مقاربة في علم الاجتماع التاريخي لفهم التباين في مرحلة ما بعد الثورات في البلدان العربية
A Historical Sociology Approach to Understanding Post-Revolution Disagreement in the Arab Countries
الملخّص
تستطلع هذه الدراسة مقاربات علم الاجتماع التاريخي لفهم مسارات بناء الدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك بهدف قراءة المتغيرات التي تؤثر في سلوك النخب الحاكمة والمعارضة، وصيرورة تشكُّل أنظمة الحكم، وحدود مرونتها وقوَّتها. وتجادل هذه الورقة بأن الاستناد إلى تقنيات علم الاجتماع السياسي بشأن نخب السلطة، ومنها التعريف الفيبري للمصادر المختلفة للسلطة (الكاريزما، الأبوية الوراثية)، يساعد على فهم نتائج مسارات الثورات العربية ونتائجها على نحو أنجع مما قدمته نظريات الانتقال الديمقراطي. وتقترح هذه الورقة، بناءً على هذه المقدمات، نموذجًا تفسيريًّا يساعدنا على فهم ثلاث دراسات حالة نموذجية ممثلة للنتائج المتباينة؛ هي: الانتقال الديمقراطي (تونس)، وعودة الحكم الاستبدادي (مصر)، والدولة الفاشلة (سورية).
Abstract
Professor of International Relations and Middle East Politics at the University of St Andrews in Scotland, co-founder of the Institute for the study of the Middle East, Central Asian and the Caucasus and Director of the Centre for Syrian Studies.
- علم الاجتماع التاريخي
- الثورات العربية
- الدولة
- السلطة
- الديمقراطية
- Historical Sociology
- Arab revolutions
- State
- Power
- Democracy
ملخص: تستطلع هذه الدراسة مقاربات علم الاجتماع التاريخي لفهم مسارات بناء الدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك بهدف قراءة المتغيرات التي تؤثر في سلوك النخب
الحاكمة والمعارضة، وصيرورة تشكُّل أنظمة الحكم، وحدود مرونتها وقوَّتها. وتجادل هذه
الورقة بأن الاستناد إلى تقنيات علم الاجتماع السياسي بشأن نخب السلطة، ومنها التعريف الفيبري للمصادر المختلفة للسلطة (الكاريزما، الأبوية الوراثية)، يساعد على فهم نتائج مسارات الثورات العربية ونتائجها على نحو أنجع مما قدمته نظريات الانتقال الديمقراطي. وتقترح هذه الورقة، بناءً على هذه المقدمات، نموذجًا تفسيريًّا يساعدنا على فهم ث ث
دراسات حالة نموذجية ممثلة للنتائج المتباينة؛ هي: الانتقال الديمقراطي (تونس)، وعودة الحكم الاستبدادي (مصر)، والدولة الفاشلة (سورية).
Abstract: This study explores historical sociology approaches that seek to understand the processes of state formation in the Middle East and North Africa, in order to define the parameters that influence the ruling elites and the opposition behavior. This paper also aims at studying the formation of various governance systems and calculates the extent of their flexibility and strength. It argues that the use of political sociology tools by power elites, including Weber’s definition of various sources of power (such as charisma and traditional patriarchal authority), helps in understanding the evolution of the Arab revolutions and their outcomes in a more effective way than the theories of democratic transition. Based on these introductions, the paper suggests an explanatory pattern that help to understand three case studies each representing different outcomes: the democratic transition (Tunisia), the resurgence of authoritarianism (Egypt), and the failed state (Syria).
مقدمة
أسقطت الثورات العربية التي بدأت منذ أواخر عام 2010 أربعة رؤساء، ويبدو أنها جعلت من الجماهير الغفيرة المعبّأة عاملً متناميًا في سياسة بلدان المنطقة. ومع ذلك، تبقى عملية إسقاط الرئيس أمرًا مختلفًا عن إقامة مؤسسات ديمقراطية مستقرة وشاملة. وعلى الرغم من حقيقة أن الديمقراطية كانت المطلب المشترك الأساسي للمحتجّين الذين تصدّروا الثورات، فلم تظهر بعد أربع سنوات إلا أدلة قليلة على التحول الديمقراطي. ويمكن القول إن تونس، فقط، هي التي نجحت في الامتحان، بينما كانت النتائج في بلدان أخرى إما دولةً فاشلة، وإما عودة معيّنة إلى الحكم الاستبدادي. فما تفسير هذه المسارات المتباينة؟ تخوض هذه الدراسة في مساهمة علم الاجتماع التاريخي في فهم المسارات المتباينة في الدول العربية بعد الثورات العربية. وأرى أن علم الاجتماع كنيسة واسعة شاملة تركّز على محددات تشكيل الدولة، لكنها تحتضن نهجين أو شاغلين رئيسيْن: ذلك الذي يركّز على الصراعات القصيرة المدى على السلطة (نظرية الحركة الاجتماعية؛ المقاربة الفيبرية)، وذلك الذي ينظر إلى العمليات الكلّية للاقتصاد السياسي (الماركسية) التي تكون طويلة المدى، وتحدِّد مخرجات هذه الصراعات. تستطلع هذه الدراسة مقاربات علم الاجتماع التاريخي الملائمة لفهم مسارات تشكيل الدولة، ثم تستعملها لكشف المتغيرات الأساسية التي تشكِّل المخرجات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم تطبِّق إطار المتغيِّرات لفهم ثلاث دراسات، بوصفها حالة نموذجية ممثِّلة للنتائج المتباينة؛ هي: الانتقال الديمقراطي (تونس)، وعودة الحكم الاستبدادي (مصر)، والدولة الفاشلة (سورية).
أولا: مقاربات علم الاجتماع التاريخي للمسارات التالية للثورات
يتفوق علم الاجتماع التاريخي بميزتين مهمتين على الخيار المعاصر الأساسي المستخدَم لتفسير الثورات العربية، وهو نظرية التحوّل الديمقراطي. تفترض هذه النظرية ضمنيًّا قانون «تسييس متصاعد»؛ إذ إن عملية التحديث الاجتماعي - الاقتصادي، في تصعيدها وتيرة الاختلافات الاجتماعية والتعبئة، تخلق ضغوطًا تشاركية متزايدة على الدول الاستبدادية، وتصبح هذه الضغوط عند عتبة معيَّنة لا تقاوَم. وعند أنواع من هذه العتبة، جرى استخدام تنويع على نظرية التحول الديمقراطي، هو نموذج (براديغم) المقاوَمة المدنية، لفهم الكيفية التي أفضى بها الاحتجاج الجماهيري غير العنفي إلى سقوط سريع
(1) Jason Brownlee, Tarek Masoud & Andrew Reynolds, «Why the Modest Harvest?» Journal of Democracy , vol. 24, no. 4 (October 2013), pp. 29-44. (2) Raymond Hinnebusch, «Historical Sociology and the Arab Uprising,» Mediterranean Politics , vol. 19, no. 1 (2014), pp. 137-140. (3) Raymond Hinnebusch, «Authoritarian Persistence, Democratization Theory and the Middle East: An Overview and Critique,» Democratization , vol. 13, no. 3 (2006).
للأنظمة الاستبدادية في عدد من الجمهوريات العربية. لكن حيثما يفشل الانتقال الديمقراطي، يكن
إسهام نظرية التحول الديمقراطي في فهم المخرجات ضئيل. على النقيض من ذلك، يتجنب علم الاجتماع التاريخي الافتراض الغائي المتعلِّق بوجود حدّ نهائي ديمقراطي عالمي للتطور. وبالطبع، تكون النتائج متغيرة، وتعتمد على كثير من العوامل التي تشمل الفاعلية التنافسية للنخب والنخب المضادة، وممارسات بناء الدولة، وهياكل الاقتصاد السياسي التي يجب أن تعمل فيها الفاعلية.
1. الفاعلية في الصراع على السلطة
تقع الدول العربية على مستويات من التحديث، تكون فيها الديمقراطية ممكنة من دون أن تكون ضرورية. فما الذي يقرر النتائج بعد ذلك؟ يمكن القول إن الفاعلية مهمة هنا؛ فهي التوازن بين قدرة حركات المعارضة على فرض تغيير ديمقراطي، وقدرة النخب الحاكمة على المقاومة. ويتم تقييم الأولى من خلال نظرية الحركة الاجتماعية، والثانية من خلال علم الاجتماع السياسي الكلاسيكي.
أ. التعبئة الجماهيرية
تركّز نظرية الحركة الاجتماعية على فاعلية الحركات الاجتماعية في التعبئة المناهضة للنظام خلال الثورات العربية. ويختلف التأثير الطويل المدى لهذه الحركات في مسارات الدولة بحسب البلد. وتقع النتائج على طول متصل يتدرّج من الحد الأقصى إلى الأدنى. أولً، وعلى الطرف الأقصى، قد تولّد الحركات نظامًا مضادًّا يستولي على الحكم بدلً من الحكام الحاليّين، من خلال حشد أعداد كبيرة،
وضرب معنويات النظام. وثانيًا، يمكن إدخال المناهضين، من خلال المشاركة في السلطة بوصفهم
إحدى القوى، ضمن نظام حكم تعدّدي، عادةً ما يكون دالة في انتقالٍ متّفق عليه بين المعتدلين في النظام وفي المعارَضة. ثالثًا، قد يتم ضمّهم من الأعلى، ونزع التطرّف عنهم من خلال النخب الحاكمة.
وأخيرًا، قد يتم تقسيمهم وتهميشهم. ويعتمد اختلاف النتائج على عمق التعبئة ووحدتها. تفسّر نظرية الحركة الاجتماعية التعبئة وفقًا للإقناع/ شرعية السرديات التأطيرية للحركة، وهيكل
الفرصة، والموارد. وتبقى قدرة الحركات الاجتماعية على تخطّي الانقسامات بين خصوم النظام على درجة من الأهمية على المدى القصير؛ كأنْ تكون مثلً بين شباب الطبقة الوسطى العلمانيين، والإسلاميين، والعمال لخلق تحالفات أو ائتلافات رابحة. ومن المهم، على المدى الطويل، أن يكون
(4) Maria J. Stephan & Erica Chenoweth, «Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict,» International Security , vol. 33, no. 1 (Summer 2008). (5) Michelle Pace & Francesco Cavatorta, «The Arab Uprisings in Theoretical Perspective,» Mediterranean Politics , vol. 17, no. 2 (2012), pp. 38-125. (6) Robert Michels, Political Parties: A Study of the Oligarchical Tendencies of Modern Democracy (New York: Free Press, 1966); Gaetano Mosca, The Ruling Class (New York: McGraw-Hill, 1939). (7) Leenders Reinoud, «Social Movement: Theory and the Onset of the Popular Uprising in Syria,» Arab Studies Quarterly , vol. 35, no. 3 (2013), pp. 273-289; Phillip W. Sutton & Stephen Vertigans, «Islamic ‘New Social Movements’? Radical Islam, Al-Qa’ida and Social Movement Theory,» Mobilizations , vol. 11, no. 1 (2006), pp. 101-115.
