Return to Article Details Urban Policies and Social Relations in Morocco

السياسة العمرانية والعلاقات الاجتماعية في المغرب

Urban Policies and Social Relations in Morocco

Abderrahmane Rachik **

عبد الرحمان رشيق *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل السياسة العمرانية، ونوعية العلاقات الاجتماعية في أحياء المدن المغربية الكبرى، في إطار صيرورة التمدن الكثيف؛ فالتحولات العمرانية فرضت مجتمعا وثقافة وقيمًا وأنماطًا سلوكية جديدة. والسمة الأساسية المميزة لهذه العلاقات الاجتماعية المتبادلة هي الفردانية واستبداد الحميمية، وهي سمة ملازمة للنظام الرأسمالي الجديد الذي فرضته الإدارة الاستعمارية، وهي أيضًا نتيجة الشكل الإيكولوجي للتكتلات البشرية الكبيرة في المجال المحدود لمدينة كبرى، متروبول، أو لمدينة عملاقة، ميغابول.

Abstract

Abstract: This study analyzes urban policies and the nature of social relations in the neighborhoods of large Moroccan cities in the context of the ongoing intensive urbanization in Morocco. Urbanization has imposed a new society, culture, values, and modes of behavior of which the fundamental feature is individualism. Such features accompanied the new capitalist system that was imposed by the colonial administration and was also a product of the ecology of large human conglomerations confined within the space of a big city, the metropolis, or a giant city, the megacity.

الكلمات المفتاحية:
  • السياسة العمرانية
  • المدن الكبرى
  • الفردانية
  • العلاقات الاجتماعية
  • المغرب
Keywords:
  • Morocco
  • Individualism
  • Social Relations
  • Urban Policy
  • Big Cities

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل السياسة العمرانية، ونوعية العاقات الاجتماعية في أحياء المدن المغربية الكبرى، في إطار صيرورة التمدن الكثيف؛ فالتحولات العمرانية فرضت مجتمعًا وثقافة وقيمًا وأنماطًا سلوكية جديدة. والسمة الأساسية المميزة لهذه العاقات الاجتماعية المتبادلة هي الفردانية واستبداد الحميمية، وهي سمة مازمة للنظام الرأسمالي الجديد الذي فرضته الإدارة الاستعمارية، وهي أيضًا نتيجة الشكل الإيكولوجي للتكتات البشرية الكبيرة في المجال المحدود لمدينة كبرى، متروبول، أو لمدينة عماقة، ميغابول.

Abstract: This study analyzes urban policies and the nature of social relations in the neighborhoods of large Moroccan cities in the context of the ongoing intensive urbanization in Morocco. Urbanization has imposed a new society, culture, values, and modes of behavior of which the fundamental feature is individualism. Such features accompanied the new capitalist system that was imposed by the colonial administration and was also a product of the ecology of large human conglomerations confined within the space of a big city, the metropolis, or a giant city, the megacity.

مقدمة

تنطلق هذه الدراسة من فكرة يعبّر عنها المثل الألماني القديم: «إن تنفس الإنسان هواء

المدينة يجعله حرًا». وبالفعل، فإن ما يتيحه مجال المدينة من «خروج من العشيرة إلى

المجتمع» يعني بزوغ استقالية الفرد عن الجماعة، كما جاء في مؤلف فيردينان تونيز (1855 - 936 1). دفع التعمير الكثيف للمدن الأوروبية خال نهاية القرن التاسع عشر بعض المفكرين إلى تحليل الأوضاع المتغيرة، خصوصًا العاقات الاجتماعية الجديدة في المدن الكبرى؛ فالحداثة تتضمن بزوغ الفرد،

أي الانفصال عن العشيرة (communauté) التقليدية المبنية على روابط قبلية وعاقات الدم والقرابة، للمرور إلى مجتمع حضري رأسمالي. يذهب تونيز، في خضم التحولات العمرانية السريعة، إلى حد إقامة تعارض بين نظام قديم (العشيرة) ونظام جديد (المجتمع) أفرزته الرأسمالية، فكتب في سنة 8871، وبكثير من الحنين إلى الماضي: «إن المجموعة هي الحياة المشتركة الدائمة والحقيقية، أما المجتمع فهو سطحي وسريع الزوال. تفهم العشيرة كأنها كائن حي، ويفهم المجتمع كأنه مجموع ميكانيكي ونتاج صناعي». فإذا كانت العشيرة تطغى عليها عاقات شخصية وتلقائية، ويقويها القرب المجالي (عاقات الجوار) والقيم الدينية والأخاقية واللغة (أو اللهجة) المشتركة التي تكاد تكون متجانسة، فإن المجتمع يتميز بعاقات اجتماعية يطغى عليها عدم التعارف بين الأشخاص) anonymat social (. غيّر التمدن السريع وفرْض نظام رأسمالي عقاني في المغرب في أوائل القرن العشرين كثيرًا من

مامح الحياة المغربية، الثقافية منها والاجتماعية والمجالية، لكن لم ياحَظ في المدن المغربية

الكبرى إعادة إنتاج التكتات الريفية أو القبلية في المجال الحضري. لقد كانت التجمعات المجالية العرقية تقوم دائمًا على وحدات صغيرة (عائلية) إلى حد ما. وهكذا أصبحت المدينة الكبيرة عبارة عن

فسيفساء من تفاعات عدة، اجتماعية وعرقية وثقافية ولغوية متباينة. ثم بدأت تفرض نفسها بصورة تمركز مجالي لأفراد لا يتعارفون في ما بينهم، حيث يصبح المقيمون بالمدن غرباء بعضهم عن بعض. كان معدل التحضر في المغرب ضعيفًا في أوائل القرن العشرين، إذ كان يمثل حوالى 8 في المئة قبل أن تفرض الإدارة الاستعمارية سيطرتها على الباد (1912  -  956.)1 ثم انتقلت نسبة التمدن في غضون خمسين سنة (1960  -  0142) من 92 في المئة إلى أكثر من 60 في المئة، وربما تفوق ال 70 في المئة في أفق سنة 0302، بحسب الإسقاطات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط. ويمثّل سكان المدن السبع الكبرى في المغرب أكثر من 41 في المئة من مجموع السكان الحضريين، و 52 في المئة من مجموع السكان لسنة 2.014

(((الشكر الجزيل للأستاذ الحسين سحبان على مراجعته اللغوية للنص واقتراحاته المفيدة.

(2) Ferdinand Tönnies, Communauté et société: Catégories fondamentales de la sociologie pure , introduction et traduction de J. Leif ([s. l.: s. n.], 1922), Accessed on 12/5/2010, at: http://dx.doi.org/doi:10.1522/cla.tof.com.

(((يمكننا تحديد العاقة الاجتماعية كصيرورة تُبنى على معرفة متبادلة، يحددها التواصل المتكرر والمستمر بين أفراد معينين وفي مجال معين.

(4) Tönnies, p. 7.

(((بحسب الإحصاء الرسمي الأخير للسكن والسكنى الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط في الرباط،.2014

نتج من هذه التحولات العمرانية مجتمع وثقافة وقيم وأنماط سلوكية جديدة. وكما كتب الاقتصادي ويرنر صومبار (1863  -  9411)، فإن الجماهير البشرية الآتية من مناطق مختلفة، من دون أن تكون

مرتبطة بأي روابط اجتماعية، نُقلت إلى مناطق معينة، وأُمرت بالعيش فيها وتدبير شؤونها في حدود استطاعتها. يعني ذلك قطيعة تامة مع ماضيها، وتدميرًا لجميع العاقات التي تشدها إلى مكان ولادتها

وإلى القرية الأم والعائلة والعادات المألوفة. وقد اقترنت السلوكات الفردانية بالنظام الرأسمالي الذي فرض عقانية جديدة خال الفترة الاستعمارية، وهي أيضًا نتيجة الشكل الإيكولوجي للتكتات البشرية الكبيرة في المجال المحدود للمدينة الكبرى، المتروبول، أو المدينة العماقة، الميغابول... ارتبط ظهور قيم جديدة أساسًا بالتدخل الاستعماري في المغرب منذ سنة 9071 (في مدينتي الدار

البيضاء ووجدة)، وفرْضه نظامًا اقتصاديًا جديدًا يرتكز على السوق والتنافسية والأجر والحساب

والوعي بالزمن وأهميته temporalité)). ونحن سنرى أن طبيعة العاقات الاجتماعية تتميز بهشاشتها وسطحيتها داخل أحياء المدن الكبرى. ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن هاجس الرابط الاجتماعي ليس همًّا أساسيًا بالنسبة إلى المسؤولين السياسيين، خصوصًا منهم الذين يدبرون قطاع

السكنى والتعمير، ولا بالنسبة إلى الوسطاء العقاريين والمهندسين المعماريين الذين ينتمون إلى القطاع الخاص أو القطاع العام. جرى طرح إشكالية الرابط الاجتماعي وبزوغ الفرد في أدبيات العلوم الاجتماعية منذ «الثورة الصناعية» في القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من أن كارل ماركس (1818 - 8831) لم يأخذ بعين الاعتبار، في معرض بلورته نظريته بشأن النظام الرأسمالي الجديد، تأثير صيرورة التحضر السريع في العاقات الاجتماعية والثقافية؛ بل أبرز انعكاس آثار العاقات الإنتاجية الرأسمالية الجديدة على العاقات الاجتماعية التي تحددها «المصلحة» الشخصية «الباردة» والحسابات الأنانية: «لعبت البورجوازية في التاريخ دورًا ثوريًا تمامًا. فحينما استولت على السلطة، حطمت جميع العاقات الاقطاعية الأبوية

والعاطفية، ومزقت دون رحمة جميع العاقات المعقدة المتنوعة التي كانت تشد الإنسان الاقطاعي إلى من هو طبيعيًا أعلى منه مقامًا بصورة طبيعية، لكي لا تبقي على أي عاقة أخرى بين الإنسان

والإنسان سوى عاقة المصلحة الخالصة والإلزام القاسي ب ‹الدفع فورًا›. لقد أغرقت أقدس انفعالات

الوجد الديني، والحمية الفروسية ورقّة البورجوازية الصغيرة (Splessburgerlichen) الرخيصة في صقيع الحساب الأناني، وحولت الكرامة الشخصية إلى مجرد قيمة تبادل». قارب جورج زيمل (1858 - 9181) المدينة الكبيرة بوصفها فضاء للحرية الفردية، وحلل طبيعة العاقات الجديدة بين أفراد سكان المتروبول، وهي العاقات المتميزة بالامبالاة والتحفظ الاجتماعي) réserve sociale (. وأصبح الحفاظ على خصوصية الفرد واستقاليته الشرط الضروري لإقامة عاقات

(6) Werner Sombart, Le Socialisme et le mouvement social au XIXe siècle (Paris: V. Giard et E. Brière, 1898), pp. 20 - 21, Accessed on 20/9/2015, at: http://www.uqac.ca/Classiques_des_sciences_sociales.

