Return to Article Details Political Violence in Contemporary Algeria: From Populist Ideology to Islamist Utopia Analytical Elements in Non-Secular His

​العنف السياسي في الجزائر المعاصرة: من الأيديولوجيا الشعبوية إلى اليوتوبيا الإسلاموية عناصر تحليلية في سياقات تاريخية غير معلمنة

Political Violence in Contemporary Algeria: From Populist Ideology to Islamist Utopia Analytical Elements in Non-Secular His

نوري دري *س

الملخّص

أصبح موضوع العنف في المجتمعات العربية الإسلامية مادة خصبة لوسائل الإعلام والمراكز البحثية الغربية. وكثيرًا ما تُنتج هذه الهيئات خطابًا إثنومركزيًا بشأن العنف والمجتمعات العربية الإسلامية، بسبب جهلها بالسياقات التاريخية التي تجري فيها هذه الأحداث العنيفة. وغالبًا ما يربط رجل الشارع في الغرب بين الإسلام والعنف بسبب تراكمات تاريخية، وضغط وسائل إعلام ومراكز بحثية لا تمتلك الأدوات النظرية والمنهجية الضرورية لإنتاج خطاب علمي حول هذه الظاهرة في هذه المجتمعات. تحاول هذه الورقة البحثية أن تقترب من موضوع العنف في علاقته بالسلطة السياسية انطلاقًا من مفهوم العلمانية والعلمنة، من خلال الاستغلال العلمي لما أتاحته بعض الدراسات والنظريات بشأن العلمانية. يسمح لنا هذا المفهوم ببناء براديغم نظري يتيح لنا قياس مدى سلمية فضاء الصراع على السلطة في مجتمع ما، من خلال معرفة مقدار علمنة أدوات الصراع على السلطة وطبيعة الموارد التي يجندها المتصارعون عليها. من خلال دراسة للحالة الجزائرية، سنتعرف إلى الأسباب السياسية التي أنتجت عنف سنوات الحزب الواحد( 1962- 1990)، وعنف ما بعد التعددية الحزبية (بعد سنة 1990). النتيجة التي توصلنا إليها هي أن دراسة العنف يجب أن تأخذ دائمًا في عين الاعتبار مدى علمنة – أو درجة علمنة – السياق التاريخي الذي يحدث فيها، وإلّا سيسقط الباحث في خطاب إثنومركزي يحاول أن يصبغه صفة العلمية.

Abstract

This paper approaches the subject of violence in relation to political power proceeding from the concepts of secularism and secularization. It builds on the groundwork established by a number of studies and theories on secularism. These concepts allow the construction of a theoretical paradigm for the measurement of the extent of space available in a given society for peaceable power struggle, through knowledge of the degree of secularism inherent in the tools of contention for power, and of the nature of the resources mobilized by the contenders. Through studying the Algerian state, the political factors that produced the violence of one-party rule (1962-1990) are taken into account, as well as the violence of the subsequent period of party pluralism. Through this example the paper concludes that the study of violence must always consider the extent or degree of secularization exhibited in the historical context in which the violence occurs, otherwise the researcher falls into ethno-centric discourse with pretensions to being scientific.

الكلمات المفتاحية:
  • العنف السياسي
  • الإسلام السياسي
  • العلمانية
  • الأيديولوجيا الشعبوية
  • التعددية الحزبية
Keywords:
  • Political Violence
  • Algeria
  • Political Islam
  • Secularism
  • Populist Ideology
  • Political Pluralism

العنف السياسي في الجزائر المعاصرة من الأيديولوجيا الشعبوية إلى اليوتوبيا الإسلاموية

عناصر تحليلية في سياقات تاريخية غير معلمنة

أصبح موضوع العنف في المجتمعات العربية الإسلامية مادة خصبة لوسائل الإعلام

والمراكز البحثية الغربية. وكثيرًا ما تُنتج هذه الهيئات خطابًا إثنومركزيًا بشأن العنف

والمجتمعات العربية الإسلامية، بسبب جهلها بالسياقات التاريخية التي تجري فيها هذه

الأحداث العنيفة. وغالبًا ما يربط رجل الشارع في الغرب بين الإسلام والعنف بسبب

تراكمات تاريخية، وضغط وسائل إعلام ومراكز بحثية لا تمتلك الأدوات النظرية والمنهجية

الضرورية لإنتاج خطاب علمي حول هذه الظاهرة في هذه المجتمعات.

تحاول هذه الورقة البحثية أن تقترب من موضوع العنف في علاقته بالسلطة السياسية

انطلاقًا من مفهوم العلمانية والعلمنة، من خلال الاستغلال العلمي لما أتاحته بعض

الدراسات والنظريات بشأن العلمانية.

يسمح لنا هذا المفهوم ببناء براديغم نظري يتيح لنا قياس مدى سلمية فضاء الصراع على

السلطة في مجتمع ما، من خلال معرفة مقدار علمنة أدوات الصراع على السلطة وطبيعة

الموارد التي يجندها المتصارعون عليها.

من خلال دراسة للحالة الجزائرية، سنتعرف إلى الأسباب السياسية التي أنتجت عنف

سنوات الحزب الواحد (1990-1962)، وعنف ما بعد التعددية الحزبية (بعد سنة النتيجة التي توصلنا إليها هي أن دراسة العنف يجب أن تأخذ دائمً بعين الاعتبار مدى

علمنة - أو درجة علمنة - السياق التاريخي الذي يحدث فيها، وإلّ يكون السقوط في

خطاب إثنومركزي في محاولة صبغه بصفة العلمية.

مقدمة

بالنسبة إلى غالبية الأشخاص في الغرب، يُعتبر الإسلام دينًا محرضًا على العنف، وغالبًا ما يفسَّ

على خلفيته ما يجري من أحداث عنيفة في المجتمعات العربية. يتجلى في الخطاب الإعلامي، كما

في الخطاب الأكاديمي، أن نشهد يوميًا إدانة للدين الإسلامي على أنه الخلفية الأيديولوجية المنتجة والمغذية

للعنف. إن هذه التصورات بشأن العنف والدين في العالم العربي هي تصورات مصدرها الإثنومركزية

الغربية التي تجهل السياق التاريخي غير المعلمن لمسرح الأحداث العنيفة، ويتناسى العقل الغربي أن أوروبا

كانت أيضًا مسرحًا للعنف الممارَس باسم الدين. انطلاقًا من الأحداث العنيفة التي عرفتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، تحاول هذه الدراسة أن

تناقش فرضية مفادها أن في المجتمعات التي لا تزال تعيش مرحلة تداخل الحقول الاجتماعية (تداخل

الحقل الديني والسياسي والاقتصادي وحتى الثقافي)، يلجأ الفاعلون السياسيون إلى تجنيد جميع الموارد

السياسية المتاحة لشرعنة ممارساتهم وتصوراتهم، وتحقيق أهدافهم في البقاء في السلطة السياسية أو في

الوصول إليها. إن كلًّ من الدين والقبيلة والطائفة عنصر أولي لمّا يُيّد سياسيًا، فيشكّل، بالتالي، موارد

غنية لإنتاج العنف السياسي؛ فالشحنة السياسية التي تحملها هذه الأبنية لا تزال حاضرة، بل إنها تزداد قوة

في حالة الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتشكل موردًا كامنًا لدى الجماعات الاجتماعية الأكثر أصولية. ارتكز النظام السياسي الجزائري حتى ثمانينيات القرن الماضي على الشرعية الثورية لاحتكار السلطة، معتمدًا

في ذلك على الأيديولوجيا الشعبوية لنفي وجود خلافات واختلافات سياسية داخل الجسم الاجتماعي،

وعلى الموارد الريعية لشراء «الإجماع السياسي» حول النظام القائم. لكن بمجرد انهيار أسعار المحروقات في

منتصف الثمانينيات، انهار الإجماع السياسي وبدأ التذمر يتصاعد في المجتمع مع مطالب بإعادة توزيع السلطة

وفتح المجال أمام التعددية. ولكن في سياقات الأزمة الاقتصادية الخانقة، لا تزدهر إلّ الخطابات الأصولية

التي تعرف جيدًا كيف تسوّق مشروع يُوتوبي يستطيع فيه أفراد المجتمع أن يعيشوا لحظات من التضامن،

توحي لكل واحد منهم بأنه ليس وحيدًا أمام تسلط «الدولة الطاغية»، وأن «إخوته في الدين» يقاسمونه

صعوبات الحياة. وقد وعد الخطاب الإسلاموي الجزائريين بتجسيد قيم الثورة التحريرية، وتحقيق العدل

والمساواة عن طريق بناء الدولة الإسلامية. واتُّم رجال النظام بفساد أخلاقهم، واعتبُر ابتعادهم عن تعاليم

الإسلام الصحيح السبب الذي أدى إلى التوزيع غير العادل للموارد الريعية بين الجزائريين. ويتجلى من

خطاب للإسلامويين أنه يكفي استبدال رجال النظام برجالهم حتى يسود العدل والمساواة. في الوقت الذي كان النظام يرى في نفسه تجسيدًا للدولة والوطنية، كان التيار الإسلاموي يرى في نفسه

تجسيدًا للإسلام. ولكن النظام لم يعد آنذاك (نهاية الثمانينيات) يمتلك موارد ريعية لشراء الإجماع السياسي

الوطني، ولم يعد الإسلامويون أيضًا يمتلكون الأدوات لتحقيق مشروعهم اليوتوبي. فاستخدم النظام

العنف المادي للدفاع عن السلطة وعن الامتيازات الريعية التي تحوزها جماعاته، في حين استخدمت

(((نستعير فكرة هذه الفقرة التقديمية من مقال عال م الاجتماع الجزائري لهواري عدي، عنوانه: «العنف والإسلام في الجزائر»ِ(باللغة

الفرنسية). انظر:

Addi, Lahouari, «Violence politique et Islam en Algerie,» in: Addi Lahouari et Mondher Kilani, Islam et changement social (Lausanne, Suisse: Editions Payot (Science humaines), 1998), pp. 295-311.

(((سيرتكز التحليل على خطاب وممارسات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، باعتبارها الحزب السياسي الذي حصد أغلب مقاعد البرلمان

في الانتخابات التي جرت في كانون الأول/ ديسمبر 1991، وألغى الجيش نتائجها في 21 كانون الثاني/ يناير.1992

الجماعات الإسلاموية العنف (الجهاد) للقضاء على النظام الذي يعيق تحقق «الدولة - الإسلامية العادلة»

ويمنع وصولها إلى مصادر الريع لتوزيعه. حينما يصبح الصراع على السلطة ميؤوسًا منه، بسبب القمع المنظَّم، تلجأ الجماعات السياسية المرشحة

للسيطرة على السلطة إلى الاستثمار في الأبنية العضوية (الطائفة، القبيلة، العرق، الدين، المذهب...).

والمخيال الاجتماعي الجزائري متشبع بالدين، وتحتفظ ذاكرته بالكثير من الأساطير المتعلقة بالفتوحات

الإسلامية والحروب الصليبية وحروب التحرير الوطنية، وبالتالي من السهل تجنيده وراء الخطاب

الراديكالي الإسلاموي لقيادة معارك سياسية مسلحة باسم الدين، فتكون المساجد وخطب الجمعة منابر

ومعاقل لتجنيد الشباب الفقراء والعاطلين من العمل ضد «الطغاة». وأصبح المجتمع بأسره رهين عنفين:

عنف النظام للدفاع عن مصالحه وموقعه بالموارد الريعية لتقوية الجهاز القمعي البوليسي وتغذية الشبكات

الزبونية المتحالفة معه، وعنف الجماعات الإسلاموية التي حاربت بالسلاح من أجل الدفاع عن وجودها

أولً، وتحقيق مشروعها ثانيًا.

