Return to Article Details Subjectivisation and Objectivisation, Etic and Emic in Sociological Analysis

التذويت والموضعة: الداخلي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماعي

Subjectivisation and Objectivisation, Etic and Emic in Sociological Analysis

منير السعيداني | Mounir Saidani *

الملخّص

من بين الشعارات المركزية التي رُفعت خلال الحركة الاحتجاجية المطلبية التونسية في كانون الأول/ ديسمبر 2010 وتواصلت إلى ما بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011 شعار: "التشْغِيل اسْتِحْقَاق يا عِصَابَة السراق". سنسعى في هذه الدراسة إلى أن نبين، منهجيًا وتحليليًا، أنه يمكن البحث في هذا الشعار من مُنْطلقِ تفكير سوسيولوجي ذي نقطتَي انطلاق مزدوجتَي التركيب: "التذوِيت" من منظور داخلي و"المَوْضَعَة" من منظور خارجي. نقصد بـ "التذويت" إضفاء الصبغة الذاتية على تصور العالم وأشيائه وكيفيات تقديرها من منظور الفاعلين الاجتماعيين، ومن ثم فإن الداخلي هو ذاتية المنطلقات التي حركت الأفراد وخطاباتهم. ونقصد بـ "الموضعة" إكساب الذاتي شرعية الوجود الاجتماعي التاريخي من خلال التمكّن من إدراجه في سياق الحركات الاجتماعية، ومن ثم فإن الخارجي هو المنطق الاجتماعي لهذه "الموضعة"، بوصفه يتمتع بوجود خارجي يتضمن حركة أولئك الفاعلين الاجتماعيين.

Abstract

Abstract: Among the main slogans of the Tunisian protest movement that started in December 2010 and continued beyond January 14, 2011 was: «Employment is a right you gang of thieves!» This study seeks to demonstrate, methodologically and analytically, that this slogan can be researched from a sociological approach with two starting points: «Subjectification» from an «emic» perspective and «Objectivisation» from an «etic» perspective. By «Subjectification» this study refers to the projection of social actors’ perceptions on world views. The «emic» refers to the subjective principles that stirs individuals and their discourses. «Objectivisation» refers to the process of ascribing legitimacy of the social historical existence to the subjective through contextualizing within social movements. The emic is the social logic of this process as an external existence that encompasses the actions of those social actors.

الكلمات المفتاحية:
  • الداخلي
  • الخارجي
  • الموضوعي
  • الذاتي
  • الحركة الاجتماعية
Keywords:
  • Subjectivisation
  • Objectivisation
  • Etic
  • Emic
  • Social Movement

ملخص: من بين الشعارات المركزية التي رُفعت خلال الحركة الاحتجاجية المطلبية التونسية

في كانون الأول/ ديسمبر 2010 وتواصلت إلى ما بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011 شعار:

«التشْغِيل اسْتحْقَاق يا عِصَابَة السراق». سنسعى في هذه الدراسة إلى أن نبين، منهجيًا وتحليليًا،

أنه يمكن البحث في هذا الشعار من مُنْطلقِ تفكير سوسيولوجي ذي نقطتَي انطلاق مزدوجتَي

التركيب: «التذوِيت» من منظور داخلي و«المَوْضعَة» من منظور خارجي. نقصد ب «التذويت»

إضفاء الصبغة الذاتية على تصور العالم وأشيائه وكيفيات تقديرها من منظور الفاعلين الاجتماعيين، ومن ثم فإن الداخلي هو ذاتية المنطلقات التي حركت الأفراد وخطاباتهم.

ونقصد ب «الموضعة» إكساب الذاتي شرعية الوجود الاجتماعي التاريخي من خ لاا التمكّن من إدراجه في سياق الحركات الاجتماعية، ومن ثم فإن الخارجي هو المنطق الاجتماعي لهذه «الموضعة»، بوصفه يتمتع بوجود خارجي يتضمن حركة أولئك الفاعلين الاجتماعيين.

Abstract: Among the main slogans of the Tunisian protest movement that started in December 2010 and continued beyond January 14, 2011 was: «Employment is a right you gang of thieves!» This study seeks to demonstrate, methodologically and analytically, that this slogan can be researched from a sociological approach with two starting points: «Subjectification» from an «emic» perspective and «Objectivisation» from an «etic» perspective. By «Subjectification» this study refers to the projection of social actors’ perceptions on world views. The «emic» refers to the subjective principles that stirs individuals and their discourses. «Objectivisation» refers to the process of ascribing legitimacy of the social historical existence to the subjective through contextualizing within social movements. The emic is the social logic of this process as an external existence that encompasses the actions of those social actors.

Researcher at the Higher Institute of Literary Studies and Humanities of Tunis, University of Tunis El Manar.

شتاء   Winter 2020

مقدمة *

ناقشنا في غير هذا المكان العلاقة الملتبسة بين العلوم الاجتماعية المُنتجة في الربوع العربية،

خصوصًا علم الاجتماع، وقضايا التغير الاجتماعي. وقد كانت تلك المناقشات مبنية على

ما هو براديغمي ونظري ومفهومي تحديدًا. ولكن ما نتطرق إليه هنا يتعلق بما يمكن استخلاصه من تلك المناقشات على مستوى منهجي. وتُبقي المناقشات المنهجية التي نخوضها هنا على المثال نفسه الذي عالجناه، بحيث يكون التركيز على الحركة الاجتماعية التي اندلعت في تونس خلال كانون الأول/ ديسمبر 2010 واستمرت إلى ما بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011، متحولة في الأثناء إلى انتفاضة فثورة، واضعة في القلب منها قضية العدالة الاجتماعية. ما سيكون محل مناقشة ها هنا هو التحديات المنهجية التي يضعها تحليل تلك الحركة أمام كل باحث فيها من منظور العلوم الاجتماعية عامة، ومن منظور علم الاجتماع خاصة. فلقد أثارت تلك الحركة سؤال تأويلها؛ السؤال الذي توزع معالجوه بين القول بضرورة أخذ تصورات الفاعلين الاجتماعيين «المورطين» فيها في الاعتبار لدى تناولها بالدرس، وبين القول بضرورة النظر إليها في شمول معناها التاريخي بصرف النظر عن وعي/ لاوعي فاعليها بها. ومن الواضح أن هذه المجادلة تستعيد، في خطوطها العريضة على الأقل، تلك المناقشة القديمة المتجددة بين علماء الاجتماع والباحثين فيه حول زاوية النظر إلى الحدث/ الظاهرة/ الفعل، سواء بالتعويل على ما يراه فيه/ فيها فاعلوها أم – وعلى

اعتبار هؤلاء مجرد فعلَة لما يجسد منطق اشتغال الاجتماعي ويتجاوز أفهامهم في آنٍمعًا – بالتعويل

على ما لا يداخله «الحس المشترك» من العقلنة التفسيرية الخارجية للظواهر الاجتماعية. ومن بين أوجه تطور هذه المناقشة القديمة المتجددة منذ وضع كلاسيكيات علم الاجتماع وما جَاوَره/ دَاخَله

من علوم الاجتماع في أوروبا الحديثة، تشعبها نحو ما يعرف عادة بأنه تقابل/ تكامل بين الداخلي والخارجي في تناول الاجتماعي. منطلق ما نستخلصه من معالجاتنا السابقة لمثال الحركة الاجتماعية التونسية في اتجاه التركيز على المنهجي هو العمل على إيجاد طريقة معالجة تمكن من التأليف بين الذاتي – الموضوعي والداخلي – الخارجي في مقاربة الفعل الاجتماعي. وإذا ما راكبنا بين الزوجين، يكون المقصود

بالذاتي – الداخلي هو المعنى الخاص الذي يسبغه الفاعل الاجتماعي على فِعله ومقصده منه، أما الموضوعي – الخارجي فهو المعنى التاريخي الاجتماعي الذي يكتسيه ذلك الفعل ذاته من منظور سيرورة/ سيرورات التغير الاجتماعي.

والحداثة والتنوع الثقافي»، الناشط في المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، جامعة تونس المنار. (((يُنظر: منير السعيداني، «سياقات التغير الاجتماعي وباراديغمات التفكير السوسيولوجي: نظرة مقارنة»، في، شبيب دياب ومارلين

نصر وساري حنفي (محررون)، الانتفاضات العربية: مقاربات سوسيولوجية ومقارنات جغرافية (بيروت: دار الفارابي، 2014)؛ منير

السعيداني، «التغير الاجتماعي والتحول السوسيولوجي في العالم العربي»، ذوات، العدد 50 (أيلول/ سبتمبر 2018)، ص.24–12 (((منير السعيداني، «من الدولة ما بعد الاستعمارية إلى دولة الرعاية الاجتماعية المستقلة الديمقراطية العادلة؟ المفاوضة التاريخية

الاجتماعية لمآلات التغيير في تونس»، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 3، العدد 10 (خريف 2014)، ص.164–147 (((عبد الله حمودي، «الداخلي والخارجي في التنظير للظاهرة القبلية: خطوة في طريق تأسيس خطاب أنثروبولوجي مستقل»،

عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 5، العدد 19 (شتاء 2017)، ص.56–11

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

أولا: الفهم السوسيولوجي لتعالق الذاتي بالموضوعي

يمكن أن ننطلق من استعادة المناقشة التي كانت في أساس التمييز البيداغوجي بين التفسير والتأويل، بوصفها الوجه الأبرز لعلاقة الذاتي بالموضوعي في التحليل السوسيولوجي. فلدى ماكس فيبر

(1864–1920) مثل، وفي ما يتعلق بالمنهج العلمي الاجتماعي في بُعده التأويلي ونمط المعقولية

المطبق على الموضوع السوسيولوجي، «يستوجب المعنى الذاتي المتضمن في الفعل الاجتماعي

مقاربة مزدوجة تأويلية وتفسيرية: فهمُ فعلٍ اجتماعي يعني تأويل ه في ظل احترام شروط معقولية

محددة، سابقة الوضع». يعني ذلك أن «الفعل ضمن الجماعة» أو «الفعل الاجتماعي» يحتل في

منظومة التفكير الفيبرية مكانةً مركزية من حيث معناه الذي يتجاوز المعنى المتعارف عليه للممارسات الاجتماعية على ما يتعرف إليه الأفراد ويقرون به. ففي تنظير فيبر «المعنى هو المعنى المعني

المقصود ذاتيًا إما: أ. فعليًا من قبل الفاعلين. وإما ب. في أنموذج خالص مبني مفهوميًا من ق بل الفاعل

أو الفاعلين مأخوذًا/ مأخوذين على أنهم نماذج. وليس المعنى المعني هو ‘الصائب’ موضوعيًا ولا

‘الصحيح’ ميتافيزيقيًا». ومن المهم أن ندقق أن «ذاك هو ما يبني الفارق بين العلوم الخ بْرية بالفعل من

قبيل علم الاجتماع والتاريخ وسائر العلوم الدغمائية، مثل فقه القضاء والمنطق والجماليات التي ترمي من خلال موضوعها إلى دراسة المعنى ‘الصائب’ و‘ذي الصدقية»’.

