مانويل كاستلز ومفهوم مجتمع الشبكات: من المجتمع إلى الشبكة (نحو مقاربة تأويلية للهوية والسلطة في عصر المعلومات)
Manuel Castells and the Concept of the Network Society: An Interpretative Approach to Identity and Power in the Information Age
الملخّص
تتجاوز أهمية إضافة مانويل كاستلز في مؤلَّفه عصر المعلومات بناء مفهوم مجتمع الشبكات، لتبلغ هدفًا أبعد هو تفكيك حقيقة تكنولوجيا المعلومات والتواصل، باعتبارها مؤشرًا ذا دلالة، وبراديغمًا جديدًا يؤسس بحثيًا لفهم مجتمع ما بعد الصناعي/ المجتمع المعاصر. وقد أصبحت التكنولوجيا عند كاستلز سياسة؛ الأمر الذي جعل منطقها الأول منطق سيطرة/ هيمنة. وبناءً عليه، لا يمكن التحرر من قبضتها إلا بالتكنولوجيا نفسها. ومن هنا، تأتي أهمية هذه الدراسة التي لن نقتصر فيها على تناول إسهام هذا الباحث في موضوع "مجتمع الشبكات" ومرادفاته وبعض المفاهيم القريبة منه، كمجتمع المعرفة ومجتمع المعلومة، بل سنشرح، ونناقش أيضًا، طبيعة تطور هذا المفهوم وسياقاته كما صاغه صاحبه.
Abstract
Abstract: The contribution of Manuel Castells’ Information Age reaches beyond building the concept of a network society, to dismantle the reality of information and communication technology. Indicating a new paradigm, it establishes research to understand post–industrial/contemporary society. For Castells, technology became a policy, which left it ruled foremost by the logic of domination, and therefore it became possible to break free from its grip only with the technology itself. This paper examines the concepts of network society, knowledge society and information society and explains the context of the development of these concepts as formulated by Castells.
- Network Society
- Technology
- Power
- Identity
- Information Age
ملخص: تتجاوز أهمية إضافة مانويل كاستلز في مؤلَّفه عصر المعلوماتبناء مفهوم مجتمع
الشبكات، لتبلغ هدفًا أبعد هو تفكيك حقيقة تكنولوجيا المعلومات والتواصل، باعتبارها مؤشرًا
ذا دلالة، وبراديغمًا جديدًا يؤسس بحثيًا لفهم مجتمع ما بعد الصناعي/ المجتمع المعاصر. وقد
أصبحت التكنولوجيا عند كاستلز سياسة؛ الأمر الذي جعل منطقها الأول منطق سيطرة/ هيمنة. وبناءً عليه، لا يمكن التحرر من قبضتها إلا بالتكنولوجيا نفسها. ومن هنا، تأتي أهمية هذه الدراسة
التي لن نقتصر فيها على تناول إسهام هذا الباحث في موضوع «مجتمع الشبكات» ومرادفاته وبعض المفاهيم القريبة منه، كمجتمع المعرفة ومجتمع المعلومة، بل سنشرح، ونناقش أيضًا، طبيعة تطور هذا المفهوم وسياقاته كما صاغه صاحبه.
Abstract: The contribution of Manuel Castells’ Information Age reaches beyond building the concept of a network society, to dismantle the reality of information and communication technology. Indicating a new paradigm, it establishes research to understand post–industrial/contemporary society. For Castells, technology became a policy, which left it ruled foremost by the logic of domination, and therefore it became possible to break free from its grip only with the technology itself. This paper examines the concepts of network society, knowledge society and information society and explains the context of the development of these concepts as formulated by Castells.
Professor at the Faculty of Education Sciences, University of Mohamed V, Rabat, Morocco.
مدخل إشكالي
يعتبر سؤال المجتمع، وخصوصًا «مجتمع الشبكات»، من بين الأسئلة التي تطرحها
السوسيولوجيا المعاصرة ما بعد الحداثية التي تتسم بالبحث في الميكرو – اجتماعي، بناء على مناهج فعانية Actionniste. ولتبيان ذلك وتأكيده إبستيمولوجيًا، نرتدُّ إلى مرجعية مهمة، لها باع
طويل في كشف تناقضات المجتمع الصناعي/ المجتمع الرأسمالي وخطاباته وممارساته، ودلالات مجتمع الشبكات في عصر المعلومات. وواجه السوسيولوجي الأميركي من أصل إسباني، مانويل كاستلز، من خال مجلده الضخم عصر المعلومات: الاقتصاد والمجتمع والثقافة (988، الكثير 1) من الإشكالات بشأن مفاهيم المجتمع الشبكي والهوية والسلطة، التي تُعدّ من صميم الانتقال إلى نظام التقنيات الدقيقة والعالية في مجتمع المعرفة. ويُعدّ هذا المجلد من بين أهم ما كتب حول مجتمع
الشبكات وأثره في صيرورة مفهوم السلطة والهوية. من خال هذه الدراسة، سنحاول تقديم مقتربات بشأن بعض المفاهيم المؤطرة ل «عصر المعلومات»، وكذا الاقتراب من بعض المحطات النظرية التي دشّنها كاستلز بشأن تأسيس رؤية مغايرة لبعض أنماط المجتمعات المعاصرة، انطاقًا من مفهوم «مجتمع الشبكات». بناء عليه، أقدّم في هذا السياق مسلّمتين:.1 تُبنى الأولى على أن المجتمعات تحيا وتموت تحت راية العقانية والإنتاج، أي تُظهر قوة العمل وحالة المعرفة التقنية أن ثمة تراتبيةً على مستوى التقنيات الممكنة للإنتاج..2 تَعتبر المسلّمة الثانية أن التاريخ انتقل من زمن يمضي إلى زمن يأتي. فالتكنولوجيات الحديثة، لم تجعل للزمن المعنى نفسه الذي كان له من قبل؛ إذ أصبحت المسافات قريبة، ومن ثمّ أصبحنا أمام
«سيولة الزمن» Liquid Time. وما عاد الزمن دائريًا، كما ما عادت فكرة استدعاء التاريخ ممكنة، لأن
التاريخ لا يُكرّر أحداثه. يجعلنا هذا كله نتساءل عن طبيعة العاقة بين كاستلز والشبكة باعتبارها نمطًا اجتماعيًا، أمام الإحساس
بنوع من الالتباس أمام هذه العاقة. إذًا كيف يفكر «ماركس القرن الحادي والعشرين» الذي أطلق على
(1) Manuel Castells, The Information Age: Economy, Society and Culture , vol. 1: The Rise of the Network Society (Malden, MA: Blackwell, 1996); Manuel Castells, The Information Age: Economy, Society and Culture , vol. 2: The Power of Identity (Malden, MA: Blackwell, 1997); Manuel Castells, The Information Age: Economy, Society and Culture , vol. 3: End of Millennium (Malden, MA: Blackwell, 1998). (2) Joan Robinson, «The production function and the theory of capital,» Review of Econimic Studies , vol. 21, no. 2 (1953), pp. 81–106.
(((تحدو مكونات الحياة اليومية كلها، بما فيها الزمن والمكان نحو السيولة Fluidity، حيث ما عاد الزمن يسير في اتجاه أحادي
وفق قوانين اجتماعية معينة؛ إذ توقف الإنسان مندهشًا كونه لا يملك شيئًا حيال تغيّر الزمن، بل أصبح هذا الأخير مستقلً يختلف
بانهائيته عن الحركة ذات المنتهى. (((يحمل هذا المفهوم عنوانُ كتاب للسوسيولوجي البريطاني من أصل بولندي زيغمونت باومن، يُنظر:
Zygmunt Bauman, Liquid Times: Living in an Age of Uncertainty (Cambridge, UK: Polity, 2006).
كاستلز في مفهوم مجتمع الشبكات؟ يمكننا الإجابة عن هذا السؤال انطاقًا من مفهومين آخرين: أولً، الهوية، لماذا اعتبر كاستلز أن مجتمعاتنا تتبلور حول الصراع بين الشبكة والذات، انطاقًا من الهوية باعتبارها عملية بناء للمعنى؟ هل سيجعله هذا متملكًا مقتربًا جديدًا ورؤيةً واضحةً في تحليل
بنى المجتمع الرأسمالي «المعلوماتي»؟ ثانيًا، السلطة، هل يمكننا الحديث عن منزع ظاهراتي لسلطة
غير مكتملة الأركان، بحسب كاستلز، نظرًا إلى استمرار الصراعات الاجتماعية؟ كيف يمكن توصيف
السلطة في مجتمعات أصبحت فيها المؤسسات مختلة وظيفيًا؟ ما حدود مفهوم «السلطة السائلة»
Liquid Power في هذا المتن؟
أولا: المحددات السوسيوثقافية لمفهوم «مجتمع الشبكات » عند كاستلز
في إمكاننا رصد محورين أساسيين بغية استشفاف التشكل النظري لمفهوم «مجتمع الشبكات» باعتباره مفهومًا «مقارباتيًا» إرشاديًا (براديغم) لتحليل المجتمع الرأسمالي الحديث كما يفهمه مانويل كاستلز.
نقع أولً على نظرية مجتمع الشبكات التي حاول كاستلز بناءها انطاقًا من أبحاث ميدانية عدة قام بها طوال أعوام، ابتداء من أطروحته لشهادة الدكتوراه، تحت إشراف السوسيولوجي الفرنسي المعاصر ألان تورين Touraine Alain حول موضوع «السياسات المجالية للمقاولات العالية التقنية»، حيث توجد تمظهرات الثورة التقنية الجديدة. ثانيًا، ثقافة مجتمع الشبكات وآليات عولمة الاقتصاد وتأثيراته
في شروط العمل والحياة الاجتماعية، وكذا تحولّات الثقافة المهيمنة عن طريق الميديا أو وسائل
الإعام الحديثة.