على هذه الخلفية النظرية، سنحاول العودة إلى سنوات العنف السياسي الدموي في الجزائر، مع تحليل ما

يحدث في بعض البلدان العربية التي عرفت حراكًا سياسيًا في السنوات الأخيرة.

حول العلمنة والعلمانية

بالنظر إلى الكم الهائل من الأدبيات المهتمة بموضوع العلمانية في الحقل الأكاديمي والفكري العربي،

وبالنظر إلى الاتجاه العام لهذه الأدبيات، فلا شك في أن ثمة كثيرين سيستغربون الحديث عن هذا الموضوع

في سياق مناقشة إشكالية العنف والسلطة في المجتمعات العربية. هنالك عدد قليل من الكتابات التي ناقشت موضوع العلمنة والعلمانية بطريقة يمكن أن تحولها من

«النقاش في أيديولوجيا» إلى نقاش في براديغم بحثي يمكن أن يساعد على تحليل مجموعة من الظواهر

السياسية والثقافية والاقتصادية. لكن ما علاقة العنف، بأشكاله ومستوياته المتخلفة، بالعلمنة والعلمانية؟ في الواقع، وبالنظر إلى الاتجاه العام للأدبيات المهتمة بموضوع العلمانية والعلمنة (مع أن هذا الأخير قليل

الاستعمال عند هذا الاتجاه)، يمكننا القول إن الصيغة التي قُدّم بها هذا الموضوع ونوقش ورُوّج له لا

تساعد في شيء على فهم موضوع العنف السياسي، بل العنف بجميع أشكاله ومستوياته، وعلى تحليله

في علاقته بالسلطة. على العكس من ذلك، فإن كثيرًا ما كانت هذه الأطروحات مسوغًا ومبررًا فكريين

وأيديولوجيين لممارسة العنف على هذا الطرف أو ذاك. ألا نتذكر كيف كانت جماعات الإسلام السياسي

تندد ب«الأنظمة العلمانية» و«المفكرين العلمانيين»، وبزحف «العلمانية الكافرة» على المجتمعات الإسلامية

العربية؟ ألم يتعرض كثير من الكتّاب والأدباء للقتل أو لمحاولات قتل بسبب تهمة العلمانية التي رُموا بها؟

من الصعوبة بمكان أن نحصر أنصار هذا التيار، ولكن إذا ركزنا على المفكرين الذين أثّروا في جيل كامل

من الباحثين والطلاب في العالم العربي، فإنه يمكننا القول بأن كتابات عبد الوهاب المسيري ومواقف محمد

عابد الجابري وفهمي هويدي شكّلت سياقات فكرية لتحويل العلمانية من سيرورة تاريخية إلى أيديولوجيا

«دخيلة على المجتمعات العربية». ونحن لا ندّعي أن هؤلاء هم من قاموا بتحويلها إلى أيديولوجيا

(((انظر: عبد الوهاب المسيري وعزيز العظمة، العلمانية تحت المجهر، حوارات لقرن جديد، ط 2 (بيروت: دار الفكر المعاصر،

بشكل مباشر وواع ومقصود، وإنما طريقة معالجتهم لها هي التي يسّ ت لتيارات الإسلام السياسي فرصة

تحويلها إلى أيديولوجيا؛ فالجابري مثلً يرى أن العلمانية جزء من التشكيل الحضاري الغربي، وتعني فصل

الكنيسة عن الدولة، ويعتبر أن مفهوم العلمانية غريب على الإسلام لأنه يعتبر أن الإسلام ليس كنيسة لكي

تفصله عن الدولة. أمّا هويدي، فيدعو إلى «قبول العلمانيين المعتدلين ومحاربة العلمانيين المتطرفين ».

إن قراءة سريعة لكتاب العلمانية تحت المجهر تسمح باستيعاب حجم الهوة الشاسعة بين المفكرين الذين

تناولوا العلمانية والعلمنة في الحقل الأكاديمي العربي. وتبيّ لنا المناظرة القائمة بين المسيري، الذي يُعتبر

عند البعض أهم مصدر فكري لفهم الظاهرة، وعزيز العظمة الذي لا يكاد يذكره التيار الأول، وجود

أزمة فكرية حقيقية في العالم العربي تجاه المفاهيم المرتبطة بالحداثة على نحو خاص. ويكاد العظمة والمسيري

لا يلتقيان في أي نقطة حول العلمانية، كما لو أنهما لا يناقشان الموضوع نفسه. وفي نظرنا أن المسيري يقدم

مواقف أيديولوجية تجاه ظاهرة تاريخية لم يفصلها ضمنيًا عن ظاهرة العولمة والليبرالية؛ فهو يبحث عن

الظواهر السلبية الناتجة من الرأسمالية، ويحاول وضعها تحت يافطة العلمانية، ثم يسرد علينا مجموعة من

الأمثلة التي يعتقد أنها تؤكد فكرته بشأن العلمانية باعتبارها انهيارًا للأخلاق في المجتمعات الغربية.

ثم يقول، بعد أن يسرد لنا أمثلته بخصوص سلبيات الحضارة الغربية (أفلام، مفكرين، فلاسفة): «ثمة

حاجة إلى مصطلح شامل يفسر هذه الظواهر المترابطة المتشابكة، ويبيّ علاقة جوانبها السلبية بجوانبها

الإيجابية، ويبيّ الوحدة الكامنة خلف هذا التنوع. ونحن نذهب إلى أن تعريف العلمانية بطريقة مركّبة

وشاملة قد يفي بهذا الغرض. ولكن العلوم الاجتماعية والإنسانية عند العرب أخفقت في التوصل إلى

مثل هذا التعريف». انطلاقًا من هذا التصور للعلمانية، يختتم المسيري كلامه بدعوة صريحة إلى محاربة

العلمانية باعتبارها أيديولوجيا وليست صيرورة تاريخية أو براديغمً تفسيريًا في العلوم الاجتماعية. ومع

أنه يميز بين العلماني المتطرف والعلماني المعتدل، فإن ذلك لا يعدو أن يكون - في نظرنا - مجرد تمييز لا

دلالة له ما دام أن العلمانية ليست صفة تُطلَق على هذا أو ذاك؛ ففي نهاية الأمر، هل في إمكان المسيري

أن يميز ميدانيًا وواقعيًا بين المتطرف والمعتدل؟ ومن هي الجهة التي لها الحق في إصدار مثل هذا التمييز؟

فلنلاحظ ما كتبه في نهاية مداخلته في الكتاب: «إننا نذهب إلى أن كل تيار سياسي يحترم عقيدة الأمة

ويلتزم بنصوص الدستور المعبّة عن ذلك يصبح من حقه أن يكتسب الشرعية وأن يكون شريكًا في

الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي. ينسحب ذلك على مختلف فصائل العلمانيين المعتدلين، سواء كانوا

(((المصدر نفسه، ص 145

(((المصدر نفسه، ص.147

(((المصدر نفسه، ص.32-30

(((المصدر نفسه، ص 45.

(((يعتقد عزمي بشارة أن دلالات العلمانية والعلمنة ظلت مختلفة من تيار إلى آخر باختلاف المواقف الأيديولوجية من علاقة الدين

بالدولة والمجتمع، في حين أنه يفترض أن تكون العلمنة نظرية، لا يصطلح عليها بقدر ما تحاسب بموجبه قدرتها على تفسير ما جاء

لتفسيره من ظواهر وصيرورات، حتى لو كان منطلقها أيديولوجيًا. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مجلد 2

(بيروت والدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.9

في نظرنا هذا هو الخطأ الذي وقع فيه التيار الأكثر تأثيرًا في صناعة مفهوم العلمانية في العالم العربي؛ فهو لا ينظر إلى العلمانية على

أنها نظرية مفسرة لظواهر، بل يقدمها على أنها أيديولوجيا معادية للدِّين، وهذا الموقف هو في حد ذاته موقف أيديولوجي لا يساعدنا

في شيء على فهم ظواهر من مثل العنف. كان في الإمكان ألّ نشير إلى الفهوم المختلفة للعلمانية عند المسيري والجابري كونها

مواقف أيديولوجية مؤسسة بدورها على أيديولوجيا، ولكن شدة تأثيرها ورواجها فرضت علينا مراجعتها نقديًا لكي يفهم القارئ

الدوافع المنهجية والمعرفية التي كانت وراء ذلك؛ فحتى داخل الأوساط الجامعية، لا تزال الفكرة الرائجة حول العلمانية والعلمنة

هي تلك التي يسوقها الخطاب الديني و الإسلام السياسي، حتى و إن تغلف بعضها بالأكاديموية، على غرار الأسماء التي أشرنا إليها.

ليبراليين أو قوميين أو ناصريين أو ماركسيين. أمّا أهل التطرف العلماني المخاصمون للدين، فلا مكان لهم

في إطار الشرعية؛ إذ إنهم لا يهددون عقيدة المسلمين وحدهم، ولكنهم يهددون الإيمان ذاته، إسلاميًا كان

أم مسيحيًا أم يهوديًا...». إن الماركسي الذي رفضه المسيري وكثير من المفكرين الذين ينتمون إلى تياره،

يقبله هنا لكي يضفي نوعًا من المبرر الأخلاقي على رفضه وجود من يسمّيهم علمانيين متطرفين. العلماني

المتطرف عند المسيري لا يعدو أن يكون نموذجًا مثاليًا يحمل جميع الانعكاسات السلبية (سلبية هنا بمعنى

أخلاقي إثنومركزي) لليبرالية والحضارة الغربية، ولا يخفي المسيري ذلك بدعوته إلى تمديد مفهوم العلمانية

ليحمل هذه الصفات كلها، ضاربًا عُرض الحائط بالسياق التاريخي والفكري الذي أنتج هذه الصيرورة.

