الداخلي
Émique
الملخّص
ملخص: يبقى الهم الأساسي لعالم الأنثروبولوجيا أن يستجلي «وجهة نظر السكان الأصليين»، وأن يعتمد، بقدر الإمكان، طريقة التفكير التي تعتمدها الأطراف المحلية الفاعلة. تشير الداخلي emic إلى اللاحقة الاصطلاحية التي تشمل الخطاب والتمثلّات الشعبية أو المحلية، في حين تشير اللاحقة etic إلى البيانات الصادرة عن المشاهدات الخارجية أو إلى تأويلات الباحثين. وكان العالم اللغوي الأميركي كينيث لي بايك أول من استفاض في شرح هذا التباين الذي أدخله في ما بعد عالم الأنثروبولوجيا الأميركي مارفين هاريس إلى علم الأنثروبولوجيا (و«نقّحه»). وقد نشأ جدل واسع حينذاك بين من تبنّوا منظور المشاهدة من الخارج (مثل هاريس) وأولئك الذين تبنّوا «منظور المشاهدة من الداخل» (كالتأويليين)، إلا أن سرعان ما تبدّد الجدل بسبب الإفراط فيه. وتبرز الحاجة اليوم إلى فوارق أكثر دقة؛ فعلى سبيل المثال، لا بد من التمييز بين مستويات مختلفة داخل مدونة الكلمات التي تنتهي باللاحقة emic، والبحث في كيفية استجلاء المعاني المحلية بشكل تجريبي.
Abstract
To explore «the native point of view,» and to think as much as possible as local actors do, remain the central concern of the anthropologist. Emic is the technical suffix that covers popular or local representations and discourse, while etic designates external and observational data, or the researcher’s interpretation. The linguist Pike was the first to elaborate this opposition, that was introduced later into anthropology (and «hardened») by Harris. A huge polemic opposed then «eticists» (like Harris) and emicists (as the interpretativists), but it died from its own excesses. Today more subtle distinctions are needed. For instance, to distinguish different levels in the emic register, and to explore how to access local meanings empirically.
- التمثّلات
- المعنى
- التأويل
- إمبيريقي
- الخطاب
- Representations
- Discourse
- Meaning
- Interpretation
- Empirical
Translated by Habib Derouiche *****
ترجمة: الحبيب درويش ****
ملخص: يبقى الهم الأساسي لعالم الأنثروبولوجيا أن يستجلي «وجهة نظر السكان الأصليين»، وأن يعتمد، بقدر الإمكان، طريقة التفكير التي تعتمدها الأطراف المحلية الفاعلة. تشير الداخلي emic إلى اللاحقة الاصطلاحية التي تشمل الخطاب والتمثلّات الشعبية أو المحلية، في حين تشير اللاحقة etic إلى البيانات الصادرة عن المشاهدات الخارجية أو إلى تأويلات الباحثين.
وكان العالم اللغوي الأميركي كينيث لي بايك أول من استفاض في شرح هذا التباين الذي أدخله
في ما بعد عالم الأنثروبولوجيا الأميركي مارفين هاريس إلى علم الأنثروبولوجيا (و«نقّحه»). وقد نشأ جدل واسع حينذاك بين من تبنّوا منظور المشاهدة من الخارج (مثل هاريس) وأولئك
الذين تبنّوا «منظور المشاهدة من الداخل» (كالتأويليين)، إلا أن سرعان ما تبدّد الجدل بسبب
الإفراط فيه. وتبرز الحاجة اليوم إلى فوارق أكثر دقة؛ فعلى سبيل المثال، لا بد من التمييز بين مستويات مختلفة داخل مدونة الكلمات التي تنتهي باللاحقة emic، والبحث في كيفية استجلاء المعاني المحلية بشكل تجريبي.
Abstract: To explore «the native point of view,» and to think as much as possible as local actors do, remain the central concern of the anthropologist. Emic is the technical suffix that covers popular or local representations and discourse, while etic designates external and observational data, or the researcher’s interpretation. The linguist Pike was the first to elaborate this opposition, that was introduced later into anthropology (and «hardened») by Harris. A huge polemic opposed then «eticists» (like Harris) and emicists (as the interpretativists), but it died from its own excesses. Today more subtle distinctions are needed. For instance, to distinguish different levels in the emic register, and to explore how to access local meanings empirically.
والبحوث في الديناميات الاجتماعية والتنمية المحلية في نيامي، نيجيريا.
Originally published as
Jean-Pierre Olivier de Sardan, «Émique,» L’Homme, vol. 38, no. 147 (1998), pp. 151-166.
***** Professor of Sociology at the University of Sfax, Tunisia. Revised by Mouldi Lahmar.
عَرفَت ثنائية « داخلي » « emic » / « خارجي « » etic » قمة استعمالها منذ زمن في الأنثروبولوجيا
الأنغلو سكسونية، وهي لا تزال تُستخدم. لكن السؤال المطروح هو: هل يمكن أن تفوق
مزايا هذه الثنائية – إذا استُخدمِت بحذر واعتدال-؟ الجواب هو «نعم»، هذا إذا سلّمنا سلبياتها
بأن من وجهة نظر «الإبستيمولوجيا التطبيقية»، تكون استراتيجية البحث التي تفصل بين المعطيات المستقاة من خطاب الفاعلين، وتلك التي نحصل عليها من عمليات الملاحظة والرصد، أكثر إنتاجية من تلك التي تخلط بين هذه وتلك. ينسحب الأمر نفسه على مسألة التمييز بين الخطاب الشعبي
(أو ما يُسمّى المحلّي) والخطاب العالم، فهذا التمييز يبدو أجدى من عملية الخلط بينهما. هذان هما
التمثلان الرئيسيان اللذان تشملهما ثنائية الداخلي/الخارجي.. لكن المعادلة يمكن أن تنقلب إلى عكسها إذا عمدنا إلى استعمال أحد طرفي هذه الثنائية، أو كليهما،
للخوض في أي موضوع كان، أو إذا ما «لعبنا» على تعارضهما أو عدم توافقهما بدلً من تكاملهما وتداخلهما. هذا ما حدث منذ ثلاثين عامًا في الأنثروبولوجيا الأميركية، حيث احتدم فترةً من الزمن
جدل غير موفَّق حول ثنائية داخلي/ خارجي. إن العودة إلى هذا الجدل القديم ستسمح لنا بتقديم توضيحات مفاهيمية ومنهجية تفضي بنا إلى طرح
سؤال الصلاحية الإمبريقية للخطابات والتمثلّات « المحلّية »، وضرورة التمييز بين التأويل فيالداخلي والتأويل حول الداخلي.
بايك
في بداية الخمسينيات، اقترح أحد اللسانيين، ويدعى كينيث لي بايك، محاكاة اللسانيات التي تعتمد الثنائية الكلاسيكية صواتم /صوتيات، وذلك بإخضاع تحليل الوقائع الثقافية لثنائية « الداخلي » في مقابل « الخارجي ». منذ زمن بعيد، كان اللغويون متعوّدين على التمييز الواضح بين نظام المتضادّات
ومختلف الأصوات الدالة من وجهة نظر المتحدّث (أو الصوتمية) من جهة، ومنظومة الأصوات في
بُعدها الفيزيائي، أي تلك الموجات الصوتية التي تنتجها أجهزة النطق (أو الصوتيات)، من جهة أُخرى. يوسّع بايك في البداية هذا التعارض بين « الداخلي والخارجي» على مستوى لساني بحت، مؤكّدًا أنه
نتاج مقاربتيْن مختلفتيْن اختلافًا شاسعًا. تهتم مقاربة «الداخلي» بالتعارضات ذات الصلة بالأشخاص
المتحدّثين، وهذا يعني أنها تهتم بجوانب من اللغة محدّدة ثقافيًا. أمّا مقاربة «الخارجي»، فهي تركّز
على العمليات السمعية من دون الرجوع إلى إدراكات الأشخاص، وبمعزلٍعن كلّ خلفية ثقافية. كما تأخذ في الحسبان ما تسجله الأجهزة «الموضوعية» للملاحظة والقياس، أي أجهزة «السونوغرام». لكن المقصود هنا، بالتأكيد، هو وجود وجهيْن لحقيقة واحدة. إن «برنامج البحث» الذي يقترحه بايك
يبدأ بمقاربة « الخارجي» بوصفه مدخً أوليًا وخارجيًا إلى عالم اللغة، بنية الوصول إلى «الداخلي»
الذي يبدو لبايك أنه الوحيد المتضمّن لقدرة «تنبّؤية».
(((ليس هناك في العربية مقابل دقيق لهاتين الكلمتين اللتين تحيلان بشكل ملتبس إلى داخلي وخارجي، محلي (أو أهلي) وكوني، ذاتي وموضوعي، وحتى حميمي وشكلي. أما معرفيًا فهما تحيلان إلى قضية الفهم والتفسير الشائكة (المُراجع.) (((نودّ أن نشكر جون كلود باسرون (J.-C. Passeron) وجيرار لانكلود (G. Lenclud (على الملاحظات التي قدّماها بشأن النسخة
الأولى من هذا النص.
