أين فلسطين في العالم؟
Where in the World is Palestine?
الملخّص
أين فلسطين؟ أين فلسطين في العالم، ولا أعني العالم الفيزيائي فحسب، بل والعوالم الأخلاقية والخيالية، تلك العوالم القوية سياسيًا التي اعتدنا على تمييزها بالعوالم الاستعمارية، أو ما بعد الاستعمارية، أو حتى العوالم التي فككت الاستعمار؟ وعندما نتحدث عن "الأدب العالمي" أو "السينما العالمية"، فهل في هذه العوالم التي تحظى بتنظيرات عالية مكان للأدب الفلسطيني أو السينما الفلسطينية من دون أن تناقض نفسها ولا أن تتعامى عن حقيقة فلسطين؟ وإذا لم يكن فيها مكان لفلسطين، فهل ثمة مشروعية لهذه التصنيفات التي لا تمثل أمةً أو شعبًا، أو فضاءً مشحونًا بالعواطف، يقع وطنُه تحت احتلال مستعمر استيطاني؟ مقالي هذا هو تدقيق في عالم مثل هذا، يبدأ بكاتب فلسطيني ثوري، هو غسان كنفاني، أتناول من قصصه قصةً واحدةً قصيرةً، لأكشف كيف يُكوّن أولئك الذين قرؤوها ومثّلوها ومسرَحوها وحرسوا قيمتها الخالدة لَبناتِ عالمٍ حقيقي يفكك جميع تلك العوالم الوهمية التي لم يكن لها من شغل غير إنكارهم والتقليل من قيمتهم ومحوهم.
Abstract
Hagop Kevorkian Professor of Iranian Studies and Comparative Literature at Columbia University, USA. Email: hd14@columbia.edu
- إبستيمولوجيا
- العالم المتشكل
- تفكيك الاستعمار
- المقاومة
- الشرط الاستعماري
- Epistemology
- Worldliness
- Decolonization
- Resistance
- Coloniality
ملخص: أين فلسطين؟ أين فلسطين في العالم، ولا أعني العالم الفيزيائي فحسب، بل
والعوالم الأخلاقية والخيالية، تلك العوالم القوية سياسيًا التي اعتدنا على تمييزها بالعوالم
الاستعمارية، أو ما بعد الاستعمارية، أو حتى العوالم التي فككت الاستعمار؟ وعندما نتحدث
عن "الأدب العالمي" أو "السينما العالمية"، فهل في هذه العوالم التي تحظى بتنظيرات عالية
مكان للأدب الفلسطيني أو السينما الفلسطينية من دون أن تناقض نفسها ولا أن تتعامى عن
حقيقة فلسطين؟ وإذا لم يكن فيها مكان لفلسطين، فهل ثمة مشروعية لهذه التصنيفات التي
لا تمثل أمةً أو شعبًا، أو فضاءً مشحونًا بالعواطف، يقع وطنُه تحت احتلال مستعمر استيطاني؟
مقالي هذا هو تدقيق في عالم مثل هذا، يبدأ بكاتب فلسطيني ثوري، هو غسان كنفاني، أتناول
من قصصه قصةً واحدةً قصيرةً، لأكشف كيف يُكوّن أولئك الذين قرؤوها ومثّلوها ومسرَحوها
وحرسوا قيمتها الخالدة لَبناتِ عالمٍ حقيقي يفكك جميع تلك العوالم الوهمية التي لم يكن لها
من شغل غير إنكارهم والتقليل من قيمتهم ومحوهم.
Abstract: Where is Palestine? Where is the place of Palestine in the world– not just the physical world, but the moral and imaginative worlds, the politically potent worlds we habitually identify as the colonial, postcolonial, or even decolonial worlds? When we think about "World Literature" or "World Cinema" do such highly theorized worlds have a place for Palestinian literature or Palestinian cinema without either contradicting themselves or else turning a blind eye to the truth of Palestine– and if they don’t have a place for Palestine then how valid are these categories that cannot account for a nation, a people, an emotive universe under military occupation by a settler colony in their own homeland? This essay is the examination of such a world if it were to begin with one Palestinian revolutionary writer, Ghassan Kanafani, and only one of his little stories, and how those who read and act and stage and safeguard the legacy of that little story are the building blocks of a real world that dismantles all the illusory worlds built around them to deny, to bracket, and to erase them.
يعترض عصمت الحلبي بقوة، في مراجعة حديثة لكتاب تيموثي برينان المعنون: أمكنة عقل: حياة إدوارد سعيد (0212)، ضد اعتبار إدوارد سعيد "مثقفًا نيويوركيًا"، ويصر على أنّه مثقف
كوني. ويشير إلى الكيفية التي انتهز فيها عددٌ من مراجعي سيرة سعيد الجديدة التي كتبها برينان، أمكنة عقل، الفرصةَ لإضفاء طابع محلي على الكاتب الفلسطيني الراحل. فوُصفَ سعيد بأنّه يمثل تحديدًا مثقفي نيويورك الذين كانوا قد اعتادوا على السخرية منه. ويذهب آدم شاتز Adam Shatz في مجادلة مطولة يعقدها في مجلة London Review of Books إلى أن إدوارد سعيد "لا يشبه أنطونيو غرامشي ولا فرانز فانون بقدر ما يشبه سوزان سونتاغ Susan Sontag ". ويصرُّ الحلبي على عكس ذلك، إذ إنّ مشاركة
سعيد في حركة سياسية عالمية – كما في رفضه المعلن والمنتظم الخضوعَ لإملاءات الطريقة الإمبريالية الأميركية في الحياة – أثارت ضده غضب الكثيرين في أثناء حياته. وقد اعتادت مجلات، من قبيل New Republic و Dissent، قبل أن يتم تجديدها، أن تنشر أعمدةً طويلةً تهاجم فيها فكر سعيد وشخصه. فهل كان سعيد مثقفًا نيويوركيًا، أو في الحقيقة اليهودي الأخير كما عبّر هو عن ذلك ذات مرة، من تراب