(((في البحث عن جذور هذه المسائل، يمكن العودة إلى الأصول الألمانية المؤسسة لهذه المناقشة وصول إلى فلهلم ديلتاي (1911–1833) وتأسيساته الإبستيمولوجية التي بناها على ما استخلصه من عمله على تأويلية شلايرماخر بما مكنه من التركيز على «علوم الروح» وعلى الأخص منذ مقالته «في دراسة علوم الإنسان والمجتمع والدولة» (1875) وما فيها من عودة نقدية إلى كل من

إيمانويل كانط وأوغست كونت وجون ستيوارت ميل، يُنظر: فلهلم ديلتاي، إقامة العالم التاريخي في علوم الروح، ترجمة وتقديم فتحي أنقزو، مراجعة محمد محجوب، سلسلة ديوان الفلسفة (تونس: دار سيناترا؛ المركز الوطني للترجمة، 2015). وفي ما يخص

أصولً أقدم لهذه المناقشات يمكن العودة إلى أطروحة المؤرخ الألماني يوهان غوستاف درويزِن (1884–1808) حول التفهم Verstehen بوصفه المدخل المنهجي الأمثل، ضمن فلسفة التاريخ لديه، للخوض في المعرفة العلمية بالتاريخ والاجتماع في مقابل التفسير بوصفه المدخل المنهجي الأمثل للخوض في المعرفة العلمية بالطبيعة، يُنظر:

Thomas Burger, «Droysen and the Idea of Verstehen,» Journal of the History of the Behavioral Sciences , vol. 14, no. 1 (January 1978), pp. 247–263.

كما تجدر الإشارة في السياق ذاته إلى القراءات التاريخية للمناقشات المنهجية الألمانية التي تتنازع توزيع أع ماا من أمثال ماكس

فيبر وفلهلم ديلتاي بين قولٍبتوافقهما وقولٍبتعارضهما، وتقريبٍ للأول من هينريش ريكرت، ينظر (1936–1863:)

David K. Brown, «Interpretive Historical Sociology: Discordances of Weber, Dilthey and Others,» Journal of Historical Sociology , vol. 3, no. 2 (June 1990), pp. 166–191. (5) Frédéric Gonthier, «Weber et la notion de ’compréhension‘,»  Cahiers internationaux de sociologie , vol. 1, no. 116 (2004), pp. 35–54.

(((في «مقالة في بعض مقولات علم الاجتماع التفهمي» بالألمانية:

Max Weber, «Über einige kategorien der verstehenden soziologie,» in: Max Weber & Dirk Käsler, Schriften 1894–1922 (Stuttgart: Kröner, 2002), pp. 275–313.

(((ينظر كتاب الاقتصاد والمجتمعبالألمانية:

Max Weber, Wirtschaft und gesellschaft: Grundriss der verstehenden soziologie (Tübingen: Mohr Siebeck, 1922). (8) Jean–Marc Tétaz, «‘Sens objectifʼ: La Fondation de l’interprétation du sens dans l’agir social dans une théorie philosophique du sens,» Archives des sciences sociales des Religions , no. 127 (Juillet–Septembre 2004), pp. 167–197. (9) Ibid. (10) Ibid.

شتاء   Winter 2020

وفي مستوى آخر، لاحظت كاترين كوليو–تيلان أن ماكس فيبر قلّما يعود إلى كتابات جورج زيمل (1918–1858)، ولكنه عندما فعل ركز على المنهجي منها. وتفيد هذه الملاحظة في القول إن المناقشات المنهجية كانت تحتل حيزًا محددًا في بناء العلم الاجتماعي. وفي ما يخص ما نحن فيه، يميز زيمل بين نوعين من الفردانية، واحدة كمية وأخرى كيفية. الكمية هي التي تكون ضد كل أشكال

القهر والقسر التي كانت تَحُوطُ بالنشاط البشري (الامتيازات، والرقابة على النشاطات الاجتماعية،

والسُّخرَة، والوصاية الأيديولوجية... إلخ). وفي هذا يجتمع كل أبناء الجنس البشري من حيث أن

ذلك هو ما يوحدهم. وأما الفردانية النوعية فهي التي يجد لها زيمل مراجع لدى الرومنطيقيين والفَرْدَانيين من الأدباء والفلاسفة

من أمثال غوته، وغوتهولد ليسنغ Lessing Gotthold (1781–1729)، وهردر، وفريدريش شلايرماخر، ونيتشه Nietzsche Friedrich (1900–1844)، وفيها لا يكون الفرد شبيهًا بمثيله الموجود لدى كل

فرد آخر بل يكون نقيضه، أي ذلك الجوهر المتفرد الذي يكتسبه كيانٌ فريد لا شبيهَ له «مدعوًا إلى أن

يضطلع بدورٍ ليس بمستطاع أحدٍ غيره الاضطلاع به ». وليس من سبيل إلى المعالجة السوسيولوجية للنشاط الاجتماعي بوصفه فعلً ما لم نأخذ في الاعتبار سمتَي الفردانية الكمية والنوعية في تلازمهما سويًا. ومن هذا الباب يكون الترابط بين الذاتي والموضوعي في معالجة/ تحليل التفاعل الاجتماعي بين الأفراد، وهو ترابط يكتسي فيه الموضوعي، بوصفه نعتًا للتحليل العلمي، معنيَين: 1. الشيء في مقابل ذاتٍGegenständlich، Objektiv. 2. أن يكون للتمثل، أو للمقولة، تجسد يُضفي عليه/ها معنى لا يكون مشروطًا بوجهة نظر ذاتية. وما من فهم تاريخي في إمكانه أن يستغرق كل معنى الفعل، بل قُصاراه أن يهتم بإبراز تسلسل الأسباب بالنتائج، بما يؤدي إلى أن يوجد الحدثَان، بحيث لا يمكن هذا التسلسل أن يقبل ب «تعدد التأويلات»،

بمعنى أنه لا يكون إلا على هذه الصيغة حصرًا. وخلافًا لذلك، يمكن أن يكون الفهم الموضوعي

(11) Julien Freund, «De Max Weber à Georg Simmel,» Simmel Newsletter , vol. 1, no. 1 (Summer 1991), pp. 9–13; Catherine Colliot–Thélène, «Individu et individualisme chez Georg Simmel, au prisme de Durkheim et de Weber,» Sociologie et sociétés , vol. 44, no. 2 (Automne 2012), pp. 207–233. (12) Georg Simmel, Les Grandes villes et la vie de l’esprit. Suivi de « Sociologie des sens », J.–L. Vieillard–Baron & F. Joly (trad.) (Paris: Payot, 2013), p. 107; Georg Simmel,  La Forme de l’histoire et autres essais , K. Winkelvoss (trad.), Collection Le Cabinet des lettrés (Paris: Gallimard, 2004). (13) Georg Simmel,  Philosophische Kultur (Frankfurt: Zweitausendeins, 2008). (14) Ibid., p. 156. (15) Matthieu Amat, «‘La Grâce de l’esprit objectif’: Philosophie de la culture et ontologie de l’esprit chez Georg Simmel,»  Philonsorbonne , vol. 7 (2012–2013), accessed on 7/10/2018, at: http://bit.ly/32Udz9k (16) Simmel,  La Forme de l’histoire , p. 158.

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

بلا نهاية، لأنه، إزاء ذات المحتوى الموضوعي عينه Sachgehalt، وبقدر استطاعتنا استغراق فهمه تاريخيًا، يكون احتمال عدم توصلنا إلى استيفاء فهم ما يكون عليه من تعدد دلالاته بالنسبة إلى

الأفراد الذين يقومون به مَوضُوعِين في سياقاتهم الخاصة، أي لا في اعتبارهم الكمي، بل في اعتبارهم

النوعي. وكأن التاريخي يهتم بما هو خارجي في حين يتعلق النوعي بما هو داخلي، وهو داخلي لا يتخذ صبغة الموضوعية إلا بوصفه جماع ذاتيات متفردة نوعيًا. ومن المهم، بالنسبة إلى عالم الاجتماع، أن يحدد مَوْق عًا يسمح له بأن يكون على اتصال بمعنيَي الذاتية

وبمعنيَي الموضوعية في آنٍمعًا، فيتمكن من استغراق تأويل الفعل الاجتماعي تأويلً تفسيريًا مقنعًا.

ومن المعلوم أن اقتراح زيمل لحل هذه المعضلة هو علم اجتماع الشكل، بحيث يكون الفرد الكمي

هو المنطلق ليوصلنا إلى الفرد النوعي الذي يمكن للقراءة التاريخية لأفعاله أن تستكْنه بعضًا من دلالتهِ كي تعيد تركيبها موضوعيًا. في إمكاننا أن نواصل المناقشة المنهجية في قضايا التعويل على الذاتي – الموضوعي بالانتقال نحو ما يُقدم على العموم على أنه مقابلٌ لما كنّا فيه من فردانية الفعل الاجتماعي. في هذا السياق، يمكن

القول إن لدى مارسال موس Mauss Marcel (1950–1872) مثلً، فَهْمًا مَخْصُوصًا لتعالق الذاتي

والموضوعي، أي للتعالق القائم بين الظاهرة الاجتماعية المتعالية بطبعها عن الأفراد وعن أفهامهم في منطق وجودها واشتغالها من جهة، والتملك الفردي الذاتي المخصوص لذلك المنطق من جهة ثانية. ففي الظاهرة الاجتماعية الكلية، يرى موس ما يُجَسد تملكها الذاتي لدى كل فرد، من ناحية أنه يعيد

إنتاجها على هيئة مَلمُوس يحقق الفكرة، مما تبنيه التجربة الذاتية، فهي ليست تعبيرًا عن مجموع

المؤسسات القانونية والسياسية والفلسفية والفنية والتاريخية فحسب، بل «تستوجب إنكار التمييز المُبايِن بين الموضوعية والذاتية، إذ إن كل ظاهرة اجتماعية كلية هي، في آن معًا، شيءٌ وتمَثل». ومما يعنيه ذلك منهجيًا، أن عالم الاجتماع لا يعالج الظاهرة معالجة مباشرة، بل يعالج تمثلات الأفراد

الذين ينتجونها على اعتبارهم «يجمعون فيهم المجتمعَ وينتجونه عمليًا من خلال قدرتهم التأليفية

تلك، ففي نفسية الفرد يكون الترابط بين مختلف مكونات النسق الاجتماعي الذي ينخرط فيه».

(17) Ibid.