أمّا نظرة عزيز العظمة إلى الموضوع، فجاءت نقدية وتاريخانية، وقدّمها بشكل يسمح بالانتقال بها من

موقف وقرار أيديولوجيين إلى دينامية تاريخية تتحقق في ظروف موضوعية في المجتمعات البشرية بشكل

ووتيرة مختلفين بالطبع. وهناك طروحات مشابهة للموضوع، على غرار طروحات لهواري عدي، ولكنها

تبقى، بالرغم من أهميتها، معالجات جزئية وغير مكتملة لموضوع العلمنة؛ إذ إنها لم تَرِد في مؤلف خاص

بالظاهرة، بل جاءت في سياقات تناوله موضوعاتٍ سوسيولوجية وسياسية على غرار موضوعات العنف

والمجتمع المدني و الحداثة.... يقترح عدي تصورًا للعلمنة بوصفها دينامية تخترق جميع المجتمعات الانسانية بلا استثناء، وسرعة

هذه الدينامية هي التي تختلف من مجتمع إلى آخر، وتبقى مؤشرات حضورها وغيابها قابلة للملاحظة

بسهولة. إن درجة العلمنة في الحقلين الاجتماعي والسياسي يمكن أن تكون مؤشرًا مهمًّ لتحديد مدى

سِلْمية حقل الصراع والتنافس على السلطة السياسية، وبذلك يصبح من الضروري أن ننتبه هنا إلى أن

العلمنة أو العلمانية لا تعني إقصاء الدين عن الحياة العامة، ولا فرض «دين وضعي» في مجتمع ما. وتظهر

العلمنة كما لو أنها دينامية سوسيولوجية تاريخية، من تحييد واستبعاد لبعض الموارد السياسية الذي سيؤدي

إن استعمله المتنافسون في السلطة إلى تحويل التنافس إلى اقتتال وتناحر دمويين، لكن هذين الاستبعاد

والتحييد لا يحدثان دفعة واحدة، ولا هما وصفة جاهزة يمليها مفكر على مجتمعه. إنها عملية إرادية وغير

إرادية في الوقت نفسه، وتنتج من التجربة والخبرات التي يمر بها مجتمع ما. هذه الموارد السياسية تختلف

درجة توليدها للعنف في أثناء استعمالها باختلاف قوة الشحنة العاطفية والحسية التي تحملها. والدين

هو أحد أهم هذه الموارد التي تحمل شحنة عاطفية وحسية، ولهذا يتنافس مختلف الفاعلون الاجتماعيون

والسياسيون ويتصارعون على احتكار تأويله وتفسيره لشرعنة احتكارهم السلطتين السياسية والاجتماعية.

إن الهيمنة على التأويل والتفسير خطوة مهمة نحو الهيمنة على السلطة والشرعيات المرافقة لها. لكن بسبب مكانة الدين والتدين في المجتمعات الإنسانية، بغضّ النظر عن نوع الدين، فإن احتكار التأويل

أمر صعب، ولا يحدث بسلاسة وتوافق ما دامت خلفيات الاحتكار وأهدافه سياسية وأيديولوجية.

فكلما فرض طرف ما فَهْمً معينًا للدين، تظهر فُهوم وتأويلات مضادة تقوده قوى سياسية تتخفى وراء

الدين. والتاريخ الإسلامي يعج بآلاف الأمثلة لهيمنة التأويل السياسي على التأويل الديني اللاهوتي، لأن

المجتمعات في العالم الإسلامي لم تكن معلمنة بعدُ لكي يتحرر التأويل من تعسف رجل السياسة وهيمنته.

(((المصدر نفسه، ص.148

(1((نذكر هنا على سبيل المثال:

Lahouari Addi: «Espace public, société et Etat en Algérie,» Le Quotidien d’Oran , 21-23/4/2004, et «Violence politique et islam en Algérie,» dans: Mondher Kilani, dir., Islam et changement social , avec le concours de Ahmed Benani, Moncef Djaziri et Hilary Kilpatrick (Lausanne: Editions Payot Lausanne, 1998), pp. 295-311.

هذا التحرر يحدث في إطار دينامية تاريخية، من تمايز الحقول الاجتماعية وتمفصلها بعضها عن بعض، حيث

يفقد الدين قيمته السياسية (كمورد للتعبئة السياسية) في سياق معيَّ ومحدَّد. كيف يفقد الدين هذه القيمة السياسية والقدرة على التجييش والتعبئة؟ هذا هو أحد أهم أسئلة النقاش

الدائر حول العلمنة والعلمانية، ومن دون طرح هذا السؤال ومناقشته يتحول النقاش بشأن العلمانية إلى

نقاش أيديولوجي لتحديد موقف من الدين، وليس إلى نقاش له رهاناته وأبعاده السياسية والمجتمعية

والأكاديمية. في إطار هذه النقاش، الذي ربما هو أداة من أدوات دينامية العلمنة وسيرورتها في الفضاء

العمومي، يتم التحييد السياسي (Dépolitisation) للأبنية العضوية (البناء الديني، البناء اللغوي، البناء

العرقي، البناء القبلي والطائفي و المذهبي)، لعناصر البناء الاجتماعي الأولية، لوقف الحلقة المفرغة من

التأويل والتأويل المضاد للدين. ويكاد تاريخ الإسلام، أو بالأحرى التاريخ السياسي للمجتمعات

العربية الإسلامية، يكون تاريخ التأويل والتأويل المضاد للقرآن والسنّة، وتاريخ الأحداث نفسها.

والمكانة المركزية للإسلام في المجتمعات العربية حولته إلى مورد سياسي لا غنى عنه، في سياق ما توافر

من ثقافة سياسية في كل مرحلة تاريخية، لمن يريد الوصول إلى السلطة «سريعًا» أو البقاء فيها «طويلً».

وقد بلغ التأويل المضاد أوجه في تكفير المسلمين بعضهم لبعض في إطار استراتيجيات التحييد السياسي

عن طريق القتل أو السجن في إطار علاقات القوة السائدة. وكتابات ناصر حامد أبو زيد تمدنا بما يكفي

من التحليلات الألسنية (نسبة إلى علم اللسانيات) والتاريخية والسوسيولوجية بشأن الصراع السياسي

على احتكار التأويل منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا. لقد تبيّ- لنا على الأقل - أن معظم الخلافات

«الدينية» الكبرى التي عرفها التاريخ الإسلامي كانت خلافات سياسية متعلقة بالصراع على السلطة،

أو أنها في أحسن الأحوال خلافات فكرية فقهية سيّسها المرشحون للسيطرة على السلطة، لأن عملية

مأسسة الصراع على السلطة لم تُنجز بعدُ، أي إن عملية بناء الدولة في حد ذاتها لا تزال في خطوات بدائية،

باعتبار أن الدولة مستوى سياسي قانوني يحل في إشكالية السلطة بطريقة أكثر سلمية، ووفق قواعد مقبولة

من طرف أغلب الخصوم السياسيين.

(((1 نذكر بصورة خاصة المؤلفات التالية: نصر حامد أبو زيد: الخطاب والتأويل (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،

2000)؛ النص، السلطة، الحقيقة: الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، ط 5 (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،

2006)، والتجديد والتحريم والتأويل: بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، (1((يمكن أن نذكر هنا الخلاف التاريخي بين الشيعة (الخوارج) ومن يسمَّون السنّة في عصرنا الحالي؛ فهو كان خلافًا سياسيًا بين

الأمويين وآل هاشم، وما التأويلات التي انبثقت عنه لاحقًا، وهي تأويلات يمكن أن تكون لاهوتية فقهية، إلّ لشرعنة سلطة سياسية

دنيوية لهذا الطرف أو ذاك. وبالتالي، فإن الدماء التي سالت طوال تلك الحقبة، وطوال تاريخ امتدادها، هي دماء سياسية وليست دينية،

وإن اختلط الأمر لاحقًا وصعُب تمييز هذا من ذاك.

(((1 نشير هنا أيضًا إلى ما يُعرف في التاريخ الإسلامي بمحنة خلق القرآن... القضية هي فقهية لاهوتية بالدرجة الأولى، لكن طرحها

في سياق غير معلمن ومتميّز بصراع عنيف على السلطة السياسية (الخلافة)، أدى بالمأمون إلى فرض موقف المعتزلة الفقهي بالقوة

على المسلمين، فسجن من سجن وقتل من قتل بسبب مواقف فقهية قد تؤدي إلى إنتاج مواقف سياسية. كتب نصر حامد أبو زيد ما يلي:

«هل كان موقف المأمون في إصراره على فرض ‹عقيدة خلق القرآن› على الأمّة يجسد موقفًا عقلانيًا، أم يجسد قوة السلطة الغاشمة

في محاولة فرض سلطاتها في جميع المجالات، ومنها مجال الفكر؟ وإلى أي حد كان الهدف غير المعلن هو تأديب بعض الحنابلة

الذين تصدوا لمقاومة سيطرة عسكر المأمون على بغداد؟ بينما كان مشغولً بقتال أخيه في مرو». يقدم أبو زيد هذه الأطروحة ليبيّن

فيها الخلفيات السياسية لانتصار عقيدة دينية معيّنة، أو الانتصار السياسي لفكرة دينية لأهداف سياسية. وقد كان أبو زيد، وبسبب هذه

الطروحات النقدية للتاريخ الإسلامي، عرضة لمختلف التهم الدينية التي صاغها ضده رجال السياسة والدين على حد سواء، إلى درجة

أن حُكم بفصله عن زوجته. انظر: أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل، ص 82 83-. وبخصوص إجراءات محاكمته انظر: نصر حامد

أبو زيد، التفكير في زمن التكفير: ضد الجهل والزيف والخرافة (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2014).

أيًا يكن التعريف الذي نقدمه للعلمانية وللعلمنة، فإنه يبقى عاجزًا عن استيعاب الدينامية التي نريد وصفها

به؛ فهي دينامية الحداثة التي تشكّل العلمنة أحد أجزائها، في تفاعل مع أجزاء وعوامل أخرى. ولذلك،

وجب التنبيه إلى أن عملية إضفاء السلمية على حقل الصراع على السلطة السياسية لم تجرِ فقط بتحييد

الدين سياسيًا وتحييد الدولة دينيًا. ولا يمكن اختزال الحداثة السياسية (دولة القانون) في دينامية العلمنة

مهما تكن أهمية هذه الأخيرة في إنتاجها وتحققها. وفي هذا الصدد، يقدم لهواري عدي تصورًا للعلمنة على

أنها صيرورة تاريخية تتمثّل في إزالة الحساسيات الدينية والعرقية واللغوية من الفضاء العمومي (فضاء

التنافس على السلطة وعلى المواد المادية والرمزية في المجتمع) من أجل السماح بإحلال السلم الاجتماعي

الضروري لاشتغال الاقتصاد والحياة الاجتماعية. النقطة الأكثر أهمية في سياق مناقشة العنف والسلطة

في المجتمعات العربية هي العلاقة بين مستوى العلمنة ومستوى العنف المرافق للصراع على السلطة

السياسية. وهنا نجد ثلاثية عزمي بشارة تقدم لنا أنموذجًا متكاملً لاستخدام نظرية العلمنة معرفيًا من

أجل تحليل سياقات محددة. في الواقع، يشكّل صدور كتاب عزمي بشارة بشأن العلمانية والعلمنة استكمالً للمعالجة الأكاديمية لهذا

الموضوع، ونقله من موضوع - ظاهرة تتأرجح بين الأيديولوجيا والتاريخ عند هذا الطرف ودينامية

وصيرورة تاريخية عند الطرف الآخر إلى براديغم معرفي لفهم مجتمعات بأسرها ودراسة هذه المجتمعات.