نيويورك، أم كان مثقفًا عالميًا اشترك في "حركة سياسية عالمية" على نحو ما يعبّر الحلبي؟ والحقيقة
هي، بالطبع، أنّ إدوارد سعيد عاش أغلب حياته الزاخرة بالعطاء في نيويورك أستاذًا بارزًا في جامعة كولومبيا. وشأنه شأن الملايين من الفلسطينيين، وجد له بيتًا خارج وطنه الأول، وإن لازمه الشعور بأنّه، نوعًا ما، خارج المكان كما يشرح ذلك في سيرته الذاتية. إنّ العالم استعارة قوية، وليس مكانًا تأوي إليه بعد يوم شاق من العمل، لتدخله وتعلّق قبعتك وتتناول العشاء مع عائلتك، وتعزف من ثم قطعةً موسيقيةً على نحو ما درج عليه سعيد على بُعد بضعة مبانٍ من محلّ إقامتي. لم يكن بيتُ سعيد في أيّما مكان، إنما كان في نيويورك، في حرم جامعة كولومبيا. نعم هو كان ينتمي إلى تلك الحركة العالمية، ولكن انطلاقًا من نيويورك. فلم يكن العالم، بالمعنى الاستعاري العميق لهذه الكلمة، الذي انتمى إليه سعيد، عالمًا أميركيًا أو كونيًا، بل كان عالمًا فلسطينيًا، بل العالم الفلسطيني. أما السؤال الحقيقي فهو:
أين يقع تحديدًا ذلك العالم الفلسطيني؟
أولا: فلسطين قضيةً إبستيمولوجية
قضية فلسطين هي، أولً وقبل كل شيء، آخر قضية سياسية؛ فلقد قامت مستعمرة استيطانية أوروبية، اسمها "إسرائيل"، بزرع نفسها في فلسطين التاريخية وأشاعت دعوى زائفة تقدم جماعةً فلسطينيةً واحدةً، هم اليهود، على غيرها، زاعمةً حق امتلاك كامل التراب الفلسطيني، في حين أن فلسطين هي، في الحقيقة، لم تكن يهوديةً كلّها. لقد كان ليهود فلسطين وطنٌ فيها دائمًا وينبغي أن يكون لهم ذلك. فيهود فلسطين فلسطينيون شأنهم شأن مسيحيّي فلسطين ومسلميها. وهذه حقيقة بسيطة ومعروفة شوّهتها
الصهيونية من أجل وضع أساسات أيديولوجية لمستعمرة استيطانية لكامل التراب الفلسطيني. وفكرة "دولة يهودية" في فلسطين هي مِثل فكرة "جمهورية إسلامية فلسطينية" أو "جمهورية مسيحية فلسطينية"،
(1) Esmat Elhalaby, "The World of Edward Said," Boston Review , 13/5/2021, accessed on 12/10/2021, at: https://bit.ly/3oURUfm
قائمة على العنف ولا يمكن الدفاع عنها. غير أنّ هذه الحقائق البسيطة لا شأن لها بالمشروع الصهيوني الذي اتخذ من كلٍ من أرض فلسطين والعقيدة اليهودية رهينةً، لفرض نفسه مستعمرةً استيطانيةً أوروبيةً على النحو نفسه الذي ظهر خلال أزمة قناة السويس عام 1956، حيث اتُخذَت إسرائيل فوريًا أداةً استعماريةً بيد
المنتفِعَين الأوروبيَّين، بريطانيا وفرنسا، لغرض تسهيل غزوهما مصر من أجل إحباط تأميم القناة. لم تكن
الصهيونية مشروعًا قائمًا في ذاته؛ فلقد كانت دائمًا جزءًا من مشروعاتٍ إمبرياليةٍ أوروبيةٍ، والآن أميركية،
في المنطقة وفي غيرها. أما المزاعم المتعلقة بأنّ اليهود كانوا مضطَهدين طوال تاريخهم، وأنّهم في حاجة إلى العيش بسلام في كل مكان في العالم، بما في ذلك فلسطين، فإنما هي مزاعم لا شأن لها بالمشروع الصهيوني الأوروبي الاستعماري الاستيطاني. لكن يجب ألا يُعشينا الجانبُ السياسيُّ من القضية الفلسطينية عن أبعادها الأخرى التي لا تقل وزنًا؛ إذ
تثير فلسطين، من بين ما تثير، مشكلةً معرفيةً تتعلق بطريقة إنتاج أوروبا وأميركا الشمالية للمعرفة. فأين هو تحديدًا مكان فلسطين (المحتلة من مستعمرة استيطانية أوروبية) في المشروعات النظرية والفكرية الرائدة للتصور الأوروبي عن "العالم". فلنُمعن النظر في مفاهيم من قبيل "الأدب العالمي"، على سبيل المثال، أو "السينما العالمية"، أو "الموسيقى العالمية"، أو "الدين العالمي"، أو أي مفهوم يضمُّ كلمة "العالم"، فهل للفلسطينيين، وفلسطين بوصفها وطنًا، مكانٌ في مثل هذا "العالم" World الذي نراه في مصطلح "الأدب العالمي" على سبيل المثال؟ وهل غسان كنفاني، مثلً، أو محمود درويش، أو فدوى طوقان، وغيرهم، جزءٌ من "الأدب العالمي" هذا؟ والإجابة عن ذلك لا تأتي، بطبيعة الحال،
من الأساتذة الليبراليين للأدب المقارن في أميركا الشمالية أو أوروبا أو حتى من الجامعات العربية، الذين يقولون "نعم إنّهم لا شك جزءٌ من الأدب العالمي"، لأنّ هذا الدمج الليبرالي للأدب الفلسطيني
في "الأدب العالمي"، أو دمج السينما الفلسطينية في "السينما العالمية"... إلخ، يشكك، بحكم الواقع، في التأسيس الإبستيمولوجي لجميع تلك الدعاوى العالمية. وتسعى الروح المسكونية الليبرالية (التي تهدف إلى التقريب والجمع) "للأدب العالمي" إلى تمويه هذا الصدع المعرفي عن طريق إطالة عمر نظامٍ أكل الدهرُ عليه وشرب، يعي منظّروه الرئيسون عيوبَه المستعصية. فلِمَ كان ذلك كذلك؟ لنتناول، مرةً أخرى، ما يسمّى "الأدب العالمي" مثالً. اقترح ديفيد دامروش، وهو
منظِّرٌ رائدٌ في "الأدب العالمي"، أنّ "الأدب العالمي هو انعكاس إهليلجي Refraction Elliptical
(((للاطّلاع على دراسة حديثة حول إسرائيل بوصفها مستعمرةً استيطانيةً، ينظر:
Jeff Halper, Decolonizing Israel, Liberating Palestine: Zionism, Settler Colonialism, and the Case for One Democratic State (London: Pluto Press, 2021).