(((1 حول العلاقة بين إيميل دوركايم ومارسيل موس وجورج زيمل، ينظر:

Christian Papilloud, «Simmel, Durkheim et Mauss: Naissance ratée de la sociologie européenne,»  Revue du MAUSS , vol. 2, no. 20 (2002), pp. 300–327. (19) Claude Dubard, «La Méthode de Marcel Mauss,» Revue française de sociologie , vol. 10, no. 4 (1969), pp. 515–521. (20) Ibid. (21) Ibid. (22) Alexandre Duclos , «Sociologie de l’inconscient collectif, du rassemblement à l’émeute,»  Cahiers de psychologie politique , no. 18 (Janvier 2011), accessed on 10/7/2018, at: http://bit.ly/2WppVnB

شتاء   Winter 2020

ومما يؤكد ذلك أن موس يعود إلى هذا الفهم ذاته في آخر ما كتب، مؤكدًا التعالق بين الفرد الذي

أصبح شخصًا اجتماعيًا وبين المجتمع. وتلك مسألة كانت جَن ينية الوضوح أو غير مكتملة لدى إميلِ

دوركايم Durkheim Emile (1917–1858) على حد اعتبار بعض القراءات التي ترى أن موس بما يقوله ها هنا لا يصحح دوركايم، بل يعيد قراءته. فإذا ما حاولنا أن نختبر هذا التأكيد من منظور نظرية الحق والقانون كما يبنيها دوركايم انتهينا معه إلى أن «فكرة الجُرم متضمنة في فكرة الضمانة، وهذه متضمنة في فكرة التحكيم، وهذا متضمن في فكرة التضامن». ما يشير إليه دوركايم هنا هو انبناء كل هذه الأفكار ضمن أفكارٍ/ مبادئ تنتهي إلى اشتغال آلية من آليات تأسيس الاجتماع الإنساني هي التضامن. ولكن الأهم هو أن هذه الأفكار «لا تكون دفعة واحدة[...] بل تنبني شيئًا فشيئًا. ولكنها، ومهما كانت طريقة تشكلها، وحال وجودها، تكوّن من خلال تطورها ما

يتولد عنه القانون». وبهذا المعنى «لا تتحدد حقوق كل واحد من أفراد المجتمع إلا بفضل تنازلات وتضحيات متبادلة، إذ إن ما يوهب للبعض يكون بالضرورة مما يتخلى عنه الآخرون. وعليه يَنتج الحق

من الحد المتبادل لقوانا الطبيعية، وهو الحد الذي لا يكون إلا بروحية التفاهم والانسجامِ». يمكننا هذا التفصيل الأخير من أن نرى بوضوح كيف يربط دوركايم بين الممارسة والتمثل لدى كل واحد من أفراد المجتمع، وبين ما ينجم عن ذلك من مَوْجودات اجتماعية من المعلوم أنه يسميها

مؤسسات. تلك المؤسسات هي التي تتحول، من خلال التقعيد المعياري، إلى ما يَظهر لنا على أنه

ملزم اجتماعيًا باتباع قواعد سلوك محدد. ها هنا إذ ا، يكون الترابط الذي نبحث فيه بين ما هو ذاتي

(لدى كل فرد) وما هو موضوعي (ما هو اجتماعي)، وهو مُوَازٍ – مُدَاخ ل للترابط بين ما هو داخلي

(تمثل) وما هو خارجي (مؤسسة). وقد اخترنا مما كتب دوركايم في هذا السياق أن نستحضر هذه الفقرات تحديدًا لأنها ذات مَساسٍ بمسائل الحق على ما يتأسس عليه اجتماعيًا، تلك المسائل ذات

الوشائج الوثيقة بالمثال الذي نطرقه لاحقًا. في إمكاننا، في هذا المستوى، أن نكتفيَ بما بلغناه في إيضاح العلاقة المتراكبة بين الذاتي – الموضوعي

من خلال استعادتنا النواة الأولى للمناقشات المنهجية الألمانية والفرنسية الواضعة لأسس السعي السوسيولوجي لوضع اليد على منطق الفعل الاجتماعي. وهي بداية سنعود إلى تفصيل ما نبني عليها من تطوير لاحقًا، بعد أن ننظر في ترابط الداخلي والخارجي في المعالجة العلمية للاجتماعي.

(23) Marcel Mauss, «Une catégorie de l’esprit humain: La Notion de personne, celle de ‘moi’,» in: Marcel Mauss, Sociologie et anthropologie  (Paris: PUF, 1970), pp. 333–362. (24) Camille Tarot, «Problématiques maussiennes de la personne,»  Cahiers internationaux de sociologie , vol. 1, no. 124 (2008), pp. 21–39. (25) Émile Durkheim, Textes 1: Éléments d’une théorie sociale , Collection Le sens commun (Paris: Éditions de Minuit, 1975), pp. 233, 241. (26) Ibid. (27) Ibid.

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

ثانيًا: الفهم السوسيولوجي لتعالق الداخلي والخارجي

على أساس ما لخص من المناقشات المنهجية الأنثروبولوجية حول الظاهرة القبلية، عمل عبد الله حمودي على المضي خطوة على طريق تأسيس خطاب مستقل، إذ قال «أعتم د في هذه التجربة على ثنائية كانت معروفة في الأنثروبولوجيا، كما تلقيتُ ترجمتها إلى اللغة العربية بثنائية ‘الداخلي’ و‘الخارجي’، وللمفردتين معنيان نسبيان في ذهني؛ فالداخلي يتلخص هنا بالمعرفة التي أنتجتها المجتمعات حول ذاتها وبنفسها، والخارجي هو المعرفة التي أنتجها الأنثروبولوجيون». وفي عمله على العودة إلى أصل المناقشة بين الداخلي والخارجي، يذكر جون بيار أوليفيي دي ساردون Sardan De Olivier Pierre – Jean)–1941( باستعمالاتهما الأولى لدى عالم اللسانيات والأنثروبولوجي الأميركي كينيث لي بايك (2000–1912) ذاك الذي ابتدع لفظتَي «إيميك» و«إيتيك»، وهو القائل «يمكن أن ننعت وجهة نظر بالخارجية أو بالأجنبية عندما يقف المحلل ‘بعيدًا’، أو خارجًا بالقدر الكافي، عن ثقافة محددة لمشاهدة أحداثها المعزولة [...] مقارنة

بأحداثٍ تنتمي إلى ثقافات أخرى. وعلى العكس، تكون المقاربة ‘داخلية’ عندما تكون صالحة

أساسًا للغةٍ أو لثقافةٍ واحدةٍ فقط [...] إنها محاولة لاكتشاف نمط لغة معينة أو ثقافة ما، ووَصفه. معايير ‘الخارجي’ تبدو مطلقة [...] بينما تتمتع معايير ‘الداخلي’ بقدر أكبر من النسبية». وتأسيسًا

على ذلك «ترتكز المقاربة ‘الداخلية’... على جمع مجموعة من الدلالات الثقافية الأصلية المرتبطة بوجهة نظر الفاعلين، في حين أن المقاربة ‘الخارجية’ تعتمد على ملاحظات خارجية مستقلة عن الدلالات التي يحملها الفاعلون». وبناء على هذه المناقشة التي يعود فيها دي ساردون إلى الأنثروبولوجي الأميركي مارفين هاريس Harris Marvin (2001–1927) وإلى آخرين، يمكن أن نقف معه على استنتاجٍ بموجبه «يمكن أن يُحيل مفهوم ‘الداخلي’ إلى التمثلات التي تحملها الذوات من منظور أنثروبولوجي، [و]هو في نهاية المطاف قريب جدًا من المعنى الذي يمكن أن تحمله كلمة ‘تمثلات اجتماعية’ في علم النفس الاجتماعي». ومع موافقته على تمشّيه الذي يحاول فيه أن يؤلف بين الداخلي والخارجي، واقتفاء لأثره، يمكن أن نذكر «إن التمشي المميز الذي يشدد على تحليل الداخلي هو تمشٍّ فيبري، إذ إن كلمة

(((2 حمودي، ص.56–11 (((2 المرجع نفسه، ص.36 (((3 جون بيار أوليفيي دو ساردون، «الداخلي»، ترجمة الحبيب درويش، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 5، العدد 19 (شتاء 2017)، ص.181–165 (((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه، ص.173

شتاء   Winter 2020

داخلي تقتضي دائمًا المتمم ‘خارجي»’. وفي البحث في علاقة الداخلي بالخارجي، من ماكس فيبر

يتم المرور، مثلما فعل عبد الله حمودي في المقال الذي عدنا إليه، إلى كليفورد غيرتز. وعلى غرار ما تنتهي إليه المناقشة التي أوردها دي ساردون، يتعلق الأمر في حقيقته بخطابات تأويلية وتصويرية للعوالم الاجتماعية، فيها من ناحية أولى ما يتعلق بوجهة نظر الفاعلين وثقافتهم، وبالبنى الخطابية التي يستخدمونها للتعرف إلى العالم وتصويره وفهمه، وفيها من ناحية ثانية ما يتعلق بتأويلات الباحث لما يراه من خلال جمعه إياه وتنسيقه وتبويبه، بحيث يكون له معنى من منظورِ أسئلة البحث. المبدأ الأساسي في ذلك يقوم على ضرورة اعتبار الباحث، ولا يميز دي ساردون هنا بين الأنثروبولوجي وعالم الاجتماع

وعالم الاقتصاد، اتساق نظرة الداخلي وقدرتها على الإفادة بقولٍما عن عالمها وقربها اللصيق والحميم

من «واقعها» مع مراعاة إمكانية تجاور النظرتين، أي الداخلية والخارجية في تسلسل وساطات تَرْجَمية

متراكِبةٍ ومُتداخِلة. وتعني الوساطات هنا أن على العالم أن يتقبل ما يقوله الفاعلون عن أفعالهم، بوصفه

جزءًا أساسيًا من الأفعال ذاتها، ومن ثم يترجم قولهم (الذاتي) إلى لغته هو الخاصة (الموضوعية)، فيصير

مُوضحًا لما كان من تلك الأفعال، لا من منظور فاعليها، بل من منظور التحليل العلمي. في السياق الأنثروبولوجي ذاته، يمكن لمناقشة تعالق الذاتي بالموضوعي أن تأخذ صيغة معالجة سؤال: كيف يتولد الموضوعي من الذاتي؟ واحدة من الإجابات موجودة في ما عملت المنهجية الإثنية على بيانه من ضرورة التعويل، استنادًا إلى مقدمات ظاهراتية على الفاعلين الاجتماعيين، كونهم قادرين على الإنجاز، ومن ثم على بناء عالم الحياة اليومية. ولكن المنهجية الإثنية لا تولي، بحسب ماري فرانسيس روجرز (1944–) مقولتَي الوعي والهوية في فهم كيفية الانتقال من الذاتي إلى الموضوعي، الاعتبار الكافي، لأن «الإثنوميثودولوجيين ينكرون توَلدَ ‘الموضوعية’ من ‘الذاتية»’. ويعني هذا النقد أن الإثنوميثودولوجيين يهملون تشكل الهوية الذاتية من خلال الإنجاز الذي يتكفل بموضعة الذات ضمن عالم موضوعي، بحيث لا يكون فعل الفاعلين عَوْدًا أبديًا إلى نقطة الصفر بل

تواصلً مجددًا أو عَوْدًا على بَدْءٍ؛ ذلك أن تعريف وضعية إنجازية ما يعني، بمعنى من المعاني، إنجاز

(في معنى الابتكار والتحقيق) وضعيةٍ اجتماعية بصفتها تلك، وعلى أساس أن القول ب «التعريف »

(أي تعريف الوضعية من منظور الفاعلين الذين أ وْجَدوها) أكثر مناسبة من القول بالتقصد أو التقصد

المشترك (إذ لا يكون التعويل ها هنا، تحليليًا، على النية القصدية). ويمكن، أخيرًا، توسيع المناقشة إلى ما يمس علم الاجتماع البراغماتي؛ لأن هذا الأخير يعيد الاعتبار

(((3 المرجع نفسه.

(36) Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures. Selected Essays (New York: Basic Books, 1973); Clifford Geertz, Local Knowledge: Further Essays in Interpretive Anthropology (New York: Basic Books, 1976). (37) Mary F. Rogers, Sociology, Ethnomethodology, and Experience: A Phenomenological Critique (Cambridge: Cambridge University Press, 1983). (38) Ibid., p. 119. (39) Ibid., p. 120.