نحن لا نقول هنا إن بشارة لم يقُل عن العلمانية والعلمنة إنها سيرورة ودينامية تاريخية فحسب، بل إنه فتح

للباحث في الحقل العربي أيضًا المجال لاستعمال مفهوم العلمانية والعلمنة لدراسة ظواهر متصلة بسياقاتها

بشكل مباشر وغير مباشر. يقترح بشارة نسقًا نظريًا يمكن أن يفيدنا في فهم طبيعة العلاقة بين العلمنة كدينامية تاريخية تخترق

المجتمع، والعنف الذي يساير هذه الدينامية وتتغير مستوياته ودرجاته وأشكاله بتغير مستوى نضجها

(تطورها). العلمنة ليست موقفًا ولا هي بقرار ولا مجموعة من النواميس التي يمكن أن يمليها الحاكم

على المجتمع. إنها عملية تطور المجتمع في ذاته، حيث تنفصل وحدات بعضها عن بعض ثم تتحد من

جديد لتشكل وحدة جديدة تختلف عن الوحدة الأولى قبل انفصالها. وهي إذًا كظاهرة المجتمع المدني

والحداثة، ولذلك نفترض أن بشارة سيقوم في إطار مشروعه الفكري، وبعد أن ينتهي من كتابه بشأن

العلمنة والعلمانية، بالانتقال إلى معالجة معمّقة لمفهوم الفضاء العمومي. وهو افتراض مؤسس على مسار

تطور بحوثه؛ ذلك أن بمعالجة مفهوم الفضاء العمومي، ستكتمل صورة الحداثة في الفكر العربي الحديث،

باعتبار أن الحداثة مؤسسة على مرصوفة ثلاثية هي المجتمع المدني وسيرورة العلمنة والفضاء العمومي. انطلاقًا من الأعمال المعروضة أعلاه، يمكن أن نفترض أن العنف الذي عاشه ويعيشه بعض المجتمعات في

العالم العربي هو عنف سياسي يُنتَج بعملية تسييس للدين والطائفة والقبيلة والهويات الفرعية... وسبب هذا

التسييس ضعف مستوى العلمنة في هذه المجتمعات، وضعفت عملية بناء الدولة كإطار تحل فيه إشكالية

السلطة بطريقة سلمية. وفق هذا المنظور، فإن المجتمعات العربية لا تشكل استثناء؛ فالمجتمعات الأوروبية

(14) Addi, «Espace public».

1(((انظر: عزمي بشارة: الدين والعلمانية في سياق تاريخي، 2 ط ج، ج:1 الدين والتديّن، 2 منقحة (بيروت: المركز العربي للأبحاث

ودراسة السياسات، 20132)؛ ج في 2 مج، مج:1 العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2015)، ومج 2: العلمانية ونظريات العلمنة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015

(((1 المصدر نفسه، ج 2، مج 2: العلمانية ونظريات العلمنة، انظر إلى الخاتمة من ص 409 إلى 431، والمعنونة ب أنموذج نظري

في فهم علمنة السياسة والدولة.

مرت بهذه المرحلة، حيث كان العنف في مستوياته المتوحشة حينما كان الديني في قلب الرابطة الاجتماعية

والمصدر الرئيسي للشرعية السياسية. وقد أنسى التطور في المجتمعات الأوروبية الفرد الغربي بأن الدين ليس

مُنتجًا للعنف بشكل دوغمائي، بل إن تسييس الدين وتحويله إلى مورد سياسي في سياق التنافس والصراع على

السلطة هما اللذان ينتجان العنف من خلال مجموع المسوغات والسياقات التي يتيحها تأويل معين للدين

تجاه الأنا والآخر، وتقديس الأنا وشيطنة الآخر. وتظهر إشكالية العلمنة كما لو أنها قابلة للاختزال في قضية

الموارد السياسية التي يتنافس بها الفاعلون في السلطة، ويشرعنون بها وجودهم وأحقيتهم في ممارسة الحكم.

أمّا طبيعة الموارد المجندة عند هذا الطرف أو ذاك، هي التي تحدد مدى سلمية عملية التغيير السياسي. بل

إن الانتقال من موارد إلى موارد أخرى هو في ذاته انتقال عنيف، لأن الجماعات التي تعيد إنتاج هيمنتها

ومكانتها ورؤوس أموالها المادية والرمزية على الموارد التقليدية ستدافع بشراسة عن استمرار وجودها تحت

يافطات أيديولوجية وثقافية، ودينية أيضًا. يتجلى هذا بوضوح في أنماط التعامل الفكري والسياسي مع

إشكالية العلمانية ومفهومها. لقد صورها الخطاب الديني (باعتبارها المتضرر الرئيسي من عملية تحييد الدين

سياسيًا) بأنها الكفر والإلحاد، وكثيرًا ما كانت تهمة «العلماني» وراء قتل شخصيات فكرية وسياسية باسم

«الدفاع عن الدين» ضد «العلماني الكافر». كما صوّرها الخطاب القومي على أنها الحداثة، وأنهم (أي القوميين

العلمانيين) هم صمام أمان ضد الحركات الأصولية. العلمنة إذًا هي تغيير للموارد السياسية التقليدية بموارد

أخرى حداثية، لكن هذا التغيير لا يتم بقرار أو بإرادوية سياسية رغم أنه يمكن أن يحدث بوساطتهما في بعض

الحالات. يحدث هذا التغيير باعتباره ضرورة وحتمية اجتماعية لتجنّب الفناء وتجنّب تحوّل الصراع السياسي

إلى حرب دينية وعرقية وطائفية ومذهبية. إنه ضرورة اجتماعية تتسع رقعة حضورها باتساع رقعة العنف

الناتج من الصراع السياسي على السلطة السياسية. لا هي بخيار، ولا هي بقرار ولا هي بأيديولوجيا، على حد

تعبير عزمي بشارة وعزيز العظمة. العملية معقدة، وتستغرق فترة طويلة، يتفاعل فيها الاقتصادي والسياسي

والسوسيولوجي والثقافي، لينتج ذلك كلُّه واقعًا جديدًا مركّبًا من وحدات متمايزة بعضها عن بعض، لكنها

منظَّمة ومنتظمة وفقًا لقوانين هي محل اتفاق الأغلبية. تحتاج العلمنة إلى فهم لديناميتها التاريخية لا إلى تحديد

موقف منها. والفرق بين بشارة والعظمة وعدي من جهة، والمسيري والجابري وهويدي من جهة أخرى هو

أن الفريق الثاني أنتج أدبيات تحدد موقفًا أيديولوجيًا من دينامية تاريخية اختُزلت إلى أيديولوجيا، في حين أن

الفريق الأول قدّم تحليلً تاريخيًا يساعد على فهم كيفية اشتغال دينامية العلمنة في المجتمعات الإنسانية.

العلمنة إذًا مرحلة من مراحل تطور المجتمع الإنساني اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيا، حيث يحدد مستوى

تطور العلمنة مدى سلمية فضاء الصراع على السلطة السياسية، أو بتعبير آخر مدى كون سلمية فضاء

الصراع على السلطة السياسية مؤشر قياس درجة العلمنة في المجتمع. العلمنة هي أحد عناصر الحداثة

وبناء دولة القانون.

حول العنف

قبل الشروع في تحليل طبيعة العنف السياسي الذي تعيشه الجزائر منذ تسعينيات القرن الماضي، سيكون من

الأهمية أولً أن نبيّ الشروط الإبستيمولوجية التي يصبح فيها بالإمكان القول بأن العنف مفردة تنتمي إلى

النظام السياسي، أي إنها أحد مكونات النظام السياسي التي تفيد في تحليل طريقة اشتغاله وأسباب إنتاجه

(((1 لا يتسع المجال لذكر المئات من الكتب والمقالات التي تقدم العلمانية على أنها الكفر والغرب، لكن على سبيل المثال انظر:

محمد رشاد عبد العزيز محمود، أثر الفكر العلماني في المجتمع الإسلامي (القاهر: دار المحدثين للبحث العلمي والترجمة والنشر،

للعنف. ليست أشكال العنف كلها موضوعًا لعلم الاجتماع السياسي أو العلوم السياسية، بل إن كثيرًا منها

لا يمكن أن تكون موضوعًا للسوسيولوجيا أصلً ما دامت السيكولوجيا تؤكد أن أحد أسباب العنف هو

الدوافع السيكولوجية.

يهتم عالِالاجتماع السياسي بتلك الأسباب السياسية التي تؤدي إلى إنتاج العنف واستمراره في سياق

سياسي ومجتمعي ما، والأمر الذي يهمنا هو العنف السياسي باعتبار أهدافه أو أسبابه، بدءًا بالتساؤل:

ماهي السياقات التاريخية والظروف السياسية التي يكون فيها العنف أداة أساسية للوصول إلى السلطة

والبقاء فيها؟ ونحن لا ندّعي أبدًا أننا قادرون على الإحاطة بهذه السياقات والظروف كلها، لكن سنحاول

على الأقل التركيز على تلك التي لها علاقة بموضوع الصراع على السلطة والعلمنة. في الحقيقة ليست هنالك مجتمعات خالية من عنف سياسي، ولو بشكله الكامن. يقول عدي لهواري: «في

كل المجتمعات هنالك عنف سياسي بغضّ النظر عن نوعية الشرعية التي يشتغل بها النظام السياسي،

هنالك دائمً جماعات تنحو إلى ممارسة العنف»..، لكن مستويات العنف ودرجاته هي التي تختلف؛

فهي تبلغ مستويات دنيا لا تهدد وحدة الجماعة السياسية والحياة الاجتماعية في المجتمعات التي بلغ فيها

مستوى بناء الدولة درجة متقدمة، حيث استطاعت العلمنة اختراق الفضاء الاجتماعي ووصلت إلى

التأثير في وعي الأفراد وتمثلّاتهم للحياة الاجتماعية والسياسية. في هذا السياق، لا يكاد يكون للعنف أي

تأثير في دينامية الصراع والتنافس على السلطة، لأن مسألة الشرعية السياسية حُسمت والصراع والتنافس

جرت مأسستهما وفقًا لقواعد يتفق عليها أغلب الفرقاء والخصوم. وفي أغلب الأحيان، تكون الحركات

الفاشية الجدية والعنصرية هي مصدر العنف المادي والرمزي بغية محاولة الضغط على القوة السياسية

الحاكمة كي تتبنّى مواقف عنصرية ومتشددة تجاه الأجانب أو المهاجرين، مثلً. لكن تأثير العنف المادي في علاقات القوة السياسية يكون أشد وأخطر في المجتمعات التي تعرف عجزًا

وضعفًا في صيرورة بناء الدولة والمؤسسات السياسية، أي في المجتمعات التي لا تزال شرعية ممارسة

السلطة فيها غير محسومة بعدُ. في هذه المجتمعات، لا تتصارع جماعات سياسية حاملة أيديولوجيات

ومصالح متناقضة ومختلفة فحسب، بل تتصارع أيضًا شرعيات متناقضة ومتصادمة في أغلب الأحيان؛

فالشرعية الدينية تتصارع مع الشرعية الثورية والشرعية الملكية والشرعية التاريخية.... وكل جماعة تحاول

أن تفرض شرعيتها عن طريق تجنيد ما هو متاح لها من أدوات، منها ممارسة العنف المادي لفرض شرعية

ما على حساب الشرعيات الأخرى، وإجبار الطرف الآخر على التخلي عن الشرعية التي ينادي بها. في السياقات التي يكون فيها المجتمع المدني محققًا تاريخيًا، حيث علاقات القوة متوازنة بين المجتمع

السياسي والمجتمع الاقتصادي، يكون الانتصار لشرعية الصندوق والانتخابات. أمّا في سياقات أخرى،

حيث يهيمن السياسي على الاقتصاد، وحيث يكون المجتمع تحت رحمة الدولة اقتصاديًا (بسبب وفرة

الريوع مثلً)، فإن الصراع حول الشرعيات يظل محتدمًا، نظرًا إلى أن فرض الاحتكام إلى الصندوق غير

ممكن بسبب اختلال توازن في علاقات القوة. في ظل هذه الظروف، يصبح العنف من أهم أدوات إجبار

الخصم السياسي على قبول الشرعية القائمة أو على إعادة النظر فيها. ومن هذا المنطلق اشتُق تعريف للعنف

السياسي بأنه «ذلك الصراع الذي يقوم على الاعتداء على الخصم السياسي جسديًا من أجل إجباره على

قبول شروط لعبة سياسية ظل يرفضها ما دام في وضعية تسمح له بذلك (أي برفضها)».