1. نظرية مجتمع الشبكات
إنّ مجتمع الشبكات هو ذلك المجتمع الذي تقوم فيه «الشبكات» بتشكيل بناه الاجتماعية، حيث ترتكز هذه الشبكات على تقنيات التواصل. فمن خال طبيعة البنية الاجتماعية، يمكن فهم التراتبات
((طلق على كاستلز لقب «ماركس القرن الحادي والعشرين»، من منطلق أنه إذا كان «ماركس» هو الذي اكتشف في كتابه (أ
المعروف رأس المالعن القوانين الأساسية للرأسمالية، وفي مقدمها نظريته عن فائض القيمة، فإن كاستلز، في نظريته عن المجتمع الشبكي، يقدّم تفسيرًا إبداعيًا لأبرز ظواهر العالم الافتراضي. (((يقصد «كاستلز» بالشبكة Net تلك التشكيات التنظيمية الجديدة التي قامت على أساس الاستخدام الواسع للميديا الاتصالية المتشابكة ونماذج التشبيك Network، والتي تميز أكثر القطاعات الاقتصادية المتقدمة. وينطبق ذلك على الشركات الكبرى المتنافسة تنافسًا شديدًا، وكذلك بالنسبة إلى المجتمعات المحلية والحركات الاجتماعية. (((ترمز الذات Self إلى النشاطات التي يحاول فيها الناس تأكيد هوياتهم في ظل ظروف تتّسم بالتغيرات البنائية وعدم الاستقرار
التي ترافق تنظيم النشاطات الرئيسة الاجتماعية والاقتصادية، وتصوغها في شكل شبكات دينامية. (((استعملتُ هذا المفهوم للتعبير عن المفهوم الجديد للسلطة الذي يختلف عن المفهوم الكاسيكي المنحصر في المؤسسات
السياسية والقانون؛ إذ أصبحت السلطة موجودة في مناحي الحياة الاجتماعية كلها. وهو التوجه نفسه الذي ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
(9) Jean–Eric Pelet & Marie–Hélène Poggi, «La société en réseaux de Manuel Castells,» Espace & Communication ,
التنظيمية للكائنات البشرية المتجلّية في الخبرات والتجارب والمعارف والفنون واللغة والمسكن والملبس والغذاء والدواء والمعايير والإنتاج والتوزيع والعاقة بالآخرين والقوة التي أعربت عنها في التواصل المجدي عن طريق الثقافة. إذا كانت الشبكة عبارة عن مجموعة من العقد Nodes المتشابكة، فإن الشيفرةCode هي النقطة التي يتقاطع فيها مُنحنيَا هذه الشبكة. ومن ثمّ، ليس للشبكة مركزٌ، كما ليست لها شيفرات. قد
تكون الشيفرات متفاوتة في ما بينها ارتباطًا بالشبكة. لكن تزيد هذه الشيفرات أهمية الشبكة عن طريق امتصاص المزيد من المعلومات المرتبطة بها، ومعالجتها على نحو أكثر كفاءة؛ إذ لا تنبع أهمية الشيفرة النسبية من معالم تقنية محددة، بل من قدرتها على المساهمة في تحقيق أهداف الشبكة. مع ذلك، فإن كل الشيفرات في الشبكة ضرورية لأداء الشبكة السليم والعادي، فعندما تصبح الشيفرات زائدةً على الحاجة، أو غير مجدية/ غير مائمة، تكون الشبكات مضطرة وميّالة إلى إعادة
تكوين نفسها، وحذف بعض الشيفرات، وإضافة أخرى جديدة. ومن ثمّ تكون وظيفة الشيفرات في
أنها موجودة وتعمل عناصر فاعلة في الشبكات فحسب، أي إن الشبكة هي الوحدة/ النواة، وليست الشيفرة. لا يعني هذا الكام أنّ الشبكات تبقى استثنائية وتخص مجتمعات القرن الحادي والعشرين فحسب، أو أنّ التنظيمات البشرية تقتصر على هذه الشبكات مستبعدة بذلك تنظيمات اجتماعية أخرى، بل يمكن القول إنّ الشبكات تؤسس أنماطًا Patterns أساسية للحياة، وفي هذا السياق يقول فريتجوف كابرا إنّ «الشبكة هي ذلك النمط الذي تشترك فيه حياتنا جميعًا. فأينما نرَ الحياة، نرَ الشبكات»، وهنا تظهر
مركزية الشبكة في الحياة الاجتماعية للمجتمعات المعاصرة. وحاول الباحثون في دور الشبكات الاجتماعية في الحياة الاجتماعية البحث، وقتًا طويلً، في دينامية الشبكات الاجتماعية ودورها في الحفاظ على التفاعات الاجتماعية وإنتاج المعنى العائقي/ الاجتماعي، ما يؤدي إلى صياغة نظرية منهجية لشبكات الاتصال. وإضافة إلى ذلك، من حيث البنية الاجتماعية، حث علماء الآثار والمؤرخون في العصور القديمة على أنّ السجل التاريخي يُبيّن انتشار
الشبكات وأهميتها باعتبارها العمود الفقري للمجتمعات، منذ آلاف السنين، في الحضارات القديمة الأكثر تقدمًا في مناطق عدة من هذا الكوكب. في الواقع، «إذا نقلنا مفهوم العولمة إلى جغرافيا العالم
القديم، على النحو الذي تُحدّده تقنيات النقل المتاحة، فستكون ثمة عولمة تتسم بنمط العصور
(10) Ari–Veikko Anttiroiko, «Networks in Manuel Castells’ theory of the network society,» Munich Personal RePEc Archive (MPRA), Paper no. 65617, University of Tampere, Finland, 15/7/2015, p. 7. (11) Manuel Castells, «Informationalism, Networks, and the Network Society: a Theoretical Blueprint,» in: Manuel Castells (ed.), The Network Society: A Cross–cultural Perspective (Northampton, MA: Edward Elgar, 2004).
(((1 لمزيد من التوسع في الفكرة القائلة بأن الشبكة تؤطر حياتنا الاجتماعية، يمكن الاطاع على:
Fritjof Capra, The Web of Life (New York: Random House, 1996).
القديمة، كما تعتمدها المجتمعات في معيشتها ومواردها، والقدرة على التواصل بأدواتها بين نشاطات هذه العصور الرئيسة لشبكات تجاوز حدود المنطقة الجغرافية». تخضع الشبكات لمنطقٍ تطوري، حيث تزداد قدرتها مع مرور الوقت على إدخال فاعلين ومحتويات جديدة إلى سيرورة التنظيم الاجتماعي، واستقال نسبي عن سلطة المركز مع التغير التكنولوجي الحاصل، وخصوصًا مع تطور تقنيات الاتصال. لهذا أصبحت الشبكات ذلك الشكل التنظيمي الأكثر
كفاءة نتيجة ثاث سمات رئيسة للشبكات التي استفادت من البيئة التكنولوجية الجديدة: المرونة Flexibility، والتدرّجية/ قابلة للتطور Scalability، والبقاء على قيد الحياة/ قابلة للبقاء Survivability. الشكل (1) سمات الشبكة
المصدر: من إعداد الباحث.
2. ثقافة مجتمع الشبكات
تتفق غالبية السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين على أنّ المجتمعات تُبنى ثقافيًا. فإذا كنا نتحدث،
جدلً، عن أنّ ثمة مجتمعَ شبكات محددًا Society Network Specific، يجب أن نكون قادرين على تحديد ثقافة مجتمع الشبكات هذه باعتبارها عامته التاريخية. ويتطلّب تعقيد مجتمع الشبكات وجدّته تحذيرات معرفية أساسية: أولً، لأن مجتمع الشبكات كما تصوَّره كاستلز يتميز بالشمولية Global؛
ثانيًا، لأنه يعمل على دمج ثقافات عدة، كونه مرتبطًا بتاريخ بعض المناطق في العالم وجغرافيته؛ ثالثًا،
يتطوّر مجتمع الشبكات، في الوقت نفسه، في تعدد المجالات الثقافية، وينتج من تاريخ مختلف
لبعض السياقات المختلفة أيضًا. كما يؤدي إلى بلورة أنظمة مؤسساتية مختلفة ومتطورة جدًّا. اعتبر يورغن هابرماس الهوية مسألة ثقافية – مؤسساتية ومركزية بالنسبة إلى مجتمع الشبكات، حيث تنامى الخطاب الهوياتي وأبرز فاعليته في المشهد المجتمعي الجديد الذي يجعل من الشبكة
(13) Castells, «Informationalism, Networks.« (14) Ibid.
(1((للتوسع في فكرة مركزية الهوية في المجتمع، يُنظر:
Jurgen Habermas, Die Postnationale Konstellation (Frankfurt: Suhrkamp, 1998).