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

في معنى ما إلى البُعد المعياري للفعل؛ فالتحليل العلمي الاجتماعي لا يمكنه التغاضي عن الدوافع

الأخلاقية التي في الفعل الإنساني، ومن ثم يكون على ذاك التحليل أن يستدمج هذا العنصر. بهذا

الفهم، لا يكون في مستطاع عالم الاجتماع أن يفترض وجود مجال معرفي ذي مستويين «ذاك الذي تؤثثه معتقدات الفاعل، وذاك الذي تتجسد فيه الحقيقة العميقة التي لا يكون القادر على النفاذ إليها إلا عالمُ الاجتماع»؛ لذا يكون على مجال المحاجّة والبرهنة أن يتخلى عن هذا التناظر، بما أنه مدعو

إلى اعتبار «حُجج الفاعلين على ما هي عليه، من دون إخضاعها للنقد، مكتفيًا بمقابلتها مع مَناويل هي

ذاتُها ناتجة من تفسير القدرة المشتركة على الفعل ونمذجتها». ومن المفيد القول، في هذا السياق، إن المنوال التحليلي الذي بناه كل من لوك بولتانسكي (–1940)

ولوران تيفنو (1949 –) منوال يستند إلى الاستطاعة، بما أنها قدرةٌ على الإنجاز تفترض توافر قدرات لدى الفاعلين الاجتماعيين تمكنهم من الفعل ضمن عالم مشترك، ومن تنسيق أفعالهم وتبريرها والعمل

على تشكيل توافقات... إلخ. ولدى معالجته ذلك، يتكفل عالم الاجتماع بالاستكشاف الخ بْري

الملموس للكيفية التي يضع بها الأفراد قدراتهم ومهاراتهم قيد الفعل الإنجازي، ويفعلون من خلال تفعيل ما لهم من مهارات ذهنية مخصوصة مناسبة للوضعيات التي فيها يفعلون. تحتل القدرة الأخلاقية أو القدرة على «الحُكم على» موقعًا مركزيًا، لأن منوال «اقتصاديات المقايسات»

أو «اقتصاديات التعاهدات» المصنوع من الانتظارات المتبادلة المتقايسة بين الفاعلين إزاء سلوك

بعضهم، منوالٌ موجه نحو قضية العدالة. وهو كذلك لأنه منوال يستهدف فهم المعادلات التي يبنيها الفاعلون عندما يكونون بصدد توجيه الانتقادات أو التقارب من أجل التوصل إلى تفاهم. ومن أجل التوضيح يستشهد النص بقول بولتانسكي «تحيل هذه المعادلات إلى أنماط من التعميمات، وإلى عمليات تصنيف وتوصيف تجيب عن جملة من الإكراهات ترتبط بالوضعية ذاتها. وتفترض هذه الإكراهات وجود منطق مخصوص بكل نوع من التعميم أو التعادل تعين له قواعدَ عدالته. ويجب في هذا السياق فهم فكرة المنطق على أنها مجموعة من الإكراهات تفرض نفسها على الجميع، فتحكم الاحتجاج على اللاعدالة والاتهام الذي يتضمنه». في قلب المناقشات السابقة نتلمس القضية التي عليها نبني ما يلي من تخصيصٍ للمناظير المنهجية التي كنا بصددها عن الحركات الاجتماعية التونسية، وفيها نبحث عن الترابط الذاتي/ الموضوعي من جهة، والترابط الداخلي/ الخارجي من جهة ثانية. وحتى نتهيأ لذلك نعرج على ما يبين أن قضية العدالة

(40) Mohamed Nachi, «Au fondement de la sociologie pragmatique Éléments pour comprendre un ‘style’ sociologique,» Esprit Critique , vol. 28 (Mai 2018), pp. 11–36, accessed on 14/10/2018, at: http://bit.ly/31Qf1Z9 (41) Luc Boltanski & Laurent Thévenot, De la justification: Les Économies de la grandeur , Collection NRF Essais (Paris: Gallimard, 1991), p. 63. (42) Ibid. (43) Ibid., p. 18. (44) Ibid., p. 20. (45) Luc Boltanski, L’Amour et la justice comme compétences: Trois essais de sociologie de l’action (Paris: Métailié, 1990) p. 21.

شتاء   Winter 2020

الاجتماعية شهدت تحولات في كيفيات تمثلها الفكري – الديني – الفقهي – السياسي، تحولات نعوّل عليها في الإمساك باللحظة التي صار فيها معناها (العدالة الاجتماعية) أقرب إلى التملك الذاتي

من قِبل الفاعلين الاجتماعيين ذوي المصلحة في رفعها شعارًا احتجاجيًا ومطلبًا تعبويًا.

ثالثًا: تحولات تمثّل العدالة الاجتماعية

كما حددنا في بداية الدراسة، نعالج هنا مسألة تمثل العدالة الاجتماعية. ونبرر هذه الخطوة باتخاذنا قضية العدالة الاجتماعية مثالً نعتمده في تطوير المناقشة حول الذاتي – الموضوعي، الداخلي – الخارجي في المعالجة العلمية الاجتماعية، من وجهتين. أولاهما أننا نؤطر الشعار الذي انطلقنا منه «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق» ضمن قضية العدالة الاجتماعية، من حيث انبناؤُه على «حق يُطال ب به على

أنه استحقاقٌ» في المعنى السياسي والأخلاقي الذي أشرنا إليه في المقدمة. أما الوجهة الثانية للتبرير فهي ما يأتي بيانه من رسم خطاطة تاريخية اجتماعية لتطور قضية العدالة الاجتماعية. لا يبدو أن لمفهوم «العدالة» على ما يُستخدم به الآن في الأدبيات السوسيولوجية والفلسفية والحقوقية

الحديثة مصدرًا في التراث الفكري الإنساني العربي. فعلى الرغم من خوض أبي نصر الفارابي

(339–260 ه/ 950–870 م) في تمايزات المدن بين الفاضلة والجاهلة والفاسقة والمتبدلة والضالة، إذ يكون حُب العدالة هو أساس العدل في الفاضلة منها، فإن هذا «التطوير» اقتصر على تأطير مناقشة

العدل والعدالة ضمن الفلسفة السياسية. وكذا الأمر لدى ابن خلدون (808–732 ه/ 1406–1332 م) الذي ناقش العدلَ من منظور سياسي واجتماعي، مؤشره الرئيس التوَقّي من فساد العمران وخرابه،

والعمل على تحقيق المقاصد الشرعية. ومع ذلك، يمكن القول بظهور جذر فكري يؤسس ل «قضية العدالة الاجتماعية» في سياق النهضة العربية الحديثة إبان القرن التاسع عشر، شواهده موجودة في خاطرات جمال الدين الأفغاني (1838–1897) مثلً، وموقفه الإيجابي من فكرة «الاشتراكية» وعمله على ردها إلى الإسلام المبكر،

(((4 في قواميس العربية «العدالة» مصدرٌ من عَدُل، ويقال عن الشخص «عدالة وعدولة» فهو «عدْل»، أي مقنع في الشهادة، وفي

حالة في التأنيث يقال «امرأة عدلة»، بما يدل على المروءة واستقامة الدين وس مااة المذهب والبراءة من الفسق. ومن الأحاديث النبوية «من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يُخلفهم؛ فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته،

ووجبت أخوته، وحُرمت غيبته»، يُنظر: أبو عبد الله محمد بن س، مااة القضاعي مسند الشهاب، تحقيق حمدي بن عبد المجيد

السلفي، ط 2 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986)، ج 2، ص.322 (((4 طه جزاع، يوتوبيا: جدل العدالة والمدينة الفاضلة من أفاطون إلى ابن خلدون (بغداد: الأنس للطباعة والنشر، 2011)، ص.152 (((4 عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة (تونس: الدار التونسية للنشر، 1993)، الفصل الثالث والأربعون، ص.348 (((4 محمد باشا المخزومي، خاطرات جمال الدين الأفغاني الحسيني الأفغاني وفيها مجمل آرائه وأفكاره ومرتآه في أهل الشرق

والغرب أخاقًا وسياسةً واجتماعًا (بيروت: المطبعة العلمية، 1931). وهي خواطر ل فأأغاني كان يلقيها فيدونها مرافقه محمد

المخزومي في إسطنبول بين عامي 1893 و.1897 (((5 جمال الدين الأفغاني، الآثار الكاملة، تحقيق سيد هادي خسرو شاهي (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2002)، ج 6، «الاشتراكية والعدالة الاجتماعية»، ص.169–159

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

وكذا في مناقشات محمد عبده (1905–1849) مع فرح أنطون (1922–1874) حول إضراب عمال التبغ (30 ألف عامل، القاهرة، كانون الأول/ ديسمبر 1899 – شباط/ فبراير.)1900 ويمكن اعتبار الاسمين الأخيرين جذرَين نهلت منهما قراءات عربية حديثة ومعاصرة شكلت

نوى مركزية لمجادلات فكرية – سياسية عربية حول قضية العدالة الاجتماعية على امتداد بقية القرن العشرين. وقد توزعت المجادلات بين بديع الزمان النورسي (1960–1877) وعمله على فكرة العدالة ضمن محاولته إعادة الاعتبار لنظرية المدينة الفاضلة عند الحكيم الترمذي (–205 320 ه/ 869–820 م)، ونظرية سيد قطب (1966–1906) في إقرار مبادئ «المساواة الإنسانية» و«التكافل الاجتماعي»، أو في قراءة محمد عمارة (1931–) لفكر النهضة العربية ممثلً في محمد عبده. ويمكن توسيع المناقشة حول قضية العدالة الاجتماعية وكيفيات تملكها سياسيًا وأيديولوجيًا في التاريخ

العربي المعاصر، حتى تشمل محمد الغزالي (1996–1917) الذي حاول أن يدافع عن الإسلام ضد «الافتراء»، معتبرًا أن «أبا ذر [الغفاري] كان اشتراكيًا، وأنه استقى نزعته الاشتراكية من النبي صلى الله

عليه وسلم». كما أن كتابات عروبية تندرج ضمن السياق نفسه، ومنها كتب عصمت سيف الدولة (1996–1923) الذي بحث عن أسس عربية للاشتراكية. وعلى الرغم من عمق الفكرة الاشتراكية وأهمية قضية العدالة الاجتماعية في ما يمكن إضافته إلى اللوحة السابقة من الأطروحات اليسارية العربية، لا بد من الإشارة إلى أن عقدَي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، بما فاضا به من مجادلات فكرية من جهة ومقارعات بين البرامج المجتمعية من جهة ثانية ونزاعات بين الممارسات السياسية من جهة ثالثة آلت إلى الانقضاء، انقضاء توازى مع ما آلت

(((5 امحمد جبرون، «العدالة في الفكر السياسي التراثي. الحد والمحدودية»، في: ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي، تقديم عزمي بشارة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.108 (((5 بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، ترجمة إحسان قاسم الصالحي (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 1992)، مذكور

في: خالد زهري، «العدالة والسعادة: مقاربة لمفهوم المجتمع الفاضل بين النورسي والفارابي والترمذي»، النور للدراسات الحضارية

والفكرية، السنة 8، العدد 15 (كانون الثاني/ يناير 2017)، ص 98–79، شوهد في 2018/10/6، في: http://bit.ly/2Np7POG (((5 المرجع نفسه. (((5 سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسام (القاهرة: دار الشروق، 1995). وإهداء الكتاب إلى «هؤلاء الفتية الذين يجاهدون باسم الله في سبيل الله على بركة الله [...] والذين انبثقوا من ضمير العدم» مؤرخ في رجب 1373 الموافق لشهر مارس.1954 (((5 محمد عمارة، الإمام محمد عبده مجدد الدنيا بتجديد الدين (القاهرة: دار الشروق، 1988.178–177)، ص (((5 محمد الغزالي، الإسام والمناهج الاشتراكية، ط 4 (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)، ص 5. علمًا أن