تستند مقاربة « الداخلي » إذن، إلى فكرة تحكّم الأشخاص في اللغة بصورة واعية أو غير واعية، وهو ما يسهل أن يُستنبَط، وبشكل كلاسيكي جدًا، القواعد الأساسية أو الرموز المضمرة في هذه اللغة. لكن بايك لا يتوقف عند هذا الحد، بما أنه يجازف بالذهاب إلى ما هو أبعد من علم اللغة التقليدي، ليعمّم ثنائية « الداخلي / الخارجي » ويطبّقها في فهم الظواهر الاجتماعية والثقافية بصفة عامة. وإذا
كان من المعتاد – منذ بنيويّة ليفي شتروس - أن نرى بعض الأنثروبولوجيين يبحث في النظرية اللسانية
عن نماذج أعمّ للفهم، فإن من غير الشائع أن يحذو اللسانيون حذوهم. يهتمّ بايك، قبل كلّ شيء، ب « الداخلي »، ساعيًا للوقوف على «وحدات أولية للسلوك» تكون معادلة
لوحدات صوتمية متصلة باللسانيات. وهكذا يكون «السلُوكَم »نظيرًا ل« الصوتم »، ويصبح من الجائز،
بلا شكّ، استعمال مصطلح comportementème» « في اللغة الفرنسية (السلُوكَم). في الواقع، تشمل
هذه الوحدات الثقافية الدالة في مفهوم بايك مجموعات اجتماعية أولية مهيكلة نسبيًا، مثل أسرة أو
جمعية أو نظام قرابة... وهو لا يخشى أن يوسّع نسقيًا المماثلة على المستوى « الداخلي » بين التحليل
الثقافي والتحليل اللساني، وذلك بوضع قواعد اجتماعية تكون نظيرة للقواعد النحوية مثلما تكون الممارسات نظيرة للجمل. نستطيع القول إن هذه التطوّرات كلها عفّى عليها الزمن إلى حد كبير، وهي لا تُعَدّ اليوم مساهمة بارزة قدّمها
بايك في العلوم الإنسانية. وإذا كان اسمه ما زال يُردَّد في الأنثروبولوجيا، فذلك يعود فقط إلى كونه «مبتكر»
ثنائية الداخلي/الخارجي، وهي ثنائية أخذت شكلها من خلال «استخراجه» من الألسنية تفرقةً أساسية بين التحليلات الثقافية المتوطنة (ذات الخصوصية الثقافية) والتحليلات ما بين الثقافية. يقول بايك: «نقول إننا إزاء وجهة نظر خارجية عندما تقدم لنا أدوات القياس شيئين مختلفين على أنهما متماثلان. ونقول إننا إزاء وجهة نظر داخلية عندما نحصل على جوابين مختلفين بشأن الشيء نفسه من شخصين ينتميان إلى النسق الثقافي ذاته». ويواصل قائلً: «يمكن أن ننعت وجهة نظر بالخارجية أو بالأجنبية عندما يقف المحلّل ‹بعيدًا› أو خارجًا بالقدر الكافي
عن ثقافة محددة لمشاهدة أحداثها المعزولة [...]، مقارنة بأحداث تنتمي إلى ثقافات أخرى. وعلى العكس تكون المقاربة ‹داخلية› عندما تكون صالحة أساسًا للغة أو لثقافة واحدة فقط... إنها محاولة
لاكتشاف نمط لغةٍ معيّنة أو ثقافةٍ ما ووصفه. معايير ‹الخارجي› تبدو مطلقة [...] بينما تتمتّع معايير
الداخلي بقدر أكبر من النسبية».
(((في فرنسا، أُثيرت مسألة التعارض بين علم وظائف الأصوات وعلم الأصوات؛ فثورة علم وظائف الأصوات (المرادف للصوتمية)
تركّز على الطريقة التي يَستعمل بها الشخص المتكلّم الأصوات ويفهمها.
(((السُل وكَم: مصطلح اقترحناه ليقابل المصطلح الإنكليزي behavioreme والمصطلح الفرنسي comportementème، وقد أضفنا
حرف الميم (م) إلى مصطلح السلوك، قياسًا على التمييز الموجود في اللسانيات بين الصوت والصوتم. (المترجم)
(5) Kenneth L. Pike, Language in Relation to a Unified Theory of the Structure of Human Behaviour (The Hague: Mouton, 1954), (2 nd ed. Rev. 1967). (6) Ibid., p. 8. (7) Ibid., p. 11.
ترتكز المقاربة « الداخلية » إذن على جمع مجموعة من الدلالات الثقافية الأصلية المرتبطة بوجهة نظر الفاعلين، في حين أن المقاربة « الخارجية » تعتمد على ملاحظات خارجية مستقلة عن الدلالات التي يحملها الفاعلون. والمشاهدة هنا تكاد مماثلة لتلك المطبَّقة على السلوكات الحيوانية في الواقع، فإن
بايك نفسه لا يهتمّ كثيرًا بمقاربة « الخارجي »؛ فثنائية « الداخلي/الخارجي » هي التي تعنيه أساسًا، وهو
يركّز في المقام الأول على «الداخلي » في هذه الثنائية. ومع ذلك، فإن مقترح بايك سيثير سجالً داخليًا حادًّا في الأنثروبولوجيا الأميركية حول أشكال
التعارض بين «الداخلي/ الخارجي» ومدى أهميتها بالنسبة إلى الأنثروبولوجيا.
هاريس
يُعتبر مارفن هاريس شخصية مثيرة للجدل في مشهد أميركا الشمالية الأنثروبولوجي؛ فقد نشر ثنائية
«الداخلي/الخارجي» على نطاق واسع، وساهم في الوقت ذاته في خلط زوايا النظر، مادحًا هذه
الثنائية بكثير من المبالغة، ومعطيًا إيّاها محتويات متغيّرة كانت في كثير من الأحيان مرفوضة. كان هاريس قد وضع نفسه موضعَ الناقد العنيف ل«لمثالية» التي هيمنت - بحسب رأيه - على
الأنثروبولوجيا الثقافية، مطوّرًا مشروعه البحثي الخاص تحت مسمًّى طموحٍ هو «المادية الثقافية»
التي تركز على أولوية التحليل والملاحظة للسلوكات البشرية (في بعض النواحي ينهل المشروع من المجال نفسه الذي ينهل منه علم الاجتماع البيولوجي، لكنه يعارض أيديولوجيته بشدة). إضافة إلى ذلك، جعل هاريس نفسه مؤرخًا للأنثروبولوجيا، معيدًا وضْعها في نطاق تاريخٍ عام للعلوم، لكن من
وجهة نظر هي، إلى حدّ ما، شخصية، مكّنته من إعطاء قيمة لمشروعه المسمّى «المادية الثقافية». تحتلّ ثنائية «الداخلي/الخارجي» موقعًا مركزيًا في عمل هاريس؛ فقد أثارها منذ صدور
كتابه سنة 1968. وهو كتب في سنة 1976 مقالً مخصوصًا حول هذا الموضوع في
Review of Anthropology Annual (المجلة السنوية ل نأأثروبولوجيا). ثم أعاد نشر هذا المقال لاحقًا في الفصل الثاني من كتابه الصادر سنة 1980، بعدما أدخل عليه بعض التنقيحات. بالعودة إلى كتابه الصادر سنة 1968، نجد أنه يستند إلى التفرقة العامة نفسها التي وضعها بايك، مع ما تضمّنته من آثار للألسنية البنيوية (البحث في أنساق الاختلاف)، معطيًا إياها صدى واسعًا. يقول هاريس: «تحيل إفادات ‹الداخلي› إلى أنساق منطقية – إمبريقية، حيث تتمايز الظواهر أو ‹الأشياء› بناء على التناقضات والفوارق الحقيقية والدقيقة ذات الدلالة بالنسبة إلى الفاعلين، أو هي، بعبارة أخرى، تلك الأنساق التي يُنظر إليها على أنها من قبيل تمثلّات الفاعلين أنفسهم [...]. أمّا إفادات ‹الخارجي›،
فهي مرتبطة بالتصنيفات الخاصة بالعلماء في تمثّلهم للظواهر».
(8) Marvin Harris: The Rise of Anthropological Theory; a History of Theories of Culture (New York: Crowell, 1968), and Cultural Materialism: The Struggle for a Science of Culture (New York: Vintage Books, 1980). (9) Marvin Harris, «History and Significance of the EMIC/ETIC Distinction,» in: Annual Review of Anthropology (Palo Alto, Calif.: Annual Reviews Inc., 1976), pp. 329-350. (10) Harris, The Rise of Anthropological Theory , p. 571. (11) Ibid., p. 575.
الممارسات، فإن الممارسات يمكن أن تنفيَ الكلام.
- -الأفكار - -البحث في البُنى ذات الصلة بالأفكار
- -معرفةُ الفاعلين وتصنيفاتُهم - -معارف ثقافية خصوصية - -تفسيرات محلية - -أقوال تحيل إلى «حقائق» ثقافية - - مفاهيم وقواعد ضرورية للتصرّف وفق مقتضيات الثقافة المحلية
-غير قابل للتحريف، غير تنبّؤي، غير قابل لقياس
سياق تفاعلي بين عالم الأنثروبولوجيا ومخبريهِ يدور خلاله نقاش ذو «معنى»
ولكنها تعود ببساطة إلى الأعراف الخاصة بالوسط العلمي.