(((للاطّلاع على نقد وافٍ لفكرة "الأدب العالمي"، ينظر:
Emily Apter, Against World Literature: On the Politics of Untranslatability (New York: Verso, 2014).
وللاطّلاع على نقد أشدّ جذريّةً لفكرة "الأدب العالمي" بسبب نسَبها الإمبريالي والاستعماري، ينظر:
Hamid Dabashi, The Shahnameh: The Persian Epic as World Literature (New York: Columbia University Press, 2019).
(((للاطّلاع على نقد متقن للحقل من داخله، ينظر:
Gayatri Chakravarty Spivak, Death of a Discipline (New York: Columbia University press, 2005).
للآداب الوطنية"، وقد يكون هذا التوصيف وافيًا بالمرام بسبب أغراضه الفورية والمحدودة في
جامعات أميركا الشمالية وما يماثلها من مقررات جامعية في "الأدب العالمي". لذلك، دعونا ننبذ حقيقة أنّ هذا التوصيف المتصدع يغفل بضرسٍ قاطع العوالم المتنوعة التي تتشكل فيها هذه "الآداب الوطنية" قبل أن يتم تفكيكها وتُدرج ضمن هذا التصور الإمبريالي عن "الأدب العالمي". فالآداب، الفارسي والعربي والعِبري والسنسكريتي والتركي، ليست مجرد "آداب وطنية" تترقب ولوجها الليبرالي في "الأدب العالمي"؛ ففي هذه الآداب عالم خاص بها، ولكنّه مفقود تمامًا في هذا الافتراض الإمبريالي عن "الأدب العالمي". بيدَ أن ما يعنيني هنا هو ما إذا كان الأدبُ الفلسطيني جديرًا بمنزلة
"أدب وطني" حينما تعرّض بناء الأمّة الفلسطينية نفسه لهجوم عنيف من طرف المشروعات الإمبريالية
والاستعمارية نفسها التي كانت قد شرعت في التنظير لفكرة "الأدب العالمي". في قسم كبير من الحوار المفترض بين نظريات ما بعد الكولونيالية و"الأدب العالمي"، فإن "ما بعد" post و"العالم" هما من بين الكلمات النافذة. ولكن مع ذلك، فإن فلسطين، تحت الاحتلال الاستعماري الغاشم ليست "ما بعد الاستعمار"، ولذا هي ليست "العالم" الذي يتموقع فيه أدبها وثقافاتُها وسينماها وفنّها وموسيقاها وما إلى ذلك. واستحالة أن تكون فلسطين، معرفيًا (وسياسيًا)، جزءًا من "العالم" الموجود في "الأدب
العالمي" و"السينما العالمية" وما إلى ذلك، ولا تقدم نفسها مشكلةً فلسطينيةً، إنما هي مشكلة تتعلق بتلك الدعاوى العالمية التي ترفعها تلك الفروع العلمية وأنظمة إنتاج المعرفة التي لا تفسح المجال أمام فلسطين. وفرادة فكرة "الأدب العالمي" أنّها لا تشمل أوروبا؛ فلقد ظلت أوروبا عالمًا قائمًا في ذاته، وهو
عالم مختلف. إن أوروبا هي الذات العارفة "للأدب العالمي". و"العالم"، هو العالم المعروف، رهين هذه الذات الأوروبية (الأميركية) العارفة. وثمة حقيقة أساسية أسهمت في تشكيل فكرة "العالم" هي حقيقة تجاهل شرط الاستعمارية Coloniality المعقد. فالمستعمرات السابقة في الهند، وفي أجزاء أخرى من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية يمكن أن تُسمّى الآن "ما بعد الاستعمار"، وتُدمج في "الأدب
العالمي". ولكن حقيقة وقوع فلسطين تحت احتلال استعماري استيطاني أوروبي تثير تساؤلات جدية عن "العالم" الذي يدّعي "الأدبُ العالمي" اتخاذه ميدانًا لتنظيره. فهل فلسطين جزءٌ من العالم؟ وهل
(5) David Damrosch, What Is World Literature? (Princeton: Princeton University Press, 2003), p. 282.
بالعودة إلى كتاب ديفيد دامروش ما الأدب العالمي؟ نقرأ الآتي لتفسير مصطلح الانكسار الإهليلجي أو البيضاوي: "إن الأدب العالمي دائمًا ما يتعلق بقيم الثقافة المضيفة واحتياجاتها بقدر ما يتعلق بثقافة مصدر العمل؛ ومن ثم فهو انكسار مزدوج، ويمكن
وصفه من خلال شكل القطع الناقص أو الإهليلج Ellipse، حيث يوفر المصدر والثقافات المضيفة البؤرتين اللتين تولّدان الفضاء الإهليلجي الذي يعيش فيه العمل كأدب عالمي مرتبط بكلتا الثقافتين، ولا تحدده بواحدة منهما فقط"، ينظر: 283. p., Ibid. (((مصطلح يدل على نماذج القوة التي تظهر نتيجةً للاستعمار Colonialism، وتحدد الثقافة، والعمل، والعلاقات ما بين الناس، وإنتاج المعرفة بحيث تتخطى الحدود الصارمة التي تفرضها الإدارات الاستعمارية نفسها. فحتى بعد انجاء الاستعمار، تظل
الاستعمارية قائمةً وحيةً في الكتب ومعايير الأداء الأكاديمي، وفي النماذج الثقافية، والحس المشترك، وفي الصور التي يكونها الناس عن أنفسهم، وفي إلهامات الذات، وجوانب عديدة أخرى من خبرتنا الحديثة. فنحن بوصفنا ذواتًا حديثة نتنفس الاستعمارية دائمًا. هي أشبه بمناخ يشكله الاستعمار، ويظل حتى بعد رحيله. ينظر:
Nelson Maldonado–Torres, "On the Coloniality of Being: Contributions to the Development of a Concept," Cultural Studies , vol. 21, no. 2–3 (2007), pp. 240–270.