نواته الأساسية. إنّ هذه النظرة، على الرغم من أنها تقدم بعض الحلول الأولية لهذه الإشكالية، فإنها تجعلنا غير قادرين على تحديد الطبيعة والميكانيزمات المتحكّمة في السيرورات التفاعلية الكبرى عن طريق ما يسمى بلغة هابرماس «بروتوكولات التواصل» Communication of Protocols التي يتم إيجادها وتقويمها إيجابيًا بالنظر إلى قدرتها على تقدير المستويات العائقية، مقدمًا حقيقة أنّ الثقافة
الكوسموبوليتانية Culture Cosmopolitan حاضرة عند حيّز صغير من الأفراد فحسب. والحقيقة أنّ
هذا التقويم خاضع أساسًا لطبيعة نتائج هذا المسار التفاعلي الذي يتأثر بدوره بتناقضات متشعّبة،
يتجاوز حسمها قدرة تأثير الأشخاص. نجد هذه البروتوكولات التي تُميّز الثقافة الكوسموبوليتانية عند هابرماس حاضرة أيضًا عند كاستلز في
توصيفه مجتمع الشبكات. فهل يمكن اعتبار البروتوكولات التواصلية ثقافةً جديدةً تُحدّد إمكان، أو عدم إمكان قيام مجتمع شبكي على نحو ما؟ كيف يحضر التواصل في مسار المجتمع الشبكي؟ لتحديد ما المقصود بهذه البروتوكولات التواصلية «على نحو فرضياتي» Hypothetically، يتطلّب الأمر تحليلً إمبيريقيًا من الممكن أن يتجاوز حدود هذا التصور النظري الموسوم بالمعيارية: «إنّ ثقافة المجتمع
الشبكي الشامل هي ثقافة بروتوكولات التواصل التي توجد إمكان هذا الأخير (التواصل) بين مختلف الثقافات في الأساس، ليس بالضرورة تقاسم القيم، لكن بتقاسم قيمة التواصل على الخصوص». من هنا يتسنى لنا القول، إنّ الثقافة الجديدة لا توجد عن طريق المحتوى، بل عن طريق السيرورة. إنها ثقافة التواصل لتحييد ضعفه. يخلص كاستلز، في هذا الإطار، إلى فرضية مفادها أنّ ثقافة مجتمع الشبكات هي ثقافة بروتوكولات التواصل بين مختلف الثقافات في العالم، حيث تطوّرت على أساس المعتقد المشترك في سلطة التشبيك
Networking of Power والتعاون الحاصل من خال عطاء الآخرين والأخذ منهم، أي على أساس التبادل (الأشياء، الحاجات... إلخ). إنها سيرورة من البناء المادي لثقافة مجتمع الشبكات، وليست نشر العقل الرأسمالي من خال السلطة الممارسة في الشبكات الشاملة من خال النخب المهيمنة الموروثة من المجتمع الصناعي. هي تلك السيرورة التي من خالها يحضر الفاعلون الاجتماعيون الواعون أمرهم Actors Social Conscious الذين ينتمون إلى مختلف الشرائح الاجتماعية والمنابع الثقافية والمعتقدات الدينية، ويتقاسمون العالم المتنوع. قد يستنبط أحدهم في هذا الإطار سياقات تصاعد استعجالية المقاربة الجديدة لفهم طبيعة الاقتصاد والثقافة والمجتمع الذي نعيش فيه، انطاقًا من الأزمات والصراعات التي ميّزت العقد الأول من القرن
الحادي والعشرين، مثل الأزمات المالية/ الاقتصادية العالمية، وتقسيم العمل العالمي الذي ينتج الثورة في سوق الشغل والتجارة العالمية، وتزايد تطور الاقتصاد الإجرامي العالمي، وظواهر الاستبعاد الاجتماعي والثقافي لجزء كبير من السكان في العالم من الشبكات العالمية المهيمنة التي تراكم
(16) Castells, «Informationalism, networks. » (17) Ibid.
المعرفة والثروة والسلطة، وانتشار اللجوء إلى العنف باعتباره طريقة لاحتجاج والهيمنة، والأزمات البيئية المتمثلة في التغير المناخي، وتصاعد عدم قدرة المؤسسات السياسية المرتكزة على الدولة/ الأمة في معالجة المشكات الكبرى ومطالب الشعوب: وتأخذ كل هذه التعبيرات المختلفة لسيرورة التغير متعدد الأبعاد والبنيوي مكانًا في وسط الاختالات الوظيفية الحاصلة.
ثانيًا: مجتمع الشبكات: من المعرفة إلى السياسة
أصبح مفهوم «مجتمع الشبكات» الذي يرادف أحيانًا «مجتمع المعلومات» مفهومًا واسع الانتشار
بفضل الدراسات الكثيرة التي أصبحت تهتم به من زوايا مختلفة، وبفضل التطور المهول أيضًا الذي تعرفه وسائل الاتصال الحديثة، ما عاد مفهومًا يقتصر على معجم العلوم الاجتماعية فحسب، بل إنه
تعبير/ مفهوم انخرط في حقول معرفية أخرى، مثل التخطيط السياسي Planning Political، والتسويق السياسي Marketing Political، وعالم التجارة Business of World؛ الأمر الذي أهّله، كما قلنا سابقًا، ليكون مفهومًا مقارباتيًا إرشاديًا (براديغم) قادرًا على فهم بعض الإشكالات التي يعج بها
المجتمع الحديث وتحليله. مهما تكن امتداداته المعرفية، يبقَ مجتمع الشبكات ذلك المجتمع الذي ما عاد يعتمد في الأساس على
إنتاج القيمة المادية، بل أصبح يقوم على إنتاج المعرفة/ المعلومة. والماحظ أن فكرة مجتمع الشبكات ترتبط أوثق الارتباط بنشأة تكنولوجيا المعلومات، مثل أجهزة الكمبيوتر ونظم الاتصالات الإلكترونية. وتكمن دواعي استخدام تكنولوجيا المعلومات في إتاحة الفرصة لتطبيق أفضل لقوانين جديدة، مثل قانون اقتصاد الوقت والجهد. يشير كاستلز، كما أشرنا سابقًا، إلى أنّ مجتمع الشبكات قائم على تضاد ثنائي القطب بين الشبكة والذات، إلا أننا نشهد في الوقت نفسه عملية حدوث تقارب اجتماعي وثقافي، حيث جُمعت الشرائح
السكانية المختلفة من خال وسائل إعامية واستهاكية في بوتقة متجانسة، وثمة في المقابل انبعاث للهويات المحلية والعرقية؛ وذلك لأن ثمة كثيرًا من الأفراد يختارون تعريف أنفسهم بموروثهم العرقي
والثقافي والديني بأسلوب خاص. وكثيرًا ما تكون هذه المجتمعات غير متصلة جغرافيًا، لكنها ترتبط
بعضها مع بعض بوسائل الاتصال. ويتضح مما سبق دور التكنولوجيا وتأثيرها في الأفراد والمجتمعات والأسر والنتائج المترتبة عليها. ثمة تطور لنظام تواصلي جديد، وثمة أيضًا تواصل رقمي عن طريق المواقع الإلكترونية. وغيّرت هذه
البيئة التواصلية الجديدة في عاقات السلطة كثيرًا، حيث بيّن كاستلز نتائج هذا التطور على السيرورات
السياسية والحركات الاجتماعية. ففي كتابه سلطة التواصل Communication Power الذي نشره في عام 0092، اعتمد كاستلز على تحليل الشبكات وتقنيات التواصل لتطوير نظرية جديدة للسلطة في
(((1 ينبغي هنا التركيز على أن الحكومات في ظل الدول القطرية ما عادت قادرة على السيطرة على دولها، بل أصبحت المؤسسات المالية الدولية هي التي في إمكانها اليوم فرض بعض الإماءات على هذه الحكومات. 1(((برنامج الأمم المتحدة الانمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، تقرير المعرفة العربي لسنة 2009: نحو تواصل معرفي
منتج (دبي: دار الغرير للطباعة والنشر، [د. ت.)].
عصر المعلومات. فعاقات السلطة هي العاقات المؤسسة للمجتمع بالنسبة إلى الذين هم في وضعية سلطة، حيث يشكلون المؤسسات ومعايير المجتمع بتوظيف مصالحهم وقيمهم. ليست السلطة شيئًا ثابتًا، إنها عاقة تُبنى دائمًا، ويُعاد بناؤها عن طريق الصراع والتفاوض بين الفاعلين.
فأينما وجدت السلطة، توجد السلطة المضادّة Contre–pouvoir. ومن ثمّ ننظر إلى السلطة الممأسسة
باعتبارها هيمنة، وتحديات هذه الهيمنة من الفاعلين المهمشين في المؤسسات أو من حاملي القيم البديلة التي تتطور وتحوّل التنظيم الاجتماعي في حركة اجتماعية لامتناهية. لهذا، كانت مراقبة التواصل
والمعلومة، على مر التاريخ، من بين الموارد الأساسية للسلطة والسلطة المضادّة. يصف هربرت ماركوز Marcuse Herbert (979–18981) المجتمع الصناعي المعاصر بأنه مجتمع يضفي صفة العقانية على الاعقانية، باعتباره مجتمعًا تسنده حضارة منتجة وناجعة وقادرة على زيادة الرفاه، وعلى إضفاء صفة الحاجة على ما هو زائد على الحاجة، وتحويل ما هو كمالي إلى ما هو ضروري. هنا يصبح الاستاب بالذات إشكاليًا، حيث يتعرّف الناس إلى أنفسهم في بضائعهم،
ويجدون جوهر روحهم في سياراتهم وجهاز التلفزيون الدقيق الاستقبال، وفي بيتهم الأنيق وأدوات طبخهم الحديثة. إنّ الآلية التي تربط الفرد بمجتمعه تبدلت هي نفسها، وتحتل الرقابة الاجتماعية مكانتها في قلب الحاجات الجديدة التي ولّدتها؛ حيث ما عاد الإنسان أداةً تتجسّد في الإنتاج فحسب،
بل أصبح مادة أولية لهذا الإنتاج، ومن ثمّ يُصبح الإنسان شيئًا يجري التاعب به في وجوده الاجتماعي،
كما في وجوده الخاص/ الفردي. الأشكال السائدة من الرقابة الاجتماعية هي أشكال تكنولوجية بمعنى جديد. ومما لا ريب فيه أنّ البنية التقنية، وفاعلية جهاز التدمير والإنتاج، ساهمتا في المرحلة الحديثة الراهنة في إخضاع السكان لتقسيم العمل الحالي. لكن الرقابة التقنية غدت اليوم تعبيرًا عن العقل الذي أصبح خادمًا لكل الجماعات
والمصالح الاجتماعية، حيث يبدو كل تناقض عقانيًا، وكل معارضة مستحيلة. وعلى هذا المنوال،
يتبيّن أنّ التقنية ليست شيئًا مُحايِدًا عديم اللون والطعم والرائحة، كما أنها ليست مجرد تطبيق عملي
لممارسة نظرية هي العلم؛ إنها منطق أو وضع أو موقف فلسفي وأيديولوجي. ليست آلات وأدوات ووسائل تُكرّس منطق السيطرة وتكشف عن عصر التقدم التقني وأيديولوجيا النظام التكنولوجي، بل
تُجسّد بعض القيم المُحدّدة. إنّ ثمة مشابهات بين هذا الموقف الذي دافع عنه ماركوز، ثم هابرماس، وموقف الفيلسوف الألماني هايدغر الذي يعتبر الوضعية الأساسية للأزمنة الحديثة هي «الوضعية التقنية»، وكان العصرُ عصرًا تقنيًا
(2((يعتبر ماركوز أن بعض المجتمعات لا يعيش حقبة العقانية؛ نظرًا إلى أنه لم يعرف ثورات ثقافية وصناعية كما عاشتها الدول
الأوروبية، ومن ثمّ يحاول المجتمع الصناعي فرض نمط العقانية على المجتمعات غير الصناعية، أي غير العقانية.
