Return to Article Details The Idea of Poverty and the Reality of Being Poor

فكرة الفقر وواقع الفقراء

The Idea of Poverty and the Reality of Being Poor

منوبي غبّاش | Manoubi Ghabbach *

الملخّص

قطعت المقاربات الحديثة مع كل تصور معياري لظاهرة الفقر، وراهنت على فهمها وتفسيرها من خلال مناهج موضوعية، ليس من أجل معرفة الظاهرة وفهمها فحسب، بل من أجل تقديم الحلول الملائمة لها، باعتبارها مشكلة متعددة الأبعاد. في هذه الدراسة حاولنا التركيز على تصورات مختلفة للفقر: التصور الفلسفي، والتصور الديني، والتصور الاقتصادي، والتصور الحقوقي، والتصور السياسي. ولئن كان في الإمكان التمييز بين أبعاد الفقر المختلفة على المستوى المنهجي، فعلى مستوى الواقع تتداخل تلك الأبعاد وتتعاضد بحسب السياقات الاجتماعية والتاريخية المختلفة. ووجدنا من خلال البحث أن تطور العولمة الرأسمالية أدى إلى نتيجتين خطرتين: هيمنة رأس المال على العمل وتحررها إلى حدٍ ما منه، وتحوّل الدولة الديمقراطية إلى جهاز معقد لخدمة رأس المال العالمي.

Abstract

Abstract: Modern approaches have diverged from every standard perception of the phenomenon of poverty and explained it through objective approaches, not only in order to understand the phenomenon, but to provide appropriate solutions to it as a multidimensional problem. This paper focuses on different philosophical, religious, economic, legal and political perceptions of poverty. While it is possible to distinguish between different dimensions of poverty at the methodological level, in reality these dimensions overlap and are mutually reinforcing according to different social and historical contexts. The research concludes that capitalist globalization has led to two dangerous consequences: the dominance of capital over labour and to some extent its independence from labour and the transformation of the democratic state into a complex system to serve global capital.

الكلمات المفتاحية:
  • مقاربات الفقر
  • العدالة الاجتماعية
  • الديمقراطية الليبرالية
  • العولمة الرأسمالية
Keywords:
  • Approaches to Poverty
  • Social Justice
  • Liberal Democracy
  • Capitalism
  • Globalization

ملخص: قطعت المقاربات الحديثة مع كل تصور معياري لظاهرة الفقر، وراهنت على فهمها وتفسيرها من خ لاا مناهج موضوعية، ليس من أجل معرفة الظاهرة وفهمها فحسب، بل من أجل تقديم الحلول الملائمة لها، باعتبارها مشكلة متعددة الأبعاد. في هذه الدراسة حاولنا التركيز على تصورات مختلفة للفقر: التصور الفلسفي، والتصور الديني، والتصور الاقتصادي، والتصور الحقوقي، والتصور السياسي. ولئن كان في الإمكان التمييز بين أبعاد الفقر المختلفة على المستوى المنهجي، فعلى مستوى الواقع تتداخل تلك الأبعاد وتتعاضد بحسب السياقات الاجتماعية والتاريخية المختلفة. ووجدنا من خلال البحث أن تطور العولمة الرأسمالية أدى

إلى نتيجتين خطرتين: هيمنة رأس المال على العمل وتحررها إلى حدٍ ما منه، وتحوّل الدولة

الديمقراطية إلى جهاز معقد لخدمة رأس المال العالمي.

Abstract: Modern approaches have diverged from every standard perception of the phenomenon of poverty and explained it through objective approaches, not only in order to understand the phenomenon, but to provide appropriate solutions to it as a multidimensional problem. This paper focuses on different philosophical, religious, economic, legal and political perceptions of poverty. While it is possible to distinguish between different dimensions of poverty at the methodological level, in reality these dimensions overlap and are mutually reinforcing according to different social and historical contexts. The research concludes that capitalist globalization has led to two dangerous consequences: the dominance of capital over labour and to some extent its independence from labour and the transformation of the democratic state into a complex system to serve global capital.

Researcher in the Philosophy of Ethics and Politics. He holds a PhD from the Faculty of Humanities and Social Sciences of Tunis.

مقدمة

اختلفت تصوّرات الفقر بحسب اختلاف العصور والمجتمعات، فكان كل تصور، في كل

مرحلة تاريخية، محكومًا بالثقافة السائدة وبمستوى التطور الاقتصادي وطبيعة التنظيم

الاجتماعي والسياسي. يمكن، منذ البداية، أن نبرز نظرتين متناقضتين: أولًاحتقار الفقر وإدانة صريحة للفقراء، ليس باعتبارهم مسؤولين عن فقرهم فحسب، بل أشرارًا وخطرين أيضًا. ثانيًا نظرة إيجابية ترى

في الفقر شرطًا للحياة الفاضلة والسعيدة. ولئن كان للتصور الأخير أصولٌ دينية (الفقر الإنجيلي)، فإن ذلك لم يمنع، لاحقًا، من أن يستند إلى اعتبارات اقتصادية، حيث ما عاد يُنظر إلى الفقراء، أو على

الأقل إلى قسم كبير منهم، بوصفهم أشرارًا ومنحرفين يهددون النظام الاجتماعي القائم على الملكية

الخاصة، بل قوةَ عمل إيجابية يمكن الاستفادة منها باتباع الطرائق واستخدام الوسائل المناسبة. في هذا السياق تبلورت السياسة الحيوية Biopolitique، بعبارة فوكو، بما هي جملة التنظيمات والطرائق والأساليب المستعملة لإدارة الحياة والتحكم فيها وإعادة إنتاجها. يُرجع بعض الباحثين الاهتمام بالفقر إلى نهاية فترة السبعينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي

تميزت في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، باشتداد الأزمة الاقتصادية (بطالة، وفقر، وتسريح العمال، وازدياد عدد المهمشين، وغير ذلك) بسبب التراجع عن برامج الرعاية الاجتماعية التي ميّزت

حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية (من المعروف أن دولة الرعاية State Welfare كانت نمطًا من السياسة الحيوية – بيوسياسة – يقوم على مبدأ تدخل الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية وإدماج الشرائح الاجتماعية الهشّة والضعيفة الموجودة على هامش اقتصاد السوق)، والتي استخدمت آنذاك لمواجهة ما سُمّي المدّ الشيوعي. يمكن القول إن الأيديولوجيا الليبرالية للرأسمالية، ابتكرت نموذج «دولة الرعاية» ومفهوم العدالة الاجتماعية لتقنع الجماهير في أوروبا بأن الشيوعية ليست النظام الأفضل، وأن ما تدّعيه بخصوص التفاوت وانعدام العدالة في توزيع الثروة لا يتطابق مع واقع تلك البلدان. في هذا السياق، ظهرت النظريات الاقتصادية والاجتماعية المدافعة عن التكامل بين الاقتصاد الحر والاقتصاد الموجّه أو

المُنظّم. يمكن أن نذكر هنا، على سبيل المثال، جون مينارد كينز Kenes Maynard John وجيمس

غلبرايت Galbraith. K James وجوزيف شمبتر Schumpter Joseph باعتبارهم مدافعين عن فكرة العدالة الاجتماعية في إطار اقتصاد ليبرالي. نريد أن نُبيّن في ما يلي أن الفقر لا يمكن أن يُدرَس منفصلً عن العدالة الاجتماعية، سواء تم التركيز

على المقاربة النفعية (توافر الخيرات) أم على المقاربة الاقتدارية (توافر القدرات). وإذا لم يكن في الإمكان تجاهل أبعاد الفقر الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، فإن فهم الظاهرة فهمًا سليمًا بهدف

إلغائها أو الحدّ منها على الأقل، يقتضي اعتبارها مسألة سياسية. يعني وجود الفقر فشل السياسة أو

(1) Ai–Thu Dang, «Fondements des politiques de la pauvreté: Notes sur ‘The Report on the Poor’ de John Locke,» Revue Economique , vol. 45, no. 6 (Novembre 1994), pp. 1423–1441.

انعدامها، فما عسى أن يكون فشل السياسة غير انعدام العدالة والعدالة الاجتماعية على وجه الخصوص؟ يهدف هذا البحث إلى إبراز تنوّع المقاربات النظرية لظاهرة الفقر، في سياق تأكيد الجدل الأصلي بين

النظرية والممارسة، كما يُشدّد على أهمية الجانب السياسي لكل معالجة تتصدى لفهم الفقر باعتباره

ظاهرة مركّبة. نقترح في ما نحن بسبيله اتّباع الخطة التالية: • تعريف الفقر: تُحيل تعريفات الفقر المختلفة إلى تنوّع المرجعيات التي يتمّ تناوله من خلالها. سؤال

ما هو الفقر؟ هو سؤال إشكالي لأن من يطرحه ومن يتصدّى للإجابة عنه ليس الفقراء، فالفقراء لا يستطيعون إنتاج خطاب عن أنفسهم. • مقاربات الفقر: بما أن أوّل من تحدث عن الفقر والفقراء هم رجال الدين واللاهوتيون قبل علماء

الاقتصاد، يجب علينا إيلاء المقاربة الدينية أهمية خاصة (ومن المعروف أن الخطابات «الدينية» بشأن الفقر هي من الكثرة والتنوّع بحيث لا يمكن الإلمام بها، غير أن ذلك لا يمنع من استنتاج التوجهات

العامة التي تميّز مقاربة الفقر الدينية). في هذا السياق، سننظر أيضًا في المقاربة الاقتصادية في صيغتها

النفعية وفي صيغتها الاقتدارية (صن) لنقف على التوتر بين مفهومي الفقر النسبي والفقر المطلق. ولا بدّ أيضًا من أخذ المقاربة الحقوقية هي الأخرى في الحسبان، وذلك لأن الفقر يمكن أن يُعرَّف بأنه

شكل من أشكال انتهاك الحقوق الإنسانية. • الفقر وأزمة الديمقراطية: في هذا المبحث سنهتم بالمفارقة التي تُميّز الديمقراطية المعاصرة، كونها

تُعرّف باعتبارها نظامًا سياسيًا يستمد مشروعيته من الإرادة الشعبية ويهدف إلى تحقيق المصلحة

العامة، وفي الوقت نفسه تقبل بأقصى أشكال التفاوت وتتسامح مع هدر الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. • القوة السياسية للفقراء: سننظر في هذا المبحث إلى قدرة حشود الفقراء على تغيير أوضاعهم، أي في إمكانات الفعل السياسي المتاحة أمام جموع الفقراء لتحقيق العدالة الاجتماعية، باعتبارها الشرط الأساسي للعيش بكرامة.

أولا: تعريف الفقر

يعني الفقر الحاجة والعوز والعجز عن تلبية الحاجات المادية والعاطفية والفكرية. ويظهر ذلك في عدم التمكن من العلاج أو السكن اللائق أو التعلم أو الحصول على العلاج والرعاية الصحية، أو غير ذلك من مظاهر الحرمان من الخيرات المادّية واللامادية. ويدل الفقر على وضعية وجودية هشّة،

وربما يُعتبر شظف العيش أو العوز مظهرًا من مظاهر الفقر. يُعرّف الفقير بأنه الشخص الذي لا يملك مصادر مادية كافية (مثلً نقص في الأموال) ويعيش في

وضعية ضنك واحتياج لا تتماشى مع الحقوق الإنسانية المشروعة. «ما هو الفقر؟ يمكن تعريف الفقر بأنه العوز والحاجة إلى الأشياء اللازمة للعيش اللائق، أي (الوجود) من دون عمل. ويقول

آخرون: هو الحرمان من أشياء وحقوق وأعمال زمنية ضرورية للاستعمال في الحياة الإنسانية. ومن ذلك يمكننا استخلاص أن الفقير حقًا هو الذي ليس له من وسيلة للعيش سوى عمله، سواء كان فكريًا أم بدنيًا». تأتي أهمية هذا القول من الربط بين الفقر والعمل. الفقير هو العامل الذي لا يمتلك سوى قوة عمله وسيلةً للعيش. ومعنى ذلك أن فقدان العمل أو انعدامه أو عدم القدرة عليه ينتج منه السقوط في وضعية أسوأ من الفقر، يمكن أن نُسمّيها البؤس. إن العمل لا يعصم من الفقر. وهذا الترابط بين العمل

(إنتاج الثروة) لا يخص نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا بعينه، ولا حقبة تاريخية دون غيرها، بل يمكن أن

نعاينه في كل عصر، قديمًا وحديثًا. وأما في حالة انعدام العمل مهما تكن الأسباب، فيكون الفقر أشدّ،

والضرّ أبلغ. يمكن أن يكون الفقير عاملً لا يكفيه الأجر لتلبية حاجاته كلها، كما يمكن أن يكون

عاجزًا أو مُعوّقًا لا يقدر على العمل، فيمتهن السؤال ويطلب الصدقة والإحسان. التعريف المتداول للفقر هو اعتباره حالة يكون فيها المرء عاجزًا عن إشباع حاجاته الأساسية، حالة عدم التناسب بين الوسائل المتاحة والغايات المطلوبة. لكن يجب أن نُنبّه إلى أن هذا التعريف يأخذ

معناه ضمن خطاب أو قول في الفقر لا ينتجه الفقراء أنفسهم. «ليس لدى الفقراء بصفة عامة الوسائل ليتحدّثوا عن أنفسهم. صورة الفقير يصنعها المجتمع دائمًا، فقد يعتبر الفقراء طبقة محظوظة باعتبارهم

أعضاء في جماعة يسوع المسيح، وقد يُنظر إليهم باعتبارهم يشكّلون طبقة خطرة تُهدّد المجتمع، أو

باعتبارهم طبقة عاملة مُنتجة». وضع ديفيد ريكاردو Ricardo David النموذج المناسب الذي سيُحدّد إطار النقاش بشأن المسألة

الاجتماعية والموارد والإنتاج والتفاوت والفقر. واعتُبرت كلها مسائل اقتصادية خالصة يمكن دراستها وتقنينها. وأصبح الاقتصاد السياسي في القرن التاسع عشر الخطاب الشرعي الوحيد حول الفقر، من دون أن يعني ذلك استبعاد «الحل» الديني للتخفيف من وطأة الفقر، ورأى ليون والْراس Léon Walras أن مبادئ تنظيم المجتمع من أجل إلغاء الفقر ثلاثة: العدالة والتجمع (أي الاتحادات والتعاونيّات) والإحسان (الصدقة) وهو مبدأ ديني أساسي. وإن ما يُسمّيه الاقتصاديون الليبراليون

«الفقر»، يُسمّيه ماركس «الاغتراب والاستغلال». الفقر في تصوّر ماركس هو الوضعية الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها وتعانيها الطبقة

البروليتارية، وهي نتيجة حتمية للاستغلال الذي تُمارسه البرجوازية شرطًا لنفوذها السياسي، لكن يجب أن نلُاحظ أن الفقر باعتباره وضعية نقص وحرمان هو ظاهرة ملُازمة لكل نظام هيمنة

واستغلال، بغض النظر عن اختلاف أشكاله عبر التاريخ وتطوّرها. «لم يخترع الرأسمال العمل

(2) Jean Pierre Camus, Traité de la Pauvreté Evangélique (Besançon, 1634), p. 5, cited in aul Grell & Anne Wery, «Le Concept de pauvreté: Les Diverses facettes institutionnelles de la pauvreté ou les différentes naturalisations de ce concept,» Courrier Hebdomadaire du CRISP , vol. 25, no. 771 (January 1977), pp. 1–25. (3) Ibid. (4) Jérôme Lallement, «Les Economistes et les pauvres: De Smith à Walras,» Paper Presented at the Colloque Inégalités et Pauvreté dans les Pays Riches, IUFM Auvergne, Chamalières, 20/1/2012.