تقع أعمال كتّاب من قبيل محمود درويش وإميل حبيبي وأنطون شمّاس وآخرين، تحت عنوان "الأدب
العالمي"، أو حتى تحت عنوان "الأدب الوطني؟" وإذا كان ذلك كذلك، فبأي شكل وبأي طاقات؟ ولذلك، فإنّ السجال المجرّد كله بين منظِّري "الأدب العالمي" ومنظِّري ما بعد الاستعمار يفشل فشلً
ذريعًا عندما يتعلق الأمر بالأدب الفلسطيني. ومع ذلك، ليس الأمر فقط عثورًا على خطأ في النماذج المعرفية الراهنة لإنتاج المعرفة، التي هي بالتعريف ذات منحى أوروبيّ المركز، والتي تكشف عن صدوعها بوضوح عندما تتعرض لجرعة
صحية من النقد من خارج مصدرها المباشر. نحن في حاجة إلى تحويل محور العالم الذي نفكر فيه. إنّ قضية فلسطين ومستعمرة المستوطنين الأوروبيين التي أقيمت عليها كحامية عسكرية State Garrison اليوم هي في الأساس قضية سياسية ذات مآلات معرفية جسيمة. وإذا ما نقلنا موقع هذه المزاعم إلى فلسطين نفسها، من حيث حقائقها التاريخية والظاهراتية، فسنحتاج إلى الانخراط في أفكار من مثل النكبة والانتفاضة والصمود، تهدينا في النظر إلى فلسطين المحتلة في شموليتها (من النهر إلى البحر) موقعًا "لتفكيك الاستعمارية". ويفضي بنا العمل على هذه المفاهيم الخاصة بفلسطين – النكبة والانتفاضة والصمود – إلى السجال الدائر حاليًا حول تفكيك الاستعمارية، لا سيما تناولات
المنظِّرين الأميركيين اللاتينيين لهذه الفكرة، من أنيبال كيخانو Quijano Aníbal إلى والتر د. منيولو Mignolo. D Walter، ولن تعود فلسطين هنا موقعًا للصمود السّلبي، بل موقعٌ نافذٌ لإنتاج المعرفة
والقوة التحويلية. والقول ببساطة إنّ إسرائيل مستعمرة استيطانية هو قول صحيح، ولكنه لا يفي بالغرض، إذ يعوزنا أن نضع فلسطين، وليس المحتل، في بؤرة التحول المؤثر في قراءتنا للعالم. يتماشى موقع فلسطين في العالم مع موقع الفلسطينيين في العالم، بدءًا من وطن أسلافهم داخل
إسرائيل إلى الأراضي المحتلة، ومخيمات اللاجئين، والعواصم العربية والإسلامية، إلى جميع البلدان حول العالم. وربما يكون نصّ السيرة الذاتية، خارج المكان (1999)، الذي كتبه إدوارد سعيد
مكانًا جيدًا للبدء في فهم هذه الطوبوغرافيا التي لا شكل لها لمكانٍتتموقع فيه فلسطين. وبالقدر نفسه من الأهمية، سيكون تحديد موقع كتابه العُمدة، الاستشراق (1978)، ضمن ما أسميته في مكان آخر "النصوص المرتدّة" Texts Renegade، وتلك النصوص مثل مؤلفيها خارج المكان، وتتعارض مع الإبستيمولوجيات التي أظهرتها. وبناء عليه، ليست القضية الفلسطينية مجرد نضال شعب واحد من أجل وطنه. ففي هذا النضال، صنع الفلسطينيون "عالمًا" خاصًا بهم، ننخرط فيه
جميعًا لنعيد تخيّل جميع النضالات التي شهدتها العصور وصولً إلى عالمنا المعاصر المتشكل
Worldliness Contemporary. وفي ذلك العالم، تكون فلسطين مسار واقعٍ مكرّس يرفض الانحلال
(((من أجل الاطلاع على نقد ملائم لهذا التداخل، ينظر:
Baidik Bhattacharya, Postcolonial Writing in the Era of World Literature: Texts, Territories, Globalization s (London: Routledge, 2019).
(((في كتاب الفلسفة الأوروبية والقضية الفلسطينية: ما وراء اليهودي والإغريقي، يبدأ زاهي زالوا طرح هذا النوع من الأسئلة، ينظر:
Zahi Anbra Zalloua, Continental Philosophy and the Palestinian Question: Beyond the Jew and the Greek (London: Bloomsbury Academic, 2017).
في الأفعال المهيمنة التي تنتج المعنى في مجتمع المَشاهد Spectacles of Society، ويولِّد باستمرار عالمها المتشكل طباقيًا Contrapuntal ويعززه.