(((فمن بين الأعمال الأولية التي قامت بها الإدارة الاستعمارية في الدار البيضاء، التي كانت تتهيأ لأن تكون العاصمة الاقتصادية، هو بناء برج كبير خارج أسوار المدينة العتيقة، يحمل ساعة كبيرة على أربع واجهات، ليتمكن السكان، والعمال منهم، من ضبط أوقاتهم. (((كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي في أول ترجمة غير مزورة، ترجمه وقارنه عن الألمانية وعلق بقاموس ماركسي على كلماته النظرية والتاريخية العفيف الأخضر (بيروت: منشورات الجمل، 0152)، ص.61

اجتماعية بين سكان المدينة. وصارت المدينة الكبيرة عالم العقل والفكر لا عالم القلب والحساسية والعاطفة، فهيمنت العقانية والنفعية والوظيفية على العاقات الاجتماعية، وتراجعت العاقات التي كانت تتميز في السابق بالعفوية، وبما سماه إميل دوركهايم التضامن الآلي، أي العاقات الاجتماعية التلقائية والطبيعية التي كانت سائدة في المجال القروي. إن التفاعل بين الأفراد (Wechselwirkung = interaction) بالنسبة إلى زيمل هو الذي يحدد مفهوم المجتمع من خال عمليات القرب والمسافة الاجتماعية في الحواضر الكبرى؛ فليست المدينة بناء للسكن والطرقات والمرافق الاجتماعية والاقتصادية فحسب... بل هي كذلك بناء للعاقات الاجتماعية بين السكان الذين يميزهم الاختاف والتباين. تشكل ظواهر التحضر الحديثة تغيرًا جذريًا في النمط الكلي

للحياة الاجتماعية؛ فكلما زاد عدد السكان وارتفعت معدلات كثافتهم، عظُم تباينهم وعدم تجانسهم. ترتبت عن النظام الرأسمالي (الطبقة البرجوازية) كما حلله ماركس، وعن التمدن الكثيف والسريع

كما بحث فيه زيمل وتونيز، وعن التقسيم الجديد للعمل الاجتماعي كما نظّر له دوركهايم، نتائج كان لها تأثير مباشر في البنية الاجتماعية، تُرجمت أساسًا في الفصل بين الفقير والغني، وبين الفرد

والمجموعة، وبين الشغل والسوق. سنحاول داخل هذا الإطار النظري دراسة صيرورة التمدن السريعة، وكيف تكيفت بنية المدينة المغربية مع التحولات الجديدة التي أدخلتها الإدارة الاستعمارية من خال إقحام نظام اقتصادي (رأسمالي) حمل معه ثقافة وقيمًا جديدة أثرت بالضرورة في السلوك الجماعي للأفراد. ما طبيعة سياسة المدينة وعاقتها بنوعية العاقات الاجتماعية التي تسود أحياء المدن الكبرى؟ وإذا كان «الانتقال الديموغرافي» قد أسفر عن تقلص تدريجي لحجم الأسرة، فهل كان له أيضًا تأثير في تقديس الفرد وتكريس الفرداني؟ هل يمكن السياسة العمرانية، تحت نظام سياسي غير شمولي أو غير تسلطي، أن تساعد على خلق روابط اجتماعية بين سكان الأحياء الذين يميلون إلى الانكماش على أنفسهم داخل الأسرة؟ تعتمد هذه الدراسة من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة على الإحصاءات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط في الرباط، وعلى نتائج الأبحاث التي يقوم بها مركز الدراسات والأبحاث الديموغرافية التابع للمندوبية المذكورة. كما أنها تعتمد على نتائج البحث الوطني الذي شاركنا فيه، والذي أنجزه المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في مدينة الرباط بين سنتي 0090122 و 2، من دون أن ننسى الأبحاث الشخصية التي قمنا بها في سنتي 2002 – 0032 في ما يتعلق بالتفاعات الاجتماعية في الأحياء الهامشية لمدينة الدار البيضاء، لحساب معهد العمران بباريس، وكذا الدراسة الأخيرة (0142) بشأن الحركات الاحتجاجية في المغرب. سنتناول أولًالفترة الاستعمارية التي تبلورت وتحددت فيها معالم البنية العمرانية التي يعاد إنتاجها إلى يومنا هذا. ثم سنقوم بتحليل العاقات الاجتماعية الجديدة التي فرضتها ظروف الالتقاء والتصادم بين

(((عبد الرحمان رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب: من التمرد إلى التظاهر، ترجمة: الحسين سحبان؛ تقديم: كمال لحبيب (الرباط: منتدى بدائل المغرب، 014.)2 تقرير باللغتين العربية والفرنسية، أنجز لفائدة ملتقى البدائل المغرب في إطار مشروع حريات التجمعات والتظاهرات في المغرب بدعم من الاتحاد الأوروبي.

المجتمع المدني، ودورهما في إضعاف أو تعزيز العاقات الاجتماعية في الأحياء.

العلاقات الاجتماعية في المدن المستعمرة

الدار البيضاء في بداية فترة الاستعمار، كما يوضح الجدول التالي:

سنة 1897 1907

1931192619211918191319071897سنة
السكان
55.291
% 34
34.984
% 33
35.283
% 36
35.000
% 40
20.158
% 34
1.000
4%
الساكنة الأوروبية
160,418106,60896,98386,50059,15825,00020,000مجموع السكان

الجنود الفرنسيين الذين غزوا المدينة سنة:1907

السنة 1936

%1950%1947%1936السنة
السكان
25158,00022120,7622872,762السكان الأوروبيون
75486,50078430,56072184,668السكان المغاربة
100644,500100551,322100257,430مجموع السكان

مجموع السكان 257,430

المصدر:

ثقافات مختلفة ومتعددة في إطار التحضر المتسارع. ونتناول بعد ذلك طبيعة السياسة العمرانية وبزوغ

بدأت منذ أوائل القرن العشرين، وبعد التدخل الاستعماري سنة 9071 وفرْض نظام اقتصادي جديد،

صيرورة التمدن الكثيف والسريع من خال هجرة سكان الأرياف المغاربة والسكان الأوروبيين، ومجملهم فرنسيون. كان السكان الأوروبيون يمثلون ما بين 30 و 04 في المئة من مجموع سكان

الجدول (1) تطور الساكنة الأوروبية في مدينة الدار البيضاء (1897 – 1931)

Lucien Gendre, «Le Développement des volumes bâtis à Casablanca,» Mémoire المصدر: de l’Institut d’urbanisme de Paris, 1955.

نتج من إنجاز البنية التحتية لمدينة الدار البيضاء، خصوصًا الميناء الكبير والعصري، وإنشاء المؤسسات

الصناعية والإدارية والمرافق الاجتماعية والصحية فيها... تدفق كبير من سكان القرى المغربية وهجرة كثيفة من أوروبا، خصوصًا من فرنسا، بعد الإحساس بالأمن العام في المدن، وذلك بفضل وجود

الجدول (2) التطور السريع لساكنة الدار البيضاء (1936 – 1950)

Gendre, «Le Développement des volumes bâtis».

إن ما يميز هذه الفترة الاستعمارية هو عدم وجود اتصال داخل المدينة بين السكان الأوروبيين والسكان الأصليين؛ فالمستعمر أصر على إقامة فوارق و«حدود» مجالية غير مرئية بين الفضاء السكني الخاص بالمغاربة والمدينة الرسمية التي كان يقطنها الأوروبيون. وهكذا كرس أول مخطط للتهيئة المصادق عليه قانونيًا التباين «العرقي»، وخلق مناطق حضرية خاصة بالسكان الأوروبيين. أدت سياسة تخطيط

المناطق (zoning) التي نهجتها الإدارة الاستعمارية من خال تصميم المدينة المعماري إلى تقسيمها إلى مناطق وظيفية تترجم الفوارق العرقية بالدرجة الأولى ثم الفوارق الاجتماعية، حيث تعكس بلورة البنية الجديدة للمدينة (التي لا تزال مستمرة إلى يومنا) وإنجازها القيم الثقافية والتمثات التي طغت على الخطاب الصحي السائد؛ فأمام الذعر الذي كان يخلفه انتشار الأمراض المعدية والفتاكة في المدينة بسبب الجفاف وما نتج منه من مظاهر السخط عند السكان الأوروبيين، كان أول رد فعل لإدارة الاستعمارية محاولة إبعاد السكان المغاربة من أماكن العيش الخاص بالأوروبيين، فنجم عن هذا السلوك الاستعماري تكريس مبدأ استراتيجي يُختصر بالتمييز المجالي بين الساكنتين (الأوروبية

والمغربية)، والذي سوف سيتحقق بصفة عقانية من خال بلورة أول تخطيط عمراني سنة 9171 على يد المهندس المعماري هنري بروست، الذي كان ينفذ تصورات المقيم العام الفرنسي هوبير ليوتي (1912 - 9261) وأوامره. إذا كان الهاجس الأمني والصحي وراء هذه الاستراتيجيا المجالية، فينبغي أل ننسى المبررات الأيديولوجية التي ترتكز على مبدأ «احترام المنظومة الثقافية المحلية». لقد حافظت الإدارة الاستعمارية على المدن العتيقة وعلى الأسوار المحيطة بها التي كانت تحتمي بها ضد غزو الأجانب وهجوم القبائل، لكن هذه الأسوار فقدت وظيفتها الأصلية بعد التدخل الاستعماري. وعمل النظام الجديد على تبنّي سياسة عمرانية أدت إلى تجزئة المجال الحضري وإقامة حدود جديدة لتجنب الأمراض المعدية

وضبط حركة السكان والتعمير، فطبعت التصميمات العمرانية بشدة، حيث فُصل بين الساكنة الأوروبية والساكنة المغربية (المسلمة)، كما سلف الذكر، وبالتالي بُنيت مدينة خاصة بالأوروبيين، وجُمعت

العاهرات وعُزلن في حي مغلق، فوصل عددهن إلى أكثر من 600 بنت وامرأة في مدينة الدار البيضاء،

مثلً. وشُرع في الوقت نفسه في إنجاز حي شبه مغلق خاص بالأعيان المغاربة (حي الأحباس) قرب القصر الملكي، ابتداء من سنة 9191، وحي خاص كذلك بالعمال شمال المدينة (حي كوسيمار).

وأُقصي معظم السكان المغاربة الباقين إلى ضواحي المدينة، وهم الذين سيشكلون في ما بعد مدن الصفيح. انشغلت السياسة العمرانية الاستعمارية، وفقًا للمشروع الاجتماعي الذي حمله ليوتي، بالتكييف الثقافي ل حأأياء والمنازل الجديدة الخاصة بالمغاربة. وكان المبدأ الأول الذي اعتمد عليه طوال الفترة الاستعمارية هو أن المغاربة (المسلمين) ليسوا مؤهلين للعيش في المباني السكنية الجماعية.

(1((في المغرب حافظت الإدارة الاستعمارية على النسيج العمراني التقليدي للمدن العتيقة، خافًا لما جرى في مدينة الجزائر، حيث دمرت جزءًا من بناياتها لتُحل محلها السكن الأوروبي. (((1 عُجِّل ببلورة مخطط التهيئة لمواجهة التدفق الأوروبي والهجرة القروية المغربية الكثيفة نحو المدن، وكذلك التغيرات السريعة

الناتجة من غرس نظام اقتصادي رأسمالي.

وقد طغى موضوع الحميمية الأسرية على المغاربة المسلمين خال الفترة الاستعمارية، وأثر بشكل كبير في الأشكال الهندسية والمعمارية للمشاريع السكنية.