«الخارجي» = ملاحظات الباحثين)
ولكن هاريس ركّب على تلك التفرقة ما يبدو حُكْمًا قيميًا غير مقبول، وهذا يُعتبر بداية تحوّلٍفي
الجدل اللاحق. تُعَدّ «المعرفة الخارجية» في نظر هاريس المعرفة الوحيدَة التي توصف بأنها موثوقة
وتنبؤية وقابلة للتحريف (يقلب هاريس هنا تفضيلات بايك). وفي المقابل لا يُعدّ «الداخلي» موثوقًا
ولا قابً للتحريف ولا تنبّؤيًا. إن الخطابات والتمثلات الذهنية للفاعلين لا تصلح أن تكون قاعدة
لتحليل دقيق للمجتمعات والثقافات، فلا يمكن تصديق شخصٍ انطلاقًا من أقواله، ناهيك عن أفكاره.
إن «الداخلي» في عمقه هو ما يخطر في أذهان الأشخاص، حتّى لو تعلّق الأمر غالبًا بسجلّ الضمني
أو اللاواعي. وخلافًا لذلك، يبدو تيار السلوك قابلً للملاحظة والقياس. فإذا كان الكلام لا يفصح عن
غير أن هاريس عدَّل من موقفه نسبيًا في مقاله الصادر سنة 1976، وذلك عندما أعطى «الداخليَ» نوعًا
من المساواة المعرفية مع «الخارجي»، رغم أنه لم يتخلّ عن تفضيله هذا الأخير. لكن الأمر الأكثر دلالة هنا هو أن المعاني التي يعطيها لطرفيْ الثنائية أصبحت متنوّعة أكثر فأكثر. وهكذا بدتْ ثنائية «الداخلي/
الخارجي» متعدّدة المعاني بشكل لافت. ويمكن تلخيص الاختلافات في الجدول الوارد أدناه. الداخلي Emic الخارجي Etic
- -السلوك - -البحث في البُنى ذات الصلة بالسلوك
- -معرفةُ رجال العلم وتصنيفاتُهم - -قياسات علمية - -تفسيرات علمية - -أقوال تحيل إلى «حقائق» علمية - - نظريات حول وجوه التشابه والاختلاف السوسيو - ثقافية - -قابل للتحريف، تنبّؤي، قابل للقياس
سياق لا يكون فيه للتفاعل مع عالم الأنثروبولوجياِ أهمية، ولا تكون فيه أهمية ل«معانى» النقاشات
أعاد هاريس طرح مجموع هذه المعاني المختلفة في النسخة المنقّحة لكتابه الصادر سنة 1980،
ولكنه أضاف إليها تجديديْن؛ فقد أقرّ في النهاية تناظرًا كاملً بين «الداخلي» و«الخارجي»، وتخلّى
صراحة عن أحكام القيمة. إن الموضوعية لم تعدْ ملكيّة خاصة (صراحة أو ضمنًا) ل«الخارجيّ»، إضافة إلى ذلك، اقترح هاريس جدولً بمدخليْن يتقابل فيه من جهة مجالان للبحث
(الذهني والسلوكي)، ومن جهة ثانية إجراءان للبحث («الداخلي» = معارف السكان الأصليين،
(12) Harris, Cultural Materialism , p. 38.
| الداخلي Emic | الخارجي Etic | |
|---|---|---|
| الذهني | I | II |
| السلوكي | III | IV |
السلوكي III
IV يوافق الرقمانI وIII ما يقوله السكان الأصليون لعالم الأنثروبولوجيا عن أفكارهمِ (I) وسلوكهم.)III(
ويوافق الرقمIV ما يلاحظه (أو يقيسه) عالم الأنثروبولوجيا في سلوك السكان الأصليين. أمّا الرقمِ II،
فهو صندوق أسود لأنه لا يمكن ملاحظة ما يدور في أذهان الأشخاص، فيُختزَل إلى مجرّد استدلالات.
ضد هاريس
السياق
عندما أصبحت الإبستيمولوجيا التفكيكية موضة في الولايات المتحدة، حيث اكتُشف دريدا وفوكو،
كانت الطروحات المضادّة لتيار هاريس واستفزازاته الوضعية المشددة على أوّلية «الخارجي» قد
أطلقت العنان لهجماتها. ع وااة على ذلك، كان التيار الذي يمكن تسميته «أنصار الداخلي »
) emicist) سائدًا بقوة في الولايات المتحدة. ويُعتبَر بواس) Boas)، من دون شكّ، السلف - العلامة
المشترك لهذا التيار. يقول: «إذا كان هدفنا الأساسي هو فهمَ أفكار الناس، فإن تحليل تجربتهم برمّتها
ينبغي أن يكون على أساس مفاهيمهم لا مفاهيمنا». ومن المعروف أن بواس توصّل إلى استنتاجات منهجية مهمة، باعتباره، ومن دون شكّ أول، مَنْ أكد
أهمية النقل الدقيق والكامل لخطابات المُخبِرين وأحاديثهم (النص الحرفي). من ناحية أخرى، جرى تطوير سلسلة من البرامج البحثية الجديدة في الأنثروبولوجيا الأميركية خلال
الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وهي تندرج كلّها ضمن ذلك التيار «المناصر للداخلي»،
الهادف إلى تعميق بعض المصطلحات وتجديدها (مثل: العلم المحلّي، الإثنو- دلالية، تحليل
الع مااات الدالّة). يمكن اتخاذ الصورة التي قدّمها غوديناف رمزًا لهذه الاتجاهات المرتبطة كلّها
بالخطابات والتمث ت ومعارف «السكان الأصليين»، القريب منهم والبعيد. ألم يعرّف مقاربته
بكونها «المنهج الذي يبحث عما يفرق بين المخبرين»؟
Lawrence E. Fisher and Oswald Werner, «Explaining Explanation: Tension in American (1(انظر على سبيل الذكر:(
Anthropology,» Journal of Anthropological Research , vol. 34, no. 2 (Summer 1978), pp. 194 - 218. Pertti J. Pelto and Gretel H. Pelto, Anthropological Research: The Structure of Inquiry , 2 nd ed. (Cambridge; (1(انظر:(New York: Cambridge University Press, 1978) (1 st ed. 1970). (15) Franz Boas, «Recent Anthropology,» Science (15 October 1943), pp. 334 - 337.
16) (إذا كان غيرتز قد اعتُبر أحيانًا، بفضل بعض صياغاته التي يمتلك سرّها حامل اللواء. انظر: «وجهة النظر الأصلية Le Point
Clifford Geertz, «From the Native’s Point of View: On the Nature of Anthropological وردت في:» de vue indigène
Understanding,» in: Keith H. Basso and Henry A. Selby (eds.), Meaning in Anthropology , School of American Research Advanced Seminar Series (Albuquerque: University of New Mexico Press, 1976), pp. 221-237. Clifford Geertz, Savoir local, savoir global: Les Lieux du savoir , trad. de l’anglais par Denise وأعيد استعمالها في:
Paulme, sociologie d’aujourd’hui (Paris: Presses universitaires de France, 1986).
فإن في الأمر مبالغةً لأن غيرتز يبقى في الأساس انتقائيًا وانطباعيًا: وقد أجزنا لأنفسنا القول إنه كان على وجه الخصوص من «أنصار
الداخلي» emicist... قولً:
Pelto and Pelto, Anthropological Research.
صحيح أن الأساس المخفي لهذه البرامج المختلفة، والتي تنضوي تحت تيار «الداخلي»، يبقى في
عمقه ذا منحى ثقافي، وبهذا المنظور يكون للثقافة وجود خاص بها، إنْ بصفة ضمنية أو بصفة
صريحة، وبالطريقة نفسها التي هي اللغة عليها. إن خطابات (أقوال) السكان الأصليين تُحيل إلى ثقافة
مشتركة مثلما يحيل الكلام إلى لغة معيّنة. وبقطع النظر عن التعريفات اللغوية أو الاصطلاحية المقترحة
بغية إعطاء مفهوم الثقافة محتوى، فإنها كلها تفترض مسبقًا تجانسًا معرفيًا للموضوعات، وتقلّل من شأن
الاختلافات الداخلية. ويشار في هذا الصدد إلى أن بعض الانتقادات التي ذهب إليها هاريس ضد التيار
الثقافي لم يكن ب مرتكزات، وهو (أي هاريس) لم يكن دائمًا مخطئًا عندما يؤاخذ هذا التيار بسبب
القول بأوليّة «الكلّ الاستطرادي» أو «الكلّ السردي» الذي يعطي «القيم» أو «رؤى العالم» قيمة مطلقة. إن هاريس ليس وحده في معسكره، بل له هو أيضًا أسلافه؛ ففي سنة 1940، كان وايت يبدو في مظهر
أكبر المناصرين ل«الخارجي»، وذلك من خ لاا انشغاله قبل كلّ شيء بالتحليل «ما بين الثقافي»
المرتكز على الملاحظات المادية. وتبدو مشاريع بحث هاريس المختلفة والمعاصرة نسبيًا ذات توجّه
متحمّس ل «الخارجي»: نستحضر هنا ميردوك وملفه الشهير، أو لوماكس وتحليله المقارن لإشارات.
