Return to Article Details Wayside Charity: Ramadan Mercy Tables in Tunis (Metamorphosis of Food Solidarity and its Sociological Implications)

الخير على قارعة الطريق: موائد إفطار رمضان في تونس العاصمة (تحولات التضامن الغذائي ودلالاته السوسيولوجية)

Wayside Charity Ramadan Mercy Tables in Tunis Metamorphosis of Food Solidarity and its Sociological Implications

مهدي مبروك | Mehdi Mabrouk *

الملخّص

نشأت في تونس بعد ثورة 2010-2011، ظاهرة تضامنية غير مسبوقة في الشكل ومرتبطة بالسياسة، على غرار إغاثة اللاجئين ونصب موائد إفطار رمضانية مستقلة عن المؤسسات الرسمية. تبحث هذه الدراسة ضمن منهج إثنوسوسيولوجي، في حالة مائدة إفطار خاصة بشهر رمضان انتصبت في حي شعبي بالعاصمة التونسية (الكبارية)، وظلت متواصلة سنواتٍ عديدة معوّلة على جهود طوعية للجيران ومختلف شبكات القرابة؛ وهي تحشد الموارد والرساميل المختلفة بعيدًا عن بيروقراطية الدولة. تركز الدراسة على الكيفية التي تحرّر بها "فعل الخير" من احتكار الدولة من دون أن يتحرر من إغراءات التوظيف والاستثمار السياسي أو الأيديولوجي.

Abstract

Abstract: Since the revolution, a new form of politically–associated solidarity initiatives have arisen in Tunisian society, such as relief for refugees and Ramadan Mercy tables. To understand these solidarity dynamics, the study takes an ethno–sociological approach to analyse Mercy tables throughout the month of Ramadan in a working class neighbourhood (Kabaria) in the capital, which has for many years relied on the voluntary efforts of neighbours and the various kinship networks. The study examines how charitable activities have been liberated from the monopoly of the state bureaucracy while instead being left vulnerable to political or ideological exploitation.

الكلمات المفتاحية:
  • تضامن
  • وصم
  • ثقة
  • شبكات اجتماعية
  • روابط اجتماعية
Keywords:
  • Solidarity
  • Stigmatization
  • Trust
  • Social Networks
  • Social Ties

ملخص: نشأت في تونس بعد ثورة 2010 – 2011، ظاهرة تضامنية غير مسبوقة في الشكل ومرتبطة بالسياسة، على غرار إغاثة اللاجئين ونصب موائد إفطار رمضانية مستقلة عن المؤسسات الرسمية. تبحث هذه الدراسة ضمن منهج إثنوسوسيولوجي، في حالة مائدة إفطار خاصة بشهر رمضان

انتصبت في حي شعبي بالعاصمة التونسية (الكبارية)، وظلت متواصلة سنواتٍ عديدة معوّلة على

جهود طوعية للجيران ومختلف شبكات القرابة؛ وهي تحشد الموارد والرساميل المختلفة بعيدًا

عن بيروقراطية الدولة. تركز الدراسة على الكيفية التي تحرّر بها «فعل الخير» من احتكار الدولة من

دون أن يتحرر من إغراءات التوظيف والاستثمار السياسي أو الأيديولوجي.

Abstract: Since the revolution, a new form of politically–associated solidarity initiatives have arisen in Tunisian society, such as relief for refugees and Ramadan Mercy tables. To understand these solidarity dynamics, the study takes an ethno–sociological approach to analyse Mercy tables throughout the month of Ramadan in a working class neighbourhood (Kabaria) in the capital, which has for many years relied on the voluntary efforts of neighbours and the various kinship networks. The study examines how charitable activities have been liberated from the monopoly of the state bureaucracy while instead being left vulnerable to political or ideological exploitation.

Director of the Arab Center for Research and Policy Studies in Tunisia and Professor of Sociology at Tunis University.

مقدمة

على قارعة الطريق الرابط بين تونس العاصمة ومدينة زغوان التي تبعد عنها 60 كم تقريبًا،

وفي حي «الكبارية» تنتشر سنويًا طوال شهر رمضان مئات الطاولات تحيط بكل واحدة

منها كَراسٍ بلاستيكية بيضاء، يفضي كل ذلك إلى باب فسيح هو مدخل مطعم كبير. قبالة هذا المحل ينزل الركاب في هذا الشهر قبيل الغروب في محطة المترو الذي يشق أحد أكثر الأحياء الشعبية فقرًا

وتهميشًا. نُسِجت حول الحي العديد من الصور النمطية التي يتناقلها الإعلام وبعض النخب؛ هو حي الفقراء والمحتاجين؛ حيث تروج جرائم المخدرات والعنف. وعلى بعد 5 كيلومترات تقريبًا من وسط

العاصمة ينتصب هذا الحي منطويًا على نفسه، وتُسيّجه تلك الصور النمطية المنفّرة التي تبني حوله

جدارًا من الخوف والرهبة. مقابل ذلك، يلفظ الحي قاطنيه سواء بمناطق الجوار أم بعيدًا عنه للعمل و«التسكع» والبطش أيضًا. صور لا تعكس «حقيقة» الحي، ولكنها مبثوثة بعمق في تمثلات الناس. لم تكن مشاهدة موائد الإفطار المتناثرة في الهواء الطلق في مثل هذه الأحياء قبل الثورة أمرًا متاحًا.

ولكن على خلاف ذلك تكثّفت المبادرات التضامنية في تونس بعد عام 2010 على نحوٍ لافت للانتباه، وكان جلها خارج المؤسسات الرسمية التي شكلت منذ الاستقلال وبصفة تدريجية شبكة التضامن الاجتماعي الوطني nationale sociale Solidarité وأنسجتها المختلفة. واستدعت هذه المبادرات الوليدة، بشكل غير مسبوق، فاعلين جددًا، كما أتاحت إعادة إنتاج أشكال وممارسات تضامنية «تقليدية» وابتكارات أخرى غير مألوفة. تقدم مائدة إفطار الكبّارية وجبة الإفطار وبعض المساعدات والإعانات الاجتماعية الأخرى لفائدة

فئات اجتماعية مختلفة، تضررت أكثر من غيرها من السياسات الاجتماعية المتَّبعة خلال العقود الأخيرة أو الجوائح الطبيعية التي مرت بها البلاد بين الحين والآخر، وهي عمومًا مؤلفة من محتاجين وفقراء ضحايا تلك الخيارات. وتقوم هذه المبادرات على التطوع والتبرع، وتصدر عن مرجعيات قيمية مختلفة: دينية وأهلية ومدنية. شهد المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة (من سنة 2011) تعبيرات وأشكالً متنوعة من حملات التضامن على غرار استقبال اللاجئين القادمين من ليبيا، وتنظيم العديد من قوافل المساعدات والإعانات التي استفادت منها عدة فئات اجتماعية تضررت من الكوارث الطبيعية؛ مثل الفيضانات وموجات البرد خصوصًا في مناطق الشمال الغربي للبلاد وبعض الجهات الداخلية الأخرى، إضافة إلى تآزرٍ ومساعدة شملا شرائح اجتماعية وعمرية هشة كشفتها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) في الأشهر القليلة الماضية. وفي هذا السياق المتسم باتساع رقعة الفئات المهمشة والضائقة المالية والاقتصادية

(((سلسلة من الأحياء تقع إداريًا في معتمدية الكبارية في غربي ولاية تونس العاصمة. ظهرت في ستينيات القرن العشرين. يعود

أصل التسمية بحسب بعض مسنّي الحي إلى نبتة «الكبّار» البرية التي كانت منتشرة في تلك المنطقة قبل أن تُستوط ن. وتُستعمَل ثمرة

النبتة تلك في صنع مخللاتٍ في المطبخ المحلي، وتُعرف باللاتينية باسم Capparis spinosa. ظهر الحي بداية السبعينيات تقريبًا،

وتفرّع إلى أحياء عديدة، نذكر منها: حي ابن سينا، وحي بوحجر، وحي النور، والوردية... إلخ. تحوّل أكبر الأحياء منها؛ أي حي

الكبّارية إلى مركز «مدينة»، وفيها مركز المعتمدية والدائرة البلدية... إلخ.

التي تمر بها البلاد، نشأت مأدبة إفطار الكبارية، وظلت تستقبل ضيوفها لما يناهز عقدًا من الزمن تقدّم لهم مختلف المساعدات بلا انقطاع. فما دلالات هذه المائدة في سياق التحولات التي تعرفها البلاد؟ وما الاستراتيجيات التي أمكن للفاعلين صياغتها من أجل تعبئة مختلف الموارد حتى تضمن هذه المبادرة التضامنية استمراريتها؟ وأخيرًا هل

ينجو «الخير» خصوصًا في سياقات تتعاظم فيها مخاطر رسملة العمل الخيري في بناء شرعيات الولاء

السياسي من مخاطر إعادة إنتاج أشكالٍ ما من الزبونية؟ استنادًا إلى مقاربة إثنوسوسيولوجية تمنح الميدان أولوية مطلقة؛ لكونه حاضن الحقيقة الاجتماعية التي ينتج فيها الفاعلون الاجتماعيون المعنى في سياق تفاعلاتهم وتبادلاتهم المعقدة وضمن وضعيات ما يجدون أنفسهم منخرطين فيها، نسعى إلى الإجابة عن تلك الأسئلة المطروحة. وتنتمي هذه المقاربة إلى سوسيولوجيا تفهمية تولي الوضعية Situation مكانة حاسمة، بوصفها تلهم الأفعال الاجتماعية معانيها، وعادة ما تكون هذه الوضعيات منخرطة في أنساق اجتماعية كبرى تحتضنها وتؤطّرها. تحرص هذه المقاربة على نقل تقنيات البحث الإثنوغرافي إلى السوسيولوجيا؛ أي دراسة «الحياة الاجتماعية دراسة مباشرة» والتخلي ولو مؤقتًا عن المرجعيات النظرية المسبقة، بوصفها منطلقات، إلا ما يثبت لاحقًا تطابقه مع الأحداث. لذلك، أنجزنا بحثًا ميدانيًا أجريناه على امتداد ثلاثة أعوام متتالية

(2018، 2019، 2020) حضرنا فيها مباشرة situ" In " موائد الإفطار، وشاركنا القائمين عليها تقديم الخدمات إلى ضيوفها. امتدت «الملاحظة بالمشاركة» على ما يزيد على خمس عشرة مرة، حضرنا فيها المائدة، وشاركنا ضيوفها إفطارهم؛ أي بمعدل خمس مرات لكل موسم رمضاني. كما أجرينا ما يزيد على عشر محادثات معمقة مع مؤسسي المائدة، فضلً عن عشرين محادثة شملت الضيوف والعاملين. وجرى خلال هذه المدة التقاط صور فوتوغرافية عديدة، كما أمكن الاطلاع على جل ما تنشره هذه المائدة على موقعها الافتراضي الخاص، فضلً عن العديد من الوثائق السمعية والبصرية التي جمعناها، والتي صدرت في الصحافة المكتوبة و/ أو السمعية البصرية التونسية أو الأجنبية. وتنهض الدراسة على جملة من الفرضيات تفيد أن انفتاح الفضاء العمومي بعد الثورة وتحرر المجتمع التونسي من قبضة الدولة، قد شكلا سياقًا مواتيًا لبروز أنواع مختلفة من المبادرات التحتية والطوعية

للتضامن. فإذا كانت الدولة الوطنية قد سعت خلال أكثر من سبعة عقود إلى احتكار التضامن حين صممت له هياكل بيروقراطية ضخمة حتى تحكم إنتاج الزبونية السياسية؛ فإن تواصل إخفاقاتها الاقتصادية والاجتماعية وتراجع دورها الرعائي حتى بعد الثورة قد وسّعا مجالات تهميش الفئات الاجتماعية والجهات

الداخلية، وخلقا بيئة مواتية لنمو تلك المبادرات من خارج التصاميم التي صاغتها الدولة للتضامن. أما الفرضية الثانية التي تدعم الفرضية الأولى وتتضافر معها، فإنها ترى أن كفاءة شبكات التضامن التحتية وفاعليتها ترتهنان إلى قدرتها على رسملة الروابط الاجتماعية القائمة على الثقة السردية.

(((تفضل السوسيولوجيا التفهمية استعمال مفهوم حدث اجتماعي social Fait؛ ذلك أن مفهوم الظاهرة مثقل بذاكرة وضعية تتلف المعنى في مواضع كثيرة.

للإجابة عن تلك الأسئلة والتثبت مما افترضناه، سنعمد إلى عرض أهم أشكال التضامن الغذائي الذي عرفه المجتمع التونسي في تاريخه الحديث، ثم نحلل أهم الخصائص المؤسساتية التي صممت بمقتضاها دولة الاستقلال «التضامن الوطني»، وننتهي إلى عرض مختلف مراحل إنتاج التضامنات التحتية ودلالاتها الكثيفة.