لديها الأيديولوجيا والتنظيم الحزبي لكي تتشكل في صورة حزب سياسي، أو حلف سياسي، قادر على الحكم. مهم أيضًا أن توازن القوى النسبي على المدى القصير، بين عناصر المعارَضة، وبينها وبين مؤيدي النظام، يؤدي إلى تشكيل النتائج. في حال سيطرة الإسلاميين، ستكون النتيجة مختلفة عنها في الحالات التي يسيطر فيها العمال. وحينما يختلف الإسلاميون والطبقة الوسطى العلمانية، سيجد مؤيدو النظام فرصة لضم الطرف الأول ضد الطرف الثاني.
ب. القانون الحديدي للأوليغاركية
من وجهة نظر علم الاجتماع الكلاسيكي، تتفوّق النخب بميزة قوية على الجماهير في الصراع على السلطة. لا يمكن أن تستمر التعبئة الجماهيرية فترة طويلة، وستؤدي تكاليفها إلى رغبة في الهدوء معاكسة للتعبئة (الرجل الذي يأتي على صهوة حصان لإعادة الهدوء). وإذا كانت النخب منقسمة مؤقتًا، بسبب ضغوط التعبئة الجماهيرية، فقد يكون للثانية تأثير في فرض تغيير في النظام والانتقال الديمقراطي. وحتى لو أدى الانتقال الديمقراطي إلى انتخابات تنافسية، فإن السيطرة غير المتوازية التي تحظى بها النخب على الموارد (الرافعات البيروقراطية للسيطرة، والسيطرة غير المتوازية على الثروة والمعلومات) تمكّن النخب، في كثير من الأحيان، من استعادة سيطرتها، مقابل الجماهير المنقسمة والغافلة عادة، وخصوصًا إذا تركت الثورات البنية الطبقية سليمة، كما حدث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي كثير من الأحيان، تتمكن النخب من تفريق الحركات الجماهيرية عبر ضم «النخب المضادة» التي تقود هذه الحركات، وقد تضخ هذه الخطوة «دمًا جديدًا» من الأسفل بين النخب، ويقوِّي تأثيرُها السلطة، وينزع الراديكالية عن زعماء الحركات السابقين. ومن ثمّ، لا يُعد الفشل أو القيود التي تحول دون تحقيق الديمقراطية، أمرًا شاذًا، وإنما هما انعكاس «للقانون الحديدي للأوليغاركية».
2. الممارسات الخاصة ببناء الدولة: التنافس في إعادة صنع الدولة
يعتمد اختلاف النتائج أيضًا على الطريقة التي تعيد بها العناصر الفاعلة تكوين السلطة في أعقاب الانتفاضات الثورية مثل الثورة العربية. وتعترف فكرة علم الاجتماع التاريخي، بشأن تبعيّة المسار، بأن الممارسات والمؤسسات «الناجحة» تاريخيًّا «يُعاد إنتاجها» وتُكيّف مع الأوضاع الجديدة. وقد حدّد ماكس فيبر، اعتمادًا على ابن خلدون، المسارات «الناجحة» والسائدة تاريخيًّا للوصول إلى السلطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكانت بعض الأشكال الهجينة من أنماط السلطة عنده نموذجية بالنسبة إلى الأوقات المعاصرة، وخصوصًا مزيج السلطة الكاريزمية والبيروقراطية الذي أسّست عبره الأنظمة الاستبدادية الشعبوية (نظام عبد الناصر في مصر بوصفه نموذجًا أوليًّا)، ومزيج السلطة الأبوية
(8) Michels. (9) Sami Zubaida, «The ‘Arab Spring’ in Historical Perspective,» Open Democracy, 21/10/2011, at: https://goo.gl/Eh3BFj
الوراثية والبيروقراطية (السلطة الأبوية الوراثية الجديدة الذي تطورت إليها مصر في مرحلتها «ما بعد الشعبوية»). لا يعني هذا نفي قدرة محطات من السياسة المثيرة للجدل وخطاب الحركات الاجتماعية على تشكيل الثقافة السياسية. مثلً، وفيما يتعلّق بكسر حواجز الخوف من المشاركة وتأسيس مفاهيم أكثر تطلبًا
للشرعية، يميل هذا الأمر إلى الحصول، بالتدريج، مع انتكاسات نموذجية ومنافسة للممارسات القديمة. وهكذا، تحصل في فترة ما بعد الثورة عملية تكوُّن لنظام تنافسي، مع تنافس الحركات الاجتماعية
والأنظمة في تكوين السلطة (أو إعادة تكوينها)، فتجمع الحركات الاجتماعية ما بين قيادة كاريزمية، وأيديولوجية، وتعبئة جماهيرية؛ بينما تمزج الأنظمة بين السلطة الأبوية الوراثية والبيروقراطية. ونلحظ أن أي سلطة من هذه السلطات ليست ديمقراطيةً في حد ذاتها، على الرغم من أن الكاريزما تزيد من الاندراج الواسع للجماهير، وأن السلطة البيروقراطية في الحكم تمكِّن من تنازع/ تداول النخب، ومن ثم، فهي، على عكس السلطة الأبوية الوراثية، متوافقة مع الديمقراطية. إضافة إلى ذلك، ارتبطت عملية تكوين الدولة تاريخيًّا بعنف كبير بين الأنظمة المأمولة وخصومها،
واعتمدت على تأسيس احتكار استخدام العنف. وفي أعقاب الثورات العربية، لا يُعد الارتفاع الملموس في مستويات العنف من أعراض التقاليد الديمقراطية، ولكنْ أعراض عملية أكثر أولية في إعادة البناء التنافسي للدولة. وتعتمد هذه الظاهرة المنتشرة لعمليات «الاسترداد»، والأنظمة الهجينة التي تحول دون التعدد، على ممارسات وتقنيات أقدم للسلطة. وباختصار، بدلً من التقدم «الخطّي» نحو التمكين الشامل للجماهير، علينا أن نتوقع صراعات مستمرة بين الاتجاهات الأوليغاركية والديمقراطية، ودورات بين مراحل، يبدو فيها أحدها أو الآخر مهيمنًا.
3. الهيكل: السياق الكلِّي لعملية بناء الدولة
على الرغم من أهمية فاعلية بناة الدولة، فإن خياراتهم وممارساتهم تُقيّدها وتُشكّلها بيئات المستوى
الكلّي التي قد تؤثّر في الصراع على السلطة بين الاتجاهات الأوليغاركية والديمقراطية.
أ. الاقتصاد السياسي
تُشكّل هيكليات الاقتصاد السياسي وإستراتيجياته عمليات الإدراج والاستبعاد السياسييْن للقوى
الاجتماعية التي تعطي الأنظمة شخصيتها الأساسية، وترجح التحول الديمقراطي فقط في ظل
(1((الباتريمونالية patrimonialism هي شكل من أشكال الحكم تتدفق فيه كل صور السلطة عبر الحاكم. هذه الأنظمة في الغالب ما تكون أوتوقراطية أو أوليغاركية. يُعرِّف ماكس فيبر الباتريمونالية بأنها شكل من أشكال الهيمنة التقليدية، بدايتها من هياكل الأسرة،
ولا سيما من سلطة الآباء. الأنظمة الملكية الوراثية وأشكال مماثلة من الحكم هي انعكاس للأبوية على مجموعة أوسع من العلاقات
الاجتماعية، وإذًا، الباتريمونالية تعني التعامل مع الدولة وكأنها امتداد طبيعي للعائلة.
(11) Hinnebusch, «Authoritarian Persistence,» pp. 373–395. (12) Charles Tilly, Coercion, Capital and European States, AD 990-1990 (Cambridge: Basil Blackwell, 1990). (13) Seth G. Jones, «The Rise of Afghanistan’s Insurgency: State Failure and Jihad,» International Security , vol. 32, no. 4 (Spring 2008), pp. 7-40.
أوضاع محددة. وهكذا، بينما تميل إستراتيجيات التصدير في البلدان الأقل نموًّا إلى أن تستلزم إدراج الأراضي/ رأس المال واستبعاد العمال، تميل السياسة الشعبوية في التصنيع لاستبدال الواردات إلى عكس ذلك. وكما يرى بارنغتون مور، فإن إستراتيجيات التنمية هذه هي التي تشكّل أنماط الأنظمة: حيثما انضمت السلطة إلى الأوليغاركية المالكة للأراضي، لقمع الفلاحين واستغلالهم في خدمة إستراتيجية تصدير زراعي، جاءت النتيجة الطويلة المدى استبداديةً محافظة، وحيثما عبّأ مثقفو الطبقة
الوسطى الفلاحين لمصادرة أملاك الأوليغاركية، كانت النتيجة هي الشيوعية (الاستبدادية اليسارية). وبينما امتلك الطرفان مؤسسات سياسية غير ديمقراطية متشابهة، فقد أدرجَا قوى اجتماعية متباينة. وكلما ازداد استبعاد القوى الاجتماعية، ازدادت قابلية هذه القوى للتعبئة المناهضة للنظام. ولكي تقود هذه التعبئة إلى التحول الديمقراطي، من الضروري وجود توازن في القوة الاجتماعية بين الدولة، والبرجوازية، والطبقات العاملة المنظمة. ويصبح هذا السيناريو أكثر احتمالً عندما يتوسع الاقتصاد على نحو كافٍ لإرضاء كلٍّ من رأس المال والعمال، مثل «الفوردية» Fordism في الغرب، خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي. وعلى النقيض من ذلك، في ظل العولمة المالية في مرحلة ما بعد الفوردية، تخوض الدول الرأسمالية في سياسات اقتصادية، نيوليبرالية تفرضها المؤسسات المالية العالمية، وأصيبت النقابات العمالية بالوهن، وسحُِب الجزء الأكبر من السياسة الاقتصادية من العملية الديمقراطية. وكانت النتيجة هي ما أطلق عليه روبنسون «الديمقراطية المنخفضة الكثافة»، حيث تكون مسائل توزيع الثروة خارج الأجندة السياسية. والأهم من ذلك، توازي النصر الذي حققه إجماع واشنطن بين النيوليبراليين على الاشتراكية الديمقراطية في العالم النامي، مع تصدير التوجه النيوليبرالي إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مدعومًا بشروط الاقتراض من صندوق النقد الدولي؛ حيث حوَّل ذلك ميزان القوة الاجتماعية والمعيارية ضد العمال، وعجَّل بتحوّل أشكال الاستبداد الشعبوي إلى بدائل محافظة. وتشترك دول المنطقة في تشكيل العولمة الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في شكل مميَّز من رأسمالية المحاسيب،
يتوافق مع الاستبداد الإقصائي أكثر من توافقه مع الديمقراطية، وهكذا يبدو التصدير الغربي لليبرالية
(((1 التصنيع لإبدال الواردات Import Substitution Industrialization سياسة اقتصادية وتجارية، تؤيد إحلال المنتجات المحلية محل الواردات الأجنبية. تفترض هذه السياسة أن الدولة يجب أن تحاول خفض اعتمادها على الخارج من خلال تصنيع المنتجات المطلوبة محليًّا. يشير هذا المصطلح على نحو رئيس إلى سياسات اقتصاديات التنمية في القرن العشرين، وقد قامت دول كثيرة من
دول الجنوب بسن قوانين تتبنى هذه السياسة بهدف الوصول إلى التنمية والاكتفاء الذاتي من خ لاا إيجاد سوق محلي. تتناسب سياسة التصنيع لإبدال الواردات مع التنمية الاقتصادية المقادة من الدولة من خ لاا التأميم، وتقديم الدعم الحكومي للقطاعات الحيوية، وزيادة الضرائب، وتبني سياسات تجارية حمائية. تم التخلي عن هذه السياسة تدريجيًّا من جهة الدول النامية في عقدي
الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين؛ بسبب إصرار صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على البرامج التي تهدف إلى تحرير التجارة في دول الجنوب.