تجربة حي الأحباس: الانطواء داخل الأسرة

إذا كانت الإدارة الاستعمارية قد تجاهلت السكن الخاص بالجماهير المغربية، فإن ذلك لا ينطبق على فئات الأعيان والبرجوازية المحلية (التجار خصوصًا)؛ فنظرًا إلى الكثافة السكانية المرتفعة وما نجم

عنها من تدهور في النسيج العمراني للمدينة العتيقة التي كانت تؤوي جميع الفئات الاجتماعية، عمل المهندسون المعماريون الفرنسيون على إنجاز حي الأحباس بالاعتماد على الهندسة المعمارية الحديثة وتلك المستوحاة من «التقاليد العربية الإسامية»؛ إذ يتميز الحي بانتشار الأروقة التي توجد بأبواب الحي والمنازل (انظر الصورة). وبالإضافة إلى التميز المجالي الذي يمنحه هذا الحي لساكنته من باقي الفئات الاجتماعية، كرس التصور العمراني لهذا الحي مبدأ الحميمية الأسرية، وذلك

بإنجاز أزقة ضيقة لتجنب مرور السيارات. وأُبعدت جميع المرافق الاجتماعية والثقافية والخدماتية... وفضاءات الترفيه، وبصفة عامة كل ما من شأنه أن يوجِد المؤانسة (Sociability) أو يجلب الغرباء

إلى الحي، أُبعد ذلك كله خارج المناطق السكنية، وهو ما جعل جو الحي مطبوعًا بالهدوء والسكينة وبالحميمية التي حرص المصممون الفرنسيون كذلك على الحفاظ عليها بأن جعلوا بوابات المنازل غير متقابلة (انظر الصورة).

(((1 يُعتبر حي الأحباس حاليًا منطقة سياحية بامتياز في مدينة الدار البيضاء.

والنتيجة الموضوعية هي إنتاج «جزر أ سرية» منعزلة وبا مجال عام، بحيث يبقى المحتوى الاجتماعي والديني للحي متجانسًا نسبيًا، حيث يضم الحي منازل واسعة لفائدة الفئات الاجتماعية المغربية المسلمة والميسورة.

قام هذا المشروع العمراني بإعادة إنتاج الحي المنطوي على نفسه؛ فجميع جدران المنازل «عمياء» (با نوافذ)، وليس ثمة نوافذ إلّ في الواجهات المطلة على الشوارع الرئيسية فقط، وتغطى بشبكات من حديد تمنع أفراد الأسرة، خصوصًا الفتيات والنساء، من الإطال على الخارج، مع إتاحتها للفتيات

والنساء الرؤية من دون أن يظهرن للغرباء. يعتمد نموذج المنزل المنطوي على نفسه، على الفناء (وسط الدار) الذي يهيكل بنية المنزل من خال الغرف المحيطة به؛ فالفناء إذًا هو أساس المسكن، الذي يسمح بالتهوئة وبدخول أشعة الشمس، ويحمي أفراد الأسرة من أنظار الجيران.

حي الأحباس الذي أنجزه مهندسون فرنسيون في أوائل القرن العشرين ميشال إيكوشار وسياسته العمرانية: بين تعزيز المؤانسة والمحافظة على الحميمية

اصطدم الهاجس الأمني الذي طورته الإدارة الاستعمارية إلى حدود الأربعينيات من القرن الماضي بتوجهات جديدة وعصرية طغت في الثاثينيات على الفكر الخاص بالعمران والهندسة المعمارية. يتميز هذا الفكر بسيادة النزعة الإنسانية وبرائحة المذهب الاشتراكي، إن صح التعبير؛ فقد كان احترام الخصوصيات الثقافية والبيئية، وإشكالية المؤانسة، والمبدأ الوظيفي للمجال الحضري، عوامل أساسية بالنسبة إلى المهندسين المعماريين المعاصرين. وكان تدنّي عاقات الجوار وضعف التواصل الاجتماعي في المدينة من المخاوف التي أثارها المهندسون المعماريون العصريون منذ أواخر سنوات العشرينيات من القرن الماضي؛ فقد أدت الوضعية السكنية المأساوية والتزايد المهول للفئات الاجتماعية المحدودة الدخل، وانتشار الفردانية في المدن الكبرى، إلى نشوء وعي بالدور الاجتماعي للسكن والسكنى الذي يمكن أن تؤديه الهندسة المعمارية. اشتغل

المهندسون المعماريون العصريون في البحث عن أقل تكلفة ممكنة للسكن الاجتماعي، كما طرحوا إشكالية المؤانسة ومحاولة الحث على الرابط الاجتماعي وتعزيزه بالنسبة إلى النسيج العمراني الجديد. أثّر المهندس ميشال إيكوشار، مدير قسم التعمير في الإدارة الاستعمارية (1947 - 9531)، تأثيرًا كبيرًا

في النسيج العمراني للمدن المغربية، من خال تشبعه بالنزعة الإنسانية والمبادئ المعمارية الوظيفية

المستوحاة من ميثاق أثينا؛ فبدلً من الأحياء المغلقة، أتى هذا المهندس بتصورات جديدة لتعمير المجال وأشكال جديدة للسكن ترتكز على احترام الثقافات المحلية. وتتمثّل الخصوصية الثقافية الأولى بالنسبة إليه في أن المغاربة المسلمين لا يمكنهم العيش في العمارات (السكن الجماعي)،

ويكرهون النوافذ التي تطل على الخارج، تحت ذريعة وجوب ألّ يرى الغرباء النساء. لقد استحدث إيكوشار السكن العمودي بالنسبة إلى الأوروبيين والمغاربة اليهود، والسكن الأفقي با نوافذ ومن طابق أرضي واحد لفائدة المغاربة المسلمين. والجديد في هذه التصورات هو محاولة تحرير المدينة العصرية من طغيان الشوارع المنتشرة في الأحياء كلها (أحياء السكن العمودي والسكن الأفقي)، وإبعاد حركة مرور السيارات إلى خارج المجال الخاص بالسكن، وهو ما أضفى على الحي جوًا

من الحميمية. وتُبذَل بالإضافة إلى ذلك محاولة بناء الرابط الاجتماعي من خال إنجاز وحدات «سكنية للجوار»، مدعمة بمرافق اجتماعية ورياضية وثقافية.

كان السكن العمودي مخصصًا للأوروبيين ولليهود المغاربة (ميشال إيكوشار))1955(

. Le CIAM = Congrès international d’architecture moderne 1(المؤتمر الدولي للهندسة المعمارية العصرية= ((

(((1 كان إيكوشار وراء إعداد المخطط التنظيمي لمحافظة دمشق سنة 9361 وبيروت سنة.1943

(15) Le Corbusier, La Charte d’Athènes , avec un discours liminaire de Jean Giraudoux, collection forces vives (Paris: Editions de Minuit, 1957).

التصورات المعمارية الحديثة كانت تختزل المدينة في أربع وظائف أساسية: السكن، الشغل، النقل، الترفيه. 1(((إيكوشار طبق مبادئ التخطيط العمراني المستوحاة من ميثاق أثينا: المنازل لا تؤدي بالضرورة إلى الشوارع الثانوية أو الرئيسية.

أما الشكل الثاني، فهو سكن أفقي، ويُعتبر محاولة للتكيف مع تقاليد الأسر المغربية المسلمة؛ فا

يوجد في الأحياء سوى مساكن فردية تحتوي على الطابق الأرضي. واعتمد التنظيم الاجتماعي للمجال على مبدأ «وحدة الجوار» التي تؤوي حوالى 9000 نسمة، وتتوفر على المرافق الإدارية والاجتماعية والثقافية: مدرستان، على الأقل، ومسجد ومراكز تجارية... داخل كل وحدة سكنية. ويكون الحي مقصورًا على الراجلين. وتؤدي الأزقة إلى شبكات الطرق، حيث تجري حركة مرور السيارات على

هوامش الوحدات السكنية. أنجز إيكوشار في ضواحي الدار البيضاء ما يقارب 0,0001 وحدة سكنية في ما بين سنتي 9521 و 9551، وسار المقاولون العقاريون الخواص أنفسهم على المنوال نفسه، فأنجزوا مشاريع عمرانية كبرى في جوار هذه الأحياء. وتعتمد التصورات العمرانية الجديدة على إنجاز سكن اجتماعي نمطي، من خال السعي إلى إنجاز مسكن بأقل تكلفة ممكنة. لكن تصميم التهيئة الحضرية الذي اقترحه إيكوشار اصطدم بمصالح عقارية كثيرة وكبيرة، حيث أدت الاحتجاجات الفردية والمؤسساتية إلى عزله من منصبه سنة 953.1 وبقي مخطط التهيئة الذي بلوره إيكوشار ساري المفعول إلى بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

السياسة العمرانية وبزوغ المجتمع المدني: محاولة ضبط السكان والمجال

ننطلق من الفرضية التالية: في إطار نظام سياسي شمولي أو متسلط تكون طبيعة العاقات الاجتماعية هشة وسطحية في الأحياء، لأن طبيعة النظام السياسي لا تسمح ببناء الجمعيات والحركات الاجتماعية. كما أن الشكل الإيكولوجي للمدينة الكبيرة يفرض عاقات اجتماعية محدودة بين أفراد

غير متجانسين ولا يتعارفون في ما بينهم، بحيث لا يكون الفرد شفافًا، وتنكشف حدود السر والكذب والأشياء المستورة. وتبعًا لذلك، تتميز العاقات الاجتماعية المتبادلة بين الأفراد بعملية الحجب/

الكشف (voilement/dévoilement)، والتردد بين المستور والمكشوف (le caché et le montré). هكذا تفرض التمثات الاجتماعية حدودًا بين المجال الخاص والمجال العام. كتب ألكسيس دو توكفيل في سنة 8561 أنه «بدل أن يكافح الاستبداد هذا الميل (إلى الانعزال داخل نزعة فردية ضيقة تخنق فيها كل فضيلة عمومية)، ينزع من المواطنين كل شغف مشترك، وكل حاجة متبادلة، وكل ضرورة للتفاهم وكل فرصة للتصرف جماعيًا؛ إنه يحبسهم، إن جاز التعبير، داخل جدران

الحياة الخاصة. يميل المواطنون إلى الانطواء: إنه يعزلهم؛ يبردون بعضهم البعض: إنه يجمدهم». في ظل نظام سياسي سلطوي، غالبًا ما يضطر الاحتجاج الاجتماعي في المدن المغربية إلى استخدام

قنوات ملتوية، بل سرية أحيانًا. فيتم الاحتجاج بواسطة الكتابةعلى واجهات الجدران (غرافيتي)،

(17) Abderrahmane Rachik, Casablanca: L’Urbanisme de l’urgence (Casablanca: Impr. Najah el jadida, 2002). (18) Alexis de Tocqueville, L’Ancien régime et la Révolution, 2: Fragments et notes inédites sur la Révolution , texte établi et annoté par André Jardin, 3ème éd. revue et mise à jour (Paris: Gallimard, 1981), p. 74.

(1((كان شعار «لا للقمع» من العبارات المكتوبة على جدران المدينة.