(18) Addi, “Violence politique et islam».

(((1 المصدر نفسه.

في ضوء ما سبق، نقول إن العنف هو أحد الموارد السياسية التي يستعملها الفاعلون الاجتماعيون لفرض

شرعية سياسية جديدة، أو للحفاظ على شرعية قائمة لا تحظى بالإجماع في المجتمع. ومن أهم صفات

الأنظمة الشمولية الهوس بالإجماع على جميع التفصيلات المتعلقة بالمبادئ والقيم والمرجعيات السياسية.

لذلك، فإنها تتأسس عادة على أيديولوجيا شعبوية ترفض الاعتراف بوجود تعددية وخلافات داخل

الجسم الاجتماعي. لكن فرض هذه الأيديولوجيا اليوتوبية يستلزم قمع جميع الخلافات والاختلافات

بالعنف. والنتيجة هي أن العنف عنصر أساسي في الأنظمة الشمولية، وحدّته وخطورته التدميرية تزدادان

داخل المجتمعات التي يكون فيها الدين محوريًا في العلاقات الاجتماعية والسياسية. سنحاول في ما يأتي أن نستعرض نموذجًا من المجتمعات العربية التي عرفت تسييرًا للسلطة السياسية

باستعمال العنف على نحو حاد، وكيف أن العنف ظل أداة تسيير السلطة وتوزيعها والحفاظ عليها

في المجتمع.

الجزائر: من التسلط الريعي إلى اليوتوبيا الإسلاموية

تركز الدراسات المهتمة بالعنف في الجزائر المعاصرة على ما يُعرف ب«العشرية السوداء»، أي الفترة الممتدة

بين سنتي 0199 و 2000، حين عرف فيها العنف مستويات عالية فاقت ضحاياها ال 001 ألف قتيل.

والدراسات التي تختزل العنف وتاريخه في هذه الحقبة الزمنية تعود عادة إلى استعراض تاريخ الحركات

الإسلامية في الجزائر، باحثة عن لحظات من تأسيس للعنف في نشاطها وممارستها، كما لو أنها المصدر

الوحيد للعنف. لا يمكن أن يُتزل في هذه المرحلة العنف في الجزائر، ولا في الحركات الإسلاموية الأصولية؛ فهو كان

في قلب صيرورة نشأة الدولة الوطنية في حد ذاتها، أي كان وسيلة أساسية للعمل السياسي منذ الوجود

الاستعماري في الجزائر. وكانت وحشية الاستعمار الفرنسي قد أدت إلى انتصار الجناح الراديكالي في حزب

الشعب الجزائري، وهو الجناح الذي رأى في استعمال السلاح الوسيلة الوحيدة لبناء الدولة الوطنية ذات

السيادة. منذ تلك الفترة، بقي العنف وسيلة أساسية من وسائل العمل السياسي حتى بعد الاستقلال.

وخلال سنوات حرب التحرير الوطنية، ظهر ما أطلق عليه بعض المحللين اسم «نظام بوصوف»، وهو

النظام الذي ارتكز على تنفيذ عمليات اغتيال وممارسة العنف ضد الخصوم السياسيين في سياق الصراع

((2(في الإمكان أن نشير هنا إلى المؤلفات التالية:

Liess Boukra, Algérie, la terreur sacrée (Lausanne; Paris: Favre, 2002), et Abderrahmane Moussaoui, De la violence en Algérie: Les Lois du chaos (Alger: Editions Barzakh, 2006).

((2(انقسم حزب الشعب الجزائري (حركة انتصار الحريات الديمقراطية) بقيادة مصالي الحاج إلى جناحين: جناح المصاليين

الموالين للزعيم التاريخي، وهم الجماعة التي رفضت اللجوء إلى إعلان حرب شاملة ضد الاستعمار بسبب عدم تكافؤ علاقات

القوة، وجناح المركزيين (الأعضاء الموالين للجنة المركزية) الذي قرر التمرد على الزعيم الروحي مصالي الحاج وإعلان الثورة

ضد الاستعمار الفرنسي ليلة 1 تشرين الثاني/نوفمبر 54.19 منذ تلك الحادثة، أُخرج مصالي الحاج من التاريخ الرسمي للثورة

الجزائرية بحجة أنه لم ينخرط في الكفاح المسلح لاستعادة الاستقلال، وظل الحديث عنه محل تجاذبات ورهانات سياسية. حول

هذا الموضوع، انظر:

Mohammed Harbi,  La Guerre commence en Algérie: 1954 , la mémoire du peuple; 36 (Bruxelles: Complexe, 1998).

((2(سمِّي نظامَ بوصوف نسبة إلى مؤسس المخابرات الجزائرية عبد الحفيظ بوصوف، الذي هو أحد رفاق بومدين في ما يُعرف

بجماعة وجدة (المدينة المغربية التي اتخذوها معقل لبناء جيش خلال سنوات الحرب، واستُعمل لاحقًا لأخذ السلطة بالقوة). وكانت

أولى عمليات القتل السياسي الذي قامت به هذه الجماعة هو اغتيال مهندس الثورة الجزائرية عبان رمضان في مدينة تطوان المغربية،

بعد أن نادى بمبدأ أولوية السياسي على العسكري في ميثاق الصومام.

على السلطة بعد الاستقلال. وقد اغتيل عدد كبير من قادة الثورة من طرف زملائهم بسبب استراتيجيات

الصراع على السلطة والقيادة، وتُوجت تلك الاغتيالات بانقلاب بومدين وبوصوف على الحكومة المؤقتة

بعد الاستقلال مباشرة. لكنها لم تتوقف هنا، بل استمرت باغتيال معارضين في الخارج (محمد خيضر

وكريم بلقاسم) وسجن معارضين في الداخل (حسين آيت أحمد ومحمد بوضياف والعقيد شعباني...).

لكن، هل يمكن أن يستمر نظام سياسي في الوجود بالارتكاز على العنف والقمع فقط؟ بالطبع لا، فالعنف

وحده يؤدي إلى حالة حرب ينغمس فيها الكل ضد الكل. والنظام السياسي يحتاج، بالإضافة إلى العنف

والوسائل البوليسية، إلى شرعية وأيديولوجيا تبرراها وأدوات لصيانة هذه الأيديولوجيا في أوقات

الأزمات. من هنا، ارتكز نظام الحزب الواحد في الجزائر على ثلاثية: الشرعية الثورية والأيديولوجيا

الشعبوية والتسلط الريعي. قام العقيد هواري بومدين، بعد انقلابه على الحكومة الجزائرية المؤقتة في صيف 2196 ثم على بن بله (أول

رئيس للجزائر المستقلة) في 19 حزيران/يونيو 5196، بتعطيل المجلس الوطني التأسيسي، وأسس ما

يُعرف بالمجلس الوطني للثورة، كأعلى هيئة سياسية لإدارة البلاد. ولكن نشاط هذه الهيئة جرى تجميده،

فلم تجتمع ولا مرة واحدة، وظل بومدين والجيش مصدري السلطة ومركزيها الوحيدين. وجد نظام بومدين في الأيديولوجيا الشعبوية مبررًا لشرعنة الانفراد بالسلطة وإقصاء جميع الخصوم

السياسيين. وهي تقوم على تصور المجتمع بأنه كتلة واحدة، لا تتخلله خلافات ولا صراعات ولا

اختلافات من أي طبيعة: الهوية الواحدة، المصالح الواحدة واتفاق الجميع على ممثلهم السياسي الوحيد.

وتكرست هذه الأيديولوجيا في الميثاق الوطني لسنة 1976، إذ شُدِّد في ديباجته على أن «الشعب

الجزائري شعب واحد، لا تتخلله خلافات سياسية ولا اقتصادية ولا أيديولوجية». وقد استُعملت

الشعبوية لمنع مأسسة الصراع على السلطة من خلال نفي وجوده بين الجزائريين؛ فمثلما كان الجزائريون

متحدين خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار، فإنهم اليوم كذلك خلال مرحلة «البناء والتشييد». وكانت

القلة القليلة المنادية بمأسسة الخلافات عبر تحرير الحقل السياسي تُتهم بالعمالة لحساب جهة خارجية

تحاول إضعاف وحدة صف الجزائريين، وبهذه الطريقة انفرد بومدين ونظامه بالسلطة ثلاثين سنة كاملة. الشعبوية هنا ليست اختراعًا مكيافيليانيًا يهدف إلى تبرير أخذ السلطة والاستيلاء عليها، بل هي إنتاج

ظروف تاريخية وثقافية وأيديولوجية. وهي تعبّ في مجملها على محدودية الثقافة السياسية لنخب ما

بعد الاستقلال الوطني. ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فإن طابعها اليوتوبي أدى بها إلى إنتاج نظام

((2(بالنسبة إلى العقيد شعباني، حُكم عليه بالإعدام بعد أن اتُّهم بمحاولة انقلاب عسكري سنة 1967. ونُفذ الحكم في حقه. أمّا

محمد بوضياف، فقد نفي إلى المغرب، و لم يعد إلى الجزائر إل بعد استقالة الرئيس شاذلي بن جديد، حيث استدعي لشغل منصب

رئيس المجلس الأعلى للدولة بعد إلغاء المسار الانتخابي ودخول الجزائر في مرحلة انتقالية. اغتيل محمد بوضياف خلال إلقائه

خطابًا متلفزًا في 29 حزيران/يونيو 2.199 ومنذ ذلك التاريخ، أصبح العنف جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي في الجزائر،

ولم تتراجع حدته إلّ في مطلع الألفية الحالية.

((2(الميثاق الوطني هو عبارة عن وثيقة أيديولوجية، حُددت فيها معالم التوجهات العامة للدولة الجزائرية خلال سنوات الأحادية

الحزبية. وهو وثيقة لا تمتلك صفة القهرية مثل الدستور، لكن وزنها الرمزي والأيديولوجي يضاهي الدستور، وتمثّل مصدرًا و إطارًا

له. عرفت الجزائر المستقلة أربعة مواثيق أساسية: ميثاق طرابلس 2196؛ ميثاق الجزائر العاصمة 4196؛ الميثاق الوطني 9761؛

الميثاق الوطني 86.19 يمكن مراجعة نص هذه الوثيقة على الإنترنت على العنوان التالي:

http://www.el-mouradia.dz/arabe/symbole/textes/constitution76.htm (25) Benjamin Stora, Histoire de l’Algérie depuis l’indépendance.1, 1962-1988 , Repères; 316, nouv. éd. (Paris: Ed. la Découverte, 2001), p. 38.