(15) Barrington Moore, The Social Origins of Dictatorship and Democracy (Boston: Beacon Press, 1966). (16) Dietrich Rueschemeyer, Evelyne Huber Stephens & John D. Stephens, Capitalist Development and Democracy (Cambridge: Polity Press, 1992). (17) William I. Robinson, Promoting Polyarchy: Globalization, US Intervention and Hegemony (New York: Cambridge University Press, 1996).
الجديدة المقترن بخطاب التحول الديمقراطي (يعزِّز ذلك، فيما يبدو، عملية تمكين الجماهير الذين يقعون ضحايا النيوليبرالية)، متناقضًا، ومن المرجح أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار، لا إلى التحول الديمقراطي.
ب. الصراع الدولي على السلطة
يُظهر علم الاجتماع التاريخي، كما تمثّل في عمل تيلي على وجه الخصوص، كيفية تشارك الدول
وأنظمة الدول في تشكيل بعضها بعضًا؛ بمعنى أن يدفع الصراع الدولي على السلطة بناة الدولة إلى مركزة سلطة الدولة الضرورية لخوض الحرب. وقدّم هاليداي حجّة مماثلة للسمة العابرة للدولة
(وليست المحلية فقط)، للصراع بين القوى الثورية والقوى المضادة للثورة. وتركِّز نظرية التحول الديمقراطي على الشروط والأدوات التي سعى الغرب من خلالها لتصدير الديمقراطية، مع افتراض أن الديمقراطية تتقدم جيدًا حيثما كانت لها قوة حل وربط عالية. في المقابل، قد ترى مقاربة علم الاجتماع التاريخي أن هذه العملية جانب من محاولة الغرب تطبيق مشروع هيمنة عالمية، وأن الدول التي يهددها هذا المشروع ستكون ملزَمة بالمقاومة. وقد يتوقع المرء «تدخُّلً تنافسيًّا» في الدول المتنازَع فيها؛ بحيث تتنافس القوى المتنازعة لإبقاء قوى اجتماعية صديقة
في السلطة، أو لجلبها إلى السلطة. ومن المرجّح أن يؤدي هذا التدخّل إلى تفاقم الصراعات الداخلية
على السلطة، والتسبّب في إضعاف الدولة، وليس إلى التحول الديمقراطي. وقد انتشرت في منطقة
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الحروب بين الدول، وانتشر التدخّل العابر للدول، أو التدخُّل في شؤون الدول الأخرى (التخريب)، وتزايد هذا التدخّل بسبب الثورات العربية التي حوَّلت الدول العربية
الضعيفة إلى أهداف لحروب بالوكالة لمصلحة الممالك، والدول غير العربية.
4. النتائج: تجنّب التفرّع الثنائي
ترى نظرية التحوّل الديمقراطي التي تربط كلًّ من الأنظمة بمربعات ديمقراطية أو استبدادية النتائج
بوصفها إما عملية انتقال ديمقراطي، أو عودة إلى الاستبداد (مع أنظمة هجينة تُعد انتقالية فحسب)، في حين يرى علم الاجتماع التاريخي تنوّعًا أكبر في أنماط الأنظمة، وهو تنوُّع على طول بعدين
(تنازع النخب، وإدراج الجماهير)؛ ومن ثمّ، السماح لإمكانية ظهور أنظمة «هجينة» تمزج السمات «الاستبدادية» بالسمات «الديمقراطية». وهكذا، مزجت الأوليغاركيات الليبرالية، في الفترات التي تلت الاستقلال، التنازع العالي المستوى (ما بين النخب) بالإدراج الجماهيري المنخفض الوتيرة (وقد تختلف الديمقراطية المعاصرة المنخفضة الكثافة عن هذه من حيث الدرجات فقط)، في حين مزج النظام الاستبدادي الشعبوي اللاحق التنازع المنخفض بالإدراج الجماهيري. ولا تُعد هذه الأنظمة
(18) Tilly. (19) Steven Levitsky & Lucian A. Way, «International Linkage and Democratization,» Journal of Democracy , vol. 16, no. 3 (July 2005). (20) Georg Sorenson, Democracy and Democratization (Boulder, CO: Westview Press, 1998).
«الهجينة» مجرد انتقالات مضطربة بين الأنظمة الاستبدادية والأنظمة الديمقراطية، ولكنها صيغ حكم طويلة المدى وقابلة للحياة. وعلاوة على ذلك، لا تقل مستويات تدعيم الدولة أهميةً عن نوع النظام، وكما ذكر هنتنغتون في مقولته الشهيرة: «لا يتعلق الفرق الأهم بين الدول بشكل حكمها، ولكن بدرجة حكمها». وعلى هذا النحو، يُفضي بنا علم الاجتماع التاريخي إلى تقييم نتيجة الثورات بحسب تأثيرها في تكوين الدولة (أو تشويهها) ونوع النظام.
ثانيًا: تطبيق علم الاجتماع التاريخي لتفسير الاختلافات في مسارات ما بعد الثورات
1. الاختلافات في المسارات
في الإمكان تحديد ثلاث نتائج متباينة للثورات؛ هي: دولة فاشلة، ونظام هجين، وانتقال ديمقراطي. حيثما فشلت الدولة، كانت النتيجة فراغًا في السلطة، مع تأليب للبقايا الأكثر قسريةً من مؤسسات الدولة ضدّ المتمردين الإسلاميين في كثير من الأحيان (سورية، وليبيا، واليمن). وتكون هناك نتيجتان محتملتان في حالة عدم انهيار الدولة: إما أن تستمر المؤسسة الحاكمة وتستعيد سلطتها، وإما أن تخضع لقيادة ديمقراطية جديدة. وفي الحالة الأولى، يرجح أن تكون الأنظمة التالية للثورات هجينة؛ إذ تُمزَج عناصر الضم والقسر والتعددية (استبدادية برلمانية تُدرِج عناصر، وتستبعد أخرى في المجتمع، كما حصل في مصر). والحال أن تونس، اقتربت وحدها على نحو ملحوظ من حالة الانتقال الديمقراطي. فكيف يمكننا تفسير هذا الأمر؟
2. تفسير الاختلافات في المسارات
أ. الهيكل الاجتماعي والتعبئة المتغيِّرة
تشكّلت نتائج الثورات من خلال المستويات المختلفة للتعبئة المضادة للنظام، وقد كانت في جزء كبير منها نتيجة متغيريْن؛ هما: عمق المظالم الطبقية/ الانشقاقات، ووجود انشقاقات شاملة عابرة أو غيابها. وعلى الرغم من انتشار الشكاوى المناهضة للنظام، فقد أثّرت الاختلافات في حدّتها في قدرة الحركات على تعبئة السخط. وهكذا، تشكّلت في مصر وتونس تحالفات عابرة للطبقات، وشملت الشباب الثوري، والنقابيّين، والإسلاميّين، وفقراء المدن، ليتغلبوا بالأعداد الهائلة على قوات الأمن الكبيرة جدًّا،
وليتجمّعوا في مركز السلطة، في حين لم يكن هناك أي قوة اجتماعية (حتى مكوِّنات الأحزاب الحاكمة
الكبيرة) مستعدة للدفاع عن شاغل منصب الرئاسة الذي أُجبر على مغادرة السلطة. على النقيض من ذلك، كان في سورية، وليبيا، واليمن، والبحرين ما يكفي من التعبئة لزعزعة الدولة، لكنّ الأنظمة
(21) Samuel P. Huntington, Political Order in Changing Societies (New Haven: Yale University Press, 1968). (22) Charles Tripp, The Power and the People: Paths of Resistance in the Middle East (New York: Cambridge University Press, 2014); Mona Ghobashy, «The Praxis of the Egyptian Revolution,» Middle East Report , vol. 41, no. 258 (Spring 2011), at: https://goo.gl/fGPFgz
امتلكت مكوّنات أساسيةً للدفاع عنها. يُضاف إلى ذلك وجود مجموعات واسعة لم تكن ترغب في
الانضمام إلى المعارضة، وأدى كل هذا إلى عرقلة عملية تكوين التعبئة التي لا تقاوَم اللازمة لجرف الحكام الشاغلين للسلطة. فما الذي يفسّر هذه الاختلافات؟ كانت الانتفاضات العربية نتاجًا لتطوّر الجمهوريات؛ من النموذج الاحتوائي الشعبوي للاستبداد،
أو السلطوية، السابقة، إلى أشكال تلَت الأنظمة الشعبوية الإقصائية، تحت تأثير النيوليبرالية العالمية والتعديلات التي فرضها صندوق النقد الدولي. وبالنظر إلى أن الجمهوريات أسَّست شرعيتها على
القومية وعقد اجتماعي شعبوي، وأنها تخلّت عن ذلك أثناء الانتقال إلى مرحلة ما بعد الشعبوية، فقد نُزعت منها شرعيتها سريعًا. وسبّب التفاوت الطبقي المتزايد، وتصوّر أن الحصول على الفرص
يقتصر على أعوان النظام، مزيجًا قويًّا من المظالم التي انفجرت خلال الثورات. وعلى هذا النحو، ومع
تساوي الأمور الأخرى، كلما كانت مرحلة ما بعد الشعبوية مبكرة، وكلّما بدت أكثر تقدمًا، وكلما كان التفاوت الطبقي أعمق، وتراكُم المظالم أشدّ حدَّة، كان من المرجّح أن تكون التعبئة أكثر انتشارًا. كان التحوّل إلى مرحلة ما بعد الشعبوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر تقدمًا في تونس وفي
مصر التي كانت رائدته في سبعينيات القرن الماضي، بينما كان تأثيره في سورية، وقد أتى بعد ثلاثة عقود، أخفّ حدَّة. وعلى الرغم من ذلك، وعلى سبيل المثال، بدأ رفع الدعم عن السلع الرئيسة في سورية (مثل الديزل الذي يستعمله الفلاحون للري) يؤثّر في الطبقات الدنيا بدءًا من النصف الثاني من
العقد الأول لهذا القرن، بينما تركت تدابير مماثلة في مصر، مثل التراجع عن قانون الإصلاح الزراعي على نحو حرم الفلاحين المستأجرين من ضمان الحيازة أو التملّك، تأثيرات سلبية منذ عقود. وفي تونس، تظهر مستويات التفاوت أعلى مما هي في مصر؛ بسبب الاعتناق السابق للنيوليبرالية. على الرغم من ذلك، لا تتجلى التعقيدات في انقسام الشعوب وفق التفاوتات الطبقية فقط، ولكن أيضًا من خلال الانشقاقات الجماعاتية الهوياتية (الطائفية، والعرقية). وحيث لا تتقاطع الانشقاقات الطبقية مع الانشقاقات الجماعاتية الهوياتية، أو حيث يكون هناك تداخل كبير بينهما، وخصوصًا حين تفصل الهوية المجموعة الحاكمة عن الفئات المجتمعية المحرومة، كما هو الشأن في البحرين، فمن المتوقع أن تكون التعبئة أشدّ حدّة. وحين تتقاطع الانشقاقات الجماعاتية الهوياتية مع الانشقاقات الطبقية؛ كأن تكون، مثلً، فئة عليا عابرة للطوائف تستفيد من مرحلة ما بعد الشعبوية، مع الحفاظ على زبائن
((2(توجد أدلة إحصائية محدودة فيما يخص هذا الموضوع، لأن البيانات المماثلة العابرة للدول قليلة، ولا يمكن الاعتماد عليها. وعلى الرغم من ذلك، تشير البيانات المتاحة إلى أنه في أواخر التسعينيات كان مؤشر جيني Gini لعدم المساواة، أو التفاوت الطبقي، في سورية 33.7 في المئة، و 37.4 في المئة في مصر، و 44.7 في المئة في تونس. وارتفع هذا التفاوت ارتفاعًا حادًّا في
سورية، مع سيطرة السياسات النيوليبرالية، فارتفع مؤشر جيني إلى 37.4 في المئة خلال عام 2004. وقد خُفِّف تأثير هذا الارتفاع
مؤقتًا من خ لاا انخفاض عامّ في الفقر من 33.2 في المئة عام 9961 إلى 30.1 في المئة عام 2004. وكانت المناطق الشمالية
الشرقية الريفية التي تعرضت للجفاف، وبلدات في الجنوب حيث انتقل ضحايا الجفاف، الاستثناء لهذا الانخفاض في نسبة الفقر. ومن المحتمل أن يكون الجفاف الكبير في سورية في أواخر عام 2000، مع اقترانه بسياسات ليبرالية جديدة، قد سرَّعا من التعبئة
المناهضة للنظام. انظر:
Sami Bibi & Mustapha K. Nabli, «Equity and Inequality in the Arab Region,» ERF Policy Resesrch Report , Economic Research Forum, no. 33 (February 2010).