أو بتوزيع المناشير... أو بواسطة التنظيمات السياسية السرية والجمعيات الموجودة خارج الباد. وتستخدم بعض المجموعات الاجتماعية وسائل أخرى للتعبير عن آرائها. وهكذا يتم الاحتجاج

الاجتماعي عبر إنشاء مجات وأندية سينمائية وفِرق مسرحية وفِرق موسيقية... إلخ. وفي سياق المواجهة السياسية بين النظام الملكي والتنظيمات السياسية التي تنتمي إلى الحركة الوطنية، كانت الأفعال الجماعية للمنظمات النقابية والطابية المغربية تترجم معارضة سياسية أكثر مما كانت تعبّر

عن سخط اجتماعي.. لقد أعربت السلطة من خال أفعالها عن كراهيتها للحشد وللتجمعات وجميع فضاءات التواصل الاجتماعي اليومي، محاوِلة بذلك تجنب المخاطر المحتملة والسخط الجماعي قبل بنائه؛ فقد ساعد الهاجس الأمني على انكماش المجالات العامة: إغاق المساجد بعد الصاة؛ منع الحلقة ومصادرتها بوصفها فضاء عامًا للترفيه؛ منع التجمعات في الأحياء، خصوصًا في المساء...

إلخ. فا وجود في الوسط الحضري لأزمنة قوية في الحياة الجماعية التي من شأنها أن تشكل لحظات تسمح بإظهار رابطة الانتماء إلى الأرض والإحساس بالانتماء إلى الحي؛ فللتجمعات الاحتفالية، مثلً، دور مهم في بناء الهويات المحلية وتقويتها، إذ تتيح لسكان غير متعارفين (anonymes) التاقي والتعارف في الفضاءات العمومية. إن الدولة بموقفها هذا تُبطل تأثير الفضاءات العمومية، وتشجع بذلك على انزواء الأسر في منازلها، ومن ثم، على جعل الشارع مرادفًا لانعدام الأخاق. وأخذ الشارع يتجه ليصير فضاء مخصصًا للتنقل

وحده. كان الهاجس الأمني هو المحدد لمعظم تدخات أجهزة الدولة في النسيج العمراني، بحيث لم يكن لديها أي تصور للمدينة. إذا أخدنا مرة أخرى مثال مدينة الدار البيضاء، فسوف نجد أن البنية العمرانية للمدينة التي أنجزت سنة 9171، منذ التصميم الأول لهنري بروست، هي البنية الحالية نفسها، أي أن تدخّل الدولة يكاد يكون منعدمًا في إعادة هيكلة المدينة. لقد عوض تدريجيًا مبدأ التعارض المجالي (zoning (بين الساكنة

الأوروبية والساكنة المغربية، بعد الاستقال السياسي للمغرب، بمبدأ يرتكز على توزيع السكان بحسب وضعهم الاقتصادي والاجتماعي. ومن البديهي أن عدم الاختاط الاجتماعي يؤدي إلى عدم المساواة في الاستفادة من المرافق الاجتماعية والثقافية ووسائل النقل. كان تطور المدينة العمراني تلقائيًا ونتيجة أحداث وضغوط اجتماعية، وكان يؤدي إلى ما أسميته في

كتابي الأخير العمران الاستعجالي. والدولة، بجميع قطاعاتها، لا تؤدي دورًا فعالً لا في تصميم

المدن، ولا في صيرورة التمدن، ولا في توجيه فعلي وعقاني لحركة التمدن؛ إنها مغلوبة على أمرها أمام

الدينامية الداخلية للمدن. ومركز المدينة الذي أُنجز من أجل 500,000 نسمة هو نفسه الذي يلبي الآن

(20) Rachik, Casablanca.

(((2 في أثناء ما سمِّي الربيع العربي (0112)، التزمت أجهزة الدولة، لأسباب أمنية، عدم التدخل بعنف ضد الحركات الاجتماعية

الاحتجاجية السلمية التي كانت تحتل باستمرار المجال العام؛ فالسلوك الحيادي نفسه نهجته اتجاه المواطنين المخالفين للقوانين

في المدن، حيث تنامى البناء العشوائي بصفة متزايدة، واحتل الباعة المتجولون الأزقة والشوارع، وشكّلوا أسواقًا عشوائية للخضر والفواكه والسمك...

حاجات 3,3 مايين نسمة. وكما أن الطبيعة لا تحب الفراغ، جرى تدريجيًا انتقال الوظيفة التجارية لمركز

المدينة إلى حي آخر خارج المجال الخاص بمركز المدينة، وهو حي المعاريف، وقد تم ذلك تلقائيًا،

أي من دون تدخّل أجهزة الدولة أو السلطات المحلية أو الجماعية عبر الأدوات العمرانية التقليدية، أي عبر تصميمات التهيئة الخاصة بتراب الجماعة. تتدخل السلطات العمومية في غالب الأحيان لمواكبة التغيير العمراني، وهي لا تستطيع حتى الآن التحكم في الصيرورة العمرانية. تختزل وظيفة المدن أمام توسعها السريع وتنامي هوامشها، فتصبح كأنها فضاء يقصده المواطن للنوم فحسب، حيث لا توجد فيها المقومات الأساسية (من بنية تحتية وأماكن للشغل والربط بشبكة الطرق ومرافق اجتماعية ومركز المدينة وفضاءات لملء أوقات الفراغ ومطاعم ومحات تجارية وخدماتية ومراكز شرطة...). بدأت السياسة العمرانية منذ بداية السبعينيات في إطار التصميم الاقتصادي والاجتماعي الخماسي (1973 - 977.)1 ونظرًا إلى قلة التجربة والكفاءة وضعف المصادر المالية، كان تدخّل الدولة بطيئًا

ويقتصر على إعداد برامج سكنية للفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود، فلم تحصل بلورة تصميم شامل للمدن على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد. لكن أصبحت المدينة فجأة في سنة 9811، ولأول مرة، رهانًا سياسيًا كبيرًا، حيث تميزت هذه السنة بالتمردات الاجتماعية بعد دعوة النقابات

إلى الإضراب العام الذي أثار جوًّا متوترًا داخل المدن الكبيرة والمتوسطة والصغيرة. وأدت هذه

الاحتجاجات الاجتماعية إلى زعزعة المسؤولين السياسيين والرأي العام الوطني، بفعل نتائجها العنيفة والمميتة، إذ خلّف التدخل العسكري مئات الضحايا. وبعد أحداث التمرد مباشرة، بدأ التفكير في تدبير سياسي جديد للمجتمع الحضري، يقوم على الكف عن استعمال العنف الجسدي وحده وسيلة لقمع المجتمع (الاعتقال، الترهيب، التصفية الجسدية، السجن بسبب ارتكاب جنحة التعبير عن الرأي، عزل العلماء والخطباء (الوعاظ)، مصادرة الجرائد، توقيف المجات...)، وبدأ إعداد توجهات «عصرية» جديدة. تتمثّل هذه التوجهات الجديدة، أولً، في ضمان أفضل مراقبة للسكان، بفضل تهيئة أدوات التصميم العمراني (المخطط المديري للتهيئة العمرانية 1981 - 9841، وتصميمات التهيئة المخصصة للجماعات في الفترة 1984 - 989.)1 وقد بدأت الدولة تطبيق سياسة مكثفة للسكن الاجتماعي، على أمل تحقيق

صيرورة الإدماج الاجتماعي لساكنة اعتُبرت فئات خطِرة على الوضع العام؛ ففي الفترة 1 987 - 1983 بُني في الدار البيضاء، وبسرعة فائقة، أكثر من 9000 وحدة سكنية لاستقبال أسر مدن الصفيح من حي

بنمسيك الذي كان في سنة 9821 يؤوي أكثر من 80,000 نسمة). كانت تصميمات التهيئة العمرانية تشن حملة ضارية على الأحياء التي اعتُبرت بؤرًا لانفجار

الاجتماعي العنيف. فوُضع برنامج لهدم عدد كبير من المنازل لضمان التقليص من الكثافة

(((2 رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب. (2((إلى جانب ذلك، طبقت كذلك سياسة دينية، ظن أنها ستحقق مراقبة الحركات الإسامية، والعلماء المستقلين، و«توظيف» الحائزين للمعرفة الدينية.

الديموغرافية، وإفساح النسيج الحضري الشديد الازدحام. وكانت الكثافة الديموغرافية وإمكان الرؤية في الفضاء الحضري من المعايير التي بررت مخطط تدخّل الدولة في الأحياء التي وقعت فيها أحداث التمرد. ترتب عن هذا السياق السياسي السلطوي عدم إشراك مختلف الفاعلين (المختصين في التجزئة، والمهندسين، والوسطاء العقاريين، وماك الأراضي...) في إعداد الوثائق الجديدة للتعمير. حتى أصحاب ملكية الشقق السكنية لم يستطيعوا تنظيم احتجاج جماعي، مع أن مساكنهم الجديدة مهددة بالهدم بحسب توقعات مخطط التهيئة لسنة 987.1 وهكذا، فإن عاقات القرب المكاني (الجوار) ليس لها أي تأثير في تنظيم الاحتجاج الاجتماعي. المفارقة هي أن تعزيز التدخّل المتعدد الأبعاد لمختلف أجهزة الدولة في الوسط الحضري خال سنوات ثمانينيات القرن الماضي، قابلته سيرورة انبثاق المجتمع المدني؛ فقد بدأت، بالفعل، أشكال اجتماعية جديدة لاحتجاج في الوسط الحضري ترى النور وتثبت ذاتها. ولم تعُد الاحتجاجات

الاجتماعية تختزل إلى النزاعات الاجتماعية الأفقية (بين الطبقات الاجتماعية)، بل إنها تضع أيضًا في الصدارة نزاعات اجتماعية جديدة عمودية. وإذا كانت الحركات الاجتماعية الكاسيكية تسعى إلى الدفاع عن المصالح المادية (الفئوية) والرمزية، فإن الحركات الاجتماعية الجديدة تنظم نفسها بالأولى حول مجموعة من القيم. ويقود التعبئة الاجتماعية فاعلون جدد فرضوا أنفسهم في المشهد الحضري، مثل الحركة النسائية والحركة الحقوقية والسكان والطلبة والأمازيغ، والجمعيات ذات الصبغة السياسية - الدينية. قبل سبعينيات القرن الماضي، لم يكن هناك سوى خمس جمعيات نسائية، بينما جرى بين سنتي 9709841 و 1 إنشاء 72 جمعية نسائية في المدن الكبرى. ومن مجموع 33 جمعية، توجد 02 جمعية

نسائية في الرباط و 7 جمعيات في الدار البيضاء. وابتداء من سنة 985 1، أ سست ثاث جمعيات نشيطة وقريبة من الأحزاب السياسية.

(((2 عبد الرحمان رشيق، «العلوم الاجتماعية والعنف الجماعي»، مقدمات، العدد.)1999(16

(2((لمزيد من التفصيات، انظر (Casablanca:: Ville et pouvoirs au Maroc , et Casablanca Abderrahmane Rachik: Afrique-Orient, 1994). (26) Aïcha Belarbi, «Femmes et société civile: Réflexions sur le cas du Maroc,» dans: Aïcha Belarbi [et al.], Droits de citoyenneté des femmes au Maghreb: La Condition socio-économique et juridique des femmes, le mouvement des femmes (Casablanca: Le Fennec, 1997), p. 249.

(2((وهي: - الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، التي أسست سنة 9851، وتنتمي إلى حزب التقدم والاشتراكية، - اتحاد العمل النسائي، الذي أنشئ في سنة 9871، وتنتسب إلى منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، - منظمة المرأة الاستقالية التي أسست سنة 9881، وتنتمي إلى حزب الاستقال. ونحن أمام تعزيز تنظيم الحركة المطلبية النسائية خال تسعينيات القرن الماضي: جمعية منتدى الإبداع النسائي (9911)؛ الجمعية المغربية للنساء التقدميات (9921)؛ منظمة fem ‘art (9941)؛ منظمة جسور (9951)؛ المنظمة المغربية للنهوض بالمرأة القروية (995..)1 وقد اهتمت وسائل الإعام بهذه الحركات اهتمامًا شديدًا.