ثانيًا: فلسطين موقعًا للنزاع
إنّ فلسطين في هذا العالم المتشكل طباقيًا موقعٌ للنزاع، ولكن ليس بين مستعمرة أوروبية استيطانية
والسكان الأصلانيين فحسب، إنما هي أيضًا موقع للنزاع بين عالمين: عالم الخيال الإمبريالي الأوروبي وعالم أحد أشكاله الرئيسة الذي صاغه تاريخيًا للإيمان بنفسه وشَرعَنتها. وعلى الرغم من أنّه ليس
جميع الفلسطينيين مسلمين، فإنّ فلسطين جزء لا يتجزأ من عملية تشكُّل عالم إسلامي كوزموبوليتاني يسبق الفِرية الاستعمارية والثنائية الزائفة "الإسلام والغرب" وسيأتي بعده. ولم يكن العالم الإسلامي إسلاميًا فحسب، بل اشتمل وضمّ عناصر وقوى زرادشتية وهندوسية ويهودية ومسيحية عملت على
تحويل الإسلام إلى مسألة حضارية وليس مجرد عقيدة. وكانت الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة: الأموية، والعباسية، والسلجوقية، والمنغولية، والمغولية، والصفوية والعثمانية مواقع تاريخية لهذه العالمية الكوزموبوليتانية. وكانت فلسطين جزءًا من جميع هذه المواقع، وبأديانها التوحيدية الثلاثة:
اليهودية والمسيحية والإسلام، كان لها حضور بارز في قلب "الأرض المقدسة". إن فلسطين التاريخية هذه، الوطن السلف للفلسطينيين المعاصرين، هي موقع النزاع بين الخيال الإمبريالي الأوروبي وملحقاته الاستعمارية، التي تمثلها الصهيونية الآن. ويُظهر وهمُ "الإسلام والغرب" نفسَه في شرط الاستعمارية في فلسطين. ولكنّه يفصح أيضًا من خلال هذه الحالة الجزئية عن مسألة أكبر هي "الغرب والبقيّة"، التي تحتاج إلى إعادة تأكيد نفسها مجازيًا
وفيزيائيًا؛ فكلما تخلخلت صلاحيتها الإبستيمولوجية، ازدادت أعمال العنف السياسي تفاقمًا. إنّ
الاستعمار الاستيطاني هو حالة من الوجود العابر، حيث كل شيء في حالة تعليق وإرجاء، وكل شيء على شفا التغيير. وهذه الحقيقة تعطّل أي طريقة للتناغم مع تصور للعالم يُعتمد عليه لتفكيك وهمَي "الإسلام والغرب" أو "الغرب والبقيّة". وتمثل إسرائيل آخر وأحدث وحشية انتقامية ل "الغرب"
ضدّ "البقيّة". ويَعرف كلٌّ من الاحتلال والمحتَلِّين والمستعمِر والمستعمَر حقيقة أنّ الوضع القائم
مستهجن ويتعايشون معه. وقد استمرت هذه الحالة من اللامقبولية أكثر من قرنين في العالم العربي والإسلامي، وعقودًا في الأراضي الفلسطينية، ولكنها لم تصبح مطلقًا أمرًا مألوفًا، ولم تُقبل أو يُتعايش
معها أو تُستوعب. وليس أمام إسرائيل ومساعديها الأميركيين والأوروبيين غير القوة العسكرية والعنف السياسي الفظّ لتعزيز وَهم منَعتها. ولا بد من أنّها تستعين بالعنف المفرط لتعوّض ما لا تستطيع مناقشته
مناقشةً عقلانيةً، فاستعاضت عن افتقارها إلى المنطق بالعنف الوحشي. وبذلك، صوّرت الفلسطينيين ومؤازريهم إرهابيين متعصّبين مجانين. ولكن ليس لدى الفلسطينيين هذه الأوهام، إنّهم يعيشون نكبتهم
(((في كتاب: أوروبا وظلالها: الاستعمار بعد الإمبراطورية، فصّلتُ في مسألة الميل الجدلي لاستعارة "أوروبا" وأخرياته الأخلاقية
والخيالية المفسرة استعماريًا. ينظر:
Hamid Dabashi, Europe and Its Shadows: Coloniality after Empire (London: Pluto Press, 2019).
كل يوم. لذلك أصبحت فلسطين استعارةً مثالية – وهذه هي قوتها ومأزقها – فقد جعل منها الآن دربُ النضال المستمر لأكثر من قرن مستودعًا لجميع شروط النضال العالمي المناهض للاستعمار وآفاق تفكيك نهائي وصارم للاستعمار. لذلك، فإنّه على عاتق فلسطين يقع اليوم العبء التاريخي العالمي لتفكيك الواقع اليومي لوحشية الاستعمارية الأوروبية الروتينية. أصبحت فلسطين، باعتبارها مشهدًا طبيعيًا واستعارة في الوقت نفسه، بؤرةَ النضال العالمي ضد الشرط
الاستعماري، حيث أصبحت الصهيونيةُ الوجهةَ النهائية للاستعمار الاستيطاني الأوروبي. ويشير صعود السياسات المعادية للأجانب في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا إلى الطريق المستمرة التي تسلكها الاستعمارية أسلوبَ عملٍ لإنتاج المعرفة الإمبريالية، ولكن لا ينبغي أبدًا أن نستعين لمعارضتِه
بأسطورةٍ وهميةٍ عن "الأصالة" Originality. فليس الفلسطينيون فلسطينيين فقط لكونهم يقفون ضد مزاعم الصهاينة حول من استوطن هذه الأرض أولً: اليهود أم الفلسطينيون، فهذا اختيار خاطئ ولعبة خاسرة يخسر فيها كلٌ من اليهود والفلسطينيين. فثمة يهود فلسطينيون، وإذًا فلسطينيون يهود، وُلدوا وترعرعوا في فلسطين التاريخية. لذلك يجب أن نعدَّ الفلسطينيين فلسطينيين لا لكونهم فقط سكان فلسطين المحلانيين، إنما الأهم من ذلك بفضل درب النضال المستمر الذي سلكوه ورفضهم الهيمنة. وإذا لم يكن هناك فلسطينيون على حد زعم أميرة الحرب الإسرائيلية غولدا مائير (1974–1969)، فإنّه كان هناك فلسطينيون بحكم ردّهم الدائم والمبدئي على هذه البشاعة. إنّ المواجهة بين الصهاينة والفلسطينيين هي مواجهة بين المستعمِر والمستعمَر، والمستوطِن والمحلاني، والاحتلال والمحتل، والمشروع الإمبريالي الأوروبي للغزو والمطالبة والمشروع الفلسطيني المعادي للإمبريالية لمقاومة الغزو واستعادة البلاد وثقافاتها الحية والعضوية. وهذه الثقافة ليست فقط في الموسيقى الفلسطينية أو الأزياء، أو المأكولات التي يحاول الصهاينة الاستيلاء عليها أيضًا، بل هي كذلك ثقافة مقاومة، مثل قصيدة لدرويش، وقصة قصيرة لكنفاني، وفيلم لإيليا سليمان، وعمل فني لمنى حاطوم. يغيّر هذا
التصور الظاهراتي لمصير الفلسطينيين السياسي ملامح الاستعمارية ويفككها كليًّا. إنّ كلَّ ما ينتجه
الإسرائيليون يجري في سياق الغزو الاستعماري الاستيطاني الأوروبي، وكل منتج فلسطيني إنما هو في الاتجاه المعاكس تحديدًا. وبناء عليه، فأنْ تكون فلسطينيًا فهذه قضية ظاهراتية وليست وهمًا بيولوجيًا
أو حتى سياسيًا.