لها في الطبقات الدنيا، كما هو الشأن في لبنان، فستكون التعبئة ضد النظام محدودة، أو منقسمة إلى مجموعات بعضها مع النظام وبعضها ضده. سورية حالة وسطى؛ فقد اصطفت مجموعة كبيرة من الطبقة السنِّية المدنية العليا والوسطى، خصوصًا المستفيدين من مرحلة ما بعد الشعبوية، مع النظام الذي تسيطر عليه أقلية، أو، على الأقل، لم تنضم إلى المعارضة، في حين عزز تحالف كبير مناهض للنظام يضم ناشطين من الطبقة الوسطى وفقراء الريف الذين كانوا ضحايا مرحلة ما بعد الشعبوية، التصوّرَ بأن التفاوت هو نتيجة المحسوبية الطائفية؛ وكانت النتيجة تعبئة أعداد كبيرة لزعزعة النظام،
لا لإسقاطه، فأدى ذلك إلى طريق مسدودة. وباختصار، فإن مدى التعبئة المناهضة للنظام هو متغير أساسي في تحديد مغادرة الرؤساء الشاغلين للمنصب وبدْء عملية الانتقال الديمقراطي، أو تحديد إن
كان البلد قد وُضِعَ على منحدر زلق بسبب فشل الدولة.
ب. الاختلافات في مرونة النظام وقوة الدولة
يُعد الوجه الآخر للعملة بشأن عمق التعبئة، أي قدرة النظام على المقاومة، أمرًا مهمًّا لفهم الاختلاف
الكبير في النتائج؛ فكل معاناة النظام من الثورات، يلتقطها جيدًا المفهوم الفيبري الجديد عن الباتريمونيالية (السلطة الأبوية الوراثية) الجديدة، وهي هجين من السلطة الشخصية والبيروقراطية. وعلى الرغم من ذلك، قد يكون هناك اختلاف كبير في التوازن النسبي بين مصدرَي السلطة (الأبوي الوراثي، والقانوني الرشيد). وقد يفيد بعض هذه الاختلافات كثيرًا في شرح ردَات فعل النظام على
الثورات، وعلى تأثيرها في مسارات الدولة. كلما كان للمؤسسات البيروقراطية درجة من الاستقلالية عن الزعيم، ولم تسيطر عليها مجموعة هوياتية معينة، كما هو الشأن في تونس أو مصر، كان في إمكان نخب السلطة التضحية بالزعيم لإنقاذ أنفسهم، من دون تعريض النظام للخطر، وإعادة تكوين سيطرتهم بسرعة، وقد مهدت عملية إبعاد الرؤساء المستبدين لإمكانية الانتقال الديمقراطي. وعلى العكس من ذلك، كلما كانت قوات الأمن، كما هو الشأن في سورية، خاضعة لشبكة من الزبائن والمحاسيب من عشيرة الرئيس، ومسيَّسة عبر عضويتها
في الحزب الحاكم، بقيت النخب متماسكة خلف الرئيس. ولكن في الوقت نفسه، تعني عملية توزيع السلطة بين النخبة الأساسية المتمركزة في مؤسسات بيروقراطية متنافسة (الحزب، والجيش، والقوى الأمنية) أنه لا أحد لديه السلطة لتقرير عملية انتقال سريع، أو التحرّك ضد الرئيس من دون تعريض
النظام كله للخطر. كما إن التوازن بين الأركان البيروقراطية مهم؛ فكلما كان الجيش هو الركن الأساسي للسلطة، كما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كانت الديمقراطية أقلَّ احتمالً من نظام هجين. لذا، كانت تونس استثناءً؛ فقد منعت النقابات العمالية، شريكة حزب الاستقلال الوطني
في تكوين الدولة، أن يكون للجيش هذا الدور المهيمن المعتاد في جمهوريات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
(24) A. Stephan & J. Linz, «Democratization Theory and the ‘Arab Spring’,» Journal of Democracy , vol. 24, no. 2 (2013), pp. 15-30; Joshua Stacher, Adaptable Autocrats: Regime Power in Egypt and Syria (California: Stanford University Press, 2012), pp. 39, 158.
وعلى الأرجح، تعتمد قدرة الأنظمة الأبوية الوراثية الجديدة في الصمود أمام الثورة، على المدى الطويل، على بعض التوازن بين السلطة الشخصية والقدرة البيروقراطية. فبينما تساعد السلطة الشخصية التي يتمتع بها الرئيس على استيعاب الحزبية أو الشيع، وتساعد زبائنيته في أجهزة السلطة على التقليل من الانشقاقات، حين يتعيَّن عليها استخدام القوة ضد المحتجّين، تستلزم قدرة الأنظمة على مقاومة
التمردات الطويلة المدى، وعلى الحفاظ على استقرار الأنظمة التالية للثورات، أن تحظى أجهزة الدولة بالقدرة المؤسساتية؛ مثل اختراق البنية التحتية للمجتمع عبر البيروقراطية. وإذا كانت الممارسات الاستقطابية التقليدية (مثل الزبائبية) مركزية أو أساسية للاستقطاب، وخصوصًا
بين النخب الأساسية والطبقات الغنية، فإنه كلما كان المجتمع معبَّأ اجتماعيًّا، تصبح هناك ضرورة إلى
أن تكون هذه القدرة أكثر تطورًا فيما يخص التنظيم، وخصوصًا التنظيم الحزبي والنقابي، وتصبح هناك حاجة أكبر إلى الموارد الاستقطابية (مثل الريع النفطي)، إذا كانت هناك حاجة إلى استقطاب قوى اجتماعية كافية. وكلما تخطّت التعبئة الاجتماعية القدرة الإدماجية السياسية، أصبحت الأنظمة أضعف أمام التعبئة السياسية الشعبية. وحيثما كان للنظام بعض القدرة على إدماج القوة الاجتماعية المعبَّأة
اجتماعيًّا أو ضمِّها، فسيتم تمييع التعبئة المناهضة للنظام، وتصبح قطاعات الناخبين أكثر استعدادًا
للدفاع عنه. في تونس، لم يحصل إدماج سياسي من جهة حزب حاكم إقصائي، أو ضمٌ لمستويات عالية نسبيًّا من
التعبئة الاجتماعية، وهو ما يساعد على تفسير السقوط السريع للرئيس. وعلى النقيض من ذلك في اليمن، تمّ، بسهولةٍ أكبر، احتواءُ مستوى تعبئةٍ أقلّ نسبيًّا، باستخدام الممارسات الاستقطابية التقليدية،
ومن ثم، لم يتخذ الجزء الأساسي الحاكم قرارًا بنقل السلطة. وتعود قدرة النظام السوري جزئيًّا على
الصمود أمام سنوات من التعبئة المناهضة للنظام، مقارنةً بالسقوط السريع للنظام الليبي، إلى القدرات البيروقراطية الأكثر تطورًا لديه، على خلاف ليبيا. لقد سعى القذافي علنًا لإضعاف الهياكل البيروقراطية (لولا التدخل الغربي لمصلحة المعارضة في ليبيا، لكان الأرجح أن يصمد نظام القذافي فترةً أطول، لكن الحرب بالوكالة التي شنتها دول إقليمية مناهضة للأسد في سورية كان لها تأثير مماثل في تمكين الأطراف المعارضة). ويحدِّد تاريخ بناء الدولة أيضًا إن كان يوجد تأثير للثورة في النظام. فحيثما يحصل صراع على السلطة داخل كيان سياسي كان له تاريخ طويل من ممارسة السلطة في صورة دولة، ويحصل تماهٍ قويٌّ مع الدولة، وبعض الإجماع على المعايير السياسية، وكذلك تقليد طويل من البيروقراطية، فمن غير المحتمل أن يحصل هنا انهيار للدولة. وكلّما كانت الدولة حديثةً، مع حدود مفروضة خارجيًّا، ومحل
تنافس هويات فرعية ما دون الدولة أو ما فوقها، كانت هذه الدولة، إلى حدٍّ بعيد، متماسكةً، من خلال النظام الحاكم وحاشيته الخاصة الضيقة وبفضلهما، وكان من الصعب فصلها عنهما؛ ولذلك تصبح عرضةً للتفتت وانهيار الدولة إلى الحدِّ الذي يضعُف فيه النظام. ويساعد هذا الأمر على التفريق بين المسار الخاص بتونس ومصر، والمسار الخاص بسورية.