(21) Bernard Solasse, «La demarche critique d’Herbert Marcuse ou un nouveau type de critique sociale,» Canadian journal of political sciences , vol. 2, no. 4 (December 1969), p. 3. (22) Andrew Feenberg, A. (2004). (Re)penser la technique;: Vers une technologie démocratique , Collection: Recherches. (Paris: La Découverte/ M.A.U.S.S, 2004), p. 25.
بامتياز، فالتقنية شكل من أشكال الحقيقة وكيفية من كيفيات الوجود، أو نمط من أنماط تجلّياته. ومنذ أن تحوّل العلم إلى قوة منتجة ذات وظائف اجتماعية، بات قوة أيديولوجية باعتباره يؤدي دورًا أساسيًا
في منح المشروعية للنظام الاجتماعي والسياسي الحديث المُؤسَّس على العقانية التقنية. أسّست دراسات موضوع الشبكات الاجتماعية باعتبارها ظاهرة اجتماعية في البحث السوسيولوجي
من خال السوسيولوجيا الأميركية، بغية فهم الشبكات الاجتماعية بصفتها شكلً من أشكال التنظيم والتفاعل العائقي من منظور نقدي، وذلك بالاعتماد على شبكات التواصل الإلكتروني. فمنذ تأسيس علم الاجتماع باعتباره علمًا مستقلً، وهو يعتمد التوجه النقدي، ويؤكد الحاجة إلى قطائع عدة
من التخصصات العلمية الأخرى التي تهتم بما هو اجتماعي، ومن خطاب الحس المشترك، وجلّ المؤسسات والتنظيمات التي لا تهتم بالعمل العلمي الموضوعي والمستقل. نجد من المرادفات القوية لمجتمع المعرفة مفهوم مجتمع الشبكات الذي ولّد بدوره مترادفات عدة، مثل «المجتمع الرقمي» و«الفجوة الرقمية». ووقف كاستلز في أطروحته المهمة التي صدرت في نهاية القرن الماضي عصر المعلومات Information Age، في ثاثة مجلدات: مجتمع الشبكات Network The
Society، وسلطة الهوية The Power of Identity، و نهاية الألفية End of Millennium، عند الكثير
من الجوانب المركبة لروح عصرنا. فهو يرى أن الس مة الرقمية لمجتمع المعرفة تُعدّ الخاصية الأشد إثارة في ثورة المعلومات، بحكم السهولة التي أصبحت تستعمل بها الأدوات والتقنيات والبرمجيات في أنظمة الإنتاج. غير أنّ هذه السهولة تؤدي في الآن نفسه إلى نتائج وإشكالات تُعدّ من صميم الانتقال إلى نظام التقنيات الدقيقة والعالية في مجتمع المعرفة. وأوضح هذه المسألة في هذا السياق تقرير اليونسكو الخاص بمجتمعات المعرفة، مستعينًا باستعارة دالّة، مشيرًا إلى أنّ صعوبة إيجاد المعلومة/ الحقيقة
المناسبة في عصر المعلومات، تُعادل «صعوبة شرب الماء من المضخة المستعملة في إطفاء الحريق، فالماء غزير، لكن حذار من الغرق». يقف كاستلز أمام مجتمع الشبكات ليوضح أنّ عصر المعلومات محكومٌ وموجّه، كما سبق ذكره، بقطبين
مركزيين: قطب الشبكة، وقطب الذات الفاعلة؛ ذلك أن مفهوم الشبكة لا يشير إلى شبكة بعينها، بل إلى شبكات متعدّدة تتحكّم في مصادر القوة والثروة والمعلومة/ المعرفة المسلّحة بالتكنولوجيا الرقمية.
(23) Patrice Bonnewitz, Première leçon sur La sociologie de P. Bourdieu , Collection: Bibliotheque major (Paris: Presses Universitaires de France, 1998), p. 19.
(((2 يُنظر: برنامج الأمم المتحدة الانمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. (2((ما عاد دور الشبكة يقتصر على العملية التواصلية فحسب، على الرغم مما لها من أهمية استراتيجية في المجتمع الشبكي، بل الجديد في الأمر هو أن الشبكة قادرة على إيجاد الثروة (اقتصاد المعرفة/ المعلومة)، حيث برزت السيليكون فالي Valley Silicon كأبرز مركز لهذا النوع من الاقتصاد على المستوى العالمي، كما أصبحت قادرة على إيجاد عاقات جديدة يأخذ فيها الزمن حيّزًا
كبيرًا. والسيليكون فالي هي المنطقة الجنوبية من منطقة خليج سان فرانسيسكو في كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية. وأصبحت
هذه المنطقة معروفة بسبب وجود عدد كبير من مطوّري الشرائح أو الرقاقات الإلكترونية ومنتجيها.
إنّ الشبكة هي «البنية الاجتماعية الجديدة لعصر المعلومات، عصر المجتمع الشبكي المكوّن من
شبكات الإنتاج والقوة والتجربة، حيث تقوم هذه الشبكات بدورها في بناء ثقافة افتراضية في إطار تدفّقات المعلومة، متجاوِزة بذلك مفهوم الزمان والمكان. وحصل في عصرنا هذا اختراق لكل المجتمعات بالفعل الجارف للمجتمع الشبكي». وتقف الذات المُعبّرة عن الهويات الفردية والجماعية
(فرد، مواطن، جماعة، إنسان) الهادفة إلى المحافظة على حياتها في خضمّ التحولّات المعرفية
الكاسحة، بمحدودية إدراكها لكثير من هذه التموّجات الحاصلة. ويُنتِج هذا التناقض بين الشبكة
والذات صورًا جديدة من الصراع، فبدلً من الصراع الطبقي بلغة كارل ماركس، تُصبح البشرية أمام
صراع تؤدي فيه الشبكات بقواعدها الرمزية المتعددة دورًا بارزًا في تأجيج ماحمه الكبرى. يؤكد كاستلز الأدوار الهوياتية الجديدة التي أصبحت تمارسها الحركات الاجتماعية والثقافية (الحركات البيئية، وحركة الطاب، والحركات النسائية)، ففي هذه الحركات المختلفة، كما في انهيار المعسكر الاشتراكي وتداعياته المتواصلة، وكذلك تراجع رمزية نمط الإنتاج الآسيوي في الأسرة والمجتمع، ما يُدرج ضمن التناقضات التي فجّرها عصر المعلومات، الشيء الذي يستدعي التساؤل عن عاقة
المجتمع الشبكي بالعالم الجديد. ما يقال عن النموذج المعلوماتي ينسحب على نموذج العالم الجديد؛ باعتباره محصلة للنظم التقنية والنماذج البيولوجية في تعقدها. ويعني ذلك أنّ الشبكة عبارة عن فعل مركب، تشبه خريطة «الجينوم البشري» المسنود من الناحية المعرفية. والقبول بمفهوم الشبكة، يعني أن تكون التكنولوجيا وثقافة المعلومات تحديدًا وراء التنظيم الاجتماعي، وتصبح «الرأسمالية المعلوماتية» البديل مما كان يسمّيه ماركس في القرن التاسع عشر «الرأسمالية الصناعية». إذًا، ثمة طابع مميز ومختلف، وأنماط متباينة تشهدها المجتمعات في فترات وحقب زمنية مختلفة، الشيء الذي يجعلنا نطرح السؤال السوسيولوجي: لماذا يأخذ المجتمع بعض الأنماط المختلفة من حقبة زمنية إلى أخرى؟ فإذا قلنا، فرضًا، إنّ مجتمع الشبكات هو مجتمع جديد ومرتبط بالعولمة، أي إنّ المجتمعات التي نعيشها اليوم هي بهذا القدر أو ذاك تتشكل وتأخذ هيئتها انطاقًا من العولمة باعتبارها
نمطَ تحديث Mode de Modernisation.