مكيافيلياني تطور مع مرور الوقت ورأى في السلطة غاية في حد ذاتها، وحوّل الشعبوية إلى أيديولوجيا

لتبرير ذلك. هنا، نعتقد أن ثمة حاجة إلى توضيح كيف حدث هذا كله. حينما يؤكد الميثاق الوطني أن الجزائريين كتلة واحدة، فمعنى ذلك عدم اعتراف القانون بوجود

اختلافات وتناقضات داخل الجسم الاجتماعي الجزائري، وبالتالي عدم وجود حاجة إلى وضع قوانين

تُنشئ مؤسسات يمكن أن ينتظم فيها هذا الاختلاف والخلاف ويعبّ عن نفسيهما بطريقة قانونية وعلنية،

وبالتالي غلق المجال أمام التعددية الحزبية والثقافية والجمعوية، واختزال الحياة السياسية إلى تقديم الدعم

وإبداء الولاء للحزب الواحد، وفي أحسن الحالات يكون التنافس السياسي تحت قباب مباني الحزب من

أجل احتلال مناصب المسؤولية في هياكله الوطنية والمحلية. ولا شك في أن الجماعات التي تشعر بأنها لا

تنتمي إلى هذا الجهاز سياسيًا وثقافيًا وأيديولوجيًا ستحاول أن تعبّ عن اختلافاتها بطرق سرية، وبمجرد

اكتشافها تُقدَّم إلى المحاكمات الصورية وتُرمى بتُهم الخيانة والعمالة بسهولة كبيرة. تقوم الشعبوية على وهم

أنثروبولوجي مفاده أن المجتمع يتكون من إخوة وأخوات يحملون القيم والمعايير نفسها، ولا يتصارعون

ولا يتنافسون في ما بينهم حول الموارد ورؤوس الأموال المادية، والكل مقتنع بفكرة الحزب الواحد الجامع

والضامن للوحدة الوطنية. وفق هذا التصور، لا يمكن أن تظهر في الأفق حاجة لدى النظام الشعبوي

إلى قضاء مستقل وفصل بين السلطات. هذا الوهم الأنثروبولوجي ليس اختراعًا مكيافيليانيًا، كما أسلفنا،

بل إن جزءًا كبيرًا منه يعود إلى طبيعة التنشئة الاجتماعية والسياسية لنخب الاستقلال الوطني التي نشأت

داخل مناخ الأحادية الحزبية، حيث يعتقد أغلب قادة الجزائر التاريخيين أن «التعددية الحزبية» التي

عرفتها الجزائر بين الحربين العالميتين (-1919 4519) كانت سببًا في تشتت الجزائريين، ولولا القضاء

على هذه التحزبات والانصهار في حزب جبهة التحرير الوطني لما تمكنت الجزائر من استعادة استقلالها.

لقد تشكلت صورة سلبية عن التعددية وصورة إيجابية عن الأحادية، ولم يكن لدى النخب وعي بأن

الشعبوية هي أيديولوجية حرب ومعركة، تصلح فقط لرص الصفوف أمام عدو خارجي، وبمجرد زوال

هذا العدو تتحول إلى عائق أمام بناء الدولة والمؤسسات السياسية التي يؤطر فيها الصراع على السلطة، ما

دامت المؤسسات وجِدت لحل مشكلة الصراع والتنافس. إذا كان أغلب الجزائريين متفقين على ضرورة قيادة معركة التحرير تحت راية جبهة التحرير الوطني،

متجاوزين جميع أنواع الخلافات التي كانت بينهم، فإنهم لم يكونوا كذلك عشية الاستقلال الوطني، وأزمة

صيف 2 196 التي حُسِمت بقوة السلاح تعبّ بعمق عن هذا الرفض. والمكونات الثقافية الهوياتية التي

رُفضت باسم وحدة الأمة سرعان ما تسيست وتحولت إلى مصدر للتوترات الاجتماعية والسياسية، كما

بيّنت أحداث منطقة القبائل ذلك، وبقوة، منذ مطلع الثمانينيات. هذا، في حين نزعت إلى السرية والعنف

تلك الجماعات الحاملة مشاريع سياسية وأيديولوجية مختلفة عن مشروع النظام وأيديولوجيته، بل رافضة

له. كما أن الأحداث العنيفة، التي جرت وقائعها بين النظام والجماعات الإسلاموية منذ الميثاق الوطني

لسنة 9761 الذي رفضه الإسلامويون بحجة شيوعيته واشتراكيته، تبيّ هي الأخرى كم كانت الشعبوية

أداة لإنتاج العنف وتسييس الهويات الفرعية.

((2(نضع عبارة تعددية حزبية بين مزدوجين تعبيرًا عن رفضنا استعمال العبارة لوصف تلك الجماعات السياسية التي نشأت خلال

فترة ما بين الحربين في الجزائر. والتعددية الحزبية هي نتاج تاريخي داخل الدولة، وفي ظل غياب الدولة لا يمكن إطلاق اسم

الحزب على الجماعات السياسية الناشطة في مناخ الاستعمار، ويمكن، في أحسن الأحوال، تسميتها حركات سياسية تحررية. تمثّلت

هذه الحركات في: حزب الشعب (حركة انتصار الحريات الديمقراطية بعد 4519)، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الحزب

الشيوعي الجزائري، حركة أحباب البيان الجزائري.

أمّا الشرعية الوحيدة التي يستمد منها النظام وجوده، فهي الشرعية الثورية التي تمنع من لم يشارك في حرب

التحرير الوطني من تبوّؤ مناصب المسؤولية في جهاز الدولة والحزب. وما كان للأيديولوجيا الشعبوية

والشرعية الثورية أن تكونا ذواتي فعالية في المخيال الاجتماعي لولا قيام النظام الحاكم بصيانتها بشكل

دوري بأموال ومداخيل الريوع النفطية الضخمة. وقد وعد النظام الجزائريين بدولة حديثة واقتصاد

حديث في حال التفافهم حول قيادتهم الثورية، وحقق، بالفعل، مؤشرات اقتصادية إيجابية، وقضى على

الكثير من مظاهر البؤس والتخلف التي خلفها الاستعمار، وبلغت نسب الاستثمارات العمومية مستويات

قياسية خلال سنوات السبعينيات. لكن، ما إن بدأت مداخيل الدولة من صادرات النفط تتراجع، حتى

ثارت المشكلات الاجتماعية والسياسية التي استطاع النظام كبتها على امتداد عقود من الزمن، وكانت

تعتمل داخل العمق السياسي للحزب الواحد. إن عجز النظام عن تلبية حاجات المجتمع، من سلع أساسية وخدمات وصحة وتعليم وشغل (في وقت

احتكرت فيه الدولة جميع المبادرات الاقتصادية)، أدى إلى تراجع، ثم إلى ضعف فعالية الأيديولوجيا

الشعبوية والشرعية الثورية في مخيال الجزائريين الاجتماعي، بل بدأت عملية إعادة نظر حتى في ما كان

يعتبره النظام مقدسات تاريخية. وبقيت الشعبوية والشرعية الثورية تقاوم على مدى ثلاثة عقود بفضل

الممارسات الريعية للنظام، الذي استعمل الاقتصاد كأحد الموارد السياسية التي يشتري بها السلم

الاجتماعي، ويعوض بها ضعف الشرعية لديه من خلال نسج الشبكات الزبونية وصناعة الإجماع

السياسي. فالنظام الأحادي قام على فكرة الإجماع المصطنع من خلال توزيع الريع بين الحقول الاجتماعية

كافة، ولكن بدرجات ونسب تختلف باختلاف القرب والبعد من دوائر صنع القرار. وما إن انهارت

أسعار البترول، حتى طفت إلى السطح تلك الصراعات التي كانت تعتمل في العمق الاجتماعي، وتبين أن

المجتمع كان مخترَقًا بشرعيات منافسة للشرعية الثورية التي فرضها النظام قسرًا. في بداية الثمانينيات، بدأت الحركة الإسلاموية تظهر إلى العلن، مستغلة مجموعة من الظروف الداخلية

والخارجية؛ فخطابها استُثمر في بداية الأمر في بناء شرعية جديدة منافسة - مناقضة - للشرعية الرسمية

للنظام القائم. وفي هذا السياق ظهر كتاب أحمد عبد اللطيف سلطاني الذي زرع الشك لأول مرة في ما كان

يسمّى «شهداء الثورة». وكان من الضروري أن يحارب الإسلامويون الشرعية التي أسس النظام سلطته

عليها أولً، ثم أسس شرعية جديدة ثانيًا. كتب سلطاني ما يلي: «الإسلام لم يأمر المسلمين بمحاربة عدوهم

من أجل استعادة قطعة أرض، وأحجار وأشجار، ولا من أجل تملّك خيرات في هذه الدنيا... هذه الأمور

تتعلق بالغيرة والحسد».... كانت هذه عبارة عن مقدمة دينية لكي ينتقل سلطاني إلى الزحف على

الشرعية الثورية للنظام واستدراجها لتخدم الشرعية الجديدة الحاملة للمشروع الجديد؛ إنه يعتبر الثورة

التحريرية امتدادًا لجهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتم اختطاف هذه الجهود منها في لحظة

تاريخية ما، وقتلى هذه الحرب ليسوا كلهم شهداء، الشهيد فقط هو من مات من أجل عقيدته ودينه وليس

من مات من أجل الأرض والوطن.

(2((أحمد عبد اللطيف سلطاني، سهام الإسلام (الجزائر: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، 80 بع الكتاب على نفقة 19)، وقد ط

المؤلف.

((2(جمعية العلماء المسلمين الجزائريين حركة اجتماعية ظهرت في ثلاثينيات القرن الماضي بزعامة أحمد بن باديس. وكانت في

بداياتها الأولى ترفض الانخراط في العمل المسلح، مفضّلة العمل التربوي الدعوي للحفاظ على مقومات الشخصية الجزائرية من

إسلام وعروبة. لم تلتحق بالثورة التحريرية إلّ بعد سنة 91. 56

((2:(انظر.Boukra, pp. 195-196

إن ثقافة الجزائريين السياسية لا تزال متشبعة بالدين والتقاليد والتراث، ومن السهل أن يجد خطاب ديني رافض

صداه في العمق الاجتماعي في سياق الأزمة الاقتصادية الخانقة التي بدأت معالمها تلوح في الأفق، وفي سياق دولي

تميز بصعود المد الإسلاموي بعد هزيمة 9671 والثورة الإيرانية 9791 والحرب العراقية - الإيرانية والغزو

السوفياتي لأفغانستان. هي كلها عوامل ساهمت بأشكال مختلفة في تحويل الأيديولوجيا الجديدة إلى مشروع

شرعية سياسية منافسة للشرعية (أو ربما الشرعيات المشكِّلة للشرعية القائمة) الثورية والأيديولوجيا الشعبوية.

مثلما أشرنا سابقًا، وفي سياقات تاريخية غير معلمنة، لا يكون الصراع على السلطة بين مشاريع سياسية

فحسب، بل يمتد إلى صراع بين شرعيات متناقضة أحيانًا. وكان النظام السياسي الجزائري الذي أفرزه

الاستقلال يرى في السلطة غاية في حد ذاتها، وجنّد لذلك جميع الموارد المتاحة لبناء شرعية الأحادية

السياسية. في الحقيقة، تميل جميع الأنظمة السياسية التسلطية إلى فرض صورة إجماع وطني حول المشروع

الأيديولوجي والسياسي والاقتصادي، ولا تسمح بظهور خلافات واختلافات إلّ في حدود لا رهان

لها على صورة النظام. ويستمر الإجماع المزعوم ذو الفعالية في حالة توافُر موارد صيانته (مالية وعسكرية

وأيديولوجية)، ولكن زعزعة الشرعية تصبح حتمية في حالة تضرر أحد هذه الموارد. فأحداث 5 تشرين

الأول/أكتوبر 88 19 تعبّ عن وصول الأيديولوجيا الشعبوية المصونة بالممارسات الريعية إلى نهايتها

وإفلاس الشرعية الثورية التي يرتكز عليها النظام في ممارسته السلطة، ولكنها لا تعبّ عن تغير عميق

في بنية الثقافة السياسية للمجتمع الجزائري. وما حدث خلال العشرية الموالية يبيّ بقوة استمرار فعالية

الأيديولوجيا الشعبوية، ولكن في ظل خطاب جديد أكثر أخلاقية ويوتوبية. هنا يكمن فشل النظام

السياسي الجزائري، فهو استمر، بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على الاستقلال، في استثمار أيديولوجية ما

قبل - الاستقلال (أيديولوجية الحرب والمعركة على حد تعبير لهواري عدي)، وهي نفسها الأيديولوجيا

التي اختطفتها الحركات الإسلاموية لتستعملها ضد الناظم الحاكم، لكن برداء ديني جديد.