الانتقادات
إذا جاوزنا الأبعاد السجالية وصراعات المدارس والأشخاص، فإن الانتقادات الرئيسية لثنائية الداخلي/
الخارجيعلى النحو الذي قدمها به هاريس، يمكّن من تلخيصها كما يلي: - إن معرفة العلماء، شأنها شأن بقية المعارف، تتأتّى بدورها من «الداخلي»، ف وجود في الأصل
لفصل بين المعرفة المحلية (التي تكون من صنف «داخلي») والمعرفة العالمة (التي تكون من صنف
«الخارجي»، فكلاهما «الداخلي». - في المقابل، لا يمكن تحليل سلوك فاعل ما بمعزل عن الدلالة التي يحيلها ذلك السلوك إلى
الفاعل؛ فالداخلي إذًا بُعد ضروري وداخلي في «الخارجي.» - «الخارجي» ليس أكثر موضوعية وموثوقية من «الداخلي»، فالسلوكيات هي أيضًا «مُمَسْرَحة»، مثلها
مثل الخطاب. - لئن استطاعت الممارسات تحريف الأقوال، فإن هذه الأقوال لا تتضمن، رغم أنها «كاذبة»، ما هو
أقلّ ملاءمة ودلالة. - إن مقولة «الخارجي» هي في الواقع وعاء جامع للكلّ؛ فمضمونها لا يقتصر على مجرّد ملاحظات
تجريبية أو مقاييس سلوك، بل هي تتضمن أيضًا تراكمات وتجريدات من اللايقين. ويضرب هاريس
بالمؤسسات وأنماط الإنتاج مثلً لذلك. - لئن بدا من الممكن أن يكون للتعارض بين « الداخلي» و«الخارجي» معنى، فإن هاريس يبالغ في
تجذير هذا التعارض إلى أقصى حدّ؛ ف«الداخلي» و«الخارجي» هما وجهان لعملة واحدة، أو هما
مقاربتان متكاملتان.
Ward Hunt Goodenough, Description and Comparison in Cultural Anthropology , Lewis Henry Morgan: انظر (17)
Lectures; 1968 (Chicago: Aldine Pub. Co., 1970), pp. 101 and 110-111.
((1(انظر الاستعمال الإثنوغرافي لمفهوم «إدارة الانطباع» لغوفمان من طرف بيرمن: Behind Gerald Duane Berreman,
many Masks; Ethnography and Impression Management in a Himalayan Village , Society for Applied Anthropology. Monograph; no. 4 (Ithaca, NY: Society for Applied Anthropology, 1962).
ما أفضى إليه السجال
انطفأت شعلة السجال، من دون شكّ، بسبب ما اعتراه من شطط. ولم يكن هاريس، مثلما رأينا، يدخر جهدًا في التصريح بأفكاره بوضوح. وقد عامل جميع الآخرين أو أغلبهم على أنهم «مثاليون ثقافيون»،
ولكنه نال هو الآخر في نهاية الأمر نصيبه من الاتهامات ووُصِم بالإثنومركزية. ويكفي اليوم مجرّد ذكر
اسم هاريس في قائمة بيبليوغرافية حتى يصنّف ضمن فريق الوضعية المتحجّرة. لقد انتهى هاريس – عبر التعريف بثنائية الداخلي/الخارجيمن خلال منظاره الإبستيمولوجي الخاص – إلى إسقاط قيمة كل عمل يستعمل هذه الثنائية داخل فرع كامل من فروع الأنثروبولوجيا الأميركية. وفي الواقع، يشمل هذا الرفض موقفين مختلفتيْن: نجد لدى المتعصّبين ل نأأثروبولوجيا المسمّاة
«نقدية» أو «ما بعد حداثية» أو «فينومينولوجيّة» أو «سردية»، انتصارًا لعقيدة تفكيكية ونسبية تتّجه نحو
المغالاة، نافيةً آليًا كلّ تمييز منهجيّ يُفهَم على أنه رجعيّ أو مرتبط بإبستيمولوجيا «علموية»، سواء
كان هذا التمييز بين تمثلّات السكّان الأصليين من جهة والتصوّرات العالمة من جهة أخرى، أو بين
الممارسات الاستطرادية والممارسات غير الاستطرادية، أو كذلك بين الوضعيات التي يغيّر خلالها
الملاحِظ سلوكيات المبحوثين بطريقة دالّة، والوضعيات التي لا يقوم فيها بذلك. ونجد لدى الأنثروبولوجيين الأقلّ أدلجة، أو أولئك الأكثر اعتدالً، غيابًا لاستخدام التمييز الداخلي/
الخارجيأدّى ببساطة إلى استعمال معجم آخر يصلح لإنتاج تصنيفات أخرى مرادفة تقريبًا ولكنها ربما أكثر
بساطة، من قبيل (الخطاب المحلي/ الخطاب العالم، اللغة/الممارسات، التمثلّات/السلوكيات... إلخ).ِ مع ذلك، فإن التمييز الداخلي/الخارجيبقي بدوره مستخدَمًا بكثرة، ولكن هذا الاستخدام هو أيضًا
استخدام خفيف لا يستند البتة إلى مواقف هاريس. لقد صار «الداخلي» في مجال العلوم الاجتماعية
الناطقة باللغة الإنكليزية، مرادفًا ل«وجهة نظر الساكن الأصلي» و«التمثلّات الشعبية» و«الدلالة الثقافية
المحلّية»، بينما يستند «الخارجي» إلى وجهة نظر خارجية، أي إلى تأويل الأنثروبولوجي والخطاب
العالم. أقول بكل تأكيد إن الأمر يتعلق هنا بأفكار تهدف إلى إيجاد تصنيفات عملية لا بمفاهيم ذات أهداف تنظيرية. إن استعمال مصطلحَيْ «الداخلي» و«الخارجي» على هذا الشكل لا يعني
تعارضهما ولا يهدف إلى إنشاء تراتبيّة بينهما، بل يهدف ببساطة إلى معرفة من يتحدث وعمن نتحدث.
(1((هذه الحادثة وقعت لي شخصيًا: كنت أودّ منذ اثنتيْ عشرة سنة العودة إلى مسألة الداخلي/الخارجي (وهي مسألة مجهولة تمامًا
في الأنثروبولوجيا الفرنسية)، وباعتماد توجّه أكثر ميلً إلى الداخلي، باعتبار أن المقصود كان يتمثّل في التركيز على مراعاة الدلالات
المحلية ونقد أحد الزملاء الأميركيين يشتغل على الدائرة الثقافية نفسها التي أشتغل عليها، ولم يأخذ هذه الدلالات في الحسبان.
ولكن لسوء الحظّ، ذكرتُ مرجعًا حول ثنائية الداخلي/الخارجي يتمثّل في مقال لهاريس بعنوان» السؤال في سياقه المعرفي» منشور
سنة 1976 Annual Review of Anthropology. ويا ليتني لم أفعل... إذ اندفع الزميل الأميركي المذكور ليتّهمني بالعلمويّة الباطلة،
Paul Stoller, «Speaking in the Name of the Real,» Cahiers d’études africaines ,:وليثبت منهجه «الفينومينولوجي». انظر vol. 29, no. 113 (1989), pp. 113-125, et Jean-Pierre Olivier de Sardan: «Jeu de la croyance et «je» ethnologique: Exotisme religieux et ethno-egocentrisme,» Cahiers d’études africaines , vol. 28, nos. 111-112 (1988), pp. 527-540 et «Le Réel des autres,» Cahiers d’études africaines , vol. 29, no. 113 (1989), pp. 127-135.
(2((نحن نستعيد استعمال معنى «فكرة» « notion » باعتبارها تمثّل فئة واحدة من الموضوعات الاجتماعية التي تتقاسم «جوًّا عائليًا» بحسب
تعبير دين سباربر الذي يقول أنه أخذ الفكرة من نيضام وهذا الأخير من فيتيغنشتاين. انظر: , Le Savoir des anthropologues Dan Sperber,
savoir (Paris: Hermann, 1982), p. 34, et Rodney Needham, Belief, Language, and Experience (Oxford: Blackwell, 1972), p. 75.
أمّا بالنسبة إلى «المفهوم»، فإنه يُبنى بطريقة أكثر دقّة وصرامة (صحيح أن سباربر يعتبر أن أغلب المفاهيم العادية في الأنثروبولوجيا
ليست سوى أفكارًا). نستطيع تعريف «المفهوم»، استلهامًا من باسرون وفيبر، باعتباره عملية بناء لنموذج مثالي عقلاني، انظر: Jean-
Claude Passeron, Le Raisonnement sociologique: L’Espace non-poppérien du raisonnement naturel , collection essais et recherches. Série sciences sociales (Paris: Nathan, 1991).
إضافات شخصية حول ثنائية الداخلي/ الخارجي
أحاول الآن ترك الموقع المريح الذي يوفّره التعليق على السجال بين الآخرين لتقديم بعض المقترحات حول «الاستعمالات الجيّدة» لثنائية « الداخلي/الخارجي »، أو بصورة أدقّ لمصطلح «الداخلي»،
والتقدّم ببعض الفرضيات بشأن علاقات المصطلحيْن بالتجريبي والتأويلي في الأنثروبولوجيا.