تعززت الحركات الجمعوية بفضل الفرص السياسية الجديدة؛ فإلى جانب الانفتاح السياسي (إصاحات دستورية وإطاق سراح السجناء السياسيين، وعودة المنفيين السياسيين... إلخ.)، كان النقاش يدور حول الإصاح الدستوري لسنة 1992 وسنة  1996. وكان موضوعه إرساء التناوب السياسي، والحوار الاجتماعي بين الحكومة والفرقاء الاجتماعيين وبين النقابات وأرباب العمل. وانتقل النقاش السياسي في ظل ما سُمّي «حكومة التناوب» إلى نقاش مجتمعي يدور حول المسألة

النسوية (الطاق، الزواج المبكر، العنف ضد المرأة، النفقة، الإجهاض)، والفساد، والإعدام، والتعذيب... والحقوق الثقافية واللغوية، وحرية التعبير، وبوجه عام، جميع القيم المرتبطة بحقوق الإنسان المعترف بها دوليًا، من دون إغفال النقاش الذي أثير منذ عهد قريب ولا يزال يُعتبر من

المحرمات، خصوصًا حول حقوق المثليين، وحقوق الممتنعين عن صوم رمضان... إلخ. أما سنة 011 2، التي تطابق ما أطلق عليه «الربيع العربي»، فقد كانت «فصلً خاصًا»، إذ كان موقف

الدولة من حركة 02 فبراير أدنى إلى المراقبة منه إلى القمع بالنسبة إلى احتال هذه الحركة للفضاء العمومي من دون ترخيص إداري سابق (بتظاهرات ووقفات، ثم بالإقامة الدائمة المكثفة للباعة المتجولين في الأحياء... إلخ.). فأصبح النقاش العمومي سياسيًا ومجتمعيًا بامتياز، وأضحى الفساد

السياسي والملكية البرلمانية والكرامة، أو صيغتها السلبية «الحگرة»، موضوعًا للمطالبة والاحتجاج

بصورة متكررة في الخطاب الاحتجاجي. ويجري التعبير عن المطالب الاجتماعية الجديدة، على المستوى الوطني (في المدن والقرى والجبال)، باستخدام ألفاظ كالحصار والتهميش والإقصاء. وتدور هذه المطالب، مرتبةً بحسب الأهمية، حول الشغل والسكن والصحة والتعليم والطرق والماء والكهرباء وانعدام الأمن.

(2((ينبغي أن يشار إلى أن الموجة الأولى من إطاق سراح المعتقلين السياسيين كانت في سنة.1989 (2((أتاح دستور 9921 تفويض بعض سلطات الملك إلى الحكومة وإلى البرلمان. ونص في ديباجته على « تشبث المغرب واحترامه لحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميًا». كما أدى إلى إحداث وزارة لحقوق الإنسان، تولاها عمر عزيمان، أحد

الرؤساء القدماء للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان. ((3(قامت أحزاب المعارضة الأربعة، في إطار الإصاح الدستوري الذي أعلنه الملك في 1995.08.22، بتقديم «رسالة» إلى مستشار الملك، تتناول حقوق الإنسان، وتساوي الحقوق المدنية والاقتصادية والسياسية، بين الرجل والمرأة، ومنع التعذيب والاعتقالات التعسفية، والتقليص من المدة النيابية للبرلمان من ست سنوات إلى خمس سنوات... عبّرت أحزاب المعارضة كذلك

عن رغبتها في تمتيع المغرب بسلطة تنفيذية قوية، وبوزير أول يتمتع بالسلطة، انظر العرض الذي قدمه الكاتب العام لاتحاد

الاشتراكي، عبد الرحمان اليوسفي، في استجواب أجرته معه الجريدة الإسبانية البايس: , 6/7/1996. Quotidien du Maroc Le ((3(شهدت سنة 0002 تنظيم تظاهرتين، باتفاق مع السلطات المحلية، واحدة سيّرها التيار الإسامي في الدار البيضاء، والأخرى

سيّرها مختلف التنظيمات المنعوتة بالتقدمية والحداثية، في الرباط. حشدت التظاهرتان مئات آلاف الأشخاص، وجرتا بهدوء

نموذجي. وبعد التظاهرتين الضخمتين اللتين جرتا في المغرب، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، في 12 آذار/ مارس 0002، بدأت الاحتجاجات الاجتماعية تتخذ، شيئًا فشيئًا، أبعادًا سياسية بارزة، مقسِّمة المغرب إلى قسمين: عالم يسيطر عليه الإساميون، وآخر

يسيطر عليه الحداثيون.

(.Mouvement altrnatif pour les libertés individuelles: Mali) (الحركة البديلة للحريات الفردية (3(

((3(لكنه تمخض بسرعة عن إصاح دستوري جديد. ((3(مفهوم «الحگرة» يمكن ترجمته بالاحتقار. إنه يعبر عن شعور عميق بالحرمان والضيم. (3((رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب.

تؤدي هذه الجمعيات والحركات الاجتماعية، بصفة عامة، دورًا مهمًّا في تعزيز أواصر الرابط

الاجتماعي؛ فقد مكنت حركة 02 فبراير، على سبيل المثال، شبابًا غير متعارفين - بل ربما كانوا ينظرون

بعضهم إلى بعض على أنهم أعداء أيديولوجيون - من فتح نقاشات هادئة، أدت في بعض الأحيان إلى نسج عاقات صداقة. الجدول (3) تطور الحركات الاحتجاجية في الفضاء العام سنة

عدد الاحتجاجات

عدد الاحتجاجاتسنة
7002005
50912008
64382009
86122010
18,7502012
18,5002013
11,3302014

المصدر: الجدول من إعداد الباحث اعتمادًا على الإحصاءات الرسمية لبيانات وزارة الداخلية، الرباط.

لكن من المفارقات أن النقاش العمومي المجتمعي وانتشار الجمعيات وتعدد الحركات الاجتماعية يقابله عدم الاهتمام بالشؤون العامة للوطن، أو اهتمام قليل؛ فمثلً، يعتبر أكثر من 69 في المئة من المستجوَبين أن التصويت في الانتخابات غير مفيد، في مقابل 01 في المئة فقط يعتقدون أنه مفيد

جدًا. وكانت الصحافة تتحدث في إطار احتجاجات حركة 02 فبراير (0112) التي صادفت «الربيع العربي»، كما كان بعض الباحثين الأكاديميين يتحدث، خطأ، عن عدم عزوف الشباب سياسيًا، نظرًا

إلى قيادتهم ومشاركتهم المكثفة في هذه الحركة. وبعد التعبئة الاجتماعية التي خاضتها الحركة، أجرت المندوبية السامية للتخطيط بحثًا ميدانيًا يؤكد ما نعرفه من قبل: «إن الشباب المغاربة يولون اهتمامًا

قليلً للشؤون العامة؛ فمثلً 1 في المئة فقط من الشباب ينتمون إلى حزب سياسي، و 4 في المئة يحضرون اجتماعات الأحزاب السياسية أو النقابات، و 1 في المئة من الأعضاء الفاعلين في النقابات يشاركون: 4 في المئة في التظاهرات أو الإضرابات و 9 في المئة في أنشطة المتطوعين. بالإضافة إلى ذلك، يشارك 36 في المئة في الانتخابات بانتظام، و 14 في المئة بصفة غير منتظمة»، مع العلم بأن هذه الفئات العمرية تتخبط في مشكات اجتماعية كثيرة، حيث إن «نصف الشباب لا يشاركون البتة في الانتخابات، و 21 في المئة منهم فقط يضعون ثقة كبيرة في العدالة، و 71 في المئة في الصحافة

((3(شمل المسح عينة من 5000 شخص من الشباب تتراوح سنهم بين 81 سنة وأقل من 54 سنة. واستغرق جمع البيانات في الميدان من 21 آذار/ مارس إلى 5 نيسان/ أبريل 0112، شوهد بتاريخ 015/9/182 على الموقع الإلكتروني: http://www.hcp.ma/

Principaux-passages-de-l-intervention-de-Monsieur-Ahmed-Lahlimi-Alami-Haut-Commissaire-au-Plan_a1021.html.

و 61 في المئة في المنظمات غير الحكومية، و 9 في المئة في البرلمان، و 7 في المئة في الجماعات المحلية، و 5 في المئة في الأحزاب السياسية». لكن المشاركين في هذه الحركات الاجتماعية التي تهيمن على الساحة الإعامية وتحتل باستمرار المجال العمومي عبر وقفات ومسيرات وتظاهرات، والتي من شأنها خلق العاقات الاجتماعية وتوطيدها، ليسوا فاعلين ديناميين داخل الأحياء؛ فالفاعلون الاجتماعيون والسياسيون الذين يقودون الحركات الاحتجاجية يشتغلون غالبًا خارج الفضاء الحميمي الذي تمثّله الأحياء، أي

إن هذه الحركات ليس لها امتدادات مجالية واجتماعية في الأحياء (deterritorialized). ويكاد المجتمع المدني المغربي يخلو من جمعيات الأحياء، أو جمعيات المكترين، أو جمعيات أحياء الصفيح، أو جمعيات المستعملين للنقل العمومي، أو ضحايا أزمة السكن... يفضل المناضلون القيام بالعمل الجماعي خارج الحي لحماية هويتهم الشخصية. وبالتالي، تصبح وظيفة الحي مختزلة في مجال للنوم ولمرور المشاة وأصحاب السيارات وليس فضاء لاجتماعات والمؤانسة والاحتجاج.