الشعبوية في حضن التعددية السياسية

كانت أحداث تشرين الأول/أكتوبر 8819 فرصة للحركات الإسلاموية لتنقضّ على الشارع من خلال

استثمار سياسي فعال في المخيال الاجتماعي الديني، وفي انعكاسات عقود من ممارسات النظام الحاكم

الريعية والشعبوية ضد الوعي والثقافة السياسية. وقد شكّل فشل المشروع التحديثي الذي وعد به النظام

الجزائريين موضوعًا خصبًا للتراشق والمزايدة السياسيين بين مختلف الفاعلين في الحقل السياسي، بعد إقرار

التعددية الحزبية في دستور 23 شباط/فبراير 89.19 وفي الوقت الذي اتجه بعض الأحزاب الجديدة إلى

بناء استراتيجيات سياسية حول برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية يمكن وصفها بالحديثة، عملت

الحركات الإسلاموية على الاستثمار في الخطاب الشعبوي نفسه الذي حافظ على استمرار حزب جبهة

التحرير الوطني (جهاز السلطة) في الحكم ثلاثين سنة، ولكن مع إضفاء نوع من الأخلاق والدين على

هذا الخطاب، ليكون الشارع في أيدي من يتقن استغلال خطاب الشعبوية، والجبهة الإسلامية للإنقاذ

كانت الأفضل بين الجميع، خاصة أن نشاطها السري يرقى إلى سنوات السبعينيات والثمانينيات، متغذيًا

من الظروف الدولية بصورة خاصة.

(3((لفرض الأيديولوجيا الشعبوية والأحادية الحزبية والإجماع المصطنع، كان كل من يرفض الانخراط في الحزب الواحد (جبهة

التحرير الوطني)، وجمعية الشباب الواحدة (المنظمة الوطنية للشبيبة الجزائرية)، واتحاد الطلبة الواحد (الاتحاد الوطني للطلبة

الجزائريين)، ونقابة العمال الواحدة (الاتحاد العام للعمال الجزائريين)... يُعتبر خائنًا وضد المصالح العليا للثورة والوطن.

(((3 في الواقع، بدأت الحركة الإسلاموية في الجزائر نشاطها في سرية وعنف، ويُعتبر العمل التخريبي، الذي قاده محفوظ نحناح

(زعيم فرع الإخوان المسلمين في الجزائر المعروف باسم حماس: حركة المجتمع الاسلامي، وقد غيرت الحركة تسميتها بعد دستور

1996 إلى حركة مجتمع السلم) ضد منشآت عمومية عقب المصادقة على الميثاق الوطني سنة 1976، أول تحرك لهذه الحركة.

منح دستور 8919 الحركة الإسلاموية فرصة لممارسة نشاطها علانية وفي إطار القانون - الذي لم يكن

يمنع آنذاك تأسيس أحزاب إسلامية وعرقية وجهوية. واستطاعت بخطابها الأخلاقي الناقد لرجال

السلطة والنظام أن تحصد أغلبية مقاعد المجالس الانتخابية البلدية في انتخابات حزيران/يونيو 0199،

ثم أغلبية المقاعد النيابية في تشريعيات كانون الأول/ديسمبر 991.1 أمّا إلغاء المسار الانتخابي، فلا يمكن أن يكون تفسيرًا وحيدًا وأساسيًا للعنف الذي دخلت فيه البلاد منذ

تلك المرحلة، بل يجب أن يمتد تساؤلنا البحثي إلى عمق الخطاب والبرنامج والأيديولوجيا التي تأسس

عليها التيار الإسلاموي في الجزائر. ولا يعني هذا أننا نغض الطرف عن عنف النظام، فهو إحدى صفات

النظم الشمولية بحكم تعريفها. وقد بات الجميع يعلم أن النظام لم تكن لديه النية والإرادة للتخلي عن

السلطة بمجرد إقراره التعددية الحزبية في الدستور، فهو كان يعتقد - أو على الأقل ذلك ما يعتقده جزء

مهم وفاعل من النظام - أنه سيقوم بالتلاعب بالتعددية، وأنه سيتحكم فيها وسيستمر بشرعية جديدة

كونية (الشرعية الانتخابية) تخفف عنه الضغوطات التي تمارسها عليه المنظمات الدولية والغرب بصفة

عامة، ولكن السؤال هو: كيف أدى توقيف المسار الانتخابي إلى إنتاج هذا الحجم الهائل من العنف؟ الفرضية التي قدمناها في هذه الدراسة هي أن خطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ ذا المرتكزات الأيديولوجية

لمشروعها السياسي الحاملة للعنف بسبب طابعها اليوتوبي هو خطاب غير قابل للتحقق، سواء تم وقف

المسار الانتخابي أو لم يتم؛ فالجبهة الإسلامية للإنقاذ هي في الواقع نسخة متدينة سلفية عن جبهة التحرير

الوطني، ومثلما أن التاريخ كان في صف الجناح الراديكالي في حزب الشعب عشية انطلاق ثورة التحرير،

كان التاريخ أيضًا في صف الحزب الأكثر راديكالية عشية إقرار التعددية الحزبية. لقد اعتمدت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، منذ سنوات النشاط السري، على الخطاب الأخلاقي في المجتمع

أولً، ثم على النقد الأخلاقي لرجال النظام والسلطة. وكانت تتهم هؤلاء بفساد الأخلاق، وتستغل

موضوع الفساد لمهاجمتهم من زاوية أخلاقية دينية. فسبب الفساد، في نظر الجبهة، هو ابتعاد المسؤولين عن

أخلاق الدين الإسلامي، وبالتالي لا بد من إقامة الدولة الإسلامية للقضاء على مظاهر الفساد والانحلال

الأخلاقي في المجتمع والدولة. وسبب الفقر والبطالة والتخلف الاقتصادي هو، في نظر الإسلامويين،

عدم نزاهة المسؤولين وليس تناقضات الاستراتيجيا التنموية أو غياب الفصل بين السلطات وعدم

استقلالية القضاء. والمجتمع في تصور خطاب الحركات الإسلاموية كناية عن إخوة وأخوات يجمعهم

الإيمان بالله والدين الواحد... وهو التصور نفسه الذي تروّج له الأيديولوجيا الشعبوية، لكن مع تأجيجه

في المخيال الاجتماعي بصور من الماضي الديني الأسطوري ل«المجتمع الإسلامي». وتقول الجبهة

الإسلامية للإنقاذ إنه يكفي أن يعوَّض رجال جبهة التحرير الوطني برجالها لكي تعالج جميع المشكلات

الاقتصادية والاجتماعية، لأن مشروعها مستمد من الإسلام، والإسلام هو الحل لجميع مشكلات

«المجتمعات العلمانية»، لكن رجال النظام لا يريدون لشرع الله أن يجد مكانه في المجتمع الإسلامي الذي

«أفسدته العلمانية والحداثة»، وما وقف المسار الانتخابي إلّ دليل على «معاداتهم للشريعة والإسلام». في

ظل هذه الظروف، يصبح الجهاد فرض عين على جميع المسلمين، والجهاد وحده كفيل بأن يضمن لشريعة

الله أن تطبّق، وبأن يستعيد المسلمون «مجدهم الغابر».

(3((يعود مشروع الدولة الإسلامية إلى سنوات الثمانينيات، حيث قامت الحركة الإسلاموية آنذاك، الناشطة في الجامعات، بوضع

ميثاق الدولة الإسلامية. انظر:.Boukra, p. 199

لقد احتاج هذا الخطاب الأيديولوجي السياسي إلى أدوات لصيانته وتمريره. وفي ظل حالة الفقر

والبطالة وندرة السلع الأساسية، وجد الجزائري نفسه وحيدًا أمام صعوبة الحياة اليومية التي بسبب

انهيار الاقتصاد وتطبيق شروط البنك الدولي للتصحيح الهيكلي. لكن خطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ

أعاد إليه الأمل من خلال الخطب النارية في المساجد، والصلوات الجماعية في الشوارع، وأيضًا من خلال

«أسواق الرحمة» التي تباع فيها السلع الغذائية بأثمان رخيصة جدًا مقارنة بأسعار الأسواق العادية.

إنها تمامًا الممارسات الشعبوية لنظام الحزب الواحد الذي كان يوظف الجزائريين في مصانع لا تنتج،

ويوزع مواد استهلاكية مستوردة بنصف أسعارها... وينفي السياسي (le politique) في المجتمع،

ويصوره بأنه كتلة متجانسة. هذه هي اليوتوبيا، وهي بحكم تعريفها غير قابلة للتحقق، لكن استعمالها كمورد سياسي

وأيديولوجيا لشرعنة البقاء في - أو للوصول إلى- السلطة، يجعل حامليها مدفوعين عن وعي وغير

وعي إلى ممارسة العنف لأجل تجسيدها، لأنهم غير واعين بأنها يوتوبيا، بل يبحثون دائمً عن كبش فداء

لتعيينه عدوًّا يريد أن يمنع بالقوة من تجسيد مشروعهم. وفي اعتقادنا أن العنف الذي عاشته الجزائر

منذ الاستقلال إلى اليوم يعبّ بقوة عن ضعف مستوى البناء الدولتي من حيث مأسسة الصراع على

السلطة وأدواته.

استنتاجات

- إن الأفكار المتراكمة حول أسباب العنف في المجتمعات العربية والإسلامية هي في معظمها أفكار إثنو

- مركزية (غربو- مركزية occidentalo-centrisme) لا تنظر إلى المجتمع من خلال ديناميته التاريخية

والمراحل التي تمر بها عملية مأسسة الصراع على السلطة السياسية، بقدر ما تنظر إليه بعين مقارباتية

تتجاهل - تجهل - السياق التاريخي الذي يدور فيه الصراع. ومعظم الأفكار والتصورات الغربية بشأن

المجتمعات العربية والإسلامية لا تزال متأثرة بالفكر الاستشراقي.

(((3 أنشأت الجبهة الإسلامية للإنقاذ حول المدن شبكة واسعة من المصليات والمساجد للتعبئة الأيديولوجية ونشر النظام الجديد،

وهذا ما مكّنها، علاوة على ممارسات أخرى مثل ما يسمّى «أسواق الرحمة»، من حشد الآلاف من الأتباع في وقت وجيز. بخصوص

الموضوع، انظر:

Mohamed Madani, «Villes algériennes: Entre panne de projet et urbanisme de fait,» Naqd: revue d’études et de critique sociale , no. 16 (2002), pp. 11- 25.