في هذا المساق، يميّز كاستلز بين ثاثة أنماط طبعت المجتمعات على مرّ التاريخ: نمط الإنتاج؛ ونمط
التحديث، حيث عرف المجتمع الصناعي نمطين من التحديث (النمط الدولتي والنمط الرأسمالي Etatique Mode le et Capitaliste Mode Le)؛ ونمط المجتمع الذي يرتبط بالتقنية المهيمنة (مجتمع
(((2 إذا كان الصراع الطبقي صراعًا من أجل الهيمنة على وسائل الإنتاج، فإن الصراع الجديد بين الذات والشبكة هو أيضًا صراع
من أجل الهيمنة على وسائل إنتاج رمزية خصوصًا، وهذا ما يؤكد أنّ الصراع أيضًا أخذ نمطًا وصبغة جديدين لم يكن عليهما من قبل
في زمن ماركس. (2((يُنظر: برنامج الأمم المتحدة الانمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. (((2 يقصد بالرأسمالية المعلوماتية دمج نفوذ المال والتمويل مع قوة الوسائل التي أتاحتها التكنولوجيا ووسائل الإعام لإفراز نظام جديد لما يسمى الرأسمالية المعلوماتية. ويقصد بها أيضًا سيطرة الرأسمالية على تكنولوجيا المعلومات من كل الجهات. (2((نتحدث عن المجتمع بالمعنى التاريخي للكلمة، أي المجتمع بصفته مفهومًا.
فاحي أو صناعي أو معلوماتي). من هنا، اعتبر كاستلز أنّ المجتمع الذي نعيشه اليوم هو مجتمع معلوماتي، ومن ثمّ تكون العولمة نمط تحديثه. من هنا، إنّ مجتمع الشبكات هو المجتمع الذي ينظّم نفسه حول الشبكة، آخذًا في الحسبان أهمية الرقابة الاجتماعية وتهيئة الإبداع والتغير، وهو أيضًا واقع اقتصادي، وليس تجريدًا ذهنيًا فحسب. هو
المجتمع الذي تُستعمل فيه الشبكة باعتبارها موردًا اقتصاديًا تستغلّه الجماعة، وخلفه التطوّر الصناعي
الذي ينتج المعلومات الضرورية. إنه البنية الاجتماعية التي ترتكز على الخلق الحر والتوزيع العادل والولوج إلى المعلومة والمعرفة، وإلى العولمة لمختلف مجالات الحياة. إنه نمط اجتماعي جديد، تكون فيه للإنسانية فرصة تؤدي إلى طريقة حياة جديدة، والعيش بطريقة راقية والقيام بدور مهم في المجتمع بفضل الاستعمال الشامل للمعلومة وتقنيات المواصات. هو أيضًا نمط اجتماعي حينما يكون امتاك المعلومة (وليس الثروة المادية) هو القوة السائرة وراء تحولّاته وتنميته، وحينما ينتعش
الإبداع الفكري الإنساني. من هنا، لا ينحصر مجتمع الشبكات في بُعد المجتمع فحسب، بل ينضم
إليه أيضًا بُعد الإنتاج، والموارد، والشعب، والصناعة، والنشاطات... إلخ.
ثالثًا: المحدّدات الأنطوسوسيولوجية لمفهوم الهوية عند كاستلز
لعل السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا السياق: ما الأطروحة الأساسية التي يقدّمها كاستلز في موضوع الهوية؟ تتمثل هذه الأطروحة في أنّ شكلً جديدًا من أشكال الرأسمالية بزغ خال نهاية القرن العشرين، وهي رأسمالية كونية في طبيعتها، ومصممة على تحقيق أهدافها. تواجه هذه الرأسمالية على مستوى العالم قوى تتحدّاها، تتمثل في تشكيلة واسعة من الحركات الاجتماعية، تُدافع عن الخصوصيات الثقافية والهوياتية، وقدرة البشر على التحكم في مصيرهم والوعي ببعض القضايا التي تهمّهم، وفي البيئة التي يعيشون فيها، وهو الشيء الذي يصنع الدينامية
الرئيسة لعصر المعلومات. ما عمل كاستلز على القيام به حتى الآن هو محاولة الإمساك بطبيعة البنية الاجتماعية، بغية تحديد خريطة معرفية لمشكات الهويات في عصر العولمة. ما يلفت في نصوص كاستلز هو تحديد الأساس الذي تُبنى عليه هذه البنية الاجتماعية انطاقًا من تحليل سوسيولوجي للمجتمع الرأسمالي. ففي وقت حاول كاستلز تحليل هذا المجتمع، وجد نفسه أمام أشكال عدة من الهويات الجماعية هي التي تؤسس تلك البنية الاجتماعية في عصر «الرأسمالية المعلوماتية». وتمكّن من تصوير الديناميات الداخلية للهوية الجماعية في إطار المؤسسات الاجتماعية المُعبّأة اجتماعيًا في مجتمع الشبكات.
(30) Laszlo Z. Karvalics, «Information Society – what is it Exactly? (The Meaning, History and Conceptual Framework of an Expression),» Coursebook (Budapest), 2007, p. 10.
(((3 يُعرّف كاستلز الهوية بأنها عملية بناء المعنى استنادًا إلى س مة ثقافية ما، أو بالنسبة إلى مجموعة سِمات ثقافية تكون لها
الأسبقية بالنسبة إلى مصادر المعنى الأخرى.
ارتبط بناء الهويات الجماعية/ الفردية في عاقتها بالحركات الاجتماعية، والصراع حول السلطة في مجتمع الشبكات، بتحوّل الدولة والسياسات والديمقراطية تحت شروط العولمة وتقنيات التواصل
الجديدة. ويهدف فهم هذه السيرورة إلى تكوين منظورات جديدة لدراسة التغيّر الاجتماعي في «عصر
المعلومة». تشكَّل عالمنا وحياتنا عبر اتجاهات الصراع للعولمة والهوية، حيث حفّزت ثورة تقنيات المعلومة وإعادة بناء الرأسمالية شكلً جديدًا للمجتمع، هو مجتمع الشبكات الذي يتّسم بعولمة النشاطات الاقتصادية المقررة استراتيجيًا. وجرى ذلك من خال الشكل الشبكي للتنظيم، ومن خال ليونة وعدم استقرار
العمل وفردانية الشغل أيضًا، ومن خال ثقافة «الافتراضية الواقعية» التي بُنيَت عن طريق وسائل الإعام
المنتشرة والمتشابكة والمتنوعة، ومن خال تحوّل الأسس المادية للحياة والفضاء والوقت، وانطاقًا
من بناء مجال التدفقات، ومن وقت يتّسم بالخلود، باعتباره (مجتمع الشبكات) تعبيرًا عن النشاطات
المهيمنة والنخب المراقِبة. ينتشر هذا النمط الجديد من التنظيم الاجتماعي، على نحو شامل، في أنحاء العالم كافة، من خال مخرجات الرأسمالية الصناعية التي طبعت القرن العشرين. وقد تجلّت أولً في إنكلترا، ثم أخذت تنتقل إلى باقي الدول الأوروبية، حيث «تحوسبت» الإدارة وانتشرت أنماط ثقافية جديدة، والتشجيع على إيجاد الثروة، وفي مقابل ذلك، واكب هذه التغيرات اتّساع هوّة الفوارق الاجتماعية. وموازاة مع ذلك،
طفا على السطح الاهتمام الواسع بالهويات القومية الوطنية التي تتحدّى العولمة والكوسموبوليتانية، في مقابل «الفرادة الثقافية». إنّ هذه التعبيرات متعددة ومتنوعة جدًّا، وتتبع محيط كل ثقافة على حدة، والمصادر التاريخية لتكوين كل هوية أيضًا. ركّز كاستلز على الحركات الاجتماعية والسياسية الناتجة من التفاعل بين التكنولوجيا المعولمة، وسلطة الهوية (النوع، الدين، الوطن، الإثنية، المجال، الاجتماعي، البيولوجي)، ومؤسسات الدولة. من هنا، تعتبر الهويات بمنزلة مصادر للمعنى لمختلف الفاعلين الاجتماعيين أنفسهم، وعن طريقهم بُنيت من خال سيرورة الفردانية. وهذا المعنى يرتكز على مميزات ثقافية أو يرتبط بها. غير أن مجيء عصر العولمة بكل جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية مَثّل نقطة انقطاع تاريخية في
موضوع الهوية؛ لأن مشكاتها في عصر العولمة تختلف كثيرًا عن مشكاتها في العصور السابقة. ولذلك
(((3 ثمة حوسبة لعولمة الأسواق المالية وسيرورة المعلومة.
(33) Castells, The Rise of the Network Society , pp. 1–2.
(((3 بالنسبة إلى الأفراد أو الجماعات، نتحدث عن الهوية بصيغة الجمع؛ إذ يجب أن نُميّز في الهوية بين ما يُسميه السوسيولوجيون،
كاسيكيًا، الأدوار Roles و role–sets (مثال: أن تكون عاملً، أمًا، جارًا، مناضلً سياسيًا، لاعب كرة، روّاد كنيسة، أو مدخنًا في الوقت
نفسه)، وما يسمى المعايير Normes التي تبنيها المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية، أي إن الهويات تنظم المعنى، وتنظم القواعد الوظائف. (3((يُعرّف كاستلز المعنى باعتباره تحديدًا رمزيًا من طرف فاعل اجتماعي لهدف فعله. ويقترح كاسلتز أيضًا فكرة أن في مجتمع
الشبكات، يعتبر بعض الفاعلين الاجتماعيين أن المعنى ينتظم حول هوية أوّلية Identity Primary (أي الهوية التي تؤطر الآخرين.)
نحتاج إلى أن نقف وقفة طويلة نسبيًا مع نظرية كاستلز التي ستسمح لنا بفهم المجتمع العالمي الراهن.