وباختصار، يحدِّد التوازن الأبوي الوراثي - البيروقراطي قدرات النظام على المقاومة، ويحدِّد مدى تشكُّل الدولة الموجود مسبقًا هشاشة الدولة أمام عملية إضعاف النظام. وحيثما كانت القدرة البيروقراطية مرتفعة بالنسبة إلى السلطة الأبوية الوراثية، كان الولاء للزعيم أقل، ولكن قدرة النظام على الحفاظ على مؤسسات الدولة الحاكمة تكون مرتفعة (مصر وتونس)، ولا يحصل انهيار للدولة. وإذا كان الجانب الأبوي الوراثي مرتفعًا وكان الجانب البيروقراطي منخفضًا، فإن أجهزة الدولة تبقى على ولائها، لكن الدولة تنهار، كما هو الشأن في ليبيا؛ حيث كانت شبكات الزعيم الزبائنية والمحسوبية، أقوى من مؤسسات الدولة، أو من التماهي مع الدولة. ومن المرجح بقدر أكثر أن يحصل مأزق أو جمود حيثما كان هناك أيضًا توازن بيروقراطي - أبوي وراثي. ففي اليمن، أدّت الانشقاقات في النخبة الحاكمة الأساسية، إضافةً إلى المؤسسات البيروقراطية الضعيفة، إلى التفتت المتزايد في السلطة على أراضي الدولة. وفي سورية، كانت مؤسسات الدولة، على الرغم من سيطرة عصبية المجموعة الحاكمة في النظام، أقوى كثيرًا من أن تُسقطها المعارضة، لكنها كانت ضعيفة جدًّا في إعادة السيطرة على كامل
أراضي الدولة، وهو ما فتح الباب أمام تعبئة مجموعات تواجه مجرد وجود الدولة وحدودها.
3. الفاعلية: السلطة والمقاومة
يؤثر توازن الفاعلية أيضًا (القوى الاجتماعية التي تتنافس لتشكيل النتائج) في مسارات ما بعد الثورات. ما لم يسبق له مثيل في الثورات العربية هو مدى الفاعلية الملموسة التي أحرزتها القوى الاجتماعية، وكسرت بها ممارسات الأنظمة الاحتوائية. لكن قوتها، وانقساماتها، وقدرة النظام على «الرد أو المقاومة»، شكلت مجتمعة مسارات ما بعد الثورات.
أ. الحركات الديمقراطية المناهضة للنظام
كان للشباب العلماني المنتمي إلى الطبقة الوسطى، مع إجادته استعمال الإنترنت، دور أساسي في التغلب على التفتت والانحلال، وفي تمكين التعبئة المناهضة للنظام في الدول العربية التي شهدت الثورات. فكانوا في طليعة الحركات التي أجبرت الحكام المستبدِّين على الرحيل و/ أو كسبوا احتمال تحقيق تغييرات دستورية ديمقراطية. لكن الحركات الشبابية أثبتت أنها غير قادرة على الاستفادة من ضعف الأنظمة القديمة أو سقوطها. فقد تبيَّن من افتقارها للأيديولوجيا الموحدة والتنظيم أنها لم
تستطع تشكيل حكومة مضادة يمكنها الحلول مكان الأنظمة الحاكمة، ولا التعبئة لتمكين الأصوات الانتخابية الجماهيرية. وبما أنّ الشباب كانوا بلا قيادة، وغير متجانسين، ولا تجمعهم إلا الرغبة في سقوط النظام، فقد انقسموا بسرعة إلى فصائل متنازعة. وأضعف عجز الليبراليين العلمانيين في مصر والمغرب عن التنافس مع الإسلاميين في الانتخابات، من التزامهم بالديمقراطية، وهو ما أنعش قدرة «الدولة العميقة» (الجيش أو المَلكية) على استخدامهم ضد الإسلاميين. وبقيت القوى العلمانية
موحّدة بما يكفي لتحقيق توازن واتفاق مع الإسلاميين في تونس فقط. أما في سورية وليبيا، فتبيّن
(25) Vincent Durac, «Social Movements, Protest Movements and Cross-Ideological Coalitions – The Arab Uprisings Re-appraised,» Democratization , vol. 22, no. 2 (2015).
من تفتت الحركات أن الشباب غير قادرين على الوصول إلى انتقال متفق عليه أو ميثاقي مع الحكام. ونتيجة لذلك، تحولوا بسرعة إلى مجموعات مسلحة، أو فسحوا الطريق أمام جهاديين أكثر تشدّدًا. ومن ثمّ، كانوا دافعًا لفشل الدولة، كما قلّلوا كثيرًا من احتمالات النتائج الديمقراطية.
ب. الإسلاميون
فتحت عملية إضعاف الأنظمة الباب للحركات الإسلامية. لكن الإسلاميين كانوا مختلفين فيما بينهم، ولم يكونوا متساوين من حيث القوة أو التمكّن، وكلّفتهم الانشقاقات باكرًا فيما بينهم فرصتهم في
الهيمنة. وتبيَّن في البداية أن «الإسلام الانتخابي» للإخوان المسلمين الذي يميل إلى منطق الدولة،
تعزّز بإزالة الرؤساء المستبدين، ومن خلال الدعم والإلهام من «حزب العدالة والتنمية» في تركيا أيضًا، وهو حزب شكَّل نموذجًا للحكم الإسلامي البراغماتي. ومن ثمّ، حظي الإخوان المسلمون بأفضلية
حاسمة على خصومهم العلمانيين؛ بسبب أتباعهم الناشطين الملتزمين والمنظمين، إضافةً إلى الخبرة الانتخابية، وشبكات الأعمال الخيرية، والمدارس، ومحطات التلفزة، وخدمات الرعاية، والقدرة على الحديث عن المحرومين، والتمويل من دول الخليج العربية، والأفضلية التنافسية في استخدام المساجد والمدارس للتجنيد، إضافةً إلى الضعف الأكبر للمعارضة السياسية العلمانية تحت الحكم الاستبدادي. وبينما ركّز الليبراليون والعلمانيون بعد الثورات على التظاهرات في الشوارع، ركز الإسلاميون على التحضير للانتخابات، وحصلوا في مصر وتونس على الأكثرية في أوّل انتخابات ديمقراطية، لكنّها لم تكن أكثرية كبيرة إلى حد السماح لهم بتهميش المعارضة، والحكم على نحو فعّال. ونشط السلفيون الذين كانوا في صعود قبل الثورات، ودخلوا الساحة السياسية عبر الثورات، وعبر التمويل من المملكة العربية السعودية التي عدّتهم أداةً ضد «الإخوان» وضد الثوار العلمانيين على السواء. وكانت الاختلافات في علاقات الإسلاميين بالأنظمة والقوى السياسية الأخرى ذات أثر حاسم في النتائج. أدى سلوك الإخوان في مصر، حيث تعرضوا للمزايدة والالتفاف عليهم ودفعهم نحو اليمين من طرف السلفيين، إضافة إلى إخلالهم بكثير من الوعود، وخصوصًا الوعد بعدم الذهاب بأجندتهم بعيدًا، إلى إثارة العلمانيين ضدهم. وأدّى ذلك إلى توترات مماثلة، وإن كانت أقل حدةً، في تونس. وبدا أن الحركات الجهادية العابرة للدولة، المستوحاة من القاعدة، قد فقدت صدقيتها؛ بسبب احتمالات تحقيق الديمقراطية عبر الاحتجاج السلمي. لكن الفرص الجديدة الناتجة في الدول الفاشلة من الحروب الأهلية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متزاوجة مع القمع العسكري للإخوان المسلمين في مصر، عكست توازن القوة النسبية ضمن المعسكر الإسلامي. وأوقف هذا التعزيز
(26) Frederic Volpi & Ewan Stein, «Islamism & the state after the Arab Uprisings: Between People Power & State Power,» Democratization , vol. 22, no. 2 (2015). (27) Richard Javad Heyderian, How Capitalism Failed the Arab World: The Economic Roots and Precarious Future of the Middle East Uprisings (London: Zed Books, 2014), pp. 95-110; Marc Lynch, The Arab Uprising: The Unfinished Revolutions of the New Middle East (New York: Public Affairs, 2012), pp. 59-146. (28) Ibid.
للقوى غير الديمقراطية والجهاديين الإرهابيين (سورية/ العراق)، والإقصاء العسكري والسياسي لقطاعات مهمة من المجتمع المدني الإسلامي (مصر)، فضلً عن القدرة المتجددة للأنظمة المنتعشة على تحريض بعض المجموعات الإسلامية والعلمانية المتنافسة على البعض الآخر، التوجهات نحو الديمقراطية. ومن غير المحتمل حصول انتقال ديمقراطي في السلطة من دون إدراج الحركات الإسلامية الراغبة في العمل وفق القوانين الديمقراطية، مثل الإخوان المسلمين، مع دوائرهم الانتخابية الشعبية، وقدرتهم الكبرى من بين القوى الاجتماعية على تحقيق التوازن مع قوة السلطة، والقدرة الفريدة لإضفاء شرعية على رأسمالية السوق.
ج. العمال
يُعد العمال من العناصر الحاسمة (بالتحالف مع الطبقة الوسطى) للائتلاف الديمقراطي المطلوب للدفع نحو الديمقراطية وتعزيزها. وقد لحظ جلبرت أشقر أنهم يشكّلون البديل الحقيقي من اثنين من القوى الأخرى المتنازعة في مرحلة ما بعد الثورات؛ أي المؤسسة العسكرية/ الدولة، والحركات الإسلامية، وكلاهما دعوا إلى أنواع من النيوليبرالية التي قامت الثورات مبدئيًّا بالتعبئة ضدها. وكان
تهميش العمال المنظمين خلال الثورات في سورية، وليبيا، واليمن عاملً في فشل الدولة والفشل الديمقراطي في آن. واضطلع العمال، حيثما كانت حركاتهم كبيرة وأكثر تنظيمًا، نتيجة لعملية التصنيع الكبرى (كما هو الشأن في مصر وتونس) بأدوار أساسية في التعبئة المناهضة للاستبداد. وكانت النقابات العمالية محورية في التعبئة ضد الرئيس في تونس ومصر. وفي مصر، أثبت إضراب النقابات للجيش المصري أن معارضة حسني مبارك كانت أكبر، وأنها كانت أكثر انتشارًا من القدرة على مواجهتها. ومن ثمّ، افترقت الدولتان: بينما ساعدت النقابات في تونس على رعاية تسوية بين العلمانيين والإسلاميين، فإنها انضمت في مصر إلى الجيش ضد الإسلاميين؛ وهكذا حصلت تعددية في الحكم في الحالة الأولى، وعودة إلى الاستبدادية في الحالة الثانية.
د. القوى المؤيدة للنظام
على الرغم من تعرّض الأنظمة للتحدي الشديد من القوى الاجتماعية في سياق الثورات، فإنها صمدت،
وشنت هجومًا مضادًّا في كل الحالات، ما عدا ليبيا (جرى تفكيك النظام فيها)، وتونس (صمد النظام، لكنه تعرّض لقيود العملية الديمقراطية). وعلى الرغم من أن البيروقراطيات ورأسمالية المحاسيب
والأتباع والأحزاب الحاكمة عناصر مهمَّة لمرونة الأنظمة، فإن العامل الحاسم مباشرة بالنسبة إلى النتائج كان الجيش والقوى الأمنية. وتباينت الردود العسكرية تجاه الانتفاضات، اعتمادًا على عوامل عدة؛ من قبيل الاستقلالية المؤسساتية، والقدرات القمعية، ومصالح المؤسسات العسكرية (السياسية
(29) Gilbert Aschar, The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising (London: Saqi Books, 2013), pp. 99-
(30) Jamie Allinson, «Class Forces, Transition and the Arab Uprisings: A Comparison of Tunisia, Egypt and Syria,» Democratization , vol. 22, no. 2. (2015).