الزائد، ففي كل مكان حيثما يمتلك قسم من المجتمع احتكار وسائل الإنتاج، يتوجّب على العامل

الحرّ، أم غير الحر، أن يضم إلى وقت العمل الضروري من أجل إعالة نفسه، وقت عمل فائضًا كي

ينتج وسائل المعيشة لمالك وسائل الإنتاج، سواء كان هذا المالك أرستقراطيًا من أثينا أم تيوقراطيًا

من أترويا، أم مواطنًا رومانيًا، أم بارونًا نورمانديًا، أم مالك عبيد أميركيًا، أم صاحب أطيان من فلاشا،

أم مالكًا عقاريًا مُعاصرًا أم رأسماليًا». لم يغب عن ذهن ماركس أن البرجوازية قد تعمل من أجل تحسين وضعية العمال والتقليل من وطأة الفقر من خلال تدابير وإجراءات معيّنة، وذلك في سبيل ضمان مردودية أعلى، ومن ثم زيادة في

الأرباح. لا يمكن البروليتاريا أن تتخلّص من الفقر، وهو الشكل المادي للاستغلال البرجوازي، إلّ عبر اكتساب الوعي الحقيقي بطبيعة الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وإدراك آليات التوظيف الأيديولوجي للتمثلّات الاجتماعية، وخصوصًا الدينية منها، لتبرير وضعية انعدام المساواة داخل المجتمع الرأسمالي. ليس الفقر مُطابقًا لوضعية الطبقة العمالية فحسب، بل إنه وضعية الفئات والشرائح الاجتماعية المحرومة والمقصيّة من الملكية ودائرة الإنتاج والتبادل. رُبّ عودة إلى ماركس في هذا السياق، من شأنها أن تسمح بتأكيد الفقر، باعتباره نتيجة حتمية لاستغلال

رأس المال للطبيعة والعمل الاجتماعي، لا تخرج عن نطاق الخطاب الاحتجاجي المُناهِض للرأسمالية

في صيغتها المُعولَمة. لم تكتف الدراسات الاجتماعية والاقتصادية بتعريف ظاهرة الفقر ووصفها فقط، بل إنها تميزت، بحكم نزعتها العلموية إلى وضع مقاييس موضوعية لتحديد مستوى الفقر، وذلك من أجل المساعدة في ضبط السياسات الاجتماعية والاقتصادية الهادفة إلى الحدّ من الفقر أو التخفيف من مفاعيله. وَوُضعت منذ القرن العشرين تقنيات لتحديد ما يُسمى «عتبة الفقر»، لكن يلُاحظ أن المقاييس التي وُضعت تختلف من مجتمع إلى آخر، الأمر الذي يقوّي حجة القائلين بالفقر النسبي، في مقابل الذين

يقولون بالفقر المطلق. الفقر وضعية تتسم بالهشاشة وعدم الثبات. تُستعمل في اللغات الهندوأوروبية كلمة Précarité، Precarietà، Precariousness، وهي مشتقة من اللاتينية Precarius التي تعني ما يمكن الحصول عليه من خلال الصلاة. ويدل هذا المعنى الأصلي على وضعية الضعف والحرمان التي يوجد فيها شخص ما. ومهما يكن من أمر، فإن الأجدى هو الحديث عن «التفقير» بما هو نتاج نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي. إن إبراز مشكلة التفقير عوض التركيز على الفقر لأنه وضعية فردية أو خاصة بفئة اجتماعية معينة، من شأنه أن يساعد في طرح المسألة من منظور المسؤولية الجماعية، أي تناولها في أفق السياسة (مشكلة اللامساواة والعدالة الاجتماعية).

(((كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة فهد كم نقش، مج 1 (موسكو: دار التقدم، 9851)، ص.337 (((المرجع نفسه، ص.643–639

ثانيًا: مقاربات الفقر

1. المقاربة الفلسفية للفقر

لم يهتم الفلاسفة بالفقر باعتباره مشكلة فلسفية، وإن كان بعضهم تناوله باعتباره وضعية وجودية لها مميزاتها الخاصة. وتحدث أفلاطون عن الفقر في محاورة المأدبة في معرض تقديمه شخصية

إيروس. كما جعل الكلبيون Cyniques Les الفقر نمطًا وجوديًا يتم اختياره ضدّ التوجه الاجتماعي

العام نحو تحصيل الثروة والمجد وإشباع الملذّات الحسّية، حيث كانوا يسخرون من كل شيء،

المجتمع والسلطة والقيَم والدين. وفي أواخر القرن السابع عشر اهتم جون لوك، أحد رموز الحداثة

السياسية، بمشكلة الفقر، فكتب نصّين مرجعيين؛ الأول بعنوان «أتلنتس»؛ والثاني «تقرير حول

الفقر»، تحدث فيهما عن أساليب مراقبة الفقراء والتحكم فيهم، إضافة إلى كيفية استغلال قوة العمل التي يمثلونها. وعندما ننظر إلى الفلاسفة المعاصرين نجد أن هيدغر اهتم بالموضوع، وتناوله من زاوية خاصة، ففي محاضرة ألقاها في حزيران/ يونيو 9451 ونُشرت بعد وفاته بأعوام بعنوان «الفقر»، بيّن أن الفقر الحقيقي ليس عوَزًا أو نقصًا في الخيرات أو عدم قدرة على إشباع الحاجة، بل هو أن لا

يحتاج المرء إلى ما ليس ضروريًا، وما ليس ضروريًا هو ما يحرّر، وهكذا يكون الفقر غنى. ماذا يمكن أن يقول الفيلسوف اليوم عن الفقر؟ هل يجب عليه اتّباع تحليلات علماء الاجتماع ومقاربات علماء الاقتصاد، فيُبيّن قيمتها ويبحث في وجاهة التصورات التي يمكن أن تتضمنها، أو

(((يقول أفلاطون متحدثًا عن ولادة الحب Eros من أبويه بوروس Poros (المورد، المصدر) وبينيا Pénia (الفاقة، الخصاصة): «بما أنه ابن بوروس وبينيا، أخذ الحب منهما جملة من الخصائص المشتركة: فمن جهة، هو دائمًا فقير وأبعد ما يكون عن الرهافة

(النعومة)، وهو جميل كما يُتخيَّل عمومًا. وهو صلب وجاف، بلا حذاء ولا مسكن، ولا فراش له غير الأرض ولا غطاء. ينام في

العراء قرب الأبواب وفي الدروب. ورث ذلك عن أمه، الفاقة رفيقة الأبدية. ومن جهة أخرى، وبحسب طبيعة والده، هو دائمًا في

طلب ما هو جميل وخيّر. إنه جريء وحازم ونشيط وصياد ماهر. وهو صانع حيل متجددة دائمًا، محبّ للعلوم وممتلئ بالموارد»،

ينظر:

Platon, Le Banquet , 203 a–204 a, Emile Chambry (trad. & not.) (Paris: Garnier–Flammarion, 1964), p. 64.

حافٍ وعارٍ ومتشرّد في الطرق، وفي الوقت نفسه طيّب وخيّر. أليست هذه هي الصفات التي تسند إلى الفقير في الأزمنة كلها، بغض

النظر عن بعض الاستثناءات، عندما يكون الفقير لصًا أو متحيّلً وقبيحًا وشريرًا مُتبعًا سُبل الشيطان؟ إن الصورة التي رسمها أفلاطون

للحب قد تتطابق، في جانب منها، مع الواقع الحقيقي للفقير في اليونان القديمة. لم تكن غاية أفلاطون تحديد الفقر في حدّ ذاته،

بل كانت غايته تعريف الحب الحقيقي من خلال التمييز بين أصناف الحبّ المختلفة. فمثلما أن الفقير متشرّد، جوال، يعيش على

الكفاف، كذلك الحبّ كائن من نوع خاص ليس «خالدًا»، لكنه ليس «مائتًا».

(8) John Locke, «Atlantis,» in: Charles Bastides, John Locke: Ses théories politiques et leur influence en Angleterre (Paris: E. Leroux, 1906 [1679]), pp. 377–379. (9) John Locke, «The Report on the Poor,» in: H. R. Fox Bourne, The Life of John Locke , vol. 2 (London: H. S. King, 1876 [1697]), pp. 377–390. (10) Martin Heidegger, La Pauvreté , Philippe Lacoue–Labarthe & Ana Samardzija (Prés. & trads.) (Strasbourg: Presses Universitaires de Strasbourg, 2004), p. 81.

(((1 هناك من وجّه نقدًا حادًا لتصوّر هيدغر عن الفقر، ورأى أن مقاربته ليست إلا «صياغة متكلّفة لإحسان Charité البابا بونوا

السادس عشر XVI Benoit» وأن خوفه من الشيوعية الواضح في هذا النص هو في حقيقة الأمر خوف من الفقراء ودعوة إلى الإحسان إليهم بشرط أن يكونوا طيّعين، ينظر:

Michael Hardt & Antonio Negrri, Commonwealth , Elsa Boyer (trad.), Collection Folio Essai (Paris: Gallimard, 2012), p. 87.

ينقد ادّعاءات الحقيقة فيها، فينتهي إلى كشف رهاناتها الأيديولوجية؟ بغض النظر عن طبيعة الإجابة التي يمكن تقديمها، فإن تناول الموضوع بطريقة كهذه، من شأنه أن يفقد القول الفلسفي خصوصيته وأصالته؛ إذ إنه سيكون مجرد قول على قول. يسعى القول الفلسفي لاكتشاف المعنى، وليس مهمًا أن يُسمَّى المعنى حقيقة أو ماهية أو جوهرًا. وإذا

كان هذا مقصد الفيلسوف، فسيكون قوله في الفقر حائزًا شرعية ما بصورة قبلية، وإذًا سيكون قوله جديرًا بالاهتمام. يجب أن نلاحظ، منذ البداية، أن تعريف الفقر لا يختزل معناه أو معانيه. التعريف هو

دائمًا تحديدٌ أوّليّ باستعمال حدود من خارج الموضوع المطروح. وارتبط مفهوم الفقر بالاقتصاد

والاجتماع، فجرى تناوله واستعماله في مجال الاقتصاد السياسي والدراسات الاجتماعية، فظهرت مفاهيم جرى تداولها في إطار نظريات ومجالات بحث مختلفة، مثل علم اجتماع الفقر واقتصاد الفقر وسياسات الفقر ونظريات العمل الاجتماعي، وغيرها. إن مقاربة فلسفية حقيقية للفقر، تتصدّى لموضوعها على المستوى النظري (مساءلة الدلالات المفهومية والبحث في سياقات إنتاجها ورهاناتها) وعلى المستوى العملي (الفقر ليس مفهومًا قَبْليًا A

priori، بل هو واقعة، تجربة حيّة لها أبعادها ومفاعيلها، علاقة اجتماعية يُحدّدها منطق خاص)، لا

يمكن أن تكون تبريرًا للواقع أو التاريخ، إنها لا يمكن إلا أن تكون مقاربة نقدية جذرية.

2. الفقر من منظور ديني

بين الفقر والدين وشائج قد يكون من المفيد بلورتها من أجل فهم واقعة الفقر باعتبارها واقعة تاريخية متعددة الجوانب. يرتبط التديّن والفقر كلاهما بالحرمان. ويقتضي التديّن الحق، في كثير من الأديان،

الفصل بين الروح والبدن؛ الاعتراف بحاجات الأول وإنكار حاجات الثاني. من هنا نفهم الفكرة المشتركة بين الأديان التي تُفاضل بين نوعي الفقر: الفقر الحقيقي هو الفقر الروحي، ومن أجل تجنّبه أو التخلّص منه يجب القبول بالفقر المادي، ذلك الذي يُشقي البدن ويُسعد الروح. كانت صورة الفقير في أوروبا في عصر الإقطاع إيجابية، حيث كان يُنظر إلى الفقراء بوصفهم الأقرب إلى الله. الفقير استمرار لنموذج المسيح الذي يعاني ويموت فداء للإنسانية. يُمثّل الفقر بهذا المعنى إرشادًا للناس، خصوصًا الأغنياء منهم إلى طريق الخلاص. يستطيع الأغنياء، من خلال الصدقات التي يُقدّمونها بكل تواضع إلى من يستحقها، أن ينقذوا أرواحهم، وأن يشتروا الحياة الآخرة بقليل مما لديهم في الحياة الدنيا. وكرّست الكنيسة في الفترة بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين التمييز بين

الفقر المادي والفقر الروحي، وفي المقابل أكدت أن الغنيّ والفقير كليهما يمكن أن يكون فقيرًا من

الناحية الروحية. هذا التمييز عينه بين البشر الذي يقوم عليه كل تشريع (إضفاء صبغة أخلاقية ودينية

(12) Grell & Wery. (13) Jean–Claude Dufermont, «Les Pauvres d’après les sources Anglo–Saxonnes du VII au XIe Siècle,»  Revue du nord , vol. 50, no. 197 (Avril–Juin 1968), pp. 189–201.