وتيرة التمدن والانتقال الديموغرافي

بالإضافة إلى تحركات المجتمع المدني في عهد نظام تسلطي، والتدخل المتزايد لأجهزة الدولة في النسيج العمراني، شهدت الحركات الاحتجاجية تطورات في ظل سيرورة الانفتاح السياسي؛ ذلك لأن ازدياد نسبة التمدن المتواصل من شأنه أن يفرض ثقافة حضرية تضاعف هشاشة العاقات الاجتماعية بين الأفراد. يحتّم صغر المساحة المخصصة للسكن وكبر حجم الأسرة على الأطفال غزو الفضاء العام للحي. كما أن قيام أطفال يتعارفون في ما بينهم (من خال المدرسة أو الأزقة) بالتردد على الحي يسمح كذلك بتنشيط الرابط الاجتماعي بين الجيران. لكن من شأن انخفاض نسبة الخصوبة عند النساء أن يؤثر في الحياة الاجتماعية داخل الأحياء، بحيث يؤدي انكماش حجم الأسرة بالضرورة إلى قلة عدد، إن لم نقل انسحاب، الأطفال من أزقة الأحياء؛ فتردد الأطفال على هذه الأزقة مصدر من مصادر تعزيز العاقات الاجتماعية بين الأسر (وهو أيضًا مصدر للصراعات بين الجيران، وبالتالي لإمكان التعارف في ما بينهم). يمر المجتمع المغربي فعا بما يسمّى «الانتقال الديموغرافي»، حيث سُجل عجز ديموغرافي في

الوسط القروي (ناقص 1 في المئة سنة 0142) وانخفاض تدريجي لنسبة النمو الحضري الذي انتقل في الفترة الممتدة من سنة 9601 إلى سنة 9701 من 4.1 في المئة سنويًا إلى 2.1 في المئة في المتوسط

((3(يجب التذكير بأن «معدل البطالة لدى الفئة العمرية -1524 سنة يبلغ 19.3 في المئة، أي ضعفي المستوى الوطني. ويصل هذا المعدل إلى 52 في المئة بين الشباب حاملي الشهادات المتوسطة و 60 في المئة من بين خريجي التعليم العالي» (إحصاءات 0152)، انظر: «كلمة أحمد الحليمي في افتتاح اللقاء حول أية أهداف للتنمية لما بعد 0152؟»، الرباط، 72 كانون الثاني/ يناير 0152، ص 5، شوهد في 015/9/18:2، في

www.hcp.ma/attachment/548091/

سنة 014.2 يعود هذا الانخفاض بدوره إلى تراجع نسبة النمو الديموغرافي على المستوى الوطني، حيث انخفضت نسبة الخصوبة من 7.1 أطفال في سنة 9611 إلى طفلين في سنة:2014 الجدول (4) نسبة التحضر والنمو الحضري بين سنتي 1960 و 2029 السنة

مجموع السكان السكان الحضريون نسبة التحضر نسبة النمو الحضري

نسبة النمو الحضري)%(نسبة التحضر)%(السكان الحضريونمجموع السكانالسنة
-29.13,389,61311,626,4701960
4.135.15,40972,515,379,2591971
4.242.78,730,39920,419,5551982
3.651.413,407,83526,073,7171994
2.25516,463,63429,891,7082004
2.160.320,432,43933,848,2422014
-70.328,479,00052,581,0002029

المصدر: الجدول من إعداد الباحث اعتمادًا على إحصاءات السكن والسكنى للمندوبية السامية

للتخطيط، الرباط.

لا بد أن نشير كذلك إلى أن الاكتفاء الذاتي للأسر، وخصوصًا التوفر على جهاز التلفزيون ومشاهدة

القنوات التلفزيونية الفضائية في كل بيت تقريبًا، يعزز انطواء الأسر على نفسها. بالإضافة إلى ذلك،

يدفع الشعور بالنقص، بسبب العيش في حي ذي سمعة سيئة، الأفراد أيضًا، ولا سيما البنات، إلى

الانكماش داخل الأسرة، بحيث لا يُنظر إلى الفضاء العام باعتباره مجالً للمؤانسة، بل يصبح الشارع

مرادفًا لانعدام الأمن ومكانًا لمرافقة الأشرار. تؤدي هذه العوامل كلها إلى تغذية عاقات اجتماعية تتميز بالتباعد بمسافات كبيرة، حيث تحكم عاقات الجوار ثقافة الفردانية والانطواء على الذات والأسرة والعائلة. ويؤكد أكثر من 65 في المئة من المستجوبين الحضريين تراجع الإحساس بالتضامن، في مقابل 32 في المئة في المجال القروي. وقد أشار المندوب السامي للتخطيط أحمد الحليمي علمي، عندما قدّم التقرير الوطني حول أهداف الألفية 0122 الأخير، إلى «تراجع التضامن العائلي

الذي يمكّن من التخفيف من تكلفة دخول الشباب للحياة النشيطة».

((3(البحث الوطني حول الروابط الاجتماعية في المغرب (0122) الذي أنجزه المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في الرباط. ((3(كلمة أحمد الحليمي علمي، المندوب السامي للتخطيط، في افتتاح اللقاء عن: أية أهداف للتنمية لما بعد 0152؟، الرباط، 72 كانون الثاني/ يناير 0152، شوهد بتاريخ 015/9/202، على الموقع الإلكتروني:

http://bit.ly/2fUC4y7

تُنعت مدينة الدار البيضاء، عاصمة المغرب الاقتصادية، ب«الغول» لكبر حجمها وكثافة سكانها وانعدام الثقة التي تميز العاقات الاجتماعية (على مستوى التمثّات الاجتماعية). لذا، يجب على الغريب أن يتحوط في أمر سكانها وبناتها ونسائها وتجارها وسائقي سيارات الأجرة... يبلغ عدد سكانها أكثر من 3,350,000 نسمة، بحسب الإحصاء العام الأخير للسكن والسكنى (014.)2 لكن نسبة نموها

الديموغرافي تراجعت تراجعًا ملحوظًا بينما ارتفعت في المدن الصغرى المجاورة لها والمتميز

بنموها الكثيف: الجدول (5) التطور الديموغرافي لمدينة الدار البيضاء السنة

مجموع السكان

نسبة النمو)%(المتوسط السنويمجموع السكانالسنة
--965,2771960
3.949,1901,506,3731971
3.157,5302,139,2041982
2.140,7882,628,6601994
40,3453,032,1162004
1.0332,7203,359,8182014

المصدر: الجدول من إعداد الباحث اعتمادًا على الإحصاءات الرسمية السكن والسكنى للمندوبية السامية

للتخطيط، الرباط.

إن عدد المدن الكبرى التي يفوق عدد سكانها 500,000 نسمة لا يتعدى سبع مدن، بحسب الإحصاءات الأخيرة للسكن والسكنى لسنة 014.2 وتُعَدّ مدينة الدار البيضاء، نظرًا إلى وزنها الديموغرافي، مرجعًا

لدراسة طبيعة العاقات الاجتماعية ونوعيتها، مع العلم أن المدينة الكبيرة التي تنتج مضمونًا ثقافيًا

خاصًا بها تعمل على نشر القيم والتمثات والسلوكات السائدة بها في المدن الصغرى، وكذلك في

المجالات القروية، وذلك بفضل هيمنتها الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، خصوصًا بعد إنجاز

مشروع كهربة المجالات القروية وانتشار وسائل الإعام والتكنولوجيات الجديدة. لقد أصبحت أهمية المجال في تحديد الثقافة، بوصفها نظامًا قيميًا في المدن الكبرى مع مرور الزمن، مستقلة عن المجال

الذي أنتجها، لتهيمن شيئًا فشيئًا على جميع المجالات الأخرى.

علاقات الجوار واستبداد الحميمية

لاحظ زيمل في تحليله طبيعة العاقات الاجتماعية بين الأفراد، خاصة في مجالات التفاعات الانتقالية، أن التفاعات الاجتماعية بين سكان المدن الكبيرة تتميز باتصالات قوية جسديًا، ولكنها

تتباعد مسافات طويلة على مستوى العاقات الاجتماعية التي تربط الأفراد، ومعنى ذلك أن العاقات الاجتماعية تكون هشة وسطحية وباردة.

المتوسط السنوي

نسبة النمو)%(

هذا الهاجس الذي يخص إشكالية الرابط الاجتماعي غير موجود في أدبيات المنظمات النقابية والأحزاب السياسية المغربية، ولا يوجد له أثر في النقاش أو الحوار العمومي بين المهندسين المعماريين ولا بين مسؤولي وزارة الإسكان أو السلطات المحلية، ولا في وسائل الإعام. مصدر القلق الرئيسي للحكومة هو بناء السكن الاقتصادي والقضاء على جميع أحياء الصفيح في المدن المغربية، من دون اعتبار النتائج الاجتماعية والسياسية لتدخاتها الكثيفة، ولطبيعة العاقات الاجتماعية التي تؤسس لها في هذه المناطق الهامشية الجديدة. لقد طُرحت، على العكس من ذلك، إشكالية الرابط الاجتماعي وأماكن العيش في دائرة السلطات العليا للباد. وشاركنا نحن في بحث نُظّم على الصعيد الوطني بشأن الرابط الاجتماعي، موله المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في الرباط، وجرت أطواره في الفترة 011-20092، تحت إشراف المهندس والمستشار الملكي مزيان بلفقيه. كما شاركنا في ورشة تتعلق بأماكن العيش، نظمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في مدينة الرباط. وجرى أيضًا تحت رعاية والي المدينة (المحافظ) تنظيم ورش في شأن الدار البيضاء، بعد الغضبة الملكية التي ترجمها خطاب محمد السادس في البرلمان سنة 0132، وشدد فيه على ضعف التدبير الذي تلقاه هذه المدينة من جانب المجلس المنتخب. سنحاول الآن مقاربة الرابط الاجتماعي من خال طبيعة العاقات بين الجيران. اهتم التشريع الإسامي بأمر الجار اهتمامًا كبيرًا. وقد جاء في الآيات القرآنية الحض على الإحسان في معاملة

كُوا بهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالَِيْنإِحْسَانًا وَبذِي الْقُرْبَٰ وَالْتَامَِٰ وَالْمسَاكينِ

الجار: ﴿ وَاعْبدُوا اللَّ ولَ تشُ

وَالَْارِ ذِي القُْرْبَ ٰوَالَْارِ الُْنبِ وَُالصَّاحبِ بِالَْنبِ﴾ (النساء: 36). وفي حديث معروف، يقول

الرسول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». ويقول المغاربة: «عار الجار على جارو». لهذا، تكتسي رابطة الجوار في التمثات الاجتماعية بُعدًا قيميًا، لكن الواقع اليومي في المدن

الكبرى يفرض منطقًا مغايرًا، وينتج قيمًا تمجد الفرد والانطواء داخل الأسرة والعائلة واتخاذ الحيطة

والحذر من الجار: ألَ يقال «يجب اختيار الجار قبل الدار»؟ إن حقيقة المدينة لا تنحصر في بناء السكن والطرقات والمرافق الاجتماعية والاقتصادية، على أهميتها،

بل تستلزم فوق ذلك بناء العاقات الاجتماعية بين السكان. لا بد من أن نقر أولً بأن مدننا الكبرى لم تشهد إعادة إنتاج التكتات الريفية أو القبلية أو اللغوية في المجال الحضري؛ إذ كلما زاد عدد السكان

وارتفعت معدلات كثافتهم، عظُم تباينهم وعدم تجانسهم، وهو ما ينتج منه تاشي الروابط القرابية، وضعف عاقات الجوار، وانهيار التماسك الاجتماعي التقليدي؛ إذ تتميز القيم والثقافة والعاقات الاجتماعية الحضرية في المدن الكبرى بالسطحية وسرعة الزوال، وبالغربة والبرودة، وبالإبهام والتراخي، وبالتحفظ والأنانية والحيطة وعدم الثقة والنفعية، وبعقانية، وبمنطق الحسابات. بيد أن الفرد، وكما قال زيمل في أوائل القرن الماضي، يعيش في المدينة حرًا، أي أن الضغوط الاجتماعية

تصبح أقل حدة مقارنة بالوسط القروي أو المدن الصغرى، لأن الفرد في المدينة الكبرى فرد غريب وسط الحشد، ولأن المنظومة القيمية متنوعة ومتباينة في المدن الكبرى، حيث يمكن الفتاة التي

ترتدي في أزقة حيها الجابة وربما الحجاب، مثل، أن تنزع الجابة أو الحجاب خارج حيها وترتدي اللباس العصري الذي يحلو لها. إن ضعف الرابط الاجتماعي يعني هشاشة العاقات الاجتماعية. وهو ما يمكن أن يرتب عنه: • عرقلة إنتاج وساطة اجتماعية على مستوى الأحياء ليؤدي الوسيط الاجتماعي دور المحاور أو المتحدث باسم السكان تجاه المنتخبين والسلطات المحلية. • إضعاف مشاركة المواطنين في كلٍّ من المجالات السياسي والنقابي والجمعوي، والاهتمام بالحياة