الداخلي
في الواقع، يحمل مفهوم الداخلي في الأنثروبولوجيا ضمنيًا ما بين مستوى واحد إلى أربعة مستويات متناضدة
(أو بالأحرى متراكبة)، تُسخَّر بشكلٍ إمّا تناوبيّ وإما متزامن، وذلك تبعًا للسياقات، أو بحسب المؤلفين. - يمكن أن يحيل مفهوم «الداخلي» إلى خطابات وك ماا الذوات والمخبرين. وفي هذه الحالة، فإن الأمر يتعلق بمعطيات استطرادية تنتجها التفاعلات بين الباحث والفاعلين الاجتماعيين الذين يدْرسهم،
وهي معطيات يجري جمعها على هيئة مدوّنة. إنّنا هنا داخل سجلِّ المُعبَّرِ عنه. - يمكن أن يحيل مفهوم «الداخلي» إلىالتمثلّات التي تحملها الذواتُمن منظور أنثروبولوجي، هو في نهاية المطاف قريب جدًّا من المعنى الذي يمكن أن تحمله كلمة «تمثّ ت اجتماعية» في علم
النفس الاجتماعي. إنه يتجلّى إذًا في أفكار ومفاهيم وتصوّرات أصيلة ومحلّية وشعبية، أي بعبارة
أخرى، جماعية. وهي جملة من التشكيلات الذهنية أو الرسوم التأويلية التي تكون مشتركة بشكل
واسع بين الذوات، إمّا ضمن ثقافة ما وإمّا داخل ثقافة فرعية معيّنة، ومن ثم فنحن داخل سجلِّ ما هو
قابل للتعبير عنه. وبالطبع، فإن التمثلّات القابلة للتعبير عنها تنتج بشكل مستمر معطيات استطرادية
(استدلالية) معبَّر عنها. أو بعبارة أدقّ، فإن عددًا معيّنًا من المعطيات الاستطرادية المعبَّر عنها بشكل
متقاربٍ تسمح بالحديث عن «تمثّل مشترك» (شريطة اليقظة المنهجية – اعتماد التثليث والتأكد من
بلوغ الحفر في المعاني درجة التشبع- إلى جانب الكفاءة السيميولوجية لعالِم الأنثروبولوجيا). - يمكن مفهوم « الداخلي » أن يحيل إلى«شفرات » من المفترض أن تكون مُضمَرة في الخطاب
والسلوكيات وفي نوع من «النحو الثقافي» الذي يول دها. فالمسألة إذًا تتعلق بهذا التحكّم اللاواعي في ثقافة ما؛ التحكم الذي يتيح لنا إمكانية الفعل والتفكير باعتبارنا من أهل هذه الثقافة (سواء كنا
كذلك أو لم نكن)، وهنا نحن نندرج ضمن سجل المُضْمَر، حيث تؤطّر الشفرات الخفية (من بين ما
تؤطّره) التمثلّات التي يمكن التعبير عنها. - يمكن أن يحيلالداخليإلى بُنى عرفانية، وإلى المبدأ الذي تقوم عليه أساليب التفكير وأساليب
الفعل. إنها إذًا مقبولية بنيوية، ونحن ضمن سجلِّ ما هو مسلّم به. سوف نستخلص في المقام الأول أننا بانتقالنا من المستوى 1 إلى المستوى 4 نبتعد أكثر فأكثر عن المعطيات المحسوسة، ونستحضر بشكل متزايد الضمني والافتراضي (نتحدث عن «أن كل شيء
يجري كما لو أن...»). إن هذه المقاربة تتناقص في نزعتها التجريبية كلّما تزايد فيها نصيب التأويل. لا مراء في أن كل مستوى من المستويات السابقة يقتضي أساسًا تجريبيًا؛ فحتى الموقف الذي ينزع
أكثر نحو التجريد الفكري (الماقبليات البنيوية المفترضة مسبقًا والمتعلّقة بالمستوى 4) يمكن اعتبار
Jean-Pierre Olivier de Sardan, «La Politique du terrain. Sur la production des données en anthropologie,» 2(انظر:((
Enquête , no. 1: Les Terrains de l’enquête (1995), pp. 71-109.
أنه لا يقوم في الواقع سوى بتحيين «حقيقة مخفية» ذات ص حية من وجهة النظر الثقافية. إلا أن هذه الحقيقة المَخْفيّة غالبًا ما تكون - بما في ذلك عند ليفي شتروس نفسه- متعارضة مع الخطابات
الأهلية. لذلك، يمكننا أن نرفض، من منظور المستوى الرابع في هذه المدونة، علامة «الخارجي » في معناها العام، الذي يقلل مسبقًا وبشكل إرادي من قيمة المستوى الأول من المدونة نفسها، مع أنه في قلب مقاربة « الداخلي » ذاتها. أمّا بالنسبة إلى المستوى الثالث، فإن الشك يبقى سائدًا حوله. وفي
الواقع، فإن المستوييْن الأوليْن فقط يبدوان معنيّيْن بمُعامل كافٍ من الصحة والمعقولية لإضفاء شرعية
تجريبية ما لعبارة «داخلي» لا شك فيها. يتميّز المستوى الأول، وهو المستوى المتعلّق بالمعطيات الاستطرادية المُعبَّر عنها، بخاصية «تثبيت»
أو «تجميد» مواد مباشرة و«محسوسة» من البحث التجريبي الميداني، في شكل مدوّنة. وحتى لو
أُنتجت هذه المعطيات خلال عمليات التأويل وبفضلها (تضمنتها أسئلة الباحث وأجوبة المبحوثين
مثً، أو وردت في سياقها)، فإنها اكتسبت وجودًا خاصًا، بما هي أثر «مُمَوْضع»، وهي تغدو في
جانبٍ مّا مستقلّة عن شروط إنتاجها وعن التأويلات اللاحقة التي يعطيها لها الباحث. أما في ما يتعلق بالمستويَيْن الأول والثاني مع بعضهما (الخطابات والتمثلّات)، فإنهما يعرِّفان معًا سجلّ
التأويلات المحلية المعبّر عنها أو القابلة لذلك. وإذا ما استحضرنا مفهوم «التأويليّة المزدوجة»، فإن
سجلّ التأويلات المحلّية هذا يمثّل تأوي ت الفاعلين التي تختلف بوضوح عن تأوي ت الباحثين.
وهنا بالذات تكمن خصوصيّة «الداخلي ». وعلى العكس، يغدو التمييز بين هذيْن الصنفيْن من التأويل صعبًا في إطار المستوى الثالث (مستوى
العلامات)، حيث تتراجع الحدود، في حين يُحسم الاتجاه بصورة لا جدال فيها نحو تأويلات الباحثين
في المستوى الرابع (البُنى). إننا، إذًا، نعتبر أن المستوييْن الأول والثالث هما بمثابة النواة الصلبة للسجلّ المتعلّق بما هو داخلي،
مع الاحتفاظ بشكٍّ نسبيّ في ما يخصّ المستوى الثالث، وإقصاءٍ صريح للمستوى الرابع. إن إيلاء
العناية الدقيقة لخطابات الفاعلين، وبشكل أوسع لتمثلّاتهم، هو في صميم كل تمشٍّ عبر «الداخلي» يُفهم منه «إيلاءُ العناية لوجهة النظر الأهلية».
الداخلي والمعنى
غالبًا ما اعتُبر ماكس فيبر الأب المؤسس لمفهوم التمشّي « الداخلي »: «إن التمشي المميز الذي يشدد
على تحليل ‹الداخلي› هو تمش فيبري؛ فعبارة ‹داخلي› تقتضي دائمًا المتمّم ‹خارجي›. وتنهض الفكرة
(((2 «يكون [للحقيقة المضمرة] حظ أقل كثيرًا في أن تكون موجودة ضمن منجزات فكرية واعية، مقارنة بحظوظ وجودها ضمن
بنى ذهنية لا واعية يمكن أن ندركها من خلال المؤسسات. وبشكل أوضح أيضًا، فإنها توجد ضمن اللغة» كما يورد بنسا Bensa:
Claude Lévy-Strauss, «Introduction à l’œuvre de Marcel Mauss,» dans: Marcel Mauss, Sociologie et anthropologie , introduction par Claude Lévy-Strauss, quadrige; 58, 8 ème éd. (Paris: Presses universitaires de France, 1983), p. xxxix, et Alban Bensa, «De la micro histoire vers une anthropologie critique,» dans: Jacques Revel (dir.), Jeux d’échelles: La Micro-analyse à l’expérience , hautes études (Paris: Gallimard; Le Seuil, 1996), p. 64.
بدوره احتقار ليفي شتروس لما يتعلق بالتأويلات الأهلية، وذلك بالاستناد إلى شاهد اقتطعه من النص نفسه: Lévy-Strauss, p. xlvi.
(23) Anthony Giddens, Social Theory and Modern Sociology (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1987).