ثالثًا: فلسطين واقعةً وظاهرة
تعتبر فلسطين، بوصفها موقعًا للنزاع، عنصرًا دامغًا في نظرة العالم إليها استعارةً لحركات التحرير في جميع
أنحاء العالم. فكل شيء يتعلق بفلسطين أكبر من الحياة – مجازي وأسطوري واستعاري – ومع ذلك فهو حقيقي تمامًا. لقد أصبحت فلسطين استعارةً بمقتضى شروطها الخاصة. ويبدو أنّ كلمة "فلسطين" ذاتها قد
((1(للاطلاع على مجموعة مقالات تتناول هذا التضامن العالمي من زاوية نظر أصلانية، ينظر:
Suzannah Henty & Gary Foley (eds.), Indigenous Solidarity: Testimonies and Narratives , Hamid Dabashi (Fore) (Rafah, Gaza Strip: 28 Magazine, 2021).
قُدِّر لها أن تكون مقياسَ الحقيقة، وحاملةَ راية العدالة، ليراها العالم كلّه ويشهد. إنّ تضحيات الفلسطينيين
البطولية والمقاومة المتبصرة وأعمال التحدي المتقدة من جهة، وجسامة الظلم التاريخي بحقهم واحتلال وطنهم وسرقته المنظمة في رابعة نهار التاريخ من جهة أخرى، اجتمع جميعها ليستلزم ويقتضي قدرًا من
النضال والتحدي، وانتصارًا أخلاقيًا أسطوريًا فوق ذلك. إنَّ تحوّل فلسطين من واقعة إلى ظاهرة يستند إلى
موقعها العالمي بوصفها نموذجًا مصغرًا لشرط استعماري يشير إلى ما هو أبعد من نفسها. كيف تستحيل الجوانب الواقعية، وربما حتى الدنيوية من حياة الفلسطينيين، رمزًا Emblematic للأجيال القادمة في المستقبل البعيد؟ لنتناول حالة ثائر فلسطيني وزوجته الدنماركية ورفيقته وصانع أفلام إيطالي. يضمُّ هذا التثليثُ العالمَ الذي تضعه فلسطين واقعةً وظاهرةً في بؤرة وعينا للعالم. وهذه
حالة يصبح فيها عالم فلسطين المصغر رمزًا استعاريًا لإطار كوني يغطي جميع ما تحيل عليه. ويربطُ
النظرُ الثاقبُ في حالة العالم الصغير والكوني الكبير هذه بمجال القوة السيميائية، حيث تأتلف أخلاق
وسياسة وجماليات (الوجود في فلسطين). فإذا لم تكن "فلسطين" اسمًا لوطن متحرّر، وهي كذلك
بالطبع، ولكنها أيضًا إشارة مشفرة إلى عالمٍ ماهيته النضال، فمعنى أن تكون "فلسطينيًا" أمرٌ يتعدى
مجرد أن تولد لأب فلسطيني في فلسطين أو خارجها. فعندما يجتمع رمز فلسطيني وشريكته الدنماركية وكاتب سيرتها الإيطالي، تكتسب فلسطين أهميةً عالميةً جديدةً. يحتل غسان كنفاني (1972–1936)، في قُدس الأبطال الفلسطينيين الرموز، مقامًا رفيعًا خاصًا، وهو
اسم يجسّد فلسطين اليوم. كان مفكرًا فلسطينيًا نقديًا رائدًا وكاتبًا وناشطًا ثوريًا اغتاله الإسرائيليون في
8 تموز/ يوليو 1972. وقد نجت زوجته آني كنفاني Kanafani Anni وطفلاهما. عاش كنفاني حياةً قصيرةً، فلم يتجاوز السادسة والثلاثين عندما اغتيل، بيدَ أنه ترك بصمةً لن تزول في تاريخ النضال الفلسطيني من أجل كرامة وشرف مكانة الفلسطينيين في وطنهم. وُلدت آني كنفاني وترعرعت في
الدنمارك. والتقت في عام 1960 خلال مؤتمر بيوغسلافيا ببعض الطلاب الفلسطينيين، فَامتلأ قلبها بحب القضية الفلسطينية. وسافرت بعد ذلك إلى لبنان حيث التقت بغسان كنفاني وسرعان ما تحول تضامنهما السياسي إلى حب وتزوجا. ترك اغتيال إسرائيل لكنفاني عام 1972 زوجته الشابة أرملةً مع طفلين صغيرين. بقيت آني كنفاني في بيروت وما زالت هناك حتى يوم الناس هذا في العمل مع الأطفال الفلسطينيين اللاجئين وإدارة مؤسسة غسان كنفاني الثقافية. وأضحت اليوم الحياةُ الزاهرةُ القصيرة التي عاشها غسان وآني كنفاني معًا رمزًا أيقونيًا، حيث لا تجد طوبوغرافيا فلسطين اللامتشكلة
مكانًا أفضل من هذا الرمز لتتموقع فيه. تُموقع نفسها في غاليري صغير؛ في قلب مخيم مار إلياس للاجئين في بيروت، حيث تُبقي آني كنفاني ذكرى زوجها حيةً كما قضية فلسطين. آني كنفاني هي، بحكم العادة، من مخلفات الماضي؛ ذكرى ثوريّ فلسطيني رائد، شخصٌ يذكّرك
بشخص آخر. لكنّها تستحيل، على يدَي فنان شغوف ومحترف، شيئًا آخر، فتصبح هي نفسها،
((1(للاطلاع على عيّنة من عمل غسان كنفاني الأدبي، ينظر:
Ghassan Kanafani, Men in the Sun and Other Palestinian Stories, Hilary Kilpatrick (trans.) (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1999).