والاقتصادية والجماعاتية/ الطائفية والمهنية). وفي البداية، اعتقد كثيرون، مع الرحيل السريع للرؤساء في تونس، ومصر، واليمن، أن التعبئة السياسية قد تخطت القوى القمعية الاحتوائية للأنظمة القديمة. لكن الجيش والقوى الأمنية تمكّنا من إعادة التنظيم لاستعادة التوازن القديم، أو اللاتوازن، بين الدولة والمجتمع. ولحظ جوشوا ستاخر أنه بينما يمكن أن تكون «الدول» أضعفتها الثورات، فإن «الأنظمة»، وخصوصًا قواها القمعية، لم تصمد فحسب، ولكنها وسّعت بشدة من استخدام العنف لإنقاذ الأنساق القديمة. كانت الاختلافات في دور الجيش محوريةً بالنسبة إلى النتائج. في مصر، قام الجيش الذي احتفظ بالاستقلالية المؤسساتية عن القيادة السياسية العليا، ودخل كذلك في تضارب للمصالح مع العائلات الرئاسية، وكانت له حصة في الحفاظ على مؤسسات الدولة الحاكمة، شملت سيطرة كبيرة على قطاعات اقتصادية مهمة، بالتضحية بالرئيس للحفاظ على نفسه، وعلى المؤسسات، وعلى وحدة أراضي الدولة. ولم يكن مستعدًّا، بسبب اعتماده على الدعم الغربي، للمخاطرة بالتمويل الذي يتلقاه والتورط في القمع الشامل لمصلحة الرئيس. وحينما غادر مبارك، حاول جيش مصر الكبير المسيَّس
أن يسيطر على العملية الانتقالية، ويوجهها بطريقة تحفظ له مصالحه. وحينما واجه مقاومة، لم يتردد في قمع المحتجّين حين استهدفوا مصالحه، وأظهر في هجومه على الإخوان المسلمين، بعد انقلاب السيسي، أنه جيش ممأسس، وتموّله الولايات المتحدة، ولم يكن أقلَّ استعدادًا من الزعماء الأبويّين الوراثيين لاستخدام العنف العام والشامل للدفاع عن مصالحه الحيوية. وعلاوة على ذلك، امتلك هذا الجيش القدرة القمعية على استعادة السيطرة على المجتمع المصري والأرض (وإن كانت هناك معارضة لهذه السيطرة في سيناء). وكان هذا الأمر محوريًّا في استعادة الكثير من النظام القديم في شكل نظام هجين. على النقيض من ذلك، كانت القدرات القمعية المحدودة في تونس، وعدم تسييس الجيش من العوامل الحاسمة في السماح بالانتقال الديمقراطي. أما في سورية، فقد قلّل الاختراق الطائفي والتسييس البعثي من استقلالية الجيش، وهو ما أبقى الجزء الأكبر منه على ولائه للنظام. وقلّلت الاختلافات الهوياتية بين الجيش والمحتجّين من فرص الانشقاقات في القوى الأمنية، حين تلقّت هذه القوى أوامر بإطلاق النار على المدنيين. ومن ثمّ، قلّلت من فرص حدوث مرحلة انتقالية متفق عليها. واحتفظ الجيش السوري بما يكفي من التماسك المؤسساتي لحماية النظام من الانهيار، لكن الانشقاقات الفردية المتزايدة والمتسارعة على أساس الهوية كوّنت كتلة مهمة لتأسيس «جيش حر» منافس، فأدى هذا إلى حرب أهلية مسلّحة، وإلى مأزق.
(31) F. Gregory Gause III, «Why Middle East Studies Missed the Arab Spring: The Myth of Authoritarian Stability,» Foreign Affairs , vol. 90, no. 4 (July-August 2011). (32) Stacher. (33) Eva Bellin, «Authoritarianism in the Middle East: Lessons from the Arab Spring,» Comparative Politics , vol. 44, no. 2 (January 2012), pp. 127-149.
تميّز الجيشان في ليبيا واليمن بطابع مؤسساتي أقل، وكانا أكثر تمزّقًا مجتمعيًّا، وهو ما جعلهما أكثر
عرضة لانشقاقات سريعة ومهمّة، نسبيًّا، على طول خطوط قبَلية وعائلية. وظهر المأزق حيثما حصل
انشقاق مع بقاء جزء على ولائه للنظام وجزء آخر معارض (حالة اليمن). أما حيث تفكَّك الجيش، كما هو الشأن في ليبيا، نتيجة لإضعاف القذافي له من الجانب المؤسَّسي، علاوة على الغارات الجوية الغربية، فقد كانت النتيجة هي انهيار الدولة.
ه. توازن القوى الاجتماعية
بوجه عام، يمكن افتراض أن توازن الفاعلية بين هؤلاء الفاعلين الأربعة سيؤثر في مسارات ما بعد الثورات بطرائق معينة. كلما كانت الحركات الاجتماعية المؤيدة للديمقراطية هي والعمال المنظمون أقوياء، والجيش ضعيفًا أو غير مسيَّس، والإسلاميون معتدلين، كانت فرص التعددية في الحكم أفضل
(تونس). وكلما كان الجيش قويًّا ومسيَّسًا، مع انقسام وتباعد بين الإسلاميين والحركات الديمقراطية،
والنقابات العمالية، كان في إمكان المؤسسات الحاكمة مزج القمع بسياسة «فرِّق تسُد» لإعادة
الحكم الاستبدادي (مصر). وكلما كان الجيش قويًّا، وكان الإسلاميون راديكاليين، وكانت الحركات الديمقراطية والنقابات العمالية ضعيفة (سورية)، كانت النتيجة هي الدولة الفاشلة أو المنهارة، والحرب الأهلية.
ثالثًا: سياق الفاعلية
إذا كان في إمكان الفاعلية أن تشكِّل المسارات السياسية بعد الثورات في المدى المباشر وحتى المتوسّط، فإن الظروف البنيوية قد تساعد على تحديد أي فاعل هو الذي سينجح من بين هؤلاء الفاعلين.
1. البنية مقابل الفاعلية: الاقتصاد السياسي
يُعد الاقتصاد السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غير ملائم للديمقراطية. فمن ناحية
أولى، تُنتِج الدول الريعية برجوازية تعتمد على الدولة ومواطنين من الزبائن المحاسيب (جنبًا إلى جنب
مع العمالة الوافدة الجاهزة للطرد في كثير من الحالات). والواقع أن الدول ذات الريع الوفير، خصوصًا
أنظمة الخليج المَلِكية، أثبتت أنها الأكثر مقاومة للثورات. ومن ناحية أخرى، يُعد ظهور التحالفات الرأسمالية بين الدولة والذين يمارسون المحسوبية فيها، في جمهوريات ما بعد الشعبوية، لاستبعاد العمال، بالتوازي مع الاعتماد المتزايد على رأسمال المال العالمي، أمرًا لا يتلاءم مع الديمقراطية.
فكأن النيوليبرالية تدق إسفينًا بين البرجوازية والعمال. ومن ثم فهي تعرقل أي «تحالف ديمقراطي» بين من هم أصحاب المصلحة في موازنة قوة الدولة العميقة، واستخراج التحول الديمقراطي من براثنها. حينما كانت الثورات متجذرة في الاعتراض على تحولات ما بعد الشعبوية في الجمهوريات الاستبدادية إلى رأسمالية المحاسيب النيوليبرالية، لحظ أشقر أنها بقيت سياسية بحتة، مع محاولات
قليلة لمهاجمة الظلم أو الاختلال الاقتصادي. وبدلً من ذلك، أثرت الثورات تأثيرًا سلبيًّا في النمو
الاقتصادي، ومن ثم احتمالات معالجة البطالة، عبر ردع المستثمرين، وخصوصًا في القطاع الصناعي. وعلاوة على ذلك، لا تستطيع الثورات في الجمهوريات تناول السبب العميق لضعف الاستثمار، وهو التصدير الاستثنائي لرأس المال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الغرب من قِبل العائلات الحاكمة في الدول الغنية بالنفط على حساب الاستثمار في المنطقة. وبموازاة ذلك، قيّد
الاعتماد المستمر على النظام المالي الدولي المتمركز غربيًّا مصر وتونس، وهما الدولتان اللتان تتميّزان
بأفضل فرص الديمقراطية، بممارسات النيوليبرالية التي أخرجت المسائل الكبيرة في السياسة (توزيع الثروة) من الأجندات السياسية المحلّية. وإضافةً إلى ذلك، يستلزم توازن القوى الطبقية (بين رأس المال والعمالة)، وهو توازن ضروري لإعطاء الحكم التعددي محتوى، تمتع نقابات العمال والفلاحين المستقلة بالحرية لتناضل من أجل حقوق مكوناتها. وعلى الرغم من ذلك، تبقى إستراتيجيات التصدير الصناعي والزراعي التي تستلزم خفض تكاليف الأيدى العاملة، غير متوافقة مع هذا الأمر. وبدلً من ذلك، تستلزم عملية فرض النيوليبرالية ضد إرادة ضحاياها (وأبطالهم اليساريون أو الإسلاميون) جرعة من القوة الاستبدادية والتسريح الجماعي. ومع غياب البدائل الاجتماعية والاقتصادية عن الأجندة السياسية، تحوَّل التنافس السياسي في دول ما
بعد الثورات إلى حروب ثقافية على مسائل الهوية في إطار شروط مزعزِعة للاستقرار حصيلتها صفر (الإسلامي ضد العلماني، والسُّني ضد الشيعي). ومن المحتمل في هذه الأوضاع، أن تمتزج التعددية
السياسية، حيث تصمد، مع السلطة الاستبدادية لإدارة النزاعات على الهوية، ورفض مطالب العدالة الاجتماعية التي لا يمكن استيعابها ضمن نظام اقتصادي عالمي نيوليبرالي. وجاءت «الديمقراطية منخفضة الكثافة» نتيجة أقلَّ سوءًا، في ظل النيوليبرالية؛ إذ تعمل الانتخابات فيها عمل آلية ممأسسة
لتداول النخب، ربما تقيد الدولة، لكنها تمكّن الجماهير على نحو هامشي فقط؛ وقد يفضي هذا الأمر إلى خيبة أمل الجماهير، وإلى دعم بدائل مثل السلفية، أو حتى استعادة عناصر من الأنظمة القديمة. والواقع أن خيبة الأمل بالديمقراطية التي تم إطلاقها في تونس، حيث كانت عملية التحول الديمقراطي هي الأشدّ تقدمًا بين هذه الدول، أدت إلى تحويل النزاع السياسي إلى حروب ثقافية،
وأدَّت الانتخابات في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 إلى استعادة معيَّنة للنخب القديمة.
2. المتغير الدولي
جاء التدخل التنافسي بمنزلة التأثير الأهم للمتغيّر الدولي في مسارات النظام في دول الثورات العربية،
وقد استخدمت فيه القوى المتصارعة المالَ، والدعاية، والأسلحة؛ لتغيير توازن القوى الداخلي لمصلحة القوى الصديقة. أمّا على المستوى الإقليمي، فقد دعمت إيران، والمملكة العربية السعودية،
وقطر، وتركيا، الجهات المتحاربة ونماذج حكم بديلة. كما إن الدول السُّنية في مجلس التعاون لدول
(34) Robinson. (35) Francesco Cavatorta, «The Convergence of Governance: Upgrading Authoritarianism in the Arab World and Downgrading Democracy Elsewhere?» Middle East Critique , vol. 19, no. 3 (2010), pp. 217–232.