ومن السهل أن نتفق حول حقيقة أنّ المنظور السوسيولوجي يعتبر أنّ جلَّ الهويات هي هويات مبنيّة/ مبنينة
وفق سيرورة معيّنة. لكن القضية الأساسية هي كيف؟ ومن ماذا؟ ومن جانب من؟ ولأجل ماذا توجد/ تُبنى
الهوية؟ إنّ عملية بناء الهويات تستعمل أدوات بنائها من التاريخ والجغرافيا والبيولوجيا، ومن المؤسسات المنتجة التي تُعاود الإنتاج في الوقت نفسه، ومن الذاكرة الجماعية والفنتازيات (التخيات) الشخصية، ومن معدّات السلطة والوحي الديني أيضًا. ويأخذ البناء الاجتماعي للهوية، بهذا المعنى، مكانه في سياق موسوم بعاقات السلطة، وهنا يجب التمييز بين ثاثة أنواع من أصول البناء الهوياتي:.1 هوية إضفاء الشرعية Identity Legitimizing، وهي الهوية التي تستند إليها المؤسسات المسيطرة في المجتمع، كي تبسط رواق سيطرتها على باقي الفاعلين الاجتماعيين، وكي تُعطي معنى عقانيًا
لهذه السيطرة..2 هوية المقاومة Identity Resistance، ينتجها هؤلاء الذين يشعرون أنّ وضعهم أو ظروفهم تؤدي إلى استبعادهم بحكم منطق الهيمنة. ومن شأن هذه الهوية أن تقود إلى صياغة مجتمعات محلية كوسيلة للتعامل مع ظروف القهر التي يخضع الناس لها..3 هوية المشروع المستقبلي Identity Project، يذهب كاستلز إلى أنّ هوية المشروع المستقبلي هي تلك الهوية التي تصوغها الحركات الاجتماعية التي تسعى لتغيير المجتمع الشامل. ونرى أن أفضل مثال عن هوية المشروع المستقبلي في السياق التداولي العربي الإسامي هو هوية جماعات الإسام السياسي التي تريد القضاء على الدولة العلمانية وتأسيس دولة دينية محلّها. الشكل (2) البناء الهوياتي عند مانويل كاستلز
المصدر: من إعداد الباحث.
من هنا، يمكن أن تصبح هوية المقاومة هوية مشروع، حيث تهدف إلى تكوين الجماعات Communities. ويعتبر هذا النوع من الهوية هو النوع الأهم من البناء الهوياتي في مجتمعنا، بحسب كاستلز.
(36) Castells, The Power of Identity , p. 7. (37) Ibid., p. 9.
بزغت تشكيات اجتماعية جديدة تدور حول الهويات الأولية Identities Primary التي قد يكون تركيزها على الجنس أو الدين أو السالة أو القومية. ويُنظر إلى هذه الهويات عادة وكأنها، بيولوجيًا
أو اجتماعيًا، غير قابلة للتغير؛ وذلك في مواجهة التغيرات السريعة التي يمكن أن تلحق بالآفاق
الاجتماعية. يمكن القول إنه في سياق التفاعل بين «الشبكة والذات»، تُعاد صياغة ظروف الحياة الإنسانية والخبرة العملية على نحو عميق، على مستوى العالم. وإذا تساءلنا عن الافتراضات النظرية التي بنى عليها كاستلز تحلياته العميقة، لقلنا إنه يقف وراء فرضيته الرئيسة عن الصراع بين الشبكة والذات افتراضان أساسيان: يشير الأول إلى نشوء «الشبكة» ويقرر أنّ سببه هو التفاعل الجدلي بين العاقات الاجتماعية والتجديد التكنولوجي، أو بحسب تعبيرات كاستلز بين أنماط الإنتاج وأنماط التنمية؛ ويشير الافتراض الثاني إلى أهمية «الذات»، ويعني بذلك أنّ الطريقة التي تعرّف
بها الجماعات هوياتها هي التي تُحدّد شكل مؤسسات المجتمع. وبعبارة كاستلز تؤدي كل عملية لبناء هوية متميزة إلى نتاج مختلف في البناء الاجتماعي. على سبيل المثال عملية بناء هوية دينية متشددة ومنغلقة لا بد من أن تؤدي إلى أنساق اجتماعية مرتبطة بها. ويذهب هذا الافتراض الثاني الذي يُركّز على دور الهوية في التنمية الاجتماعية، إلى أنّ عملية بناء الهويات المتمايزة هي التي تشكل المجتمع. وهكذا، يمكن إيجاز مشكات الهوية الأساسية في عصر العولمة في هويات يحاول بعض الأنظمة السياسية والمؤسسات المسيطرة في المجتمع فرضها كي يخضع لها أفراد المجتمع. وهذه الفكرة في الواقع قريبة من نظرية الفيلسوف الفرنسي لوي آلتوسير Althusser Louis الذي تحدّث في إحدى مقالاته المعروفة عن «أجهزة الدولة الأيديولوجية». ومن ناحية أخرى، هناك هوية المقاومة التي تُمارسها جماعات أيديولوجية وسياسية شتى ضدّ قوى الطغيان والقهر. يدّعي ريتشارد سينيت أن السعي لتحقيق المرونة في البنية الاجتماعية أنتج هياكل جديدة من السلطة والسيطرة، بدلً من إيجاد الظروف التي تجعلنا أحرارًا، فالمرونة Flexibility تُميّز بحسب سينيت
بيئة العمل اليومي. لكن المرونة تعني بهذا المعنى، أيضًا مزيدًا من الاستقالية والمسؤولية لكل فرد. فواحد من الادّعاءات عن التنظيم الجديد للعمل هو أنه يتّسم بعدم تمركز السلطة Decentralises Power، ويمنح المنظمات المزيد من السيطرة على نشاطات الناس في الصفوف الدنيا (الفئات الدنيا/ الهشّة). ويدّعي سينيت أن تكنولوجيا المعلومات الحديثة جلبت سيطرة غير مسبوقة على القوى العاملة. وماحظته الرئيسة هي أنّ الأشكال التقليدية للسيطرة، التراتبات الهرمية، استُبدلت في الاقتصاد الجديد عن طريق هيمنة بشعة من خال تكنولوجيا المعلومة.
(38) Richard Sennett, The Corrosion of Character: The Personal Consequences of Work in the New Capitalism (New York/ London: W. W. Norton & Company, 1998), p. 47. (39) Ibid., p. 15.
رابعًا: كاستلز وفكرة عصر المعلومات/ بروز فكرة «الحتمية التقنية»
يناقش كاستلز في كتابه عصر المعلوماتكيف أنّ الاقتصاد العالمي يتميّز الآن بتدفق كبير وفوري
ومتبادل لكل من المعلومة ورأس المال والتواصل الثقافي. وكيف أنّ هذه التدفقات تتحكم في الاستهاك والإنتاج، ومن ثمّ تعكس الشبكات نفسها وتوجد ثقافات متمايزة. إنّ ارتباطنا بالأنماط
الجديدة لتدفق المعلومة يعطي هؤلاء الذين يسيطرون ويتحكّمون فيها قوةً هائلةً للسيطرة علينا، حيث أصبح الإعام هو الساحة السياسية، كما أنّ هذا الإعام ليس مسؤولً سياسيًا. الحقيقة أنّ كاستلز صاغ، بناءً على أبحاثه، نظرية نسقية لمجتمع المعلومة/ المعرفة، كما حاول تفكيك
التطورات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة التي تقدّمها شبكة الإنترنت التي يساهم فيها الاقتصاد العالمي الجديد. إنّ العالم الذي وصفه كاستلز هو قبل كل شيء عالم كثيف بالمعلومة، حيث يختلف عن عالم القرون الماضية، وذلك، أساسًا، بسبب مختلف البيانات المتدفقة بين مختلف أنحاء العالم، التي
تؤثر في ما نقوم به. فالعمل المهم الذي يمتاز بقيمة كبرى هو ما قام به الخبراء في استعمال المعلومة. أما المشروعات الجديدة والمهمة، فمتعلقة في أساسها بالمعلومة، فعلى سبيل المثال، إنّ العاقة الموجودة بين علم الجينوم الحاسوبي والتكنولوجيا الحيوية هي في الأساس ثمرة صناعة تكنولوجيا المعلومات. عرفت المجتمعات تحولات كبرى، ارتكزت على «ثورة تكنولوجية انتظمت حول تقنيات المعلومة. كما بُنيت على بنى تحتية تكنولوجية جديدة؛ إذ غيّرت سيرورة عولمة الاقتصاد والتواصل الطريقة التي
ننتج ونستهلك ونسير ونخبر ونفكر بها، حيث لا يتّسم كل اقتصاد أو نشاط ثقافي في العالم بالشمولية. إنّ هذه الثورة التكنولوجية الحالية تركز على تقنيات المعلومات التي تضم الميكروإلكترونات وعلوم الحواسيب والمواصات، فبالنسبة إلى هذا البراديغم المعلوماتي The Informational Paradigm يجب أن ينصبّ على تكوين اقتصاد شامل كاقتصاد تعاوني موحد». إذا كان كاستلز هو عالم اجتماع معاصرًا، من أصل كتالوني – إسباني، معروفًا جدًّا في العالم الأكاديمي
في مطلع الألفية الثالثة، وعند عموم الناس أيضًا مع ثاثيته عصر المعلومات: الاقتصاد والمجتمع والثقافة، فإنه يحدد في «عصر المعلومات»، نظرية شاملة بناء على ما يحدث على الأرض، فقد استخدم أيضًا كمية واسعة من البيانات التجريبية لإيجاد رؤية مثيرة لاهتمام في العالم خال النصف الثاني من
(4((الحتمية التقنية هي نظرية اختزالية تفترض أنّ التقنية تساهم في تطوير بنية المجتمع وقيمه الثقافية. وصاغ عالم الاجتماع الأميركي ثورسين فيبلين (929–18571) هذا المصطلح.
(41) Manuel Castells & Martin Ince, Conversation with Manuel Castells (Cambridge, UK: Polity, 2003). (42) Jordi Borja & Manuel Castells, Local and Global: The Management of Cities in the Information Age , in Collaboration with Mireia Belil & Chris Benner (London: Earthscon Publications Limited, 1997), pp. 34–35.
القرن الماضي. إنها رؤية الرأسمالية المعلوماتية العالمية ونتائجها وردات فعل الشعوب تجاهها. إنها محاولة لكتابة هذا النوع من النظرية الاجتماعية عالمية الأصوات، حيث هي شمولية على نحو تقريبي، لكن كاستلز يُذكّر القارئ أنّ السياق التاريخي والثقافي يجب أن يؤخذ، بعناية، في الحسبان عند تحليل
أي شيء في أي بلد، أو منطقة. يمكن أن تكون أفكار كاستلز «أسهل لبلورة رؤيته إلى النموذج المثالي» من المجتمع الحالي. ولا يوجد هذا النوع المثالي، على هذا النحو، بطبيعة الحال، في أي مكان، لكن قد يساعد في تصوّر
العمليات الأبرز في التغيير العالمي المعاصر. يؤكد النموذج المثالي دور الدول الغربية وتحديثها في العمليات العالمية، لكن هذا ليس خطأ من الوصف، بل هو خطأ من واقع. انطلق كاستلز من البحث التجريبي (يبني منطقًا تجريبيًا) من خال تجنّبه صراحة الإدلاء بالمداولات
الأخاقية أو السياسية في ثاثيته (المجتمع الشبكي، وقوة الهوية، ونهاية الألفية)، لذلك نحن على بيّنة من خطر الانجراف بعيدًا عن نيّات كاستلز، حيث إنّ رؤية الهيكل الاجتماعي في عصر الرأسمالية
العالمية للمعلومات هي، باختصار، أننا ننقله من العصر الحديث في عصر مجتمع المعلومات أو Informationalism الذي يُميّز النموذج المثالي إلى مجتمع معيّن، هو مجتمع الشبكات. وظهر
مجتمع الشبكات هذا من خال التفاعل الجدلي بين العاقات الاجتماعية والتجديد التكنولوجي.
خامسًا: الشبكة والسلطة في المجتمع ما بعد الصناعي: كاستلز بين بيل وتورين
كان السياق التاريخي الذي يوجد فيه التحليل السوسيولوجي منذ ماركس هو المجتمع الصناعي. وشهدت حقبة ما بعد الستينيات بلورة تغييرات كبرى، سواء في اليد العاملة أم في الإنتاج أم في الممارسات الثقافية. وترتبط هذه التطورات الجارية في المجتمعات الغربية، مع ظهور مفهوم ما بعد الصناعي، باثنين من علماء الاجتماع: الأميركي دانيال بيل Bell Daniel والفرنسي ألان تورين. طوّر بيل في عام 9671، في إحدى مقالاته بعنوان «نحو مجتمع ما بعد الصناعي» المامح العامة
لتحليله، من خال مراقبة المجتمع الأميركي؛ واستخلص نتائج ظهور مجتمع ما بعد الصناعي. أولً، وصف ظهور اقتصاد الخدمات الذي يُعرّف بأنه الحاجات الفرعية المتعلّقة بالإنتاج. وأشار إلى أنّ
قطاع التعليم العالي يوظف أكثر من نصف القوة العاملة، وهو ما يتجاوز القطاعات الزراعية والصناعية الأخرى، حيث الغالبية من «ذوي الياقات الزرقاء» Bleus Cols. فخدمات الصحة والتعليم والبحث والإدارة في نظره تؤدي دورًا حاسمًا. ومن ثمّ تُمكّن من تغيير عميق في بنية الشخص المهني، لمصلحة
«ذوي الياقات البيضاء». وإضافة إلى ذلك، يقول بيل، حينما توضع المعرفة النظرية في قلب المجتمع
(((4 يعتبر مفهوم النموذج المثالي من بين أكثر المفاهيم محورية في تفكير ماكس فيبر. والنموذج المثالي من وجهة نظر فيبر عبارة عن بناء عقلي من المفاهيم المجردة الذي لا يوجد له نظير في الواقع التجريبي. ويكون هذا النمط المثالي لأي ظاهرة اجتماعية مصمّمًا ليساعد في فهم الواقع التجريبي لتلك الظاهرة، أو لظواهر عدة.
ما بعد الصناعي، تُصبح هناك معرفة بالمورد الاستراتيجي بامتياز، تعتمد بشكل متزايد على النشاط الاقتصادي. يختلف نهج تورين (مجتمع ما بعد الصناعي، 9691) اختافًا كبيرًا، وبأكثر وضوحًا، يؤكد رهانات كل من الصراع الثقافي والمجتمعي للنوع المجتمعي الجديد. لم يُخفّض بعد تراكم رأس المال، حيث يعتمد النمو على العوامل الاجتماعية التي تزداد تنوّعًا، وعلى المساهمات غير المباشرة للإنتاج والتعليم والاستهاك والمعلومات. في هذا السياق، ونظرًا إلى طبيعة الهيمنة والصراع الاجتماعي، يُعدّل ما وراء التعارض التقليدي بين رأس المال والعمل؛ فبالنسبة إلى تورين، يفرض نظام الإنتاج السلوك (في العمل، لكن أيضًا في المستهلك والتدريب) الذي ينسجم مع أهدافها. وعاوة على ذلك، يتم العمل على الممارسات الثقافية موازاة مع العمل. وإنّ الحركات الاجتماعية المتأصلة في هذا المجتمع هي ثقافية أكثر منها اقتصادية. فحركة أيار/ مايو 968 1 في فرنسا هي، في نظره، رمز التعبئة الجديدة التي تركز على الشخصية و«الحياة الخاصة» والخيال ومحاربة «الشخصية شبه العقانية» La Pseudo–rationalité Impersonnelle، حيث العمل الجماعي تجاوز الآن المجال الوحيد للعمل. إنّ العاقة بين البنية الاجتماعية والاقتصادية للحضارة وثقافتها، هي ربما الشيء الأشدّ تعقيدًا من المشكات كلها بالنسبة إلى عالم الاجتماع، حيث أصبحت الثقافة متعالية لسببين متكاملين: الأول، أصبحت الثقافة العنصر الأكثر دينامية من حضارتنا، وتجاوزت دينامية التكنولوجيا في حد ذاتها. والثاني، ثمة إضفاء للشرعية على هذا الدافع الثقافي في الأعوام الخمسين الماضية، أو نحو ذلك. فالمجتمع يقبل الآن هذا الدور للخيال، مقارنة بما هو موجود في الماضي، ويراه إنشاء قاعدة Norme، كما يؤكد التقليد الأخاقي الفلسفي ضدّ الذي يمكن قياسه ومراقبته. في واقع الأمر، هذا القبول هو قبول سلبي قام من خاله المجتمع بفتح سوق تلتهم كل جديد يصل إلينا بشغف كبير، الشيء الذي يجعل الثقافة تكتنز أهمية كبرى لم يسبق لها مثيل. يجعلنا هذا نؤمن بأن الحداثة هي استجابة لاثنين من التغيرات الاجتماعية في القرن التاسع عشر، أحدهما على مستوى الإدراك الحسي للبيئة الاجتماعية، أما التغير الثاني فقد حصل على مستوى الوعي بالذات/ في العالم؛ حيث كان ثمة تضليل من الإحساس بالمكان والزمان المستمد من وعي جديد بالحركة والسرعة والضوء والصوت، التي جاءت من الثورات في الاتصالات والنقل.
(((4 أحداث أيار/ مايو 9681 في فرنسا هي فترة عنيفة من الاضطرابات المدنية، سادتها الإضرابات العامة والاعتصامات في المصانع والجامعات في أنحاء الجمهورية الفرنسية، بدعوة من الطاب والعمال والاشتراكيين والشيوعيين، وكانت أكبر إضراب عام شهده تاريخ فرنسا.
(45) Borja & Castells, p. 12. (46) Ibid., p. 24.
يُهيّئ هذا المنطق كون «نظريتي الفعل» عند تورين وكاستلز بشأن «الحركات المدينية»، تشكان
براديغمًا متكاملً، يختلف جذريًا عن التفسير التقليدي للسلوك ووضع تعبئة الموارد الحديثة المرتبطة
بالمجتمع. لهذا فإن نقطة انطاق كاستلز المنهجية هي أنّ الحركات الاجتماعية المدينية «ليست لها أهمية في حد ذاتها»، لكن أهميتها الوحيدة هي من «العناصر البنيوية التي تكوّنها». من جهة أخرى، يتضمن كتاب كاستلز Communication Power حديثًا عن السلطة والإعام والحركات الاجتماعية وآليات الحشد؛ ما يجعله صالحًا ليكون إطارًا يهدف إلى محاولة فهم العالم وعرض كيفية
سيره واقعيًا، حيث يرى كاستلز أنّ العالم مكوّن من شبكات. ولا يقتصر ذلك الوصف على «العالم
البشري والمجتمع الإنساني، بل على الحياة البيولوجية أيضًا». وهناك شبكات بين الأفراد، وشبكات بين الشركات الاقتصادية وشركات الإعام العماقة والصغيرة، وشبكات بين مؤسسات السلطة في الدولة الواحدة، وبين الدولة والدول الأخرى، وهناك تشابك أيضًا بين هذه الشبكات كلها بدرجات متفاوتة، وفق برنامج كل شبكة وأهدافها. لهذا لا يمكن فهم المعنى إلا في سياق العاقات الاجتماعية التي تُعالَج فيها المعلومات وعملية الاتصال. ولأن المعنى هو الذي يُحدّد الفعل إلى حدٍ بعيد، يُصبح
المعنى الاتصالي مصدرًا للقوة الاجتماعية عبر تشكيل العقل البشري. عبر صيغ معاصرة، يشير كاستلز إلى أنّ السلطة الفعلية تستند إلى السيطرة على الاتصال والإعام، سواء كانت السلطة العماقة للدولة وشركات وسائل الإعام الكبرى، أم السلطة الصغيرة للمنظمات من كل نوع. كما يشرح كاستلز، بشيء من التفصيل، طرائق ترويج الإعام فكرةً سياسية ذات طابع شخصي، في ظل إعام متعدد الوسائط، تغلب عليه صناعة الصورة. كما يعتبر أنّ السلطة في مجتمع الشبكات هي أكثر العمليات أصولية في المجتمع، لأن القيم والمؤسسات هي التي تحدد المجتمع، لكن كل ما له قيمة ومؤسساتي تُحدّده عاقات السلطة. في مجتمع الشبكات، يُعاد تعريف مفهوم السلطة انطاقًا من استمرار الصراعات الاجتماعية، حيث
تتغيّر أساليب الهيمنة بالتناسب مع المقاومة ووفق البناء الاجتماعي الخاص الذي خرجت منه
هذه الهيمنة التي تسعى لتعديله أيضًا. ويرى كاستلز أنّ السلطة Pouvoir تحكم، والسلطة المضادّة Contre–pouvoir تقاوم، وتُعالج الشبكات برامجها المتناقضة، بينما يحاول الناس العثور على معنى لمصدر مخاوفهم وآمالهم.
(4((سُمّيت سوسيولوجيا ألان تورين «سوسيولوجيا الفعل»؛ لأنه يؤكد أنّ مهمة عالم الاجتماع هي النضال من أجل التغيير،
ومساعدة الفاعلين على التحرر من ضغوط النظام الاجتماعي الإلزامي والإكراهي على نشاطهم، ويؤكد أيضًا مساعدة المجتمعات على الفعل Action، وعلى صنع تاريخها، في غنى عن المصالح الشخصية. (((4 بلور كاستلز رؤية مهمة في بنيوية الأشكال الحضرية، تجد أثرها البارز في مختلف كتاباته الكثيرة التي نذكر منها:
Manuel Castells, La question urbaine (Paris: University of Minnesota; F. Maspero, 1972); Manuel Castells, Luttes urbaines et pouvoir politique (Paris: François Maspero, 1975). (49) John A. Hannigan, «Alain Touraine, Manuel Castells and Social Movement Theory a Critical Appraisal,» Sociological Quarterly , vol. 26, no. 4 (1985), p. 435. (50) Kieran McKeown, «The Urban Sociology of Manuel Castells: A Critical Examination of the Central Concepts,» The Economic and Social Review , vol. 11, no. 4 (July 1980), p. 275.
خلاصة
يُستخدم تعبير «مجتمع الشبكات» لوصف المرحلة المعاصرة من التاريخ الاجتماعي. لقد دخل أكثر البلدان تقدمًا في القرن العشرين حالة مجتمع المعلومات بالتدريج، ومن المتوقع في غضون بضعة عقود أخرى، أن تعيش وتعمل الغالبية العظمى من سكان العالم في مجتمع المعلومات العالمي. فعلى الرغم من أن مفهوم مجتمع المعلومات قد برز بوصفه نمطًا اجتماعيًا جديدًا، واكتسب قبولً واسعًا وفي وقت مبكر ابتداء من سنة 9801 وهو الزمن الذي بدأت فيه محاولات لبناء مفاهيم مرتبطة بهذا البراديغم الجديد، فإنه، في المقابل، تعالت مجموعة من الأصوات في موازاة مع ذلك، في مواجهة تعابير مثل «مجتمع المعلومات» على الرغم من كونها تستفيد من تكنولوجيا المعلومات في الترويج لأفكارها. وتعتزم هذه الأصوات أن يستعيد المفهوم أصله ومعناه الشمولي، ويُطبّق في سياق نظرية الحضارة. ويمكن أيضًا أن يُنظر إلى الجهود المبذولة لتحقيق هذا في كثير من دراسات مجتمع المعلومات التي ظهرت في النصف الثاني من عام 9901، بمساعدة المعلوماتية الاجتماعية Informatics Social التي تتعامل مع تحليل الظواهر الصغرى والمتوسطة، ومع القضايا الاجتماعية المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والمعرفة أيضًا. فالثورة الحاصلة على مستوى المعلومات، لم تستطع بعد تغيير الأنماط الاجتماعية السائدة من قبل، بقدر ما اكتفت بتعزيز الأنساق والعاقات القائمة وتوسيعها. يمكننا أن نستخلص، من التصوّرات النظرية التي بلورها كاستلز، أنّ المجتمعات الحديثة شهدت طفرة من التحولات، قوامها الانتقال من الرأسمالية الصناعية إلى «رأسمالية معلوماتية» و«ثقافة افتراضية»، ربطًا بالعولمة التي تؤثر في التدفق «المالي والمصرفي» في مختلف أنحاء العالم، حيث تقوم تكنولوجيا المعلومات الجديدة بتحطيم كل العقبات والعراقيل الزمنية والمكانية، مشجّعة توسُّع الرأسمالية المالية إلى أبعد الحدود. هذا إضافة إلى أنها تُقوّض العاقات الاجتماعية الهرمية والتراتبية والتصنيفات الطبقية التقليدية؛ لأن ثقافة الوسائط المتعددة والإنترنت بمنزلة الأبجدية الجديدة لعالمنا المعاصر. هذه الثقافة الجديدة تجعل من مقاربة كاستلز خاضعة لأفق اقتصادي واجتماعي، لأنه يقيم شبهًا بين التدفق والأشياء الاجتماعية التجريبية. فالتدفق أداة رئيسة في الإنتاج الإعامي، وهو ما يُفسّر
إلى حدٍ بعيد تركيزه الشديد على الصيغة الفضائية للتدفق، واهتمامه بشرح وظيفته الملموسة من خال ربطها بالبنى الاجتماعية ككل؛ إذ لا يخفى في هذا الباب تأثّره بالمدرسة المادية.
References
المراجع
العربية
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. تقرير المعرفة العربي لسنة: 2009 نحو تواصل معرفي منتج. دبي: دار الغرير للطباعة والنشر، [د. ت.].
الأجنبية
Anttiroiko, Ari–Veikko. «Networks in Manuel Castells’ Theory of the Network Society.» Munich Personal RePEc Archive (MPRA). Paper no. 65617. University of Tampere. Finland. 15/7/2015. Bauman, Zygmunt. Liquid Times: Living in an Age of Uncertainty. Cambridge, UK: Polity, 2006. Bell, Daniel. «The Cultural Contradictions of Capitalism.» Journal of Aesthetic Education (University of Illinois Press). vol. 6, no. 1/2 (January–April 1972). Bonnewitz, Patrice. Première leçon sur La sociologie de P. Bourdieu. Collection: Bibliotheque major. Paris: Presses Universitaires de France, 1998. Borja, Jordi & M. Castells. Local and Global: The Management of Cities in the Information Age. Collaboration with M. Belil & C. Benner. London: Earthscon Publications Limited, 1997. Capra, Fritjof. The Web of Life. New York: Random House, 1996. Castells, Manuel (ed.). The Network Society: A Cross–cultural Perspective. Northampton, MA: Edward Elgar, 2004. ________. The Information Age: Economy, Society and Culture , vol. 1: The Rise of the Network Society. Malden, MA: Blackwell, 1996. ________. The Information Age: Economy, Society and Culture , vol. 2: The Power of Identity. Malden, MA: Blackwell, 1997. ________. The Information Age: Economy, Society and Culture , vol. 3: End of Millennium. Malden, MA: Blackwell, 1998. Castells, Manuel & Martin Ince. Conversation with Manuel Castells. Cambridge, UK: Polity, 2003. Feenberg, Andrew. (Re)penser la technique: Vers une technologie démocratique. Collection: Recherches. Paris: La Découverte/ M.A.U.S.S, 2004. Habermas, Jurgen. Die Postnationale Konstellation. Frankfurt: Suhrkamp, 1998. Hannigan, John A. «Alain Touraine, Manuel Castells and Social Movement Theory a Critical Appraisal.» Sociological Quarterly. vol. 26, no. 4 (1985). Karvalics, Laszlo Z. «Information Society – what is it Exactly? (The Meaning, History and Conceptual Framework of an Expression).» Coursebook (Budapest). 2007. McKeown, Kieran. «The Urban Sociology of Manuel Castells: A Critical Examination of the Central Concepts.» The Economic and Social Review. vol. 11, no. 4 (July 1980). Pelet, Jean–Eric & Marie–Hélène Poggi. «La société en réseaux de Manuel Castells.» Espace & Communication. 2/5/2000. Robinson, Joan. «The Production Function and the Theory of Capital.» Review of Econimic Studies. vol. 21, no. 2 (1953). Sennett, Richard. The Corrosion of Character: The Personal Consequences of Work in the New Capitalism. New York/ London: W. W. Norton & Company, 1998. Solasse, Bernard. «La demarche critique d’Herbert Marcuse ou un nouveau type de critique sociale.» Canadian journal of political sciences. vol. 2, no. 4 (December 1969).