اليومية للحي. يُبين مجمل الأبحاث الأخيرة التي أجريت في المغرب، في حدود ما تمكنا من الاطاع عليه، ضعف

العاقات الاجتماعية وانكماش الأفراد حول النسيج الأسري والعائلي. كما أن نتائج البحث الوطني الذي شاركنا فيه، والذي أنجزه المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية (الرباط) سنة 0122، تبيَّن أن

أكثر من 80 في المئة من السكان المغاربة ثقتهم ضعيفة أو متوسطة في جيرانهم. ويجب تأكيد أن «الثقة في الجيران تنقص كلما ارتفع المستوى الدراسي للأشخاص». كما أن 84 في المئة من الفئات العمرية ما بين 81 و 30 سنة تعتقد أن الروابط الأسرية أهم كثيرًا من

العاقات مع الجيران. وتأتي عاقات الصداقة في المرتبة الثانية (34 في المئة). الجدول (6) أهم الروابط الاجتماعية بحسب السن علاقات أسرية علاقات صداقة علاقات جوار علاقات سياسية

علاقات سياسية
%
علاقات جوار
علاقات صداقة
علاقات أسرية
7.524.343.548.118 – 30 سنة
6.529.831.745.1ما فوق 30 سنة

ما فوق 30 سنة 45.1

المصدر: المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، الرباط،.2012

إن المجتمع الحضري مجتمع أفراد، تحكمه أساسًا عاقات أسرية ونفعية ووظيفية؛ إذ تؤكد الأبحاث

الميدانية المذكورة أن عاقات الجوار تُختزل في غالب الأحيان إلى تبادل التحية بكلمة «صباح الخير» و«السام عليكم». والأمر على هذا النحو كذلك حتى في الأحياء الشعبية التي تتميز بكثافة سكانية عالية. لقد ضعفت العاقات بين الجيران، فأصبحت تنحصر في طلب هذا الجار أو ذاك بعض أدوات المطبخ أو الملح أو الخضر... إلخ؛ ففي البحث الذي أجري على المستوى الوطني (المدن والأرياف)، كان الجواب عن السؤال: «ما نوعية العاقة التي تحبذون ربطها مع الجيران؟» كالتالي: أكثر من 54 في المئة من الرجال و 04 في المئة من النساء يفضلون أن تبقى هذه العاقة محدودة في

(4((نتائج البحث الوطني الذي أنجزه المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية. دعم البحث استجواب عينة وطنية تتكون من 5046

شخصًا في سنة 0112، شوهد في 015/9/18:2، في http://www.ires.ma/fr/enquete-nationale/attitudes-envers-les-voisins-et-

types-de-voisinage.

المئة من النساء يودون تبادل الزيارات.

علاقات محدودة جدًا

أجوبة أخرى
%
تبادل الزيارات
%
تبادل الخدمات فقط
%
علاقات محدودة جدًا
%
6.516.322.754.1الرجال
3.328.528.040.1النساء

النساء 40.1

المصدر: المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، الرباط،.2012

في مقابل 34 في المئة فقط في العالم القروي:

تبادل الزيارات %تبادل الخدمات فقط %علاقات محدودة جدًا %
27.235.834.3القرى
37.919.156.1المدن

المدن 56.1

المصدر: المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، الرباط،.2012

بارتفاع المستوى التعليمي تود أن تبقى عاقات الجيران محدودة جدًا:

علاقات محدودة جدًا

المستوى

أجوبة أخرى
%
تبادل الزيارات
%
تبادل الخدمات فقط
%
علاقات محدودة جدًا
%
المستوى
ا الدراسي
3.226.130.240.2ي
دون مستوى
6.419.322.651.5ابتدائي
7.617.214.260.8ي
ثانوي
8.116.915.159.9دراسات عليا

دراسات عليا 59.9

المصدر: المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، الرباط،.2012

كلمة «صباح الخير»؛ و 32 في المئة من الرجال و 82 في المئة من النساء يفضلون أن تبقى العاقة مع الجيران على مستوى تبادل الخدمات والأدوات المنزلية، و 61 في المئة فقط من الرجال و 82 في

الجدول (7) نوعية العلاقة التي تحبذ الساكنة ربطها مع الجيران، بحسب الجنس تبادل الخدمات فقط تبادل الزيارات أجوبة أخرى

إن أكثر من 56 في المئة من مجموع المستجوبين في المدن يودون أن تكون عاقات الجوار محدودة،

الجدول (8) نوعية العلاقات الاجتماعية التي تحبذ الساكنة ربطها مع الجيران في القرى والمدن % علاقات محدودة جدًا% تبادل الخدمات فقط تبادل الزيارات%

كما أن تقليص هذه العاقات الاجتماعية مرتبط كذلك بالمستوى الدراسي أو الوضع الاجتماعي؛ فكلما ازداد المستوى الدراسي تقلصت العاقة مع الجيران، حيث إن 60 في المئة من الفئة التي تتميز

الجدول (9) نوعية العلاقات الاجتماعية المحبَّذة مع الجيران بحسب المستوى الدراسي تبادل الخدمات فقط تبادل الزيارات أجوبة أخرى

يجري تقاسم مجمل الروابط الاجتماعية داخل الأسرة أو العائلة؛ فالمعلومات الشخصية والمشاعر والعواطف هي فضاء خاص بالأسرة، فا تهم الجيران ولا الزماء. وعلى سبيل المثال، حينما تواجه

الأسرة صعوبات مالية، تُنشَّط أولًالشبكة العائلية، ونادرًا ما تجد أسرًا تستعين بجيرانها أو أصدقائها

أو زمائها. ويُعتبر الرابط العائلي طبيعيًا بالنسبة إلى الأسر، على اعتبار أنها نتيجة عاقات بيولوجية

تتحكم فيها عاقات الدم والزواج. لذلك يتعامل معها بتلقائية، لما يسودها من ثقة ودعم متبادلين (فالفضاء العائلي هو أيضًا مصدر للصراع والتنافس). إن الفرد كما يظهر في المجال العام هو صورة «كاذبة»، لأن الفرد يرتدي القناع الذي يروق المجتمع. والفرد في المجال الخاص هو الشخص على حقيقته، هو الأصيل وهو الصادق. ويحاول الجيران بين سكان المدن الكبرى أن يتباعدوا بعضهم عن بعض ما أمكن لهم التباعد. ويعتمد الفرد منهم على تنفيذ استراتيجيا خاصة لتجنب لقاء جاره أو الحديث معه، وذلك من دون مقت أو كراهية، ولكن بفتور طفيف. إن استراتيجية التجنب هذه سلوك لمحاولة الابتعاد عن إثارة صراعات

محتملة مع الآخر. وهي كذلك محاولة من الجار لتأمين الطرق التي قد تمكّن الغير من التوصل إلى معلومات عنه ينظر اليها على أنها شأن خاص أو حميمي. حين يشعر الفرد بأنه مراقب أو محاط بأناس فضوليين، ينخفض مستوى المؤانسة. وهكذا، تكون العاقات الاجتماعية الهشة بين سكان المدن الكبرى نتيجة ل«استبداد الحميمية». زد على ذلك، كما سبقت الإشارة، أن المدن المغربية لم تعرف تمركزًا مجاليًا لمجموعات قبلية أو

إثنية أو لغوية أو دينية. ولا نجد كذلك أحياء يتمركز فيها سكان أجانب، حيث يتوزع السكان الأفارقة أو الصينيون أو الفلبينيون على أحياء المدينة. لكن هناك بوادر تمركز إثني تلوح في الأفق، وذلك بإنجاز سوق (متواضعة) في المدينة العتيقة في الدار البيضاء خاصة بالبضائع والخدمات (الحاقة مثلً) التي يحتاج الأفارقة السود إليها. لكن نسبة الأجانب في هذه المدينة تمثل أقل من 0.8 في المئة، وعدد الأجانب في المغرب الذين شملتهم عملية الإحصاء ضئيل، فا يتعدى 55,488 نسمة، يقطن 33724, نسمة منهم (حوالى 44 في المئة) منهم في الدار البيضاء و 12,891 (32 في المئة) في مدينة الرباط. ناحظ في حياتنا اليومية ميا واضحًا ومتزايدًا لدى الأسر نحو البحث عن «العزلة الذاتية»؛ فالمنطق

الاجتماعي السائد هو إقامة مسافة مع الجيران أو مع الآخر بصفة عامة. وهناك كثير من الأمثلة الشعبية التي تترجم الانكماش على الذات: «التيقار مزيان»، «داخل سوق راسو»، «إنسان حدودي»، «آش داني لشي قرع نمشط لوراسو»، «دير الخير يرجع لك ببومزوي»، «سلّم على عربي تخسر خبزة»، «دير النية وبات مع الحية وإلى صبحتي عكر ليا»، «اكتم سرك، تملك أمرك»، «الباب لي جيك منو الريح، سدو واستريح». تطغى قيمة الفردانية على المجتمع، حيث يعتقد 59 في المئة من المستجوبين الحضريين أن المغاربة ليسوا متضامنين في ما بينهم، في مقابل 94 في المئة في العالم القروي. ويعتقد أكثر من 65 في

(41) Édouard Gardella, «Du jeu à la convention. Le Self comme interprétation chez Goffman,» Tracés , no. 4 (2003), p. 26.

(((4 نتائج البحث الوطني الذي أنجزه المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية.

المئة من الحضريين كذلك أن السكان لا يبالون إلا بأنفسهم، في مقابل 52 في المئة من القاطنين في البوادي؛ فقد فرضت المسافة مع الجيران (التيقار) نفسها كقيمة عند الساكنة، وحين يحاول الفرد التعرف أو الانفتاح على الآخر من خال بعض الأسئلة التي تبدو عادية، أي غير حميمية، يُعتبر السائل

من الفضوليين و«بركاك». إن أغلب الساكنة، كما ذكرناها سالفًا، لا تسعى إلى إقامة عاقات اجتماعية في حياتها اليومية خارج

فضاء الأسرة الذي يُعتبر مجالً للعيش الحميمي. ويسعى الفرد للمحافظة على استقاليته وفردانيته

ضد فضول المجتمع وهيمنته وضغطه. وسلوكه هو بمثابة تحصين له ولأسرته ضد مطالب وانتظارات الآخرين الذين يُعتبرون غرباء عن العائلة. ويعمل الفرد على تكوين مجال ترابي صغير يرسم له حدودًا.