3(((نتبنّى هنا تعريف كارل مانهايم لليوتوبيا، في: كارل مانهايم، الأيديولوجيا واليوتوبيا مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة، ترجمة

محمد رجا الديريني (الكويت: شركة المكتبات الكويتية، 8019)، ص 47.3 يقول مانهايم: «تكون الحالة الذهنية يتوبية حينما

تتعارض مع حالة الأمر الواقع الذي تحدث فيه. ويتضح هذا التنافر دائمًا في كون هذه الحالة الذهنية، في الخبرة والفكر والممارسة،

متوجهة نحو أشياء غير موجودة في الوضع الواقعي....إننا سنمنح الصفة اليتوبيا لتلك التوجهات المتسامية على الأمر الواقع، والتي

تميل حين تتحول إلى سلوك، إلى تحطيم نظام الأشياء السائد حينذاك تحطيمًا كليًا أو جزئيًا...».

(3((انقسم الرأي العام في الجزائر إلى مساند لوقف المسار الانتخابي ومعارض له، وانسحب هذا حتى على ما يسمّى في وسائل

الإعلام الأحزاب الديمقراطية؛ فحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ساند قرار الجيش بإلغاء نتائج الانتخابات، في حين

وقفت شخصيات أكاديمية وفكرية ضد القرار. في هذا السياق أيضًا ظهرت أطروحة «التراجع الخصب» لصاحبها عالم الاجتماع

السياسي الجزائري لهواري عدي، الذي كتب سلسلة من المقالات الصحافية التي دعا فيها الجيش إلى عدم وقف المسار الانتخابي

لأن المشروع اليوتوبي الإسلامي سيتخذ ذلك ذريعة لتأجيج العنف والدعوة إلى الجهاد. واعتقد لهواري عدي أن ترك الجبهة

الإسلامية للإنقاذ تمارس السلطة سيؤدي إلى «احتراقها سياسيًا» في أعين الجزائريين، لأنها لا تمتلك برنامجًا سياسيًا ولا اقتصاديًا

ما عدا المشروع اليوتوبي غير قابل للتجسيد. ورأى أن ذلك هو الفرصة الوحيدة لكي تنكشف حقيقة الإسلام السياسي. بخصوص

هذا الموضوع، انظر:

Lahouari Addi, «Retour sur «la régression féconde»,» El Watan , 4/8/2013.

- لهذا السبب، غالبًا ما يُفسَّ العنف السياسي بالدين الإسلامي بشكل دوغمائي وآلي، مكتفيًا بالنتيجة

انطلاقًا من السبب الثاني أو الثالث في غالب الأحيان، غير آبه للسبب الأول الذي يقود عملية إنتاج

العنف. صحيح أن الانتحاري الذي يفجر نفسه في سوق في بغداد أو كراتشي يفعل ذلك مدفوعًا بقناعة

الاستشهاد، لكن السؤالين اللذين يجب الإجابة عنهما هما: من هي الجهات التي تنتج النسق الفكري

المتعلق بالاستشهاد والشهادة الانتحارية؟ من هي الجهة التي تنتج تأويلً كهذا للعنف، ما هي أهدافها

واستراتيجياتها؟ لا يمكن إرجاع السبب الأولي إلى الدين لكون الإجماع الديني حول هكذا أعمال غير

موجود، وغير قابل للوجود في اللحظات التاريخية كلها وفي الأديان كافة. - لا يمكن فهم دينامية العنف بمعزل عن مستوى بناء الدولة في مجتمع ما؛ فدرجة نضج البناء الدولتي

تعبّ عن درجة سلمية فضاء الصراع على السلطة السياسية. والفرق بين الدولة الحديثة ودولة في طريق

البناء، والحالة ما قبل دولتية هو فرق في درجة سلمية الفضاء العمومي وفضاء الصراع والتنافس على

السلطة السياسية. - هذه السلمية، مرتبطة في جزء مهم منها بمستوى العلمنة في المجتمع، تسمح لنا بالإجابة عن سؤال:

«ما هو مستوى العلمنة في مجتمع ما؟» بمعرفة مدى تحييد العناصر المثيرة للأحاسيس الدينية والعرقية

والطائفية من فضاء الصراع على السلطة السياسية أولً، وفضاء إعادة الإنتاج المادي للمجتمع ثانيًا. - تبين لنا تجربة بناء الدولة الوطنية في الجزائر محدودية الأيديولوجيا التي ارتكز عليها الخطاب الثوري

لنظام ما بعد الاستقلال. فلأسباب تاريخية وأسباب متعلقة باستراتيجيات الحفاظ على السلطة، ارتكز

النظام على أيديولوجيا تنفي السياسي، ومن ثمة المجتمع، وتصوره كتلة خالية من أي صراع أو خلاف.

وجرت صيانة هذه الأيديولوجيا والتصور اليوتوبيين وفرضهما بالقوة وبالريع البترولي. - لكن هذه الأيديولوجيا هي نفسها التي أنتجت حالة العنف ما بعد الأحادية الحزبية، من خلال سجن

التصورات المجتمعية للسياسي داخل حدود الشعبوية. ولم يكن الوعي المجتمعي والثقافة السياسية التي

كانت سائدة عشية إقرار التعددية ليسمحا إلّ بانتصار الخطاب الأكثر استثمارًا للمشاعر والأحاسيس التي

تحمل الرابطة الاجتماعية (الدين). من هنا، هجرت الشعبوية أحضان السلطة والحزب الواحد لتسكن في

أحضان المعارضة الدينية الراديكالية. - كانت الأيديولوجيا الجديدة في مواجهة مع الأيديولوجيا القديمة والأيديولوجيات التي نشأت من

التحولات العميقة للمجتمع الجزائري. وبالرغم من إقرار شرعية سياسية جديدة، فإن اختراقها الوعي

والثقافة السياسية في أحشاء المجتمع لا يزال ضعيف الأثر، بل إن مأسسة الصراع على السلطة عبر نظام

الانتخابات لم تكن في حد ذاتها محل قبول حتى من طرف الجبهة الإسلامية لإنقاذ، ويظهر ذلك جليًا من

خلال الأيديولوجيا التي بنت عليها خطابها.

(((3 لا تستعمل الحركات الإسلاموية مفهوم الديمقراطية أو تداول السلطة، بل تفضل استعمال مفهوم الشرعية. وقد لاحظنا بعد

انقلاب الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي على الرئيس السابق محمد مرسي كيف أن الإخوان المسلمين في مصر لم يذكروا

ولو مرة واحدة أنهم يريدون استعادة الديمقراطية وتأسيسها، بل نادوا فقط بضرورة عودة الشرعية من دون الإشارة إلى طبيعتها: هل

هي انتخابية أم دينية. وفي الحقيقة، يوحي المضمر في الخطاب بأنهم كانوا يتحدثون عن شرعية دينية سمحت لهم بكسب معركة

الانتخابات.

- انتقلت الجزائر، من خلال إقرار التعددية الحزبية في دستور 8919، من يوتوبيا الأيديولوجيا الشعبوية

إلى اليوتوبيا الإسلاموية. واليوتوبيا منتجة للعنف لأنها غير قابلة للتحقق، والعنف المنتج تختلف

أشكاله باختلاف مرتكزات اليوتوبيا ومصادرها؛ فهو كان بوليسيًا قمعيًا حينما ارتكز على نفي السياسي

والاختلاف في المجتمع، وأصبح دمويًا ومنتظمً حين ارتكز على الدين وأمجاد الماضي الأسطوري. - هذه هي السياقات المنتجة للعلمنة على الرغم من إرادة الفاعلين التاريخيين؛ فالعلمنة ليست خيارًا

ولا موقفًا ولا رأيًا، بل هي دينامية تتفوق على الإرادات الفردية والجماعية في كثير من الأحيان. إنها تيار

معاكس لمجرى الأحداث والإرادات نفسها؛ ففي الوقت الذي تكافح الجماعات المتنافسة على السلطة من

أجل فرض وصيانة شرعيات سياسية بعينها، تزحف العلمنة التي هي أحد شروط سلمية فضاء الصراع

على السلطة، والفضاء العمومي في المجتمع. - تُوّجت أحداث العنف الدموية التي عرفتها الجزائر بخطوة مؤسساتية نحو العلمنة، وذلك من خلال

منع تأسيس أحزاب دينية وعرقية وجهوية في دستور 9961

. طبعًا، هذه الخطوة غير كافية لكنها

ضرورية، وسيكون وقعها قويًا في المستقبل. كما أن التيارات التي تتغذى من اليوتوبيات الثورية والدينية لم

يعد لها المكانة نفسها داخل المجتمع، ولم تعد قادرة على القيام بتعبئة سياسية لتنظيم مسيرة في الشارع، لكن

هذا لا يعني أن الشمولية والدكتاتورية تراجعتا قيد أنملة. - إن ما يحدث اليوم في العالم العربي سيؤدي، بدوره، إلى تسريع وتيرة العلمنة في الحقل السياسي والوعي

المجتمعي. وقد اكتشف المجتمع مقدار الثمن الذي يدفعه كلما كان الديني والطائفي والعرقي في قلب

الصراع على السلطة السياسية. وكانت أوروبا قد مرت بهذه اللحظة التاريخية التي سرّعت وتيرة العلمنة.

ووفق هذا المنظور، تصبح العلمنة حتمية اجتماعية في ظل شروط معيّنة للتنافس على السلطة السياسية.

ويمكن أن يُكتشف، وبسهولة كبيرة، مقدار تراجع الخطاب الديني الأصولي وتأثيره في المجتمع منذ ظهور

ما يُعرف ب «داعش»، ومقدار السخرية من رجال الدين الذين كانوا بالأمس من مقدسات المجتمع. لكن

ينبغي في الوقت نفسه عدم إغفال الأسباب السياسية لتمدد «داعش» وإن بعباءة دينية.

(3((تنص المادة 42:من الدستور الجزائري على ما يلي: «حق إنشاء الأحزاب السياسية معترف به ومضمون.

ولا يمكن التذرع بهذا الحق لضرب الحريات الأساسية، والقيم والمكونات الأساسية للهوية الوطنية، والوحدة الوطنية،

وأمن التراب الوطني وسلامته، واستقلال البلاد، وسيادة الشعب، وكذا الطابع الديمقراطي والجمهوري للدولة.

وفي ظل احترام أحكام هذا الدستور، لا يجوز تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جنسي أو

مهني أو جهوي. ولا يجوز للأحزاب السياسية اللجوء إلى الدعاية الحزبية التي تقوم على العناصر المبينة في الفقرة السابقة.

يُحظَر على الأحزاب السياسية كل شكل من أشكال التبعية للمصالح أو الجهات الأجنبية.لا يجوز أن يلجأ أي حزب سياسي إلى

استعمال العنف أو الإكراه مهما كانت طبيعتهما أو شكلهما. تحدد التزامات وواجبات أخرى بموجب». المصدر: الجريدة الرسمية/

الجريدة الرسمية رقم 76 المؤرخة في 8 كانون الأول/ديسمبر 1996 معدل ب:القانون رقم 03-02 المؤرخ في 01 نيسان/أبريل

2002؛ الجريدة الرسمية رقم 25 المؤرخة في 41 نيسان/أبريل 2002؛ القانون رقم -0819 المؤرخ في 51 تشرين الثاني/نوفمبر

2008؛ الجريدة الرسمية رقم 63 المؤرخة في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2008. يمكن مراجعة النص على الإنترنت على الموقع

.http://www.joradp.dz/har/consti.htm التالي: