيرة باعتبارها

مصدرًا مهامً في حفظ التاريخ غير المدوَّن للحراك الشيعي في السعودية.

زاوية النظر الثالثة: الدولة كصانع ل «الطائفية»

يشير قسط ثالث من الدراسات إلى الدولة الحديثة كعامل حاسم في خلق التوتر المذهبي؛ ففي عمل آخر للورنس تقارن فيه بين الحالة الشيعية في ثلاث دول خليجية، تعتبر أن عملية بناء الدولة ذاتها والرواية التي

تقوم عليها هي العامل الجوهري الذي يجعل الصراع المذهبي في كلٍّ من السعودية والبحرين حاضرًا، بينما تتمتع الكويت بأقلية شيعية أكثر اندماجًا. ذهب باحثون آخرون إلى أبعد من ذلك، وجادل بعضهم في التوتر المذهبي لا بوصفه مجرد عرض أو نتيجة غير مقصودة لبناء الدولة، بل بوصفه استراتيجيا واعية من جانب الأنظمة؛ فالباحثان توبي ماثيسون وفريدريك ويري يخلصان، على سبيل المثال، إلى أن المسؤول عن التصعيد المذهبي هو الحكومات التي تخشى ظهور أي حركة احتجاجية موحّدة تعبر المذهب. والنتيجة ذاتها وصلت إليها مضاوي الرشيد في

تعريفها الطائفية كأداة سياسية تستخدمها النخب لتحافظ على مصالحها. إن من المهم التمييز بين الطائفية كسياسة إعلامية تتخذها الحكومات، وهي بلا شك محفز مهم للاحتقان، وبين الدور الأكثر رسوخًا في بنية الدولة ونمط علاقاتها بالجماعات والأفراد كمواطنين؛ فالدور المشار إليه يترك أثرًا أكثر ديمومة وإن يكن أقل ضجيجًا. غير أن هذا التشديد بالعموم - كما فعلت هذه

الدراسات- يعطي الدول فاعلية مبالغًا فيها في التحكم في الظاهرة، كما أنه يتجاهل التعقيد الناتج من شبكة التفاعل بين الدولة والفاعلين المختلفين داخل «الطائفة» من جهة، وفي ما بين هؤلاء الفاعلين في ضوء تفاعلهم مع الدولة من جهة أخرى، والحالة تنتج من مثل هذا التفاعل الديناميكي وليس كصناعة محضة من أحد الفاعلين.

جذور التوتر النظري في دراسة سياسات الهوية

يقدم طيف الدراسات الذي قمنا بمراجعته أعلاه متغيرات مستقلة (سياسات القوى الإقليمية، فاعلية الحركيين أو استراتيجيات الأنظمة) تقام بينها وبين الهوية (المتغير التابع) علاقة سببية. وليس المفقود

(9) Laurence Louer, Transnational Shia Politics: Religious and Political Networks in the Gulf , Series in Comparative Politics and International Studies (New York: Columbia University Press, 2008).

1(((توبي ماثيسن، الخليج الطائفي والربيع العربي الذي لم يحدث (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2014

(11) Frederic M. Wehrey, Sectarian Politics in the Gulf: From the Iraq War to the Arab Uprisings , Columbia Studies in Middle East Politics (New York: Columbia University Press, 2014). (12) Madawi Al-Rasheed, «Sectarianism as Counter-Revolution: Saudi Responses to the Arab Spring,» Studies in Ethnicity and Nationalism , vol. 11, no. 3 (December 2011), pp. 513-526.

شتاء 2015

هنا إثبات العلاقة ولا تفصيلات ما حول هذه المتغيرات المستقلة، إنما هو التصور المحدد للمتغير التابع.

وفي أغلب هذه الدراسات، لم يكن هناك محاولة لوضع تعريف لمفهوم الهوية، وإنما تُرك على عواهنه

ليُفهم من خلال التصورات العامة، كون مصطلح الهوية متداوالً في النقاش العام. والإشكال في ذلك

هو أن الوضوح المفترض في فهم الهوية يتبدد بمجرد تعداد معانيه الممكنة والغائمة، لا في النقاش العام

فحسب، بل حتى في الأعمال الأكاديمية أيضًا؛ فمنذ بداية تداول المصطلح في مجال العلوم الاجتماعية

غربيًا، ابتداء من نهاية خمسينيات القرن الماضي، أخذ توظيفه بالتزايد المطرد، وخصوصًا مع التأثير

الكبير بأعمال عاملِ الاجتماع الأميركي إيرفان غوفمان، وهيمنة مدرسة الحركات الاجتماعية الجديدة

(التي ساهمت فيها أسماء مؤثرة كهابرماس وآلان تورين) في أوروبا في ما يُعرف بالانعطافة الثقافية.

لكن هذا التداول الواسع للمفهوم لم يكن منتظامً ولا تراكميًا؛ إذ تحولت الهوية إلى مصطلح متضخم

ومحمَّل بمعان متعددة، حيث إن الباحثين بوليتا وجاسبر وجدا أن مصطلح الهوية «استُخدم بشكل

مفرط لتحليل ما هو فوق طاقته من الظواهر» من دون عناية بالتأطير الكافي له. وفي نقد جذري

يدعو إلى التخلي عن المفهوم، رصد روجر بروبيكر وفريدريك كوبر خمسة استخدامات مختلفة لمفهوم

الهوية، توظف في كثير من الأحيان بشكل غير واعٍ. إن الباحث لا يذهب مذهب بروبيكر ورفيقه في رفض المصطلح كليًا؛ فالدلالات التي ذكرت يمكن

اعتبار بعضها تمظهرات مختلفة للهوية، أو حتى محاولات نظرية متنوعة بشكل مثرٍ. غير أن الإشكال

المركزي الذي يثيره مثل هذا النقد لا يزال قائامً، وهو أن التصورات بشأن الهوية تُفهم من سياق

الاستخدام من دون تأطير معرفي (إبستيمولوجي)، أو مجهود واعٍ في نقد المفهوم وتطويره. أما السؤال

الإبستيمولوجي المركزي الغائب في تقدير الباحث، والذي يعمل كبردايم يوجه التحليل، فهو: هل

ينبغي النظر إلى الهوية تحليليًا بشكل أساسي كممارسات ثقافية أو كتعبير عن ظرف بنيوي (اقتصادي،

سياسي، اجتماعي)؟ وهذا السؤال يترجم بشكل تطبيقي: هل علينا العناية بدراسة تطور الأفكار

والمقولات الهوياتية أم اعتبار تغيرات، كبناء الدولة أو التهميش الاقتصادي أو توازنات القوة بين

الفاعلين الإقليميين، سببًا لهذه الأفكار؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تخلو من التعاطي مع موضوع الهوية، وهو ما يجري في الغالبية العظمى من

الأحيان بشكل ضمني وغير واعٍ؛ فبالعودة إلى الدراسات التي أوردناها بخصوص المسألة الشيعية في

السعودية، يمكننا إعادة فرز الدراسات على هذا الأساس، لنجد أن الأطروحات التي ركزت على البُعد

الجيوسياسي وتلك التي أعادت سياسات الهوية الشيعية إلى بناء الدولة تعاملت مع الهوية كانعكاس

لمحددات بنيوية، بينما تميزت منها المقاربات التي تابعت الفعل السياسي للحركة الشيعية كمشكّل لتلك

(13) Francesca Polletta and James M. Jasper , « Collective Identity and Social Movements,» in: Annual Review of Sociology (Palo Alto, Calif., Annual Reviews Inc., 2001). (14) Rogers Brubaker and Frederick Cooper, «Beyond «Identity»,» Theory and Society, vol. 29, no. 1 (February 2000), pp. 1 - 47.

(1 ((ترجع جذور هذا السؤال إلى الانقسام الإبستيمولوجي الأهم، ربما، في التراث الغربي لعلم الاجتماع بين النزعة الفيبيرية

(نسبة إلى ماكس فيبر) التي تركز على المعنى الاجتماعي وبين الماركسية الكلاسيكية في اعتبار البناء العلوي (Superstructure)

مجرد انعكاس للقاعد الاقتصادية) Base (.

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

الحالة، أي إن تطور الأفكار في السياق الشيعي والتلاقح الخطابي مع الحركة في العراق كانا وراء ظهور

الهوية الشيعية بهذا الشكل. وحين تقوم هذه الدراسات بالجمع بين العوامل، فإن ذلك في الغالب يأخذ

شكل السرد لها من دون محاولة متأنية للجمع بين هذه التوترات النظرية أو لمناقشة الانحيازات في التصور

إلى الهوية يُبنى عليها البحث. إن إحضار هذا المستوى من التحليل المعرفي للنقاش بشأن الطائفية يمنح هذا المجال البحثي قدرة أكبر

على المراجعة والتمحيص وعلى التراكم، والأهم من ذلك على تطوير تصورات بديلة قد تكون أكثر نجاحًا

في تفسير الواقع. من هنا، وبالاستفادة من أطروحات حديثة في العلوم الاجتماعية، سيحاول هذا البحث

الإجابة بشكل واعٍ عن هذا السؤال، محاوالًالإفلات من سطوة نمطي التنظير السالفي الذكر، لاختبار

نموذج علائقي لفهم الهوية.

صيرورة القوى في المجال الأقلياتي: نحو فهم «علائقي» للهوية الطائفية

إن أحد أهم التطورات في المشهد النظري في علم الاجتماع خلال العقدين الماضيين هو الاهتمام والقبول المتزايد اللذان حظي بهما موقف نظري نقدي يُعرف بعلم الاجتماع العلائقي)Relational Sociology(.

يدعو الطرح العلائقي إلى الانتقال من التركيز على «الأشياء» إلى «العلاقات». و يجادل أنصاره فلسفيًا

بأن وحدات كالفرد أو الجماعة لا تحمل أي خصائص مستقلة، وينبغي أالّ تكون منطلقًا للتحليل السوسيولوجي، فهي تكتسب سماتها فقط من خلال العلاقات التي تربط بينها. الوحدة - كالفرد أو

المنظمة مثالً- هي أثر علاقاتها لا أكثر، وبالتالي فإنها تتغير في صيرورة مرتبطة بالتغير الديناميكي لعلاقاتها. هذه المدرسة تأتي كرد فعل على نزعة الكل (Holism) أو المحتوى (Substantialism) التي تطغى على كثير من أشكال البحث في العلوم الاجتماعية (كنماذج الفاعل العقلاني والدراسات المعتمدة على تحليل

القيم والكثير من الدراسات الإحصائية) التي تقوم بدراسة العلاقات بين وحدات معرفة مسبقًا،

بينما يفترض المذهب العلائقي أن الأفراد والجماعات ما هم إالّ نتاج لهذه العلاقات. لتوضيح ما الذي يعنيه استخدام المنطق العلائقي لتناول موضوع الطائفية، يمكن الاستفادة من

تمييز تشارلز تيلي الأكثر تفصيالً بين ثلاثة بردايمات لدراسة التغيرات الاجتماعية: البنيوي والنزعاتي (Dispositional) والعلائقي. يبدأ التحليل البنيوي بافتراض وحدات أو كتل معيّنة لا يستشكل

حدودها لتكون منطلق التحليل. والتحليل البنيوي للطائفية لا ينشغل بسؤال كيف وجدت الطائفة إنما كيف تتصرف إذا خضعت لعوامل معيّنة؛ فعلى سبيل المثال، يدرس سلوك الأقليات في ظل سوء

الأوضاع الاقتصادية أو - كما نجد في الدراسات التي استعرضناها أعلاه- كيف يتشكل سلوكها في

(1((لعل أحد أهم تطبيقات هذا الاهتمام هو الطفرة في الدراسات الإمبيريقية المهتمة بالشبكات الاجتماعية.

(17) Mustafa Emirbayer, «Manifesto for a Relational Sociology,» American Journal of Sociology , vol. 103, no. 2 (September 1997), pp. 281-317. (18) Charles Tilly, Trust and Rule , Cambridge Studies in Comparative Politics (New York: Cambridge University Press, 2005), p. 24.

شتاء 2015

وضع جيوسياسي معنيّ. في مقابل هذا النمط من التحليل، يأتي البردايم النزعاتي الذي يفترض هو الآخر

وحدة انطلاق غالبًا ما تتمثّل -خلافًا للبنيوي- في الفرد. ويركز التحليل النزعاتي على دوافع الفعل

والمعنى الاجتماعي المرتبط به، وبالتالي يركز على الثقافة والقيم والاتجاهات. لذا، ستهتم الدراسات التي تستبطن هذه النزعة بالتيارات الفكرية والأفكار السائدة، أو باستطلاعات الرأي أكثر من أي شيء آخر في دراسة الطائفية؛ فسلوكيات النزاع الطائفي صادرة من تعريف الأفراد لأنفسهم بطريقة معيّنة، الأمر الذي

سيؤدي- كما أدت دراسات استعرضتها- إلى جعل أهم ما ينبغي التركيز عليه بخصوص الطائفية هو دور الحركات الإسلامية وأيديولوجيتها في «تسسيس» المذهب، أو بروباغندا الأنظمة التي تؤثر في قناعات الأفراد وتدفعهم إلى التصرف طائفيًا. المنطق العلائقي يختلف عن البردايمين السابقين في الانطلاق من العلاقات لا مما تربط بينه؛ فالفرد كفاعل اجتماعي هو حصيلة «موقعه الاجتماعي» في شبكة العلاقات الممتدة، والجماعة (منظمة، طائفة، دولة

.. إلخ) هي حصيلة تشكّل معنيّ للعلاقات في لحظة تاريخية معيّنة. بهذا الشكل يصبح السؤال ما يلي:

ليس كيف تتصرف «الطائفة» ولا كيف يصبح الفرد «طائفيًا»؟ وإنما كيف توجد الطائفة وكيف يرتبط

الفرد بها؟ وأحد أهم الأمثلة لتوظيف المنطق العلائقي في دراسة جماعات الثقة هو تحليل تشارلز تيلي لتطور طائفة الولدينسنيين المسيحية، التي حافظت على وجودها في العصور الوسطى، ونجت من استبداد الكنيسة في ذلك الوقت، إلا أن الطائفة ذابت وتلاشت في العصر الحديث على الرغم من زوال التهديد. ويخلص تيلي إلى أن التحولات في علاقات شبكة الثقة التي تربط الجماعة وتخلق وجودها هي التي تفسر توجّه هذا المسار من الوجود إلى التلاشي. يمكن رصد بنى من خلال المنظور العلائقي، غير أن الفرق بينه وبين التعاطي البنيوي هو أن هذه البنى عبارة عن صيرورة تعيد إنتاج نفسها؛ فالطائفة موجودة، لكن وجودها ليس معطى في التحليل، إنه سؤال يحتاج إلى إجابة، علاوة على أن هذا الوجود متغير من حيث الخصائص - عبر مراحل تاريخية - بتغير

العلاقات التي أنتجته. كما أن المنظور العلائقي لا يتعامل مع العلاقات كهياكل فارغة، إنما تشكُّل هذه العلاقات يتطلب تمظهرات ثقافية. غير أن الفرق بينه وبين البردايم الثقافي (النزعاتي) هو أن الأفكار لا

يمكن فهم ظهورها إلا في سياق أساسها العلائقي، فظهور حركة تجديدية ضمن ديانة يعال - من خلال ج المنطق العلائقي- بتحليل علاقات القوى والتنافس بين الفاعلين المجددين والمحافظين على سبيل المثال، وليس من خلال المضامين الثقافية لهذا التجديد.

(1((من الصعب أن نفكر علائقيًا بشكل كامل، أو أن نتجنب أي حديث عن وحدة ثابتة، فمع تشديد البحث على التحليل بشكل

علائقي، لن يخلو الحديث من تعامل مع وحدات يتم افتراضها، فالمهم هو التركيز على رؤية ديناميكية العلاقات في تكوين الوحدات

بالقدر الممكن. يفسر ذلك ما لاحظه نوربرت إلايس من أن اللغات البشرية تنحاز في تركيبها إلى نسبة الحركة كصفة الأشياء،

ولا تصف بسهولة الحركة المستمرة في ذاتها كما ندركها ذهنيًا؛ فنحن نرى النهر تدفقًا مستمرًا للمياه لكننا نصفه: «انظر النهر يجري»

ولا نقول بشكل عفوي: «انظر إلى الماء المتدفق باستمرار»، انظر: , Translated by Stephen What Is Sociology? Norbert Elias,

Mennell and Grace Morrissey; with a Foreword by Reinhard Bendix, European Perspectives (New York: Columbia.University Press, 1984), p. 112 (20) Tilly, Trust and Rule.

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

الطائفية كتشكُّل لمجالات قوى مستقلة

إن من أهم النظريات المبنية على منطق علائقي هي نظرية المجال لبيير بورديو؛ فهي تصور الواقع كفضاء

من العلاقات تنشأ فيه «مجالات قوى»، ويتشكل كل مجال من «مواقع اجتماعية» غير متكافئة يشغلها

فاعلون يتنافسون على رأس مال المجال الذي يكسبهم القدرة على التأثير فيه وتغيير موازين القوى فيه،

أو تغيير قواعده (التي تتراكم تاريخيًا وتحكم العلاقات والتنافس فيه) أو النضال لحفظ هذه الموازين

والقواعد. إن كل مجال قوى يتمتع بقدر من الاستقلال، وله حدود تنتهي عند انتهاء أثر المجال،

الأمر الذي ينبغي - كما يشدد بورديو- دعمه إمبيريقيًا. وقد طُوّر مصطلح المجال أساسًا لتحليل

ما يمكن تجاوزًا أن نصفه بمؤسسات اجتماعية (كالمجال الديني والمجال الفني والمجال الاقتصادي..

إلخ) في مجتمع يتميز بقدر عالٍمن التمايز والتعقيد. غير أن الباحث وجد فائدة تحليلية كبيرة من توظيف

عناصر منتقاة -كما سيتضح أدناه- من هذه الأداة النظرية في دراسة الطائفة؛ إذ إن تناول الطائفة كمجال

يضيء أبعادًا مهمة في الظاهرة، ويبُرز ديناميكيتها وتحولاتها كما سيتضح مع التحليل. يقوم النموذج الذي شيدته الدراسة نظريًا وخلصت إلى دعمه إمبيريقيًا على أن الهوية الشيعية في الحالة

السعودية يمكن تفسيرها، بشكل أساسي، باعتبارها انعكاسًا لشبكة علاقات تشكّل مجال قوى مستقالً

نسبيًا، يقوم، كأي مجال قوى، بفرز طبقة من الفاعلين الذين يستمدون نفوذهم من اعتراف المنخرطين في

هذا المجال. فالهوية تتفعل من خلال الارتباط بعلاقات القوى هذه، سواء من قِبل من يشغلون أقل المواقع

في هذه التراتبية في حاجتهم الرمزية إلى النخب كممثلين، أو من قِبل هذه النخب التي تنزع إلى الحفاظ على

قوة المواقع التي تشغلها عبر الحفاظ على المجال كفضاء اجتماعي مميز. ومن خصائص هذا المجال (كما هي

الحال في أي مجال قوة) أن الفاعلين الأكثر نفوذًا لا يمثلون نخبة متجانسة، بل تجري المنافسة بينهم على

احتكار السلطة في هذا المجال؛ المنافسة التي بدورها لا تُضعف القدرة على تمييز المجال بل تزيدها حدة،

كون الصراع على التمثيل يزيد الاعتراف ضمنًا بتميز الكتلة التي تمثلها.

منهجية الدراسة

ينتمي هذا البحث إلى الدراسات النوعية التي تعالج الظاهرة لا بغرض الوصول إلى نتائج استقرائية قابلة

للتعميم، وإنما لتقديم فهم جديد من خلال استنتاج أفكار نظرية تغريّ تصورنا للظاهرة محل الدراسة.

لبناء هذا الفهم الجديد للحالة الشيعية في المملكة، وفي القطيف تحديدًا، تعتمد الدراسة منهجًا تاريخيًا

مقارنًا يقوم بتتبّع التغيرات ومسار التفاعلات بين القوى المختلفة. وفي هذا نتبنّى - كدأب كثير من

الدراسات المستخدمة للمنهج- منطق السببية المعتمدة على المسار Path-dependence()، حيث يمكن

تفسير الأحداث فقط من خلال سلسلة التطور الخاصة بها؛ إذ تعتمد كل نقطة في هذا الخط من التطور على

(21) Pierre Bourdieu, The Field of Cultural Production: Essays on Art and Literature , Edited and Introduced by Randal Johnson (New York: Columbia University Press, 1993), pp. 29-73.

(((2 ينبغي أال يُخلط الاستقلال هنا ب«السيادة»؛ إذ إن معناه هنا أن تفاعلاته الداخلية تخضع لقواعد خاصة به وتنشئ هذه

التفاعلات ذاتها.

(23) Pierre Bourdieu and Loïc J. D. Wacquant, An Invitation to Reflexive Sociology (Chicago: University of Chicago Press, 1992), pp. 100-101.

شتاء 2015

ما قبله، من دون السعي لبناء علاقات سببية تتجاوز السياق الزماني. يستند التحليل إلى بيانات تاريخية

متوافرة في المصادر الثانوية، تأتي في مقدمتها الكتابات التي قدّمها المدوّنون المحليون للحراك السياسي

والديني في منطقة القطيف. وعلى الرغم من الشح في التاريخ المدوّن بشأن المنطقة، تمكن الباحث من تمييز

أنساق لمراحل التحول في الهوية والديناميكية الداخلية لسكان المنطقة، وتفاعلها مع المركز.

التحليل

يشكّل المنتمون إلى المذهب الشيعي نسبة 01 في المئة - 51 في المئة من إجمالي تعداد المواطنين في السعودية.

ويتوزع هذا المكون السكاني في أربع مناطق جغرافية: نجران في جنوب المملكة، حيث يتركز المنتسبون على

المذهب الإسماعيلي؛ المدينة المنورة في غرب البلاد، حيث تشكل أقلية اثني عشرية أحد مكوناتها السكانية؛

منطقتا الأحساء والقطيف. وقد اكتسب الوجود الشيعي في الأحساء والقطيف في المنطقة الشرقية المطلة

على الخليج العربي أهمية خاصة من حيث إنهما تضامّن النسبة الأكبر من المنتمين إلى المذهب (الاثني عشري)

في البلاد، ومن حيث الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة. غير أن الاعتبار الأجدر لمنحها هذه

الأهمية هنا هو - في تقدير الباحث - أن النشاط السياسي المستند إلى الهوية الشيعية برز في هذه المنطقة،

وبشكل أساسي في محافظة القطيف التي تنتمي الغالبية العظمى من سكانها إلى المذهب، في حين تنقسم

التركيبة السكانية في الأحساء مناصفة بين المذهبين. من هنا كانت القطيف محور الاهتمام في هذا التتبّع التاريخي. وعلى الرغم من أن التبرير الأولي لاتخاذ

القطيف نقطة انطلاق للتحليل كان غرضا عمليًا (تحديد المجال الجغرافي للبحث)، فإن النتائج التي توصل

إليها البحث تدعم هذا الاختيار بأساس علمي؛ فقد بيّنت الأحداث التاريخية أن الارتباط بين التطورات

في القطيف والتجمعات الشيعية الأخرى جاء محدودًا، الأمر الذي لم ينفِ وجود تواصل بين مختلف هذه

المناطق، إلا أنه يؤكد أن مدينة القطيف وقراها شكلت تاريخيًا مجال قوى يتمتع بقدر عالٍمن الاستقلال. إن مجال القوى ليس حيزًا مكانيًا بل هو علائقيتقاس أبعاده من خلال ترابط أو تباعد شبكة العلاقات،

حتى وإن لم تنتظم في نمط مكاني معنيّ. غير أن المحددات الموضوعية، جغرافية أكانت أم ديموغرافية،

تزيد من توقعنا لتشكّل هذه العلاقات، إن توافرت، الصيغة الاجتماعية والتاريخية المسؤولة عنها بشكل

أساسي. فالانعزال الجغرافي والتجانس الديموغرافي ظرفان بيئيان مواتيان لظهور مجالات قوى مستقلة

ترُتَجم في حالتنا في سياسات هوية. وفي القطيف، هذه الظروف متوافرة. هنا سنتتبّع الصيرورة السياسية في القطيف، وكيف أنها تستند إلى علاقات داخلية كأساس موضوعي

لكثير ممّا يبدو مسألة مرتبطة بتقابل هوياتي ثقافي بحت. سيكون ذلك من خلال تميز ست فترات زمنية

جرى تحقيبها على أساس اشتراكها في سمات معيّنة من حيث تطور المجال المستقل. ولن يكون الرصد

(24) James Mahoney, «Path Dependence in Historical Sociology,» Theory and Society , vol. 29, no. 4 (August 2000), pp. Fouad Ibrahim, The Shi’is, and Annual Report of the U.S. Commission on International Religious Freedom, 2(انظر:((

April 2013 (Covering January 31, 2012 – January 31, 2013) (Washington: U.S. Commission on International Religious Freedom, [2013]), on the Web: <http://www.uscirf.gov/sites/default/files/resources/2013%20USCIRF%20Annual%20 Report%20(2).pdf>.

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

التاريخي هنا مستقصيًا لجميع التفصيلات والأحداث، وإنما سيكون - شأنه شأن الدراسات التاريخية

المقارنة- مشغوالً بتمييز المفاصل التاريخية التي تقدم لنا فهامً للحالة.

الشيعة في ظل إمارة نجد، 1913-1744

في منتصف القرن الثامن عشر، أخذت قوة اجتماعية جديدة من حاضرة نجد تؤسس وحدة سياسية مركزية في توسع عسكري مبرَّر بعقيدة دينية سنية تجديدية، وهي ما تُعرف بالدولة السعودية الأولى،

أو بشكل أدق إمارة الدرعية التي راحت تتمدد شرقًا بعد أن ترسخ وجودها السياسي في نجد. ففي

سنة 791 1، وقع أول احتكاك بين القطيف والقرى المحيطة بها من جهة والقوات السعودية المدفوعة

بحماسة دينية تحارب «الابتداع» الذي تصنف المذهب الشيعي ضمنه، من جهة أخرى، حيث اقتحمت

القوات السعودية قرى القطيف التي رفضت في البداية التسليم بعد محاصرتها، الأمر الذي انتهى بقتل

المئات من الأهالي وهدم جميع المزارات وأماكن العبادة الشيعية. هذا الحدث الدموي لا يشير إلى صراع مذهبي بين سنّة وشيعة إلا إذا قرئ بلغة انحيازات الحاضر؛ إذ لم يكن

استثناء يُنسب إلى خصوصية العلاقة وحساسيتها بين مذهبين بقدر ما كان سلوك التوسع العسكري المتّبع

من جانب مقاتلي الإمارة. وقد تكرر مشهد هدم المقدسات الدينية التي اعتبرها المذهب الوهابي دخيلة

على الإسلام في مناطق لم يكن سكنوها شيعة. وحتى من حيث الفرز الثقافي، لم تكن ثنائية سني/ شيعي

هي الخطاب الذي يرافق الفعل، بل كانت، كما يصور مدوّنو التاريخ الوهابيون، بين الإسلام (المتمثّل في

الولاء للإمارة والقبول بالدعاة الوهابيين ليشرفوا على الحياة الدينية) والشرك (المتمثّل في شتى الممارسات

التي لا يعترف بها المذهب) الذي لم يكن يعني في بعض الأحيان إلا عدم مبايعة الإمام في الدرعية. لا يعطينا تاريخ تلك الفترة أي إشارة تتحدث عن صراع هوياتي صرف قائم على المذهب. وكان من

شأن تكرار سلوك مقاتلي الدرعية مع كل الفئات الخارجة عن حكمهم في المناطق التي بلغها نفوذهم أن

جعل التفسير الأقرب لهذه العصبية الدينية هو أنها في جوهرها مشروع هيمنة - بالمعنى الغرامشي- يرتبط

بالموقع الاجتماعي الذي يشغله الفاعل الجمعي (كطبقة مهيمنة)، وترسيخ علاقات القوة التي تربطه

بالمواقع الاجتماعية الأخرى؛ ففي حالات اشتداد القتال، كان يجري التشديد بشكل أكبر على المهمة

العقدية للقوات السعودية، كما لاحظ ذلك المؤرخ الروسي أليكسي فاسيلييف. مثل هذا التفسير يجد له

دعامً في أطروحة خالد الدخيل التي نقب فيها عن الأصول الاجتماعية للدعوة الوهابية، وخلص إلى أنها

تذهب أبعد من الاعتبارات الأيديولوجية أو الثقافية الصرف.

2(((حسين بن غنّام، تاريخ نجد، تحقيق ناصر الدين الأسد، ط 4 (القاهرة: دار الشروق، 0042)، ص.22

2(((عثمان بن عبدالله بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، حققه وعلق عليه عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبدالله آل الشيخ،

2 ج، ط 4 (الرياض: مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، 9821)، ص.178

(28) Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks of Antonio Gramsci , Edited and Translated by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York, International Publishers, 1971), p. 12.

يصف غرامشي الدور الثقافي الذي يقوم به المثقف بتعبيرات علائقية؛ إذ إنها، في تقديره، وظائف «اتصالية» و«تنظيمية» ترتبط

بعلاقات الهيمنة الطبقية.

(29) Alexei Vassiliev, The History of Saudi Arabia (London: Saqi, 2013), p. 2305 [Kindle Edition].

(3((خالد الدخيل، الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2013

شتاء 2015

مع حلول سنة 8181، كان الجيش المصري الذي بعثه محمد على باشا لوضع حد للتوسع السعودي قد ساوى الدرعية بالأرض، وأنهى حقبة من النفوذ السعودي. ولم يعد للأحساء والقطيف ارتباط بنجد، كما كانت حال باقي مناطق الجزيرة التي دخلت إما في حالة من فراغ القوى وإما تحت إدارة الحاميات التركية مدة عقد من الزمان. ولم يكن للأحداث المتعاقبة في هذه الفترة أي تغير لافت يتعلق بالقطيف حتى تمكن أحد أفراد السلالة السعودية، وهو تركي بن عبد الله، من استعادة السلطة على نجد (وإن كان مع اعتراف بالعثمانيين هذه المرة) في أواسط عشرينيات القرن التاسع عشر. إن ما يستدعي الاهتمام هنا هو أن وجهاء القطيف أرسلوا في سنة 8301، كما تذكر المصادر التاريخية، مبعوثين يبايعون تركي بالولاء. وتكرر ذلك الأمر أيضًا في سنة 8501، عندما استعاد السعوديون النفوذ بعد أن فقدوه فترة وجيزة. هذا يفَّ جزئيًا بسياسة الدولة السعودية الثانية التي لم توظف الدافع العقدي

كما كان الأمر في الحقبة السابقة؛ فلقد تمتع سكان القطيف على وجه الخصوص بقدر من التسامح في

ما يخص الشعائر الدينية، كما شهدت هذه الفترة تعاونًا عسكريًا انخرط فيه والي القطيف (أحد أعيان

القطيف) مع قوات الدولة السعودية ضد حاكم البحرين. مثل هذا التحالف المبادر يشير إلى أمرين

مهمين: أولهما تأكيد ما توصلنا إليه من خفوت أثر التمييز على أساس المذهب خلال القرنين الثامن عشر

والتاسع عشر، وثانيهما أنه يمكننا ملاحظة ظاهرة تُعرف ب«سياسة الوجهاء»، وهو التنظيم السياسي الذي

شاع في المنطقة العربية تحت الحكم العثماني في القرن التاسع عشر وأواخر القرن العشرين، حين ظهرت في المناطق الحضرية مجموعات من النخب والعوائل القوية -كما يميزها ألبرت حوراني- تعمل كوسيط بين سكان المنطقة والسلطة المركزية في ادعاء تمثيل مصالح الأهالي. وما ميَّز القطيف من غيرها من المناطق

الحضرية (الأحساء عن الأقل) هو أن الحكام السعوديين لم يعينوا أمراء من خارج البلدة، بل اختاروا أميرًا

من إحدى عوائل القطيف القوية، وهو ما كرس انتظام العلاقات بهذا الشكل الذي يمنح نوعًا من الحكم

الذاتي والذي يمثل بذرة تشكّل المجال. وقد ترسخ ذلك مع سياسة العثمانيين الذين حكموا القطيف والأحساء بشكل رسمي (سنجق نجد) من سنة 8811 حتى سنة 9131 معتمدين على الزعامات المحلية في إدارة المناطق تحت حكمهم.

طبقة الوجهاء وبناء الدولة السعودية الحديثة: الصورة الأولية للمجال، 1933-1913

في غضون عقد من نهاية الحقبة الثانية من الحكم السعودي على يد قوة محلية منافسة في وسط الجزيرة،

استعيد النفوذ السعودي، انطلاقًا من الرياض، في الكيان الذي سيصبح لاحقًا الدولة السعودية

(31) Vassiliev, p. 4512.

((3(المصدر نفسه، ص.4965

(33) Jacob Goldberg, «The Shi ’ i minority in Saudi Arabia,» in: Juan R. I. Cole and Nikki R. Keddie, eds., Shi’ism and social protest (New Haven: Yale University Press, 1986). (34) Vassiliev, p. 5140. (35) Albert Hourani, «Ottoman Reform and the Politics of Notables,» in: William R. Polk and Richard L. Chambers, eds., Beginnings of Modernization in the Middle East: The Nineteenth Century, Publications of the Center for Middle Eastern Studies; no. 1 (Chicago: University of Chicago Press, 1968), pp. 41-68.

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

الحديثة. وما إن استتبت السيطرة على نجد حتى أخذت الدولة في سنة 9131 تتوسع شرقًا نحو واحتي

الأحساء والقطيف. ومع سقوط الأحساء في يد القوات السعودية وهروب الحامية التركية الصغيرة منها، تنقل لنا المصادر

أن عددًا من أعيان القطيف من العوائل المتنفذة في القلعة - حاضرة القطيف ومركزها في ذلك الحين-

اجتمعوا للتشاور في الموقف من التقدم السعودي. وقد عارضت الأقلية من المجتمعين، مستحضرة البُعد

المذهبي وتاريخ المنطقة مع الحكم السعودي. غير أن رأي الأغلبية استقر على التسليم للحاكم الجديد

والضغط على الحامية التركية لترحل. وفي حين كان المعارضون لهذا القرار من الشخصيات البارزة في

القطيف، كرجل الدين حسن على البدر، يعبئون الأهالي لرفض عودة الحكم السعودي، سارع المتحمسون

له إلى مراسلة أحد قواد الملك عبد العزيز وتشجيعه على القدوم. وفي السنة نفسها -1913- دخلت

القوات السعودية من دون مقاومة، والتقت بأعيان القطيف، وعلى رأسهم علي الخنيزي، ليعقد الطرفان

اتفاقًا كان أهم بنوده الحفاظ على حرية الأهالي في ممارسة شعائرهم في مقابل الولاء. نلاحظ بذلك استمرار نمط سياسة الوجهاء بشكل أكثر وضوحًا؛ إذ يكشف هذا الحدث المركزي عن

عيّنة من التفاعلات بين النخبة التي تتحدث بلغة الممثّل، ويوضع هذا في إطار مصلحة الأهالي. إن هذا

التنظيم الاجتماعي، سياسة الوجهاء، كان يتلاءم مع الظرف السياسي للمنطقة في ذلك الحين، باعتبار أن

الفضاء الاجتماعي الأوسع لم ينتظم بعدُ على شكل دولة - الأمة التي تحرص على التجانس وتركيز السلطة

ودمج شبكات الثقة (قسرًا أو تحفيزًا) في فضاء عام موحد.

ليس في إمكاننا أن ننظر إلى نقطة الجدال الحاد بين الزعامات على أنها حدث خاص منفصل عن انتظام

العلاقات بين النخبة في القطيف؛ فالمواقف قائمة على نمط يمتد قبله وبعده، ذلك بأن منافسة دبت

بين المؤيدين للحكم السعودي والمعارضين له، وبالتحديد علي الخنيزي وحسن البدر، بشأن الزعامة

والمرجعية الدينية، وامتدت إلى ما قبل 1913. وقد تكرر الانقسام حتى بعد حادث 913 1،

وتمثّل في احتجاجات قادها رجل الدين محمد النمر، ولا يبدو أنها تميزت ببُعد مذهبي ظاهر، إنما جاءت

كرفض للضرائب العالية المفروضة على القطيف. وقد وئدت تلك الاحتجاجات في مهدها، فكان

أحد أهم عوامل فشلها معارضة شديدة من قِبل زعماء القلعة الذين حضوا الناس (دينيًا) على عدم

التمرد. عوضًا عن ذلك بعث علي الخنيزي إلى الملك عبد العزيز برسالة باسم وجهاء المنطقة، طالبًا معالجة

مطالب الأهالي، الأمر الذي أثمر لقاءً بين الملك وهؤلاء الوجهاء، وانخفاض الضرائب ووقف ممارسات

الملاحقة الدينية من جانب محتسبي إخوان من طاع الله وأمير الأحساء.

(3((حمزة الحسن، الشيعة في المملكة العربية السعودية (بيروت: دار الساقي، 0102)، ص.14

((3(المصدر نفسه.

((3(يبدو أن هذا الاتفاق كان لفظيًا؛ إذ لم يطلع الباحث على أي دلائل على وثيقة مكتوبة تواضع عليها الطرفان

(39) Ibrahim, p. 19.

((4(لتفصيلات أكثر عن هذا الخطاب، انظر ما ينقله: الحسن، ص ٤١ و ٦١.

(41) Guido Steinberg, «The Shiites in the Eastern Province of Saudi Arabia,» in: Rainer Brunner and Werner Ende, eds., The Twelver Shia in Modern Times: Religious Culture and Political History, Social, Economic, and Political Studies of the Middle East and Asia; v. 72 (Leiden: Boston: Brill, 2001), pp. 236-254.

((4(الحسن، ص ٢٠٣.

((4(للمزيد من التفصيلات بشأن الفترة، ودور إخوان من طاع الله في التصعيد ضد الشيعة، انظر:.Steinberg, pp. 236-254

شتاء 2015

هكذا، تمنح هذه الفئة الوسيطة ملامح لمجموعة ذات حدود يقوم الفاعلون الأكثر قوة (الوجهاء

التقليديون في هذه المرحلة) بترسيخ حدودها من خلال فعل التنافس على التمثيل ذاته. وليس التنافس

ودعوى التمثيل هذه فعالً خارجًا عن السياق تقوم به مجموعة من الأفراد بفاعلية مطلقة، إنما هما موقع

اجتماعي وجد في شبكة العلاقات، ولا يكتسبه الأفراد إلا من خلال العلاقات المستقرة، سواء مع من هم

داخل مجال القوى هذا (الأهالي في مدن وقرى القطيف) أو خارجه (تعامل الحكام المتعاقبين معهم بهذه

الصفة). إن مثل هذا المركّب العلائقي هو الذي يعطي الأرضية لظهور التمييز الهوياتي في تمظهراته الثقافية

لاحقًا. لكن علينا أن نلحظ هنا أن طبقة الوجهاء هذه مرتبطة بشكل كبير في هذه المرحلة بعلاقات الإنتاج

الاقتصادية؛ إذ ينتمي أغلب الوجهاء إلى عوائل قوية من التجار وا المّك، الأمر الذي سيشهد تغيرًا في ما

بعد، ولذلك أُطلق عليه الشكل الأولي من المجال الذي سيكتسب قدرًا أكبر من الرهانات، وبالتالي المزيد

من الاستقلال والانكفاء في المراحل التالية.

أرامكو ومآل المجال البديل، 1969-1933

كان لاكتشاف النفط في المنطقة الشرقية وتأسيس شركة أرامكو الأميركية سنة 9331 دور مهم في خلق

ظروف اجتماعية جديدة في المنطقة، ولا سيما أن الشركة اعتمدت آنذاك، وبشكل مكثف، على اليد العاملة

من القطيف والمناطق المحيطة بها. ومن التحولات ذات العلاقة التي أشير إليها هنا: ظهور طبقة

وسطى جديدة لم تعد مرهونة بعلاقات الإنتاج بالنخبة في المنظومة الاقتصادية التقليدية، وخلق فضاء

اجتماعي جديد تظهر فيه شبكة من العلاقات داخل مؤسسة حديثة (الشركة) خارج مجال مجتمع القطيف. يظهر هذان التحولان جليين في النشاط الاحتجاجي الذي صبغ هذه الفترة، ويفسران قسطًا كبيرًا من

طبيعته؛ إذ شهدت خمسينيات القرن العشرين، وصوالً إلى نهايات الستينيات، ظهور حركة عمالية مؤثرة

تمددت في حراك سياسي وطني. ويتم عادة تناول هذا الحراك الذي أصبح ملموسًا في إضراب 9531،

في سياق المنطقة العربية، وربطه بتأثيرات أيديولوجية قومية أو ماركسية. لكن يبدو أن ولادة الحراك

العمالي سبق التأثير الثقافي والصبغة الأيديولوجية التي اكتسبها لاحقًا، ذلك أن التفاعل في البيئة المحلية

أعطى الحراك الأساس العلائقي الأولي الذي يستند إليه. فكما تذكر روايات معاصري تلك المرحلة،

لم يكن تأطير الفعل الاحتجاجي الذي قام به العمال يحمل دلالات ثقافية تتجاوز مدى المؤسسة،

وقد امتنع -علاوة على ذلك- عدد من قيادات هذه الحركة عن المشاركة في طورها «السياسي». إذن، أفضى حلول صناعة النفط إلى إعادة هيكلة علاقات الإنتاج التي أدت دورين مهمين: أولا دور وسط

اجتماعي سهّل تفاعلات جديدة (شمل شرائح متنوعة من مناطق البلاد الأخرى)، وبالتالي شبكة جديدة

من العلاقات والتحالفات التي أنجبت حراكًا خارج مجال القوى المنحصر في القطيف، وثانيًا دور حلحلة

((4(الحسن، ص.367

((4(استخدام كلمة تقليدية هنا للتمييز بين حقبتين فحسب، من دون تحميل الكلمة أي دلالات أوسع.

(4((سيد علي السيد باقر العوامي، الحركة الوطنية في السعودية، 1973-1953، 2 ج (بيروت: رياض الريس، 0112)، ج.1

(4((مفيد الزيدي، التيارات الفكرية في الخليج العربي، 1971-1938، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 35 (بيروت: مركز دراسات

الوحدة العربية، 0002)، ص.176

((4(الإبراهيم والصادق، ص 64، والعوامي، ص.245

((4(العوامي، ص.250

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

علاقات الإنتاج التقليدية بما شكّل طبقة وسطى جديدة وطموحة وجدت لها مساحة للفاعلية السياسية خارج مجال الفعل المحدود داخل الإطار التقليدي. تختلف التقديرات بشأن عمق تأثير هذه التيارات العابرة لحدود المجال؛ فهناك من يذهب إلى القول إن

اكتساح المد الأيديولوجي صهر أي حراك في المنطقة بالمجال «الوطني»، بينما يقلل آخرون من عمق

تأثير هذه الحركات في أهالي المنطقة المتمسكة بهوية دينية. وفي الحقيقة، علينا أالّ نبالغ كثيرًا في تقدير

أثر التيارات القومية واليسارية في تغيير معالم المجال؛ فالمؤشرات لا تدعم الرأي الأول في تقديره العالي

لأثر هذه الحركات، إذ لا يبدو أن ثمة مظاهر لتعبئة واسعة من جانب طليعة العمال والناشطين. علاوة

على ذلك، نجد أن التعبئة التي يقودها أولئك الفاعلون في ما يتعلق بالشأن الداخلي تجد قبوالً واسعًا،

كما حدث مع البرقيات التي رُفعت إلى الملك سعود سنة 9531 للمطالبة بتمثيل أهالي القطيف في مجلس

الشورى، بينما لم يوقِّع برقية أخرى في سنة 9561 تدعو الدولة إلى التوجه نحو حلف مع قوى عربية

إلا مجموعة من العمال الناشطين (وليس كلهم) على الرغم من الجهد الذي بُذل. لكن على الطرف المقابل، لا تؤيد المؤشرات الرأي الذي يشدد على الهوية الدينية؛ إذ لا تعطينا الوقائع

التاريخية المدونة أي حضور خطابي للهوية الشيعية، فما الذي يفسر انحصار العمل بهذا الشكل إذا كانت

الهوية - كما تظهر ثقافيًا- غير طاغية؟ إن نموذج المجال يعطينا تفسيرًا منسجامً لكلتا الملاحظتين؛ فصحيح

أن سياسيات الهوية الشيعية لم تتطور بعد، إلا أن مجال القوة المستقل يجعل الفعل السياسي «الممكن»

و«المجدي»، كما يتصوره الفاعل الاجتماعي، محصورًا داخلها. هذا وظلت شبكة العلاقات التي دعمت

الحراك المتجاوز للمجال محدودة ولم تفلح في خلق مجال بديل.

انهيار الاقتصاد التقليدي، «انتفاضة محرم» وإعادة تشكيل المجال 1985-1969

تقودنا عملية تحديث المجتمع والتحول الكبير في تنظيمه اقتصاديًا بفعل النفط ومشروع الدولة

«التحديثي» إلى توقّع انتهاء سياسة الوجهاء، وبالتالي إنهاء هذه العوامل البنيوية الكبرى لشروطها. فهل حدث ذلك؟ الجواب أعقد من أن يكون بالنفي أو بالإيجاب؛ فمن ناحية تُظهر لنا المعطيات التاريخية

لتلك الفترة التصدّع في سلطة عائلات الوجاهة التقليدية التي حافظت على وظيفتها تاريخيًا كوسيط

بين النظام والأهالي. غير أن ذلك من ناحية أخرى لم يفضِ إلى تحلل المجال الذي يشغل الوجهاء مواقع التأثير فيه، فلم تضعف هذه الطبقة لصالح الاندماج في المجال العمومي الذي تخلقه الدولة الحديثة.

((5(الإبراهيم والصادق، ص.67

(51) Ibrahim, p. 111.

((5(ستتضح هذه المحدودية إذا قارنا الحراك العلماني في تلك الفترة بعمق تأثير الإسلاميين من حيث التغلغل في الحياة الاجتماعية،

ومن حيث القدرة على الحشد، إذ لم يتمكن ذلك الحراك من تعبئة احتجاجية يمكن أن توضع في مقارنة بأحداث سنة 9791 على

سبيل المثال.

((5(العوامي، ص.189-149

((5(المصدر نفسه، ص.249

((5(في هذا السياق، لا يحمل الاندماج دلالة إيجابية بالضرورة. وربما يساهم دمج شبكات الثقة في المجال العمومي للدولة في

التحول الديمقراطي، لكنه يمثّل في الوقت ذاته نزعة الدولة الحديثة إلى السيطرة واستغلال الموارد. انظر:.Tilly, pp. 100-124

شتاء 2015

إن ما حدث هو صعود فاعلين جدد - معارضين للدولة - ينافسون نخبة الوجهاء في تمثيلهم للطائفة. هذا التنافس أفضى إلى نتيجتين رئيسيتين: الأولى تغريّ قواعد اللعبة في المجال، إذ أصبح خطاب المعارضة

والتشديد على الهوية الشيعية معيارين جديدين في كسب النفوذ. والنتيجة الثانية تتمثّل في تعزيز حدود

المجال، فحدة التنافس تزيد من أهمية المتنافَس عليه وارتباط الفاعلين في رهاناته، إضافة إلى الدور

التأكيدي الذي تقوم به دعاوى التمثيل المتنافسة؛ ففي أحيان كثيرة لا يفرز المُمثَّل الممثِّل، بل يقوم الممثِّل بتأكيد وجود وإعادة تشكيل ما يمثّل. ففي نهاية ستينيات القرن الماضي، نشطت في مساجد القطيف وحسينياتها وقراها «الحركة الرسالية» التي كان لها قيادات دينية شابة متأثرة بالحركة الإسلامية الشيعية في العراق، وتحديدًا بالمرجع الديني النشط سياسيًا محمد الشيرازي (لذلك يعرف الناشطون في هذه الحركة بالشيرازيون). وقد ظهرت هذه الحركة

بخطاب معارضة حاد موجَّه ضد الدولة ولكنه كان في الوقت ذاته ضد النخبة الدينية التقليدية. نجحت

الحركة وقادتها، الذين ينحدرون من مستويات اجتماعية أدنى تاريخيًا، في كسب تأييد عريض يتركز هو

الآخر في هذه الفئات الاجتماعية. وتُوِّجت هذه التعبئة العريضة في سنة 9791 بفعل احتجاجي ضخم

يُعرف في سياق القطيف المحلي ب«انتفاضة محرم»، حيث تحولت فيه المسيرات الدينية في عاشوراء المتحدية

للحظر الحكومي المفروض إلى حشود احتجاج ملأت شوارع القطيف وقراها بالآلاف، واستمرت أيامًا

عدة حتى تمكنت قوات الحرس الوطني من تفريقها بعد سقوط عشرات الضحايا. إن ارتباط «الحركة الرسالية» بالمركز الشيعي في العراق كان له تأثير ثقافي عابر للمجال، غير أن هذا التأثير لم يكتسب أي فاعلية إلا حين صادف منظومة علاقات محلية تمنحه الأهمية بدمجه في رهانات المجال. يكتسب هذا الاستنتاج وجاهة إذا استحضرنا التفاوت الكبير في تأثير هذه التيارات بين حالتي القطيف والأحساء؛ فتأثير الإسلام السياسي الشيعي في الأخيرة كان محدودًا للغاية مقارنة بالأولى.

والمواجهة المباشرة الأولى التي خاضتها الحركة لم تكن مع الدولة التي لم تحتك بها على مستوى الفعل إلا بعد عقد من بداية أنشطتها. وكان رهان الحركة قيادة الطائفة، أو بمعنى آخر، الاستحواذ على أكبر

قدر من التأثير في المجال. ولم يكن ذلك الأمر فعاالً إلا بتغير قواعد اللعبة لصالح الحركة، وهو ما ظهر على مستوى الخطاب في الصراع حول معنى أن تكون شيعيًا بين الإسلام الشيعي الحركي والإسلامي

الشيعي التقليدي. وقد استخدمت طبقة الوجهاء المؤسسة الدينية التقليدية وفتاوى من المراجع الدينية للوقوف في طريق نمو الحركة، بينما اهتّمتها الحركة بالعمالة للدولة وبالتفريط في حقوق الطائفة.

(56) Ibrahim, p. 73.

((5(أتحفظ هنا عن استخدام مفردة «تسييس المذهب» التي يشيع توظيفها في هذا الموضع، إذ حتى العلماء التقليديون لا تنفصل

رؤاهم عن السياسة فتوظف النص بشكل أو بآخر لمنع التعبئة السياسية «تسييس» أيضًا.

((5(الإبراهيم والصادق، ص.134

(59) Toby Craig Jones, « Rebellion on the Saudi Periphery: Modernity, Marginalization and the Shia Uprising of 1979 ,» International Journal of Middle East Studies, vol. 38, no. 2 (May 2006), pp. 213-233.

((6(المصدر نفسه.

((6(الإبراهيم والصادق، ص.132

(62) Jones, « Rebellion on the Saudi Periphery ».

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

اتضح ذلك التنافس جليًا في موجة تظاهرات 9791، حين حاول رموز الوجهاء، عبثًا، ثني الأهالي عن

المشاركة، بينما كان الحركيون يضمّنون منشوراتهم الاحتجاجية هجومًا عنيفًا على تلك القيادات ونفيًا

لتمثيلها القطيف. وكسب الشيرازيون، على الرغم من خسارتهم جراء قيام الدولة بنفي قياداتهم، معركة

الهيمنة على النفوذ داخل المجال، كما أنهم غيروا قواعد اللعبة، وهو ما ظهر في التحرك غير المألوف من

جانب الرموز التقليدية الذين أرسلوا عريضة إلى ولي العهد ينتقدون فيها سياسات التمييز الديني وإهمال

القطيف تنمويًا. ربما تكون هذه المرحلة هي الأهم من حيث زيادة انعزال المجال من خلال عاملين: الأولما ذكرناه بشأن

ما يقوم به صراع التمثيل في سبيل خلق المُمَثل وتكريس تميزه، وذلك لا يتوقف على انتظام العلاقات بهذا

الشكل إنما يتجاوزه - في العامل الثاني - إلى التشييد الرمزي الثقافي الذي يتمثّل في تحولات قواعد اللعبة

في المجال. فكما سبق الإيضاح، إن من خصائص مجالات القوى وجود قواعد للعبة يتفق عليها الفاعلون

الذين يساهمون من خلال التنافس بينهم في تغيير هذه القواعد أو في إعادة إنتاجها؛ إذ إن في خضم هذا

التنافس الذي حرره انهيار العلاقات الاقتصادية التقليدية التي كانت أساسًا لاحتكار الوجهاء للقوة في

المجال، نجح الفاعلون الجدد في تحويل أدوات الصراع إلى لغة دينية يجري عبرها التنافس والتعبئة داخل

المجال، فنلحظ هنا أنه على خلاف احتجاجات 9291 السالفة الذكر، كان استحضار الرموز الدينية

أساسيًا في الخطاب.

الدولة وتعزيز المجال: امتصاص المعارضة وإعادة ضبط قواعد اللعبة، 2006-1985

لعل أهم الفروق بين المجال الذي تتبّعنا نشأته وسياسة الوجهاء كما بدت في القرن التاسع عشر هو أن

الأول الذي أخذ يتشكل في سياق الدولة الحديثة لا يعتمد على أنماط الإنتاج، كما أنه أكثر ديناميكية في تغير

علاقات القوى. لكن يمكن القول إن سمة من سمات سياسة الوجهاء التاريخية لم تغب في جميع المراحل

التاريخية التي ميّزناها، وهي الدور الوسيط الذي يؤديه أصحاب النفوذ في المجال بمختلف وجوههم؛

فسواء ظهرت في شكل حكم ذاتي بالتفويض، كما نجد في سياسة الوجهاء، أو في شكل احتجاج ومعارضة،

كما رأينا في مرحلة السبعينيات، فإن من يشغلون المواقع الاجتماعية العليا في المجال يرتبطون بمن هم

أدنى منهم في التراتبية بعلاقة تمثيل يفرضها انخراطهم في مجال قوى مستقل؛ التمثيل الذي يخول هؤلاء

الفاعلين الدخول في علاقة (تابعة أو متحدية) مع الدولة. إن إعادة إنتاج المجال الذي رأينا أن التفاعلات

الداخلية تقوم بدور حاسم فيه لا تجري بمنأى عن العلاقة التي تربط المجال -عبر المؤثرين فيه- بالدولة.

فبالاتساق مع المنطق العلائقي، ليس في وسعنا إلا أن نتعامل مع العلاقات التي تربط المجال بمحيطه على

أنها مؤثرة في طبيعته. بعد تظاهرات 979 1، هرب أهم القادة الشيرازيين إلى المنفى ليستأنفوا من هناك نشاطًا معارضًا في الوقت

الذي واصلت فيه الحركة داخليًا نشاطها. ومرت قيادات الحركة بصعوبات في التعامل مع الفاعلين في

(63) Ibrahim, p. 121.

(6((الإبراهيم والصادق، الحراك الشيعي في السعودية.

شتاء 2015

الخارج، سواء في العواصم المستضيفة (طهران فدمشق بالإضافة إلى واشنطن ولندن) أو مع الحركة الأم في العراق، وهو ما دفعها إلى إجراء مراجعات فكرية أفضت إلى ابتعادها تدريجيًا عن التجذير. ولم يترجَم

ذلك في فعل مهم إلا عندما التقى القادة هؤلاء والنظام السعودي في منتصف الطريق سنة 1993، حين توصل الطرفان إلى اتفاق عاد بموجبه أكثر - وأهم- قادة الحركة إلى القطيف، غير أن معارضي الأمس عادوا حلفاء، وتحولت قيادات المعارضة إلى طبقة وجهاء جديدة. تمكنت الدولة من امتصاص التحدي بأن سهلت لمعارضي الأمس الحفاظ على مواقعهم في المجال،

وذلك من خلال منحهم مظهر الممثِّل في الدعوات واللقاءات الرسمية. وهنا أيضًا نلحظ تحوالً آخر تحقق بشكل غير مباشر عن طريق استراتيجية الدولة في تعزيز الطبقة الوسيطة؛ إذ تحولت المنافسة إلى منافسة على ادعاء القدرة على تحقيق مصالح الطائفة عن طريق «التواصل مع المسؤولين». وقد شهدت

الفترة من نهاية التسعينيات إلى منتصف العقد الماضي تواصالً كثيفًا نسبيًا بين النخب في القطيف

(وتحديدًا هذه النخبة الجديدة) وعدد من قيادات الدولة، في شكل زيارات أو خطابات (كان أهمها الخطاب المقدَّم سنة 0032 إلى الملك عبد الله). هذه القواعد الجديدة للمجال حجّمت المساحة

التي يتحرك فيها فاعلون آخرون للمنافسة على النفوذ من خلال استعادة دور المعارضة، فظلت التيارات التي رفضت التعامل مع الدولة صغيرة ومحدودة حتى سنة 0112 وتتمثل بشكل أساسي في من يُعرفون ب«المدرسيين». وبقي التنافس في الحقيقة بين الفاعلين التقليديين وقيادات ما صار يُعرف

بالتيار «الإصلاحي» (الشيرازيين سابقًا). إن إعادة إنتاج المجال وحدوده ديناميكية معقدة لا ختُتزل فقط ب«تلاعب» قيادات، كما يحاول البعض أن يصفها، ولا ب«صناعة» من النظام، وإنما هي محصلة العلاقات بين النخب وعلاقة النخب بالقواعد وعلاقتها بالنظام؛ فالنظام لا يستطيع خلق نخب من لا شيء، ولا بد لهذا اللاعب من أن يكتسب شرعية

(نفوذًا) من التفاعلات داخل المجال. وبالمثل، لا يمكن للنخب أن «تمارس دعوى التمثيل» من دون وجود نظام ذي خصائص معينة تمثّل الطائفة أمامه، سواء كهدف للتعبئة ضده أو كوسيط عنده. خصيصة هذا النظام الذي يساعد مجال الطائفة في التكون هي أن لا يكون «دمج» هذه الجماعات المتشكلة ضمن

مجاله العمومي ضمن خياراته الاستراتيجية، أو أالّ يفتقد هذا المجالَ القادر على الدمج، وبالتالي ينزع إلى ترسيخ مبدأ الحكم الذاتي بالوكالة (Brokered autonomy) ليظهر سماسرة الطائفة.

ضغط المؤثرات الإقليمية وإعادة إنتاج المجال، 2014-2006

في إطار ما يُعرف بمشروع الملك عبد الله الإصلاحي، نظمت الحكومة مبادرة الحوار الوطني سنة 0032

ودعت إليه شخصيات من مختلف المذاهب والتوجهات الفكرية، الأمر الذي نُظر إليه كاعتراف رمزي

((6(المصدر نفسه.

((6(يفسر ذلك باستراتيجية النظام السعودي لاحتواء وتقليل جبهات التهديد مع نشاط المعارضة السنية داخليًا.

(6((أحمد عدنان، السعودية البديلة: ملامح الدولة الرابعة (بيروت: دار التنوير،.)2012

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

ب«تنوع الوطن». كان ممثِّل القطيف فيه أحد رموز التيار الإصلاحي، في ما يظهر كتعزيز لوضع هذه

النخبة الجديدة كممثل في مقابل النخبة التقليدية. في هذا الوضع الذي ترسخ بشكل أكبر في نتائج أول

انتخابات بلدية شهدتها البلاد سنة 2005 - والتي جاءت أيضًا كواحدة من «الخطوات الإصلاحية-»

حصد مرشحو التيار ستة مقاعد من مجموع سبعة مقاعد، في اكتساح لم يترك للتيار التقليدي إلا مقعدًا

واحدًا. وأظهرت فترة الانتخابات أن التنافس ظل حاضرًا، وان اختلفت قواعد اللعبة فيه، كما بدا في

الحملات المتوترة التي رافقت الانتخابات. غير أن اللافت في هذه النتائج هو أن التيار المدرسي

(الشيرازيين الذين حافظوا على موقفهم المعارض) لم يكن له ثقل في مجال القوى في الطائفة. هذا الانتظام للقوى لم يلبث أن تزحزح مع نهاية حقبة سياسات التعايش و«الإصلاح» التي أظهرتها

الدولة، وانفجار التوتر الإقليمي المتمثّل في الصراع في لبنان والحرب الأهلية في العراق تحديدًا من

سنة 006.2 وقد انعكس ذلك كله في ظهور خطاب سلفي محلي معادٍ للشيعة تجسّد بفتاوى ونشاط

إلكتروني مرافق للأحداث الإقليمية ومتفاعل معها. وكان الأشد تأثيرًا من ذلك كله على أي حال

هو التماس المباشر الذي جرى سنة 0092 في مواجهات البقيع في المدينة المنورة، وكان بين زوار من

القطيف وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث صعّد التيار المعارض مهاجمته للدولة وطريقة

تعاطيها مع المواجهات تلك. هذه التطورات منحت التيار المعارض الجديد، الذي أخذ قبل الأحداث ينظّم نفسه بشكل أكبر،