على الثروة) نجده في الإسلام الذي يحضّ الأغنياء على مساعدة الفقراء والمساكين وعابري السبيل. الغنى في الإسلام هو في آن واحد وسيلة لاختبار المؤمنين في الحياة الدنيا وفضلٌ من الله عليهم. الفقير في عصر الإقطاع في أوروبا، حيث كان نمط المجتمع الريفي هو السائد، هو في الغالب شخصية مألوفة ومسنودة من أقاربه ومعارفه. فقد كان يُعتبر ضيف القرية، المحتاج الذي يسعى الجميع لمساعدته. اعتُبر المتشرّد الفقيرُ في القرون الوسطى «قدّيسًا» وحظي بالرعاية، وكان على

صورة المسيح الذي يتألم من أجل خلاص الآخرين. وكانت تلك الصورة أشدَّ ما تكون تأثيرًا عندما

يكون المتشرّد حاجًّا (وقد يدّعي ذلك)، متوجّهًا إلى الأماكن المقدسة، أي إلى القدس أو روما أو سان

جاك دي كومبستيل (إسبانيا). لكن مع تحلّل النظام الإقطاعي وتطوّر المدن، حيث تشكلت البرجوازية الصاعدة، سيعرِف معنى

الفقير تحوّلً جذريًا؛ إذ انتقل من البؤس الفردي إلى الشقاء الجماعي، وأدى انتقال الفقراء من الأرياف

إلى المدن، إلى انعدام التكافل الاجتماعي، ففي المدينة أصبح الفقير مجهولً، متشردًا وبلا سند. في هذا المجال الجديد سيأخذ الفقر معنىً سلبيًا ضمن تصور علماني (علمنة الفقر)؛ إذ إن النظرة إليه

ستتخلّص من المرجعية الدينية، ليفقد الفقير الخاصية التي ارتبطت به، باعتباره إحالة إلى المسيح ورسالته. لكن منذ القرن السادس عشر بدأت أوروبا المسيحية تتخلّى عن صورة الفقراء التقليدية، فتكوّنَ شيئًا فشيئًا، وبتأثير الإصلاح اللوثري والكالفيني، موقف آخر من الفقر، يقول إن الإيمان لا

يحتاج إلى العمل الصالح، والأعمال الصالحة ليست ضرورية للخلاص fides Sola. وهكذا حلّت محل الإحسان مؤسسات «الرعاية العمومية المنظّمة». يقول لَلمون في كتابه تاريخ الإحسان: «راقب الإصلاح اللوثري وهاجم الإحسان مثلما فعل تجاه الإيمان، وذلك بتبديد كنزه الدنيوي وتجفيف منابعه. لم تتناقش الشعوب والحكومات أبدًا بشأن الإحسان، بل حول الإغاثة العمومية القانونية والإلزامية». في تلك الفترة ظهر اتجاه نظّر له عدد من كتّاب ورجال دين (مثل كاسبار شفنكفلد Schwenckfeld Caspar وبدرو دي ميدينا De Pedro Medina وخوان لويس فيفاس Vives Luis Juan وغيرهم)، سعى لتنظيم المساعدة الموجّهة للفقراء والمساكين، وذلك بمنع الكنيسة من احتكارها، خصوصًا بعد أن صادرت السلطات أملاك

الكنائس والأديرة لفائدة الأسياد والنبلاء. ولربما تعلّق الأمر بتنظيم ظواهر الفقر والتسوّل والتشرّد،

باعتبارها تمثّل خطرًا على المجتمع أكثر مما تعلق بمساعدة الفقراء. كان الهدف هو التحكم في

الفقراء والحدّ من التسوّل وتحويل الفقر إلى طاقة وقوة عمل من خلال إنشاء «دور العمل» المخصصة

(14) Grell & Wery. (15) Ibid. (16) Léon Lallemand, Histoire de la charité , vol. 4 (Paris: Librairie Alphonse Picard et Fils, 1910), p. 10. (17) Ibid.

للفقراء، سواء كانوا مشرّدين أم مجانين أم معوّقين أم عجزة، حيث نُظر إليهم جميعًا باعتبارهم قادرين

على الإنتاج، كل بحسب قدرته، بمن فيهم العميان والشيوخ. عُرف في أوروبا في الوقت ذاته اتجاه آخر نظر أصحابه بعين الريبة إلى الإجراءات المتخذة كلها لتنظيم ظاهرة الفقر والتحكم في الفقراء. رأى أصحاب هذا الاتجاه «في إبعاد الفقراء عن الشعب إلغاءً

لألف فرصة للقيام بأعمال يستوجبها الخلاص». يمثّل التسوّل في نظرهم فعلً طبيعيًا وليس جريمة،

كما رأوا أنه يجب عدم الخلط بين «فقراء المسيح» و«فقراء الشيطان» (الكُسالى). استمر هذا التوجه وتجسّدت مبادئه في إطار جمعيات وأخويات دينية مثل أتباع جون الإلهي Dieu de Jean الذي أنشأ

أوّل مستشفى للفقراء في عام 0154 وكان أعضاؤه ملتزمين بثلاث قواعد: الطاعة والعفّة والفقر

وجماعةCamille de Lellis. وجماعة كامي دي ليلليس Obedientiae , Castitatis , Paupertatis

بنات الإحسان charité la de filles Les التي كان أعضاؤها من النساء المنتميات إلى البرجوازية اللواتي تطوّعن لمساعدة الفقراء، خصوصًا المعوّقين والعجزة. يمكن القول إن الغلبة كانت للتوجه الأول، حيث أدّى الإصلاح الديني إلى «علمنة الأعمال الخيرية مع استقطاب هذه الجموع كلها من الفقراء والعاجزين. وبلورت الدولة والمدينة حساسية جديدة تجاه البؤس، حيث وُلدت طريقة جديدة في إثارة الشفقة لا تتحدّث عن تمجيد الألم، ولا عن خلاص

مشترك للفقر والإحسان، فهي لا تتعامل مع الإنسان إلا من خلال واجباته تجاه المجتمع؛ ترى في البؤس نتاج فوضى وعائقًا أمام النظام، فالأمر لا يتعلق بفعل مواساة، بل بواجب القضاء على الفقر». أدّى «التصوّر العلماني» للفقر، أي تصوّره منفصلً عن الدلالة الدينية، إلى تغيّر نظرة الكنيسة ذاتها إلى

الفقراء. وهذا ما حدث بالفعل في نهاية القرن السابع عشر؛ إذ تغيّرت نظرة الكنيسة الكاثوليكية إلى

الفقراء، حيث ما عاد وجود الفقراء والمساكين مناسبة لاستثارة الإحساس بالآخر المسيحي، وما عاد الإحسان يعتبر وسيلة للخلاص، أي إن الفقر فقَد تمامًا مضمونه الديني. وأصبح «كل كاثوليكي ينظر

إلى الفقراء، على غرار أسقف تور Tours du Evêque ’ l، باعتبارهم حُثالة الجمهورية ورعاعها، لا

بسبب بؤسهم الجسدي الذي يجب أن يُثير شفقتنا، بل بسبب الأبعاد الروحية المُقزّزة». لكن الكنيسة لن تتخلّى تمامًا عن مرجعيّتها الثابتة في نظرتها إلى الفقر، حيث التمييز بين صنفين من

الفقراء، «فقراء المسيح» و«فقراء الشيطان». في نصٍ كتبَه الأب دوم غيفار Guevarre Dom بعنوان

(18) Ibid., pp. 12–13. (19) Ibid., p. 23. (20) Ibid., pp. 37–41. (21) Ibid., p. 42.

(((2 ميشيل فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0062)، ص.80 (((2 المرجع نفسه، ص.83

«حول التسوّل» (6931) نجد تمييزًا بين «فقراء المسيح وفقراء الشيطان». الأولون جيّدون وطيّبون

ويستحقون المساعدة، وهم يقبلون الحجز شاكرين الله، أما فقراء الشيطان فهم سيّئون ولا يقبلون

الحجز لأنهم أعداء النظام. لم يكن نظام الحجز الذي عُرف في أوروبا واستمر حتى القرن التاسع عشر يهدف إلى القضاء على الفقر، بقدر ما كانت الغاية منه الحدّ من الخطر والفوضى اللذين يمثلهما الفقراء من العاطلين والمتسوّلين. ويمكن اعتبار المساعدات التي كانت تقدّم إلى الفقراء، سواء من

خلال المؤسسات التي استُحدثت للغرض أم تطوعيًا استجابة للتعاليم الكنسية، داخلة ضمن

استراتيجية «السياسة الحيوية» بعبارة فوكو. «لقد كان للحجز معنى واحد في أوروبا قاطبة على الأقل في أصوله الأولى. لقد كان يشكّل جوابًا قدّمه القرن السابع عشر عن أزمة اقتصادية عمّت العالم

الغربي برمته: انخفاض الأجور وتفشّي البطالة وندرة السيولة». من البدهي القول إن هذه النظرة المزدوجة إلى الفقر ليست حكرًا على المسيحية، فهي موجودة تقريبًا

في الديانات كلها، وفي الإسلام بصورة خاصة. تتضمن النصوص الدينية الإسلامية (قرآنًا وحديثًا) دعوةً صريحة إلى العمل والإنتاج، وتحقيق المنافع المادية والمعنوية للفرد والجماعة والإنسانية قاطبة. كما يقترن العمل في المنظور الإسلامي بالإنتاج والثروة واليسار. ولذلك لا نجد في النصوص الإسلامية الأساسية إدانة مطلقة للأغنياء، وهو في الوقت نفسه امتحان للموسرين الذين عليهم الاختيار بين طريقين، إما الاستهلاك والتبذير ومنع الخيرات عن المحتاجين والفقراء، وإما الالتزام بالتعاليم الدينية المتعلقة بالصدقات وإيتاء الزكاة. يمكن القول بصفة عامة إن الإسلام نظر إلى الفقر نظرة سلبية، وهو أمر معروف في النصوص والتاريخ. ينبغي التمييز بين تصور الإسلام العام عن المسألة الاقتصادية، وخاصةً مشكلة الفقر، والرؤى الأيديولوجية المتعلقة بالمسألة نفسها. من المعروف أن ثمة من يرى أن الإسلام لا يتناقض مع الاشتراكية باعتبارها النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تتحقق في إطاره العدالة الاجتماعية. ومن الكتّاب الإسلاميين أيضًا من يؤكد أن الإسلام يتناغم مع مبادئ الاقتصاد الرأسمالي مثل العمل والملكية والتبادل ومراكمة الخيرات، إلا أنه يشدّد على العدالة الاجتماعية المضمونة بوساطة نظام الزكاة والإرث والصدقات. لا يمكن الحديث عن الفقر في المنظور الإسلامي من دون أن نشير إلى موضوع الفقر لدى النساك والزهّاد، أو ما يُمكن أن نُسمّيه «الفقر الصوفي». لعل الأمر الأول الذي ينبغي ملاحظته هو أن فقر

المتصوفة هو فقر إرادي واختياري يتماشى تمامًا مع الإعراض عن الدنيا والانقطاع عن الأعمال

المادية التي من شأنها أن تعوّق الروح عن طلب مُرادها، أي المطلق. والأمر الثاني هو أن الفقر،

بالمعنى الصوفي، ليس نقصًا في الخيرات، وليس حاجة إلى شيء ماديّ أو رمزي، بل هو حاجة إلى

(((2 المرجع نفسه. (((2 المرجع نفسه، ص.88 2(((مصطفى السباعي، اشتراكية الإسلام، ط 2 (دمشق: مؤسسة المطبوعات العربية،.)1960 2(((سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ط 14 (القاهرة: دار الشروق،.)1995

الله وشوق للقائه يجعل المؤمن يزهد في متع الدنيا وملذّاتها. لذلك اعتُبر المتصوّفة والزهّاد، في

التراث الإسلامي، «فقراء» إلى الله. وإن كانت عبارة فقراء لا تتضمن أي مدلول سلبي من وجهة نظر

القرآن، فالبشر جميعًا فقراء إلى الله ﴿وَاللَّهُ الْغَنيُّ وَأَِنْتمُ الْفُقرَاءُ﴾ (محمد: 8.)3 لنقل، باختصار إن

«الفقر الصوفي» الذي يُميّز النسّاك والمتصوفين هو نقيض الفقر الروحي. تبيّنا إلى حد الآن أن مقاربة الفقر من منظور ديني لا تكفي للإحاطة بأبعاده المختلفة. وتدل سياسات

الفقر التي استخدمت في العصر الكلاسيكي (إصدار القوانين، الملاحقة، إنشاء مؤسسات الحجز والمراقبة، استخدام الفقراء قوة عمل)، على أن الفقر لم يكن قدَرًا ولا إرشادًا ربّانيًا، بل هو قبل كل

شيء مشكلة اجتماعية واقتصادية. في هذا السياق ظهر الاقتصاد السياسي باعتباره الخطاب الشرعي الوحيد عن الفقر، أو هكذا ادّعى روّاده والمدافعون عنه.