على أن الأنثروبولوجيا تسعى إلى توحيد أبعاد ‹الداخلي› ضمن نظرية نسقية مقارنة للثقافة تستند في جانب كبير منها إلى أفكار نظرية من منظور ‹الخارجي»›. وفي الواقع، إن الاهتمام الحالي ب «الداخلي»، بما هو «وجهة نظر الفاعل»، عودٌ بصورة حديثة إلى
مصطلح تقليدي هو «الفهم» في معناه الفيبري، أو بتعبير أدق، إنما هو البحث عن «التلاؤم الدلالي» أو «التلاؤم في ما يتعلق بالمعنى»، الذي يستند إلى «انجذاب انتقائي» وإلى سوء تفاهم في الآن
نفسه؛ ففي ما يهمّ الانجذاب الانتقائي، لنذكّرْ بأن فيبر نفسه، في بداية مؤلَّفه الاقتصاد والمجتمع،
يعطي للسوسيولوجيا موضوعًا هو «الفهم التأويلي للنشاط الاجتماعي». ويعرّف «المعنى» الذي
يحمله سلوكٌ ما بأنه المعنى الذي يعطيه ذاتيًا عونٌ ما أو جملة من الأعوان لنشاطهم. لذا، يَقْرِن
لاحقًا «الدافع» (أو «المجموع الدال الذي يبدو أنه يشكل في عينيْ العون أو الم حظ «السبب»
الدلالي لسلوك ما)» ب «الت ؤاام في ما يخصّ المعنى»، الذي لا يعطيه تعريفًا واضحًا وخاليًا من
اللبس، ويمكن أن نقدّمه على أنه الضرورة ال زاامة لعالم الاجتماع في أن يأخذ، وعلى نحو واسع،
بعين الاعتبار معنى أعمال الفاعلين. نحن نعرف أن فيبر كان قد ركّز كثيرًا على التوليفة بين «التلاؤم
السببي» الراجع إلى الانتظامات أو الاحتمالات الإحصائية و«الت ؤاام في ما يخص المعنى». ولا يمكن إدراك المعقولية السوسيولوجية إلا في حال تجميعهما معًا. ويبدو بوضوح أن الت ؤاام في ما
يتعلّق بالمعنى تربطه علاقات انجذاب مع سجلّ ما داخلي. المشكل هو أن هناك سوء تفاهم بشأن المضمون التجريبي الذي يعطيه فيبر، أو بالأحرى لا يعطيه، للمعنى المستهدف. وفي واقع الأمر، فإن معنى أفعال الفاعلين، بالنسبة إلى فيبر، يعيد الباحث بناءه أو استنتاجه أساسًا؛ فالمسألة بالنسبة إلى هذا الأخير تتمثّل في أن يقترب الباحث أكثر ما يمكن من
«البداهة الخاصة بالفهم»، إمّا عبر سيرورة فكرية أو عقلانية، وإما عبر التقمّص العاطفي. وفي كلّ
الأحوال، فإن الأمثلة التي يوردها عن فهم فعلٍ ما تؤخذ من وجهة نظر الملاحظ (أيُّ معنى يمكن أن
(24) Robert Feleppa, «Emics, Etics, and Social Objectivity,» Current Anthropology , vol. 27, no. 3 (June 1986), pp. 243-255.
2(((بشأن شكليْ الت ؤاام لدى فيبر، يمكن العودة إلى: Jean-Claude Passeron: «Weber et Pareto: La Rencontre de la
rationalité dans les sciences sociales,» dans: Louis-André Gérard-Varet et Jean-Claude Passeron (dirs.), Le Modèle et l’enquête: Les Usages du principe de rationalité dans les sciences sociales , recherches d’histoire et de sciences sociales; 63 (Paris: Ed. de l’Ecole des hautes études en sciences sociales, 1995), et «Introduction,» dans: Max Weber, Sociologie des religions , textes réunis, trad. et présentés par Jean-Pierre Grossein; introd. de Jean-Claude Passeron, bibliothèque des sciences humaines (Paris: Gallimard, 1996). (26) Max Weber, Économie et société, 1 , traduit de l’allemand par Julien Freund [et al.]; sous la direction de Jacques Chavy et d’Éric de Dampierre, recherches en sciences humaines; 27 (Paris: Plon, 1971), pp. 4-19. (27) Ibid., p. 4. (28) Ibid.
يضيف فيبر: صحيح أن هناك تعريف ثان ممكن لل«معنى» الذي يمكن أن ندمجه داخل نموذج مثالي بناه مفهوميا الأعوان المنظور إليهم هم أنفسهم على أنهم أنماط... ولكنّ هذا التعريف يبدو لي غير قابل تماما للفهم، على الأقل في الترجمة الفرنسية ل
Jean-Pierre Grossein, «Présentation,»: التي نعرف أنها ترجمة غير مناسبة بشكل واسع. انظر Wirtschaftund Gesellschaft dans: Weber, Sociologie des religions. (29) Weber, Économie et société, 1 , p. 9. (30) Ibid., pp. 4-5.
أعطيه لانفجار فلان غضبًا، أو لقطع فلان شجرةً؟). إن مدى التلاؤم في ما يتعلّق بالمعنى لا تنتجُه
الأسئلة المطروحة على الفاعلين الاجتماعيين (صحيح أن طبيعة المواد التاريخية التي يعتمدها فيبر كما التنوع الواسع في المصادر والمناهج الذي يتبنّاه لا يلبي حاجات مشروعه)، خاصة أن هؤلاء
الفاعلين نادرًا ما يظهرون هم أنفسهم وعيًا بهذا المعنى، والعملية إنما يجريها عبر مسارات ذهنية
الباحثُ الذي يلجأ إلى المعنى المشترك. «وهكذا يكون المعنى ملائمًا بالنظر إلى سلوك يتطوّر بدرجة كافية من الاتساق تجعلنا نعتبر أن العلاقة
بين العناصر المكوّنة له تشكّل ك ذا دلالة مميزة ومستوعبة تبعًا لمتوسط عاداتنا في التفكير وفي
الإحساس». و«أن نفهم هو أن نستوعب عبر التأويل مجمل المعنى المقصود». و«في أغلب
الحالات يجري النشاط الفعلي داخل عتمَةٍ شبه واعية أو من دون وعي ب‹المعنى المقصود› [...] ولكن
هذا يجب ألّ يمنع السوسيولوجيا من صوغ مصطلحاتها عبر تصنيف ‹المعنى المقصود› المحتمل،
أي كما لو أن النشاط يجري فعلً بوعي مقصود». وبالحصيلة المبدئية، ألا يغدو في إمكاننا القول بأنه يمكن إدراج فيبر ضمن المدافعين العنيدين عن الاستعمال الضروري - ولكن غير الكافي- لمقاربة « الداخلي » بيد أنه في الواقع ما زال بعيدًا عن اعتماد
منهجية «الداخلي»، التي تنهض على تكوين مدوّنات استطرادية، كما يجري اليوم في الأنثروبولوجيا
أو في السوسيولوجيا المسمّاة كيفية؟
الخارجي
أشرتُ أع هاا إلى معالم الدلالتين الكبيرتين اللتين يمكن أن يتّخذهما مصطلح «الخارجي » etic.
وسأقوم في ما سيأتي بإثارة مسائل التصنيفات المعرفية وتحليلات الباحث والخطابات العالمة. وهنا تعني ثنائية « الداخلي / الخارجي » لدى الأنثروبولوجي - وقد سميناها في هذه الحالة الثنائية «-» أ
تقريبًا ما يعنيه التعارض الكلاسيكي لدى علماء الاجتماع بين الحسّ المشترك والحسّ العالم.ِ
« أ » = الداخلي: الخارجي: الحسّ المشترك: الحسّ العالمِ من الممكن تفسير التعارض « أ » على اعتباره تمييزًا بين مستويين من اللغة، اللغة الطبيعية المحلية
أو الأصيلة، واللغة العلمية العالمية، أو على اعتباره أيضًا تمييزًا بين عالمَين معرفيَّين مختلفين. أمّا في الحالة الثانية، حالة التعارض « ب »، فإن «الخارجي» ينطبق على المعطيات التي تُنتجها آليات
الم حظة والعرض. يعطي التعارض « ب » إذًا، دلالة منهجية أوفرَ مرتبطةً بمختلف أشكال إنتاج
المعطيات. ولدينا هذه المرة: «ب» = الداخلي: الخارجي: معطيات استطرادية – التمثلّات: بيانات الملاحظة والعرض
(31) Ibid., pp. 7-8.
(((3 التشديد من قبلنا:
Ibid., p. 10. (33) Ibid., p. 8. (34) Ibid., p. 19.
لكن نظام هذين التعارضين المحتملين غير متناظر؛ ففي الواقع، ينطبق معنيا «الداخلي» على ما هو أساسي، حيث إنهما متمثلان في «أ» و«ب». ألم يقع التعبير عن المعنى المشترك عن طريق المعطيات الاستطرادية؟ ألم يكن العالم الذهني للسكان الأصليين في مجموعه مستوعبًا ل«تمثلّاتهم»؟ إنّ ما قيل
عن المستويات الأربعة ل«الداخلي» لا يدعو حقًا إلى وضع هذا التجانس للمعنى العام موضع سؤال. وفي المقابل، نجد المعنيَّين الخاصَّين ب«الخارجي» مختلفين في « أ » وفي «ب»، فالمعنى الذي ينتجه
العالم نادرًا ما يُقارَن ببيانات الملاحظة فقط.ِ الخارجي
خطاب العالمِ « أ »
خطابات وتمثلّات محلّية = الداخلي « ب » الخارجي بيانات غير قابلة للاختزال التمثيلي تتفرّع عن هذا الإثبات نتيجتان: تحيلنا النتيجة الأولى إلى الجدل المشار إليه أع هاا. وإذا كان هاريس
قد جعل هذه الوضعية ملتبسة، بل وحتى غير قابلة لفك خيوطها، فذلك يعود، في الحقيقة، إلى أنه دمج
بصفة مفرطة المعنيَّين المتصلَين ب «الخارجي» من خ لاا الخلط بين العلمية («الخارجي» هنا باعتباره
معنى من إنتاج العالم) وقابلية الملاحظة («الخارجي» هنا باعتباره معطيات غير استطرادية). كما أنه خلط أيضًا بين «أ» و«ب». وخلاصة القول هي أنه لا يمكننا مُراكبة التعارضيْن، بل يجب اختيار أحدهما. النتيجة الثانية هي أن في الإمكان أيضًا التخلّي عن كلمة «الخارجي» بمعناه المزدوج، وبالتالي التخلّي عن كلّ من «أ» و«ب»، والاحتفاظ فقط بكلمة «الداخلي» واستقرارها الدلالي. في هذه الحالة، يستطيع «الداخلي»، باعتباره تصورًا وخطابًا، أن يحلّ محلّ «الأهلي»/ «الأصلي»/ «المحلّي»/
«الشعبي»/ «المشترك»، بل وحتى «الثقافي». كلّ مصطلح من هذه المصطلحات يحمل في الواقع
دلالات طفيلية مرتبطة بالاستعمال العادي الذي جُعِلت من أجله. وهي تثير قلق الأنثروبولوجيين
في الغالب، إمّا بسبب الدلالات غير الملائمة مثل («المحلّي»)، وإما بسبب الدلالات التي لا يمكن
التحكّم فيها («الثقافة»). وهذا يفسّر لماذا يشيع في الأدبيات العلمية استعمال هذه المصطلحات بين
هلالين مزدوجين. ورغم أن جدل البدايات لم يترك آثارًا واضحة تذكر، فإن لفظة «الداخلي»، بوصفها
اكتسبت معنى جديدًا، لها مزايا واضحة متّصلة ب «الحياد»، خاصة في اللغة الفرنسية، حيث لم يكن للنقاشات من هذا القبيل بداية.