الخليج العربية، وتركيا، المنقسمة فيما بينها بسبب دعمها أنواعًا متصارعة من الإسلاميين، نشرت هي وإيران الاستقطاب الطائفي بعضها ضدّ بعض. وعلاوةً على ذلك، استخدم الطرفان التحويلات من الريوع المالية لدعم القوى المناهضة للديمقراطية (الممالك غير النفطية مثل الأردن والمغرب، والنظام العسكري في مصر، ونظام الأسد، والسلفيين). لكن مع عجز الطرفين عن تحقيق التفوّق، كانت النتيجة
زعزعة استقرار الدول، وتفتيت الجماهير بين العلمانيين، ومجموعات من الإسلاميين المتصارعين. وجرت عرقلة التحول الديمقراطي، وكان من المرجح أن تُدمِج الأنظمة التي أعيد تكوينها من مثل هذه الصراعات بعضَ الجماعات الهوياتية أو تضمها، لاستبعاد أخرى. وتعني قاعدة التفتيت الناشئة أن فرصة «هيمنة» الديمقراطية في المنطقة هي فرصة قليلة. ومن الممكن الافتراض عندئذ أنه كلّما كثر التدخل التنافسي في البلد، أصبح الانتقال الديمقراطي أقلَّ احتمالً. وهكذا، ففي حين تمكنت تونس من تجنب هذا النوع من التدخلات، عانت سورية وليبيا أشكاله الأشدّ تطرفًا، وجاءت النتائج متناقضة: التحوّل الديمقراطي، وفشل الدولة؛ وسهَّلت مصر (وهي حالة وسطية من التدخل التنافسي
السعودي/ الإماراتي - القطري) ظهور دولة هجينة.
رابعًا: النتائج المتباينة: استمرار التهجين بعد الثورات
أطلقت الثورات العربية عملية إعادة تعبئة الجماهير. وبدلً من أن يقود هذا الأمر إلى التحوّل الديمقراطي،
احتاجت هذه النتيجة إلى مجموعة ملحّة من الشروط، حظيت تونس فقط ببعضها. وحيثما كانت شروط
الانتقال الديمقراطي غائبة، كانت النتيجة تكثيفًا للصراع على السلطة؛ استخدمت فيه النخب المتصارعة والقوى المناهضة للنخب الجماهيرَ المعبَّأ بعضها ضد بعض، وجرى انتهاك قواعد النزاع السياسي
نفسها. ومن ثم، «تفوق العنف المسلح». لكن النتائج كانت مختلفة فيما بينها إلى حد بعيد.
1. سورية: الانتقال الفاشل والدولة الفاشلة
لم تكن أوضاع الانتقال الديمقراطي مواتية في سورية. فقد أضعف التفتّت الهوياتي وغياب التوازن الطبقي المجتمع، بينما أعطت تركيبة قوية من السلطة الأبوية الوراثية والمؤسسات البيروقراطية النظام مرونة استثنائية. ونظرًا إلى التقاطع بين التفاوت الطبقي بسبب النزاعات الحضرية - الريفية
والطائفية، والهيكل الضيّق للفرص (مجتمع مدني ضعيف)، واستعداد الجيش الموالي لاستخدام
العنف ضد المحتجين، لم تكن التعبئة كافية لإطاحة النظام، لكنها كانت كافية لحرمانه من السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد. وهُمّش المعتدلون على الجهتين بسبب استعمال النظام للعنف،
والمطالب المتطرفة للمعارضة، والانشقاقات الهوياتية بين قوى أمن النظام والمعارضة. وكانت الانشقاقات من الجيش كافية، مع التدخلات الخارجية على أعلى المستويات، لعسكرة النزاع، فأدى ذلك إلى حرب أهلية طويلة ودولة فاشلة. وحوَل هذا الواقع البلد، بعيدًا عن الديمقراطية،
إلى مسارات أخرى. وعُزّزت القوى المناهضة للديمقراطية (الجيش والجهاديون)، في حين هُمشت القوى الديمقراطية (المحتجون الشباب، والنقابات العمالية). وشحذت الثورات إلى حد بعيد الانشقاقات الهوياتية على خطوط طائفية، وعلمانية - إسلامية على السواء، وسبّب انهيار النظام
«معضلة أمنيّة»؛ فقد رأت مجموعات من هويات معيّنة الآخرَ عدوًّا، وتمّت تغذية اقتصاد حرب من
خلال ممولين منافسين عابرين للدول. وقامت المعركة بين بقايا النظام الأبوي الوراثي والمتمردين المتمتعين بكاريزما جاذبة، عبر «حروب جديدة»، لم تستثنِ المدنيين، وأدت إلى محاولات متنافسة لإعادة تكوين الدولة، مع ضمٍّ أو استبعادٍ
لعناصر جماهيرية على قاعدة هوياتية. ولم يكن ممكنًا تصوّر تحالف ديمقراطي عابر للطبقات، لأن
تدمير البنية التحتية للاقتصاد السياسي أضعف علاقات الإنتاج الرأسمالية، وخلْقَ اقتصاد حرب طفيلي أعطى أمراء الحرب المتقاتلين مصلحة في استمرار النزاع. وقد وضع هذا الأمر سورية في أزمة تزداد عمقًا في المستقبل القريب على الأقل.
2. مصر: القيام بعكس العملية الديمقراطية
ساعد وجود تحالف عابر للطبقات معادٍ للنظام، ووجود هيكل فرص مناسب - تجسّد من خلال
تمتع المجتمع المدني بخبرة كبيرة وانتشار الإنترنت – على قيام حركة جماهيرية التحاقية واسعة bandwagoning (حيث يلتحق المواطن بالحركة الناجحة مثل الالتحاق بالقطيع) ضد الحاكم. وسهّلت استقلالية الجيش الذي أعطى الأفضلية لمصالحه عمليةَ قيام تحالف بين قوى عدة، من داخل النظام وخارجه، لهندسة عملية إطاحة الرئيس. وعلى الرغم من عملية الانتقال السلمية من حكم مبارك، نسبيًّا، فإن النزاعات التي تلت الثورة بين الثوار العلمانيين، والجيش، والإسلاميين، لم
تتقيّد باتفاق على قواعد اللعبة. وسمح غياب حركة مناصرة للديمقراطية منظّمة وقوية ونقابات عمالية
مستقلة، مقارنةً بالحجم الكبير للجيش المسيَّس، والانقسام بين العلمانيين والإسلاميين، ب «استعادة»
كبيرة للنظام القديم. وجاء «رجل على صهوة جواد»، واعدًا بإعادة الأمن والاستقرار. واعتمدت عملية تطوير الاستبداد في فترة ما بعد الثورة على أشكال مطوَّرة من ممارسة «فرِّق تسُد» على غرار محاولة
الجيش ضمَّ الإخوان المسلمين من أجل إضعاف التعبئة في احتجاجات الشارع، وتبعت ذلك عملية
ضمٍّ لحركة «تمرُّد» من أجل إطاحة الرئيس الإخواني محمد مرسي. لا يمكن قيام أي ديمقراطية تستثني
أهم القوى الاجتماعية والسياسية في مصر. وحده نظام هجين يعطي سلطات إضافية غير دستورية للقوى الأمنية، يمكنه التعامل مع تمدُّد العنف الناتج من مقاومة الإسلاميين. عكس هذا الوضع غياب التوازن في علاقات القوى القادر على مراقبة دولة تعتمد على الاقتصاد الريعي ومحاسبتها. وبطبيعة الحال، أدّت المملكة العربية السعودية دورًا حاسمًا في تشجيع الثورة
المضادة ودعمها، عبر تمويل نظام السيسي، وتشجيع عملائها السلفيين على الانشقاق عن الإخوان المسلمين ودعم الجيش. وظهر تعصُّب شعبوي - كاره للآخر المعارض، أشدّ قمعًا من حكم مبارك، مع
استبداد انتخابي تمثل في انتخابات إقصائية ومزوَّرة النتائج. ومزجت النخب عناصر من الأدوات التي
كانت تستخدمها قبل الثورات، مثل الخطاب الشعبوي، و«فرِّق تسُد»، وشيطنة المعارضات، والاستبداد
الانتخابي، وهو ما أنتج أنظمة هجينة تضم بعض المجموعات لكي تستبعد أخرى.
(36) Adham Saouli, «Back to the Future: The Arab Uprisings and State (Re) Formation in the Arab World,» Democratization , vol. 22, no. 2 (2015).
3. تونس: تعزيز عملية الانتقال
كما هي الحال في مصر، سهّلت التظلمات العابرة للطبقات، مع وجود هيكل فرصة ملائم (خبرة المجتمع المدني)، قيامَ تعبئة جماهيرية التحاقية واسعة، أدّت إلى قيام تحالف ديمقراطي بين قوى في النظام وخارجه، مع رفض المؤسسة العسكرية المستقلة حماية الرئيس. وعزّز التجانس الشعبي النسبي في تونس، والتاريخ الطويل لقيام الدولة، المجتمع السياسي الضروري لتدعيم أسس التخاصم أو التنازع في مسائل أخرى. وخلافًا لما حصل في مصر، لم ترتد العملية الانتقالية. أما الذي صنع الفارق الكبير مع مصر، فهو الطبقة الوسطى الأكبر في تونس، والجيش الصغير غير المسيَّس، والحركة الإسلامية
الأكثر اعتدالً على مر تاريخها، وهو ما سهّل عَقْد تسوية مع العلمانيين. وكان الإسلاميون الديمقراطيون المعتدلون (حزب النهضة) أقوى بكثير من السلفيين، وخلافًا لما حصل في مصر، فقد دخلوا في تحالف مع العلمانيين بدلً من السلفيين. ومع ذلك، أدّى الخلاف بين العلمانيين والسلفيين، قبل مرور فترة طويلة، إلى إغراق البلاد في أزمة، مشابهة لما كان يحصل بالتوازي في مصر (عام 2013). وعلى الرغم من ذلك، وعلى النقيض من مصر، لم يأت «رجل على صهوة جواد» من جيش تونس الصغير وغير الطامح سياسيًّا، على نحو تستطيع فيه القوى السياسية المتنازعة دعوته ل «إنقاذ» البلد من الآخر. لذا،
كان عليهم تسوية خلافاتهم السياسية من خلال الحوار. وكان المجلس التأسيسي أكثر اشتمالً من نظيره في مصر، وتمكّن من الوصول إلى تسوية سياسية وسطية. وأدى التوازن في الفاعلية إلى إعطاء ميزة جيدة للقوى الديمقراطية. وتعود جذور الدور المحدود للجيش في الحياة العامة، والدور الاستثنائي للحركة النقابية في رعاية الوفاق، إلى حقيقة أن حركة الاستقلال قد جمعت بين حزب سياسي قوي (الحزب الدستوري)، وحركة نقابية قوية بالقدر ذاته، مانعة دور الطليعة الوطنية الذي ادعاه الجيش في أماكن أخرى، ومنها مصر. ونتيجة لذلك، شهدت تونس أشمل حركة تحول ديمقراطي. وهكذا، اختلفت النتائج المباشرة لما بعد الثورات اختلافًا بينًا، تماشيًا مع اختلاف مجموعات من
العوامل (انظر الجدول.)1 فإذا كانت التعبئة الجماهيرية الالتحاقية ضد النظام، واستقلالية المؤسسة العسكرية قد اجتمعتا في حالتي مصر وتونس لإنتاج عملية إطاحة الرئيس، مع بقاء النظام، وذلك بسبب تاريخ سابق لوجود هوية متمركزة حول الدولة؛ وأطلقت عملية انتقال سلمي نسبيًّا من الحكم
الاستبدادي، فإن ضعف التعبئة وتشتتها في سورية، بسبب الانشقاقات المتقاطعة وسيطرة الرئيس على الجيش، قد حالا دون هذا الانتقال السلمي (ضمن هوية ضعيفة نسبيًّا للدولة، فتحت التعبئةُ الباب أمام
الحرب الأهلية). وقاد الاختلاف في الاقتصاد السياسي والسياقات الثقافية السياسية إلى المزيد من التباعد بين الحالات. وأبقت الثقافات المتجانسة في مصر وتونس الدولة متماسكةً، مقارنةً بفشل الدولة الناتج من التفتت الثقافي في سورية. وعلى الرغم من ذلك، سمح السياق الثقافي القائم على الحلول الوسط بقدر أكبر في تونس بالوصول إلى اتفاق على قواعد اللعبة، بينما أدى التنازع على القواعد إلى انقسام في مصر. وعلى الرغم من اقتراب تونس من التوازن الطبقي، بسبب القوة النسبية للقطاع الصناعي والحركة العمالية المنظمة، فقد أضعف الريع الخارجي أو منْعه في حالة مصر، واقتصاد الحرب الريعي في
اتجاه هذا الانتقال، ومنع التدخُّل التنافسي الكثيف في سورية أي حلٍّ للحرب الأهلية.