3. الفقر نقص في الوسائل

يُعرّف الفقير بأنه الشخص الذي تعوزه الوسائل المادّية للعيش، مثل المال وأدوات العمل أو الطاقة

البدنية اللازمة للعمل. الفقير إذًا هو من لا يستطيع الحصول على الحدّ الأدنى الضروري من الغذاء للحفاظ على القوة الجسدية. بحسب هذا التعريف ترد الوسائل المختلفة وتأخذ قيمتها بالنظر إلى غاية إشباع الحاجة إلى الغذاء. يتعلق الأمر، كما هو واضح، بمقاربة «غذائية»، يقضي منطقها بأن يُعرّف الفقير بأنه من يكون في حالة جوع وإملاق. اعتبر بعض الباحثين أن القدرة على الحصول على

الغذاء لا يمكن أن تكون مقياسًا للفقر. اقترح بيتر تونسند Townsend Peter تعريفًا للفقر، هو أننا

«نستطيع القول عن أفراد وعائلات ومجموعات تنتمي إلى شعب معيّن إنهم يوجدون في وضعية الفقر

عندما تنقصهم الموارد الضرورية للحصول على نوع الغذاء المألوف والمشاركة في نشاطات، والتمكّن من شروط الحياة والوسائل المألوفة في إطار المجتمع الذي ينتمون إليه». يركّز هذا التعريف على الموارد أكثر مما يركز على الدخل، وعلى نمط الحياة عوض الاستهلاك. لكن تونسند لا يُبرز موردًا

بعينه، يكون مُحدِّدًا لحالة الفقر، بل إنه يميز بين أصناف خمسة من الموارد: – المداخيل المالية. – رأس المال المنقول أو غير المنقول. – قيمة الامتيازات التي يمكن الحصول عليها من خلال ممارسة عمل أو وظيفة معيّنة. – قيمة الخدمات الاجتماعية التي تمنحها الدولة (الصحة، التعليم، المنح المالية). – المداخيل الخاصة غير المالية، مثل الإنتاج المنزلي.

(28) Lallement. (29) Joanna Mack & Stewart Lansley, Poor Britain , A. H. Halsey (forward) (London: George Allen & Unwin, 1985). (30) Pierre Boitte, «A propos de débats récents sur la notion de pauvreté,» Déviance et Société , vol. 13, no. 2 (January 1989), pp. 89–111. (31) Ibid.

يستند تحديد الفقر النسبي إلى معايير متغيرة من مجتمع إلى آخر، فإذا فُرض متوسط الدخل منطل قًا واعتُبر من لا يحصل عليه فقيرًا، فسيكون من الضروري إدراج جزء كبير من المجتمع في نطاق

الفقر، وهكذا نكون أمام محدودية مفهوم الفقر النسبي.

4. الفقر نقص في القدرات

تُعَدّ المقاربة بالقدرات Approach Capability التي قدّمها عالم الاقتصاد أمارتيا صن من أهم

المقاربات التي اقتُرحت لتحليل ظاهرة الفقر؛ إذ ينطلق صن من نموذج منهجي مستمد من آدم سميث هو نموذج «المشاهد المُحايد»، ويفرض أن يؤخذ في الاعتبار أكبر قدر ممكن من وجهات النظر

عند دراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي. إن الحسَّ الواقعي والتجريبي هو الذي يُحدّد فكر صن

الفلسفي، ولعله يبرز في صيغة العنوان الذي أعطاه لكتابه فكرة العدالة، حيث يرى أن المهم على المستوى النظري والعملي (السياسات) ليس «البحث الطويل عن المجتمع العادل»، بل من الضروري أن تُعطى الأولوية لرفع الظلم وتحقيق متطلّبات العدل. «تركّز المقاربة بالقدرة على الحياة البشرية، وليس على بعض وسائل الراحة المنفصلة وحسب، مثل الدخول أو السلع التي يمكن أن يمتلكها الشخص، والتي تعتبر غالبًا، ولا سيّما في التحليل الاقتصادي، المعايير الأساسية للنجاح البشري».

وبالفعل فهذه المقاربة تؤكد الفصل بين التركيز على وسائل العيش، والتركيز على فرص العيش الحقيقية. قبل تقديم تصوّر صن عن الفقر وتحديد قيمة المفهوم الذي يقترحه، يحسن بنا أن نُبيّن دلالة «القدرة».

يمكن تعريف القدرة بأنها مجموع الإنجازات المُتاح للفرد تحقيقها في إطار نظام اجتماعي واقتصادي

وثقافي معيّن. كما تعني أيضًا استطاعة إنجاز وظيفة معيّنة من فرد أو جماعة. سعى صن، في نص

بعنوان « الفقر من منظور نسبي»، لتوضيح حدود نظرية الفقر النسبي القائمة على فكرة تنوّع واختلاف

المقاييس التي يمكن اعتمادها لتحديد مستوى العيش في مجتمع معيّن. ولئن لم يرفض فكرة الفقر

النسبي، أكد أهمية مفهوم الفقر المطلق من وجهة نظر القدرات المتاحة للشخص. يقول في هذا الصدد: «في محاضراتي في عامي 9799821 و 1، حاولت أن أثبت أنّ التركيز الصحيح يجب ألا يكون على السلع أو الخصائص بالمعنى الذي لدى غورمان Gorman ولانكاستر Lancaster أو المنفعة، بل

(32) Ibid. (33) Laurence Fontaine, «La Justice sociale selon Amartya Sen,» Esprit , vol. 10, no. 145 (Octobre 2010), pp. 145–154.

(((3 أمارتيا صن، فكرة العدالة، ترجمة مازن جندلي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 0102)، ص.375 (((3 المرجع نفسه، ص.341 (3((«كان لا بد من انتظار عام 9791 ليبرز مفهوم «القدرة» في ذهن صن، وليتم تقديمه بعدًا أخلاقيًا مناسبًا للبحث عن المساواة.

وكان يمكن هذا المفهوم ألا يرى النور لولا التفكير المعمق، من جهة، في معاني الحرية والعقلانية الفردية بالتوازي مع تفكيره في العقلانية الجماعية. ولولا الاستثمار المهم للدراسات التجريبية المتعلقة بالمجاعات والتفاوتات بين النساء والرجال التي تبدو ظاهريًا مستقلة عن تلك الأعمال النظرية من جهة أخرى». تتعلق المقاربة بالقدرة بأفق الاختيار الاجتماعي لا بالبحث عن المبادئ

الكلية للعدالة، ينظر:

Muriel Gilardone, «Contexte, Sens et Portée de l’approche par les Capabilités de Amartya Kumar Sen,» PhD. Dissertation, Lyon II University, Lyon, 2007, pp. 10, 21, accessed on 10/7/2019, at: https://bit.ly/2YLc7nQ

على شيء آخر يمكن أن يُسمّى قدرة الشخص. يمكن أن تتوضح المقارنة بين هذه المفاهيم من خلال

المثال التالي: لنأخذ دراجة هوائية. يتعلق الأمر بداهة بسلعة لها خصائص متعددة، ولنركز على واحدة بعينها، نقصد النقل. يُتيح امتلاك دراجة هوائية الشخص قدرة على الحركة في اتجاه معيّن لا تكون له

في حالة انعدام الدراجة الهوائية. وهكذا فإن خاصية النقل المرتبطة بالدراجة تعطي الشخص القدرة على الحركة في اتجاه معيّن. كما أن تلك القدرة يمكن أن تعطيه منفعةً أو سعادةً إذا ما رام تلك الحركة

أو وجدها ممتعةً. وهكذا يكون ثمة ترابط (تسلسل) بين السلعة (الدراجة الهوائية في هذه الحالة) والخصائص (التنقّل في هذه الحالة) والقدرة على القيام بوظيفة (استطاعة الحركة في هذه الحالة) والمنفعة (متعة الحركة في هذه الحالة»). هكذا إذًا يسمح مفهوم القدرة بتجاوز التصوّر النفعي

الذي هيمن طويلً على الدراسات الاجتماعية والاقتصادية، وبمقتضاه اعتُبرت الوسائل والموارد موجودة ومعدومة هي المحددة للرفاه والفقر فحسب. إن مقاربة القدرة بحسب صن «تهدف إلى إدخال تغيير جذري على مقاربات التقييم القياسية المستخدَمة على نطاق واسع في علم الاقتصاد والدراسات الاجتماعية». ترتبط فكرة القدرة أو الاقتدار بالحرية والفرص المتاحة في وضعية معيّنة، وهي تعني، في نهاية التحليل، «القدرة الفعلية

للناس على اختيار أنماط عيش مختلفة في حدود ما يستطيعون». ونحن نعرف أن صن لم يضع قائمة بقدرات أساسية أو ذات طابع كوني. وهذا ما يجعل مقاربته (لا يتعلق الأمر بنظرية في القدرات) قابلةً للتوظيف في مجالات مختلفة، مثل العمل الاجتماعي والقرار السياسي والبحث النظري. بحسب معيار القدرة Capability لا يمكن الاكتفاء بتعريف الفقر بالنظر إلى توافر وسائل مادية ضرورية للعيش أو انعدامها، مثل السكن والتعليم والصحة وغيرها. إن مقياس الوسائل لا يمكن أن يكون مقياسًا موضوعيًا لأن الحيوات تحكمها وتنظّمها قيمٌ وتصوّرات ثقافية ودينية مختلفة، الأمر

الذي يجعل اختيار الوسائل واستعمالها بالضرورة، نسبيًا. كما تختلف قيمة الوسائل من مجتمع إلى

آخر، فما يعتبر وسائل محدودة كمّيًا (المال مثلً) في بلد أوروبي، يمكن أن يُعادل ثروة في بلد أفريقي

أو آسيوي. لا تُفهم القدرة، بحسب صن، باعتبارها قدرة فردية خاصة – وإن كانت في الأصل كذلك – فهو ينبّه

إلى أهمية الطابع الاجتماعي للقدرة. وفي هذا السياق لا يرى أن مفهوم «الفردانية المنهجية» ملائم لفهم المقاربة بالقدرات وتحليلها. «بالرغم من صعوبة صمود قيمة الفردانية المنهجية، للمرء بالطبع

(37) Amartya Kumar Sen, «Poor, Relatively Speaking,» Oxford Economic Papers , vol. 35, no 2 (1983), pp. 153–169. (Reprinted in Values and Development Resources , Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984).

(3((مثلت النفعية Utilitarism وقتًا طويلًالمرجعية الإيتيقية لاقتصاد الرفاه أو «اقتصاد العيش الرغيد.Welfare Economics »

ولهذا يجب التنبه إلى أن الاقتصاد المعياري لم يبدأ في حقيقة الأمر مع صن، أو مع جون رولز، بل يمكن البحث عن جذوره لدى الاقتصاديين الكلاسيكيين، خصوصًا آدم سميث وكارل ماركس، ينظر:

Gilardone.

(3((صن، ص.368 (4((المرجع نفسه، ص.347

(41) Gilardone, p. 19.

أن يتساءل: لمَ نَقص رُ القدرات المعتبَرة ذات قيمة على الأفراد لا الجماعات؟ بالفعل ما من سبب

تحليلي خاص يدعونا إلى استبعاد القدرات الجماعية». إن ما يُعطي الدخل مثلً والوسائل بصفة

عامة قيمتها هو قابليّتها لأن تُتَرجَم إلى قدرات، أي أن تساعد في تحقيق نمط عيش لائق. تكمن أهمية مقاربة صن في أنها أدخلت عناصر جديدة في التحليل، كان الاقتصاديون الذين ينتمون إلى مدرسة اقتصاد الرفاه يعتبرونها متعارضة مع تصوّرهم عن العدالة (المنافع الفردية هي التي تُحدّد

ما إذا كانت حالة اجتماعية عادلة، أم لا)، مثل «الحرية» و«العدل» و«الحياة الكريمة». من المهم بالنسبة إلى صن عدم الخلط بين الغايات والوسائل، ومن ثم يجب ألّ تُعطى المداخيل والثراء (وسائل) قيمة في حد ذاتها، بل يجب أن تُقوَّمَ من جهة قابليتها لأن تساعد في بناء حيوات جديرة، بأن

تعاش (غايات). وهكذا فإنه لا يتعامل مع الفقر ولا يتصوّره حتمية اقتصادية محكومة بعدم التناغم

بين العرض والطلب أو بازدياد عدد السكان، في مقابل ندرة الموارد، بل فشلً في بلوغ مستوى معيّن

من «الاقتدار المطلق». سعى صن للقيام بتغيير جذري في علم الاقتصاد، ليتحوّل من علم وضعي يهتم بالرفاه والوسائل

اللازمة لرغد العيش être – Bien وتقويم الأوضاع والسياسات الاقتصادية، إلى علم معياري يهتم بالحرية الفعلية (القدرة) والعدالة الاجتماعية التي ناصبها عدد من الاقتصاديين العداء (اقتصاديو مدرسة شيكاغو واقتصاديو المدرسة النمساوية). وتنتمي مساهمات صن النظرية والتطبيقية إلى ما يمكن أن يُسمّى «اقتصاد العدالة الاجتماعية». يقول صن معلّقًا على وصف علم الاقتصاد بأنه علم

كئيب: «قد يصعب على المرء كثيرًا ألّ يغتمّ لدراسة الجوع أو الفقر مثلً، أو لمحاولة فهم أسباب وآثار

البطالة المدمّرة أو العوَز الرهيب. لكن هكذا ينبغي أن يكون، فالبهجة بحدّ ذاتها لا تساعد كثيرًا على

تحليل البطالة أو الفقر أو المجاعة». عُرّف الفقر بتدني مستوى الدخل، لكن يشوب هذا التعريف قصور كبير، وهو لا يصلح ليكون مقياسًا

للفقر. لا يعني ذلك أن الموارد ليست ذات قيمة في تحديد «الحياة الجيدة»، أو أنها ليست شرطًا للعيش الرغيد، بل يتمثل المشكل في اختلاف إمكانات الناس لتحويل الدخل وسواه من السلع والخيرات الأولية إلى قدرات معيّنة تقتضيها ما يسمى «حياة طيبة». رأى صن أن «العلاقة بين الموارد

والفقر متغيرة وشديدة الاعتماد على خصائص الناس المعنيين والبيئة التي فيها يعيشون»، وأن هناك أسبابًا مختلفة وراء إمكانات تحويل الدخل إلى أنماط حياة، وبالتالي إلى قدرات:

(((4 صن، ص.358

(43) Fontaine. (44) Amartia Kumar Sen, «Mortality as an Indicator of Economic Success and Failure,» The Economic Journal , vol. 108, no. 447 (January 1998), pp. 1–25. (45) Claude Gamel, Économie de la justice sociale: Repères éthiques du capitalisme (Paris: Éditions Cujas, 1992), Cité par Gilardone, p. 14.