(3((أنا شخصيًا قمتُ باختيار الواحدة ثمّ الأخرى... وقد تناولت في البداية «الخارجي» في معنى خطاب الباحث في مقابل
خطاب الفاعلين المحلّيين، ثمّ بعد ذلك فضّلتُ استخدام التناقض- التكامل بين المعطيات الاستطرادية (الك ماا الذي يتداوله
الفاعلون المحلّيون) والمعطيات المتأتية من عملية البناء والعرض (العمليات الهادفة للملاحظة والعدّ من قِبل للباحث). إنّها ببساطة
مسألة بحث عن الملاءمة.
وأين التأويل من كلّ هذا؟
نحن لا نناقش العلاقة بين «الداخلي»/«الخارجي» ومسألة التأويل إلا من جانبين اثنين هما: المكانة المعرفية لتأوي ت «الداخلي» وحضور التأوي ت الأنثروبولوجية في تأوي ت «الخارجي ». وبالعودة إلى التأويل المزدوج، يمكن طرح السؤال التالي: هل للتأويلات الداخلية مكانة مختلفة عن
التأويلات العالمة؟ تبدو الإجابة اليومَ سهلة نسبيًا. للتأويلات الداخلية مكانة معرفية مختلفة، ولكن لا
توجد مفاضلة بين التأويلات الداخلية والتأويلات العالِمة. وإذا كان هاريس لم يكلّف نفسه التفكير في هذه النقطة أيضًا، فإن ذلك يعود إلى تركيزه على ذلك
التمييز بالمعنى «القيمي» بين الخطاب العالم والخطاب المحلّي (أو الأهلي)، وتشديده (على الأقل في البدايات) على تفوّق الأول على الثاني. إن موقفًا إبستيمولوجيًا صارمًا سيرفض لا محالة هذه
التراتبية، معتبرًا إيّاها غير مقبولة (لا توجد معايير «أخ قااية» مشتركة بين العالمَيْن، أو أرفع منهما
مكانة، لتسمح بعقد مفاضلة بينهما. وبذلك يُعَدّ خطاب المُخبِر في قيمة خطاب الباحث)، ولكن هذا
الموقف الإبستيمولوجي سيقبل الاختلاف بوصفه أمرًا طبيعيًا ولا يمكن تجنّبه (إن الأهداف والموارد
والمتطلّبات المتعلّقة بالوضعين هي حتمًا مختلفة، كما أن خطاب المُخبِر ليس هو خطاب الباحث). في الوقت الذي يتبدّد الاختلاف حول هذه النقطة، تبقى مسألة الحضور (الحتميّ) لتأويلات الباحث
في عمق تمثلّات «الداخلي» ذاته. في الواقع، إن جمعَ الخطابات أو التمثلّات الداخلية لا يمكن
أن يكون تجميعًا مجردًا، بل يعني بالتأكيد أن تأويلات الباحث مندرجة ضمن عملية البحث والتماس
المعلومات «المحلية»، على الأقل في شكل الأسئلة التي يطرحها على نفسه، وبالتالي على الآخرين (الفرضيات، موضوعات الاهتمام، من دون الحديث عن أفكار الباحث المسبقة). إن كلّ استراتيجية بحث ميداني تتضمّن في الواقع تأويلً مُدمجًا. لكنْ هناك تأويل وتأويل: نحن نقول بكل ارتياح إن التأويلات التي يدرجها الأنثروبولوجي في مسار
إنتاج المعطيات الإمبريقية هي تأويلات ذات طبيعة أخرى، ومختلفة عن تلك التي يعتمدها في عملية
(3((فيما نحن بصدد نقل مصطلح «الداخلي» emic إلى المصطلح الفرنسي émique، نستخلص النتيجة ممّا سبق، مهما كان الحل
الذي جرى اعتماده (التعارض «أ»، التعارض «ب» أو استعمال مصطلح «الداخلي» emic فقط)، فإن الجوهر الدلالي لمصطلح «الداخلي» emic يبقى ثابتًا نسبيًا.
3(((إن اعتبار التأوي ت المحلّية في مرتبة أقل من التأوي ت العالمة يعني اعتماد وجهة نظر المركزية العرقية أو العلموية، أمّا
اعتبارها الأفضل، فيعني اعتماد وجهة نظر شعبوية. 3(((المقصود، بصفة أعمّ، هو مسألة حضور تأوي ت الباحث داخل تلك المعطيات التي يوفّرها، سواء أكانت من صنف
«الداخلي» أم من صنف «الخارجي» (أستخدم هنا التعارض «ب»). وببساطة، فإن أشكال هذا الحضور هي بحسب أنماط المعطيات («كيفيّة» أو «كمّية»، «خطابية» أو «متأتّية من الملاحظة»... إلخ).
(3((بخصوص مثال مفصّل لإجراء بحث إمبريقي (ECRIS«») ذي إشكالية مُدمَجة (مفاهيم «الحلبة»، «الصراعات»، و«الجماعات
Thomas Bierschenk and Jean-Pierre de Sardan, «ECRIS: Rapid Collective Inquiry for the:الاستراتيجية») راجع Identification of Conflicts and Strategic Groups,» Human Organization , vol. 56, no. 2 (Summer 1997), pp. 238-244.
((4(وبطبيعة الحال، هناك إفراط في التأويل، وهو ما يشير إلى مشكلة الأفكار المسبقة. انظر: , no. 3 (Numéro spécial): Enquête
Interpréter, surinterpréter (1996).
معالجة هذه البيانات. نحن نتحدّث إذًا عن تأوي ت أنثروبولوجية في«الداخلي» وعن تأويلات
أنثروبولوجية حول«الداخلي». إن التأوي ت الأنثروبولوجية في«الداخلي» هي تأوي ت البحث الميداني، المستجيبة لمقتضيات
جمع البيانات من الداخل، وفي الحد الأدنى يجب أن تكون كذلك، وبتعبير آخر أدق، يجب ألّ تعرقِل هذه التأويلات معطيات «الداخلي» كي تُوجدَ من تلقاء نفسها. وإذا حافظت هذه التأويلات، بالفعل وبالضرورة، على أثر تأويلات البحث الذي أوجدها، فإن لهذه الآثار «أهمية» نسبية، وهي في الحالات كلها لا تمنع المعطيات «الداخلية» من اكتساب عمق مستقل وحياة خاصة بها، ومنطق خصوصي منفصل عن تأويلات البحث تلك. بهذا المنظور، ليس لتأويلات
البحث قيمة إلا إذا أُخِذَتْإنتاجيتها ومرونتها في الحسبان: - إنتاجيتها تعني قدرتها على إبراز معطيات جديدة تؤكّد أو تنفي الفرضيات أو تستكشف ميادين جديدة. - مرونتها تعني قدرتها على التغيّر، وقابلياتها للتعديل وإعادة التركيب طوال عملية تكوين المعطيات،
وأيضًا أخذها رد فعل الداخلي في الحسبان. إن الإنتاجية الإمبريقية والمرونة هما من خصائص تأويلات البحث، مهما كان شكل هذه التأويلات، أكان شكل الفرضيات (يتمثّل الأمر عندها، في جمع معطيات «داخلية» أو غيرها تؤكّد أو تنفي فرضيات صريحة وواضحة) أم شكل التأوي ت البحثية الاستكشافية (المقصود في هذه الحالة، جمع معطيات «داخلية» أو غيرها تتمثّل في وضع علامات إرشادية في الأماكن التي تقلّ فيها المعطيات أو لا توجد، أي القيام بعمل شبيه بنصب شباك أو بتهيئة أرض، وفي العموم يكون الهدف إنتاجَ تأويلات
بحث احتمالية لاحقًا). أما بالنسبة إلى التأويلات بشأن «الداخلي»، فهي تقع ضمن المجال الكلاسيكي للتأويلات الخاصة بالعلوم الاجتماعية التي لا تفتقد لا التعليق ولا الشرح، وسوف لن نتوقف عندها. ومن بين الخاصيات
المنتظرة لهذه التأوي ت أننا لا نجد إط قااًا الإنتاجيةَ الإمبريقية والمرونةَ اللتين تُميّزان التأويل في
«الداخلي»، ولكن نجد على الأصح المهارةَ والتناسق. ببساطة، ربما نجد في الأنثروبولوجيا خصوصية
تتمثّل في أهمية سيرورة الترجمة. إن البيانات المستقاة من «الداخلي»، المعروضة والمنظّمة إجمالً
في مدوّنة خطاب ملفوظ بلغة أجنبية، ليست فقط مختلفة عن عالَم المعنى الأصلي للباحث (تعود إلى
((4(هذه العمليات في تشابك مستمر، وهي لا تتوافق مع المرحلتين المميزتين المعروفتين، وهما العمل الميداني والتحرير: ألا
يشمل العمل الميداني بصفة تكاد تكون يومية عمليات معالجة (ذهنية على الأقل)؟ والأمر أقلّ من أن يكون تعارضًا بين الوصف
والمعالجة، فالمعالجة تنتج باستمرار مفاهيم وصفية إلى غاية الكتابة النهائية للنص الأنثروبولوجي.ِ ((4(في الأنثروبولوجيا أو في علم الاجتماع المسمّى «الكيفي»، لا تكون الفرضيات «صريحة وشديدة الوضوح»، وبالخصوص
تلك التي نجدها في الأبحاث السوسيولوجية المعتمدة على العينة، والتي نستخلص منها تأكيدات أو عمليات دحض مبرّرة
بالإحصاءات. ((4(هذا هو الأفق الذي أشار إليه شفارتز: «إن الهدف الأول من البحث ليس الإجابة عن أسئلة، وإنما اكتشاف الأسئلة التي
ستُطرح، ويتطلّب هذا الاكتشاف بعض الوقت:» Le Olivier Schwartz, «L’Empirisme irréductible,» dans: Nels Anderson, Hobo: Sociologie du sans-abri , trad. par Annie Brigant; présentation et postf. par Olivier Schwartz, essais et recherches. Série sciences humaines (Paris: Nathan, 1993), p. 281.
الباحث مسؤولية أن تكون له قدمٌ في كلّ عالم ثقافي)، ولكنها بعيدة أيضًا عن عال م المعنى الخاص
بالقراء، وعن عيون أولئك المتأثّرين عمومًا وبدرجة كبيرة بما هو غريب. تفترض المعلومات التي يُدلي
بها المُخبِرون إذًا، أن تكون «مترجمة»، وذلك على الأقل بالنسبة إلى تلك المعلومات التي ستُستعمَل
على سبيل «الحجّة» أو المثال. بالإضافة إلى أنماط التمثل المعرفي التي يعتمدها الأنثروبولوجي،
مثله مثل عالم الاجتماع وعالِم الاقتصاد والمؤرخ، بمعنى أنه علاوة على التأويلات العالِمة والشروح
النظرية الخاصة بكل باحث في العلوم الاجتماعية، فإن الأنثروبولوجي مدعوّ، إذًا، إلى عملية ترجمة
إضافية. والحال هذه، فإن كلّ ترجمة هي بالتأكيد تأويل. ويتعلق الأمر هنا، في أحد جوانبه، بتأويل لاحق لتأويل حول«الداخلي» على أساس معطيات استطرادية سبق إنتاجها وتثبيتها. لكن المشكلة الخاصة جدًا التي يطرحها هذا التأويل حول «الداخلي»، والتي تتمثّل في ترجمة
المعطيات الاستطرادية التي جُمعت، هي أن هذا التأويل مرغَم على الأخذ في الاعتبار الداخلي «من
الداخل» إذا صحّ القول، وعلى أن يكون «وفيًا» له بقدر المستطاع، وعلى أن يضع نفسه «في خدمة»
كثافتِه واستقلاليتِه مع إعادة بنائه داخل عالَم دلالي آخر ومن أجل هذا العالَم. بهذا، تكون ترجمة «الداخلي» في الوقت ذاته ترجمة في «الداخلي» وحول «الداخلي». References
المراجع
Books
Anderson, Nels. Le Hobo: Sociologie du sans-abri. Trad. par Annie Brigant; présentation et postf. par Olivier Schwartz. Essais et recherches. Série sciences humaines. Paris: Nathan, 1993. Annual Review of Anthropology. Palo Alto, Calif.: Annual Reviews Inc., 1976. Basso, Keith H. and Henry A. Selby (eds.). Meaning in Anthropology. School of American Research Advanced Seminar Series. Albuquerque: University of New Mexico Press, 1976. Berreman, Gerald Duane. Behind many Masks; Ethnography and Impression Management in a Himalayan Village. Society for Applied Anthropology. Monograph; no. 4. Ithaca, NY: Society for Applied Anthropology, 1962. Geertz, Clifford. Savoir local, savoir global: Les Lieux du savoir. Trad. de l’anglais par Denise Paulme. Sociologie d’aujourd’hui. Paris: Presses universitaires de France, Gérard-Varet, Louis-André et Jean-Claude Passeron (dirs.). Le Modèle et l’enquête: Les Usages du principe de rationalité dans les sciences sociales. Recherches d’histoire
((4(صحيح أن هناك علماء اجتماع ومؤرخون يشتغلون على ثقافات «غريبة» في المكان والزمان، ويواجهون بالضبط المشكلة نفسها عندما تكون لهما مدوّنات مستقاة من «الداخلي.»
(4((أشار فليبا إلى أن أصحاب التمشي «الداخلي» يؤكدون كثيرًا مسألة الترجمة، وذلك ليقول لنا، مستحضِرًا وجهة نظر كوين
الراديكالية، إن ظواهر «الداخلي» لا يمكن ترجمتها:»
Feleppa, pp. 246-247.
وأن المطالبة ب«تحويل» هذه الظواهر (عبر الترجمة) لا توفر أي ضمانة. وبنفيه عن الترجمة كل صدقية، يتّخذ فليبا موقفًا يشبه موقف
بوبر وميلر اللذين يعتبران العلوم الاجتماعية مجرد ثرثرة بحجّة عدم إمكانية تحريفها على غرار العلوم الطبيعة. إن سجل الصدقية
والمعقولية الخاصة بالعلوم الاجتماعية هو نفسه سجل عمليات الترجمة. وإذ لا توجد ترجمة حقيقية ووحيدة لأثر ما، فإن الترجمات الإثنوغرافية لخطاب «الداخلي» تخضع، مع ذلك، لمعايير الصدقية التي لا تستطيع التحرّر منها بسهولة.
et de sciences sociales; 63. Paris: Ed. de l’Ecole des hautes études en sciences sociales, Giddens, Anthony. Social Theory and Modern Sociology. Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1987. Goodenough, Ward Hunt. Description and Comparison in Cultural Anthropology. Lewis Henry Morgan Lectures; 1968. Chicago: Aldine Pub. Co., 1970. Harris, Marvin. Cultural Materialism: The Struggle for a Science of Culture. New York: Vintage Books, 1980. ______. The Rise of Anthropological Theory; a History of Theories of Culture. New York: Crowell, 1968. Mauss, Marcel. Sociologie et anthropologie. Introduction par Claude Lévy-Strauss. Quadrige; 58. 8 ème éd. Paris: Presses universitaires de France, 1983. 1 ére éd. 1950. Needham, Rodney. Belief, Language, and Experience. Oxford: Blackwell, 1972. Passeron, Jean-Claude. Le Raisonnement sociologique: L’Espace non-poppérien du raisonnement naturel. Collection essais et recherches. Série sciences sociales. Paris: Nathan, 1991. Pelto, Pertti J. and Gretel H. Pelto. Anthropological Research: The Structure of Inquiry. 2 nd ed. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1978. 1 st ed. 1970. Pike, Kenneth L. Language in Relation to a Unified Theory of the Structure of Human Behaviour. The Hague: Mouton, 1954. 2 nd ed. Rev. 1967. Revel, Jacques (dir.). Jeux d’échelles: La Micro-analyse à l’expérience. Hautes études. Paris: Gallimard; Le Seuil, 1996. Sperber, Dan. Le Savoir des anthropologues. Savoir. Paris: Hermann, 1982. Weber, Max. Économie et société, 1. Traduit de l’allemand par Julien Freund [et al.]; sous la direction de Jacques Chavy et d’Éric de Dampierre. Recherches en sciences humaines; 27. Paris: Plon, 1971. ______. Sociologie des religions. Textes réunis, trad. et présentés par Jean-Pierre Grossein; introd. de Jean-Claude Passeron. Bibliothèque des sciences humaines. Paris: Gallimard, 1996.
Periodicals
Bierschenk, Thomas and Jean-Pierre de Sardan. «ECRIS: Rapid Collective Inquiry for the Identification of Conflicts and Strategic Groups.» Human Organization. Vol. 56, no. 2 (Summer 1997), pp. 238-244. Enquête. No. 3 (Numéro spécial): Interpréter, surinterpréter (1996). Feleppa, Robert. «Emics, Etics, and Social Objectivity.» Current Anthropology. Vol. 27, no. 3 (June 1986), pp. 243-255. Fisher, Lawrence E. and Oswald Werner. «Explaining Explanation: Tension in American Anthropology.» Journal of Anthropological Research. Vol. 34, no. 2 (Summer 1978), pp. 194-218. Olivier de Sardan, Jean-Pierre. «Jeu de la croyance et «je» ethnologique: Exotisme religieux et ethno-egocentrisme.» Cahiers d’études africaines. Vol. 28, nos. 111-112 (1988), pp. 527-540. ______. «La Politique du terrain. Sur la production des données en anthropologie.» Enquête. No. 1: Les Terrains de l’enquête (1995), pp. 71-109. ______. «Le Réel des autres.» Cahiers d’études africaines. Vol. 29, no. 113 (1989), pp. Stoller, Paul. «Speaking in the Name of the Real.» Cahiers d’études africaines. Vol. 29, no. 113 (1989), pp. 113-125.