أولا: التضامن: رحلة المفهوم وضرورة التجديد النظري

1. رحلة المفهوم

يعدّ مفهوم التضامن من أكثر المفاهيم التباسًا وترحل nomade concept Un، وإذا كان المصطلح يعود في أصله إلى القانون المدني ليدل على جملة من الالتزامات والتعهدات بين الدائنين والمدينين فإنه سرعان ما رحل إلى حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية، وعبرَ الكثير من

الاختصاصات. ولم يحتفظ المفهوم من كل ذلك سوى بمعنى الدين الذي يلزم كل شخص استفاد من تضامن الآخرين، أن يسدده لهم عند المقدرة. وعلى هذا النحو يتكثّف التبادل بين أعضاء الجماعة، ويقتسمون الأعباء عند الضرورة. ولا يمكن اختزال الأمر في خيرات وسلع تُتبادل تحت الإكراهات، تلبية لحاجات يعسر إشباعها، بل يثبت الأفراد وهم يتضامنون أنهم ينتمون إلى جماعة واحدة. وتؤدي مشاعر التضامن والتآزر دورًا حاسمًا في تماسك الجماعة وصلابتها أمام مختلف الاختبارات القاسية التي تمر بها، وربما كان ذلك جوهر ما يدل عليه أصل اللفظ في اللاتينية، الدال على الجسم الصلب Solide. وقد عمد مفهوم التضامن في ترحله هذا إلى التباين مبكرًا مع أشكال العمل الخيري كافة (صدقة،

إحسان، إيثار... إلخ)، والتي كان يخشى أن تضايق انخراطه في مسارات العلمنة الجامحة، كما عمد في الآن ذاته إلى التمايز من الغيرية التي تدل على أحاسيس وعواطف تجاه الآخرين، والتي لا تلزم الفرد بالانخراط العملي في شبكة تبادل. وكان المفهوم في لحظات تشكّله الأولى مع إميل دوركهايم Durkheim Émile، بحسب العديد من الباحثين، يجاور مفهوم التعاون coopération La، بل يكاد يتطابق معه؛ أي العمل الجماعي من أجل مصلحة مشتركة من خلال اقتسام الأدوار والمهمات ضمن وظائف محددة ومختلفة، لكنها موحدة الغاية. ولم يكن مفهوم التضامن ليلقى هذا الرّواج الواسع، لولا العقيدة التضامنية solidarisme Le التي

كانت تمتح (أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا) من روحه مبدأ أعلى، يجعل الحياة بين البشر أمرًا ممكنًا، وقد

طورها في المجال السياسي ليون بورجوا Bourgeois Léon في كتابه الشهير التضامن La solidarité، مؤكدًا المسؤولية المتبادلة بين أعضاء المجموعة ضمن روابط أخوة. فتلتزم الكائنات البشرية جميعًا بواجب مساعدة بعضهم بعضًا، وخصوصًا من كانوا في وضع خصاصة، وقد تكون هذه العقيدة هي إجابة عن نمو النزعتَين الليبرالية والماركسية. وتعوّل العقيدة التضامنية على مسؤولية الدولة وضرورة تدخلها، بوصفها تجسيدًا للإرادة العامة، ولكن ضمن احترام حرية الفرد.

2. تجديد نظري خارج سطوة التراث الدوركهايمي

يعدّ مفهوم التضامن من أكثر المفاهيم تداولً؛ ما أضفى عليه الكثير من الغموض والتسيب الدلالي. ويرى بعضهم أنه مفهوم طلسمي وفيتيشي في ظل تعدد أنماط الممارسات التضامنية ومصادرها الروحية والفكرية واختلاف المعنى. نذكر من ذلك نقابة تضامن Solidarnosc التي أسسها الزعيم البولندي ليش فاليزا Walesa Lech في ثمانينيات القرن العشرين، والعمل الخيري الذي رعت به الأم تيريزا Teresa فاقدي السند العائلي في مدينة كُلكَتا بالهند (1990–1950)، والمسيرات السنوية لإحياء اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. إن السياقات التاريخية والاجتماعية ومشاعر الأفراد تجاه ما يعتقدونه واجبًا تجعلهم يثمِّنون قيمة التضامن التي تتأسس على جملة من الالتزامات، مثل

الواجب الديني، وإعلاء قيم الخير والمحبة، والالتزام المواطني، واقتسام المسؤوليات. قصرت أطروحة دوركهايم أشكال التضامن وتعبيراته وممارساته على نوعين فقط: تضامن تقليدي ميكانيكي، وتضامن حديث عضوي؛ لحصره في تقسيم العمل، مستبعدةً بذلك الأشكال التضامنية الأخرى التي تستند إلى إيتيقا الإيثار والمساعدة، على الرغم من تأكيده أن التضامن هو مسألة أخلاقية منخرطة في نظام أدبي morale Ordre. وهي تواجه معضلات عدة ناجمة عن قصور ثالوثها (التقسيم الاجتماعي للعمل، والتضامن، واللحمة الاجتماعية) عن تحليل التطورات اللاحقة للمجتمعات التي أنتجت أشكالً كثيفة من التآزر والمساندة والتعاطف خارج السياج الذي أحاط به التضامن الدوركهايمي نفسه؛ إذ نجد أشكال التضامن اليومي تقوم به أطر اجتماعية (جمعيات، نوادٍ، مبادرات) وجماعات تحتية (أقارب، جيران... إلخ)، تصدر عن معانٍ مختلفة قائمة على التطوع الإرادي؛ أي تعبّر عن اختيار

واعٍ وقصدي يعمد إليه الأفراد والمجموعات لاعتبارات عديدة. وقد أبرز بعض علماء الاجتماع، من أمثال أولريش بيك Beck Ulrich وأنتوني غيدنز Anthony Giddens، تراجع التضامن كما بلورته الدوركهايمية (ونسخها التجديدية) وفقدانه جلّ أدواره التي كان يؤديها، خصوصًا تلك التي صُممَت تحت إمرة دولة الرعاية الاجتماعية والعقيدة التضامنية التي ظهرت

منذ أواخر القرن التاسع عشر، بطابع علماني. فلم يعد التماسك الاجتماعي sociale cohésion La نتيجة عقلانية موضوعية، يدرك من خلال التضامن الموضوعي objective Solidarité La، بل «غدا نتيجة تعبئة موارد عدة تستند إلى خلفيات مدنية وأخلاقية وحتى دينية في مواجهة أشكال متعددة للمخاطر مستندة إلى مواطنين أحرار ومسؤولين. لهذه الاعتبارات، التضامن ليس مجرد انخراط فى ترابط وتبعيات متبادلة موضوعية وموحدة». ويميز سيرج بوغام بين التضامن الموضوعي الذي يفرضه التقسيم الاجتماعي للعمل وأشكال أخرى من التضامن تكون نتيجة مبادرات وخيارات إرادية بل ذاتية أحيانًا، ولا يغدو التضامن في الحالة الأولى سوى صدى يردد الإكراهات الموضوعية التي يمليها التقسيم الاجتماعي للعمل، في حين أن الشكل الثاني يؤكد الرغبة في وضع حد لأشكال التفاوت الاجتماعية، وما ينجم عنها من حرمان.

(3) Serge Paugam (dir.), Repenser la solidarité: La solidarité en temps de crise (Paris: PUF, 2011), p. 94.

وعلى خلاف النزعة الاختزالية الدوركهايمية، تسعى الدراسة إلى استعادة هذه الأشكال والدلالات، نظرًا إلى أن المجتمعات الراهنة تشهد، على الرغم من النزعات الفردانية، تجديد معاني التضامن

وأشكاله المختلفة وممارساته المتعددة التي تنسجها المشاعر والعواطف لإثبات المسؤولية المشتركة والتبعية المتبادلة بين أعضاء جماعة ما حقيقية أو متخيلة، يلتزم فيها الأعضاء بتلبية حاجات بعضهم بعضًا في الأزمات. وقد بادرت الأنثروبولوجيا إلى الانتباه مبكرًا إلى ما في التضامن من وفرة في

الممارسات والأشكال والدلالات. ويشير بوغام في هذا الصدد إلى «وجود شكل من أشكال التوتر ما بين نسقين من أنساق التضامن: النسق الأول يقوم على التطوع والإيثار والكرم والالتزام الطوعي للأفراد؛ أي ما مثله علماء الاجتماع بالصدقة والخير بالمعنى الأنثروبولوجي، والثاني مؤسساتي، يقوم على فكرة التعاقد والإلزام»، ولعل تمظهراتها تتمثل في التضامن الغذائي، وقد عرف المجتمع التونسي وما زال أشكالً متعددة منه.

ثانيًا: التضامن الغذائي في المجتمع التونسي وتحولاته

1. التضامن الغذائي: بين القيمة الدينية والضرورة الحياتية

عرفت البلاد التونسية، مثل البلدان العربية والإسلامية، أشكالً متعددة من التضامن الغذائي، خاصة في أثناء المناسبات والجوائح والأوبئة. ومثّلت موائد الإفطار في التاريخ الوسيط أحد أبرز أشكاله. كان الفاطميّون أوّل من نظّمها، وقد عُرِفت بأسمطة رمضان، ربما يمثّل هذا التقليد الفاطمي خطوةً

في طريق انفتاحهم على الفئات الفقيرة وضمان ولائها، والأرجح أنهم رأوا فيها تقرّبًا من الأهالي

واستعراضًا للكرم والقوة. وقد كان الأمراء يشرفون عليها. غير أن هذا التقليد تراجع في إفريقية مع مجيء الزيريين (1152–971 م) الذين رأوا في ذلك تقليدًا «شيعيصًّا» حرصوا على تجنّبه للتخل من

آثاره المذهبية المادية والرمزية لدى هذه الفئات. وتطرقت الكتب التي تناولت فترة الحكم الحسيني إلى مختلف أشكال الإحسان للفقراء والمحتاجين؛ مثل كتاب إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمانلأحمد بن أبي الضياف الذي أفرد جزءًا

مهمًا منه لتاريخ تونس في فترة البايات الحسينيين (1957–1705)، ساردًا خصال الأمراء والملوك ومنهم

(4) Ibid., p. xvi.

(((جمال بدوي، الفاطمية: دولة التفاريح والتباريح (القاهرة: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2004)، ص.50–45 (((مفرده سماط، وما زال اللفظ يُستعمل تقريبًا بالمعنى نفسه في اللهجة المحلية، وخصوصًا الحضرية منها؛ إذ يُقال أسماط؛ أي

ما يُقدَّم من طعام للفقراء أيام العيد في المقابر والأضرحة، وغيرها من الأطعمة التي تُقدَّم ضمن شعائر خاصة ذات بعد ديني عمومًا. (((يذكر المقريزي في الجزء الأول من الخطط عادة إشعال الفوانيس ومواكب الخيل التي تجول ليلً في المدن، فضلً عن أنواع عديدة من الحلويات والأهازيج... إلخ. ويبدو أنهم كانوا أكثر تحررًا في ابتكار العادات، في حين ظل بعض الخلفاء السنّة أكثر

تحفظًا بل معاداة لكل هذه المظاهر، وكان سمط رمضان من بين هذه البدع المحمودة لدى الفاطميين. وقد تطرق أيضًا إلى خصالهم

تلك باستفاضة في كتابه: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء. يُنظر: أحمد بن علي بن عبد  القادر وأبو العباس الحسيني

العبيدي وتقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998)، ص.413 (((فرحات الدشراوي، الخافة الفاطمية بالمغرب (365–296 ه/ 975–909 م): التاريخ السياسي والمؤسسات، ترجمة حماد الساحلي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994)، ص.202

حمودة باشا، فقال: «وله في أزمة المساغب آثار مأثورة وحسنات مشكورة وعنايات مذكورة من جلب الميرة من أقاصي الدنيا وبيعها بأقل من ثمنها دون ما يعطيه للعاجزين من الفقراء بلا ثمن». ومع ذلك، نادرًا ما أشارت تلك الكتابات إلى موائد الإفطار، على غرار ما قام به بعض البايات في بعض المناسبات الدينية أو العائلية في ميلاد الأمراء أو وفاة أحد الأعيان، إذا تزامن ذلك مع شهر رمضان. عرفت البلاد التونسية تحت حكم البايات الحسينيين، تزامنًا مع الاحتلال الفرنسي، نشأة الجمعيات الخيرية الإسلامية والمسيحية المعنية بإطعام الفقراء والمحتاجين، بخاصة في شهر رمضان، وكذلك الزوايا والتكايا وبعض المؤسسات الصحية الأهلية. وقد واصلت الأوقاف والجمعيات الخيرية التي نشطت خلال العقود الثلاثة من القرن العشرين، في مجال العمل الخيري، وتوسعت فيه تدريجيًا

ليشمل شرائح مختلفة من الفقراء والمحتاجين، وتواصل هذا النشاط حتى حلّ الأوقاف عام

يذكر المؤرخ الكراي قسنطيني في تحليله هذه الفئات، ويميز بدقة دلالية ومعاشية، مختلف المؤسسات الأهلية التي سعت إلى التخفيف من وطأة الاحتياج المتزامن مع موجات الأوبئة والجفاف والحروب، على غرار التكايا والأوقاف والجمعيات الخيرية فضلً عن المطابخ الإسلامية التي دعمت التضامن الغذائي. وربما بدا عام 1914 استثنائيًا لهذا الدعم، لا سيما أن البلاد عرفت أزمة اقتصادية حادة، وقد تمّ

قبل ذلك بقليل إحداث مجلس أعلى للمساعفة العمومية بمقتضى أمر صادر في 1 نيسان/ أبريل 1900، غايته اقتراح الإجراءات اللازمة لتنظيم الإعانات وتنسيقها بين مختلف المؤسسات الخيرية. وبُعيد اندلاع

الحرب العالمية الأولى (1914) اتخذت السلطة إجراء وقائيًّا يتمثل في فتح أول المطابخ الخيرية

الإسلامية بفعل قرار 24 كانون الثاني/ يناير 1915 برعاية الباي والمقيم العام. انتشر إطعام الفقراء في المدن الكبرى في البلاد، ويذكر رضا الغول عن الإطعام: «يمكن تصنيف طرق تقديم المساعدات الغذائية للمتسولين وغيرهم من ذوي الحاجة إلى مساعدات مناسبتية تُقدَّم في الأعياد الدينية خاصة، ومساعدات قارة تُقدم لعائلات معينة تضبطها إدارة الجمعية [...] فالجمعية الخيرية

(((أحمد بن أبي الضياف، إتحاف الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان، ج 3 (تونس: الدار العربية للكتاب، 1999)، ص.86 ((1(رضا الغول، «الجمعيات الخيرية في تونس قبل الاستق لاا: الممارسات الاجتماعية وبناء المجتمع الأهلي»، في: الكراي

قسنطيني (تقديم وتنسيق)، الجمعيات بين التأطير والتوظيف (تونس: وحدة البحث «المجتمع والمجتمع الموازي» في كلية الآداب والفنون والإنسانيات – جامعة منوبة، 2009)، ص.9 ((1(الكراي قسنطيني، الاحتياج والمحتاجون بتونس العاصمة في فترة الاستعمار الفرنسي 1918–1885: (تونس: مركز النشر الجامعي، 2000)، ص.380–320 (((1 تم حل الأوقاف بمقتضى الأمر العلي المؤرخ في 18 تموز/ يوليو 1957، والصادر بالرائد الرسمي بتاريخ 19 تموز/ يوليو 1957،

وتبعته قوانين أخرى صفّت نهائيًا الأحباس الخاصة والمشتركة. (((1 «التكية مؤسسة خيرية أسسها علي باي عام 1188 هجري (1775 م)، والغاية منها كما جاء في نص التحبيس أن تكون «مأوى

ومسكنًا للفقراء والمساكين والعاجزين عن الكسب بغير المرض». يضمن نص  الحبس للساكن بدار التكية، رجال ونساء الأكل

«حسب نظام معين أقره عقد التحبيس، والفراش اليومي لشراء الصابون لغسل ثيابه وحلق رأسه». يُنظر: قسنطيني، الاحتياج

والمحتاجون، ص.314 (((1 للمزيد حول طريقة عمل المطابخ الإسلامية، يُنظر: المرجع نفسه، ص.356–355

الإسلامية بالقيروان كانت تقدم منذ تأسيسها سنة 1911 إلى غاية سنة »1914. كانت الزوايا والمساجد والتكايا والجمعيات التي انتشرت خارج العاصمة هي الأمكنة التي تنتظم فيها مختلف أشكال التضامن الغذائي (إطعام الجائعين، موائد غذائية... إلخ)، وتواصل هذا التقليد في بعض جوامع العاصمة حتى سنوات قليلة فارطة، إذ تَحمِلُ بعض العائلات قِصاعًا للفقراء وابن السبيل وتُوضَع في صحن الجامع ليتناولوها. وعلى الرغم من إحداث نظام للتغطية والحيطة الاجتماعية لموظفي الدولة عام 1898 وإرساء نظام تقاعد لفائدتهم، فإن العديد من الفئات الاجتماعية العاملة أو العاطلة ظلت خارج تغطيتها. لا شك في أن جل تلك المبادرات، وإن بدت منخرطة في «روح التضامن الديني» كقيمة أخلاقية عليا، فإنها لم تنجُ من استراتيجيات القائمين عليها والداعمين لها، فقد أسهمت في بناء مشروعيات أخلاقية

للحكام وإطلاق ألقاب عليهم عززت مكانة سلطانهم؛ مثل غوث الفقير وإطعام الجياع. وكما سرى الحديث عن بطشهم وجورهم، فقد سرى الحديث أيضًا عن عطفهم وكرمهم وغوثهم، وكان لإطعام الفقراء تاريخيًا دور مهم في تهذيب صورة الحكام، ومدّها بمقبولية واسعة.

2. تصميم التضامن الاجتماعي الوطني: الدولنة والاستثمار في الجوع

بادرت دولة الاستقلال إلى حل الأوقاف وجل الجمعيات التي كانت تُقدِّم الخدمات والمرافق للمحتاجين والفقراء، وعوّض الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي تلك المبادرات، وتشكلت «إدارة بيروقراطية

للخير» كانت ضخمة، وباشرت مساعدة هؤلاء. اشتغلت هذه المنظمة وكأنها إحدى أذرع النظام السياسي وأهم واجهاته الاجتماعية السياسية، فاخترق بها أنسجة المجتمع، وأصبحت «مقاولً عموميًا لفعل الخير»

ضمن زبونية سياسية تراقب فعل الخير، وتضيّق عليه، وتنظمه، حتى لا تنافسه جماعات من خارج الأطر

الرسمية والهياكل العمومية التي أنشأتها دولة الاستقلال إضافة الى مختلف الفاعلين العموميين من عمد، ومعتمدون، وولاة، وخلايا الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم. واستفادت الدولة من برنامج الأمم المتحدة للتغذية الذي انطلق عام 1961، فضلً عن المساعدات الدولية وتطوير الزراعة المحلية والصناعات الغذائية التدريجية من أجل تقليص ضحايا الجوع. وبالتوازي مع ذلك، اعتمدت البلاد خطة وطنية لمقاومة العطش، وحفرت آلاف الآبار، وبنت «الفسقيات» العمومية. ما زالت الذاكرة الجمعية تحتفظ للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بجملة من المآثر، ولعل أكثرها سردية إلى حد الآن أنه «انتشل التونسيين من الجوع والجهل»، وهي ذات المفردات التي كررها في خطبه

(((1 الغول، ص.197 (((1 سِّس الاتحاد التونسي للتضامن عام  أُ 1964، وينص  في قانونه الأساسي على أن أهدافه العامة تدور حول تنمية شعور التّضامن

بين فئات المجتمع، وإفساح مجال البذل لذوي البرّ والإحسان، والإسهام في إرساء سياسة شاملة في ميدان التّضامن الاجتماعي

تساعد على حماية الفئات المعوزة والضعيفة والنّهوض بها، وتسهم في بعث مواطن رزق وتحسينها لفائدة ضعفاء الحال. كما أن جل

رؤسائه كانوا من أعضاء الديوان السياسي للحزب الحاكم وبعض الوزراء السابقين. وقد عرف الاتحاد أزمة عميقة بعد الثورة بين

مسيريه على خلفية شبهات فساد وشرعية تسيير، رُفِعَ بعضها إلى القضاء. (((1 خزانات مياه الأمطار، وهي جزء من تراث قديم راكمه مجتمع أدرك ندرة المياه وموسمية الأمطار؛ لذلك ابتكر سكان البلاد تقنيات عديدة على غرار المواجل والفسقيات. ومن أشهر الفسقيات: فسقيات الأغالبة بالقيروان التي تعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي.

التي أذيعَت يوميًا في شكل «توجيهات المجاهد الأكبر» قبل نشرة الأخبار المسائية الرئيسة، فيما يشبهُ

الشعائر والطقوس السياسية. كما كانت الدولة تخصص ضمن ميزانية المجالس الجهوية للتنمية مبالغ لضعاف الحال تُصرف لهم خلال بعض المناسبات الاجتماعية، على غرار الأعياد والعودة المدرسية. وعادة ما تختلط مثل هذه المبادرات الحكومية مع مبادرات الحزب الحاكم آنذاك، وتحظى بتغطية إعلامية هائلة لإبراز حرص الرئيس والمسؤولين الجهويين على إبداء مشاعر التضامن ومساعدة الفئات الاجتماعية. سيكون التضامن إحدى أبرز آليات الزبونية السياسية وشراء الولاء السياسي. يقول حافظ عبد الرحيم: «لعبت الشُّعب (جمع الشعبة بمعنى خلية) الحزبية دورًا بالغ الأهمية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، إذ

مثلت أداة تربية لدعم الحكومة الراعي الأساسي للمشاريع وذلك عبر إبراز أبعاد هذه المشاريع وآثارها، كما لعبت دور المتكفل بتدريب الإطارات على تحمل المسؤوليات وتأهيلهم لذلك، إضافة إلى مساهمتها في التنمية على المستوى المحلي ببعث المشاريع المحلية حتى بتوفير المأكل للعائلات المعوزة». وفي التسعينيات شهدت بعض بلدان الخليج العربية انتشار «موائد الرحمن»، وقد نقلته القنوات التلفزية ضمن استثمار محكم لسوق رمزي يدرّ فوائد كثيرة. أمّا في تونس فإن هذه الموائد كانت تحت «رعاية» وإشراف رسميين، ورافقتها تغطية إعلامية مكثفة، نقلتها التلفزة والإذاعة الوطنية وبقية الإذاعات الأخرى على الرغم من قلتها. ونُظّمت تلك الموائد في الأحياء الفقيرة والشعبية للعاصمة مثل باب سويقة والملاسين وحي التضامن. وكانت فروع التجمع الدستوري الديمقراطي والاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي هما المسؤولان عن المهمة؛ إذ يجمعان المواد الغذائية لتُقدَّم في شكل «قُفّة رمضان» للعائلات، أو تكون مطبوخة في «مطاعم» خاصة أو تابعة للمؤسسات العمومية؛ مثل المعاهد ودور المسنين، وأحيانًا في فضاءات حزبية. وفي مقابل ذلك تزامنت الموائد مع الحملة الأمنية التي شملت الإسلاميين، والتي أثرت في صورة النظام الجديد الذي سعى باحثًا عن الشرعية السياسية عبر توفير شرعيات أخلاقية. ومنذ اعتلاء الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي السلطة عام 1987 عمد النظام السياسي تدريجيًا إلى

التضييق على كل أشكال العمل الخيري حتى ذهبت القوانين إلى تجريم مساعدة المحتاجين؛ خشية أن يستفيد منها أعضاء حركة النهضة المطرودون من أعمالهم والمحرومون من الارتزاق. كما عمد إلى تكثيف النشاطات الدينية والخيرية، مثل المسابقات الدينية (حفظ القرآن الكريم وتلاوته، الدراسات الإسلامية..) التي اتخذت بعدًا دوليًا بارزًا، وتنظيم موائد الإفطار، وختان أبناء العائلات الفقيرة وتقديم الأضاحي إلى

الفئات المعوزة من قاطني الأحياء الفقيرة. ورافقت كل هذه الأعمال تغطية إعلامية مكثفة للرئيس بن علي؛ إذ شارك الصائمين موائد الإفطار وحادثهم، وانتقد المشرفين عليها متى كان في الطبق بعض العيوب.

(((1 حافظ عبد  الرحيم، الزبونية السياسية في المجتمع العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص.277 ((1(الأمر العلي المؤرخفي   21 كانون الأول/ ديسمبر 1944 والمتمم ل مأأر المؤرخفي 8 أيار/ مايو 1922، وهو أمر ينص  على تجريم جمع الأموال مهما كانت المبررات إلا بترخيص كتابي من السلط العمومية، وهو أمر ما زال ساريًا، واستُعمل لمنع كل أشكال

التضامن مع أسر الإسلاميين وغيرهم من المساجين السياسيين ممن سُجن أو نُفي عائلهم.

تزامن ذلك مع إحداث «صندوق للتضامن الوطني 26–26»، الذي كان يُموَّل من الهبات والتبرعات،

وذلك تحت التهديد والتضييق والابتزاز من جانب ممثلي السلطة والدولة (عمد، ومعتمدون، ولاة، مديرون... إلخ) لرجال الأعمال والميسورين وحتى ضعاف الحال من أجل دعم المناطق الداخلية (مناطق الظل) من خلال مشاريع اجتماعية (السكن الاجتماعي، والمدارس، وجلب المياه الصالحة للشرب، وتعبيد المسالك الفلاحية... إلخ). وقد صادرت الدولة قانونيًا حق العمل الخيري، واحتكرته

ضمن مؤسستي الاتحاد التونسي للتضامن والصندوق الوطني للتضامن. ولم تخلُ هذه المساعدات من تجاوزات وفساد، فكانت تُوزَّع طبقًا للمحسوبية وعوامل القرابة والانتماء السياسي، واستُثنيَ المعارضون للنظام السياسي وكل من حامت حوله شبهات «الانتماء إلى حركة النهضة»

أو غيرها من حركات المعارضة. وظل هذا الصندوق خارج أي رقابة قانونية للدولة، وتحوّل تدريجيًا إلى

المقاول السياسي للتضامن الاجتماعي، لتُوضع لاحقًا مشاريعه تحت لافتة «المشاريع الرئاسية»، في حين أنّ ميزانية رئاسة الجمهورية التي تصدر في الرائد الرسمي لم تضمنها. وقد تداخل هذا الصندوق في مهماته مع مهمات الحكومة، وتوسعت تدخلاته لتشمل جلّ المرافق الممكنة من بناء المساكن الاجتماعية إلى تعبيد الطرقات وإقامة مشاريع صغرى لفائدة الحرفيين وتقديم المساعدات الاجتماعية. كان الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي هو ذراع النظام السياسي منذ دولة الاستقلال، والمناول الوحيد لهذا العمل التضامني، وكان صندوق 26–26 مناولً سياسيًا للعمل التضامني لفائدة الرئيس

بن علي. وقد اكتُشف لاحقًا حجم الفساد الذي نخر هذا الصندوق، وكان يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر من كل سنة هو تاريخ التذكير بواجب التبرع لفائدته. وكانت الإدارة التونسية تُجنَّد لفائدته في شكل من التسخير الذي لا يخلو من التحرش والابتزاز؛ بحثًا عن استدرار الولاء السياسي. ولم يكتفِ النظام بدولنة التضامن، بل حزّبه، وضيق على وضيق على الاتحاد لاحقًا حتى لا يقوم بمثل هذه المبادرات، وجرّم تقريبًا كل أشكال المساعدة التي تنتمي إلى مجال العلاقات الشخصية المنغرسة

في شبكات القرابة والجوار، وذلك من أجل رسملتها سياسيًا وإخراجها من دائرة الفضاء الخاص إلى

الفضاء العام الذي أحكم مراقبته. وسيكتمل هذا الجهاز المركب للتضامن لاحقًا من خلال إحداث مؤسسة البنك التونسي للتضامن عام 1998، وهو الذي يختص في دعم أصحاب المشاريع الصغرى؛ بسبب تنامي نسب البطالة في صفوف حاملي الشهادات الجامعية العليا. على هذا النحو سيرتكز «التضامن الوطني» على ثالوث من المؤسسات هي: الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي الذي يختص في مجال الاحتياج والفقر العائلي، والصندوق الوطني للتضامن (صندوق 26–26) الموجَّه إلى مشاريع تنمية محلية في الجهات الداخلية المهمّشة، وأخيرًا البنك

التونسي للتضامن المعنيّ بدعم المشاريع الصغرى من خلال آليات الإقراض الصغير. وانتهت هذه

((2(هيئة الحقيقة والكرامة، التقرير الختامي الشامل: الملخصالتنفيذي (تونس: أيار/ مايو 2018)، ص.116 (((2 تشهد البلاد سنويًا، قبل الثورة، يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر، اليوم الوطني للتضامن، وهو اليوم الذي تزامن مع زيارة الرئيس

بن علي لقرية الزواكرة والبرامة بولاية سليانة التي تبعد عن العاصمة نحو 130 كم؛ حيث تجمع التبرعات من أجل هذا الصندوق.

السياسات في أقل من عقد إلى تصميم بناء للتضامن، شغّل آلة بيروقراطية مركبة وواسعة ضمن تقسيم اجتماعي سياسي للعمل التضامني، يحرص على التحكم في هذه الفئات الثلاث (المحتاجون والفقراء، والجهات الفقيرة والمهمّشة، والشباب العاطلون عن العمل)، وإخضاعها إلى تضامن مُدَولن

يمتلك آليات التحكم والرقابة والتوظيف السياسي. كشفت مختلف تقارير هيئات الرقابة بعد الثورة عن التجاوزات الخطيرة والفساد الذي نخر هذه المؤسسات التضامنية. وبقطع النظر عن هذا الفساد، فإن الدولة استطاعت تعرية المجتمع من كل أرديته التضامنية الطوعية؛ مخافة أن تكون معارضة لها، ورغبة في معاقبة الأفراد والجماعات المعارضة، وجعلهم عرضة للفقر والاحتياج. وقد خصصت الباحثة الفرنسية بياتريس هيبو في كتابها الشهير الذي ظل ممنوعًا في تونس طوال حكم الرئيس بن علي فصلً عن التضامن الاجتماعي؛ بينت فيه كيف استطاع النظام السياسي آنذاك من خلال هذا الثالوث أن يحكم رقابته على المجتمع، ويتحكم حصريًا في كل أشكال التدخل الاجتماعي

ومراكمة الفيء الاجتماعي للعمل التضامني الذي تحول تدريجيًا إلى رقابة وقمع، تدار وفقهما عمليات

مختلفة من الزبونية السياسية وشراء الولاء وصناعة المخلّص والمنقذ الوحيد. ومنذ اعتلاء الرئيس بن علي السلطة عام 1987، اشتغل نظامه ليؤمّن تثبيت حكمه وترسيخ سلم اجتماعي

على واجهتين: اجتثاث خصومه السياسيين من الإسلاميين وغيرهم من جهة، والسيطرة على الانتفاضات والتحركات الاحتجاجية التي أراد التصدي لها، و قد كان آنذاك في مواقع متقدمة من أجهزة الأمن من جهة ثانية (مثل أحداث الخبز في كانون الثاني/ يناير 1984). لذلك أنشأ تلك المؤسسات ليبسط يد الدولة على كامل خلايا النسيج الاجتماعي. ويذكر محمود بن رمضان: «أن أحد الدروس المستخلصة التي انتهى إليها النظام من مواجهة الإسلاميين في بداية التسعينيات (من القرن الماضي) هو أن الأحياء والقرى ودواخل البلاد الفقيرة قد تحولت إلى حواضن للنهضة، وذلك ما يقتضي منه عناية خاصة. إذا ما أراد السيطرة على هؤلاء السكان وهذه القرى، فإنه مدعو للعمل على مراقبة الوضعية، فتطورت آنذاك

سياسة مساعدة Politique d’assistance موجهة اتخذت أشكالً عدة ». خلقت المناخات الاجتماعية والخيارات السياسية المتبعة الحاجة إلى مساعدة الدولة، وأحكمت الاستنجاد بها، وبدأت الحكومات التي تتالت منذ بداية التسعينيات تطبيق الإصلاحات الهيكلية،

(((2 هيئة الحقيقة والكرامة.

(23) Beatrice Hibou, La force de l’obéissance: Économie politique de la répression en Tunisie (Paris: la Découverte, 2006), pp. 234–244.

(((2 كان الرئيس زين العابدين بن علي آنذاك مديرًا للأمن الوطني، وتُنسَب إليه العديد من الانتهاكات التي وقعت في أثناء أحداث

الخبز في كانون الثاني/ يناير.1984

(25) Mahmoud ben Romdhan, Tunisie: Etat, économie et société: Ressources politiques, légitimation et régulations sociales (Tunis: Sud Éditions, 2011), pp. 219–276.

(((2 برنامج الإصلاح الهيكلي انطلق في تونس بتوجيه من صندوق النقد الدولي عام 1986، على إثر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها البلاد، ويقوم على جملة من المبادئ، منها: التوجه نحو اقتصاد السوق وخصخصة المنشآت العمومية، ومراجعة سياسة الدعم والحماية الجمركية، والتحكم في النفقات العمومية... إلخ.

وتخلت تحت ضغط المانحين عن بعض وظائفها الاجتماعية والرعائية التي أمّنتها إلى حد ما خلال ثلاثة عقود تقريبًا بعد الاستقلال. فمع تراجع أنظمة الحماية الاجتماعية واتساع دوائر الفقراء والمهمّشين

اتّساعًا كبيرًا، ومع سقوط النظام السياسي عام 2011، وحلّ حزب التجمع الدستوري الحاكم؛

تبيّن زيف الأرقام التي قدَّمتها الإحصائيات الرسمية، وتزايدت الحاجة الملحة إلى القيام بحملة من

المبادرات «الترقيعية» التي استُثمِرَت سياسيًا حتى تكون مصدرًا لشرعية يحرص نظام سياسي جديد

على امتلاكها. ومع ذلك، تدرك فئات واسعة حتى من المحتاجين أنفسهم أن «الأيديولوجية التضامنية» التي طورها النظام خلال التسعينيات قد رافقتها أشكال عديدة من الإذلال والإهانة، كما أنها لا تخلو من الابتزاز وهتك أعراض الناس وشرفهم ودفع المتضامن معهم إلى الوشاية، وأشكال عديدة من الفساد، عُرِض بعضها في التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة.

ثالثًا: مأدبة إفطار الكبارية: التضامن الغذائي في سياقات الأزمات

1. استراتيجيات التسمية

تُعرّف المبادرة ب «مأدبة إفطار صائم الكبارية»، وتحملها أقمصة القائمين عليها والعاملين بها، متجنّبة

بذلك تسميات أخرى تحيل إلى قيم مثل «موائد الرحمة»، أو أسماء أشخاص مثل موائد «إفطار خليل». تُصرّ التسمية على ذكر لفظ صائم؛ إعلاءً لفريضة أثارت جدلً حادًا بعد الثورة، حام حول

حرية الإفطار؛ لكونها جزءًا من حرية الضمير التي نصّ عليها دستور 2014. تنتصب هذه المائدة بالحي

الموصوم الذي يحتضنها، وفي الإصرار على حمل اسمه إعلان الاعتزاز بالانتماء إليه وشكل من أشكال التمرد على الإذلال الذي يصيبه، ويتحول على خلاف ذلك إلى مصدر انتماء يُفتخر به. أطلق بعض سكان حي الكبارية هذه المبادرة التطوعية عام 2012 بمناسبة شهر رمضان، وهي مستمرة إلى الآن. كان عدد المؤسسين لا يتجاوز خمسة أشخاص، ويلتف الفريق حول نواة صلبة انحصرت في عضوين يتحملان الجزء الأكبر من المهمات. واستندت المبادرة منذ انطلاقها إلى مرجعية قيمية

(((2 مُنعت نشاطات حزب التجمع الدستوري الديمقراطي يوم 6 شباط/ فبراير 2011 بقرار وزير الداخلية وبمقتضى حكم قضائي

صادر يوم 9 آذار/ مارس 2011، حيث حُظرت جميع نشاطاته وصودرت جميع أملاكه، وأُحيلَت إلى خزينة الدولة. (((2 هيئة الحقيقة والكرامة، ص.124–122 ((2(جمعية «خليل تونس» هي جمعية ذات صبغة غير تجارية، أُسِّست عام 2012 بهدف مساعدة الفئات المحتاجة والأشخاص ذوي

الاحتياجات الخاصة. ويتمثل نشاطها في 4 محاور أساسية: وهي الصحة والتربية والتشغيل وتحسين المساكن. يُنظر: «تعرف على

خليل تونس»، خليل تونس، شوهد في 2020/4/6، في: https://bit.ly/37kLjBt. تحمل الجمعية اسم خليل نسبة إلى ابن أحد رجال الأعمال ورئيس حزب قلب تونس والذي توفي إثر حادث مرور. تولت تنظيم موائد الإفطار وتقديم مساعدة واسعة للمحتاجين من خلال موائد غذائية وغيرها من المساعدات. تُوجه انتقادات حادة إلى مؤسسها نبيل القروي لشبهات حول استغلال العمل الخيري للدعاية السياسية. (((3 أستاذ تعليم ثانوي، مهندس معماري، تاجر ميسور الحال، موظف إداري بوزارة التربية وصاحب مطعم. بعد سنتين انسحب ث ثااة من مؤسسي هذه المبادرة وظل حضورهم شكليمًّا، لتظل قائمة على جهد شخصين؛ هما أستاذ التعليم الثانوي (س.).،

وصاحب المطعم (ع. ه.).

دينية تُثمّن العمل الخيري، وترى فيه فضيلة أخلاقية وسلوكًا نبيلً يمكن أن يساعد ضعاف الحال. وبعد مشاورات حول سبل تجسيد تلك الغايات استقر الأمر على تنظيم مأدبة إفطار لعدد من الفقراء والمحتاجين من «أبناء الحي» ممن يواجهون صعوبات إنفاق خلال شهر رمضان. واتفق المؤسسون لاحقًا على أن يظل جهدهم خارج الأطر الرسمية أو شبه الرسمية بما فيها المنظمات والجمعيات وكل هياكل الدولة العاملة في مجال التضامن. واختاروا مطعمًا على ملك أحد أبناء الحي، ليكون مقر المائدة، وذلك تجنبًا للحرج النفسي، ووصم الناس المرتادين له. وما لبث صاحبه أن انخرط في السنة

الموالية بقوة في المبادرة، على أن تتكفل بإسداء تكلفة الكِراء/ الاستئجار الشهري لمحله وأجرة تشغيل العملة خلال شهر رمضان. استندت المبادرة في العامين الأولين من نشأتها على جمعية مرحمة، وهي جمعية خيرية تكفلت بالقسط الأوفر من التكاليف، واشترطت مقابل ذلك تعليق لافتة في أنحاء الحي كامل شهر رمضان تحمل شعارها، وقد وافق أصحاب المبادرة على ذلك، ثم انقطعت الصلة بهذه الجمعية تدريجيًا، لتستقل المبادرة استقلالً تامًّا قاطعة مع أي هيكل رسمي أو مدني. وعلى الرغم من أن هذه المبادرة الخيرية عُرِفَت بتقديم الإفطار للصائمين، فإنها تقدم خدمات أخرى على غرار ختان الأطفال ليلة السابع والعشرين من رمضان، وتقديم قفة رمضان التي تشمل جملة موائد الغذاء تُقدّم لهم مرتين، وذلك لتغطية كامل حاجات الشهر، إضافة إلى تقديم ملابس العيد ل 400 عائلة. وقد استطاعت المأدبة أن تقدم هذه المساعدات إلى فئات عجزت شبكات التضامن المؤسسي أن تشملها؛ مثل الأرامل والمطلقات الفقيرات، والمحتاجين والفقراء من الذكور الذين لا عمل لهم، والمسنين أو المشتغلين بأعمال عرضية وهامشية (برباشة، صغار الباعة المتجولين... إلخ)، والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، والطلبة الأجانب محدودي الدخل، وخصوصًا القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والعاطلين عن العمل، وعابري السبيل الذين تقطَّعت بهم السبل، وعجزوا عن الالتحاق بقراهم، كما يستفيد من هذه المائدة بعض «فتوّات» الأحياء المجاورة ممن انخرطوا في مختلف شبكات الانحراف. وخلال السنوات التسع لم يصدر عن هؤلاء أي أعمال عدائية تجاه المائدة أو ضيوفها، بل تطوّع بعضهم لتوزيع الأكل أو تنظيم الطاولات والكراسي.

(((3 يستعمل أبناء الحي مفردات عديدة تشير إلى القرابة فهم كما يرددون: أولاد الحومة، أولاد الحي، وليسوا قاطنين أو سكانًا فحسب. (((3 جمعية مرحمة للمشاريع الاجتماعية والخيرية هي «جمعية تقدم العون والإغاثة المالية والرعاية الاجتماعية والنفسية لكل محتاج دون النظر إلى دينه أو لونه أو عرقه أو لغته، وتعمل على المساهمة الفعّالة في تحقيق التنمية. جمعية قانونية غير حكومية

وغير سياسية. جمعية مسجلة بالرائد الرّسمي التونسي بتاريخ: 24 [أيلول/] سبتمبر 2011 رقم 115 ». يُنظر: «من نحن»، مرحمة،

شوهد في 2020/4/13، في: https://bit.ly/380mVnW (((3 فئة اجتماعية مهنية تقوم بنبش مصبّات الفضلات المنزلية، لفرز ما يمكن رسكلته [تدويره] أو بيعه على غرار بعض المواد

المعدنية أو غيرها.

الصورة (1) ضيوف مأدبة الإفطار

المصدر: الباحث.

أما التمويل فإنه يعتمد على تبرعات أبناء الحي وميسوري الحال من منطقة تونس الكبرى وبعض المقيمين بالخارج، يقول (س. م.) أحد مؤسسي المائدة و«ناطقها الرسمي»: «كل هذه الخيرات تبرع بها أبناء الحي وجيرانه من تونس الكبرى أو حتى من خارج البلاد، هذا الحي له جالية مهمة في إيطاليا او غيرها وله أصدقاء أيضا. انهم لا يبخلون على أهلهم وجيرانهم ولو بالشيء القليل..». وما كان لمائدة إفطار الكبارية أن تُغطيَ هذه الحاجات في حي فقير لا يقطنه الأثرياء، ولا تنتصب به الشركات

أو المؤسسات الاقتصادية؛ لولا استثمار العلاقات المتينة ورسملتها على غرار علاقات الجوار والقرابة والزمالة التي أدّت أدوارًا مهمة، بعد أن تمكنت من نسج مختلف الشبكات التي امتدت تدريجيًا خارج

الحي. ينسج المؤسسون، إلى جانب علاقات الجوار والقرابة، علاقات خارجة عنها. لا شك في أن مناخ الحريات الفردية والجماعية وانفتاح الفضاء العام بأشكاله المختلفة كانا من العوامل المهمة لهذه الكثافة اللافتة للنشاطات التضامنية. ومع ذلك، فإن هذين العاملين، على الرغم من أهميتهما، ليسا الوحيدين اللذين يُمكّنان من تحليل هذه الديناميات التضامنية الجديدة. وقد شهدت جل المدن أشكالً عديدة من «روابط الأحياء» والمجموعات المنتظمة عرضيًا خلال

الشهر الحاسم (منتصف كانون الأول/ ديسمبر – منتصف كانون الثاني/ يناير) الذي عرفته البلاد إبان ثورة 2011، تكفّل فيها المواطنون بالسّهر على أمن أحيائهم السكنية ومنع أعمال النهب وتخريب

الأملاك الخاصة والعامة. وبرزت أشكال من التضامن غير مسبوقة: اقتسام المؤونة وتوزيعها على قوات الجيش والأمن، نقل المتساكنين، مرافقة الأطفال والعجزة... إلخ. كما استقبلت المناطق

الحدودية بعد أشهر قليلة أفواجًا مرتفعة من اللاجئين القادمين من ليبيا، بعد أن اندلعت فيها ثورتها. وتكفلت جمعيات ومبادرات مواطنية فردية وجماعية باستقبالهم وإسداء أنواع مختلفة من المساعدات الاجتماعية في شكل إيواء، ومواد غذائية وخدمات طبية ومرافقة قانونية. وتواصلت هذه المبادرات التي تلقفتها الجمعيات والمؤسسات الخاصة والعمومية، ونشطت على نحو فعّال خلال مختلف الكوارث والجوائح الطبيعية التي شهدتها البلاد (فيضانات، موجات الثلج... إلخ)، بل عرفت البلاد أشكالً مبتكرة من الممارسات التضامنية الجديدة، واستدرجت العديد من الفاعلين الجدد. كان المجتمع التونسي في كل هذه السياقات الطارئة يختبر نشأة أواصر اجتماعية جديدة sociaux liens Les خارج الهياكل الرسمية للتضامن الوطني. تندرج موائد الإفطار، على الرغم من موسميتها، في سجل الممارسات التضامنية الجديدة التي تقف عند مناطق تخومية ملتبسة يتداخل فيها التقليدي بالحديث، الأهلي بالمدني، الشكلي باللاشكلي، الأخلاقي بالسياسي. وما زالت تثير جدلً حادًا تزامن مع سياقات انتخابية لم يسلم فيها العمل الخيري من التوظيفات، ترافقه دعوات إلى تنقيح القانون الانتخابي، لم يُكتَب لها النجاح إلى الآن؛ إذ تُوفي الرئيس الباجي قائد السبسي يوم 25 تموز/ يوليو 2019، من دون أن يُمضيَ على مشروع القانون هذا، فترك العمل الخيري عرضة لاستغلال الأحزاب. رسمت هذه المبادرات «الخيرية» حقل تدخّلها على هامش شبكة التضامن الاجتماعي الوطني وتصاميمه المؤسساتية والإدارية الدقيقة التي لم تنجُ من شبهات فساد ما زالت تلاحقها. فبتراجع تلك الشبكة، تمتد هذه المبادرات لتُشكل نسيجًا تحتيًا يمتد على كامل القرى الفقيرة والشرائح الهشة القاطنة بأحزمة المدن وأحيائها الشعبية، غير أن هذا النسج المستمر لمختلف الروابط التضامنية لا يدَّعي أنه يقطع مع تلك الشبكة الرسمية، بل في الكثير من الأحيان يتقاطع معها إلى حد الالتباس وصعوبة الفرز بينهما. واصلت موائد الإفطار تقديم مساعداتها خلال رمضان 2020، على الرغم من الحجر الصحي المفروض في كامل البلاد التونسية، وابتكرت أشكالً جديدة للتغلب على المخاطر الصحية والموانع التشريعية التي حالت دون تنقل الناس. وشهدت العديد من أحياء العاصمة نشأة موائد جديدة اتخذت من الأحياء أسماء لها.

(((3 تم يوم 18 حزيران/ يونيو التصويت بمجلس نواب الشعب على مشروع قانون بمنع الاستفادة من الإشهار السياسي والعمل

الخيري لمن يعتزم الترشح للانتخابات (124 موافقًا، 18 رافضًا، 7 محتفظين من مجموع 217 نائبًا)، غير أن رئيس الجمهورية

الأسبق الباجي قائد السبسي لم يصدّق عليه كما ينص الدستور، وقد تزامن ذلك مع متاعب صحية تُوفي على إثرها الرئيس يوم

25 تموز/ يوليو.2019 (((3 شهد رمضان 2020 موائد إفطار عدة في العاصمة، لعل أهمها مائدة لأولاد باب الأقواس، وهي مائدة في أحد الأحياء الشعبية بالمدينة العتيقة. ويمكن أن نذكر مبادرة «كوجينة الزوالي»؛ أي مطبخ المحتاجين. تسندها مجموعات شبابية ذات توجهات يسارية.

2. احتلال الفضاء، مقاومة الوصم وصراع الاعتراف

شهدت البلاد بُعيد الثورة انتشارًا واسعًا لهذه الموائد كبقية الأعمال الخيرية، غير أنه سرعان ما تراجعت تراجعًا حادًّا على إثر ما لحق نشاط بعض الجمعيات الخيرية من ملاحقات أمنية وقضائية لشبهة ارتكاب جرائم تمويل الإرهاب. واتسعت فضاءات التهميش الاقتصادي، واكتظت بالمحتاجين والفقراء، بخاصة في ظل الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد وإخفاق السياسات العمومية الاجتماعية في إجراء إصلاحات عميقة لأنظمة الحماية الاجتماعية، لتشمل أوسع قدر ممكن من الفئات العاملة والمعطلة. ومع ذلك، تحررت مبادرة الأشخاص والمجموعات خارج هياكل الجمعيات ونسيجها استجابة لهذه الحاجات المتزايدة ضمن استراتيجيات مختلفة. فهذا الشكل المتخفف من ثقل بيروقراطية الجمعيات، له مزايا عديدة بحسب هؤلاء، لعل أهمها المرونة في التصرف والتعويل على شبكة من العلاقات الخاصة في تمويل النشاطات الخيرية وتحديدًا موائد الطعام. وقد استطاعت هذه المبادرات تعبئة موارد نفسية تتكون من مشاعر افتخار الأفراد بانتمائهم إلى حيهم، وأصبحت المائدة معروفة من خلال ما أثارته في شبكات الإعلام الافتراضي أو غيره وطنيًا ودوليًا من اهتمام، حتى زارها العديد من القيادات السياسية ونجوم الفن والرياضة، وهو

اعتراف ضمني بفضل هذا الحي وأبنائه. يفتكّ حي الكبارية، من خلال تضامنه، اعترافًا من السلطة والنخب السياسية وهي فرصة سانحة لمحو الوصم وتعديل الصورة النمطية الرائجة؛ يقول (ع. ك.): «لم يكن كبار المسؤولين يدخلون الحي إلا في زيارات مسبقة وتحت حراسة أمنية مشددة ولغايات يحددونها، كانوا يخشون الحي ويخافونه، الآن صدقًا يتنافسون على زيارة المائدة ومساعدتها، قد تكون لهم غايات وأهداف، ولكن ما يعنينا من زياراتهم في المقام الأول هو فسخ الصورة الظالمة التي شوهت الحي، وظلت تلاحقه سنوات عديدة. ربما لم يقدم هؤلاء أشياء ذات قيمة لو قارناها بما تبرع به الناس البسطاء وصغار الحرفيين من أبناء الحي أو حتى من خارجه، ولكن غنمنا صورة جديدة يتم تحسينها سنويًا حين تكون مائدتنا قبلة الساسة والإعلام». يعرض أكسل هونيت ثلاثة أشكال من الاعتراف: الشكل العاطفي والشكل الثقافي والشكل القانوني، ويؤكد أن التضامن يمكن أن يجسد الشكلين الأوّلين، وهذا ما يفيد في هذا السياق «نمطًا من أنماط

(((3 بدءًا من عام 2014 أحيلت المئات من الجمعيات الخيرية إلى القضاء؛ لشبهة ارتكاب جرائم تمويل الإرهاب؛ حيث حُل

بعضها، فضلً عن تكثيف أشكال الرقابة الإدارية عليها. ((3(سُنّ قانون منظومة «احميني» «لتسهيل عملية انخراط المرأة الريفية في نظام التغطية الاجتماعية، من خ لاا تمكينها من

التسجيل عن بعد بوساطة الهاتف الجوال، دون الحاجة إلى تجميع مبلغ الانخراط نقدًا أو تكبّد مشقة التنقل إلى المصالح

الجهوية للصندوق من أجل دفع معلوم الانخراط»، بحسب ما ورد في موقعها. منظومة كانت نتيجة تنقيح وإتمام الأمر عدد 916 لعام 2002 المؤرخ في 22 نيسان/ أبريل 2002 والمتعلق بأساليب تطبيق القانون، وعدد 32 لعام 2002 المؤرّخ في

12 آذار/ مارس 2002 والمتعلق بنظام الضمان الاجتماعي لبعض الأصناف من العاملات في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي، ويشمل فئة مهمة من النساء المنتميات إلى الوسط الريفي من خارج التغطية الاجتماعية. وتهدف الوزارة إلى أن يشمل هذا الإجراء نحو 500 ألف امرأة، منتميات إلى الوسط الريفي وعاملات في القطاع الفلاحي، وليس لهنّ مشغل قار، ولا تشملهن بقية

أنظمة التغطية الاجتماعية.

التفاعلات والروابط التي تنشأ بين الأفراد، والقائمة على تبادل احترام المسارات الشخصية بعضهم لبعض ضمن جماعة قيم، لعل أهمها الشرف والكرامة». يخوض الحي بمأدبة إفطاره معركة اعتراف ثقافي وعاطفي، تجلت واضحة من خلال حرص المؤسسين على تعديل الصورة، وهي التي كانت ضحية ممارسات إذلالية عديدة، وتعني «الممارسات التي يمكن للأفراد البشريين أن يروا فيها عن وجه حق انتهاكًا لاحترامهم الذاتي، وتحت ‘الاحترام الذاتي’ يجب أن يُفهم حاليًا وعي الفرد بكونه عضوًا

في الجماعة البشرية ذات القيمة المشتركة». تستقبل مائدة الإفطار «ضيوفها»، كما يحرص منظموها على تسميتهم، في فضاء مفتوح يُفتكّ من «فضاء رسمي» ظل يصادر كل أشكال هذا الفعل الجماعي المنظم خارج سلطة الدولة وفضائها. ويتوزع على طرق وأرصفة محاذية تمامًا لمحطة المترو الرابط بين وسط العاصمة وبقية الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية ونسب الفقر المرتفعة. وتتوزع الطاولات على هذا الفضاء في ما يُشبه موائد طعام الأعراس وحفلات الختان التي تعتبر فرصة لاحتلال الفضاء وإبداء أقدار كبيرة من التضامن وتبادل مختلف المشاعر وخاصة مشاعر الافتخار، على الرغم من أن الواقع البائس عادةً ما يجعلهم موضوع ازدراء إذ يعجزون عن تأمين قاعات الحفلات مثلً؛ لذلك يتضامن الجيران معهم بتنظيف الطرق وغلق منافذها أحيانًا. ويسهر شبان الحي على تأمين هذا «الاحتلال»، وجعله أكثر جدوى ومردودية والتصرف عند حالات الطوارئ. ولم يختلف توزع المائدة عن هذا كثيرًا. لا تبدو ظاهرة احتلال المجال مرتبطة بالتضامن فقط بل هي أيضًا من أشكال الاحتجاج، وهو ما شهدته مدينة نيويورك عام 2011 مع اندلاع حركة «احتلوا وال ستريت» Street Wall Occupy، تزامنًا مع الثورة التونسية، لتنتشر في عدة مدن بالعالم. كان احتلال تلك الفئات المحرومة الفضاء وافتكاكه و«تحريره» من السلطة (استبداد سياسي، توحش اقتصادي... إلخ) حركة في غاية الأهمية. يقول (م. ب.): «لا شك في أن الفرصة كانت سانحة من أجل أن يرانا الناس، ونحن نتحرك في فضاء مفتوح، لم نرغب في أن نظهر للعيان، ولكن هذه الفضاءات هي ملك أبناء الحي، الشارع ليس حكرًا على السلطة، وهو

في الأصل ملكنا نحن، كان في الإمكان أن نكتري قاعة أفراح أو غيرها، ولكن أردناها مأدبة مفتوحة يراها الناس بلا خوف، لم نسترخص من أحد، ربما أعلمناهم لاحقًا، لم أعد أتذكر حقيقة، ولكن لم يكن ذلك هاجسنا، بل كان آخر ما فكرنا فيه. وخصوصًا أن أبناء الحي تعودوا على ‘احتلال’ الشارع في مناسباتهم العائلية في أثناء أعراسهم أو مآتمهم؛ إذ تُنصَب الخيام، ولا أحد يعترض، اعتبرنا أنفسنا نقيم عرسًا يمتد على ثلاثين ليلة [ويضحك]. لم نزعج أحدًا، ولا أحد تأذّى، بل بخلاف ذلك، لقد عمرنا الحي أنوارًا وزوّارًا، خيرًا وبركة».

(38) Axel Honneth, La lutte pour la reconnaissance (Paris: Cerf, 2000), p.156.

((3(أكسيل هونيت، الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة

السياسات، 2019)، ص.280 (((4 محطة الطاهر الحداد من خط المترو رقم واحد الرابط بين وسط العاصمة وضاحية ابن عروس، وهي المحطة المخصصة لحي ابن سينا.

الصورة (2) مائدة إفطار صائم بالكبارية تحتل الشارع

المصدر: الباحث.

منحت الثورة التونسية الفضاء المادي والافتراضي انفتاحًا واتساعًا حد الفوضى أحيانًا، حتى يؤوي

داخله هذه الشرائح المهمّشة في حركة دؤوبة لا تخلو من ابتكار وتكيّف مع الأزمة الاجتماعية الحادة.

كان البوعزيزي التاجر المتجول محتلً لفضاء من منظور القانون. وبعد سقوط النظام تشفّى الناس من تلك الفضاءات المسيّجة، وابتكروا ممارسات مجالية جديدة مكثفة بارزة للعيان: الاعتصام،

والتظاهر، و«الغرافيتي»، والمحاصرة، وقطع الطرق. فثاروا على فضاء كان محاصرًا بالخوف والبطش.

ولم يكن تنظيم موائد الإفطار سوى ابتكار ينهض على ممارسات مجالية كثيرة تُعبر فيها جماعات الأحياء الشعبية عن رغبتها في احتلال الفضاء. وما زالت العاصمة مسرحًا لحركة كرّ وفرّ مع قوات

الأمن من أجل إخلاء ما احتُل من فضاءات عامة عديدة (الرصيف من جانب الباعة المتجولين، مساكن حكومية أو خاصة... إلخ). لم يحصل الساهرون على المائدة على رخصة من السلطات البلدية، ولا يعتبرون أن هذا الأمر يحتاج إلى ترخيص، خصوصًا أن النشاط ينتظم بعد الظهر حين تهدأ حركة النقل، ويصبح الفضاء خاليًا تقريبًا. إن رغبة السكان في احتلال الفضاء وإعادة تملكه بارزة في نشاطات

يعتقدون أنّ لها مشروعية أخلاقية أسمى من انتهاك القانون، فالقضية النبيلة وطابعها المؤقت يمنحان المحيطين بالمكان قدرة هائلة على تسويغ كل تلك التجاوزات. ولم يعد الأمر محصورًا في حركة عبور، بل تحرص المأدبة على الاستقرار فيه وتوظيفه. لذلك، فإن

اختيار هذا المكان المفتوح والبارز للعيان، على خلاف موائد الإفطار في الأماكن المغلقة (دور المسنين، مقرات الهلال الأحمر... إلخ) بقطع النظر عما يمكن أن يتضمنه من رغبة في البروز، يُخفي

(((4 الشاب محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 في أحد شوارع مدينة سيدي بوزيد،

وأطلق موجة عارمة من الاحتجاجات، كان بائعًا متجولً صاحب عربة لبيع الخضار.

حرصًا على ممانعة فضائيةٍ تتخذ من الشارع مسرحًا لها. لقد بيّن ذلك آصف بيات: «إن الشوارع بحكم

طبيعتها تُعد مسرحًا حضريًا حديثًا للتعبير بامتياز عن الاحتجاج [...]، إن الشارع هو المكان الرئيس

للممارسات السياسية للناس العاديين أولئك الذين يُغيبون بنائيًا عن مراكز القوى النظامية. وبالتالي

يُشكل الشارع حيّزًا اجتماعيًا ومكانيًا ساكنًا ومتحركًا، مكانًا لأهل البيت والغرباء وللمرئي والمسموع.

وهو يُمثل كيانًا معقدًا تتشكل فيه المشاعر والآراء وتنتشر، ويتم التعبير عنها بطريقة فريدة». وإذا

كان الشارع العربي فضاءً للاحتجاج السياسي، فإنه شكّل أيضًا فضاءً لتبادل مشاعر مكثفة للتضامن

اليومي وابتكار ممارسات مجدية من التآزر وترسيخ هويات جماعية، إنه بصدد رسم إيكولوجية تضامن حضري يومي مكشوف لا تفطن إليه عادةً المؤسسات الرسمية. كان المطعم فضاء ملائمًا لإنتاج هذا التضامن؛ ذلك أن المائدة ستنعقد دومًا في محلٍّ خُصِص لغرض

تقديم الأكلات. فالناس سيذهبون في النهاية إلى مطعم وليس إلى مقرٍّ حزبي أو منزل خاص، وهو

ما يخفف وطأة الانتباه إليهم عند قدومهم. يُقلص المطعم الشعور بالغربة، ويجعل الفضاء مفتوحًا كما

لو أن قاصديه هم من الحرفاء. أما وجوده قبالة محطة المترو فقد مكّن الحركة التي تحيط به من تخفيف مرئيته «الفاضحة». يختفي المطعم، ويتوارى الداخلون إليه في فوضى تلك الحركة الدائمة. صُمّم فضاء المأدبة على شكل مأدبة عرس في حي شعبي تقام في الهواء الطلق، ليصبح الفضاء

بمنزلة لمّة تحتضننا. كانت محاكاة ضيافة العرس مُهمة للتخفيف من انكشاف محرج لمن يقصد

تلك المأدبة التي حرص الأعضاء المؤسسون على أن تكون تابعة لمطعم. تستحوذ الطاولات على الرصيف، وتبتلعه، وتتملكه، وتجرده من وظائفه العمرانية المعهودة؛ أي تسيير حركة المرور، وجعلها أكثر انسيابًا ومرونة، ليغدوَ هذا الفضاء البلدي فضاء ضيافة واستقبال واستقرار مؤقت. وعلى الرغم من الانتباه المبكر إلى أهمية الفضاء في الحركات الاحتجاجية، كما وضحه تشارلز تيلي Tilly Charles وبيات بعده، فإن الانتباه إلى هذه الأهمية في دراسة التضامن لم تكن بارزة على نحوٍ كافٍ. يُبنى الفضاء ويُنتَج حتى ينخرط في التضامن ذاته، ولا يكون محْض مكان يحتويه ويجعله أكثر مردودية. إن «شبكات الطرق وشوارع المدن والجسور والقنوات والموانئ والسكة الحديدية والمطارات تُكيف إلى حد كبير الحركة في الفضاء، ولهذا تطبع التحركات الاحتجاجية مظاهر الفعل الجماعي كافة، لا باعتبارها مجرد ضغوط وإكراهات علينا أن نأخذها في الاعتبار، بل مواد يتم بها بناء الفضاء الاجتماعي من خلال مادتي الزمان والمكان». وإذا كان بيات قد أكد أهمية الفضاء ومختلف استراتيجيات احتلاله في العالم العربي بوصفه حقلً لإدارة الصراعات، فإنه أبرز على نحوٍ خاص أنه حقل تتجسد فيه أيضًا مختلف المشاعر والعواطف بين الفقراء والمهمشين. وعلى هذا النحو، يبدو التضامن شكلً من «أشكال المقاومة

((4(آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص.336 (((4 إذا كان لفظ (لمّة) يفيد في العربية الفصحى اجتماع الناس ولقاءهم اليسير، فإنه يفيد باللهجة المحلية لقاء حميميًا مفعمًا

بمشاعر السعادة. وقد جرى تداوله بكثافة بعد الثورة، فحملت جمعيات ومبادرات سياسية هذا الاسم، تلطيفًا للاحتقان والتوتر اللذين سادا في تونس. (((4 بيات، ص.336

وأحد استراتيجيات البقاء» Survie التي لا يبدو فيها فقراء الأحياء سلبيين ومعادين للحداثة الحضرية، بل قادرين على الابتكار والتكيف ضمن حركة زحفهم الهادئ من أجل تخفيف الوطأة وتحسين معاشهم اليومي، حتى لو كانت مقاومتهم تلك وديعة وصامتة. يأخذ أبناء الحي على عاتقهم تدبر فقراء حيّهم

ومحتاجيه، وهم في غنى عن الدولة، بل يجبرونها على الانتباه إليهم بما كسبوا من قدرات ومبادرات. ويرى المؤسسون في زيارة المسؤولين مائدتهم افتكاكًا للاعتراف بهم وبحيّهم تحديدًا. على تخوم العمل الجمعياتي الذي بدا محجمًا عن العمل الخيري تحت شبهة الإرهاب ومخاطر

التمويل المشبوه، ظلت مساحة شاسعة تكتظ بالمحتاجين والفقراء، في ظل الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد وإخفاق السياسات العمومية الاجتماعية في القيام بإصلاحات عميقة لتشملهم، وتحررت المبادرة الفردية للأشخاص والمجموعات من العمل الجمعياتي. تمكن مختلف المنخرطين في هذه الممارسة التضامنية وغيرها من خوض صراع ضمني وشرس وحاد مع أطراف مختلفة، من أجل فك الاعتراف بهم بوصفهم جماعة «مواطنين صالحين»، يستطيعون إلى حد بعيد كفالة أنفسهم وصون كرامة بعضهم، ولو في مناسبات محدودة. يفتخر المؤسسان وبقية أعضاء المأدبة بأن مبادرتهم حازت تغطية إعلامية ودولية، ونقلت صورة إيجابية عن حيّهم الذي لم

يكن يُذكَر إلا في صفحات الجريمة! كما يفتخرون بأن كبار المسؤولين السياسيين زاروهم، ومن

ضمنهم رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد. ويتيح هذا الشكل من التضامن الرافض للمأسسة والانتظام داخل المجتمع المدني مرونةً في التصرف والتعويل على شبكة من العلاقات الخاصة في تمويل النشاطات الخيرية، وتحديدًا موائد الطعام هذه. الصورة (3)

رئيس الحكومة الأسبق السيد يوسف الشاهد يزور المأدبة

المصدر: صفحة فيسبوك أحد مؤسسي المأدبة، في رمضان، يونيو/ حزيران 2019، يُنظر:

Said Mrabti, facebook, 3/6/2019, accessed on 14/12/2020, at: https://bit.ly/3qOjZmS

(((4 المرجع نفسه، ص.106 (((4 زار المائدة عدة شخصيات سياسية من اتجاهات سياسية مختلفة، منها رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، وكان ذلك يوم 3 حزيران/ يونيو 2019، وأفطر مع ضيوفها.

3. شبكات القرب والتضامن

تؤدي الشبكات دورًا مهمًا في نسج المبادرات التضامنية وإسنادها في مثل هذه الأحياء الشعبية. كما أن

دراسة الشبكات تمنحنا الحجة على ذلك الترابط بين القرب المجالي والقرب العلائقي، فالعواطف لها مجالها (علماء الاجتماع يولون التقارب الاجتماعي وتشابه الأصول الاجتماعية والموقع والموارد...، عناية خاصة)، وعادةً ما يقع إهمال التقارب الفضائي. تتأكد أهمية شبكات القرب في تسييج فضاء علائقي متين وثري بالتفاعلات. فبين المؤسسين يحاك نسيج كثيف ومتين من العلاقات المباشرة، وهي علاقات جوار وصداقة و«أخوّة» كما ينعتها هؤلاء. وينتمي أعضاء الفريق المؤسس إلى الجيل

نفسه تقريبًا، فأعمارهم تراوح بين الخمسين والستين عامًا. درسوا مع بعضهم فترات مهمة باستثناء

صاحب المطعم الذي وصل مرحلته الابتدائية. يقول (ر. ب.) على الرغم من إقراره بأنه انشغل نسبيًا

عن المبادرة لظروف مهنية حالت دون مواكبتها في السنتين الأخيرتين: «لم نجد صعوبة في إطلاق هذه المبادرة، فنحن نعرف بعضنا بعضًا معرفة جيدة، نشأنا في الحي نفسه، ودرسنا في المدرسة نفسها، تجاور آباؤنا منذ عقود وكانت علاقاتهم بعضهم ببعض وطيدة..، هذه المعرفة الوثيقة كانت ولا شك حاسمة في إطلاق المبادرة [...]، لم نشك يومًا في نبلها ولا في إرادة القائمين عليها». وشكّل

المؤسسون العُقدة الأولى للشبكة، وقد كانت الثقة رأس مالهم القيمي، فتناسلت تلك الشبكة تدريجيًا،

وتكاثرت، وتوسعت، وأدرِجت شبكات أخرى، تمازجت، والتحمت بالعقدة المؤسسة الصلبة التي انصهرت في شبكات أخرى؛ وهي عمومًا:

أ. شبكات القرابة

تُشكل القرابة أحد الموارد المهمة في الأحياء الشعبية التي يتم رسملتها والاستفادة منها رمزيًا وماديًا.

وعلى الرغم مما شهدته هذه الروابط من ضعف وتفكك، فإنها ما زالت تشكل في هذه الأحياء موردًا مهمًا. وقد استند مؤسسو هذه المبادرة ومنظموها إلى مختلف أقربائهم من أجل دعم هذه المبادرة:

آباء، إخوة، أبناء عم، أزواج؛ فبعضهم تطوّع بالمال، وبعضهم الآخر انضم إلى فريق العمل متطوّعين

في أثناء توزيع الأكل على الصائمين.

ب. شبكات الجوار

يقطن المؤسسون الحي نفسه، ويعرفون بعضهم معرفة مباشرة، يترافقون إلى المقاهي والأسواق والمساجد... إلخ، وتوسّعت العلاقات لتشمل عائلاتهم، فقد أكّد جلهم أنهم يتزاورون في العديد

من المناسبات الاجتماعية والدينية. وامتدت هذه العلاقات إلى الأحياء المجاورة والقريبة، ولم يعد الجوار هو ذلك القائم بين الأفراد، بل بين الأحياء، فالكبارية تجاور أحياء شعبية على غرار حي الوردية وابن سينا وجبل الجلود. ويبدو أن خطباء صلاة الجمعة قد شكلوا في الجوامع المنتشرة حول الحي دعمًا أدبيًا مهمًّا، فضلً عن الدعاية لها.

(47) Claire Bidart, Alain Degenne & Michel Grossetti, La vie en réseau: Dynamique des relations sociales (Paris: PUF, 2011), pp. 207–208.

ج. شبكات الزمالة

استطاع بعض المؤسسين جلب أعداد متزايدة من مدرّسي التعليم الثانوي، وخصوصًا أولئك الذين يدرسون بالأحياء المجاورة للكبارية. روّج هؤلاء على صفحاتهم الشخصية من فيسبوك أخبارًا وصورًا للمائدة، وشكل ذلك فرصة سانحة لمزيد نسج علاقات خارج تلك العقد الأولى القائمة على الزمالة.

د. شبكات أحباء الفرق الرياضية

يُعد صاحب المطعم أحد الأضلع الأساسية الثلاثة لأشهر أحباء نادي الترجي الرياضي التونسي صحبة رضا الوحش وخالد الحلاق. وقد كان مقربًا جدًا من سليم شيبوب، وما زالت له صلات قوية ببعض رجال الأعمال الملتفّين حول هذا النادي. وساعدته علاقاته تلك ومكانته في مجموعات الأحباء في كسب ثقة العديد من رجال الأعمال والتجار الذين يتولون من حين إلى آخر الإسهام في تكاليف المائدة ماليًا أو عينيًا. توزع هؤلاء كلهم على نقاط مختلفة ومتباعدة من الحي، وتشابكت

العقد وتكاثفت، لتصبح غزيرة تمتد باستمرار لتجلب المزيد من التعاطف والمساعدة.

ه. شبكات التواصل الاجتماعي

استفادت الجمعية من تقنيات التواصل الاجتماعي، وأحدثت حسابًا لها على موقع الفيسبوك تنشر فيه أخبارها وصورها. كما أحدثت الجمعية موقعًا يتابعه عشرات الآلاف من الأشخاص ممن يتفاعلون مع نشاطات المائدة. وانضم إلى دائرة المتطوعين أشخاص اطلعوا على المائدة عبر هذه النافذة الإلكترونية، كما أن بعض المستفيدين من خدماتها قد علموا بها من خلال الشبكة الافتراضية. استطاع «أبناء حي الكبارية»، كما يحلو لهم تسمية أنفسهم، استثمار الشبكات «الجاهزة»؛ أي تلك الشبكات القديمة التي ينخرط فيها أعضاء المبادرة، غير أنهم استطاعوا في الوقت ذاته ابتكار شبكات جديدة توطدت مع استمرار المبادرة وانعقادها المستمر سنوات عديدة. لا شك في أن الزمن كان موردًا مهمًا استثمرته المائدة في إزالة بعض التحفظات عنها في ظل التحرش بها من عديد الأوساط السياسية

والثقافية وتدعيم رصد الثقة بها. وخلال هذه السنوات، تكوّنت للمائدة شبكات خاصة على غرار

شبكات أئمة الجوامع المجاورة للحي وبعض صغار التجار. وقد دُعمت المبادرة، واستمرت بفضل هذه القدرة المتنامية على التشبيك للمؤسسين والمتعاطفين مع مائدة الإفطار. يتأكد من خلال ما لاحظناه أن المأدبة ما كانت لتستمر لولا «قوة العلاقات الضعيفة» كما بيّنها مارك

جرانوفيتر حين دقق هذا الالتباس، ف «العلاقات القوية هي تلك التي تربط أصدقاء مقربين (علاقات متينة وكثيفة). أما العلاقات الضعيفة فهي مجرد معرفة بسيطة لأشخاص. العلاقات الضعيفة تُنعت

(((4 يناديه الجميع «عم علي»، أما أصدقاؤه المقربون إليه فينادونه ب «كحلة» لسمرة بشرته، وهي تسمية لا تثير استهجانًا في اللهجة المحلية وتحديدًا في الأحياء الشعبية على غرار «زرقة» (أزرق العينين)... إلخ. (((4 رئيس سابق لنادي الترجي الرياضي التونسي (2004–1989)، تقلد مناصب رياضية وطنية ودولية عديدة، ورجل أعمال، صهر الرئيس بن علي، غادر البلاد على إثر سقوط النظام، وعاد إليها عام 2014، ليلاحقه القضاء في تهم فساد عديدة.

بالقوية حين تكون متنوعة وتتيح اختراق شبكات اجتماعية نسجت في الأصل العلاقات الأولى أي العلاقات القوية». لا تنحصر مردودية الشبكات سواء المادية أو المعنوية في الدوائر الضيقة التي يتحرك فيها المؤسسون، بل تم تجاوزها. يتطوع لهذه المبادرة أو يتبرع لها أشخاص لا يرتبطون بالعقدة الأولى للشبكات، بعلاقات قرابة أو زمالة أو جوار مباشر.

4. الثقة السردية والتضامن ورأس المال الاجتماعي

تتلقى المبادرة يوميًا مبالغ مالية مهمة نقدًا، فضلً عن كمّيات ضخمة من المواد الغذائية دون أن

تكون خاضعة في كل ذلك إلى القيود التي سنّتها التشريعات. تُخزن كل المواد في محلات اكتُريت بجوار المطعم، ويتصرف المؤسسان فيها وفق الحاجيات، ويتحاسبان من حين إلى آخر. لم تُثر إلى حد الآن أي شبهات تتعلق بالتصرف في المال، وكل ما أثير هو خشية بعضهم من توظيفها سياسيًا، يقول (س. م.) من مؤسسي المبادرة: «أثيرت أشياء بسيطة خلال العشر سنوات الأخيرة

تقريبًا، ولولا الثقة التي بيننا لاندثرت المائدة وتلاشت المبادرة: في تسيير المائدة، وطريقة التواصل

وأساليب الدعاية مثلً، والاتصال بالمتطوعين، وموقفنا من داعمي المائدة، ولكن تظل الثقة ركنًا حصينًا [...]، كانت هذه الثقة بيننا هي رأس مالنا الثمين في مساعدة هؤلاء الفقراء والمحتاجين واستمرار الوقوف معهم [...]، خليّتنا الأولى انطلقت من هذه القيمة المشتركة»، وطرحت مثلً هذه

المواقف المتباينة خصوصًا لمّا زار المائدة قيادات حزبية ومسؤولون سياسيون تبرع بعضهم لها بأموال وبضائع. تشدّ عرى الثقة هذه في سياق يشي بانجراف حاد، بدّد منسوب الثقة بين الدولة والكثير من الفئات الاجتماعية، وشملت عاصفة الشك والحذر الطبقة السياسية التي شوّهت

صورتها إلى حد بعيد. يتعزز رصيد الثقة المتنامي من عام إلى آخر باستناده إلى بنية تحتية من العلاقات الاجتماعية تقوم على معرفة الناس بعضهم بعضًا وجهًا لوجه في سياق اجتماعي يأنسون فيه لصحبتهم. في حي الكبارية وفي فضاء مائدة الإفطار، لا تُجرّد العلاقات الاجتماعية بين كل الفاعلين المتدخلين (ثقة مجردة في

الأنساق والتشريعات والمؤسسات)، بل يعوّلون بخلاف ذلك على ثقة سردية وفقًا لقول مارك هنري

صولي، تستحضر سِير حياة الأفراد وهوياتهم الخاصة، فقد ذكر الأب والأم والعائلة، فضلً عن مختلف التجارب والاختبارات التي مر بها. حين يقدم السيد (س. م.) شريكه في تأسيس المبادرة يقدمه عادة على هذا النحو: «سيدي علي شهر كحلة، جاري، أبوه عمك فلان، أمه رحمها الله». وبالطريقة نفسها يقدم السيد (ع. ه.) أعضاء المبادرة الآخرين أو المتبرعين من قاطني الحي وأصدقاء المبادرة، ويقفون على أسمائهم وعائلاتهم ومهنهم وبعض تجاربهم الخاصة أو الأحداث الفارقة التي مروا بها على غرار سجن أو وفاة أحد الأقارب أو هجرة أو نزوح.

(50) Mark S. Granovetter, "The Strength of Weak Ties," The American Journal of Sociology , vol. 78, no. 6 (1973), p. 1369. (51) Marc–Henry Soulet, "Confiance et capacité d’action. Agir en contexte d’inquiétude," in: Casimiro Balsa (ed.), Confiance et lien sociale (Fribourg: Academic Presse Fribourg, 2005), p. 31.

ولا تشكل الثقة في هذا السياق محض قيمة أو خصلة فردية تطمئن الآخرين، وتبدد شكوكهم في نبل المبادرة ونزاهة التصرف في مواردها، بل تكثف المتعاطفين معها والمساندين لها، وتدعم جهودهم على نحو يتراكم من عام إلى آخر. وقد تحولت الثقة إلى رأس مال اجتماعي ثمين يقول ميشال فراري: «الدرس الرئيس الذي انتهت إليه العديد من الدراسات والبحوث القيمة (علم الاجتماع والاقتصاد) هو أن الشبكات الاجتماعية الملتفة حول مبدأ التضامن الذي يربط الأعضاء علاوة على المعلومات التي تتجول بينهم، تعدل كثيرًا من المخاطر والشكوك، وهي بذلك تكثف التبادل». أصبحت الثقة

رأس مال اجتماعيًا يتكفل بضمان الموارد واستمرارها، لم تنقطع المائدة حتى في أثناء الجائحة وآثارها

الاقتصادية الحادة على مختلف الفئات الاجتماعية. نميّز في هذا السياق بين دلالتَين مختلفتَين لرأس

المال الاجتماعي على الرغم من استناد الاثنين إلى الشبكات الاجتماعية. وإذا كان روبرت بوتنام Putnam Robert رأى أن هذا رأس المال الاجتماعي ركن حصين في بناء الديمقراطية وإثراء رصيد الثقة بين مختلف الفاعلين، فإن بيار بورديو Bourdieu Pierre وديفيد هلبام Helpem David وغيرهما قد شدّدا على دوره في مضاعفة رأس المال الاقتصادي والاجتماعي معًا. إنه دفتر عناوين Carnet adresses ’ d يستثمره الأفراد لتحسين موقعهم الاجتماعي، «مجموع الموارد المتاحة أو المتوقعة الناشئة عن تملك شبكات دائمة من العلاقات التي تمأسست في سياق معرفة متبادلة بين الأفراد. هذه الروابط لا يمكن اختزالها في علاقات القرب الموضوعية في الفضاء الفيزيائي (الجغرافي)، على الرغم من أهمية ذلك، أو حتى في الفضاء الاقتصادي والاجتماعي؛ لأنها مؤسسة على تبادلات مادية ورمزية غير قابلة للفصل». وأعتقد أننا توقفنا عند هاتين الدلالتين من رأس المال هذا، الذي استطاع المؤسسون مراكمته حول مائدتهم. تُشكّل الأحياء الشعبية مجتمعًا محليًا تُخيم عليه مناخات الخوف والحيرة وخشية المخاطر، ويعتمد

فيه الأفراد والجماعات على رصيد الثقة السردية المتداول بين الأفراد لإنتاج مشاعر الطمأنينة والأمن. فهم يعرضون سيرهم وسير غيرهم فيهدّئون من المخاوف والشكوك. هذه الثقة تُلطّف المناخات حتى لا تتحول الأحياء إلى جحيم الآخرين. لقد عدلت هذه المبادرة من صورة الحي وإلا كان محتشدًا خانقًا، فالثقة فضلً عن أنها تقلص من المخاوف وتلطف مشاعر الحيرة والشك والمخاطر، تتيح بناء روابط اجتماعية تنسج من مواد قُدَّت من شعرية السير الذاتية للأشخاص. يقول (ع. ك.) في ما يشبه التغزل بأصحابه: «هو [...] عشيري، صاحبي، أخي، الله يرحم عم صالح، أبوه كان في مقام والدي، خياله ما زال حاضرًا بين نواظري حينما كان يمر من أمام دارنا، ويجود بنصيب مما كان في يديه، كانت

العبارة التي يرددها دومًا: لن أدخل بيتي إذا ما لم يكن لكم فيما حملت قفتي نصيب [...] كان ينزع ما فيه ويرمي به لجيرانه [...] لن ندرك تلك المرتبة، ولكننا نحاول أن نحيي بعض تلك الخصال رغم أن الزمن تغير كثيرًا».

(52) Michel Ferrary, "Confiance et accumulation de capital social dans la régulation des activités de crédit," Revue française de sociologie , vol. 40, no. 3 (1999), pp. 559–586. (53) Pierre Bourdieu, "Le capital social: Notes provisoires," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 31, no. 1 (1980), p. 2–3.

إن هؤلاء الملتفِّين حول المائدة، وهم يبنون تلك الثقة السردية، ويستسلمون إلى أحكامها، يشعرون بهويّة جماعية لا يمنحها لهم محض الانتماء إلى الحي، فمن خلال موسميّتها أصبحت من شعائر

وطقوس زمن الحي أنها تقيم زمنًا سرديًا يتكرر سنويًا، ويشكّل لهم ذاكرة تتجدد وتثري لهم سجلات الحكايات. بل يذهب نيكولاس لوهمان أبعد من ذلك بكثير حين يرى «أن الثقة تعوّض تدريجيًا

الهوية الجماعية، وتحل محلها في سياقات الهشاشة والمخاطر المتزايدة الناجمة عن تعقد الحياة الاجتماعية». تُعد الثقة في تلك الأحياء الشعبية إحدى أهم مواد بناء المشترك الذي يجعل الحياة قابلة لأن تعاش هناك في سياقات ترتفع فيها المخاطر. تُلطف الثقة إلى حد بعيد مشاعر الخوف من أن يتآمر الجميع ضد الجميع؛ مما يقتضي تعزيز هذا العيش بأرصدة رمزية. لذا عُدَّت الثقة رأسَ مالٍ عاطفيًا ينشأ

في سياق التنشئة الاجتماعية ومختلف الاختبارات العسيرة التي تمر بها الجماعات. وإذ أكد بوتنام أهمية عناصر الشبه (اللون، الدين، الجنس) في تكوّنها، فإن مائدة إفطار الكبارية قد بينت أنها ضمّت

إليها، إلى جانب المتماثلين اجتماعيًا؛ أي أولئك الذين يشبهون بعضهم، أفرادًا ومجموعات تعود

أصولهم الاجتماعية إلى الحي ذاته، ولكنهم تمكنوا من تحسين مواقعهم الاجتماعية نسبيًا من خلال

مصعد التعليم أو بعض النشاطات التجارية، من دون إغفال ما ذكرناه سابقًا، فرجال الأعمال ونجوم الفن والرياضة والساسة لا يشبهون أبناء الحي، بل يختلفون عنهم نشأة وثقافة ومكانة. حدث كل ذلك بفضل قدرة النواة المؤسسة على ربط علاقات جيدة بمختلف الشبكات التي نسجتها أو ترابطت معها.

خاتمة

تبدي المجتمعات في السياقات الانتقالية، المحفوفة عادة باندلاع الأزمات وارتفاع المخاطر، قدرات هائلة على ابتكار أشكال تحتية من تضامنات القرب؛ إذ تُستَثمَر القرابة والجوار ومعرفة الناس لبعضهم معرفة مباشرة في مراكمة رأس مال اجتماعي يُثمّن التضامن والثقة والتطوع؛ للحد من وطأة ما تعانيه فئات من أضرار، خصوصًا أن أنظمة التضامن الوطني مهما كانت صلابتها وعدالتها أو إنصافها عادةً ما تشهد عجزًا وقصورًا. إن مأدبة الإفطار بالكبارية، كما حللنا دلالاتها واستراتيجيات الفاعلين القائمين عليها، هي أقرب إلى أن تكون «غير موضوعية» بالمعنى الذي أشار إليه سيرج بوغام سابقًا. يتّفق هؤلاء على أننا إزاء مجتمع تتضاعف فيه مسارات الفردنة والبناءات البيوغرافية للذات، ومع ذلك فإن الهشاشة والإقصاء عادة ما يحثّان الأفراد والجماعات على ابتكار أشكال جديدة من التضامن. فما يعيبه نوربرت إلياس على دوركهايم هو إفراطه في رهن العلاقات الاجتماعية في التقسيم الاجتماعي للعمل وإنكاره الشحنة

(54) Paul Ricoeur, Temps et récit: La configuration dans le récit de fiction , tome 1 (Paris: Seuil, 1983), p. 30. (55) Niklas Luhmann, La confiance: Un mécanisme de réduction de la complexité sociale [1968l2000] (Paris: Economica, 2006), p. 62. (56) Guy Bajoit, "La place de la confiance dans la formation de l’identité et du lien social," in: Balsa, p. 7.

العاطفية للعلاقات؛ لذلك يدعو إلى إضافتها لفهم ظواهر اجتماعية على غرار التضامن. يدفعنا ذلك إلى تجاوز التقابل النظري بين التضامن والأعمال الخيرية، وهو تقابل يقوم على استعراض الخصائص التي ينهض عليها تقسيم العمل الذي لا يترك حيزًا ل «العمل الخيري» بالمعنى الدوركهايمي. وعلى خلاف هذا الطرد المتعسف للعمل الخيري، ثمة استعمالات توسيعية للممارسات التضامنية تستعيد كل أشكال التضامن الإرادي؛ إذ يُبدي الأفراد مشاعر التآزر والتعاطف تجاه بعضهم في مواجهة

حالات التفاوت والحرمان والمخاطر. تسعى مأدبة إفطار الكبارية، بوصفها ممارسة تضامنية «جديدة»، إلى محو الوصم الذي أصاب الحي وإثبات قدرة «أبنائه» على تخفيفه وتقليص بعض الممارسات الإذلالية التي استهدفته. ولا يخفي بعض ممن يلتفّون حول هذه المبادرة رغبتهم في تقديم صورة مغايرة عن حيّهم سواء ل «الدولة» أم المحيط

العام. بعد سنتين من الدعم شعر مؤسسو المبادرة أن جمعية الرحمة مثلً تشوّش على مبادرتهم وتقتسمهم

بريقها، في حين أنها كانت تطمح عند الانطلاقة إلى التخلص من الوصم الذي يعانيه الحي. كان هذا الشكل من الدعم المؤسسي يخطف منهم البريق، ويحجب الحي ومبادرته. يعاني سكان حي الكبارية الصدّ والرفض والوصم عندما يطرقون أبواب سوق الشغل والزواج؛ ما جعلهم سجناء تلك الصور النمطية؛ لذلك كان أحد دوافع هذه المبادرة هو التخلص من تلك الصورة، ومصالحة الأحياء المجاورة، وإزالة تلك الجدران اللامرئية التي تحاصره. استطاعت هذه المبادرة أن تعبّئ مختلف الموارد، وتنسج شبكات مثمرة حتى تحافظ على استمراريتها

عقدًا من الزمن تقريبًا، تمكنت خلاله من أن تفتح منافذ على الحي، وتفكّ نسبيًا الحصار عنه؛ إذ

استطاعت أن تجلب اهتمام الصحافة الوطنية والعالمية لتكون محل تغطية إعلامية لا تكتفي بنقل فعاليات المبادرة، بل تقوم بتقارير عن الحي برمّته. كما استطاعت أن تستدرج العديد من المسؤولين

المحليين لزيارتها، وتعرف الحي ومشكلاته. وقد تُوِّجت هذه المكاسب، كما يعتقد أصحاب هذه

المبادرة، بزيارة رئيس الحكومة لها ووالي تونس العاصمة، فضلً عن العديد من نواب مجلس الشعب الذين لا يقتسمون بالضرورة خلفية المائدة القائمة على العمل الخيري وتثمين مشاعر التآزر الديني. أنتج المجتمع التونسي أشكالً مختلفة من التضامنات الغذائية المحلية التي تكفّلت بمساعدة فئات معينة، ولم يكن ذلك خضوعًا لإملاءات التقسيم الاجتماعي للعمل حتى في أشكاله الأكثر بساطة فحسب، بل كان أيضًا تعبيرًا عن مجمل القيم التي تجعل الأفراد يعيشون غيريّتهم، مستندين إلى قيم

أخلاقية ودينية ترى في ذلك واجبًا وخيرًا. منح التدين، حتى في أشكاله الأكثر شعبية، هؤلاء قناعات بأن

مساعدتهم وإعانتهم للفقراء والمحتاجين فضيلة أخلاقية. ولا يستحضر هؤلاء بالضرورة في كل فعل ما يمكن أن يجنوه من «هبة مضادة» مقابل ذلك، ولكن يدركون أنهم ليسوا بمنأى عن تلك الوضعية، وكلما انخرطوا في إعانة الآخرين عززوا رصيدهم الأدبي الذي يقيهم عند الحاجة. لا يمكن أن ننفيَ أن

(57)  Norbert Elias, La société des individus (Paris: Fayard, 1991), pp. 168–169.

يكون هذا التعاون «دَينًا رمزيًّا» يُقدم على «الحساب»، ولكن لا نعتقد أن جلّ ما كان يجري من أعمال خيرية استند إلى هذه الآلة الحاسبة التي عليها أن تلازم «الخيرين دومًا». أنتج المجتمع التونسي منذ تاريخ طويل على غرار بقية المجتمعات البشرية الأخرى ببناه التقليدية سلّمًا من القيم وأشكالً تنظيمية، تكفّلت بإطعام الجياع والمحتاجين والفقراء وطلاّب العلم في الزوايا والمدارس. ومع أهمية التصاميم الوطنية للتضامن الاجتماعي الذي هندسته الدولة الوطنية، فإنها قد أبادت تلك الأشكال التقليدية، وبدّدت في الوقت ذاته ما أمكن للمجتمع من ممارسات تضامنية خارج ذلك التصميم المُدولن. تسعى مائدة الإفطار بالكبارية إلى إدماج فئات اجتماعية فقيرة ومحتاجة في سياق تتكثف فيه مشاعر الحرمان. وعلى الرغم من أهمية أشكال الحيطة والرعاية الاجتماعية، تظل فئات عديدة خارجها، وسواء كان ذلك عجزًا حقيقيًا للدولة تحت ضغط الإكراهات المادية في تزامن مع الأزمة الاقتصادية

الحادة التي تحياها البلاد والتي لم تفلح الحكومات المتعاقبة في التخفيف من وطأتها، أو تخليًا

متسارعًا عن دورها الاجتماعي، فإن المجتمع يظل يفرز أشكاله التضامنية ويبتكر ويعيد إحياء أشكال ذاتية من التضامن ويرسملها، أكدها وباء كورونا مؤخرًا. وكان حلّ الأوقاف عام 1958 مصحوبًا بحل

آلاف الجمعيات الخيرية قد مزق الدثار التقليدي التضامني، فغدا المجتمع عاريًا إلا من إرادة رسمية تغلّف بها المجتمع، وتمنعه أغطيته التضامنية التقليدية بصورة قد تخنقه أحيانًا. لم يكن هذا محض علمنة للتضامن الحديث، ولكن كان دولنة مفرطة أحكمت الرقابة على المجتمع حتى شكلت عقيدة عجزت الثورة إلى حد ما عن خلخلة أسسها.

References

المراجع

العربية

ابن أبي الضياف، أحمد. إتحاف الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان. ج 3. تونس: الدار العربية للكتاب،.1999 بدوي، جمال. الفاطمية: دولة التفاريح والتباريح. القاهرة: دار الشروق للنشر والتوزيع،.2004 بن عبد  القادر، أحمد بن علي وأبو العباس الحسيني العبيدي وتقي الدين المقريزي. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار. بيروت: دار الكتب العلمية،.1998 بيات، آصف. الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 الدشراوي، فرحات. الخافة الفاطمية بالمغرب (365–296 ه/ 975–909 م): التاريخ السياسي والمؤسسات. ترجمة حماد الساحلي. بيروت: دار الغرب الإسلامي،.1994

عبد  الرحيم، حافظ. الزبونية السياسية في المجتمع العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

قسنطيني، الكراي. الاحتياج والمحتاجون بتونس العاصمة في فترة الاستعمار الفرنسي 1918–1885:. تونس: مركز النشر الجامعي،.2000 ________. (تقديم وتنسيق). الجمعيات بين التأطير والتوظيف. تونس: وحدة البحث «المجتمع والمجتمع الموازي» في كلية الآداب والفنون والإنسانيات – جامعة منوبة،.2009 هونيت، أكسيل. الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 هيئة الحقيقة والكرامة. التقرير الختامي الشامل: الملخص التنفيذي. تونس: أيار/ مايو.2018

الأجنبية

Balsa, Casimiro (ed.). Confiance et lien sociale. Fribourg: Academic Presse Fribourg,

Ben Romdhan, Mahmoud. Tunisie: Etat, économie et société: Ressources politiques, légitimation et régulations sociales. Tunis: Sud Éditions, 2011. Bidart, Claire, Alain Degenne & Michel Grossetti. La vie en réseau: Dynamique des relations sociales. Paris: PUF, 2011. Bourdieu, Pierre. "Le capital social: Notes provisoires." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 31, no. 1 (1980). Elias, Norbert. La société des individus. Paris: Fayard, 1991. Ferrary, Michel. "Confiance et accumulation de capital social dans la régulation des activités de crédit." Revue française de sociologie. vol. 40, no. 3 (1999). Granovetter, Mark S. "The Strength of Weak Ties." The American Journal of Sociology. vol. 78, no. 6 (1973). Hibou, Beatrice. La force de l’obéissance: Économie politique de la répression en Tunisie. Paris: la Découverte, 2006. Honneth, Axel. La lutte pour la reconnaissance. Paris: Cerf, 2000. Luhmann, Niklas. La confiance: Un mécanisme de réduction de la complexité sociale [1968/2000]. Paris: Economica, 2006 Paugam, Serge (dir.). Repenser la solidarité: La solidarité en temps de crise. Paris: PUF, 2011. Ricoeur, Paul. Temps et récit: La configuration dans le récit de fiction. tome 1. Paris: Seuil, 1983.