وكل تجرؤ على هذ المجال الخاص بالفرد يُعَدّ بمنزلة انتهاك، بل تهجم وعدوان على حميميته. إن

الغريب وغير المعروف يستدعي عدم الثقة، كما قالت لنا امرأة في الخمسينات من عمرها: «جارك هو منشارك، طالع يضرك هابط يضرك»، للتعبير عن عدم الثقة في الجيران، وكذلك للتلميح إلى اختفاء عاقات حسن الجوار التي كانت تسود في الماضي. لكن هذه العاقات الاجتماعية تنشط بعد تضرر جماعي أو عدوان خارجي على الساكنة (مثلً بعد الفيضانات أو اندلاع حريق في حي صفيحي، أو بعد تدخّل أجهزة الدولة لهدم المنازل «العشوائية»)، أو في بعض الأفراح أو بعد وفاة أحد سكان الحي، حيث تتم تعبئة الجيران بصورة آلية وتلقائية لمساعدة الأسرة في رُزئها ودعمها بتحضير الطعام واستقبال المعزين... إلخ. كما يعمل المجلس

الجماعي (المنتخبون) أيضًا على توفير خيمة كبيرة وكراسي لاستيعاب الجيران وأقارب المتوفى. إن أغلبية الأسر متفقة على أن الجيران هم عمومًا متعاونون عند حدوث وفاة أحد الجيران أو إصابته

بمرض خطِر. ويتميز هذا النوع من التضامن الاجتماعي بسلوك تلقائي و«طبيعي».

خاتمة

تناولت الدراسة العوامل السياسية والمجالية والاجتماعية والديموغرافية التي يمكن أن تفسر هشاشة العاقات الاجتماعية في المدن الكبرى. وأشارت إلى أن النظام السياسي المتسلط يعيق إنشاء الحركات الاجتماعية ولا يشجع على توفير الفرص لتنمية المؤانسة، ولا يواكب صيرورة التمدن السريع بإنجاز مرافق اجتماعية وترفيهية... يكون من شأنها أن تسمح بتعزيز الروابط الاجتماعية بين السكان. وعلى الرغم من الانفتاح السياسي ودينامية المجتمع المدني ووجود نقاش عام حول الموضوعات المجتمعية، وتعدد الحركات الاحتجاجية في الفضاء العام، والذي تغذيه وسائل الإعام... فإن صيرورة الانكماش على الذات لا تقاوم. إن أغلبية السكان لا ترغب في ربط عاقات اجتماعية مع الآخر.

(43) Erving Goffmann, La Mise en scène de la vie quotidienne, 2: Les Relations en public , traduit de l’anglais par Alain Kihm, le sens commun (Paris: Editions de Minuit, 1973).

(((4 بدأت الفئات الاجتماعية المحظوظة تلجأ إلى ممولي الحفات لاستقبال المعزين. (4((إن العرض الهائل في السوق الوطنية من الصحف والمجات والإذاعات والقنوات الفضائية والشبكات العنكبوتية... له كذلك أثر كبير في تفتيت الرأي العام.

ومن ثم، فإن الشكل الإيكولوجي الجديد للتكتات الحضرية هو العامل الأساسي من عوامل هشاشة العاقات الاجتماعية وانطواء سكان المدينة على ذواتهم. فالمدينة تستقبل أسرًا من مناطق مختلفة،

وغير متجانسة في مستواها الاجتماعي، في إطار نظام اقتصادي يتميز بمنطق المصلحة والحسابات والمنافسة التي تشيع قيم الفردانية والامبالاة وعدم الثقة في الآخر. وحتى هيمنة القيم الإسامية في المجتمع الحضري لا تعارض صيرورة الفردانية. ويعمق الاكتفاء الذاتي للأسر كذلك صيرورة هذا التجزيء المجالي والتمييز الاجتماعي. والمجال ليس خشبة مسرح ينعكس فيها المجتمع؛ إنه نتاج

ومُنْتج في آن معًا، إذ تؤثر دينامية المجال في المدن الكبرى في بلورة قيم الساكنة التي تؤطر بدورها

العاقات الاجتماعية، حيث إن قيم الفردانية السائدة تهيكل النسيج العمراني. ثم إن سياسة السكن الاجتماعي المتبعة والموجهة للفئات الهشة، تكرس هي نفسُها الفردانية، وتنتج

صراعات بين الجيران؛ فقد كان البناء الكثيف للسكن الاجتماعي لقاطني أحياء الصفيح في ضواحي المدن الكبرى، منذ الفترة الاستعمارية إلى حدود سنة 9871، مقتصرًا على إنجاز منازل فردية (تقطنها

عائلة أو عائلتان على الأكثر) تتكون من طابقين. ثم حتّم غاء العقار على السياسة العمومية تجنب هذا

النوع من البناء النمطي، واللجوء إلى إنجاز عمارات من أربعة طوابق، أي فرض الملْكية المشتركة. إن القيم الفردانية تؤثر كذلك في تجزيء النسيج العمراني الذي بدأ يفرض نفسه من خال المنطق الأمني الذي يتحكم تدريجيًا في بنية المدينة الحديثة. وقد بدأ الهاجس الأمني، منذ سنوات

الثمانينيات، يطفو على السطح، خصوصًا في مدينة الدار البيضاء (حي الأميرات وإقامة نادية وإقامة

النجد في حي المعاريف، إقامة الوئام في الحي الحسني التي شيدتها مؤسسة عمومية...). والخطاب الأمني المتجلي من خال الإعانات الاشهارية ممثَّل تمثيلً جيدًا في السياسة الترويجية للسكن. وهناك حاليًا مشاريع كبرى في طور الإنجاز. وتبحث الأسر، خصوصًا تلك التي تنتمي

إلى الفئات الاجتماعية الوسطى، عن العيش في بيتها (entresoi)، بعيدًا عن «الطبقات الخطِرة»، فتنشأ جرّاء ذلك «جزر اجتماعية» منطوية على نفسها، تسمّى في الأدبيات الفرنسية «الجيوب

(4((إن التواصل من خال شبكة الإنترنت يساعد كذلك على تقوية التجزيء والفردانية. (4((السكن مع أسرة ثانية أصبح مصدرًا للصراعات بين الجيران، حيث إن المحاكم المغربية استقبلت عددًا كبيرًا من الشكايات

للنظر في من له الأحقية في استغال السطح. وكثير من الأسر المستفيدة من بقع أرضية في إطار سياسة السكن الاجتماعي لا تتوفر على الإمكانيات المالية لإنجاز منزلها، فتضطر إلى البحث عن شريك يتكلف ببناء المنزل على أساس أن يمتلك الأول الطابق

العلوي ويمتلك الآخر الطابق السفلي. فالمستفيد الأول يمنع الثاني من استغال السطح كملْكية مشتركة بذريعة أن العقد ينص على أن الشريك يمتلك الشقة فقط. 4(((المؤسسة العمومية الجهوية للتهيئة والبناء للمنطقة الوسطى أكدت «أن الحائط أُنجز في سنة 9921 بناء على طلب السكان، للتفريق بين إقامة الوئام والأجزاء القريبة الأخرى والتي كانت في طور الإنجاز، لأن الحائط غير موجود في التصميمات التي صادقت

« Casablanca: Les Habitants d’Al Wiam s’insurgent contre l’Erac-centre,» L’Economiste ,:عليها السلطات المحلية» انظر 14/7/2004, Accessed on 18/9/2015, at: http://www.leconomiste.com/article/65279casablanca-les-habitants-d-al-wiam- s-insurgent-contre-l-erac-centre.

(4((تنجز الآن (0152) مدينة جديدة في ضواحي مدينة الدار البيضاء، في غابة بوسكورة، على مساحة 001,1 هكتار، وينتظر استقبال حوالى 0,0004 نسمة من طرف كبار الوسطاء العقاريين التابعين للقطاع الخاص (بريستيجيا: 002 هكتار، مجموعة بالموري للتنمية: 301 هكتارًا)، والعام (الشركة العامة للعقار التابعة لصندوق الإيداع و التدبير: 357 هكتارًا).

حركات الدخول والخروج من الحي.

المراجع

العربية

كتب

من طرف الحسين سحبان؛ تقديم كمال لحبيب. الرباط: منتدى بدائل المغرب،.2014

دورية

وثيقة

الثاني/ يناير 015.2 شوهد في 015/9/18:2، في

الأجنبية

السكنية المغلقة» (enclaves résidentielles fermées)، أو ما يُعرف في أميركا ب«المجموعة

السكنية المحاطة بسور» (gated community). لقد ساعدت هيمنة الخطاب الأمني الذي تسوّقه

وسائل الإعام على نشوء نسيج عمراني جديد ومجزأ يسمح في الوقت نفسه بالاستقرار في المدينة والانعزال عن باقي الأحياء المحيطة به، وذلك ببناء جدران وأسوار تمنع كل أجنبي من الدخول إلى الإقامة السكنية، مع اللجوء إلى المراقبة بكاميرات الفيديو ورجال أمن خاصين، بغية التحكم وضبط

References

رشيق، عبد الرحمان. الحركات الاحتجاجية في المغرب: من التمرد إلى التظاهر. ترجمت إلى العربية

ماركس، كارل وفريدريك إنجلز. البيان الشيوعي في أول ترجمة غير مزورة. ترجمه وقارنه عن الألمانية وعلق بقاموس ماركسي على كلماته النظرية والتاريخية العفيف الأخضر. بيروت: منشورات الجمل،.2015

رشيق، عبد الرحمان. «العلوم الاجتماعية والعنف الجماعي». مقدمات. العدد 1).999(16

«كلمة أحمد الحليمي في افتتاح اللقاء حول أية أهداف للتنمية لما بعد 0152؟». الرباط، 72 كانون

www.hcp.ma/attachment/548091/.

Books

Belarbi, Aïcha [et al.]. Droits de citoyenneté des femmes au Maghreb: La Condition socio-économique et juridique des femmes, le mouvement des femmes. Casablanca: Le Fennec, 1997. L’École de Chicago: Naissance de l’écologie urbaine. Textes traduits et présentés par Yves Grafmeyer et Isaac Joseph. RES. Champ urbain. Paris: Aubier, 1984.

(50) Gérald Billard, «Les Enclaves résidentielles fermées et sécurisées contre la ville?,» Hermès, La Revue , no. 63 (2012), pp. 75-81.

Goffmann, Erving. La Mise en scène de la vie quotidienne, 2: Les Relations en public. Traduit de l’anglais par Alain Kihm. Le Sens commun. Paris: Editions de Minuit, 1973. Le Corbusier. La Charte d’Athènes. Avec un discours liminaire de Jean Giraudoux. Collection forces vives. Paris: Editions de Minuit, 1957. Rachik, Abderrahmane. Casablanca: L’Urbanisme de l’urgence. Casablanca: Impr. Najah el jadida, 2002. ________. Ville et pouvoirs au Maroc. Casablanca: Afrique-Orient, 1994. Sombart, Werner. Le Socialisme et le mouvement social au XIXe siècle. Paris: V. Giard et E. Brière, 1898. Accessed on 20/9/2015, at: http://www.uqac.ca/Classiques_des_ sciences_sociales. Tocqueville, Alexis de. L’Ancien régime et la Révolution, 2: Fragments et notes inédites sur la Révolution. Texte établi et annoté par André Jardin. 3ème éd. revue et mise à jour. Paris: Gallimard, 1981. Tönnies, Ferdinand. Communauté et société: Catégories fondamentales de la sociologie pure. Introduction et traduction de J. Leif. [s. l.: s. n.], 1922. Accessed 12/5/2010: http://dx.doi.org/doi:10.1522/cla.tof.com

Periodicals

Billard, Gérald. «Les Enclaves résidentielles fermées et sécurisées contre la ville?.» Hermès, La Revue. no. 63 (2012). Gardella, Édouard. «Du jeu à la convention. Le Self comme interprétation chez Goffman.» Tracés. no. 4 (2003).

Thesis

Gendre, Lucien. «Le Développement des volumes bâtis à Casablanca.» Mémoire de l’Institut d’urbanisme de Paris, 1955.