الكتاب تم تأليفه سنة 1947 تكملة لكتاب الإسام والأوضاع الاقتصادية بحسب ما جاء في الدراسة التي سبقت الكتاب في الطبعة التي نعتمد. (((5 محمد الغزالي، الإسام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين، ط 4 (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)، ص.90–78 (((5 عصمت سيف الدولة، أسس الاشتراكية العربية (القاهرة: الدار القيمة للطباعة والنشر، 1965)، من تقديمه للكتاب، وهي مقدمة مؤرخة بالقاهرة في 15 كانون الثاني/ يناير.1965

شتاء   Winter 2020

إليه من فشل مختلف التجارب العربية في «الاشتراكية» التي بُنيت من منظور عروبي، قومي ناصري أو

بعثي أو وطني – تحرري. في السياق العربي الحالي، تصنف العدالة الاجتماعية ضمن المطالب الثورية القاطعة مع الاستبداد

السياسي والاستبعاد الاجتماعي في آنٍمعًا، بحيث تكون عدالة استحقاقٍ وعدالة حرية وعدالة

مساواة. وتنقلنا مثل هذه الأفكار نقلة نوعية تمثل قطيعة، ليست مع ما كان من التفاعل الاستيعابي لاتجاهات التفكير الإسلامية والعروبية في العدالة الاجتماعية فقط، بل أيضًا مع اتجاهات التفكير اليسارية ذات المنطلق الماركسي الطبقي تحديدًا. وبناء عليه، يكون الجديد في طرح قضية العدالة

الاجتماعية هو إقامة ترابطٍ بينها بوصفها صياغة محددة للمطلب الاجتماعي من جهة، وبوصفها أنموذجًا اجتماعيًا من جهة ثانية، وبين أفكار الديمقراطية والدستورية وتجديد أسس الدولة ومراجعة

قواعد العيش المشترك... إلخ. ومما يستفاد من هذا التجديد في التحليل وعقد الارتباط بين فكرة/ مبدأ العدالة الاجتماعية وبقية المطالب الاجتماعية في غير الوجهات السياسية الإسلامية والعروبية واليسارية الماركسية التقليدية، بروز فكرة/ مبدأ الإنصاف. ولإعادة صياغة مطلب العدالة الاجتماعية على أنها «إنصافٌ» أبعاد عالمية ذات مساس مباشر بتجديد الفكر السياسي النقدي المعاصر، مما يمكن التعويل في مناقشته على إيمانويل رونو Renault Emmanuel لكثافة ما كتب فيها، ولاعتماده فيما أدلى

(((5 حازم رحاحلة، «مراجعة كتاب: تفكيك الاشتراكية العربية»، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 6، العدد 24 (ربيع 2018)، ص.132–125 (((6 محمد الحداد، «جدلية العدالة والحرية في ضوء الثورات العربية: الديمقراطية باعتبارها عدالة القرن الواحد والعشرين»، في:

ما العدالة؟ (((6 مراد دياني، حرية – مساواة – اندماج اجتماعي: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.272 (((6 من أجل مناقشة سريعة ولكنها عميقة لبعض جوانب تراث اليسار تنظيرًا وممارسة في علاقة بالمطالب الاجتماعية في المشرق

العربي مثً، ينظر: جميل ه لاا، « في توصيف اليسار في المشرق العربي لواقعه»، موقع أمد لإع، 2014/3/30، شوهد في ماا

2019/11/6، في: http://bit.ly/33nldJH؛ وهو في الأصل مقدمة كتاب: جميل هلال، إطالة أولية على اليسار في المشرق العربي (رام الله: روزا لوكسمبورغ، 2014). ينظر مقالات أخرى تحاول وضع خريطة لليسار في تونس والجزائر والمغرب ومصر والسودان

اليمن في: خليل كلفت (تحرير)، خارطة اليسار العربي: تونس – مصر – اليمن – السودان – المغرب – الجزائر (تونس: روزا لوكسمبورغ – مكتب شمال أفريقيا،.)2014 (((6 محمد عثمان محمد، العدالة الاجتماعية الدستورية في الفكر الليبرالي السياسي المعاصر: بحث في أنموذج جون رولز (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2014 (((6 المرجع نفسه، الفصلان الثاني والثالث خاصة. (((6 جون رولز، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة ربيع شلهوب (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2009

(66) Emmanuel Renault, Mépris social: Éthique et politique de la reconnaissance , Collection Poches de résistance (Paris: Éditions du Passant, 2000); Emmanuel Renault, Souffrances sociales: Philosophie, psychologie et politique  (Paris: La Découverte, 2008); Emmanuel Renault, Reconnaissance, conflit, domination  (Paris: CNRS Editions, 2017); Emmanuel Renault, L’Expérience de l’injustice: Reconnaissance et clinique de l’injustice (Paris: La Découverte, 2004).

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

به هو ذاته على ما راكمه آكسل هونيت من تنظير حول تلازم العدالة الاجتماعية بالاعتراف

.Anerkennung

ومن المهم بالنسبة إلى باقي مناقشاتنا أن نؤكد أن المقولات الثلاث الكبرى التي وقفنا عليها في إعادة صياغة مطلب العدالة الاجتماعية (ونقصد نزع السمة الأيديولوجية عن هذا المطلب، وتأسيسه على فكرة الإنصاف وأخيرًا ربطه بقضايا الاعتراف الاجتماعي)، تفتح الباب على تجديد النظر في ترابط

الذاتي – الموضوعي والداخلي – الخارجي في صياغة المطالب الاجتماعية ضمن سيرورات بناء الحركات الاجتماعية، وهي منطلق دراستنا هذه.

رابعًا: الذاتي - الموضوعي والداخلي - الخارجي في تحليل الحركات الاجتماعية التونسية

مثال الفعل/ الواقعة/ الظاهرة الاجتماعي (ة) الذي نعتمده تشريحيًا في المناقشة المنهجية التي كنا

بصددها هو الحركات الاجتماعية في تونس الراهنة. إن ما نريد اختباره هو طرح معالجة هذه الحركات للقضايا التي أثرنا من ذاتية/ موضوعية الفهم/ التفسير/ التأويل من خلال مقولات وجهة النظر والمقايسة والقصد الإنجازي، وما ينبني على كل ذلك من «مَوْضعَة» للذات في سياق بناء العالم الاجتماعي.

1. الذاتي - الموضوعي

عندما نفحص مجريات ما سميناه الفعل/ الواقعة/ الظاهرة يمكن أن نسأل: هل نحن إزاء حضور للذاتي، في معنى تمظهر منطق الفاعلين الاجتماعيين، في تلك المطالبة؟ هل نحن إزاء تَذْويت للمطلب الاجتماعي في العدالة الاجتماعية؟ لقد لاحظت تحليلات مختلفة احتلال قضايا الهوية أهمية حاسمة في مقاربة الحركات التظلمية والاحتجاجية والمطلبية والحركات الاجتماعية عامة، وبذلك يكون لتأطير الحركات الاجتماعية،

(67) Axel Honneth, «Reconnaissance,» in: M. Canto–Sperber, Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale (Paris: PUF, 2001); Axel Honneth, La Lutte pour la reconnaissance , Collection Passages (Paris: Cerf, 2000); Axel Honneth, «Anerkennung als ideologie,» WestEnd , vol. 1, no. 1 (2004).

((6(تعود تحلي ت رونو إلى جون رولز Rawls. J ويورغن هابرماس Habermas. J وتشارلز تايلر Taylor. C وبيير بورديو Bourdieu. P وطوني نيغري Negri. T لتأخذ في الاعتبار تطور الحركات الاجتماعية وعلى الأخص الجديدة منها وبلورتها لقضايا مستجدة في العدالة الاجتماعية ذات ارتباط بإعادة هيكلة عالم العمل وما صحبه من مظاهر الهشاشة والإقصاء والتهميش والحط من القيمة والافتقار إلى الأمان، ينظر:

Emmanuel Renault, «La Reconnaissance au cœur do social,» Sciences Humaines (Juin 2006), accessed on 29/10/2019, at: http://bit.ly/2Np6HdC; Renault, L’Expérience de l’injustice.

(((6 عبد الرحيم العطري، «سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية»، إضافات، العدد 13 (شتاء 2011)، ص 31–17؛ ينظر توسعًا

ومحاولة للنظر في واقع المغرب من منظور الحركات الاجتماعية والاحتجاجية في: عبد الرحيم العطري، الحركات الاحتجاجية

بالمغرب: مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي، تقديم إدريس بنسعيد، دفاتر وجهة نظر 14 (الرباط: منشورات دفاتر وجهة نظر، 2008)، ص.219

شتاء   Winter 2020

ضمن المقولات التي ترتبط بذوات الفاعلين، مرتبة المدخل التفسيري. من هذا المنظور، تتمتع المعالجة السوسيولوجية للمفردات التصويرية – التفسيرية، التي يستخدمها الفاعلون الاجتماعيون في بناء تصورهم عالم المظلومية الذي فيه يَحيَوْن، بأهمية حاسمة. وبالفعل فإن مداخل من قبيل

«الحرمان»، «التمييز»، «الحُقْرَة» تسمح بالقول، كما اعتبر عبد الصمد ديالمي (1948–)، إن في

«المغرب اليوم [...] يشعر الشعب بأنه ‘محقور’، لأنه لديه الانطباع بأن القانون يطبق فقط على الأشخاص الذين لا يتمتعون بأي نفوذ مالي أو سياسي، وهم الأشخاص الذين لا يمتلكون شبكة العلاقات والمكانة الاجتماعية، كما يشعر المواطن المغربي العادي بالحيف والمعاملة السيئة، ويقف عاجزًا وحانقًا أمام مختلف أشكال الاستبداد والظلم التي تمارسها السلطة ضده دون احترام للقانون». يُظهر هذا التحليل أن الشعور الذاتي بالحُقرة والتمييز يُحيل في الحقيقة على معنى

اجتماعي موضوعي، من ناحية أن الدولة لا تُعامل مواطنيها بإنصاف، مما يخلق بينهم فوارق هي من قبيل مراتب التمايز الاجتماعي في النفاذ إلى الحقوق والموارد، سواء أكانت ماديةً عينية أم من غير هذه الطبيعة. هذا على المستوى الذاتي في معناه الفردي، وهو ما يمكن أن يتساوق مع الذاتي في معناه الفئوي، أي غير الشامل لكل المجتمع. ففي تحليلٍ سابق لنا لحركات احتجاجية ومطلبية تونسية، كنّا قد لاحظنا في

ما يتعلق بالحركات البيئية ذات الرسوخ المحلي مثلً أن الاحتجاجات ذات بعد محلي، فالناشطون فيها هم ‘المتساكنون’؛ وهذا يعني أن هذا الانغراس المجالي المحلي، على الرغم من جزئيته بالنسبة إلى مجموع المجتمع، يكون موردًا بالغ الأهمية (رأس مال) يُمكن تعبئته. وتعتمد تلك التعبئة استراتيجية

القُرْب، بحيث تخلق شبكة تضامن قوية تعتمد موارد خطابية وتعبوية تركز أول ما تركز على الأضرار

المخصوصة التي تمس ذلك المجال المحلي وسَاكِنَتهِ. إن الخطاب المعتمد في استراتيجية القرب هذه يركز على تناقض «الخدمة» الوطنية التي تقدمها الصناعات الوطنية الموجودة في رقعة جغرافية محلية ما من جهة، وتفرد تلك الرقعة بتلقي أضرارها البيئية البالغة والمستدامة دونًا عن باقي أنحاء البلاد من جهة ثانية. ولذلك تقترب المفردات التصويرية والتفسيرية التي يعتمدها الخطاب الاحتجاجي الذي تُنتجه هذه الحركات من الانفعالي الذي يحفز

للفعل فتحضُر فيها الصيغُ الخطابية المتذمرة والتشخيصية مثل «تخنقنا» (خُن قْنَا)، أو الآمرة مثل «سكِّر

[أ غْلِقْ] السياب [مَعْمَل مُلوّث]» و«سكّر المْصَبّ [مصَبُّ نفايات صناعية أو منزلية]». إن لمثل هذه

(((7 الحبيب استاتي زين الدين، «الممارسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول»، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 5، العدد 19 (شتاء 2017)، ص.144 (((7 الحبيب استاتي زين الدين، «الفعل الاحتجاجي في المغرب وأطروحة الحرمان: في الحاجة إلى تنويع المقاربات التفسيرية»،

عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 6، العدد 22 (خريف 2017)، ص.170 (((7 كاميل بالسير، «الاحتجاجات في المغرب لن تتحول إلى ربيع عربي جديد»، نون بوست، 2016/11/15، في:

http://bit.ly/2Mf5ru7

(((7 منير السعيداني وفؤاد الغربالي، الحركات الاجتماعية في تونس: السياقات، الفاعلون، الأفعال، وسيناريوهات التطور المحتملة (تونس: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 2018)، ص.97

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

الصياغات الخطابية، على الرغم من ذاتيتها من منظور الفاعلين الاجتماعيين الذين يضعون أنفسهم في موقع المعني تحديدًا بالضرر، دورًا بالغ الأهمية في بناء أطر فعل جماعي لا تجد أيّ عسر موضوعي

في الاندراج ضمن ما تبنيه الحركات الاحتجاجية من أدوات نضالية. وقد كنّا استندنا في تحليلنا المذكور ضمن التقرير الذي نستند إليه ها هنا إلى تعريف دافيد سنو David

Snow وروبرت بنفورد Benford Robert لإطار الفعل الجماعي بأنه «مخططات تأويلٍ تَكْشف العالمَ

الخارجي» عن طريق «تشكيل انتقائي لأشياء العالم وترميزها على نَحْوٍ معين». ومن البَيّنِ أن التركيز

على انتقائية تشكيل العالم المَعِيش والمتظلم ضده يعني إبراز اشتغال منطقٍ ذاتي لدى الفاعلين خلال

عمليات التشكيل والترميز التي يخوضونها من أجل بناء رؤية للعالم. وعلى هذا الأساس، وضمن م ثْل إِطار الفعل الجماعي المَبْني ذاتيًا هذا، نفهم الكيفية التي تصاغ بها كلماتٌ «تبين مدى خطورة الظلم

في حالة اجتماعية، أو تعيد تعريفه [الظلم] على أنه غير قابل للاحتمال بحيث يستحق المواجهة». وفي السياق ذاته دائمًا، وبالاعتماد على المُنْط لَق الذاتي نفسه، يتم الانتقال من تأطير الفاعلين حَالَهُم

على أنه ظالم إلى توجيه اللوم إلى مسؤولٍما مُحَدد عنه. بهذا الفهم يمكن لنا أن نشير إلى وجهٍثانٍلترابط الذاتي بالموضوعي في الحركة الاجتماعية التونسية

الراهنة، فقد ركزت الخطابات التظلمية لمختلف الحركات الاجتماعية على إقامة علاقة بين المسؤول (شخص/ أشخاص + سياسات = متسبب) والحالة/ الوضع الذي يوجد عليه من تنطق الحركات

باسمهم (نتيجة). وتتطلب إقامة تلك العلاقة ترسيخ الخطاب الاحتجاجي ضمن بنية ممارسةٍ تظلمية مطلبية تتجه أكثر فأكثر نحو الترسخ الاجتماعي التاريخي. إن المنطق الذي يشتغل على أساسه ذلك الترسيخ هو تنمية شعور بالمسؤولية عن فعل جماعي نضالي ضد تلك السياسات، وسعيًا إلى تخليص

المتظلمين مما يشتكون منه. و«بهذا المعنى، يكون إطار الفعل الجماعي تشخيصيًا من جهة، وإنذاريًا

من جهة ثانية». وقد اتخذ ذلك الترسيخ مسارًا محددًا في تونس انطلق بالجامعة الصيفية الأولى للحركات الاجتماعية

التي انتظمت في منطقة قُرْبة (25–23 أيلول/ سبتمبر 2016)، حيث بدأ تطوير أشكال تنسيق بين

الحركات الاجتماعية من خلال تأسيس «التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية بتونس»، إذ حضر أشغال الجامعة الصيفية مشاركات ومشاركون يمثلون حركات اجتماعية من مناطق القصرين وقفصة وسيدي بوزيد وقرقنة وجندوبة والقيروان ومدنين وقبلي وتطاوين وفرنانة وتوزر... إلخ.

(((7 المرجع نفسه، ص.104

(75) Robert D. Benford & David A. Snow, «Framing Processes and Social Movements: An Overview and Assessment,» Annual Review of Sociology , vol. 26, no. 1 (2000), p. 620. (76) Lasse Lindekilde, «Discourse and Frame Analysis In–Depth Analysis of Qualitative Data in Social Movement Research,» in: Della Porta Donatella (ed.), Methodological Practices in Social Movement Research (Oxford: Oxford University Press, 2014), pp. 195–227. (77) Ibid.

شتاء   Winter 2020

وفي وثائق المؤتمر الوطني الأول للحركات الاجتماعية (نابل 26–24 آذار/ مارس 2017) ما يدل على ترسيخ أطر الفعل الاجتماعي ترسيخًا موضوعيًا، في المعنى الاجتماعي التاريخي للكلمة، بعد

أن انطلقت من التأطير التظلمي والاحتجاجي الذاتي، فقد جاء في الورقة التوجيهية للمؤتمر تأكيد بلورة «الفاعلين الاجتماعيين الجدد صيغ تعبئة وتنظم واحتجاج من خارج الأطر التقليدية المعروفة من أحزاب ونقابات ومنظمات». قاعدة ذلك «تمسّك الحركات الاجتماعية بخصوصيتها المطلبية

والمجالية ورفضها الانصهار في صِيَغ مُعَمّمة». ويعني هذا ضرورة تحويل هذا الموقع المخصوص

(ذاتي) إلى موقع ذي «شرعية» تاريخية اتخذ صيغة مؤتمر وطني للحركات الاجتماعية «يكون إطارًا

للتعبئة والتواصل والتضامن والتقاطع بين مختلف الحركات». وفي هذا السياق التحضيري للمؤتمر تم تنظيم ورشات، منها ورشة «الحركات الاجتماعية والحقوق البيئية» (الاتحاد الجهوي للشغل بقابس، 12 آذار/ مارس 2017) و«اليوم التحضيري الإقليمي حول حركة المعطلين عن العمل ومطلب التشغيل» (الاتحاد الجهوي للشغل بالقصرين، 28 شباط/ فبراير 2017). ومن المهم الإشارة في هذا الإطار إلى تواتر تعابير محددَة يحضر فيها ضمير المتكلم الجمعي لتسمية الحركات من قبيل «اعتصام خدّمني بقفصة» (انطلق في 3 آذار/ مارس 2014) واعتصام «المعطلين القادمين سيرًا على الأقدام من قفصة إلى تونس» الذي دام أربعة أشهر و 15 يومًا، و«اعتصام

الكرامة» في جبنيانة لأمهات المعطّلين وزوجاتهم (انطلق سنة 2014، تخلله إضراب جوع دام 58 يومًا)، و«الحركة الاجتماعية بالمكناسي» التي انطلقت في 3 شباط/ فبراير 2016، ومنها تأسس اعتصام

«هَرِمْنَا» المديد، ثم «العصيان المدني» (انطلق في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 وامتد أكثر من 40

يومًا)، وحملة «المكناسي تُقَاوِم.» في مثل هذا التأطير الذي ينطق بلسان الفاعلين يحضر الذاتي حضورًا هُوِياتيًا بارزًا. ولكن مَقُول

الفاعلين الاجتماعيين لا يقتصر على مفرداتهم التظلمية والاحتجاجية، أي الموجهة ضد خُصومهم،

بل فيها ما يتعلق بكيفية إدارتهم لفعلهم الإنجازي الجماعي، في نوعٍ من الذاتية المُنْعَكِسة على ذاتها.

يقول سفيان النصري، معتصمٌ في منطقة الكامور وأحد أعضاء التنسيقية المشرفة عليه: إن تنظيم

خيام الاعتصام تم باعتمادِ مُشرفٍ على كل واحدة ويسمى «رئيس النقطة»، وهو مكلف بالاعتناء

بخيمته وتنظيم الحياة اليومية، وأيضًا بالتنسيق بينها وبين بقية أعضاء التنسيقية. مواضيع النقاش تُطرح

داخل التنسيقية التي تقرر الاجتماع، وتُعْل م كل رؤساء النقاط، ويتم أخذ القرار بعد النقاش الذي يساهم

فيه الجميع وعلى أساس التصويت والشفافية. وهو يقيم هذا الإنجاز الفعلي بكلماته «ليست سياسة تزعم، كلنا إخوة ولكن مع مراعاة النظام [...] وكل القرارات تعود للمعتصمين [...] التنسيقية تستشير

(((7 وثائق المؤتمر الوطني للحركات الاجتماعية، أرشيف خاص بالمؤلف، وهو مجموعة من الوثائق تفضَّل بتسليمها لنا مسؤولو

المؤتمر الوطني للحركات الاجتماعية التونسية والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مشكورين. (((7 للاطلاع على تفاصيل الاعتصام (آذار/ مارس – تموز يوليو 2017) الذي شهده موقع إنتاج بترولي في الجنوب التونسي تخلله

إيقاف لإنتاج ومواجهات مع قوات الأمن أدت إلى حالة وفاة، وتحليل لكيفيات تنظيم الاعتصام من الداخل وعلاقته بما يحيط به من واقع اجتماعي – سياسي، ينظر: السعيداني والغربالي؛ «اعتصام في قلب الصحراء»، موقع انكفاضة، شوهد في 2019/10/28،

في: http://bit.ly/2WjfT7z

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

رؤساء النقاط، وهؤلاء يستشيرون المعتصمين الذين يتناقشون ويعبّرون عن آرائهم [...] نتشاور فيما

بيننا ونُخْرجُوا بالراي الصالح». يمكن أن نلاحظ بوضوحٍ أن هذا الخطاب الذاتي المنعكس على ذاته يأتي بكلمات تأطيرية تقترب كثيرًا

من اللغة اليومية، فلا يبدو عليها التسييس، ولا تحضر فيها المفردات «التنظيرية». ولكنه ذاتي ذو ترابط مع خطاب موضوعي يُوازيه في الوجود؛ ذلك أن هذا التصوير متطابق بصفة حرفية تقريبًا مع تقييمات

جاءت على ألسنة مناضلين – منظرين ضمن حملات وحركات متزامنة. وقد كنّا فصّلنا القول في مثال

من أمثلة هذه التقييمات لدى تناولنا المناقشات الداخلية التي تمّت بين أعضاء حملة «مَانيشْ مْسَامِح »

(لَسْتُ غَافِرًا لَهُمْ) مثلً. ومما لاحظناه في تلك التقييمات أن في الحملة تأكيدَ تميز الإطار السياسي

المبني بالأفقية والمرونة وتدوير المناقشات واعتماد الحسم بالتوافق وتأجيل الاختلافات وحلّها بالطرق الأقرب إلى الودية، وكان فيها لآلية «الجلسة العامة» دورٌ محوري. وقد أمكن لنا، انطلاقًا من ملاحظة هذا

التقابل/ التناظر بين الذاتي والموضوعي في خطابات الحركات الاجتماعية التونسية الراهنة، أن نؤكد قضايا التشبيك النجمي في كيفيات بناء أطر الفعل الجماعي الاحتجاجي والتظلمي ذات الوجود الموضوعي. تسمح ملاحظة الترابط ذاتي – موضوعي بإعادة رسم السيرورة التاريخية التي ساعد على بلورتها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بعقده 3 مؤتمرات للهيئات القيادية للحركات الاجتماعية. وقد أكد المنتدى أنه قام بذلك «بناء على ما رَاكمَتْه الحركة الاجتماعية، واستلهامًا من

تجارب متنوعة في المقاومة والصمود عربيًا ودوليًا من أجل بناء شبكات دائمة للحركات الاجتماعية

الميدانية وللحركات المدنية في القرى والمدن الكبرى والأحياء»، وكذلك «إيجاد محطات تعبئة تشاركية وميدانية وافتراضية وإعلامية محفزة للرأي العام» و«فكّ العزلة عن الحركات [...] من أجل الحرية والحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية».

(((8 وردت جملة من أقوال المشاركين في اعتصام الكامور ضمن تحقيق قامت به شبكة انكفاضة، وقد استعملنا هذه الشهادات في: السعيداني والغربالي. (((8 اعتمدنا نصوصًا من بينها:

«Manich Msamah in Tunisia – Tra mobilitazione specifica e fondazione di un collettivo politico. Il racconto di un militante,» global project, 13/12/2017, accessed on 29/10/2019, at: http://bit.ly/31UMB0j

وقد أمدنا به مشكورًا الباحث مطاع أمين الواعر. وصيغته الفرنسية موجودة في:

«La Campagne ‘Manich Msemah’ en Tunisie entre la mobilisation ponctuelle et la fondation d’un collectif politique – Moutaa Amin Elwaer,» Nachaz, accessed on 29/10/2019, at: http://bit.ly/2MVxK17; Layla Riahi, «Manich Msamah: Retour critique sur un moment politique,» Nawaat, 9/2/2018, accessed on 29/10/2019, at: http://bit.ly/2MT67G0; نص خاص لهندة الشناوي، إحدى ناشطات مانيش مسامح، بعنوان «Organisation horizontale de Manich Msamah nos idéaux

et les défis de la pratique» وهو نص من 14 صفحة بي دي إف، موقع في 2018/2/8، وسمحت لنا مشكورة بالاط عاا عليه والاستفادة منه، مع التزامنا لها بعدم نشره؛ مطاع أمين الواعر، «مانيش مسامح: التقييم والآفاق»، نص من 20 صفحة على صيغة بي دي إف، موقع في 2018/1/6، وهو نص تقييمي داخلي أطلعنا عليه أحد أعضاء الحملة مع التزامنا له بعدم نشره. وكل هذه النصوص مشار إليها في: السعيداني والغربالي. (((8 ترجمة للريزومي، ونستقي الكلمة من اسم النجم وهو النبات الذي ينمو مسطحًا وأفقي التمدد في كل الاتجاهات مُوازيًا

لسطح الأرض مع إمكانية انغراس أي عقدة في أي فرع من فروعه من جديد في الأرض. (((8 السعيداني والغربالي، ص.103

شتاء   Winter 2020

من منظور هذا الترابط ذاتي – موضوعي، يمكن اعتبار هذه السيرورة مرورًا مما أسميه «التذْوِيت» إلى

ما أسمّيه «المَوْضعَة» كما شرحتهما في أول الدراسة. فبعد انعقاد الأيام التحضيرية للمؤتمر الأول

للحركات الاجتماعية التونسية تم التخطيط له على أن يشمل عروضًا للتجارب، وتحديدًا لنقاط القوة والضعف، وعلى الأخص للخروج من حالات الانعزال وردات الفعل. ولذا قرر المؤتمر أن ينشئ تنسيقية وطنية للحركات الاجتماعية، وقد «دعا المؤتمرون إلى ضرورة دعم التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية، وتداولوا حول كيفية اختيارها وتمثيليتها، وأفضى الحوار إلى ضرورة أن تظل هذه التنسيقية متحركة ومفتوحة لجل النشطاء والممثلين عن الحركات الاجتماعية، مما يؤدي إلى إثرائها وتنوعها [...] وأكد المؤتمرون ضرورة أل يقتصر العمل على إنشاء التنسيقية الوطنية، بل يتوجب دعمه بتنسيقيات جهوية وإقليمية حسب خارطة الاحتجاجات». أما الورقة التمهيدية للمؤتمر الثاني للحركات الاجتماعية فقد أكدت أن أهداف المؤتمر أربعة: «أولها تثبيت أسس التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية كإطار أفقي للتنسيق والتضامن والتعبئة [...] ثانيها إعادة بناء الحزام الحقوقي والمدني الداعم للحركات الاجتماعية [...] ثالثها التقدم في [...] بلورة بدائل للتنمية [...] والنهوض بالجهات [...] رابعها ربط نضال الحركات الاجتماعية بنضال القوى الاجتماعية والوطنية الأخرى». تثبت هذه التفاصيل أن المرور من الذاتي إلى الموضوعي في كيفيات بناء الحركات الاجتماعية التونسية الراهنة تم من خلال فعل إنجازي تكفّل به فاعل اجتماعي تمكن، منطلقًا من تذويته تمثّلً

ما للعالم المعيش، من مَوْضعَة حركَته عبر توسيعاتٍِ متواترة لأطُر فعله ومراجعات متلاحقة لسياقات

ذلك الفعل، وتكثيف متزايد للعلاقات التضامنية التي تربطه بباقي الفاعلين الاجتماعيين. ونتيجة له تمثلت المَوْضعَة في خلق إطارِ فعل اجتماعي ذي وجود موضوعي له صبغة مؤسسية يُمكن دراستها

سوسيولوجيًا.

2. الداخلي - الخارجي

لقد سمحت لنا متابعة تحولات الحركات الاجتماعية التونسية خلال السنوات الأخيرة بملاحظة كيفيات الانتقال من التذويت إلى الموضعة، وهو ما جسّد أمامنا الترابط/ الانتقال مما هو ذاتي إلى ما

هو موضوعي. وإنّ ما نركز عليه لاحقًا هو اختبار أحقية القول إن ذلك الترابط/ الانتقال يسمح بالإقرار بوجود ترابط/ انتقال مُوَازٍ من الداخلي إلى الخارجي في تناول الفعل/ الواقعة/ الظاهرة الاجتماعي (ة.)

فهل يمكن القول إن من أدوات التحليل السوسيولوجي لهذا الانتقال من الذاتي إلى الموضوعي في

(((8 انعقد في قابس في آذار/ مارس 2017، ينظر: المرجع نفسه، ص.102 (((8 من قرارات المؤتمر، ينظر: المرجع نفسه، ص.104 (((8 الورقة التمهيدية لتقرير المؤتمر الثاني للحركات الاجتماعية، سوسة 30 و 31 آذار/ مارس و 1 نيسان/ أبريل 2018، يُنظر:

المرجع نفسه، ص.103 (((8 المرجع نفسه، ص.104

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

الفعل الاجتماعي، فَهْمه من خلال التناول العلمي الاجتماعي للذاتي بوصفه داخل وللموضوعي

بوصفه خارجًا؟ لقد أثبتت مختلف أبعاد المثال الذي فحصناه أن الفاعلين الاجتماعيين (هنا مناضلو الحركات الاجتماعية التونسية) عاشوا (ولا يزالون) تجارب فريدة حددت تمثلاتهم للعالم الاجتماعي المعيش ولمواقعهم منه بحيث خَبِرُوا «طبيعته»، وشَهِدُوا واقع المظلومية الاجتماعية، وتبينوا مواضيع الاحتجاج،

وجربوا معنى الالتزام السياسي... إلخ. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن روبيرت ميرتن (1944–)، إلى جانب فيبر وزيمل ودوركايم وغيرتز وغيرهم الذين عدنا إليهم، وَاجهَ أيضًا هذه القضايا، ولكنه حسمها

من منظور يختلف عن الذي سرنا فيه، حينما قال إن الاعتقاد في الداخلي يمكن أن يَرْقى فعل إلى

مستوى المعتقد، إذ ليس من الضروري أن تكون أ سودَ كي تدرس قضية السود في أميركا، ولا امرأة كي تدرس قضايا المرأة، ولا أميركيًا لتدرس المجتمع الأميركي. ولكن ما حاولنا القيام به هو تجاوز هذا

الحل من منظور أن القضية تتعلق بسيرورة الانتقال مما سميناه «التذويت» إلى «الموضعة» جيئةً وذهابًا

بين الداخلي والخارجي. لنعد الآن إلى الشعار الذي انطلقنا منه: «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق». إن ما وضعنا اليد عليه من تذويت يكتسب في هذا الشعار معناه الأعمق، من حيث هو تعيين للمواقع الاجتماعية لمختلف الفاعلين من خلال مقول الفاعلين الاجتماعيين ذواتهم. وقد وقفنا على تأكيد دوركايم لقضايا الحق

بوصفه تنازعًا تفاوضيًا حول المواقع الاجتماعية من خلال ربطه بين الممارسة والتمثل لدى كل واحدٍ

من أفراد المجتمع، وبين ما ينجم عن ذلك من مَوْجودات اجتماعية يسميها مؤسسات. إن إطلاق هذا

الشعار هو نوع من الإسهام في التقعيد المعياري، إذ يتجه نحو الإلزام الاجتماعي باتباع قواعد سلوك محدد. واستكمالً لهذا وقفنا على ما يفيدنا به علم الاجتماع البراغماتي في إعادته الاعتبار إلى البعد المعياري للفعل. ويعني ذلك أن التحليل العلمي الاجتماعي لا يتغاضى عن الدوافع الأخلاقية التي في الفعل الإنساني، بحيث يكون مدعوًا إلى اعتبار حُجج الفاعلين على ما هي عليه. إن المنوال التحليلي لكل

من لوك بولتانسكي ولوران تيفنو يُثمن القُدْرة على الإنجاز التي تكون لدى الفاعلين الاجتماعيين، في

معنى استطاعتهم، تشكيل عالم مشترك، وتنسيق أفعالهم وتبريرها... إلخ. وهذا هو الداخلي في الفعل

الاجتماعي وهو ما يكون عالمُ الاجتماع مدعوًا إلى استكشافه خِبْريًا، حين يقف على الكيفية التي يضع

بها الأفراد قدراتهم ومهاراتهم قيد الفعل الإنجازي.

خاتمة

كان أساس مشروع هذه الدراسة النظر في عمليات «التذويت» و«الموضعة» لفهم الحركات الاحتجاجية التونسية التي تحولت في النهاية إلى ثورة، وذلك بالتأكد من إمكانية الربط في التحليل

(88) Robert K. Merton, «Insiders and Outsiders: A Chapter in the Sociology of Knowledge,» American Journal of Sociology , vol. 78, no. 1 (July 1972), pp. 9–47.

شتاء   Winter 2020

السوسيولوجي بين نقطة انطلاق من الداخل ونقطة انطلاق من الخارج في آنٍمَعًا. وكان الرهان على

أن يسعفنا التأكد من إمكانية الربط بمتغيراتِ تحليلٍ سوسيولوجي يبرر ما يمكن أن نُسَميه ممارسة

الأُلْفَة المُفَارِقَة. ونقصد بهذه التسمية أن «الألفة» تكون، في المثال الذي اعتمدناه، مع الخطاب

التظلمي الاحتجاجي المُطالب من خلال تفهّمه بوصفه خطاب فاعلين اجتماعيين، أي تفَهمه بماِ

هو، وبما ينطق به، وبما يعلن عن نفسه، وعن الناطقين به (داخلي). أما «المفارقة» فهي «مفارقة» تلك الألفة التي تكون بمَوْضَعة الخطاب ذاته وموضعة ما يتأسس عليه من فعلٍ في سياقه الاجتماعي

التاريخي الموضعي (خارجي.) لقد كان اختبارنا لوجاهة الربط بين نقطتَي الانطلاق ولفاعليته التأويلية من خلال قدر تمكينه لنا بأن نلامس الأعماق التي يمتد نحوها مثل ما عاشته تونس، ولا تزال، خلال العشرية الأخيرة. وقد أخذنا ذلك على أنه مراجعة لأسس منظومة المعايير والقيم ذات العلاقة بالحق والعدالة والإنصاف، وهي القضايا التي تأكدت نزاعيتها فيما تتسم به دورة الاحتجاج الجارية في تونس من أثرٍ تاريخي ممتد. وقد

قام ذاك الاختبار على مدى قدرة التذويت والموضعة على الاشتغال ضمن مسارٍ تفاعلي مُنْتجٍ للفعلِ /

الظاهرة، تفاعلً يتضمن التعالق الاجتماعي التاريخي بين الفردي – الجماعي، والذاتي – الموضوعي، والشخصي – العمومي، والضَيّق – الواسع، والخصوصي – العام، والمحلي – الكوني... إلخ، وهو

ما نسميه معضلة «الألفة المفارقة.»

References

المراجع

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تونس: الدار التونسية للنشر،.1993 الأفغاني، جمال الدين. الآثار الكاملة. تحقيق سيد هادي خسرو شاهي. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.2002 جزاع، طه. يوتوبيا: جدل العدالة والمدينة الفاضلة من أفاطون إلى ابن خلدون. بغداد: الأنس للطباعة والنشر،.2011 حمودي، عبد الله. «الداخلي والخارجي في التنظير للظاهرة القبلية: خطوة في طريق تأسيس خطاب أنثروبولوجي مستقل.» مجلة عمران. مج 5، العدد 19 (شتاء.)2017 دو ساردون، جون بيار أوليفيي. «الداخلي». ترجمة الحبيب درويش. مجلة عمران. مج 5، العدد 19 (شتاء.)2017 دياب، شبيب ومارلين نصر وساري حنفي (محررون.) الانتفاضات العربية: مقاربات سوسيولوجية ومقارنات جغرافية. بيروت: دار الفارابي،.2014

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

دياني، مراد. حرية – مساواة – اندماج اجتماعي: نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 ديلتاي، فلهلم. إقامة العالم التاريخي في علوم الروح. ترجمة وتقديم فتحي أنقزو. مراجعة محمد محجوب. سلسلة ديوان الفلسفة. تونس: دار سيناترا؛ المركز الوطني للترجمة،.2015 رحاحلة، حازم. «مراجعة كتاب: تفكيك الاشتراكية العربية.» مجلة عمران. مج 6، العدد 24 (ربيع

رولز، جون. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. مراجعة ربيع شلهوب. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 زهري، خالد. «العدالة والسعادة: مقاربة لمفهوم المجتمع الفاضل بين النورسي والفارابي والترمذي.» النور للدراسات الحضارية والفكرية. السنة 8، العدد 15 (كانون الثاني/ يناير.)2017 زين الدين، الحبيب استاتي. «الفعل الاحتجاجي في المغرب وأطروحة الحرمان: في الحاجة إلى تنويع المقاربات التفسيرية.» مجلة عمران. مج 6، العدد 22 (خريف.)2017 ________. «الممارسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول.» عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية. مج 5، العدد 19 (شتاء.)2017 السعيداني، منير. «من الدولة ما بعد الاستعمارية إلى دولة الرعاية الاجتماعية المستقلة الديمقراطية العادلة؟ المفاوضة التاريخية الاجتماعية لمآلات التغيير في تونس.» مجلة عمران. مج 3، العدد 10 (خريف.)2014 ________. «التغير الاجتماعي والتحول السوسيولوجي في العالم العربي.» ذوات. العدد 50 (أيلول/ سبتمبر.)2018 السعيداني، منير وفؤاد الغربالي. الحركات الاجتماعية في تونس: السياقات، الفاعلون، الأفعال، وسيناريوهات التطور المحتملة. تونس: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية،.2018 سيف الدولة، عصمت. أسس الاشتراكية العربية. القاهرة: الدار القيمة للطباعة والنشر،.1965 العطري، عبد الرحيم. الحركات الاحتجاجية بالمغرب: مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي. تقديم إدريس بنسعيد. دفاتر وجهة نظر 14. الرباط: منشورات دفاتر وجهة نظر،.2008 ________. «سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية.» إضافات. العدد 13 (شتاء.)2011 عمارة، محمد. الإمام محمد عبده مجدد الدنيا بتجديد الدين. القاهرة: دار الشروق،.1988

شتاء   Winter 2020

الغزالي، محمد. الإسام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين. ط 4. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،.2005.________ الإسام والمناهج الاشتراكية. ط 4. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،.2005 قطب، سيد. العدالة الاجتماعية في الإسام. القاهرة: دار الشروق،.1995 القضاعي، أبو عبد الله محمد بن سلامة.مسند الشهاب. تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي. ط 2. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1986 كلفت، خليل (تحرير.) خارطة اليسار العربي: تونس – مصر – اليمن – السودان – المغرب – الجزائر. تونس: روزا لوكسمبورغ – مكتب شمال أفريقيا،.2014 ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي. تقديم عزمي بشارة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 محمد، محمد عثمان. العدالة الاجتماعية الدستورية في الفكر الليبرالي السياسي المعاصر: بحث في أنموذج جون رولز. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 المخزومي، محمد باشا. خاطرات جمال الدين الأفغاني الحسيني الأفغاني وفيها مجمل آرائه وأفكاره

ومرتآه في أهل الشرق والغرب أخاقًا وسياسةً واجتماعًا. بيروت: المطبعة العلمية،.1931 النورسي، بديع الزمان سعيد. كليات رسائل النور. ترجمة إحسان قاسم الصالحي. القاهرة: شركة سوزلر للنشر،.1992 هلال، جميل. إطالة أولية على اليسار في المشرق العربي. رام الله: روزا لوكسمبورغ،.2014

الأجنبية

Amat, Matthieu. «‘La Grâce de l’esprit objectif’: Philosophie de la culture et ontologie de l’esprit chez Georg Simmel.»  Philonsorbonne. vol. 7 (2012–2013). Benford, Robert D. & David A. Snow. «Framing Processes and Social Movements: An Overview and Assessment.» Annual Review of Sociology. vol. 26, no. 1 (2000). Boltanski, Luc. L’Amour et la justice comme compétences: Trois essais de sociologie de l’action. Paris: Métailié, 1990. Boltanski, Luc & Laurent Thévenot. De la justification: Les Économies de la grandeur. Collection NRF Essais. Paris: Gallimard, 1991. Brown, David K. «Interpretive Historical Sociology: Discordances of Weber, Dilthey and Others.» Journal of Historical Sociology. vol. 3, no. 2 (June 1990). Burger, Thomas. «Droysen and the Idea of Verstehen.» Journal of the History of the Behavioral Sciences. vol. 14, no. 1 (January 1978).

الداخل ي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماع: التذويتوالموضعة

Canto–Sperber, M. Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale. Paris: PUF, 2001. Colliot–Thélène, Catherine. «Individu et individualisme chez Georg Simmel, au prisme de Durkheim et de Weber.» Sociologie et sociétés. vol. 44, no. 2 (Automne 2012). Donatella, Della Porta (ed.). Methodological Practices in Social Movement Research. Oxford: Oxford University Press, 2014. Dubard, Claude. «La Méthode de Marcel Mauss.» Revue française de sociologie. vol. 10, no. 4 (1969). Duclos , Alexandre. «Sociologie de l’inconscient collectif, du rassemblement à l’émeute.»  Cahiers de psychologie politique. no. 18 (Janvier 2011). Durkheim, Émile. Textes 1: Éléments d’une théorie sociale. Collection Le sens commun. Paris: Éditions de Minuit, 1975. Freund, Julien. «De Max Weber à Georg Simmel.» Simmel Newsletter. vol. 1, no. 1 (Summer 1991). Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. Selected Essays. New York: Basic Books, 1973. ________. Local Knowledge: Further Essays in Interpretive Anthropology. New York: Basic Books, 1976. Gonthier, Frédéric. «Weber et la notion de ‘compréhension’.»  Cahiers internationaux de sociologie. vol. 1, no. 116 (2004). ________. La Lutte pour la reconnaissance. Collection Passages. Paris: Cerf, 2000. Honneth, Axel. «Anerkennung als ideologie.» WestEnd. vol. 1, no. 1 (2004). Mauss, Marcel. Sociologie et anthropologie. Paris: PUF, 1970. Merton, Robert K. «Insiders and Outsiders: A Chapter in the Sociology of Knowledge.» American Journal of Sociology. vol. 78, no. 1 (July 1972). Nachi, Mohamed. «Au fondement de la sociologie pragmatique éléments pour comprendre un ‘style’ sociologique.» Esprit Critique. vol. 28 (Mai 2018). Papilloud, Christian. «Simmel, Durkheim et Mauss: Naissance ratée de la sociologie européenne.»  Revue du MAUSS. vol. 2, no. 20 (2002). Renault, Emmanuel. Mépris social: Éthique et politique de la reconnaissance. Collection Poches de résistance. Paris: Éditions du Passant, 2000. ________. L’Expérience de l’injustice: Reconnaissance et clinique de l’injustice. Paris: La Découverte, 2004. ________. «La Reconnaissance au cœur do social.» Sciences Humaines (Juin 2006). ________. Souffrances sociales: Philosophie, psychologie et politique. Paris: La Découverte, 2008.

شتاء   Winter 2020

________. Reconnaissance, conflit, domination. Paris: CNRS Editions, 2017. Rogers, Mary F. Sociology, Ethnomethodology, and Experience: A Phenomenological Critique. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Simmel, Georg. La Forme de l’histoire et autres essais. K. Winkelvoss (trad.). Collection Le Cabinet des lettrés. Paris: Gallimard, 2004. ________.  Philosophische Kultur. Frankfurt: Zweitausendeins, 2008. ________. Les Grandes villes et la vie de l’esprit. Suivi de « Sociologie des sens ». J.–L. Vieillard–Baron & F. Joly (trad.). Paris: Payot, 2013. Tarot, Camille. «Problématiques maussiennes de la personne.»  Cahiers internationaux de sociologie. vol. 1, no. 124 (2008). Tétaz, Jean–Marc. «‘Sens objectif’: La Fondation de l’interprétation du sens dans l’agie social dans une théorie philosophique du sens.» Archives des sciences sociales des Religions. no. 127 (Juillet–Septembre 2004). Weber, Max. Wirtschaft und gesellschaft: Grundriss der verstehenden soziologie. Tübingen: Mohr Siebeck, 1922. Weber, Max & Dirk Käsler. Schriften 1894–1922. Stuttgart: Kröner, 2002.