(4((صن، ص.388–387 (4((المرجع نفسه، ص.369

• التباينات الشخصية: تتباين حاجات الناس بِتَبايُن خصائصهم البدنية، فالمريض مثلً يحتاج إلى دخل أرفع للقيام بالأشياء الأساسية (هناك أمراض وإعاقات غير قابلة للعلاج مهما كانت قيمة الثروة المخصصة لعلاجها). • تباين البيئة الطبيعية: الظروف المناخية والجغرافية قد تكون سببًا عائقًا أمام تحويل الدخل إلى وسيلة

للحياة الجيدة، بل إنها قد تكون سببًا في انعدام الدخل أو نقصه (الفيضانات، الجفاف، وغيرهما). • اختلاف البيئة الاجتماعية: أي الظروف الاجتماعية العامة، مثل مستوى التعليم العام والرعاية الصحية والعنف، وغير ذلك. وبصفة عامة ما يسمى في الدراسات الاجتماعية رأس المال الرمزي يؤثر جذريًا في تحويل الموارد الشخصية إلى قدرات. • اختلاف منظور التقويم: «قد تُغيّر أنماط السلوك السائدة في مجتمع ما كثيرًا الحاجة إلى الدخل

لإنجاز الوظائف الأساسية ذاتها»، ففي مجتمع غني لا بدّ من موارد أكثر لتلبية «الشروط الأساسية لاحترام الذات» مقارنة بمجتمع فقير. لئن كانت قدرات الأفراد في مجتمع سماته الاختلاف والتنوع والتفاوت غير متساوية، يصبح المشكل متعلقًا بالمساواة في الحقوق. وإذا اعتبرنا أن الفقر وضعية يكون فيها الفرد (أو الجماعة) فاقدًا قدرات أساسية من دون تحققها، لا يمكنه أن يحيا حياة كريمة، والسؤال الأساسي الذي ينبغي أن يطرح هو المتعلق بكيفية حماية الأفراد أو الجماعات من السقوط في الفقر، ومن ثم بالمسؤولية السياسية والأخلاقية للسلطة التي تتولى تنظيم شؤون المجتمع. إنه مشكل العدالة الاجتماعية في أبعاده الحقوقية والسياسية. نصل هنا إلى ما يمكن أن نسمّيه المقاربة الحقوقية – السياسية للفقر.

5. الفقر والحقوق

تؤكد المادة 25 من «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» (الفقرة الأولى) أن: «لكل شخص الحق في مستوى معيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاه له ولأسرته، ويتضمن الغذاء والسكن واللباس والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية. وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمّل والشيخوخة، وغير ذلك من أنواع فقدان وسائل العيش نتيجة ظروف خارجة عن إرادته». لا شك في أن هذه المادة على أهميتها لم تحظ بالأهمية التي حظيت بها المواد الأخرى المتعلقة بالحريات الفردية، مثل حرية التعبير وحرية الملكية وما يسمى الحريات الليبرالية. وأوّلت الحقوق وفق حدود الحريات (حقوق – حريات) لا وفق حدود القدرات (حقوق، ديون).

(4((المرجع نفسه، ص.372–370 (4((ينظر: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (01 كانون الأول/ ديسمبر.)1948

إن التأويل الليبرالي لحقوق الإنسان هو الذي هيمن وتمّت ترجمته تشريعيًا في دستور الدولة

المعاصرة. وهكذا جعلت الدولة مهمتها الأساسية ضمان الحقوق السياسية والمدنية، وإن لم تنكر الحقوق الأخرى، تعاملت معها باعتبارها مُثلً عليا ومبادئ أخلاقية لا غير. ومع ذلك لا يمكن تجاهل

ما وقع من تغيّر جذري في تصوّر حقوق الإنسان، «فإذا كانت إعلانات الحقوق في القرن الثامن عشر

ذات الطابع الليبرالي أكدت الحريات الفردية (حرية التفكير والقول، حرية التديّن، الحق في عدم

الإيقاف تعسّفًا، حق الملكية)، فإن النصوص التي جرى تبنّيها في القرن العشرين تؤكّد كلها هشاشة

الشخص الإنساني وضرورة حمايته بدنيًا من الخوف والبؤس». شكّل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والإعلانات والمواثيق الدولية الأخرى الصادرة عن الأمم المتحدة أو عن جهات دولية أخرى (مثل «اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية» CSDHLF و«الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان» CEDH و«الميثاق الاجتماعي الأوروبي» CAE)، إطارًا ملائمًا ليس لتعريف الفقر فحسب، بل لرصد مظاهره المتحوّلة وتحديد مستوياته ووضع مقاييسه

بهدف توجيه السياسات الاجتماعية. وبحسب المرجعية الحقوقية المشتركة ما عاد ثمة خلاف على تعريف الفقر بأنه «الوضعية التي يوجد فيها كائن إنساني محروم بصورة دائمة أو عرَضية من الموارد

والوسائل والاختيارات، ومن الحماية والسلطة اللازمتين للتمتع بمستوى عيش لائق، وبحقوق أخرى مدنية وثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية». إذا اعتبرنا «حقوق الإنسان» – سواء صُوّرت طبيعية أم اتفاقية، فإن من الجائز أن نتصوّرها معَادلة

أو متمَاهية مع الكرامة الإنسانية، وإذًا يعني انتهاكها امتهانَ كرامة الإنسان ومعاملته كأنه في مرتبة

أدنى من مرتبة البشر. ويجعل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الكرامة المبدأ الأساس للحقوق الإنسانية. يسمح مفهوم الكرامة الإنسانية إذًا بتجاوز المقاربة الضيّقة للفقر، تلك التي تُركّز على مجرّد العيش أو

البقاء على قيد الحياة والاهتمام بأبعاده الاجتماعية والمدنية والثقافية والسياسية. لا يعاني الفقراء الفاقة والعوز فحسب، بل عدم القدرة على الاختيار والتعبير أيضًا. ويؤدي الفقر إلى الحرمان من

الحقوق، كما يُنتج انتهاكُِ الحقوق الفقرَ، مثل التمييز العنصري والحرمان من التعليم وانعدام الحقوق

المدنية والسياسية. لئن اعتُبرت حقوق الإنسان كونية ومطلقة، فإنها لم تترجم قط في المجتمعات المختلفة بالطريقة نفسها، وهكذا ليس للحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (الفقر) الوقع

(5((يعود التمييز بين الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية إلى ثوماس همفري مارشال Thomas Humphrey Marshall.

(51)  Vivre en Dignité au XXIe Siècle: Pauvreté et inégalité dans les sociétés de droits humains: Le Paradoxe des démocraties (Strasbourg: Council of Europe, 2013), p. 78. (52) Organisation des Nations Unies, CODESC, «Questions de fond concernant la mise en œuvre du pacte international relatif aux droits economiques, sociaux et culturels,» (Genève, 23 Avril – 11 Mai 2001).. Vivre en Dignité au XXIe Siècle نقل: عنً (53)  Vivre en Dignité au XXIe Siècle , p. 63. (54) Ibid., p. 80.

نفسه على الجميع، لأن الوضعية الاجتماعية ومستوى التطور الاقتصادي، كما البنى الثقافية والدينية،

تؤثر إلى حدٍ بعيد في كيفية تقبّل الحقوق سلبيًا وإيجابيًا. ربما تسمح مقاربة الفقر من منظور حقوقي بتجاوز المواقف والخطابات التي تُجرّم الفقر، وتعتبر

الفقراء مسؤولين عن وضعيتهم، أي عن الخطيئة التي وقعوا فيها. لكن هذه المقاربة قد تكرّس، في

المقابل، فكرة المسؤولية الفردية عن الفقر، ولا سيما أن الحقوق الإنسانية لا تتصور إلا مقترنة بالفرد.

ثالثًا: الفقر وأزمة الديمقراطية

أُقيم تصوّر الديمقراطية على مبدأ المساواة في الحقوق، وهو ما يفترض أن كل نظام ديمقراطي يتناقض

جذريًا مع الفقر، ومع أشكال التفاوت المادي كلها في الملكيات والخيرات بين المواطنين، لكن الأمر

لم يكن كذلك لا في التاريخ، ولا في الواقع، حيث تشكلت الديمقراطية الحديثة وفق حدود ليبرالية، وصيغت مفاهيمها الأساسية حول مبدأ الفردية: الفرد كائن حر ومستقل ذو حقوق غير قابلة للتجزئة والتنازل، أهمها الحرية والملكية. ووقع التركيز، في مناخ الليبرالية الذي تحددت فيه معالم الديمقراطية

الحديثة، على الحقوق المدنية والسياسية، ولم تُعطَ الحقوق الاجتماعية إلا أهمية ثانوية في نصوص ذات مضمون معياري (مثل إعلان حقوق الإنسان والمواطن في عام 7891 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام.)1948 يُبيّن استحضار صورة الديمقراطية اليونانية والرومانية أن الديمقراطية في أصولها التاريخية ليست

النظام السياسي العادل (بمعنى العدالة التوزيعية) الضامن للمصلحة العامة ومصالح عموم الفقراء الذين يشكّلون الغالبية في المجتمع. يتضمن مبدأ التمثيل المميز للديمقراطية فكرة الفصل بين الأغنياء والفقراء، بين من يَستعملون من يمثّلهم، ومن يمثّلون أنفسهم. بل يمكن القول إن اللامساواة هي من

صميم الديمقراطية. «تصوّر الديمقراطية الذي يحكم تقريبًا الأنظمة السياسية كلها المسمّاة ديمقراطية

على المبدأ القائل إن ‘ الأفراد الفقراء يقومون بأعمالهم بأنفسهم، والأغنياء يستخدمون من يشرِف على أعمالهم’، وهو مبدأ فحسب، بما أن الأمر يتعلق ببرنامج أرسطي لا يهدف إلى إقامة بلوتوقراطية، بل إلى أوتوقراطية». النظام التمثيلي، إذًا، في الديمقراطية الحديثة هو نظام أنشئ لخدمة مصالح النبلاء (الإقطاعية) أولً، ثمّ طوِّر لخدمة مصالح البرجوازية الصاعدة. والتمثيل هو التقنية السياسية التي تتلاءم مع نمط الوجود

الخاص بالأغنياء الذين لا وقت لديهم للاهتمام بالشؤون العامة، أي بالإطار العام لشؤونهم الخاصة،

(((5 يقول أرسطو: «لا يقبل كمواطنين في دولة مكوّنة تكوينًا جيدًا إلا الأشخاص الشرفاء، ليس بحسب اعتبارات معينة فحسب،

بل أولئك الذين يكونون فض ءااَ حقًا. ويجب ألّ يُعد من ضمن المواطنين الأشخاص الذين يمارسون مهنًا ميكانيكية أو الذين

يشتغلون بالتجارة، فهذا النوع من الحياة حقير ومناقض للفضيلة. ويجب عدم اعتبار المزارعين مواطنين، لأنه لا بدّ من أوقات فراغ

أزيد مما لديهم لاكتساب الفضائل وممارسة الوظائف المدنية. بقي المحاربون وأعضاء المجلس، وهم المؤهلون للتداول حول

المصلحة العامة والقضاة الذين يبتّون في حقوق المدّعين. هؤلاء هم حصرًا ومن دون تناقض أعضاء الدولة الأساسيون»، نقلً عن:

T. Galibert, Le Mépris du peuple: Critique de la raison d’etat (Cabris: Editions Sulliver, 2013), p. 154. (56) Ibid., p. 151.

لكنه لا يعني شيئًا بالنسبة إلى الفقراء الذين لا مصالح لهم جديرة بالمتابعة والتنقل في المكان. ما ذكرناه يمكن أن يدخل في نطاق النقد الجذري للديمقراطية، وهو ما لا نقصده في هذا البحث، حيث أردنا فحسب التنبيه إلى أن وجود الديمقراطية السياسية لا ينفي التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية ولا يتعارض معها، وذلك بالنظر إلى الأصول النظرية والتاريخية للديمقراطية ذاتها. لا يمكن لنظام سياسي، خصوصًا إذا كان ديمقراطيًا، أن يحوز المشروعية اللازمة للاستمرار مع وجود

أشكال من التفاوت الاقتصادي المجحف وغياب العدالة الاجتماعية. تُقدَّم الديمقراطية وتُقبل باعتبارها نظامَ الحكم القائم على المساواة، الذي يستمدّ مشروعيته من الإرادة الشعبية، وهي بهذا

المعنى لا تتلاءم مع أي شكل من أشكال الحيف الاجتماعي، ولا يمكن، في الحصيلة، أن تقبل بوجود مجموعة من المواطنين في حالة حرمان أو في وضعية لا يستطيعون فيها الحصول على الخيرات والخدمات الأساسية اللازمة للعيش الكريم. إن وجود فقراء ومحرومين في مجتمع ديمقراطي – وهو أمر واقع يمكن أن نُعاينه في المجتمعات الفقيرة، كما في المجتمعات المزدهرة اقتصاديًا على حدّ سواء – يدل على فشل المشروع الديمقراطي الليبرالي، خصوصًا في صيغته الأخيرة،

نقصد الليبرالية الجديدة المعادية للسياسة وفكرة العدالة الاجتماعية. وإذا كانت الديمقراطية تمثّل وَعدًا بالمساواة بأبعادها كلها، فإن وجود الفقر في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة، إضافة إلى

اتساع نطاقه المستمر، دليلٌ كافٍ على «إفلاسها»، ودليل على تنكّرها للمصدر الأخلاقي الذي يُفترَض

أن يوجهها. إنها ديمقراطية إجرائية توظف لتنظيم السوق محليًا وعالميًا لا غير. لكن يُدرك من يدير اللعبة الديمقراطية جيدًا أن الفقر (وأشكال الحرمان والظلم الأخرى كلها) يجب

ألا تتجاوز حدًّا معيّنًا. من أجل أن تستمر الديمقراطية في أداء وظيفتها التنظيمية، أي الفصل – وأحيانًا

الوصل – بين من يملك ومن لا يملك، بين الأغنياء والفقراء، يجب اتّباع السياسة الحيوية المناسبة، حيث لا يُصبح الفقر سببًا للفوضى والتمرّد وخطرًا على اشتغال الأنظمة السياسية الديمقراطية. ما عادت الديمقراطية «عنصرَ إدماجٍ اجتماعي وقاعدةً تُبنى عليها هوية وطنية متجاوِزة الطبقات

الاجتماعية كما كانت عمليًا وأيديولوجيًا في القرن الماضي»، بل آليةً سياسية للإقصاء. «منذ

الخمسينيات تحقق الاندماج الاجتماعي بوساطة سياسة مواطنةٍ إدماجيةٍInclusive Citoyenneté تسعى لتوسيع إطار حقوق المواطن وعدد المستفيدين منها، أما اليوم فإن المواطنة الحصرية Exclusive Citoyenneté هي التي تُفرَض: تساهم الحكومات، بدعوتها إلى الحدّ من إمكان الحصول

على الحقوق الاجتماعية، في القبول بواقع وجود عدد متزايد من الأشخاص بلا حقوق». لا شك في أن من شأن ارتفاع عدد الفقراء والمهمّشين والمحتاجين في الدول الديمقراطية أن يُهدّد

استقرار تلك المجتمعات واستمرار أنظمتها السياسية. وما عاد من الممكن اليوم لجماهير عريضة

فقيرة تعاني ضنكَ العيش أن تستمر في القبول بنظام يرفع شعارات الحقوق، لكنه يتجاهلها، بل يُكرّس

(57)  Vivre en Dignité au XXIe Siècle , p. 100. (58) Ibid., p. 120. (59) Ibid.