صعودًا داخل مجال الطائفة. وجاءت الفترة الذهبية لهذا الصعود في دورة تظاهرات جديدة استمرت أكثر

عن سنتين ابتداء من شباط/ فبراير 0112، بتحفيز من ثورات الربيع العربي، وكاحتجاج على دخول

قوات درع الجزيرة إلى البحرين. مع أن هذه التظاهرات التي شارك فيها طيف واسع من أبناء المنطقة كانت الأطول مدةً في تاريخها،

وشهدت اثنتان منها مشاركة لتظاهرات 979 1 (وإن كانت أقل زخمًا)، فإنها عكست نمطًا مهامً يُظهر

أهمية النظر إلى الطائفة كمجال. وعلى الرغم من كل التصعيد الإقليمي، الذي حفز الجموع فعالً على

الخروج وأعطى التيار المعارض المهمش مساحة أكبر، استطاع شاغلو مواقع التأثير في الطائفة كل

مرة احتدمت فيها المواجهات أن يحدوا من زخم التظاهرات؛ فقد أصدرت نخبة القطيف (من التيار

التقليدي والإصلاحي ومن تيار خط الإمام) خلال سنتي 0112 و 0122 ثلاثة بيانات جاءت في ذرى

تطور الأحداث؛ ففي كل مرة يقوم حدث ما بإشعال احتجاجات، لا تلبث أن تخبو عقب إصدار هذه

النخب بيانًا ضد التظاهر. ولم يبق بعد اعتقال أهم رموز التيار المعارض إلا جماعات شبابية راديكالية

صغيرة لا تشكل أثرًا كبيرًا في انتظام القوى في المجال، وإن كانت صدامات بينها وبين السلطات تقع

من آونة إلى أخرى.

((6(انظر الموقع الرسمي لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني:.>http://www.kacnd.org/first_national_meeting.asp<

((6(الإبراهيم والصدق، ص.228

(70) Wehrey, p. 127.

((7(المصدر نفسه، ص.118

(72) Toby Matthiesen, «A Saudi Spring?: The Shi ’ a Protest Movement in the Eastern Province 2011–2012,» Middle East Journal , vol. 66, no. 4 (Autumn 2012), pp. 628-659.

شتاء 2015

تتميز هذه المرحلة التي نعايشها بأثر العوامل الإقليمية في التفاعل داخل الطائفة، والتفاعل بينها وبين

المحيط في إطار الدولة. إن ذلك يزيد، بلا شك، من صلابة حدود المجال كونه يلغي أي قدرة على تشكيل

شبكة علاقات بديلة خارجه ولا يعني سوى المزيد من الانعزال عن المجال العمومي. غير أن تقديرنا

لأثر هذه العوامل يبقى محدودًا إذا أخذنا في الاعتبار أن الكتلة المؤثرة من الفاعلين استطاعت الحد من

أثر المحفزات الإقليمية. هنا تظهر في التحليل أولوية تشكُّل علاقات القوى في مجال الطائفة، وبالتالي،

على دارس الحالة الطائفية أن يتعامل مع العوامل الإقليمية وأثرها فقط من خلال تفاعلها مع تشكّل

العلاقات داخل المجال.

الطائفية في المشرق العربي كمجالات قوى

خلاصات وتوصيات

لقد مكّننا التناول العلائقي لتاريخ القطيف من رؤية الطبيعة الديناميكية لظهور الحالة الشيعية وتغيرها.

والحالة هذه تستند، كما أوضح التحليل، إلى تشكّل للعلاقات استطاع إعادة إنتاج نفسه في أطوار مختلفة من خلال تنافس الفاعلين الاجتماعيين داخله. إنه مجال قوى ينزع إلى الحفاظ على رهاناته الخاصة المنفصلة عن المجال العمومي. وقد مر ظهور المجال في القطيف بمراحل متعددة، كان أولها انتظام العلاقات في نموذج سياسة الوجهاء الذي يتكئ بشكل أساسي على علاقات الإنتاج. ومع تغير أنماط الإنتاج في مرحلة التحديث، حصلت تحولات في مجال القوى قادت فاعلين من غير الطبقة التقليدية إلى تغيير شروط التنافس في المجال بخطاب ديني ظهرت معه بوادر الإنتاج الخطابي للطائفة كفئة دينية يشدد عليها. وأعقب ذلك

دورُ الدولة في سياستها القائمة على الاحتواء في دفع التفاعل في المجال باتجاهٍمختلف تغيرت معه شروط

التنافس من تأكيد وجود الطائفة في المعارضة إلى تمثيل مصالح الطائفة لدى النظام (من المنافسة على المعارضة إلى المنافسة على الولاء). وتلته أخيرًا مرحلة التأثيرات الخارجية الكثيفة التي لم تفلح في تغيير

المجال كثيرًا فظل تشكّل العلاقات محافظًا على حالته. إن هذا المسار الذي سلكه تطور مجال الطائفة في القطيف ليس نموذجًا قابالً للتعميم على الحالات

الأخرى في المشرق العربي؛ إذ ليس ثمة مسار يعيد نفسه في الزمان والمكان، فديناميكية العلاقات، كما يمكن أن نلاحظ في الاستعراض التاريخي أعلاه، شديدة الحساسية تجاه الزمان والمكان، ولا يمكن فهمها إلا من خلال تاريخها ومسارها الخاص. غير أن الأهمية النظرية للبحث لا تكمن في

خصوصية الحالة بل في الأدوات التي تمكّننا من تتبّع المسارات الخاصة بالحالات الأخرى. لذا،

يمكن أن نخرج بثلاث نتائج نظرية أساسية توصي هذه الدراسة الجهود العلمية اللاحقة في المجال بالتنبه لها، مع تطعيم النظر إلى الطائفة بالمقدمات الأساسية للسوسيولوجيا العلائقية والتي بالإمكان إبرازها في أربع نقاط. أولى النتائج النظرية هي تجنّب التعامل «الكلي» مع الطائفة، أي دراسة الطائفة كوحدة معرفة مسبقًا؛ فكما

رأينا من خلال الدراسة، تشكّلت الطائفة تاريخيًا واتخذت أشكاالً متعددة في مراحل تاريخية مختلفة. وليس

ما تتعامل معه بعض الدراسات ككل إلا حالة من العلاقات لا تُبقي على وجودها إلا إعادة إنتاجها. وثانية

الهوية الشيعية في صيرورة سياسية: تطور مجال القوة وإعادة إنتاج الهوية الشيعية في السعودية

النتائج النظرية - وهي مرتبطة بالأولى إلى حد بعيد- هي أن الديناميكيات الداخلية للأقلية أو الطائفة ليست تفصيلات إضافية بل معطيات أساسية لفهم الحالة؛ فكما استعرضنا أعلاه، تعتمد التحولات في

ظهور هذه الحالة بشكل كبير على التفاعلات داخل مجال قواها (أي قوى الحالة). والنتيجة الثالثة هي أنه

لا بد من إعادة النظر في طريقة التحليل السائدة لأثر العوامل الخارجية (كالدولة أو التصعيد الإقليمي أو الانتشار الثقافي للأفكار.. إلخ) التي لها دور في المخرج النهائي. غير أن هذا الدور لا يعمل على وحدة

متجانسة تسمى الطائفة، إنما يعربّ فقط من خلال تأثيره في تشكّل العلاقات داخل الطائفة. بمعنى آخر،

سيكون من المثمر للدراسات القادمة أن تهتم بتأثير هذه العوامل في نمط التفاعل داخل الطائفة، وبالتالي تغير معالم المجال. إن الأطروحة الأهم التي يؤكدها البحث هي أن الهوية تستند إلى حالة علاقات قوى وإلى شبكة تتشكل ويعاد تشكيلها باستمرار. يقودنا ذلك إلى معالجة مختلفة للهوية لا تُنكر البُعد الثقافي، وإنما تضعه في

سياق العلاقات، كما أنها لا تتعامى عن أثر العوامل الموضوعية، بل تدرس هذا الأثر من خلال تفاعل مع الديناميكيات الداخلية لمجال الطائفة المستمر في التشكل وإعادة التشكل. ويجد الباحث في هذه النتيجة ما يحفز على توظيف المناهج الكمية القائمة على المنطق العلائقي، وتحديدًا «تحليل الشبكات

الاجتماعية»، زيادة في الاختبار والفحص لما قدمته هذه الدراسة من رؤى. كما أن لمثل هذه النتيجة على مستوى التطبيق دلالات في تفكيرنا في كسر حلقة التوتر الطائفي. وسيقودنا تأكيدنا مثل هذه الأطروحة إلى إدراك أهمية إيجاد شبكات من العلاقات ومجالات قوى بديلة لمواجهة الحالة الطائفية، ولن يكون ذلك ممكنًا إلا من خلال العمل على بناء مؤسسات مجتمع مدني يعبر حدود المجال حتى

يتسنّى له استبداله بمجال عمومي موحد.

مجموعة مؤلفين

الثورة التونسية

القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية