Return to Article Details State and Hegemony over Society The Corporatist Authoritarian State and the Restrictions of Democratic Transition in Algeria

الدولة والهيمنة على المجتمع: الدولة الكوربوراتية التسلطية وقيود الانتقال الديمقراطي في الجزائر

State and Hegemony over Society The Corporatist Authoritarian State and the Restrictions of Democratic Transition in Algeria

عبد القادر عبد العالي| Abdelkader Abelali *

((6(

الملخّص

تتناول هذه الدراسة نمط الدولة الكوربوراتية التسلطية باعتباره، مركبًا بنيويًا تنظيميًا. وشكلًا من العلاقة السياسية بين الدولة والمجتمع تؤدي مخرجاته إلى تحوّل ديمقراطي مشوّه ومقيّد وغير مكتمل، تسعى فيه الدولة الكوربوراتية إلى الهيمنة على كل المجتمع. لكن هذا النمط من الدولة لا يُعدُّ قويًا مؤسسيًا؛ إذ تؤدي سيطرة الدولة على نظام تمثيل المصالح، وسيطرة الدولة على نظام تمثيل المصالح وعلى كل أشكال الجماعات، إلى ضعف المجتمع المدني وفرص التغيير السياسي الفعلي والوقوع في أزمات متكررة. وللتحقق من هذه الفرضية، تبحث هذه الدراسة الحالة الجزائرية؛ لأنها تمثل نموذجًا لهذا المركب الكوربوراتي التسلطي؛ ما يُمكّن من بناء تعميم تحليلي استنتاجي لسائر الحالات في المنطقة العربية، وكشف طريقة عمل الدولة الكوربوراتية التسلطية بصفتها نمطًا خاصًّا من نسق التنظيم.

Abstract

Abstract: The authoritarian corporatist state is an organizational structure of state form and a political relationship between the state apparatus and society, that make distorted, restricted, and incomplete democratic transformation, due to its domination on society. this pattern of state structure have low institutionalization level, compensate it by control over the system of interest’s representation on all forms of societal groups, this leads to the weakness of civil society and establishing a kind of recurring political crises. In order to examine

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة الكوربوراتية التسلطية
  • الدولنة
  • الدولة في المجتمع
  • المجتمع اللامدني
  • الانتقال الديمقراطي
Keywords:
  • The Authoritarian Corporatist State
  • Statism
  • the State in Society
  • the Uncivil Society
  • the Democratic Transition

عبد القادر عبد العالي| Abdelkader Abelali * ((6(

الدولة والهيمنة على المجتمع الدولة الكوربوراتية التسلطية وقيود الانتقال الديمقراطي في الجزائر State and Hegemony over Society

The Corporatist Authoritarian State and

the Restrictions of Democratic Transition

in Algeria

ملخص: تتناول هذه الدراسة نمط الدولة الكوربوراتية التسلطية باعتباره، مركبًا بنيويًا تنظيميًا،

وشكلً من العلاقة السياسية بين الدولة والمجتمع تؤدي مخرجاته إلى تحوّل ديمقراطي مشوّه

ومقيّد وغير مكتمل، تسعى فيه الدولة الكوربوراتية إلى الهيمنة على كل المجتمع. لكن هذا

النمط من الدولة لا يُعدُّ قويًا مؤسسيًا؛ إذ تؤدي سيطرة الدولة على نظام تمثيل المصالح وعلى

كل أشكال الجماعات، إلى ضعف المجتمع المدني وفرص التغيير السياسي الفعلي والوقوع في أزمات متكررة. وللتحقق من هذه الفرضية، تبحث هذه الدراسة الحالة الجزائرية؛ لأنها

تمثل نموذجًا لهذا المركب الكوربوراتي التسلطي؛ ما يُمك ن من بناء تعميم تحليلي استنتاجي

لسائر الحالات في المنطقة العربية، وكشف طريقة عمل الدولة الكوربوراتية التسلطية بصفتها

نمطًا خاصًّا من نسق التنظيم.

Professor, Department of Political Science, Faculty of Law and Political Science, University Dr. Moulay Tahar, Saida, Algeria.

this hypothesis, through analyzing the Algerian case, as a representative case of authoritarian corporatist state, this analysis may establish a deductive analytical generalization to the rest of cases in the Arab region, by revealing the modus operandi of the authoritarian corporatist state as a special type of domination’s system hampering the democratic transition process.

مقدمة

واجهت الدول في المنطقة العربية موجات من الاضطرابات السياسية الداخلية من حين إلى آخر، قبل أحداث عام 2011 وبعدها. فبعد أن كان رهانها الأساسي يتمثل في التنمية والتحول الاجتماعي وبناء الدولة، في إثر ظهورها كدول مستقلة ما بعد كولونيالية، أخذت وجهة أخرى في توسّع عمليات الدولنة Statism ووظائفها نحو الهيمنة على المجتمع والمجتمع المدني، لكن من

دون أن يعني هذا تزايد القوة والاستقلالية المؤسسية للدولة وتعزيزها. وتتطلّب هذه المفارقة الواقعية تحيين Updating نظرية الدولة وسياقها السوسيولوجي في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية، ورصد التغيرات الطارئة أيضًا على بنيتها المؤسسية وطبيعة علاقتها مع المجتمع، وتحيين المعطيات والتفسيرات الخاصة بتحولّات الأنظمة والدول في المنطقة وفق ما يعرف بالتسلطية الجديدة وتحديثها.

ذلك أن الإطار النظري الخاص بمفهوم الدولة «الكوربوراتية التسلطية» يمكنه أن يقدم تفسيرًا جديدًا

لآليات عملها وأثرها في إفراغ التحول الديمقراطي من محتواه وعرقلة الانتقال الديمقراطي، بإضعاف مؤشراته المفتاحية، مثل المشاركة السياسية والحريات المدنية والتداول على السلطة. كذلك، يسمح الانطلاق من دراسة الحالات الفردية، بصفتها حالات أولية في إطار منهج دراسة الحالة، بإمكان توقع موجة انتشار التسلطية المتجددة في المنطقة وديناميتها الداخلية. تدور مشكلة الدراسة حول أعراض الكوربوراتية التسلطية للدولة، وكيفية إعادة الدولة إنتاج أبنية الهيمنة على المجتمع، وكيفية تأثير هذا الأمر في تقلّص فرص التحوّل الديمقراطي. ويمكن تقسيم ذلك من

خلال ثلاثة مجالات: أولً، جهاز السلطة والنسق السياسي والنظام السياسي للدولة، وكيفية إعادة إنتاج نفسه وشرعيته، فضلً عن قواعد اللعبة التي تضمن بقاء النخبة الحاكمة في السلطة. أمّا المجال الثاني،

فهو يتناول البعد الخاص بعلاقة الدولة بالمجتمع والمجتمع المدني، وإنْ كانت الدولة استطاعت احتواء المجتمع والهيمنة على تنظيمات المجتمع المدني، أم أنه ما زالت هناك مقاومة لهذه الهيمنة، إضافةً إلى وجود هامش لمجتمع مدني متخلق، أو وجود اختراق مضاد من القوى الاجتماعية والانتماءات الأولية، كآلية سببية ارتدادية. في حين يُعنى البعد الثالث الخاص بالاقتصاد والسوق، وكيفية تحويل الدولنة احتكار

(((حول مفهوم الدولنة، وتوسع وظائف الدولة ضمن سياقات ثقافية واجتماعية، يُنظر:

John P. Nettl, "The State as a Conceptual Variable," World Politics , vol. 20, no. 4 (1968), pp. 559–592.

(((نختار هذا المصطلح كما هو، نظرًا إلى أن العديد من الترجمات لم تستوفِ معناه المتكامل، فالكوربوراتية تترجم ب «التضامنية »،

و«التعاضدية»، و«التشاركية»، وهذا المصطلح الأخير، بعيد عن توصيفها؛ فهي ليست تشاركية دائمًا، وإل كانت أحد الأبعاد المهمة

في تطوير الديمقراطية الاجتماعية والمساواتية.

الموارد إلى ممارسة ريعية تتقوّى بها على أي محاولات احتجاجية لإصلاح الأوضاع، وأداة لاستدامة الهيمنة وتبعية كل تنظيمات المجتمع المدني وقوى السوق للدولة التسلطية. تنطلق الدراسة من فرضية مركزية تتمثل في تأثير شكل محدد من الكوربوراتية يسمى «كوربوراتية الدولة التسلطية»، وأن سيطرتها على مجال المجتمع هو المتغير المفتاحي في عرقلة التحوّل الديمقراطي ومحدوديته في المرحلة الراهنة. وتكون إحدى النتائج المباشرة لذلك متمثّلة بتراجع المشاركة السياسية نتيجة تقليص الخيارات وانغلاق اللعبة السياسية، بقدر أكبر من كونه نتيجةً للخوف من المشاركة. ونعني بكوربوراتية الدولة هنا سعي النظام السياسي لاحتكار تمثيل المصالح في عدد محدود من المنظمات التابعة له، بل السيطرة على التمثيل في حد ذاته، وهو منطق بعيد عن أنه يعكس السلوكية التشاركية اللازمة لبناء الديمقراطية، بل تؤدي إلى تسلطية قائمة على الاحتكار وتقييد التعددية السياسية والاجتماعية. فضعف المجتمع المدني هو نتيجة ملازمة لاستراتيجية البقاء المرتبط بتقنيات التنظيم الكوربوراتي في الدولة في العالم العربي، وتكون إحدى وسائله المباشرة ممارسة القهر والفساد. وإذا كانت هذه البنية المتخصصة في الهيمنة على المصالح تؤدي إلى بقاء السلطة وتجديدها، فإنها تضعف المجتمع المدني وشبكات التضامن المشكّلة له، وهي بدورها ستؤدي إلى إضعاف الدولة أيضًا. لدراسة المتغيرات المحددة في الدراسة، تجري دراسة الحالة الجزائرية باعتبارها حالة شبه نموذجية؛ كونها تشابه الكثير من الدول العربية في الكثير من الحالات، فهي تشبه الدول الخليجية في وجود ريع نفطي وأهميته في شراء السلم الاجتماعي، وتشبه الحالتين المصرية والسورية في كونها نظامًا جمهوريًا يستند إلى نفوذ المؤسسة العسكرية، وتشابه الحالات العراقية والسودانية لكونها تمثل حالة متوسطة من حيث أهمية عامل الانقسام الاجتماعي والتصدعات الاجتماعية Cleavages Social. تُقسم الدراسة أربعة مباحث؛ يتناول أولها نظرية الكوربوراتية والتحليل الكوربوراتي لعلاقة الدولة بالمجتمع والمجموعات؛ ويُعنى الثاني بمركبات الكوربوراتية الجديدة من خلال الحالة الجزائرية، باعتبار الكوربوراتية بنية تنظيمية وأداة للتسلطية الجديدة؛ ويبحث الثالث في الدولة الكوربوراتية التسلطية كعلاقة بين الدولة والمجتمع قائمة على الهيمنة، وإعادة نشر الهيمنة وما تتركه من مظاهر التناقض بين الفشل الدولتي ومجتمع لامدني. في حين يسلّط القسم الرابع الضوء على الاقتصاد السياسي للكوربوراتية التسلطية من حيث فشل النموذج الاقتصادي الأول القائم على الدولنة، مع انفتاح اقتصادي محدود قائم على احتكارية جديدة وبقاء ممارسات الريع القائمة على منح تراخيص لاحتكار الريع في قطاعات مضمونة الأرباح.

أولا: الدولة الكوربوراتية التسلطية بين الهيمنة على المجتمع واحتكار تمثيله

تعني الدولة الكوربوراتية التسلطية State Authoritarian Corporatist نمطًا من الدولة لها علاقة بالمجتمع، تتسم بالتسلطية ومحاولة السيطرة على المجتمع المدني وتشويه نموّه وإضعاف استقلاليته

عن طريق إنشاء نسق من التنظيم Organization of System الخاص بتمثيل المصالح، يكون امتدادًا لأذرعها السلطوية بطريقة مباشرة وغير مباشرة. وتُحيل الكوربوراتية إلى مجموعة متعددة من المفاهيم والمعاني التي تتفاوت بين التسلطية واحتكار التمثيل، وإلى نمط من تمثيل المصالح يتكامل مع التمثيل السياسي الانتخابي، إضافة إلى كونها نمطًا من النظام الاقتصادي والاجتماعي، اشتُهرت به الأنظمة الفاشية في أوروبا. وضمن هذا الإطار، تكتسب الكوربوراتية ثلاثة مدلولات أيديولوجية ومؤسسية وثقافية. فهي ذات مدلول مؤسسي لتشير إلى نوع من البنى التنظيمية لتمثيل المصالح الاجتماعية من الحكومات، يتّسم بالحصرية والاحتكارية وإشراف الحكومة المباشر عليه، وهي نوع من الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات التي تعني وجود بنية اجتماعية، تنظّم توجّهات الأفراد وانتماءاتهم العضوية، وتعني أيضًا نوعًا من التوجّهات الأيديولوجية التي قد تكون بديلً وتنقيحًا للديمقراطية الليبرالية، وقد تصل إلى حد التطرف الفاشي الشمولي، أو تدّعي وجود طريق ثالثة بين الرأسمالية والشيوعية، وتُعطي أهمية للجماعية Communitarianism وتنتقد طريقة التمثيل الانتخابي الليبرالية وتُحافظ على المصالح الطبقية العليا في المجتمع.

1. الكوربوراتية من تعريفها بوصفها ظاهرة إلى كونها اقترابًا نظريًا

تُعدّ الكوربوراتية من الناحية المؤسسية ظاهرة ونسقًا من التنظيم عرفتها النظم السياسية الأوروبية، ابتداءً من الثلاثينيات، في انتقالها من الليبرالية التعددية إلى نمط من التشاركية بين رأس المال

والعمل والحكومة في القرن العشرين. ويراها منظّرها الأول الروماني مانويلسكو نوعًا من «التضامن الاقتصادي الوطني»، وتعني، بحسب شميتر وفياردا، تحوّلً في وظائف الدولة الحديثة نحو وظائف تنظيمية واجتماعية متوسعة، بعثت النقاش المعياري المتعلق بنظرية الدولة Theory State The بين الاتجاه التعددي المهيمن الذي كثيرًا ما رأى فيها انحرافًا وحالة شاذّة عن نمط تمثيل المصالح بطريقة ديمقراطية تعددية ضمن حفاظ الدولة على تدخلها في السوق والمجتمع في حدوده الدنيا، بينما يرى التوجّه المؤيد لها (أي الكوربوراتية) أنها نسق جديد في تمثيل المصالح بين الحكومة وجماعات المصالح المهنية النقابية ومصالح أرباب العمل، بدأ يظهر بصفته نوعًا من تكيّف الرأسمالية مع مسار التحديث والأزمات الاقتصادية التي عرفتها المجتمعات الرأسمالية. أما هوارد فياردا، فهو يؤكد – في محاولة إبعاد السمة القدحية والتاريخية للكوربوراتية والمرتبطة بممارسات النظم الفاشية والنازية – أنّ الكوربوراتية الشمولية التي عرفتها النظم الفاشية، والتي سمّاها الكوربوراتية الأيديولوجية، ليست

(3) Mihaïl Manoilesco, Siècle du corporatisme: Doctrine du corporatisme intégral et pur (Paris: Librairie Felix Alcan, 1934), p. 35. (4) Philippe C. Schmitter, "Still the Century of Corporatism?" The Review of Politics , vol. 36, no. 1 (1974), pp. 85–131; Howard J. Wiarda, Corporatism and Comparative Politics: The Other Great ‘Ism’, Comparative Politics Series (Armonk: M. E. Sharpe, 1997). (5) Howard J. Wiarda et al., "Corporatism versus Pluralism and Authoritarianism as Association Contexts," in: David Horton Smith, Robert A. Stebbins & Jurgen Grotz (eds.), The Palgrave Handbook of Volunteering, Civic Participation, and Nonprofit Associations , vol. 1 (London: Palgrave Macmillan, 2016), p. 1118.

سوى أحد الأشكال التنظيمية المتعددة لها، وأن المعنى الأصلي لها ارتبط بوصف النظام الاجتماعي للمجتمعات الكاثوليكية في جنوب أوروبا الغربية وأميركا اللاتينية، حيث تقوم الكنيسة بدور كبير في ربط المجتمع وتمثيل المصالح والتماسك المجتمعي. وبهذا المنحى المتعدد الأبعاد للكوربوراتية، يرى فياردا أن الأنماط التنظيمية في ربط المصالح بين الدولة والمجتمع تختلف باختلاف الأنظمة، وتوجد في كل المجتمعات؛ ما يجعل الكوربوراتية اقترابًا نظريًا Approach في تفسير أشكال تمثيل المصالح عبر المجتمعات، قد تكون له دقة نظرية أكثر من اقتراب الدولة في المجتمع عند ميغدال. لذا، المفهوم الأكثر شيوعًا وشهرة وتداولً في تعريف الكوربوراتية هو ذلك الذي قدّمه فيليب شميتر، والذي مفاده أنها: «نظام لتمثيل المصالح، يتم فيه تنظيم الوحدات التأسيسية في عدد محدود من الفئات الفردية والإلزامية وغير التنافسية والهرمية التنظيم والمتمايزة وظيفيًا، معترف بها أو مرخصة (إذا

لم يتم إنشاؤها) من الدولة، ومنحها الاحتكار التمثيلي ضمن فئاتهم في مقابل ذلك. وذلك من أجل مراقبة بعض الضوابط على اختيار القادة والتعبير عن المطالب والدعم». هنا، يقترح شميتر فرضية أنّ كوربوراتية تمثيل المصالح مرتبطة بإحدى الحاجات المُلحّة للرأسمالية لإعادة إنتاج شروط وجودها، ومن أجل الاستمرار في تراكم الموارد. وتبتعد ملامح الكوربوراتية عن كونها نموذجًا واحدًا، كما يؤكد ذلك كل من تطرّق إلى النظرية الكوربوراتية. وكل النماذج

التي تم عرضها في الكثير من الدراسات، على غرار الكوربوراتية الجديدة التي تعرفها دول الرفاه الأوروبية، أو الكوربوراتية الشمولية التي عرفتها إيطاليا أو الكوربوراتية التسلطية في المجال اللاتيني لشبه الجزيرة الإيبيرية الأوروبية وأميركا اللاتينية، تؤكد سمتها المشتركة بشأن قيام نسق تنظيمي حصري وهيراركي وسلطوي حكومي لتمثيل المصالح، وأن اختلاف السياق التاريخي والثقافي للمجتمعات

(((بحسب تنظير هوارد فياردا، تتعدد أشكال الكوربوراتيات في أربعة أنماط أساسية تنتشر في كل المجتمعات، أي إنها طرائق تنظيم كل المصالح داخل الدولة والمجتمع، وهي تُقسم إلى الكوربوراتية التقليدية الطبيعية أو التاريخية، والكوربوراتيات الأيديولوجية في الأنظمة الفاشية، والكوربوراتية المعلنة، والكوربوراتية الليبرالية الجديدة.

(7) Wiarda, p. 23.

(((في محاورة نظرية بين الاقترابين، يدافع فياردا عن اقتراب الكوربوراتية وإدراجها ضمن اقتراب علاقة الدولة بالمجتمع، وكيفية سَعي الدولة للهيمنة عن طريق تنظيم المصالح، وهو نوع من فرض القواعد على المجتمع بحسب ميغدال، وتقنية أشد فاعلية في

السيطرة على المجتمع. يُنظر:

Joel S. Migdal, State in Society: Studying How States and Societies Transform and Constitute One Another , Cambridge Studies in Comparative Politics (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2001), pp. 206–208. (9) Schmitter, pp. 93–94. (10) Ibid., p. 107.

الفرضية بالنسبة إلى الحالة العربية: كوربوراتية الدولة، بما هي هيمنة على التنظيمات المجتمعية والسياسية، لا تهدف إلى تمثيل

المصالح، بقدر ما تميل إلى توزيع الموارد والإخضاع، وهي أكثر ارتباط ا بإعادة إنتاج شروط بقاء التسلّطية، وتستهدف الاستمرار في تعبئة الموارد وتوزيعها.

(11) Dong–One Kim & Ji–Young Ahn, "From Authoritarianism to Democratic Corporatism? The Rise and Decline of Social Dialogue in Korea," Sustainability , vol. 10, no. 12 (2018), pp 2–3; Wiarda, Corporatism and Comparative Politics ; Howard J. Wiarda, Comparative Politics: Approaches and Issues (Lanham: Rowman & Littlefield Publishers,

الأوروبية للحوض الشمالي للمتوسط المرتبطة بالتقاليد الكاثوليكية والتنظيم الاجتماعي الإقطاعي، لم يمنع كلّه من توسيع تطبيقها في دول الرفاه والديمقراطية الاجتماعية للدول الإسكندنافية. ودرس احتشامي ومورفي أعراض الدولة في الشرق الأوسط وتحولّاتها، واعتبارها نوعًا من التحول السياسي

والاقتصادي الذي كرّس لاستمرارية بقاء الأنظمة التسلطية والتفافها على الموجة الديمقراطية الثالثة.

لذا، يعطيانها مدلولها الخاص بالتجربة الشرق أوسطية كونها كوربوراتية عضوية توظف فيها الدولة التكوينات المجتمعية في بسط سيطرتها على المجتمع؛ فهي من الناحية التصوّرية تعتبر المجتمع

وحدة عضوية، لها مهمات مختلفة، وتكون الحكومة بمنزلة العقل، والحزب (الواحد أو المهيمن) بمنزلة الجملة العصبية التي تتحكم في سائر الأعضاء، لتشتغل بطريقة متناسقة لتحقيق الأهداف المرغوب فيها. أما جي هيانغ جانغ ونزيه الأيوبي، فيتفقان على أن الدولة والمجتمع المدني في العالم العربي اتّسمَا بالضعف البنيوي لدولة ضعيفة ومجتمع ضعيف ومنقسم يفتقر إلى تكامل وطني؛ لذا تطوّرت بنية سلطوية تسلطية تتسم بالشعبوية وغياب واضح للأيديولوجيا، كما يرى هوتشانغ

شهابي وخوان لينز. وترى الدراسة، من هذا المنطلق، أن الكوربوراتية الشعبوية في المنطقة العربية، بما فيها الجزائر، كانت مشروعًا لتوسيع سيطرة الدولة وهيمنتها، من دون أن تنجح، بالضرورة، في إحداث تغييرات سياسية نحو الديمقراطية، بل اقتصر الأمر – بحسب جانغ والأيوبي – على تحوّلها

إلى دول قاسية قمعية، تُعيد إنتاج تسلطية جديدة؛ فهي قاسية بلجوئها إلى القمع والقسر من أجل بقائها، وضعيفة نظرًا إلى ضعف شرعيتها ومؤسساتها. وأدّت أيضًا إلى إضعاف مؤسسات الدولة

وتحطيم البنى الوسيطة، مثل الأحزاب السياسية؛ ما أنتج سلسلة من الحركات الاحتجاجية التي فقدت الثقة بكل التنظيمات الرسمية وغير الرسمية المرتبطة بالدولة. فالكوربوراتية التي تتسم بها المنطقة الشرق أوسطية والعربية، هي كوربوراتية الدولة Corporatism State في لامركزيتها السياسية الشديدة وضعف مؤسساتها التمثيلية ونزعتها التسلطية، وليست من قبيل الكوربوراتية المجتمعية Societal Corporatism التي تتسم بمجتمع مدني قوي وحكومات ذات حكامة جيدة وتوجهات حزبية يسارية قوية وبرامج رفاه اجتماعي قوي وفعّال، وتختلف أيضًا عن الدولة التنموية في ضعف مؤسساتها وإحباطاتها التنموية. لذا، يرى جانغ أن هناك نوعين من النمط الكوربوراتي الخاص بكوربوراتية الدولة في الحالة العربية، تكيّفت معهما الأنظمة السياسية لهذه الدول واستفادت منها في إعادة إنتاج

التسلطية: الكوربوراتية المحافظة في مقابل الكوربوراتية الشعبوية، فالأولى هي أكثر عضوية وتضامنية

(12) Alan Siaroff, "Corporatism in 24 Industrial Democracies: Meaning and Measurement," European Journal of Political Research , vol. 36, no. 2 (1999), pp. 175–205; Lucio Baccaro, "What Is Alive and What Is Dead in the Theory of Corporatism," British Journal of Industrial Relations , vol. 41, no. 4 (December 2003), pp. 683–706. (13) Anoushiravan Ehteshami & Emma C. Murphy, "Transformation of the Corporatist State in the Middle East," Third World Quarterly , vol. 17, no. 4 (1996), p. 755. (14) Houchang E. Chehabi & Juan J. Linz (eds.), Sultanistic Regimes (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1998), p. 17. (15) Nazih N. Ayubi, Over–Stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East (London/ New York: Tauris, 2001), p. 399; Ji–Hyang Jang, "Weak State, Weak Civil Society: The Politics of State–Society Relations in the Arab World," Journal of International and Area Studies , vol. 16, no. 1 (2009), pp. 85–86. (16) Ibid., p. 85.

وجماعية، والثانية أكثر تنظيمية وشعبوية وتعبوية على أساس تمثيل المصالح. فالدولة، في الحالة الأولى، أقل انعزالية وأكثر انغماسًا في الشبكات الاجتماعية من الحالة الثانية. وما يمكن تأكيده هو

أن للعالم العربي نمطَه الخاص من الكوربوراتية، يتّسم بنوع من السيطرة القمعية والاحتكارية على المجتمع والإخضاع القسري لفئاته الطبقية والمهنية، ونزع أي محاولة استقلالية داخل قوى المجتمع المدني الناشئ، مع حالة مأسسة ضعيفة، تجعلها تختلف بوضوح عن الكوربوراتية الشمولية التي شهدتها ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، والتي تتسم بمأسسة عالية وسيطرة قوية على كامل المجتمع؛ نظرًا إلى بنيتها الصناعية المتطورة. وتختلف عن الكوربوراتية الدولتية التي كانت تتسم بها دول أميركا

اللاتينية والبرتغال وإسبانيا بوجود مأسسة وبيروقراطية سلطوية سهّلت عملية الدمقرطة الداخلية، وإحداث مستوى من التنمية والانتقال الديمقراطي. وتختلف عن الكوربوراتية الاجتماعية في الأنظمة الديمقراطية في أوروبا التي تتسم باحتكارية تنظيم جماعات المصالح، مع الحفاظ على التعدّدية والمشاركة السياسية العالية.

2. دولة الكوربوراتية التسلطية في العالم العربي

ما الذي يجعل النُظم العربية في المنطقة تميل إلى الكوربوراتية التسلطية، أو الشعبوية الكوربوراتية، باعتبارها أداة للهيمنة على المجتمع؟ يتطلّب هذا السؤال النظر في جملة من المؤشرات والعوامل التي تكشف عن آليات وطرائق تغلغل الدولة في المجتمع وفرض هيمنة الدولة عليه. وهي طرائق وآليات قد تدفع الدولة الكوربوراتية إلى إنشاء تنظيمات تمثيلية رسمية وغير رسمية مرتبطة بها عضويًا، تقوم بتوجيه التعبئة السياسية بما يتلاءم مع مصالح النخبة المسيطرة، وفق تمثيل فئوي وطبقي ومهني للمصالح، لكن من دون أن يؤدي ذلك إلى توليد حركات نقابية قوية معارضة للسلطة؛ لأنه تمثيل إقصائي وحصري متحكم فيه، لا يهدف إلى تمثيل الفئات الاجتماعية، بقدر ما يهدف إلى السيطرة عليها وضبط مطالبها. لكن هذا يفترض وجود دولة ذات مؤسسات قوية ومعقدة، ونظرًا إلى عدم

تحقّق ذلك؛ تحوّلت كوربوراتية الدولة إلى نمط كوربوراتي مشوّه وزائف، كما ينقل الأيوبي عن فيليب سيرني Philip G. Cerny، حيث تكرّست ممارسات زبونية وولائية، هدفها السيطرة على التمثيل

في حد ذاته والسيطرة على الفئات والتنظيمات الاجتماعية ذات الشأن القيمي، مثل المؤسسات الدينية والنقابات، أو تشكيل هيئات وسيطية تحت وصاية الدولة المباشرة وغير المباشرة للسيطرة على كل الفئات الاجتماعية، وإدارة الحركات الاحتجاجية للتحكم في أي تغيير يُهدّد البقاء والاستقرار. وما يجعل الدولة في المنطقة العربية تدخل ضمن نمط الدولة الكوربوراتية هو نزعتها التدخّلية والتوجيهية تجاه الاقتصاد والمجتمع؛ فهناك العديد من التشخيصات التحليلية التي قُدّمت بشأن موضوع علاقة الدولة بالمجتمع في العالم العربي، وهناك أيضًا توصيفات وأوصاف متعددة للدولة في

(17) Ibid., p. 86.

(((1 نزيه ن. الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص.436

(19) Ayubi; Ehteshami & Murphy, pp. 216–217.

العالم العربي، تتفاوت بين كونها دولة ما بعد كولونيالية، أي باعتبارها وريثًا استعماريًا في بيروقراطيته ومؤسساته الحديثة، أو دولة تنموية تحكمها نخب تحديثية لها مهمة تحويل المجتمع الذي يتّسم بأنه أكثر تقليدية من الدولة، نحو الحداثة والتحديث. لكنّ هذه التحليلات الوصفية التي سادت في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، ضمن سيطرة المنظور التنموي ونظريات التنمية السياسية، تكاد تغفل التطورات الاجتماعية الجذرية التي حدثت في هذه المنطقة؛ فقد تحسّنت مؤشرات التنمية الإنسانية من تعليم وصحة وحراك اجتماعي وطبقي، وهي جملة من المؤشرات المهمة التي تدل على حدوث تغيرات اجتماعية وجيلية متسارعة، لم تُسايرها الدول، ولم تنتبه إلى تلك الاستحقاقات التي يتطلّبها التحديث السريع وتوسع المدن وازدياد الحجم الديموغرافي وتسارعه خلال عقود قليلة. لقد تناولت العديد من التوجّهات النظرية في علم السياسة وفي علم الاقتصاد وعلم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا مسألة الدولة في العالم العربي عبر عدة حالات لدول عربية، وذلك ضمن دراسات معروفة في هذا المجال. ومن أجل تأصيل نظرية للدولة والمجتمع في المجال العربي، يمكن اعتبار عبد الرحمن بن خلدون أول من نظّر للدولة في المجال المغاربي، لكن مع الانتباه إلى تشخيصه تلك الأزمة المؤسسية العميقة التي كانت تعانيها الدول في المغرب الإسلامي بارتهانها إلى العصبية القبلية وعدم القدرة على الانفكاك منها، والتي كانت بمنزلة بذور ضعف الدولة وانهيارها بصفة دورية. وهو واقع بنيوي ما زالت الدولة في هذا المجال تعانيه بدرجات مختلفة، يحول دون انتقالها إلى مركّب مؤسسي قوي ومستقل يُوجّه الإصلاحات الاجتماعية والتنموية بفاعلية. وبناءً على هذا، هناك

دراسات تحاول البرهان على وجود ثقافة تتسم بالكوربوراتية التقليدية في هذه المجتمعات، مثل دراسات روبرت بيانشي بشأن تركيا ومصر، ودراسات لويتس كانتوري التي جرى فيها تناول البديل الكوربوراتي في الشرق الأوسط، وكيفية تأثيره وصُنع الاستثناء الديمقراطي فيه. وهو ما يؤكد أن الكوربوراتيةَ التسلطية والشعبوية Populist متلازمةٌ بنيوية Syndrome Strucural وتفاعلية، مُعرقلة للدمقرطة في المنطقة العربية، لكنها لم تُبيّن بوضوح وتحليل كيفية تأثير هذه البنية الكوربوراتية، من

خلال العلاقة بين الدولة والمجتمع، في ضعف محاولات التحوّل الديمقراطي في هذه المنطقة. وبدل من ذلك، هناك محاولة تفسير ثقافي للكوربوراتية التسلطية؛ كونها تتمفصل مع الشعبوية أسلوبًا في الحكم، فهي ضرورة سلطوية حين ترتبط الشعبوية مع الكوربوراتية في الشرق الإسلامي لخلق عضوية أمتية (من الأمة) ومجتمع عضوي وكُلّني ومصدر للشرعية السياسية يكون بديلً لكل من الشيوعية

((2(لا بد من التنويه بأنّ هناك عددًا كبيرًا من المؤلَّفات التي تناولت تحولّات الدولة المعاصرة في الشرق الأوسط، ووظيفة الدولة،

وسوسيولوجيا الدولة وبنيتها وعلاقتها بالمجتمع والمجموعات الاجتماعية (من أبرزها مؤلَّف متعلّق بتضخيم الدولة العربية لنزيه ن.

الأيوبي، وآخر متعلّق بتسلطية الدولة في المشرق العربي لخلدون حسن النقيب)، لكنها تحتاج إلى تحديث مع المستجدات الحالية.

(21) Robert Bianchi, "The Corporatization of the Egyptian Labor Movement," Middle East Journal , vol. 40, no. 3 (1986), pp. 429–444; Robert Bianchi, Unruly Corporatism: Associational Life in Twentieth–Century Egypt (Oxford: Oxford University Press, 1989). (22) Louis J. Cantori, "Civil Society, Liberalism and the Corporatist Alternative in the Middle East," Middle East Studies Association Bulletin , vol. 31, no. 1 (July 1997), pp. 34–41. (23) Jang, p. 89.

والليبرالية الديمقراطية. ولعل دراسة احتشامي ومورفي من بين الدراسات التي توصّلت وتنبّهت إلى تطور التسلطية الجديدة في المنطقة العربية، وكيفية وجود صيغة مبتكرة في الهيمنة على المجتمع عن طريق احتكار تنظيم نظام المصالح والسيطرة عليه، باعتباره بنية سياسية للدولة التسلطية في المنطقة. وهناك توجّهات دراسية وبحثية حاولت تحليل كيفية صياغة المشهد التسلطي الجديد، مثل دراسة جانغ حول ضعف الدولة والمجتمع المدني في آنٍ معًا. وتكاد تتفق هذه الدراسات، المشار إليها، على وجود ضعف في البنية الكوربوراتية وضعف الدولة في المنطقة، لكنها تدفع إلى المزيد من البحث عن أهمية الانتباه إلى تحليل علاقة الدولة بالمجتمع، والقوة النسبية للدولة بالنسبة إلى المجتمع نفسه، وضعف المجتمع المدني واتسامه باللامدنية Uncivil Society، حين تقوم بإزائه شبكة من التنظيمات الموازية التي تُنشئها الدولة التسلطية وتحتكر بواسطتها وتُهيمن على تمثيل مصالح مجموعة متنوعة من الفئات الاجتماعية، وتكون امتدادًا لوصاية الجهاز البيروقراطي والأمني، وهو مظهر من مظاهر السيطرة السياسية التسلطية في المشهد التمثيلي السياسي والاقتصادي على السواء. يرى ريموند هينبوش أن التسلطية في المنطقة العربية استعملت البنى الكوربوراتية لتنظيم التوازن بين القوى الاجتماعية ضمن تحالف واسع، ضمن سياق لبناء الدولة الحديثة في المنطقة، واجه ثلاثة تحديات على الأقل: بناء الأمة، وإنجاز التنمية الاقتصادية، وبناء السلطة، وضمن سياق دولي يتّسم باختفاء الثنائية القطبية وتعميق العولمة، وسياق إقليمي يتّسم بالحروب التي يتداخل فيها النفط مع الهويات، وسياق داخلي يتّسم بنوع من الثقافة السياسية اللاتعددية وبضرورة الحفاظ على التوازن بين الطبقات أو إنكار واقع الصراع الطبقي. لذا، تم تبنّي استراتيجيات مختلطة في كل من الأنظمة الجمهورية والملكية، تلجأ إلى الحل الكوربوراتي الصوري الذي يعني الهيمنة عن طريق استعمال بنى تنظيمية ملحقة بأجهزة الدولة لفرض الولاء والرقابة على التمثيل، فالأولى استعملت الوراثية الأبوية

(24) Manochehr Dorraj, "Populism and Corporatism in the Middle East and North Africa: A Comparative Analysis," Chinese Political Science Review , vol. 2, no. 3 (September 2017), pp. 288–313. (25) Ehteshami & Murphy, p. 757. (26) Jang, p. 85. (27) Ayubi, p. 191.

((2(ظاهرة لامدنية المجتمع المدني، هي ظاهرة جرَت دراستها في بلدان أوروبا الشرقية التي عرفت انتقال من الشيوعية إلى

الديمقراطية والليبرالية، لكن مع بقاء هيمنة الدولة وعدم فاعلية المجتمع المدني، وهي تشير إلى اختراق عميق للدولة في ثنايا المجتمع، أو ظهور توجّهات قومية وعنصرية غير مدنية، ومن بين الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة:

Petr Kopecký & Cas Mudde, Uncivil Society? Contentious Politics in Post–Communist Europe (London/ New York: Routledge, 2003), p. 11.

وعلى مستوى العالم العربي، يُنظر:

Maha Abdel Rahman, "The Politics of ‘Uncivil’ Society in Egypt," Review of African Political Economy , vol. 29, no. 91 (March 2002), pp. 21–35. (29) Raymond Hinnebusch, "Toward a Historical Sociology of State Formation in the Middle East," Middle East Critique , vol. 19, no. 3 (September 2010), p. 207. (30) Ibid., p. 202.

Patrimonialism والتوريث لوضع حد للصراع على السلطة، لكن مسار الدولنة، بمفهوم نيتل، تحوّل إلى مسار لشخصنة نظام الحكم Regimes Personalist. أما الاستراتيجية الثانية، فقامت بتوسيع العائلة الملكية وحوّلتها إلى ما يُشبه الحزب الواحد. وفي نهاية الأمر، أصبحت النظم الجمهورية أقل اندماجية باعتمادها معايير إقصائية في تجنيد النخبة، بينما أصبحت النُظم الملكية أكثر اندماجية منها في توزيعها مزيدًا من الرَيع على الطبقات الوسطى.

3. الاقترابات النظرية للتسلطية الكوربوراتية في المنطقة العربية

طرحت الأدبيات المتعلقة بالمنطقة العربية العديد من التفسيرات حول استدامة التسلطية وعوائق الديمقراطية، التي لا تكاد تخرج عن ثلاثة تقاليد تفسيرية: أولً، التقليد البنيوي الذي يدين بكامل تراثه إلى جزء كبير من الاجتهادات التي تدور حول التحليل الطبقي، في غياب طبقة مهيمنة وضعف الطبقة الوسطى وغموض وضعها وضآلة الطبقة البرجوازية في هذه المجتمعات، حيث يرى بارينغتون مور استحالة التحوّل الديمقراطي من دون طبقة برجوازية تأخذ زمام الأمور من الطبقات الأرستقراطية التقليدية في مجال الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، أو لغياب الشروط الاقتصادية الموضوعية لقيام الديمقراطية، كما يرى مارتن ليبست. والتقليد الثاني نجده في التفسير الثقافوي الذي تتعدد تحليلاته التي تنطلق من مفهوم ماكس فيبر حول السلطانية والإرثية في العالم الإسلامي، وكيف تسود في الثقافة السياسية علاقة الزبونية والمحاسبية، وعلاقة السيد بالزبون، والشيخ بالمُريد، وأنها تقوم على نوع من الثقافة الأبوية، تسمح باستدامة النظم التسلطية الأبوية في المنطقة، كما جاء عند هشام شرابي. ويبدو التقليد الثالث حديثًا نسبيًا، لكنه لا يكاد يبرز بوضوح، حيث لا يزال في بواكيره

النظرية ولم ينضج بعد؛ إنه التفسير القائم على التفسير العقلاني لنماذج الفعل ومساراته المؤسسية والبنيوية، ومحاولة صياغة رؤية تكاملية تجمع بين البنية والفاعل والمصلحة. وفي هذا الصدد، لم تعُد الكوربوراتية التسلطية مجرد نظام سياسي، أو مجرد نمط أو بنية، بل هي نسق فعلٍ مركب من

(31) Nettl, p. 591. (32) Hinnebusch, "Toward a Historical Sociology of State Formation in the Middle East," p. 209. (33) Barrington Moore, Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World , vol. 268 (Boston: Beacon Press, 1993), p. 418. (34) Seymour Martin Lipset, "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy," American Political Science Review , vol. 53, no. 1 (1959), pp. 69–105. (35) Juan José Linz, Totalitarian and Authoritarian Regimes (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2000); Zenonas Norkus, "Max Weber’s Interpretive Sociology and Rational Choice," Rationality and Society , vol. 12, no. 3 (August 2000), pp. 259–282.

(((3 عبد الله حمودي، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، ط 4 (الدار البيضاء: دار توبقال،.)2010 (((3 هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط 3 (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1984)؛ هشام شرابي، النظام الأبوي

وإشكالية تخلّف المجتمع العربي، ترجمة محمود شريح (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1992

(38) Hinnebusch, "Toward a Historical Sociology of State Formation in the Middle East"; Raymond Hinnebusch, "Change and Continuity after the Arab Uprising: The Consequences of State Formation in Arab North African States," British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 42, no. 1 (2015), pp. 12–30.

الأبعاد الثلاثة المشار إليها (شعبوية وأنوقراطية الحكم، لامدنية المجتمع المدني وريعية الاقتصاد واحتكار الدولة له) (ينظر الشكل) التي تحتوي بدورها على مخرجات أزموية تضع حدودًا للتحوّل

الديمقراطي. شكل يوضّح مركّب الدولة الكوربوراتية التسلطية

المصدر: من إعداد الباحث.

ثانيًا: الدولة والهيمنة بالكوربوراتية في الجزائر: من الشعبوية إلى الأنوقراطية

يمكن رصد تطور بنية سلطة الدولة الجزائرية من خلال المسار التاريخي لنشأتها، فبعد نيلها الاستقلال في عام 1962، ورثت تركة الدولة الكولونيالية الفرنسية الخاصة بالمؤسسات والأملاك، حيث مثّلت استمرارية إدارية وتنظيمية في مجال الثقافة السياسية وذهنية التسيير مع نفوذ الفرنسية في الإدارات العليا المدنية والعسكرية، وتكاد تتشابه الدول العربية التي خضعت للاستعمار في هذه الخاصية. لكن هيمنة المؤسسة العسكرية، منذ البداية، مثّلت مسارًا مؤسسيًا نحو هذه التسلطية الشعبوية، ونحو نظام

عسكري تسلطي ذي واجهة مدنية، من خلال انتصار هيئة أركان جيش الحدود برئاسة هواري بومدين وطرده الحكومة المؤقتة برئاسة بن يوسف بن خدة في صيف 1962. وواجهت الحكومة الجديدة برئاسة أحمد بن بلّة، المدعومة من جيش الحدود، بعض الخصومات السياسية التي سرعان ما جرى إخمادها وفرض الأمر الواقع. وعزز سيطرتها على المجتمع سياساتها ذات الطابع الشعبوي في الخطاب والممارسة، القائمة على الانغلاق والنرجسية الوطنية، واتهام المعارضين بالعمالة للخارج، ونسبة فشل السياسات إلى الأيادي الخارجية.

1. المؤسسة العسكرية الجزائرية وتشكّل الهيمنة السياسية

تمكّنت القوة العددية والتسليحية والتنظيمية لجيش الحدود، الذي كانت تقوده «نخبة وجدة»، من السيطرة على مقاليد الحكم وتفكيك المعارضة العسكرية والسياسية التي مثّلتها كل من الولاية الرابعة والثالثة، ثم سائر المعارضة السياسية الحزبية الناشئة؛ ما سمح لنظام بن بلّة بتوطيد أركان التسلطية الفردية القائمة على نموذج الحزب الواحد ونفوذ المؤسسة العسكرية، وضمن التوجّه الأيديولوجي

للاشتراكية التي كانت تتوافق مع فلسفة جبهة التحرير ذات التقاليد اليسارية، إضافة إلى ارتباط النظام الجديد وتحالفه مع الناصرية في مصر وتأييده وانضمامه إلى محور عدم الانحياز، واختياره النهج

(((3 ساعد في توطيد هذه الشعبوية ما قبل الاستقلالية الخطرُ الخارجي الجديد الذي مثّلته مملكة المغرب ومطالبتها بمزاعم ترابية،

فحرب عام 1963، مع المغرب، انتهت إلى تسويات داخلية في ما بعد، مثّلت مرحلة في بناء الدولة الجزائرية، وقد ساهم ذلك في

إضعاف واختفاء كل الحركات الاحتجاجية والعسكرية التي بدأت تنشأ نتيجة النزعة الكاريزمية والزعاماتية لشخصية الرئيس بن بلة، ثم هواري بومدين.

الاشتراكي وتحالفه مع الاتحاد السوفياتي، مع بقاء علاقات براغماتية مع الغرب والولايات المتحدة. لكنّ تناقضات هذا النموذج التسلطي تجسّدت أيضًا في إلغاء إمكان التعددية الحزبية، مع الإبقاء على المؤسسات السياسية التمثيلية للبرلمان، فترة وجيزة، بين عامي 1963 و 1965، ومحاكاة النظام الدستوري الفرنسي نصف الرئاسي بوجود سلطة تنفيذية قوية لرئيس منتخب، رسّخ هيمنة المؤسسة الرئاسية على سائر المؤسسات الأخرى من الناحية الشكلية الدستورية، ورسّخ نفوذ الجيش وسيطرته على سائر المؤسسات والقطاعات الحكومية والخدمية. لكن النزعة الشخصية والزعامية لشخصية بن بلّة، واحتكاره عدة مناصب وزارية، ومحاولة استبعاده قادة جيش الحدود، ومحاولة إقالة وزير دفاعه هواري بومدين، جعل الأخير يسرع إلى إطاحته، من خلال الاستعانة بحلفائه السياسيين وفريق رئاسة الأركان الذي يدين له بالولاء. ترتب على هيمنة المؤسسة العسكرية أن أصبحت هي المؤسسة التي تنفرد بتعيين الرؤساء، من دون أن تكون في الواجهة، باستثناء حالات محدودة: بعد انقلاب عام 1965، المسمى بالتصحيح الثوري، ضد الرئيس بن بلّة، والتدخل العسكري في عام 1992 ضد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإيقاف المسار الانتخابي.

2. المؤسسة الرئاسية من الشعبوية التسلطية إلى الأنوقراطية

فتحت مرحلة حكم بومدين مرحلة من التسلطية الشعبوية، مدعّمة بالمؤسسة العسكرية، فقد برزت مؤسسة المخابرات العسكرية في عهده باعتبارها مؤسسة نافذة في الحكم، يديرها أقرب الشخصيات وأكثرهم ثقة لديه، تسيطر وتراقب كل التعيينات في المراتب السامية، وتحوَّل الحزب الواحد إلى جهاز للتعبئة وتنفيذ أوامر القيادة العليا للرئاسة. لكن بعد وفاته وتولّي الرئيس الشاذلي بن جديد الرئاسة، بتوصية من المؤسسة العسكرية، شهدت الجزائر مرحلة من التكيّف والتأقلم مع المحيط المحلي

والدولي والتراجع عن الخيار الاشتراكي، من دون مضامينه الشعبوية، لكن حفّزت الصدمة النفطية التي بدأت في عام 1986، وأحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1989، النظام السياسي الشعبوي كي يدخل مرحلة التعددية مع تبنّي دستور عام 1989 الذي كان فرصة للنظام ليتحوّل من الأنوقراطية المنغلقة ذات النزعة الشعبوية الاشتراكية إلى الأنوقراطية المنفتحة بالسماح بالتعددية الحزبية وتحوّل حزب الدولة السابق

(((4 يؤكد دارسون كثيرون أن هذا النفوذ الذي تختص به المؤسسة العسكرية هو الذي يرسم المشهد السياسي للكثير من دول المنطقة ذات النظام العسكري والواجهة المدنية، يُنظر: نوري دريس، «الجيش والسلطة والدولة في الجزائر: من الأيديولوجيا

الشعبوية إلى الدولة النيوباترمونيالية»، سياسات عربية، العدد 35 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2018)، ص 34–27، شوهد في 2021/6/22،

في: U 0 Snwn /2 ly. bit:// https؛ ناصر جابي، «الحالة الجزائرية»، في: نيفين مسعد (محرر)، كيف يصنع القرار في الأنظمة العربية:

دراسة حالة الأردن – الجزائر – السعودية – السودان – سورية – العراق – الكويت – لبنان – مصر – المغرب – اليمن (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 142–81. ومن الجدير ذكره، في هذا السياق، أن ستيفن كوك يرى أن النظام الجزائري والمصري والتركي ليست أنظمة عسكرية بالمعنى الأميركي اللاتيني، بل هي أنظمة ذات هيمنة عسكرية، يُنظر:

Steven A. Cook, Ruling but Not Governing: The Military and Political Development in Egypt, Algeria, and Turkey (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2007), p. 15.

(((4 جابي، ص.83

إلى أحد الأحزاب المتنافسة التي سرعان ما تنتكس فيها الوضعية نحو تسلطية شديدة أو أنوقراطية منغلقة، أو تتقدم بخطوات قليلة نحو أنوقراطية منفتحة، تقترب من النظم الهجينة والقريبة من الانتقال الديمقراطي. وحافظت الأنوقراطية الجزائرية الجديدة على مجموعة من الثوابت التسلطية، تتمثل في الطابع الرئاسوي Presidentialist المشوّه من النظام النصف الرئاسي الفرنسي Semi–presidentialist،

حيث يملك رئيس الجمهورية صلاحيات حكم واسعة، غير قابلة للتقييد والمحاسبة دستوريًا. وعلى الرغم من وجود صلاحيات شكلية للمؤسسات السياسية الأخرى، مثل البرلمان والقضاء، فإن هذه البنية المؤسساتية بعيدة عن كونها تعكس التعددية المؤسسية وتعددية قوى القرار السياسي بمفهوم البولياركية Polyarchy عند روبرت داهل؛ لأنها ضعيفة الصلاحيات ومحدودة الاستقلالية. بل حتى المؤسسة الرئاسية التي تنحصر فيها القوة الرمزية للنظام السياسي ومركزيته من الناحية الرسمية، تبقى تحت رحمة سلطة المؤسسة العسكرية، وتحت تأثير القوى غير الدستورية للدولة العميقة المُشكّلة

من الرسميين النافذين. لكن أدت هذه الاستراتيجية السلطوية إلى الوقوع في الأزمة مجددًا، في عام 1992، بفوز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات البرلمانية، بعد فوزه في الانتخابات البلدية قبل عام؛ ما أدى إلى تدخل الجيش وإلغاء المسار الانتخابي، بهدف إعادة سيطرة الدولة الكوربوراتية على زمام الأمور. ومن أجل إعادة فرض شرعية النظام عن طريق الانتخابات، صمّم النظام السياسي الجزائري مجموعة من التشريعات

القانونية والسياسات انطلاقًا من انتخابات عام 1995 بانتخاب اليامين زروال، اللواء السابق في الجيش، رئيسًا للجمهورية، وسُن دستور جديد في عام 1996، استُحدِثَت فيه مجموعة من المؤسسات التي تهدف

إلى السيطرة على المعارضة البرلمانية وزيادة تعزيز السلطة الرئاسية، بإنشاء مجلس الأمة ومنح الرئيس

((4(اخترنا مصطلح الأنوقراطية، لوصف وضعية النظام الانتقالية بين التسلّطية التقليدية والجديدة التي أدخلت إص حااات ديمقراطية، وتعني نظامًا لم تكتمل فيه الديمقراطية، أو يشهد مرحلة من الديمقراطية الزائفة أو الشكلية أو ديمقراطية الواجهة. إن

السمة المشتركة لكل الأنظمة غير الديمقراطية التي تقع في مرحلة انتقالية أو وضعية وسطية بين التسلّطية المنغلقة والديمقراطية هي استعمال المنظمات والتنظيم من أجل السيطرة والبقاء السياسي الذي له أولوية على توسيع المشاركة السياسية، إنه تنظيم تفرضه الدولة على المجتمع، ولا يفرضه المجتمع على الدولة، من أجل توسيع المشاركة وإبراز مطالب جديدة. ((4(حول طبيعة الأنظمة الأنوقراطية باعتبارها نمطًا متكيّفًا من الأنظمة التسلطية يحاول الانتقال نحو الديمقراطية، ينظر:

Norman Schofield & Maria Gallego, "Autocracy and Anocracy," in: Gonzalo Caballero (ed.), Institutions, Economic Governance and Public Policies (Stanford: Hoover Institution, 2011); Josep M. Colomer, David Banerjea & Fernando B. de Mello, "To Democracy through Anocracy," Democracy & Society , vol. 13, no. 1 (2016), pp. 19–25.

((4(أكدت الدساتير الجزائرية المت حااقة: 1963، 1976، 1989، 1996، 2008، 2020، هذا الطابع وحرص المشرع وصاحب السلطة على بقاء هذا الطابع الدستوري بشأن وجود صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، مع ازدواجية السلطة التنفيذية، وعدم استقلالية القضاء والسلطة التشريعية. (((4 يمثل هذا أحد ملامح النظام التسلّطي العسكري ذي الواجهة المدنية، الذي يشهد مرحلة انتقالية طويلة وغامضة المعالم منذ تسعينيات القرن العشرين. وفي هذا الصدد، يرى دال أنّ جوهر الديمقراطية من الناحية العملية يكمن في تعدد مراكز القرار السياسي، لكن مع سيطرة الجيش ومركزيته وهيراركيته تكون البولياركية غير ممكنة من دون ابتعاد الجيش عن السياسة وتمكين الحكم المدني. يُنظر:

Robert Alan Dahl, Polyarchy: Participation and Opposition (New Haven: Yale University Press, 1998), p. 50.

صلاحية تعيين ثُلثه وتحوّله إلى مؤسسة تضبط إيقاع البرلمان. ومع ذلك، ألقت الأزمة الأمنية بتأثيرها على المشهد السياسي، وانتهت باستقالة الرئيس زروال في أيلول/ سبتمبر 1998، ليقترح الجيش شخصية عبد العزيز بوتفليقة لتولّي الحكم عن طريق انتخابات رئاسية في عام 1999، انسحب فيها المرشحون المنافسون له بسبب ما سمّوه انحياز الإدارة إلى مصلحة مرشح الجيش. تحوّلت المؤسسة الرئاسية إلى مركز للقرار السياسي في عهد بوتفليقة، وتمكّن تدريجيًّا من التعامل مع

سطوة المؤسسة العسكرية وتصفية منافسيه المحتملين فيها، بعد دخوله إلى الساحة السياسية بمشروع المصالحة الوطنية الذي كان مشروعًا موضوعًا على الطاولة، تم إعداده في فترة الرئيس زروال. لكنه، كعادة غيره من رؤساء الجمهورية، قام بمجموعة من التعديلات الدستورية، حتى تتناسب مع طموحاته في صلاحيات واسعة جدًّا، على حساب المؤسسة البرلمانية التي لم تحظَ باهتمام كبير منه. وأعاد تقليد الحكم الرئاسوي في السياسات الشعبوية، لكن ضمن سياق للأنوقراطية المنفتحة والمتناسبة مع ظروف الخروج من حالة أمنية حساسة، سُمّيت «العشرية السوداء»، وإعادة بسط هذا الحكم عن طريق تفعيل جهاز البيروقراطية الحكومية والأمنية. وعلى الرغم من الانفتاح الجزئي للحريات الإعلامية

والسياسية المحدودة في بداية العهدة الأولى والثانية، فإنه أ ضعَف الحركات الحزبية المعارضة، وتمكّنَ من تفعيل جهاز كوربوراتي شبيه بنموذج الكوربوراتية العضوية التقليدية، قائم على تقديم الموارد إلى شبكة واسعة من الزبائن في المنظمات الحزبية والنقابية والجمعيات التي تحوّلت إلى لجان مساندة لحكمه. ولم تعد الأحزاب السياسية المتحالفة في الحكومة تتميز من بعضها بهويتها الحزبية والبرنامجية، بقدر ما كانت امتدادًا لجهاز الهيمنة الكوربوراتية تحت شعار: التحالف الرئاسي وتطبيق برنامج الرئيس، بدلً من أن يطرح كل حزب برنامجه السياسي الخاص به. وتوسّعت شبكة الولاء الكوربوراتية القائمة على تمثيل الحصص «الكوتا» وتوزيع الغنائم إلى كوكبة من الأحزاب الصغيرة الموالية للرئيس، إضافة إلى الأحزاب المتحالفة في الحكومة. وساهم هذا التمفصل بين الأنوقراطية والكوربوراتية في تشكيل تحالف من المنظمات الحزبية وجمعيات ما يسمّى المجتمع المدني، كان بمنزلة حزب مهيمن واحد. وذلك تمامًا وفق التوصيف الذي عرضه ماسن وكريغ: «تمثل البنى الكوربوراتية التي ترعاها الدولة الوسائل التي يتفادى بها الحزب المسيطر ظهور منظمات اجتماعية مستقلة يمكنها تحدي سلطتها أو توفير قاعدة دعم منظمة للأحزاب المتنافسة».

(((4 دستور عام 1996، المواد: 98، 101 و.120 (((4 وزير الخارجية السابق في عهد الرئيس هواري بومدين. (((4 من اللافت للانتباه أنّ الرئيس بوتفليقة لم يُلق خطابًا واحدًا في البرلمان طوال فترة حكمه. (((4 قُبيل تنصيبه رئيسًا وبعده، جرت تغييرات في قيادة حزب جبهة التحرير الوطني، وجرى التخلص من قائده، عبد الحميد مهري،

الذي يحظى بشعبية واسعة، ونُصّب بوعلام بن حمودة أمينًا عامًّا له، في عملية إطاحة قيادته سُمّيت المؤامرة العلمية. ثم تسلّم القيادة

بعده: علي بن فليس الذي كلّفه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة برئاسة الحكومة، وسرعان ما عُزِل عن رئاسة الحزب بعد إعلانه الترشّح

للانتخابات الرئاسية ومنافسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (عام 2005)، ليخرج بن فليس من الحزب ويُعلن عن تأسيس حزب معارض

تحت اسم «طلائع الحريات.»

(50) T. David Mason & J. Michael Greig, "State Capacity, Regime Type, and Sustaining the Peace after Civil War," International Interactions , vol. 43, no. 6 (2017), p. 51.

الحزبي عبر ثلاث مراحل: إعادة هندسة النظام الحزبي، وتحويله إلى نظام الحزب المهيمن. 1. السيطرة على الأحزاب السياسية من الداخل. 2. تحوّلها إلى أحزاب احتكارية ضعيفة الصلة بالمجتمع المدني.

الإسلامية، باعتبارها المنافس المحتمل لأحزاب النظام.

النسبة المئوية

سنة

مقاعد نسبة

مؤشر
التجزئة
المستقلون
(النسبة
المئوية)
الأحزاب
الصغيرة
(النسبة
المئوية)
الديمقراطيون
(النسبة
األمئوية)
الإسلاميون
(النسبة
المئوية)
النسبة المئوية
لمقاعد جبهة
التحرير +
التجمع الوطني
الديمقراطي
(أرندي)
نسبة
مقاعد
جبهة
التحرير
في
البرلمان
مقاعد
جبهة
التحرير
سنة
الانتخابات
4.13321127570.16621997
3.2581621630.511992002
5.528111315510.351362007
3.7647913620.482202012
5.38681211560.351642017

المصدر: من إعداد الباحث، بناءً على معطيات الانتخابات.

3. كرتلة الأحزاب السياسية: النزعة الاحتكارية لإضعاف المعارضة السياسية

توطّدت ملامح الدولة الكوربوراتية التسلطية وترسّخت في فترة رئاسة عبد العزيز بوتفليقة، من خلال تطويره أساليب تسلطية بتكريس الانتخابوية الإجرائية الخالية من أي مضمون دستوري ديمقراطي، على نحو تحكمه ثلاث آليات للاحتكار والهيمنة، أدّت إلى انتشار المنطق الكوربوراتي في النظام

3. تظهر السمة الاحتكارية الأولى بهندسة انتخابية وحزبية متحك م في مخرجاتها، أفرزت نظامًا حزبيًا

مُهيمنًا System Party Dominant يسيطر عليه حزبَا الإدارة والموالاة: جبهة التحرير الوطني، الحزب

الواحد سابقًا، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي أُسّس في عام 1997، وتصدّر الفوز في

الانتخابات التشريعية في العام نفسه، أمام الاتهامات المثارة حول عملية التزوير الواسعة التي فاز فيها هذا الحزب بأغلبية المقاعد. وفي كل مناسبة انتخابية، تشكو الأحزاب السياسية المعارضة من وجود تحيّز واضح من الإدارة لمصلحة حزبَي السلطة هذين. وهذا يكشف عن وجود تكيّفات في النزعة

الكوربوراتية للدولة ذات النظام التسلطي الأنوقراطي، بتحول الهيمنة في المجال السياسي إلى تنافس سياسي محدود، ليست فيه قابلية فعلية للتناوب على السلطة، مع زيادة تشتيت الأحزاب السياسية عن طريق النظام الانتخابي التناسبي؛ ما أدى إلى إضعاف المعارضة السياسية وإذلالها في المنافسات الانتخابية. ويوضح الجدول هذه الهيمنة على مستوى الانتخابات التشريعية، مع تراجع قوة الأحزاب

جدول بنتائج الانتخابات التشريعية بين عامي 1997 و 2017

الإسلاميون الديمقراطيون الأحزاب المستقلون مؤشر

في المرحلة الثانية، توسعت هذه الآلية الكوربوراتية التسلطية لتشمل إخضاع كل الأحزاب للسلطة الرئاسية والمركز السياسي؛ فقد استعمل النظام الأنوقراطي آليات التحويل، بمفهوم غرامشي، ليتحوّل

كثير من المعارضين إلى موالين، وذلك بإضعاف النواة الصلبة للمعارضة الحزبية داخل الأحزاب، بتفجيرها من الداخل، عن طريق «حركات تصحيحية» مسّت الكثير من الأحزاب السياسية والتجمعات

النقابية، وذلك بتغيير القيادات التي تستعصي على الخضوع وشراء مواقفها بموالين جدد. ومن ثم،ّ تحوّلت إلى أحزاب موالاة رسمية وغير رسمية، خاضعة لهيمنة الأجهزة الأمنية والمؤسسة الرئاسية،

وتحوّلت الحياة السياسية الحزبية في الجزائر إلى مجموعة متنوعة من الأحزاب تشكّل حزبًا واحدًا

هو «حزب الرئيس»، ينادي بتطبيق برنامج رئيس الجمهورية، سواء بالنسبة إلى التحالف الرئاسي الذي تشكل فترة طويلة من ثلاثة أحزاب: حزبَا السلطة: حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني

الديمقراطي، وحزب إسلامي يمثل الإخوان المسلمين؛ هو حركة مجتمع السلم «حمس». وحتى تلك الأحزاب التي ظهرت في البداية باعتبارها أحزابًا لها صدقية من النضال والمعارضة الحزبية

والتوجه الأيديولوجي، تحوّلت تدريجيًّا إلى أحزاب مساندة للمؤسسة الرئاسية. واستغرب كثير من

الملاحظين كيفية تأييد أحزاب كثيرة من المعارضة مشروع العهدة الثالثة للرئيس بوتفليقة، ولم تعترض على التعديل الدستوري الذي أدخله؛ إذ يعلّق ناصر جابي على ذلك، بقوله إنه حدث أدى إلى تطويع الأحزاب السياسية، حيث «تحول جل الأحزاب السياسية في العلاقة مع السلطة الفعلية إلى ما يشبه العلاقة القديمة مع حزب جبهة التحرير في ظل الأحادية». لقد تمدّدت الكوربوراتية لتشمل التدخل في الشأن الداخلي للأحزاب السياسية عن طريق الاختراق والحركات التصحيحية؛ ما أدى في نهاية الأمر إلى تعزيز سيطرة السلطة على التنظيمات الحزبية. لكن هذا لم يُعزّز قوة مأسسة الدولة، وما يتضمن ذلك من استقلالية السلطات بعضها عن بعض

وحكم القانون واستقرار الدستور وحيادية الهندسة السياسية والإصلاحات الإدارية، بقدر ما كان أداة من أدوات بقاء النخبة الحاكمة التي أصبحت تتدخل حتى في من يحق له تولّي المناصب القيادية حتى داخل الأحزاب السياسية الكبرى. تمّت الآلية الكوربوراتية التسلطية الثالثة بتحول الأحزاب السياسية إلى أحزاب احتكارية Cartel

Party انتخابية، وكانت إحدى وسائل تعميق هذه «الكرتلة» الحزبية مجموعة من التشريعات والقوانين

(((5 انضمّ إلى هذا التحالف الرئاسي في عهد الرئيس بوتفليقة أحزاب أخرى، مثل حزب تجمع أمل الجزائر «تاج»، المنشق عن

حزب حركة مجتمع السلم، وحزب الحركة الشعبية الجزائرية بقيادة عمارة بن يونس، المنشق عن حزب التجمع من أجل الثقافة

والديمقراطية المعروف اختصارًا بالأرسيدي، ولاحقًا حزب حركة البناء، المنشق عن «حمس» أيضًا.

(((5 من أجل أن يستمر في عهدات متواصلة ومفتوحة وأبدية، لولا المرض الذي اعترضه في عام 2014، وأوقع الب داا في فراغ

سلطوي غير رسمي أدى إلى انفجار الوضع مع مشروع العهدة الخامسة واندلاع الحراك الشعبي المعارض له الذي أعطى القيادة

العسكرية فرصةً ممثلة في نائب وزير الدفاع وقائد الأركان القايد صالح لفرض حالة شغور منصب الرئيس، ومن ثمّ إسقاط حكم

الرئيس وشقيقه مستشار الرئاسة الذي كان يمثل الحاكم الفعلي في أثناء مرض الرئيس. (((5 جابي، ص.143 (((5 لعل عبد الله جاب الله، يُعتبر أهم شخصية سياسية حزبية كانت ضحية لهذه الحركات التصحيحية، فقد انقلب عليه قادة

حزب النهضة الذي كان يرأسه، ليؤسس من جديد حزب الإص حاا، الذي بدوره انقلب عليه قادته، ليشكل من جديد حزب العدالة والتنمية الذي يقوده حاليًّا.

والممارسات التي شجّعت على تقوية مركز القيادات الحزبية في تعيين المرشحين المرغوب في أن

يكونوا على رأس القوائم في الانتخابات التي تقوم على نظام القائمة المغلقة. فحوّل هذا الأمر الكثير

منها إلى ماكينات انتخابية تستقطب رجال المال، ومن يدفع أكثر، ومن هو أقرب إلى شبكة الولاء المركزية في الحزب كي يحظى بالمركز الأول في القائمة الانتخابية. وتوسّعت شبكة الزبونية بهذا

الوضع لتشمل أغلبية الأحزاب السياسية.

ثالثًا: الدولة والهيمنة الاجتماعية: كوربوراتية الدولة والمجتمع اللامدني

ما يميز النُظم التسلطية الكوربوراتية هو توظيف الجانب التنظيمي لتمثيل المصالح في الهيمنة على منظمات المجتمع المدني، وإخضاعها له، كما يرى غاليرمو أودونيل، ويكون ذلك على حساب تعزيز الوحدة والتكامل الاجتماعيين. ففي سياقات مختلفة، خصوصًا في الدول العربية، غالبًا

ما تؤدي هذه السياسات إلى تشجيع مظاهر الانقسام الاجتماعي بصراعيّته المُفتّتة والهدّامة، مثل

تصاعد أعمال العنف المحلية على خلفيات طائفية وإثنية، وضمور نفوذ منظمات المجتمع المدني المستقلة والمعارضة لسيطرة الدولة التسلطية، وظهور المنظمات الموالية للسلطة والداعمة لحملات الرئيس في إعادة ترشيحه، واتّسامها بقدر كبير من الشوفينية القطرية أو الوطنية. وينطبق تشخيص بيتر ويليامسن بشأن الكوربوراتية التسلطية إلى حد بعيد على الحالة الجزائرية؛ فهو يرى أن هدف الأنظمة الكوربوراتية (التسلطية) هو خلق نقابات احتكارية مرخّصة من الدولة، لا تعكس تمثيلً ديمقراطيًا في

هيكلها التنظيمي، ولا مفتوحًا لجميع العمال، وعادة ما يتم تعيين الممثلين من المسؤولين الأمنيين

والبيروقراطيين الحكوميين، وحتى المثُل التي تدعو إليها الكوربوراتية بالتضامن الأخلاقي لا تجد صدى له في الواقع الذي تتحوّل فيه النقابات إلى امتداد لأذرع الحكومة؛ تساعدها في التحكم في

حركات الإضراب العمالية وفي خفض الأجور الفعلية والحيلولة دون المطالبة بارتفاعها. لكن هذه السيطرة لا تتسم بالاكتمال والقوة على الطريقة الشمولية Totalitarianism؛ فنتيجة لاحتكار الدولة هذا المجال من المجتمع اللامدني، تنفجر الحركات الاحتجاجية على هامش المشهد السياسي الرسمي، وتكون محلية الطابع وقابلة للانتشار وطنيًا. وفي هذا الصدد، عرفت الجزائر العديد من

الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، منذ بداية الاستقلال حتى بداية الحراك الحالي منذ عام 2019،

(((5 انتبه كاتز ومايير، المتخصصان في دراسة التنظيمات الحزبية، إلى تغيّر طبيعة الأحزاب السياسية ووظيفتها، وتحوّلها من

أحزاب جماهير إلى أحزاب آلة، ثم إلى أحزاب كارتيل أكثر اهتمامًا بالانتخابات، والحصول على المناصب الحكومية، والدعم

المالي الحكومي؛ ما جعلها أقرب إلى السلطة من المجتمع المدني، وهو مسار يعكس زيادة في الاحترافية السياسية وتراجع النزعة النضالية في الأحزاب، حيث يرى كاتز ومايير أنها ظاهرة عالمية لم تعُد تقتصر على المجال الأوروبي. ينظر:

Richard S. Katz & Peter Mair, Democracy and the Cartelization of Political Parties , Comparative Politics (Oxford: Oxford University Press, 2018); Richard S. Katz & Peter Mair, "Changing Models of Party Organization and Party Democracy: The Emergence of the Cartel Party," Party Politics , vol. 1, no. 1 (1995), pp. 5–28. (56) Guillermo A. O’donnell, Modernization and Bureaucratic–Authoritarianism: Studies in South American Politics , vol. 9 (Berkeley: Institute of International Studies/ University of California, 1973), p. 91. (57) Peter J. Williamson, Corporatism in Perspective: An Introductory Guide to Corporatist Theory (London: Sage, 1989), p. 36.

لكن النظام السياسي تمكّن من التعامل معها واكتسب نوعًا من التنشئة الاجتماعية تجاه تطويع هذه الحركات الاحتجاجية واستيعابها.

1. الدولة الكوربوراتية والتصدعات الاجتماعية وإدارة الحركات الاحتجاجية

تتناسب كوربوراتية الدولة التسلطية مع الطبيعة الاجتماعية والثقافة السياسية الفرعية في هذه المجتمعات التي تتسم بالولاءات الأولية العائلية والقبلية والعشائرية والمحلية، والتي تضعف كل مساعي تمدين الحياة السياسية من الأحزاب السياسية. وستعتمد الدولة في هذه الوضعية نوعًا من الكوربوراتية العضوية الضعيفة المأسسة، لكنها فعالة في السيطرة الاجتماعية على المجتمعات التي تعطي أولوية للحفاظ على نوع من الجماعاتية. وتنجز ذلك، من دون أن تُلغي الفردوية بالضرورة وتطوّرها مع تطور الحياة الحديثة في المدن وتوسع الطبقات المتوسطة وعولمة أنماط الحياة، بل

تكون فيها هذه الثقافة المجتمعية ضعيفة، خصوصًا المجتمعات في الشرق الأوسط والجزائر، وتنتمي

إلى ذلك النمط الذي يعطي أولوية للجماعية التقليدية على حساب المواطنة والفردية، التي تتعدد تشكيلاتها الاجتماعية وتتنوّع، وتشكّل في بعض الأحيان عائقًا جديًّا أمام ممارسة المواطنة والمدنية.

فما زالت الجماهير الجزائرية مرتهنة بالثقافة السياسية الشعبوية التي توظف الذاكرة التاريخية لثورة التحرير ومنجزات دولة الاستقلال؛ إنها تُعطي أولوية للمساواة والعدل والأخلاقيات التقليدية الفردية على حساب القيم الأخرى المتعلقة بالانضباط والإنجاز والمصلحة العامة، وتُحبّذ العلاقة المباشرة

بين الزعيم والشعب، وتستند هذه الشعبوية إلى تعبئة الحسّ الوطني والرموز الوطنية الثورية. تعيش الجزائر مجموعة من التصدّعات الاجتماعية، تعكس الصراع بين المركز والأطراف؛ حيث يحاول المركز السياسي التسلطي أن يفرض نوعًا من الثقافة السياسية المهيمنة، تفتقر إلى الوضوح والانسجام. وحتى البعد الأيديولوجي، يغيب لتحلّ محلّه ذهنية الحكم، كما يرى خوان لينز في تفريقه بين النظم الشمولية والنظم التسلطية، ويدير في الوقت نفسه التوازنات بين الجهات والجماعات الضاغطة والعصب والأجنحة الفرعية المختلفة التي تعكس هذه التصدّعات الاجتماعية والاستقطابات الأيديولوجية والجهوية.

(58) Azzedine Layachi, "People’s Democratic Republic of Algeria," in: Sean Yom (ed.), Government and Politics of the Middle East and North Africa (New York: Routledge, 2017), p. 330. (59) Linz, p. 162.

((6(نجح النظام السياسي في توظيف الانقسامات والحركات الاحتجاجية والسياسية التي تعكس ث ثااة تصدّعات اجتماعية

سياسية على الأقل: التصدّع اللغوي القائم بين المعربين والمفرنسين، والتصدّع الهوياتي القائم بين دُعاة ترسيم الأمازيغية ودُعاة

الحفاظ على مكانة العربية لغةً رسمية وحيدة، والتصدّع الديني العلماني القائم على مدى احترام الدولة مبادئ الإسلام وقيمه واحترام

القوانين مبادئ الشريعة الإس مااية، خصوصًا قانون الأسرة والميراث. وتُرجمت هذه التصدّعات الاجتماعية القيمية إلى تصدع

سياسي بين ثلاثة مشاريع على الأقل، تمثله ثلاث عائلات حزبية كبرى في الجزائر: العائلة الحزبية الأولى هي ما يسمى بالأحزاب

الوطنية التي تدور حول حزب جبهة التحرير الوطني الذي يحاول الإعلام والساسة المحنكون فيه أن يبدو حزبًا وسطًا ومحافظًا على

القيم الجزائرية، بعد أن كان حزبًا يساريًّا واضح المعالم في عقود تأسيسه الأولى، كحزب واحد، بعد أن كان جبهة كفاح ضد

الاستعمار. أمّا العائلة الحزبية الثانية، فهي عائلة الأحزاب الإسلامية التي تعكس التصدع الديني – العلماني بوضوح، وتتعارض

أهدافها الأيديولوجية مع العائلة الأولى والعائلة الثالثة التي هي عائلة الأحزاب الديمقراطية–العلمانية التي تؤكد علمانية الدولة شرطًا ضروريًّا لقيام الديمقراطية واستمرار الجمهورية.

يبرز نجاح النظام السياسي، نسبيًا، في إدارة الحركات الاحتجاجية وتحويل مطالبها الراديكالية من

خلال عدة محطات مختلفة، لعل أهمها احتجاجات 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988 التي حوّلها النظام

إلى استجابة سياسية؛ لاستحالة تحقيق مطالب اقتصادية لدولة تعاني أزمة اقتصادية بسبب تراجع إيرادات النفط في تلك الفترة وندرة السلع وتدهور الخدمات العامة. وتمكّن النظام، أيضًا، من احتواء حركة الاحتجاج الجهوية الخاصة بمنطقة القبائل التي تصاعدت إلى أعمال احتجاج عنيفة في عام 2000 (سُمّيت الربيع الأسود)، مرورًا بسلسلة من الحركات الاحتجاجية القطاعية والمحلية التي امتدت

من بداية الألفية الحالية حتى اندلاع أحداث الربيع العربي، وصولً إلى احتجاجات الحراك في عام 2019 التي كشفت عن تأكّل الشرعية وتقنيات السيطرة الكوربوراتية المختلفة.

2. الدولة الكوربوراتية التسلطية والمجتمع اللامدني لإضعاف المجتمع المدني

بعد إقرار التعددية الحزبية وحرية تشكيل الجمعيات في عام 1989، عرفت الجزائر تنوّعًا في الحركات

الجمعوية الخيرية، الدفاعية والنقابية والمهنية، لكن تمّ إضعافها لاحقًا عن طريق العديد من تقنيات

الإخضاع والرقابة. فقد أعيد الاعتبار إلى المنظمات الجماهيرية التابعة لحزب جبهة التحرير الوطنيُ، وأصبحت بمنزلة تنظيمات كوربوراتية تُهيمن على تمثيل المصالح الفئوية والنقابية، وتكاد تحتكر تمثيل هذه المصالح بالنسبة إلى علاقتها بالحكومة. وتمثل المركزية النقابية مثالً أوضح للهيمنة على التمثيل النقابي في جزائر التسعينيات وطوال فترة حكم الرئيس بوتفليقة (2019–1999)، وكانت في فترة الأحادية الحزبية امتدادًا لسيطرة الدولة والحزب على سائر الفئات الاجتماعية عن طريق ما يسمى المنظمات الجماهيرية الخمس. وحتى المنظمات المستقلة والمعارضة، تعرّضت لحملة من الإغراء

والإخضاع والتقسيم، من أجل إضعافها، إلى درجة أن بعضها كاد يختفي من المشهد. فإذا كان هناك هامش من المجتمع المدني تُمثّله بعض الجمعيات الأهلية والمحلية والنقابية والدفاعية، فهناك مجتمع لامدني موازٍ وموالٍ للسلطة أكثر تعبئة وتنظيمًا، توظّفه في دعم مرشح الرئاسة الموالي للسلطة

الحاكمة وتنّشط حملاته الانتخابية، مشكّل من شبكة واسعة من الجمعيات الولائية والوطنية التي تحظى بدعم مالي سخي من الإدارة المكلفة بالجمعيات والتابعة لوزارة الداخلية. يبرز المظهر الكوربوراتي في علاقة الدولة بالمجتمع من خلال محاولة النظام السياسي إلحاق كل التنظيمات المصلحية والجمعيات بأجهزة الدولة والإشراف الحكومي المباشر وغير المباشر عليها.

(((6 هي: المنظمة الوطنية للمجاهدين، والمنظمة الوطنية للنساء الجزائريات، والمنظمة الوطنية للفلاحين الجزائريين، والمنظمة الوطنية للشبيبة الجزائرية، والاتحاد العام للعمال الجزائريين. (((6 يسجل بعض السياسيين من خلال كتاباته، أن الدولة، من أجل محاولة إضعاف الحركات الإسلامية، نزعت شرعية حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأضعفت الأحزاب الإسلامية الأخرى؛ عبر إقحامها في لعبة الانتخابات والمشاركة في الحكومة، ومن خلال محاصرة العمل الخيري والاجتماعي، بإنشاء وزارة التضامن، حيث أضعفت – إلى حد بعيد – نشاط الجمعيات الخيرية الذي يُحسنه الإسلاميون.

يُنظر: عبد الرزاق مقري، «التحول الديمقراطي في الجزائر: رؤية ميدانية»، شوهد في 2021/6/6، في: http://cutt.us/aP2B

((6(عُدّل قانون الجمعيات الذي أُقرّ في فترة الرئيس بوتفليقة، حيث أثار العديد من الجدل، بشأن احتفاظ البيروقراطية الحكومية

والأجهزة الأمنية بالرقابة الكلّية على نشاط الجمعيات، والقيود القانونية الخاصة بتمويلها، وحصره في كيفيات ومصادر محدودة؛ بحيث تحوّلت معظم الجمعيات إلى متلقٍّ للإعانات الحكومية بصفة شبه حصرية، باستثناء الجمعيات الخيرية والدينية الخاصة

بالمساجد التي فتح لها الترخيص المقيد لجلب بعض التبرعات المالية للمساجد.

فهذه البنية التنظيمية تقترن بالتعبئة الشعبوية حول الوطنية والشرعية الثورية، وتقترب من تحليل أودونيل للنُظم التسلطية في أميركا اللاتينية التي تستعمل التنظيمات البيروقراطية المتخصصة من أجل السيطرة على المجتمع. لذا، يؤيد نزيه الأيوبي الفكرة المتمثّلة بأنّ هذا النوع من التنظيم المصلحي تستعين به هذه الأنظمة الشعبوية بصفته ضرورة لبقائها، وليس مرتبطًا بالضرورة بخصائص ثقافية موروثة في هذه المجتمعات، بل هي من ضرورات سياساتها للبقاء والتكيّف. لكن في الفترة الأخيرة من حكم بوتفليقة، لم تعُد هذه السياسات ناجعة، مع احتفاظ الدولة ببنية كوربوراتية ليّنة، وتمثل حالة المركزية النقابية مثالً حيًّا لعودة محاولة هيمنة هذه النقابة على الحركة النقابية في الجزائر مع وجود حركات نقابية قطاعية منافسة لها. فعلى الرغم من أن عهد التعددية الحزبية الذي افتتحه الشاذلي بن جديد وفق دستور عام 1989، الذي سمح بحرّية إنشاء جمعيات سياسية وحرّية تشكيل النقابات المستقلة أيضًا، فإن قوة الإسلاميين برزت منافسة ومُهدّدة لسيطرة الحزب الواحد التقليدية، وبرزت النقابة الإسلامية للعمل (SIT)، فترة قصيرة، منافسًا قويًا للنقابة العتيدة، لكن التدخل العسكري أعاد الأمور إلى نصابها، بعودة الاتحاد العام للعمال الجزائريين إلى احتكار العمل النقابي طوال أكثر من عشر سنوات. كما تعكس تركيبته بعض المنظمات الجمعوية المقرّبة من السلطة، وطريقة تعيين كبار الممثلين النقابيين، التقاليد الاحتكارية والتدخلية لجهاز الأمن وكبار المسؤولين في تعيين مكتبها التنفيذي الذي سيطرت عليه شخصيات موالية للسلطة، على غرار سيدي السعيد الذي فاقت ولايته على المركزية النقابية أكثر من عشرين سنة. وتمثل نقابات التعليم الأساسي والثانوي استثناءً من قاعدة الهيمنة النقابية التي انتهجتها السلطة تجاه التمثيل النقابي، وذلك نظرًا إلى ميزة الكتلة العددية الهائلة لسلك التعليم وتراكم المشكلات المهنية في هذا القطاع؛ ما أدّى إلى بروز نقابات قوية منافسة لنقابة السلطة، تمكّنت من افتكاك بعض المطالب الحيوية لهذا القطاع. لكنّ النقابات المستقلة في الكثير من القطاعات الأخرى تعرضت للتفكيك والإضعاف والمضايقات. يظهر أحد المخرجات المهمة للدولة الكوربوراتية التسلطية في تزايد مظاهر القمع وتأكّل هامش الحريات المدنية والسياسية وانتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة والمتكررة؛ حيث سيُنظر إلى كل محاولة تنظيمية خارج توجيهات السلطة ودائرة ولائها على أنه خروج على القانون واستهداف للاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو ما يستدعي تدخّلً أمنيًّا، أو التعامل معه بمستويات مختلفة من العنف الحكومي، وبمجموعة من القوانين التي تُقيّد العمل الميداني للأحزاب السياسية وتقوم بحظر

الجمعيات. فقد شرّعت الدولة الجزائرية، منذ عقدين على الأقل، سلسلةً من القوانين والتشريعات

(64) O’donnell, p. 68. (65) Ayubi, p. 219.

(((6 دستور 1989، المادة 40 الخاصة بالجمعيات ذات الطابع السياسي. (((6 رئيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين على امتداد فترة طويلة، وهي أكبر نقابة عمالية في الجزائر، تمثل نموذجًا بارزًا

للتنظيمات الكوربوراتية التي تمثل بدورها امتدادًا للسلطة.

التي تُقيّد العمل الجمعوي وتُقيّد الحريات العامة، حيث تنظر التقارير الدولية إلى الجزائر على

أنها دولة مُقيّدة للحريات والعمل الصحافي والجمعوي وحرية التجمع وتشكيل النقابات، وتقع في

المستوى نفسه من مقاييس الحرية عبر كل الدولة العربية.

رابعًا: الدولة والهيمنة الاقتصادية بين الاقتصاد الريعي ورأسمالية المحاسيب

تتبدّى هيمنة الدولة الكوربوراتية على السوق من خلال تبعية الاقتصاد والقطاع الخاص، وخضوعهما للسيطرة الحكومية وغلق السوق الداخلية أمام المنافسة المحلية أو الدولية، باستثناء قطاع المحروقات الذي تستثمر فيه الشركات النفطية العالمية، الفرنسية والبريطانية والأميركية، مع احتكار شركة سوناطراك الجزائرية هذا القطاع، باعتبارها شركة وطنية تابعة للدولة، إضافة إلى احتكار التجارة الخارجية تحت إشراف الدولة ووكلائها المحلّيين عبر تسليم مجموعة من الرخص الخاصة بالاستيراد إلى عدد محدود من رجال الأعمال المُقرّبين من السلطة. وهو البعد الثالث من أبعاد الكوربوراتية التسلطية الدولتية التي تحكم

علاقة الدولة بالمجتمع، منذ بداية الاستقلال عن فرنسا في عام 1962، بانتهاج الخيار الاشتراكي في بداية عهد الاستقلال، وهو خيار واضح منذ البداية في ميله إلى دولنة الاقتصاد؛ لأنه قائم على الاقتصاد الموجّه واحتكار الدولة للتجارة الخارجية، كما نصّ على ذلك دستور عام 1976. وحتى الانفتاح السياسي والاقتصادي، الذي شرعت فيه الدولة منذ التسعينيات، لم يُغيّر من واقع سيطرة الدولة على الاقتصاد وكل

نشاطاته المختلفة، وبقاء الممارسات القائمة على الاحتكار والسيطرة على القطاع الخاص عبر الريع والممارسة الريعية واحتكار المنافع والرخص في يد فئة محدودة من المقاولين ورجال الأعمال المُقرّبين

من السلطة. ولم تؤدِّ الإصلاحات الاقتصادية بعد مطلع التسعينيات، تحت ضغط تزايد المديونية وضغوط المؤسسات الدولية، إلّ إلى تغييرات سطحية، لم تؤدِّ إلى انفتاح اقتصادي يسمح بتدفق الاستثمارات الخارجية، ولا إلى وجود حركية لرؤوس الأموال داخل البلاد، إضافة إلى المشكلات المزمنة المتعلقة

(((6 عرفت التشريعات مزيدًا من القيود على العمل الصحافي، وسجن الإعلاميين، واعتقال الناشطين السياسيين، والتضييق على

بعض مظاهر الحريات المدنية، وإصدار تشريع ينظم ممارسة الشعائر الدينية، واعتقال الناشطين السياسيين في مناسبات مختلفة، بل إنّ الأمر وصل في بعض الحالات إلى حالات درامية، مثل وفاة بعض الصحافيين في أثناء الاعتقال (حالة محمد تامالت.)

Human Rights Watch, World Report 2018: Events of 2017 (New York: 2018), p. 25, accessed on 22/6/2021, at: https://bit.ly/3gMjtTo

(((6 ينظر: تقارير بيت الحرية حول وضعية الجزائر والدول العربية في تصنيف الحريات، والتي لا تتعدى قيمة 35 من 100، وتصنيف مؤشر الإيكونوميست حول الديمقراطية حيث لا يتجاوز المؤشر 4 من 10؛ ما يجعلها ضمن النظم التسلطية، والاستثناء الوحيد كان عام 2019، حين بلغ مؤشر الديمقراطية حينئذ 4.01 من.10

Freedom House, Algeria: Freedom in the World 2018 Country Report (Washington, DC: 2018), accessed on 6/6/2021, at: https://bit.ly/3gj8aBQ; Laza Kekic, "The Economist Intelligence Unit’s Index of Democracy," The World in 2007 (London: The Economist Group, 2007), p. 5, accessed on 6/6/2021, at: https://econ.st/2TnuVM4; The Economist Intelligence Unit, Democracy Index 2019 A Year of Democratic Setbacks and Popular Protest (London: The Economist Group, 2019), p. 12.

(((7 نصت المادة 14 من دستور 1976 الاشتراكي في فقرتها الأخيرة على ما يلي: «يشمل احتكار الدولة، بصفة لا رجعة فيها، التجارة الخارجية وتجارة الجملة.»

بسوء التسيير المالي والتحصيل الضريبي ووجود كتلة نقدية معتبرة خارج التداول الرسمي، تعكس عجز الدولة في قدرتها الاستخراجية، على الرغم من ارتفاع الجبايات وتعدّدها.

1. الاقتصاد الريعي للدولة الكوربوراتية التسلطية

تم ترسيخ الحكم التسلطي، في الكثير من الدول النامية، تحت مظلة السعي نحو التنمية، وهو نوع من شرعية الإنجاز التي ترافق الغالب بانتهاج نمط التسيير الاشتراكي ذي الممارسات الريعية. قام في البداية على ما يسمى التسيير الذاتي في عهد الرئيس بن بلّة، وأثبت فشله، فتم في عهد الرئيس بومدين اعتماد سياسات الصناعات المصنعة وتضخيم القطاع العام على حساب مجالات القطاع الخاص التقليدية في مجال الصناعات الصغيرة الإنتاجية، وتأميم الأراضي الفلاحية الكبرى، وإعادة توزيعها على صغار الفلاحين، وإنشاء القرى الاشتراكية تحت شعار الثورة الزراعية وتأميم المحروقات. تحوّلت الجزائر، مع تأميم النفط، خلال أقل من عشر سنوات، من دولة تعتمد على الصادرات الفلاحية،

وعلى صناعات خفيفة للتصدير، إلى دولة تعتمد على النفط في صادراتها، على نحو يمثل أكثر من 90 في المئة منها. وأدى الطابع غير المستقر لأسعار النفط في السوق الدولية، واعتماد الجزائر على تصدير المحروقات، إلى اختلال مزمن في الميزان التجاري، وأضعف القطاعات الصناعية الأخرى في حصة الإنتاج ونسبة الصادرات، وتزايدت الواردات من الخارج لتشمل استيراد الكثير من السلع التي يمكن إنتاجها محليًّا. وهذا يعني أن كل عقود الاشتراكية وسياسات التصنيع وسياسة إحلال المنتوجات

المحلية، باءت كلها بالفشل؛ بحيث أصبح النظام الاقتصادي الجزائري يعاني الركود، وعدم القدرة على إحداث تغييرات جذرية داخله، وأصبح بمنزلة الحي الميت (الزومبي) الذي لا يتفاعل مع التحولّات الدولية وعولمة الاقتصاد والتبادلات التجارية والمالية والبنكية، وبقي على جموده لا

يتحرك. وعلى الرغم من إعلان الحكومات المتعاقبة عن خطط للإصلاح الاقتصادي، فإنها لم تغير من جوهر الواقع الاقتصادي الريعي، ولم تمسّ ثوابته الاحتكارية والامتيازات الممنوحة لكبار المستوردين

ورجال الأعمال والبيروقراطية الحكومية والشركات العمومية التابعة للدولة، والتي تستفيد من موارد مالية من خزينة الدولة لتعويض عجزها المالي وسوء التسيير الذي يسود داخلها.

2. الممارسات الاحتكارية ورأسمالية المحاسيب

لم تُحسّن الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الحكومات، ابتداءً من مطلع الألفية، كثيرًا من وضعية

الاقتصاد المعتمد على المحروقات الذي يتراجع فيه القطاع الصناعي ويتدهور، وتتواضع فيه إسهامات القطاع الفلاحي والسياحي. ويعود هذا الأمر إلى بقاء هذه الإصلاحات ضمن منطق التدخل والتوجيه الحكومي، ومن ضمنها سياسة القيود على الواردات، من خلال رخص الاستيراد وإجراءات أخرى انتهجتها الحكومة بعد انتهاء «عهد البحبوحة المالية»، ساهمت كلها في ترسيخ ممارسات ريعية ضمن

(71) Dalibor Rohac, "The Zombie Political Economy of Algeria," Cato Institute , 11/4/2014, accessed on 27/7/2020, at: https://bit.ly/2TodLxR

(((7 وهو العهد الذي شهد ارتفاعًا في أسعار النفط وتزايد احتياطي الصرف من العملة الخارجية، ابتداءً من عام 2016، وهي سياسة

اقتصادية تلجأ إليها كل الحكومات لمواجهة العجز في الميزان التجاري.

البنية الريعية للاقتصاد، بتوزيع الامتيازات الاقتصادية والتجارية على فئة محدودة من رجال الأعمال الذين هم مقاولون أو شركاء أو وكلاء للنافذين في السلطة والبيروقراطية الحكومية، حيث يقترن الفساد بالممارسة الريعية والاحتكارية. فقد توجّهت هذه النزعة الدولتية الحمائية في تسيير شؤون الاقتصاد

والمالية والتجارة في عهد الانفتاح المحدود نحو الرأسمالية المحاسبية Capitalism Crony، وهو نمط من الإنتاج الاقتصادي يتّسم بهيمنة الدولة على الاقتصاد، ورثته الدولة من مسار التأميم في أثناء الفترة الاشتراكية، بالاشتراك مع قطاع خاص تُهيمن عليه شريحة من رجال أعمال مُقرّبين من السلطة، حصلوا

على امتياز مشاريع مضمونة الأرباح مقدمًا، وكوّنوا ثروات هائلة من القروض الممنوحة إليهم من البنوك

العمومية. وكانت هذه الفئات الجديدة المستفيدة من الامتيازات الجديدة الناجمة عن الانفتاح الاقتصادي المحدود، في السابق، تنتمي إلى الطبقات الوسطى والقريبة من أجهزة الدولة، والأقرب إلى الانتفاع من الامتيازات التي تمنحها البيروقراطيات الحكومية، مثل القروض المُيسّرة والإعفاء الضريبي على مشاريع

الاستثمار التي كان قسم منها وهميًا، والاستفادة من رخص الاستيراد. أبرزت هذه الوضعية الاحتكارية قيودًا يعانيها الاقتصاد الجزائري بوجود أقلية أوليغارشية طفيلية تحتكر السوق الداخلية وسوق الواردات، والمعاملات التجارية والمالية، فضلً عن منح الامتيازات الصناعية والتجارية، وتحويل العملة، وعدم النجاح في تحويل الشركات المنتجة إلى شركات مساهمة بفتح رأسمالها أمام المساهمين الخواص والمواطنين الذين يرغبون في استثمار مدّخراتهم. وتمثّل كلها عوائق تحول دون حدوث أي نوع من تراكم الرأسمال أو التنمية الاقتصادية في القطاعات الإنتاجية المتنوعة ونشاطات الاستيراد. بل أدى هذا الوضع إلى تصفية الكثير من المنشآت الاقتصادية العمومية، وبيعها بالدينار الرمزي في البداية، ثم برزت – لاحقًا – فضائح رجال المال بقرار سياسي (قضية الخليفة، والطريق السيار، وقضيتَا سوناطراك 1 و.)2 إن احتكار قسم مهم من النشاط التجاري والاقتصادي في يد فئة قليلة من رجال المال المتحالفين مع رجال السلطة السياسية والخاضعين لتوجيهاتهم هو أحد تجلّيات الكوربوراتية التسلطية القائمة على التسييس العالي للاقتصاد، وفق صيغة جديدة تتكيّف مع مقتضيات شروط المؤسسات العالمية في

((7(هذا ما تؤكّ ده معظم الدراسات التي تتحدث عن الريع بوصفه معرقً للديمقراطية ومنتجًا للفساد. يُنظر: نوري دريس،

«المجتمع المدني في الجزائر المعاصرة: اقتصاد سياسي لتجربة انتقال ديمقراطي غير مكتملة»، سياسات عربية، العدد 19 (آذار/ مارس 2016)، ص 87، شوهد في 2021/6/22، في: https://bit.ly/3wQ7Osz (((7 يرى باحثون أن وضعية الدول الغنية جدًّا بالنفط، تتحول فيها الرأسمالية المحاسبية إلى رأسمالية مفترسة، نظرًا إلى استقلالية

الدولة واستغنائها عن موارد المجتمع المدني، ثمّ إنّ تواطؤ النخب الحاكمة والمؤسسة العسكرية مع الشركات النفطية المتعددة

الجنسيات يجعلها محمية من الضغوط الدولية، ومتمتعة بدعم خارجي عسكري وتكنولوجي أكثر ارتباط ا بتدفقات النفط، وينعكس هذا في نمو اقتصادي ضعيف، وعدالة اجتماعية هشة وطبقة رأسمالية خاضعة لمصالح النخب العليا الحاكمة. يُنظر:

Gregory White & Scott Taylor, "Well’oiled Regimes: Oil & Uncertain Transitions in Algeria & Nigeria," Review of African Political Economy , vol. 28, no. 89 (September 2001), p. 329.

(((7 كشف قطاع السيارات عن هذه الممارسة، فقد أدى نهج الحكومة في تقييد الواردات، بمحاولة تقييد استيراد السيارات عبر الوكالات التجارية من خلال فرض دفتر شروط على استيراد السيارات، إلى منح رخص محدودة لبعض رجال الأعمال المُقرّبين من

الحكومة، وهذا أدى من الناحية الفعلية إلى قيام ورشات صناعة مزيّفة للسيارات، وزيادة استنزاف العملة، وارتفاع سعر السيارات

داخل الجزائر نتيجة احتكار سوق السيارات من قبل هذه الأقلية التجارية المتنفذة والمستفيدة من أسعار الاستيراد الرخيصة.

تحرير الاقتصاد وتقليص دور القطاع العام، لكن مع الاحتفاظ دومًا بالاحتكار والهيمنة السلطوية على

مخرجات ومدخلات العملية الاقتصادية كلها.

3. الحمائية والانفتاح الاقتصادي المحدود

تعتبر الجزائر من الدول التي ما زالت تفرض حواجز جمركية عالية على الواردات، وهذا يعتبر بعدًا من أبعاد الهيمنة الكوربوراتية على الاقتصاد والمجتمع. وترجع هذه السياسات الحمائية إلى محاولات التصنيع الأولى التي بدأت بها الجزائر غداة الاستقلال. وعلى غرار كل الدول العالمثالثية والعربية في تلك الفترة، كانت تبدو موفقة في بداية عهدها، وتم الترويج لها لتعزيز شرعية النظام السياسي في سبعينيات القرن المنصرم؛ إذ قام مشروع التنمية على استراتيجية التصنيع الكبير وإحلال الواردات (ISI) واحتكار الدولة التجارة الخارجية. لكن كان الانفتاح الاقتصادي الذي عرفته الجزائر بعد مطلع التسعينيات محدودًا جدًّا، وبقي على محتواه الاحتكاري؛ لأنّ القطاع الخاص سيطر عليه رجال المال المسنودون من الجهاز البيروقراطي والعسكري. ولم تتقدم الإصلاحات الاقتصادية بشيء مهم في مجال تحرير سعر العملة، وتحرير التجارة الخارجية، وخفض التعرفة الجمركية، والانضمام إلى منظمة التجارة الدولية. وكان هذا الانغلاق المستمر للاقتصاد لمصلحة النخبة المسيطرة والأوليغارشية التجارية المتحالفة معها، وشكّل عائقًا حقيقيًّا أمام قيام اقتصاد إنتاجي متنوّع وقوي، وعصف بالشرط

الضروري لقيام الديمقراطية من حيث عواملها الاقتصادية، بتنامي الصادرات خارج النفط، وارتفاع مستويَي الرفاه والدخل الفردي، وتوسع الطبقة المتوسطة، وتنامي مؤشر المساواة الاقتصادية والتمكين الاجتماعي والسياسي للمواطنين. ويُفسّر جالياني هذا الجمود في السياسة التجارية، من خلال

نموذجه، بغياب صراع بين النخب الحاكمة واستفادتها من الحمائية التجارية، وغياب مطالب بتحرير التجارة الخارجية، وبأنّ النخب السياسية في النظم الأتوقراطية والأنوقراطية لا تكاد تهتم بوضعيات العوامل الاقتصادية، بل تهتم أكثر بطريقة توظيفها واستعمالها في الحفاظ على السلطة السياسية.

خاتمة

يتبيّن من خلال دراسة الجزائر، بوصفها حالة نموذجية، أن النسق الكوربوراتي للدولة التسلطية، بقدر

ما سعى إلى الهيمنة على المجتمع، أضعف مأسسة الدولة وأدى إلى إنتاج مركب أزموي يتشكل من أزمة عدم الاستقرار والشرعية وصراع الأجنحة الداخلية. وتُعبر أزمة العهدة الخامسة والحراك الشعبي في عام 2019 عن هذه السلسلة الأزموية المتواصلة والمتكررة، على الرغم من تخطّيها بنجاح نسبي من خلال انتخاب الرئيس الجديد للجزائر عبد المجيد تبون. وهذا يبرهن على أن كوربوراتية الدولة التسلطية تواجه باستمرار أزمات داخلية تتعلق بقواعد تنظيم التوازنات والصراعات داخل نخب الحكم

(76) Isabelle Werenfels, Managing Instability in Algeria: Elites and Political Change since 1995 (London: Routledge, 2007), p. 49. (77) Sebastian Galiani & Gustavo Torrens, "Autocracy, Democracy and Trade Policy," Journal of International Economics , vol. 93, no. 1 (2014), p. 174. (78) Schofield & Gallego, p. 5.

حول من يخلف الحاكم وكيف يتم توزيع الرَّيع والمغانم، من دون أن تفلت الأمور عن السيطرة. كما يتضح من خلال الاقتراب النظري للدولة الكوربوراتية التسلطية، باعتبارها بنية تسلطية–احتكارية، تُعيد إنتاج تسلطية الدولة وتضع سقفًا لا يمكن أن يتعداه الانتقال الديمقراطي بسبب آليات السيطرة التالية: احتكار العمل السياسي، من خلال عدة آليات قمعية وزبونية أدت إلى إفراغ المؤسسات الديمقراطية الناشئة من فاعليتها ضمن صورة جديدة للتسلطية، تميّزت بهندسة نظام حزبي مهيمن ذي أحزاب

احتكارية تدور في فلك الولاء للسلطة الرئاسوية والأجهزة الأمنية، حتى لو تظاهرت بمعارضة سياسات الحكومة، وهي بمنزلة تحوّل في آليات السيطرة وصيغتها من التسلطية التقليدية القائمة على الشعبوية،

إلى تسلطية جديدة ناعمة ذات مظهر ديمقراطي شكلي. • لامدنية المجتمع المدني، بمنزلة مجتمع مدني موازٍ وموالٍللسلطة، لا يتّسم بالديمقراطية التشاركية، ولا يتم تشجيعه على الروح المدنية القائمة على الاستقلالية والمبادرة، بل يقوم على مراعاة الموالاة للسلطة وتأييد مشاريعها، وأداة للحراك الاجتماعي الفردي عبر الزبونية والولاء، وبالسيطرة على المنظمات النقابية والجمعيات وتحويلها إلى تنظيمات موالية للحكومة، وعن طريق إدارة الانقسامات الاجتماعية والحركات الاحتجاجية وفق منطق الاحتواء والزبونية. • ترييع الاقتصاد، من خلال التحكم فيه واحتكار موارده الريعية وامتيازاته التجارية، وتحوّل كلّ

سلوكه إلى امتياز وريع تسيطر عليه الدولة، وتحتكر فيه رخص التجارة والتصدير على مستوى التجارة الخارجية والامتيازات في مجال الاستثمارات الصناعية التي أصبحت تحتكرها بعض الفئات من رجال الأعمال المتحالفين مع كبار الرسميين من الهيئات البيروقراطية والعسكرية. وبهذه الآليات الثلاث للكوربوراتية التسلطية للدولة، تمك نت من تقييد التمثيل والتعبير عن المصالح والسيطرة عليها، ضمن منظمات حصرية وأحادية أو محدودة العدد، لا تتفاوض مع الحكومات بشأن المطالب وصياغة السياسات العامة، كما في نموذج الكوربوراتية الجديدة لدول الرفاه الديمقراطية، بل تتلقّى التعليمات والأوامر الفوقية لتنفيذ خيارات النخبة الحاكمة، أو تضع أمامها الخطوط الحمراء التي لا تتجاوزها. وانعكس هذا أيضًا على فشل السياسات الاقتصادية وتشوّه العملية الاقتصادية

برمّتها، وهو ما حال دون توليد اقتصاد وطني منتج خارج الريع. وانعكست أيضًا في وجود مجتمع

مدني ذي رأسمال ثقافي ضعيف، مليء بعدم الثقة، وأكثر ارتباط ا بالدعم الحكومي، وبسلسلة من الحركات الاحتجاجية المحلية والوطنية التي تتكرر بصفة دورية وانفجارية كردة فعل على انهيار الثقة والاحتجاج على سوء الأداء الحكومي التوزيعي والتهميش وعدم الكفاءة والإهمال والحكم العصبوي. وبموجب ذلك، أصبحت الكوربوراتية التسلطية في إطار جهاز الدولة آليةً للسيطرة على التمثيل وتشويهه بدلً من تنظيمه. لكن تكشف اختلالات هذا البناء الكوربوراتي أيضًا عن بنية غير مستقرة وقابلة للتطور على احتمالات جديدة، أحدها يمكن أن يفتح الفرصة أمام الانتقال الديمقراطي والخروج من عنق الزجاجة التسلطية، على أن يجري تغيير قواعده المؤسسية الداخلية بالتدرّج،

ومن دون الوقوع في عنف حكومي أو صراع داخلي مدمر؛ نظرًا إلى وجود حد أدنى من المأسسة

الديمقراطية في مثل هذه الحالات، كشفت عنها تجارب سابقة مشابهة لها عبر العالم.

References

المراجع

العربية

الأيوبي، نزيه ن. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد المجيد جحفة. ط 4. الدار البيضاء: دار توبقال،.2010 دريس، نوري. «الجيش والسلطة والدولة في الجزائر: من الأيديولوجيا الشعبوية إلى الدولة النيوباترمونيالية.» سياسات عربية. العدد 35 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2018:). في U 0 Snwn /2 ly. bit:// https ________. «المجتمع المدني في الجزائر المعاصرة: اقتصاد سياسي لتجربة انتقال ديمقراطي غير مكتملة.» سياسات عربية. العدد 19 (آذار/ مارس 2016:). في Osz 7 wQ /3 ly. bit:// https شرابي، هشام. النظام الأبوي وإشكالية تخلّف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992._______ مقدمات لدراسة المجتمع العربي. ط.3 بيروت: الدار المتحدة للنشر،.1984 مسعد، نيفين. (محرر.) كيف يصنع القرار في الأنظمة العربية: دراسة حالة الأردن – الجزائر – السعودية–  السودان – سورية – العراق – الكويت – لبنان – مصر – المغرب – اليمن. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 مقري، عبد الرزاق. «التحول الديمقراطي في الجزائر: رؤية ميدانية». في: B 2 aP / us. cutt:// http

الأجنبية

Abdel Rahman, Maha. "The Politics of ‘Uncivil’ Society in Egypt." Review of African Political Economy. vol. 29, no. 91 (March 2002). Ayubi, Nazih N. Over–Stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East. London /New York: Tauris, 2001. Baccaro, Lucio. "What Is Alive and What Is Dead in the Theory of Corporatism." British Journal of Industrial Relations. vol. 41, no. 4 (December 2003) Bianchi, Robert. "The Corporatization of the Egyptian Labor Movement." Middle East Journal. vol. 40, no. 3 (1986). _________. Unruly Corporatism: Associational Life in Twentieth–Century Egypt. Oxford: Oxford University Press, 1989. Caballero, Gonzalo. (ed.). Institutions, Economic Governance and Public Policies. Stanford: Hoover Institution, 2011.

Cantori, Louis J. "Civil Society, Liberalism and the Corporatist Alternative in the Middle East." Middle East Studies Association Bulletin. vol. 31, no. 1 (July 1997). Chehabi, Houchang E. & Juan J. Linz (eds.). Sultanistic Regimes. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1998. Colomer, Josep M, David Banerjea & Fernando B. de Mello, "To Democracy through Anocracy." Democracy & Society. vol. 13, no. 1 (2016). Cook, Steven A. Ruling but Not Governing: The Military and Political Development in Egypt, Algeria, and Turkey. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2007. Dahl, Robert Alan. Polyarchy: Participation and Opposition. New Haven: Yale University Press, 1998. Dorraj, Manochehr. "Populism and Corporatism in the Middle East and North Africa: A Comparative Analysis." Chinese Political Science Review. vol. 2, no. 3 (September 2017). Ehteshami, Anoushiravan & Emma C. Murphy, "Transformation of the Corporatist State in the Middle East." Third World Quarterly. vol. 17, no. 4 (1996). Galiani, Sebastian & Gustavo Torrens. "Autocracy, Democracy and Trade Policy." Journal of International Economics , vol. 93, no. 1 (2014). Hinnebusch, Raymond. "Change and Continuity after the Arab Uprising: The Consequences of State Formation in Arab North African States." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 42, no. 1 (2015). _________. "Toward a Historical Sociology of State Formation in the Middle East." Middle East Critique. vol. 19, no. 3 (September 2010). Human Right Watch. World Report 2018: Events of 2017. New York: 2018. at: https://bit.ly/3gMjtTo Jang, Ji–Hyang. "Weak State, Weak Civil Society: The Politics of State–Society Relations in the Arab World." Journal of International and Area Studies. vol. 16, no. 1

Katz, Richard S. & Peter Mair, Democracy and the Cartelization of Political Parties , Comparative Politics. Oxford: Oxford University Press, 2018. _________. "Changing Models of Party Organization and Party Democracy: The Emergence of the Cartel Party." Party Politics. vol. 1, no. 1 (1995). Kekic, Laza. "The Economist Intelligence Unit’s Index of Democracy." The World in 2007. London: The Economist Group, 2007. at: https://econ.st/2TnuVM4 Kim, Dong–One & Ji–Young Ahn. "From Authoritarianism to Democratic Corporatism? The Rise and Decline of Social Dialogue in Korea." Sustainability. vol. 10, no. 12

Kopecký, Petr & Cas Mudde. Uncivil Society? Contentious Politics in Post–Communist Europe. London/New York: Routledge, 2003. Linz, Juan José. Totalitarian and Authoritarian Regimes. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2000. Lipset, Seymour Martin. "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy." American Political Science Review. vol. 53, no. 1 (1959).

Manoilesco, Mihaïl. Siècle du Corporatisme: Doctrine du Corporatisme Intégral et pur. Paris: Librairie Felix Alcan, 1934. Mason, T. David & J. Michael Greig. "State Capacity, Regime Type, and Sustaining the Peace after Civil War." International Interactions. vol. 43, no. 6 (2017). Migdal, Joel S. State in Society: Studying How States and Societies Transform and Constitute One Another. Cambridge Studies in Comparative Politics. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2001. Moore, Barrington. Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World. vol. 268. Boston: Beacon Press, 1993. Nettl, John P. "The State as a Conceptual Variable." World Politics. vol. 20, no. 4 (1968). Norkus, Zenonas. "Max Weber’s Interpretive Sociology and Rational Choice." Rationality and Society. vol. 12, no. 3 (August 2000). O’donnell, Guillermo A. Modernization and Bureaucratic–Authoritarianism: Studies in South American Politics. vol. 9. Berkeley: Institute of International Studies/ University of California, 1973. Rohac, Dalibor. "The Zombie Political Economy of Algeria." Cato Institute. 11/4/2014. at: https://bit.ly/2TodLxR Schmitter, Philippe C. "Still the Century of Corporatism?" The Review of Politics. vol. 36, no. 1 (1974). Siaroff, Alan. "Corporatism in 24 Industrial Democracies: Meaning and Measurement." European Journal of Political Research. vol. 36, no. 2 (1999). Smith, David Horton, Robert A. Stebbins & Jurgen Grotz (eds.). The Palgrave Handbook of Volunteering, Civic Participation, and Nonprofit Associations. vol. 1. London: Palgrave Macmillan, 2016. The Economist Intelligence Unit. Democracy Index 2019 A Year of Democratic Setbacks and Popular Protest. London: The Economist Group, 2019. Werenfels, Isabelle. Managing Instability in Algeria: Elites and Political Change since 1995. London: Routledge, 2007. White, Gregory & Scott Taylor. "Well’oiled Regimes: Oil & Uncertain Transitions in Algeria & Nigeria." Review of African Political Economy. vol. 28, no. 89 (September

Wiarda, Howard J. Comparative Politics: Approaches and Issues. Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 2007. _________. Corporatism and Comparative Politics: The Other Great ‘Ism’ Comparative Politics Series. Armonk: M. E. Sharpe, 1997. Williamson, Peter J. Corporatism in Perspective: An Introductory Guide to Corporatist Theory. London: Sage, 1989. Yom, Sean. (ed.). Government and Politics of the Middle East and North Africa. New York: Routledge, 2017.