هدرها في الواقع. ويدل عدم قدرة عدد كبير من الناس على التمتع بالحقوق الأساسية، أي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الضرورية للعيش بكرامة، على تناقض الديمقراطية الحديثة وضعفها، تناقض بين ما تَدّعيه من شرعية وما تحقّقه على مستوى الحقوق الإنسانية، وضعف يظهر في انعدام ثقة المواطنين بالنظام السياسي والفاعلين فيه. رسّخت الدولة الديمقراطية الحديثة فكرة الفصل بين القانوني (الحقوق الفردية) والاجتماعي

(المصلحة العامة، الحقوق المشتركة) إلى حد أن حماية الحقوق الذاتية صارت هدف النظام السياسي الرئيس، ومن أجل تحقيقه، تُوظّف الوسائل المتاحة كلها. ولئن وُسّع نطاق الحقوق، حيث ما عادت

تشمل المالكين فحسب، فإن المشكلة التي لم تنجح الديمقراطية الليبرالية في حلّها هي كيفية ترجمة الحقوق المتساوية بين مواطني الدولة الواحدة. اعتُرِف بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للجميع، لكن مسألة تكريسها عمليًا لم تؤخذ باعتبارها هدفًا

استراتيجيًا في السياسات الحكومية. وهكذا قُبل التفاوت بين الطبقات واعتُبر الفقر معطىً طبيعيًا

يجب التعامل معه بالوسائل القديمة نفسها (المساعدة الشخصية للفقراء بحسب مبدأ الإحسان والدعوة إلى الرفق بهم كما يقضي بذلك الواجب الديني). وطبعًا لم تعدم الرأسمالية الوسيلة لترسيخ

فكرة أن الفقرَ معطى طبيعي. في هذا السياق استندت الأيديولوجيا الرأسمالية إلى الدين بهدف

السيطرة على الطبقة العاملة وإبقائها في وضعية الاستغلال والتبعيّة. تُبيّن دراسات كثيرة أن ظاهرة الفقر في الفترة الزاهرة لدولة الرعاية الاجتماعية تقلصت إلى حدٍّ بعيد،

لكن في أواخر السبعينيات بدأ التحوّل الكبير نحو الاقتصاد الحر، وهو ما سُمّي الليبرالية الجديدة

Neoliberalism. تُرجم هذا التحوّل من خلال المدرسة النمساوية (كارل منجر Menger Karl،

ولدفيغ فون مايسز Mises Von Ludwig، وفريدريك هايك Hayek Friedrich، ومورّي روتبارد

Rothbard Murray)، وكذلك في كتابات أعضاء مدرسة شيكاغو (ملتون فريدمان Milton Freedman، وجورج ستيغلر Stigler George، وفرانك نايت knight Frank، ورتشارد بوسنر Posner Richard، وج. س. بيكر Becker. S. G) الذين دافعوا عن ضرورة التخلّي عن الليبرالية الكلاسيكية ومبادئها الموروثة من القرن الثامن عشر، ورفضوا العدالة الاجتماعية (دولة الرعاية) باعتبارها العائق الأكبر أمام النمو الاقتصادي وازدهار الأسواق. وتحقق ذلك التحوّل عمليًا من خلال

سياسات اقتصادية قادتها أحزاب يمينية محافظة، خصوصًا في بريطانيا (مارغريت تاتشر) وفي

الولايات المتحدة الأميركية (رونالد ريغان) في ثمانينيات القرن العشرين. لم تحقق السياسات الليبرالية الازدهار الاجتماعي الموعود، وإن حققت النمو الاقتصادي لفائدة رأس المال الذي بدأ توسعه الكبير خارج إطار سلطة الدولة – الأمة. في ظل تلك التحولّات تَعمّم الفقر،

وتوسّعت قاعدته في الدول الرأسمالية المتطوّرة صناعيًا. ولأن الأوضاع في دول أطراف النظام

الرأسمالي لم تكن أفضل؛ إذ بقيت الدول الوطنية المستقلة حديثًا تابعة للقوى الاستعمارية القديمة، ولم تتمكن لأسباب هيكلية من القضاء على الفقر، أو حتى التقليل منه، فإنه يمكن تأكيد وجاهة افتراض التلازم بين تطور الرأسمالية والفقر.

لا يعني ما سبق أن المقاربة المعاصرة للفقر في إطار الليبرالية الاقتصادية تخلّت تمامًا عن «الإحسان»

و«الصدقة» المُكرّسين بالنصوص الدينية والتقاليد الموروثة. يرى فريدريك فون هايك، أحد أبرز

منظّري الليبرالية الجديدة، مثلً أن الفقراء والمهمّشين في مجتمع السوق يستطيعون الاستمرار بالبقاء،

على الرغم من عدم اقتدارهم على الإنتاج والتبادل، وذلك من خلال أعمال الإحسان (الصدقات أو الهِبات). طُرح في إطار الخطابات السياسية والاقتصادية مفهوم «التنمية» الذي أصبح اليوم مستعملً على نطاق واسع. وقد لا تعني التنمية نمو الإنتاج والمنافع الاقتصادية فحسب في بلد معين، بل تدل في الأساس على مستوى معيّن من النمو الاقتصادي المقترن بالرفاه الاجتماعي، وإمكان الحصول على «خيرات»

ثقافية بالنسبة إلى مواطني البلد الواحد. لا تعني مقولة «التنمية» أن القضاء على الفقر أو على الأقل التقليل من آثاره السلبية مرهون بالأعمال الخيرية أو بمبادرات الإحسان الفردية، بل على نوع من السياسة الاجتماعية التي تتوخّاها الحكومات المعاصرة، بهدف ضمان حدٍّ معيّن من السلام والاستقرار

الاجتماعيين. لا يكفي الإحسان الفردي أو الجماعي، بل لا بدّ من برامج اقتصادية واجتماعية تسطّرها وتنفّذها الحكومة بهدف توفير شروط حياة لائقة لفئات معيّنة من المجتمع. تتعامل الحكومات المختلفة التي تعتمد الليبرالية الجديدة نهجًا سياسيًا وحيدًا يقوم على الفصل

بين السياسة والاقتصاد من جهة، والاقتصاد والمجتمع من جهة ثانية، مع الفقر باعتباره ظاهرة «طبيعية» متناغمة مع الاقتصاد الحر القائم على الملكية الخاصة، وعلى التنافس غير المحدود من أجل مراكمة الملكيات والخيرات، ومن ثم إقصاء الآخرين منها. لكن يمثل الفقراء، كما كانت حالهم في الماضي، خطرًا على النظام الاجتماعي وعلى المالكين خاصة، ولذلك يجب البحث

عن الإجراءات وابتكار الوسائل التي من شأنها أن تلغي خطر الفوضى والاضطراب الذي يقترن بوجودهم. وما عاد الإحسان الموجّه باعتبارات دينية كافيًا لمواجهة ظاهرة الفقر، كما ظواهر

الإقصاء الاجتماعي الأخرى. في هذا السياق تتجلّى وظيفة وأهمية برامج الرعاية الاجتماعية والصحية الموجّهة إلى فئات المجتمع الفقيرة والهشة. إنها سياسات الحدّ الأدنى من السلام

الاجتماعي اللازم كي يستمتع الأغنياء بثرواتهم. قد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن دور الديمقراطية الليبرالية أصبح مقتصرًا اليوم، في ظل هيمنة

الاقتصاد على السياسة، على تبرير واقع التفاوت بين المواطنين؛ التفاوت بين من لهم «الحق في الحقوق» ومن لا يُعتَرف لهم إلا بحقوق «صورية»، تلك الحقوق التي لا قيمة لها إلا إذا توافرت

للأفراد الشروط المادية والثقافية للعيش اللائق. هل يمكن أن يكون الفقراء قوة سياسية قادرة على تغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات الراهنة، لتصبح بحق مجتمعات قائمة على العدل والمساواة والكرامة؟

(60) Friedrich August Hayek, Droit, législation et liberté: Une nouvelle formulation des principes libéraux de justice et d’économie politique , R. Audouin (trad.), vol. 3, Collection Libre Echange (Paris: PUF, 1983), p. 154.

رابعًا: قوة الفقراء السياسية

إن الفقر والعوز ليسا من الماضي، كما يفترض أن تكون الحال، على الرغم من التطور الاقتصادي والتقني المذهل الذي تعرفه البشرية اليوم، حيث ازدادت الهوّة بين الفقراء والأغنياء، وظهر تحالف

بين الاقتصاد الحر والديمقراطية الليبرالية ليس لإزالة العوائق أمام حركة رؤوس الأموال فحسب، بل أيضًا لفرض القبول بتعميم الفقر على نطاق عالمي (عولمة الفقر). ولم تلغِ العولمةُ التناقض بين

الفقراء والأغنياء، ولم تنتج إمكانات حقيقية أمام الجماهير المحرومة وأمام الشعوب الفقيرة للخروج

من الفقر. على العكس من ذلك اتّسعت المسافة بين العالمَيْن، حتى إن مصطلح «الطبقة» ما عاد

صالحًا للتعبير بدقة عن الجموع اللامتناهية العدد من الفقراء الذين ليس من السهل تحديدهم أو

تصنيفهم وفق المعايير والتصنيفات الاقتصادية القديمة، مثل الملكية والاستهلاك والحصول على الوسائل الضرورية للعيش. أوجدت العولمة قطيعة مؤكدة بين الفقراء والأغنياء؛ إذ ما عاد الأغنياء في حاجة – وهم مصادفة الممثلون على المسرح السياسي والمالكون لأغلب الموارد وأعظم القوى – إلى الفقراء لا لينقذوا أرواحهم (التي يعتقدون أنهم لا يملكونها وما كانوا على أي حال ليروها جديرة بالرعاية)، ولا ليبقوا أثرياء أو يصبحوا أكثر ثراء (وهو ما سيكون في نظرهم أكثر سهولة لو لم تكن هناك مطالبة باقتسام جزء من ثروتهم مع الفقراء). إضافة إلى ذلك، وبوساطة التطور العلمي والتقني و«تألية» Automatisation عملية الإنتاج تحوّل

المجتمع الحديث إلى «مجتمع عمال من دون عمل»، كما تقول حنة أرندت. وأنتجت العولمة ثنائية خطرة بالنسبة إلى الإنسانية راهنًا ومستقبلً: «رأسمالية بلا عمل » وديمقراطية بلا حقوق. بفعل التطور التكنولوجي غير المسبوق، وانفتاح الأسواق، أصبح «رأس المال» الذي صار عالميًا

مستقلً عن «العمل»، والبرجوازيون قادرين على الاستغناء عن «قوة العمل»، سواء من خلال عمليات الدمج بين الشركات أم من خلال تغيير أماكن العمل، وتسريح العمال في سبيل تقليص كلفة الإنتاج. وأكثر من ذلك، أدّى التطور التقني والثورة الرقمية خاصة إلى التخلّي تدريجًا عن العمل البشري،

وإحلال الكمبيوتر محل العمل البشري اللامادي. ويرى المطّلعون على بواطن الأمور، من أصحاب الشركات الكبرى والخبراء التقنيين، أن «العمل البشري في قطاع برامج الكمبيوتر ظاهرة موقتة، حتى إن كان زهيد الأجر (لعلّه كان كذلك منذ عشرين عامًا). فالتوسع في إنتاج البرامج الجاهزة، وتطوير

(6((أولريش بك، ما هي العولمة، ترجمة أبو العيد دودو (كولونيا: منشورات الجمل، 9991)، ص.89 (6((تقول حنة أرندت: «أفرَغ مجيء الآلية في بضع عشرات من السنين المصانع، وخلّص الإنسانية من العبء الأقدم والأكثر

طبيعية، وهو عبء العمل، أي التبعية للضرورة [...] يبدو أنه تم ببساطة استخدام التقدم العلمي والتقني لإنجاز ما حلمت به في كل الحقب السابقة دون أن تصل إليه [...] إنه مجتمع عمال يتم تحريره من قيود العمل، وهذا المجتمع ليس له دراية بنشاطات أسمى وأثرى تستحق عناء الحصول على تلك الحرية [...] ما هو أمامنا هو أفق مجتمع عمال من دون عمل، أي محرومون من النشاط الوحيد الباقي لهم. لا يمكن تخيّل ما هو أسوأ من هذا»، ينظر:

Hannah Arendt, Condition de l’homme moderne (Paris: Calmann–Lévy, 1961), p. 11.

((6(أولريش بك، ص.92–91

لغات جديدة في كتابة البرامج سيؤدي قريبًا [...] إلى أل تكون هناك حاجة إلى العمل البشري إلا

بالكاد، وإن استخدام الأجهزة الجديدة سيمكّن مبرمجًا واحدًا في المستقبل من تأدية ما يُنجزه اليوم مائة من زملائه». إن ما يسمّيه أندري غورز العامل الجماعي الذي يمثّل محور العملية الإنتاجية عِوَض العامل الفرد،

يُعتبر أحد أهمّ التحولّات الجوهرية المميزة للعمل الاجتماعي المعاصر. وأدّى التطوّر التقني والآلية

المفرطة في العمل إلى تدهور الطبقة العاملة وتفكّكها. وظهرت في القطاعات الإنتاجيّة كلها نخبة من

العمّال المدرّبين والمؤهّلين تأهيلً جيّدًا، قادرة باستمرار على تغيير خطط الإنتاج. وهذه الخصائص

والامتيازات كلها جعلتها بمنزلة النواة القارّة للشركة. هذه النخبة «تتعاون مع رأس المال باسم الإيتيقا

الجديدة للعمل». أدّى هذا الوضع الجديد للعمل إلى تردّي مكانة الطبقة العاملة في مجتمع السوق المعمّم. ولم تُمكّن

النزعة التقنية متعددة الاختصاصات الطبقة العاملة من الاستقلالية والتقرير الذاتي، بل «مكّنت نواة صغيرة فحسب من العمال المحظوظين، وهي مندمجة في الشركات من النمط الجديد، وذلك على حساب تهميش وتفقير عدد كبير من البشر الذين يتنقّلون من عمل تافه أو ظرفي إلى آخر بلا أهميّة،

وقد يتصارعون على حظوة بيع خدمات شخصيّة – بمن فيهم ماسحو الأحذية والرجال والنساء الذين

يعملون كخدم في المنازل – لأولئك الذين يتمتّعون بدخل ثابت». ولا يتناسب نموّ الإنتاجية بفعل

التطور التقني والثورة الاتصالية في الدول المتطورة مع نموّ الناتج القومي الإجمالي، وحصيلة ذلك

«نمو لا يفضي إلى زيادة في فرص العمل». يمكننا أن نتبيّن في كثير من الكتابات القديمة والحديثة، حقدًا شديدًا على الفقراء، ولنا أن نستذكر

التمييز المعروف في الكتابات المسيحية بين «فقراء المسيح» و«فقراء الشيطان»، أولئك الذين تجب ملاحقتهم وسجنهم وإجبارهم على العمل. إن سبب الحقد والضغينة اللذَين يحملهما الأغنياء تجاه الفقراء أن هؤلاء يمثلون تهديدًا للملكية وخطرًا يتهدد النظام القائم. إنهم يمثلون، في نظر الأغنياء،

وقودًا للمخططات والمؤامرات كلها التي يمكن أن تُحبك لإطاحة «جمهورية الملكية». إن الفقراء،

سواء كانوا عمالً يحصلون على أجر أم عاطلين أم مهمشين، لا «يوجدون في المصدر التاريخي أو

(6((هانس بيتر مارتين وهرالد شومان، فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية، ترجمة عدنان عباس علي، مراجعة وتقديم رمزي زكي، سلسلة عالم المعرفة 823 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9981)، ص.191–190

(65) André Gorz, Métamorphoses du travail: Quête du sen  (paris: Editions Galilée, 1988), p. 91.

بحسب إيتيقا العمل، يعتبر العمل واجبًا وإلزامًا اجتماعيًا وطريقًا نحو النجاح الشخصي. تُبنى أيديولوجيا العمل على فكرة أنه بقدر

ما يعمل المرء أكثر، يجد الجميع عملً، وأنّ الذين يعملون قليلً أو لا يعملون يُلحقون ضررًا بالمجموعة، ولا يستحقّون أن يكونوا

أعضاء فيها. وفق إيتيقا العمل من يعمل جيّدًا ينجح على الصعيد الاجتماعي، ومن لا ينجح يتحمّل هو نفسه مسؤولية ذلك.

(66) Gorz, p. 94.

((6(مارتين وشومان، ص.207

(68) Hardt & Negrri, p. 82.

على الحدود الجغرافية للإنتاج الرأسمالي، بل يوجدون أكثر فأكثر في مركزه. وكذلك تظهر حشود الفقراء في مركز برنامج التغيير الثوري الجذري». أفرزت العولمة الرأسمالية ظاهرة جديدة بالنظر إلى ما عرفته الدول الأوروبية على وجه الخصوص خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا فترة السياسات الاجتماعية التي اتبعتها الدولة – الراعية. وتمدّدت جغرافية الفقر لتشمل الدول الصناعية التي لا تزال نموذجًا تسعى الدول

«النامية» لتقليده. لا يوجد الفقراء والمحرومون في آسيا وأفريقيا فحسب، بل في المدن الأوروبية والأميركية أيضًا. «في عام 9961 زاد عدد السكان الذين يبحثون عن فرصة عمل من غير جدوى في بلدان ‘منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي’ OECD) (على 04 مليون مواطن. ومن الولايات المتحدة

الأمريكية شمالً وحتى أستراليا جنوبًا، ومن بريطانيا العظمى غربًا وحتى اليابان شرقًا، ينخفض على

نحو سريع المستوى المعيشي الذي تمتع به الجمهور العام في الأمم الرائدة في الاقتصاد العالمي». في مقابل سعي السلطة السياسية الممثِّلة الطبقات المسيطرة اقتصاديًا واجتماعيًا للهيمنة على الفقراء،

وإبقائهم في وضعية التبعية التامة، باعتبارهم قوةَ عمل لا غِنى عنها، وُجدت دائمًا حركات احتجاج

ومقاومة رفضًا لواقع الاستغلال والظلم (ثورة سبارتاكوس في زمن الإمبراطورية الرومانية، ثورة الزنج في العراق في القرن الثالث الهجري، حرب الفلاحين في أوروبا في القرن السابع عشر، انتفاضة الزنوج في هايتي بقيادة لاس كازاس في القرن الثامن عشر، الحركات العمالية في القرن العشرين، الانتفاضات الشعبية في العالم العربي في الأعوام الأخيرة، وغيرها). ملتبسة إذًا هي وضعية الفقراء، فمن جهة ثمة تقبيح للفقر وإدانة للفقراء، تصل إلى حدّ اعتبارهم أشرارًا

وأراذلً، ومن جهة أخرى هناك تقريظ له وامتداح للفقراء، يراوح بين التقدير ذي الطابع الديني، وتأكيد دورهم الأساسي في فعل التغيير الثوري. على سبيل المثال، قال أدولف تيارس Tiers Adolphe في إحدى جلسات الجمعية الوطنية الفرنسية في عام 850:1 «نحن نريد أن نقصي الحشود الجائعة لا الشعب». وستكون هذه الحشود الجائعة من الفقراء والهامشيين موضوع احترام وتعاطف كبيرين من كتّاب آخرين مثل ماركس أو كارل مانهايم أو غوستافو غوتيرز Guttierez Gustavo

مؤسس حركة «لاهوت التحرير» في أميركا اللاتينية في السبعينيات. وقد يكون من المفيد أن نذكّر هنا بأن غوتيرز هو الذي ابتكر مفهوم «القوة التاريخية للفقراء» باعتبارهم الرهان الأساسي للاهوت السياسي الجديد. يجب علينا بخصوص الموقف من الفقراء أن نأخذ في الحسبان الفرق الكبير بين اللاهوت السياسي،

باعتباره فكرًا محافظًا، والحركات الثورية الراديكالية، من دون أن نفصّل القول في الموضوع في هذا

(69) Ibid., p. 95.

((7(مارتين وشومان، ص.192

(71) Hardt & Negrri, p. 82. (72) Jean–Louis Souletie, «La Théologie politique et le combat contre la pauvreté,» Transversalités , vol. 3, no. 111 (2009), pp. 105–114.

المجال. يدل الموقف الإيجابي من الفقراء على الأمر التالي: حتى إن عُرّف الفقر باعتباره وضعية

تتميز بنقص في الخيرات والموارد، لا يمكن اختزال الفقراء أبدًا إلى مجرّد القوة العارية، وذلك لأنهم

يتمتّعون بقوى ابتكار وإنتاج وطاقة هائلة للتغيير. «وفي الحقيقة لا تكمن حقيقة الفقراء في ما يعوزهم،

بل في اقتدارهم. عندما نتجمّع ونشكّل جسمًا اجتماعيًا أقوى من أيّ من أجسادنا الفردية، فإننا نكوّن

شكلً جديدًا للذاتية المشتركة». يسمي غوتيرز قدرة الفقراء على تغيير أوضاعهم وأوضاع مجتمعاتهم «القوة التاريخية للفقراء»، ويطلق عليها نيغري وهاردت «السياسة الحيوية»، مستعيدين مفهوم فوكو. السياسة الحيوية هي مجال مقاومة الفقراء (الحشود Multitudes) أشكال الاستغلال الاقتصادي والحرمان الاجتماعي كلها، وقوى الهيمنة الإمبراطورية كلها، أي للسلطة الحيوية. نظريًا، تكمن قوة الفقراء السياسية في عددهم، فهم يمثلون قاعدة انتخابية عريضة تسعى الأحزاب

والشركات والسياسيون لاستمالتها في فترات الانتخابات. تتمثل المفارقة المميزة للديمقراطية الليبرالية في أن الفقراء يمثّلون الحشود الأكثر عددًا، التي من شأنها أن تحدّد نتيجة الانتخاب، لكنهم على الرغم من ذلك لا يحكمون. وحتى إن بلغ بعض السياسيين من ذوي الأصول الفقيرة مراتب سياسية عليا تؤهله للمشاركة في صنع القرارات، فإنه لا يمثل ولا يعبّر بالضرورة عن مصالح الشرائح الفقيرة

التي ينحدر منها وتطلّعاتها؛ إذ سرعان ما ينخرط في الدفاع عن مصالح الطبقات العليا. أصبح إمكان المشاركة السياسية في المجتمعات الديمقراطية الحديثة متاحًا أمام حشود الفقراء، سواء

من خلال التنظيمات الحزبية أم في إطار منظمات المجتمع المدني. يستطيع جميع المواطنين من خلال الآليات الديمقراطية المشاركة في صنع القرارات السياسية، سواء عبر الانتخابات الدورية أم عبر المداولات في الفضاء العمومي. لكن إمكانات الفعل السياسي المتاحة أمام الفقراء لا تُفضي عادة إلى تغيير فعلي لوضع الهشاشة والتبعية والحرمان، حيث كثيرًا ما يتمّ تزييف الوعي العمومي عبر

الوسائل الأيديولوجية المختلفة، كما أن آلية التمثيل كثيرًا ما تفضي إلى انقطاع الصلة بين الفقراء ومن

ينوبهم، وهنا تُطرح مشكلة انعدام ثقة المواطنين بالممثلين السياسيين، وما ينتج منها من عزوف عن المشاركة السياسية ولامبالاة بالشأن العام. وهكذا يقصى الفقراء سياسيًا واجتماعيًا من دون أن يتنبّهوا

ويعوا سوء أوضاعهم، بعبارة أخرى ينسدّ كل أفق تحرري أمام حشود الفقراء.

(73) Hardt & Negrri, p. 265.

((7(يقول هاردت ونيغري: «السلطة الحيوية Le biopouvoir التي نناضل ضدها لا تقارَن، سواء من حيث طبيعتها أم من حيث

شكلها، بقوة الحياة التي بفضلها ندافع عن أنفسنا ونبحث عن حريتنا. لنرسم هذا الاختلاف بين سلطتي الحياة، نحن نتبنّى التمييز

اللغوي الذي استقيناه من كتابات فوكو بين سلطة حيوية والسلطة السياسية، وهو تمييز لم يستعمله بشكل إجرائي. بحسب هذا التمييز يمكن أن نعرّف الأولى بأنها السلطة التي تمارَس على الحياة، والثانية بأنها القوة التي تتوفر عليها الحياة للمقاومة وتحديد

إنتاج بديل للذاتية»، ينظر:

Ibid., p. 97.

يرى الكاتبان أيضًا أن الأنثروبولوجيا السياسية، كما تشكلت ملامحها في الفلسفة السياسية الحديثة، تقوم على مبدأ السلطة الحيوية وأن الأشكال المختلفة لمقاومة تلك السلطة في أبعادها المنوعة هي تجسيد للسياسة الحيوية، ينظر:

Ibid., pp. 346–347.

بسبب فشل الديمقراطية الحزبية في تحقيق العدالة وترجمة الحقوق الاجتماعية إلى ممارسات وحريات فعلية، نتيجة ارتهانها وتوظيفها من رأس المال، طرحت فكرة «نهاية السياسة» للدلالة على أفول الديمقراطية التمثيلية أو بدايته. وما عادت الديمقراطية السياسية القائمة على فكرة الحقوق والحريات الفردية تتلاءم مع تطلّعات مواطنين متجاوزين الانتماءات الطبقية والاجتماعية والسياسية نحو الحصول على شروط العيش الكريم، ومن ثم تحقيق العدالة الاجتماعية التي هي الشرط الأساسي للمجتمع الديمقراطي الحقيقي. «مع تزايد الدول المراهنة على جذب رأس المال، يتزايد أيضًا، وبوتائر متسارعة، سلطان رأس المال في الأسواق [...] وعلى خلفية هذه التطورات كلها، لا جدوى من الحديث عن هوية الحكومة أو الحزب المسؤول عن تعاظم البطالة. (إن) الدولة المستسلمة للسوق لا قدرة لها على تحقيق توزيعٍ أكثرَ عدالةً للخيرات، حتى وإن طالبتها بذلك الأكثرية الساحقة

من المواطنين». من نافلة القول إن جموع الفقراء هم المعنيون بمشروع تحقيق العدالة الاجتماعية، وهم الذين عليهم حمله والنضال في سبيل تحقيقه. لم تخلُ فترة من فترات التاريخ من أشكال مقاومة مختلفة ضد الهيمنة والاستغلال، قادتها حركات سياسية مثل انتفاضات الفلاحين الأوروبيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر، والانتفاضات ضد الاستعمار وتمرد الجماعات العرقية والاحتجاجات بسبب نقص المواد الغذائية في زمننا الراهن. أشكال المقاومة ليست جديدة، ولا يمكن أن تنتفي تمامًا ما دامت ثمة سلطة قائمة على الإكراه

والقمع وحامية نظام الاستغلال والإقصاء. لكن المشكل الأساسي الذي يواجه حركات التمرد والانتفاضات العفوية كلها هو غياب «البنية التنظيمية» و«المؤسسة المشروعة» التي يمكن أن تحلَّ محل السلطة القديمة وتنشئ نظامًا جديدًا على أنقاض النظام القديم. لهذا سرعان ما تخبو جذوة

التمرد فلا تصل الانتفاضة إلى مداها، وتتحقق مطالب الحشود التي انخرطت في النضال. ومع ذلك، لا تكاد الانتفاضات والاحتجاجات تختفي من مسرح التاريخ، إنها بمنزلة الحدث الدوري الذي يظهر في كل مرة ردة فعل على القمع والاستغلال. يذهب هاردت ونيغري إلى أن هذه الانتفاضات الشعبية «تحدّد في العمق ليس ميكانيزمات القمع

فحسب، بل أيضًا بنى السلطة ذاتها»: ما دام هناك سلطة متناقضة مع تطلّعاتهم ومصالحهم،

((7(لا تعني فكرة نهاية السياسة انعدام الحاجة إلى الفعل السياسي والمؤسسات السياسية، بل تعني انعدام الفعل المعياري للدولة، بحسب نظرة محددة ومسبقة إلى العالم، ينظر:

Pierre Birnbaum, La Fin du politique (Paris: Editions du Seuil, 1975); Zaki Laidi, La Gauche à venir: Politique et mondialisation (La Tour–d’Aigues: Éditions de l’aube, 2001), p. 25.

(7((هورست أفهيلد، اقتصاد يغدق فقرًا، ترجمة عدنان عباس علي، سلسلة عالم المعرفة 335 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة

والفنون والآداب، 0072)، ص.285

(77) Hardt & Negrri, p. 341.

((7(كلمة Jacquerie تدل على انتفاضات الفلاحين والفقراء التي عرفت في أوروبا في القرن الرابع عشر الميلادي.

(79) Hardt & Negrri, p. 341.

فسيكون هناك بالضرورة أشكال من التمرّد  والانتفاضة والممانعة. لكن ما هو مهم، بحسب نيغري

وهاردت، هو أن الممانعة في بعدها الثوري ليست محدودة بالمجال الاقتصادي، كما أكدت ذلك التصورات الشيوعية والماركسية، بل تدور في المجال البيوسياسي كله، أي في المجال الاجتماعي، حيث تدمّر شروط العيش الكريم للجميع وفي الوقت نفسه تصنع شروط الحياة والمحافظة عليها.

خاتمة

تغيّرت النظرة إلى الفقراء عبر التاريخ بحسب دورهم الاقتصادي، وتغيّرت تبعًا لذلك مكانتهم

السياسية، لكنهم بقوا في كل مرة مصدر خشية لمن يستحوذون على الثروة ويمسكون بالسلطة، فهم يمثلون خطرًا داهمًا يتهدّد «جمهورية الملكية»، يجب الحذر منه وتجنّبه بالوسائل المادية والرمزية

كلها. ونُظِرَ، في الثقافات كلها تقريبًا، إلى الفقراء باعتبارهم أراذل وأشرارًا يستحقون وضعية الحرمان

والبؤس. ولم تؤدِ الأديان إلا دور التبرير الأيديولوجي المناط بها في الأزمان كلها: الفقر هو إما عقاب رباني ونتيجة للخطيئة الأولى يتحمّلها الجنس البشري، وإما ابتلاء واختبار لإيمان المؤمنين وصبرهم.

لم يمنع ذلك من أن يتحوّل الدين في لحظات تاريخية معينة إلى أيديولوجيا احتجاج ومحرك لتمرد

الفقراء ضدّ الطغاة والمستبدين، وذلك انطلاقًا من فهم منشق للتعالي وندائه، وليس عن وعي محايث بحقهم في حياة كريمة وبقدرتهم على التغيير. إقصاء الفقراء من الملكية هو في الوقت ذاته إقصاؤهم من مجال السياسة، فمن لا حصّة له لا صوت

له. لكن مع تطوّر الرأسمالية وتشكّل الديمقراطية التمثيلية في إطار الدولة – الأمة ستنفتح أمام الفقراء

آفاق واسعة للمشاركة السياسية. ويمكن القول إن الديمقراطية مكّنت الفقراء «الذين لا حصة لهم» – بعبارة الفيلسوف الفرنسي جاك رونسير Rancière Jacques – من السلطة والثروة من أن تكون لهم

حصة ما. طبعًا أخذت تلك الحصة أشكالً ومقادير مختلفة، مثل الحقوق المدنية والسياسية والرعاية

الاجتماعية والاعتراف بالحق في الحقوق. أدّى تطور الرأسمالية وبلوغها مرحلة العولمة إلى نتيجتين مترابطتين وخطرتين: الأولى هيمنة رأس

المال على العمل؛ إذ ما عاد العمل باعتباره قوة وعلاقة اجتماعية ضروريًا للإنتاج، حيث أصبحت

الرأسمالية قادرة على التخلي تمامًا عن العمل. وأصبح العمال – إذا كان من الجائز بعدُ أن يُطلق

عليهم هذا الاسم – زائدين على الحاجة. وتتعلق النتيجة الثانية بتحوّل جذري في وظيفة الدولة

الديمقراطية. إن الدور الأساسي الذي تعمل الدولة الليبرالية على إنجازه هو خدمة رأس المال، حيث صارت أداة طيّعة في يد أوليغارشية ليس لها انتماء إلى الدولة والشعب، لأنها عابرة الأقاليم أو غير مرتبطة بها

Déterritorialisé. وبطبيعة الحال لا يعني ذلك نهاية الدولة أو عدم حاجة المجتمع المعاصر إليها. ليس لنا هنا أن نقدم حججًا تثبت أهمية الدولة والحاجة إليها لتنظيم الحياة الاجتماعية وتحقيق العدالة

وضمان حقوق الإنسان، لكن يمكن الاكتفاء بالتذكير بالسياسات الحمائية التي تنتهجها الدولة

(80) Ibid., p. 344.

الليبرالية في إطار العولمة الاقتصادية وانفتاح الأسواق. وفي السياق نفسه يمكن أن نذكر الدور الأمني والعسكري الذي تقوم به الدول المعاصرة. اقترنت عولمة الاقتصاد بعولمة الفقر، فبسبب إضعاف الدولة المستمر واحتكار مواردها من طبقة

أوليغارشية من المتموّلين العالَميين، ازداد عدد الفقراء من المهمّشين والعاطلين. وأدّت السياسات

الاقتصادية الليبرالية في إطار ما سُمّي منذ ثمانينيات القرن العشرين «الليبرالية الجديدة» إلى التخلّي

عن برامج الرعاية الاجتماعية وتمويل القطاعات العمومية. فأدى ذلك إلى «تدمير» الطبقة الوسطى، أو قل تحوّلها إلى فئة جديدة من بين الفئات الفقيرة والمحرومة. في هذا المناخ ما عاد ثمة معنى

للديمقراطية والسياسة، فما كان يسمى «الشأن العام» أو «المصلحة العامة» أو «المشترك»، تحوّل إلى

شأن خاص وملكية خاصة. طبعًا لا يتعلق الأمر بقدَر محتوم، بل هي النتائج الحتمية للتوجه الخاطئ

للحداثة العقلانية بصفة عامة وللعقل السياسي بصفة خاصة. لا يمكن التخلص من الفقر من خلال الاستمرار في السير على الطريق نفسها: رأسمالية ليبرالية بلا حواجز (اقتصاد السوق) واختزال دور الدولة في حراسة رأس المال (دولة الحدّ الأدنى). لعل الحلّ لا يكمن في تطبيق نظرية سياسية اقتصادية جديدة أو قديمة تعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية، وتركّز على الدور الاجتماعي لرأس المال، كما يرى كثر من المهتمين بمشكلة الفقر اليوم. نحن نرى أنه لا بدّ من إعادة الاعتبار إلى السياسة والديمقراطية الحقيقية، أي أن يقرّر شعب مصيره بنفسه، وفي حال

حصول ذلك، فإنه لن يختار لنفسه نمطًا اقتصاديًا يُنتج الفقر.

References

المراجع

العربية

أفهيلد، هورست. اقتصاد يغدق فقرًا. ترجمة عدنان عباس علي. سلسلة عالم المعرفة.335 الكويت:

المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2007 بك، أولريش. ما هي العولمة. ترجمة أبو العيد دودو. كولونيا: منشورات الجمل،.1999 السباعي، مصطفى. اشتراكية الإسلام. ط.2 دمشق: مؤسسة المطبوعات العربية،.1960 صن، أمارتيا. فكرة العدالة. ترجمة مازن جندلي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2010 فوكو، ميشيل. تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي. ترجمة سعيد بنكراد. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2005 قطب، سيّد. العدالة الاجتماعية في الإسلام. ط.14 القاهرة: دار الشروق،.1995 مارتين، هانس بيتر وهرالد شومان. فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية. ترجمة عدنان عباس علي. مراجعة وتقديم رمزي زكي. سلسلة عالم المعرفة 8.23 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1998

ماركس، كارل. رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي. ترجمة فهد كم نقش. مج.1 موسكو: دار التقدم،

الأجنبية

Arendt. Hannah, Condition de l’homme moderne. Paris: Calmann–Lévy, 1961. Bastides, Charles. John Locke: Ses théories politiques et leur influence en Angleterre. Paris: E. Leroux, 1906 [1679]. Birnbaum, Pierre. La Fin du politique. Paris: Editions du Seuil, 1975. Boitte, Pierre. «A propos de débats récents sur la notion de pauvreté.» Déviance et Société. vol. 13, no. 2 (January 1989). Bourne, H. R. Fox. The Life of John Locke. London: H. S. King, 1876 [1697]. Camus, Jean Pierre. Traité de la pauvreté evangélique (Besançon, 1634). Dang, Ai–Thu. «Fondements des politiques de la pauvreté: Notes sur ‘The Report on the Poor’ de John Locke.» Revue Economique. vol. 45, no. 6 (Novembre 1994). Dufermont, Jean–Claude. «Les Pauvres d’après les sources Anglo–saxonnes du VII au XI e Siècle.»  Revue du nord. vol. 50, no. 197 (Avril–Juin 1968). Fontaine, Laurence. «La Justice sociale selon Amartya Sen.» Esprit. vol. 10, no. 145 (Octobre 2010). Galibert, Thierry. Le Mépris du peuple: Critique de la raison d’état. Cabris: Editions Sulliver, 2013. Gamel, Claude. Économie de la justice sociale: Repères éthiques du capitalisme. Paris: Éditions Cujas, 1992. Gilardone, Muriel. «Contexte, sens et portée de l’approche par les capabilités de Amartya Kumar Sen.» PhD. Dissertation. Lyon II University. Lyon. 2007. at: https:// bit.ly/2YLc7nQ Gorz, André. Métamorphoses du travail: Quête du sen.  Paris: Editions Galilée, 1988. Grell, Paul & Anne Wery. «Le Concept de pauvreté: Les Diverses facettes institutionnelles de la pauvreté ou les différentes naturalisations de ce concept.» Courrier Hebdomadaire du CRISP. vol. 25, no. 771 (January 1977). Hardt, Michael & Antonio Negrri. Commonwealth. Elsa Boyer (trad.). Collection Folio Essai. Paris: Gallimard, 2012. Hayek, Friedrich August. Droit, législation et liberté: Une nouvelle formulation des principes libéraux de justice et d’économie politique.  R. Audouin (trad.). vol. 3. Collection Libre Echange. Paris: PUF, 1983. Heidegger, Martin. La Pauvreté. Philippe Lacoue–Labarthe & Ana Samardzija (Prés. & trads.). Strasbourg: Presses Universitaires de Strasbourg, 2004.

Laidi, Zaki. La Gauche à venir: Politique et mondialisation. La Tour–d’Aigues: Éditions de l’aube, 2001. Lallemand, Léon. Histoire de la charité. vol. 4. Paris: Librairie Alphonse Picard et Fils,

Lallement, Jérôme. «Les Economistes et les pauvres: De Smith à Walras.» Paper Presented at the Colloque Inégalités et Pauvreté dans les Pays Riches. IUFM Auvergne. Chamalières. 20/1/2012. Mack, Joanna & Stewart Lansley. Poor Britain. A. H. Halsey (forward). London: George Allen & Unwin, 1985. Organisation des Nations Unies. CODESC. Questions de fond concernant la mise en œuvre du pacte international relatif aux droits economiques, sociaux et culturels. Genève, 23 Avril – 11 Mai 2001. Platon. Le Banquet. 203 a–204 a. Emile Chambry (trad. & not.). Paris: Garnier– Flammarion, 1964. Sen, Amartya Kumar. «Poor, Relatively Speaking.» Oxford Economic Papers. vol. 35, no 2 (1983). ________. «Mortality as an Indicator of Economic Success and Failure.» The Economic Journal. vol. 108, no. 447 (January 1998). Souletie, Jean–Louis. «La Théologie politique et le combat contre la pauvreté.» Transversalités. vol. 3, no. 111 (2009). Vivre en Dignité au XXIe Siècle: Pauvreté et inégalité dans les sociétés de droits humains: Le Paradoxe des démocraties. Strasbourg: Council of Europe, 2013.