المتغيرات
سورية
| المتغيرات | سورية | مصر | تونس |
|---|---|---|---|
| ا التعبئة الجماهيرية | |||
| االانشقاقات | تعبئة أضعفتها الانشقاقات المتقاطعة | تعبئة شعبية عارمة جامعة بسبب الائتلافات العابرة للطبقات | تعبئة شعبية عارمة جامعة بسبب الائتلافات العابرة للطبقات |
| قدرة النظام | |||
| (ااحتوائي وقسري) | توازن أبوي وراثي –اا بيروقراطي | أبوية وراثية مقيدة باايروقراطيًا | أبوية وراثية مقيدة بايروقراطيًا |
| دااور الجيش | استقلالية منخفضة -ا ولاء للزعيم | ااستقلالية مرتفعة | استقلالية مرتفعة |
| التغلغل البيروقراطي الإقليمي | متوسط | مرتفع | مرتفع |
| تاريخ الدولة والهوية ا الجماعاتية مشتركة | منخفض | مرتفع | مرتفع |
| الاقتصاد السياسي | |||
| االتوازن الطبقي | غياب التوازن الطبقي | غياب التوازن الطبقي | بعض التوازن الطبقي |
| الاقتصاد | اقتصاد حرب | اقتصاد ريعي | اقتصاد إنتاجي |
| التدخل الخارجي التنافسي | مرتفع | متوسط | منخفض |
| الفاعلية | |||
| القوى المسيطرة واإعلاقاتها | الجيش ضد الراديكاليين الإسلاميين | الجيش ضد الإسلاميين ااإلمعتدلين | الإسلاميون المعتدلون + النقابيون + المجتمع المدني |
| النتيجة | دولة فاشلة | نظام هجين | تعددية في الحكم |
المصدر: من إعداد الباحث.
حالة سورية، هذا التوازن. وفي تونس، سهّل توازن الفاعلية (مزيج من الجيش الضعيف، والإسلاميين المعتدلين، والنقابات العمالية القوية) الانتقال أو التحوُّل الديمقراطي. وردّت سيطرة الجيش المسيَّس
القوي في مصر على الساحة السياسية عملية الانتقال إلى الوراء. في حين أدى مزيج الجيش القوي والإسلاميين الراديكاليين في سورية إلى نزاع مسلَّح، وإلى تقسيم أراضي الدولة. وأخيرًا، كان التدخُّل
الخارجي في تونس محدودًا جدًّا لتعطيل الديمقراطية، وسهَّل التدخل المتوسط في مصر عملية عكس
جدول (1): المتغيرات المتعددة التي شكَّلت معًا المسارات المتباينة لما بعد الثورات مصر
تونس
خاتمة: بماذا يسمح لنا علم الاجتماع التاريخي أن نرى؟
بما أن علم الاجتماع التاريخي يأخذ الخصوصية المعقّدة للتاريخ بجدية، فهو أقدر من المقاربات المفرطة في كونيتها والأحادية البعد، ومن المقاربات الغائية، مثل نظرية التحول الديمقراطي، على فهم الاختلاف في مسارات الدولة. وعندما لم تتحقق توقعات نظرية التحول الديمقراطي حول إنتاج الثورات العربية لهذا التحوُّل، لم يبقَ لهذه النظرية إلا القليل لتقدمه في فهم السياسة القائمة لفترة ما بعد
الثورات. وعلى النقيض من التوقعات المبسَّطة لبراديغم الاحتجاج غير العنفي، الذي يتصوَّر انتقالً
اضطراريًّا سهلً من خلال حركات احتجاجية شعبية، يُولي علم الاجتماع التاريخي أهمية لفاعلية نخب النظام وحركات المعارضة، ويرى أن توازن الفاعلية هو المشكِّل للمسارات. ويساعدنا الاعتراف بتبعية المسار، والبناء على التعريف الفيبري للمصادر المختلفة للسلطة (الكاريزما، والأبوية الوراثية)، وعلى تقنيات علم الاجتماع السياسي بشأن نخب السلطة، على فهم نتائج أخرى كثيرة وممكنة مختلفة عن الانتقال الديمقراطي، وخصوصًا الأنظمة الهجينة. ويساعدنا علم الاجتماع التاريخي على فهم الكيفية التي بها يؤثر السياق - الاقتصاد السياسي، وصراعات القوى الدولية في النتائج، ويؤكد مدى تعقيد متطلبات الانتقال الديمقراطي وصعوبته.
المراجع
Allinson , Jamie. « Class Forces , Transition and the Arab Uprisings: A Comparison of Tunisia, Egypt and Syria.» Democratization. vol. 22. no. 2 (2015). Aschar, Gilbert. The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising. London: Saqi Books, 2013. Bellin, Eva. «Authoritarianism in the Middle East: Lessons from the Arab Spring.» Comparative Politics. vol. 44. no. 2 (January 2012). Bibi, Sami & Mustapha K. Nabli. «Equity and Inequality in the Arab Region.» ERF Policy Resesrch Report. Economic Research Forum. no. 33 (February 2010). Brownlee, Jason, Tarek Masoud & Andrew Reynolds. «Why the Modest Harvest?» Journal of Democracy. vol. 24. no. 4 (October 2013). Cavatorta, Francesco. «The Convergence of Governance: Upgrading Authoritarianism in the Arab World and Downgrading Democracy Elsewhere?» Middle East Critique. vol. 19. no. 3 (2010). Durac, Vincent. «Social Movements, Protest Movements and Cross-Ideological Coalitions–the Arab Uprisings Re-appraised.» Democratization. vol. 22. no. 2 (2015). Gause III, F. Gregory. «Why Middle East Studies Missed the Arab Spring: The Myth of Authoritarian Stability.» Foreign Affairs. vol. 90. no. 4 (July-August 2011).
Ghobashy, Mona. «The Praxis of the Egyptian Revolution.» Middle East Report. vol. 41. no. 258 (Spring 2011), at: https://goo.gl/fGPFgz Heyderian, Richard Javad. How Capitalism Failed the Arab World: The Economic Roots and Precarious Future of the Middle East Uprisings. London: Zed Books, 2014. Hinnebusch, Raymond. «Authoritarian Persistence, Democratization Theory and the Middle East: An Overview and Critique.» Democratization. vol. 13. no. 3 (2006). ________. «Historical Sociology and the Arab Uprising.» Mediterranean Politics. vol. 19. no. 1 (2014). Huntington, Samuel P. Political Order in Changing Societies. New Haven: Yale University Press, 1968. Jones, Seth G. «The Rise of Afghanistan’s Insurgency: State Failure and Jihad.» International Security. vol. 32. no. 4 (Spring 2008). Levitsky, Steven & Lucian A. Way. «International Linkage and Democratization.» Journal of Democracy. vol. 16. no. 3 (July 2005). Lynch, Marc. The Arab Uprising: The Unfinished Revolutions of the New Middle East. New York: Public Affairs, 2012. Michels, Robert. Political Parties: A Study of the Oligarchical Tendencies of Modern Democracy. New York: Free Press, 1966. Moore, Barrington. The Social Origins of Dictatorship and Democracy. Boston: Beacon Press, 1966. Mosca, Gaetano. The Ruling Class. New York: McGraw-Hill, 1939. Pace, Michelle & Francesco Cavatorta. «The Arab Uprisings in Theoretical Perspective.» Mediterranean Politics. vol. 17. no. 2 (2012). Reinoud, Leenders. «Social Movement Theory and the Onset of the Popular Uprising in Syria.» Arab Studies Quarterly. vol. 35. no. 3 (2013). Robinson, William I. Promoting Polyarchy: Globalization , US Intervention and Hegemony. New York: Cambridge University Press, 1996. Rueschemeyer, Dietrich, Evelyne Huber Stephens & John D. Stephens. Capitalist Development and Democracy. Cambridge: Polity Press, 1992. Saouli, Adham. «Back to the Future: The Arab Uprisings and State (Re) Formation in the Arab World.» Democratization. vol. 22. no. 2 (2015).
Sorenson, Georg. Democracy and Democratization. Boulder, CO: Westview Press,
Stacher , Joshua. Adaptable Autocrats: Regime Power in Egypt and Syria. California: Stanford University Press, 2012. Stephan A. & J. Linz. «Democratization Theory and the ‘Arab Spring’.» Journal of Democracy. vol. 24. no. 2 (2013). Stephan, Maria J. & Erica Chenoweth. «Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict.» International Security. vol. 33. no. 1 (Summer 2008). Sutton, Phillip W. & Stephen Vertigans. «Islamic 'New Social Movements'? Radical Islam, Al-Qa’ida and Social Movement Theory.» Mobilizations. vol. 11. no. 1 (2006). Tilly, Charles. Coercion , Capital and European States , AD 990–1990. Cambridge: Basil Blackwell, 1990. Tripp, Charles. The Power and the People: Paths of Resistance in the Middle East. New York: Cambridge University Press, 2014. Volpi, Frederic & Ewan Stein. «Islamism & the Atate after the Arab Uprisings: Between People Power & State Power.» Democratization. vol. 22. no. 2 (2015).