كما كانت دائمًا، ليست بقايا، بل واقع، وليست ذكرى، بل حقيقة. فما الذي يرسمه فنان الفيديو
الإيطالي الموهوب ماريو ريزي Rizzi Mario ليحكي قصة عن آني كنفاني؟ كنت أشاهد، طوال العقد الماضي أو نحو ذلك، أعمال ريزي من زوايا مختلفة، واكتشفتُ صبرَه الاستثنائي واتزانه
وكاميراته المتأملة. وخلال إحدى زياراتي إلى برلين حيث يعيش ريزي، لفتُّ انتباهَه إلى مكانة آني كنفاني وأهميتها. في كاميرا ريزي يأتلف القلب والعقل في صبر قدّيس وتدقيق مدهش لاكتشاف ما يجري تحت السطح. عرفتُ آني كنفاني وعملها منذ عقود والتقيت بها في مؤسستها في بيروت. ولم يجد ريزي في رفقتها الكريمة غير روح عملها نفسه، وطبعها السمح. وُلد ريزي ليصنع
هذا الفيلم عن آني كنفاني، وكانت الأخيرة تنتظر ريزي ليحكي قصة عقلها وروحها وحبها ومصيرها. ما يجمعهما ليس فلسطين بوصفها واقعة فقط، بل فلسطين بوصفها ظاهرة، عالمًا، رفعَت شأنَها
ومنزلتَها أمةٌ تطالب بشرف المكانة. الفلسطينيون مسلمون ومسيحيون ويهود، ومن ثم لديهم كتبهم المقدسة الخاصة بهم. ولكن في الوقت نفسه، فإنّ اليقين المقدَّس الذي يملأ صدورهم بحركتهم التحررية الوطنية قد خلق عالمًا أخلاقيًا مختلفًا تمامًا يأوون إليه هم وأرواح أسلافهم. إن المكان
الذي يقطنه أناس من أرومات مختلفة، وكذلك الاختلاف بين امرأة دنماركية وصانع أفلام إيطالي وأيقونة فلسطينية، هو تمامًا مكان فلسطين في العالم. إنّ أفلام ريزي، عمومًا، دراسةٌ عابرةٌ للحدود، ومنسجمةٌ مع شخصية آني كنفاني وأعمال حياتها. وفي
مثل هذه التيارات المتقاطعة للتاريخ والجغرافيا والثقافات، يرى ريزي دائمًا قصصًا خفيةً لم يحكِها
أحد، فهو يرى ويسمع تلك القصص التي لم يرَها الآخرون أو لم يسمعوها. ومثل حالم، يتحرّق ريزي
لإظهار تلك القصص وقولها. ويمضي في أحدث أفلامه "القنديل الصغير" Lantern Little The عام 0192 إلى قلب الوعي الوطني المضطرم، ليقصَّ قصةً يعرفها الجميع، ولكنّ أحدًا لم يُفشِ حقائقها
الخفيّة. كانت قصة آني كنفاني واضحةً وناصعةً جدًا، وكانت بمنأى عن الأنظار. وهكذا تصبح واقعة
الحقيقة الفلسطينية ظاهرةً عابرةً للقوميات على وجه التحديد، من خلال أنواع الحساسيات السردية التي يجمعها صانعُ أفلام إيطالي وسيدةٌ دنماركية تكون بديلةً تمثل حقيقة القضية الفلسطينية. تتوفر فلسطين على عدد لا يُحصى من المخرجين الموهوبين الذين يقصّون قصصهم الخاصة من مجموعة
متنوعة من الزوايا. لكنّ ما قدمه ريزي وآني كنفاني هو هدية السينما الفلسطينية للعالم كلّه. إنّ ما فعلاه لقصة غسان كنفاني هو هدية متبادلة من العالم إلى فلسطين حيث تجد فلسطين مكانَها في العالم وحيث يفتح العالمُ مكانًا لفلسطين. لا يحدث انخراط ريزي في قصة غسان وآني كنفاني في فراغ. فنحن نشاهد، في إحدى روائع السينما الفلسطينية "الذاكرة الخصبة" (1980) للمخرج ميشال خليفي، حياةً متوازيةً لامرأتين فلسطينيتين؛ فرح
((1(للاطلاع على الفيديو المعنون "عزيزتي لميس/ القنديل الصغير"، الذي أعده ماريو ريزي عن آني كنفاني، يُنظر:
"My Dear Lamis," Dar Elnimer , 11/4/2019, accessed on 12/10/2021, at: https://bit.ly/3DvI6we; "The Little Lantern," Broken Archive , 2019, accessed on 12/10/2021, at: https://bit.ly/3aqLnk5
لقد دعاني ماريو ريزي، في مناسبات عديدة بما في ذلك هذه المناسبة، إلى الكتابة عن عمله في المعارض الكبيرة، وحينما يعرض له عمل ما للمرة الأولى.
حاطوم، أرملة في الخمسينيات من عمرها، وسحر خليفة، كاتبة ومعلمة شابة في الضفة الغربية المحتلة حيث تصبح الحقائق الساكنة في حياتيهما اليومية جوهر الحقائق المخفية تحت شعارات فخمة من نوع أو آخر. ونواجه في رواية نساء بلا رجال (0092) للكاتبة الإيرانية شهرنوش بارسيبور، التي تحولت لاحقًا إلى فيلم أخرجته شيرين نشأت، حيوات أربع نساء يعشن في طهران في عام 1953 أيام الانقلاب الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية لإطاحة محمد مصدق. تتجول الكاميرا، في مثل هذه الأعمال الفنية الرفيعة، وتبدأ في النظر إلى التاريخ من زواياه غير المرئية. يتميز فيلم ريزي "القنديل الصغير" بزاوية تكشف عن انشغالاته الرزينة؛ فالذاكرة البصرية للمأزق الفلسطيني، بوصفها واقعة وظاهرة، تتصادى مع العالم الذي تتكشّف فيه، ذلك العالم الذي تساعد هذه الذاكرةُ في تحديد موقعه على الخريطة. وهكذا، يصبح العمل الفني صورةً مصغرةً للعالم الذي يحتضنه ويشكله، ومن ثم فهي تسمّى
"فلسطين" لا بفضل موقعها الجغرافي، بل بفضل وجود عاطفي. ثمة سبب بسيط يجعل سرد قصص الفلسطينيين أمرًا صعبًا هو أنّ حيواتهم تطغى على أي طريقة
لمحاكاتها تمثيلً. و"القنديل الصغير" قصة فلسطينية يرويها فنان إيطالي عن امرأة دنماركية جنّدت حياتها للقضية ومن ثم لذكرى زوجها. كيف يقصّ المرءُ مثل هذه القصة؟ على الكاميرا أن تتعلم
التواضع أولً، لتتقن من ثمّ فنّ ملاحقة الحقيقة المتشظية في الأزقة المتعرجة لمخيمات اللاجئين
الفلسطينيين في بيروت. كيف يروي ريزي قصته؟ هناك أربعة مكونات لقصة "القنديل الصغير"، محبوكة بدقة واتزان: الأول هو التحضير لمسرحية على وشك أن تؤديها مجموعة من الأطفال، والثاني هو المسرحية نفسها، والثالث متاهة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين حيث تجري هذه المسرحية (وفيلم ريزي)، والرابع بالطبع هو القصة التي تخبرنا بها آني كنفاني عن حياتها وتكريس جهودها للأطفال الفلسطينيين في المخيمات. وبإيجاز، هناك العالم الذي تخلقه فلسطين وتقع فيه، لا بوصفها مجرد نقطة على خريطة، بل الكون العاطفي الذي يذوب فيه العالم المادي. يجتمع العنصران الأولان والعنصران الآخران ويذوبان معًا برشاقة، لكنّ العنصرين الأولَين والعنصرين الآخرَين يقتضيان الصبر والمثابرة للتأليف والفهم. فالأولان هما فيلم عنهما نفسيهما، في حين أنّ
الآخرَين فيلم خاص بهما. عُمل كلا الفيلمين بأناقة وصبر، وبفضل وجود بصمة ريزي. ما يجمع
الفيلمين الشوارعُ والأزقةُ الضيقةُ والمتعرجةُ لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث منحت هندسة الظلم الإرهابي المعمارية نفسَها صرحًا ضخمًا لتتميّز وتتذكر نفسها به. وعليك أن تنتبه جيدًا لعمل
كاميرا ريزي عَبر هذه الشوارع والأزقة. وسوف تجمعك هذه اللقطات أنت والفيلم معًا. وهذه الطريقة التي تكون بها شاهدًا على الحقيقة الفلسطينية هي تحرير وغفران في آنٍ واحد، وفي التحرير والغفران يقطن العالم الفلسطيني المصغر. ما القصة التي يمثلها الأطفال؟ كتب غسان كنفاني "القنديل الصغير" لابنة أخته لميس بمناسبة عيد ميلادها الثامن. وعندما مات كنفاني في تلك السيارة المفخخة، قتل الانفجارُ ابنة أخته أيضًا. و"القنديل
الصغير" قصة ملك يترك عَرشَه لابنته عند وفاته، ويخبرها أنّها ستصبح ملكةً عندما تأتي بالشمس إلى قلعتهم، فتتسلق الأميرة الصغيرة الجبالَ وتخصّص جائزةً كبيرةً لمن يجلب لها الشمس. فدخل رجلٌ
عجوزٌ إلى القلعة يحمل قنديلً لكنّه انكفأ راجعًا، ويرسل رسالةً إلى الأميرة: "كيف يمكنك وضع
الشمس في قلعتك وأنت لا تملكين مكانًا لقنديل صغير". تتعلم الأميرةُ الحكمةَ من هذه الكلمات وتأمر بإسقاط جدران القلعة ويُدعى الجميع إلى قلعتها. فيُحضر كلُّ واحد قنديلً صغيرًا، وفي هذه
اللحظة أدركت الأميرة الحكمةَ من وراء رغبة والدها، فليس المقصود الشمس في السماء، ولكن القناديل الصغيرة التي تتجمع لتشرق مثل الشمس. وكانت ملكة الشعب. ومن عقل غسان كنفاني، إلى أعمال آني كنفاني المكرسة للفلسطينيين إلى عمل كاميرا ماريو ريزي، أمست تلك القناديل الصغيرة رمزًا للعالم الذي خلقته وعززته فلسطين الواقعة وفلسطين الظاهرة. ثمة تغييراتٌ دالةٌ أدخلها ريزي في قصة غسان كنفاني عندما مَسْرَحها في فيلمه. فمن يدخل القلعة،
في كتاب غسان كنفاني، رجلٌ عجوز حاملً قنديلً، أما في مسرحية ريزي كانت هناك امرأة تتوجُ
الملكةَ نيابةً عن الشعب. وجميع الأطفال في مسرحية ريزي هم تلاميذ فعليون في روضة آني كنفاني
أو تخرَّجوا في روضة الأطفال في مخيم برج البراجنة. إنّهم الجيل الرابع من اللاجئين الذين أجبروا
على مغادرة فلسطين عام 1948. ولقد تخرج منذ عام 1974 فصاعدًا أكثر من 10000 طفل في روضة أطفال مؤسسة غسان كنفاني الثقافية. ويستعمل ريزي، شأنه في جميع أعماله السابقة، المواد التي يعمل عليها، فيضع بصمته الفنية الفريدة على الحدث. وفي الحصيلة، فإن ما نشاهده هو تجميع لذكرى حيّة للنكبة منسوجة في نسيج العالم الذي صنعته فلسطين، العالم العابر للحدود الثقافية
والحدود الاستعمارية. إنّ قضية فلسطين، بوصفها مسألة معرفية، لا تجد لها حلً لدى "سخاء" الخيال الليبرالي الذي يتمتع به أولئك الذين يفكرون ب "الأدب العالمي" و"السينما العالمية" في الولايات المتحدة وأوروبا، بل حلها الحقيقي موجود هنا في قلب مخيم للاجئين الفلسطينيين حيث تبذُر أرملة كنفاني جماليات موقفه المقاوم. ومع ذلك، ليس هذا الاختلافُ اليسيرُ بين النصّ وعتباته هو الاختلافَ الوحيدَ الذي نلاحظه بين قصة
غسان كنفاني وفيلم ماريو ريزي. كان كنفاني ثوريًا اشتراكيًا، ودلالة قصته جميلة وبسيطة. ولكن كيف لنا
أن نقرأها بالاقتران مع القصة التي ترويها لنا آني كنفاني، ومن ثم مع القصة التي يرويها لنا ماريو ريزي؟ المُحاور الأساسي لجميع هذه القصص هو لميس؛ طفلة فلسطينية مقتولة رافقت خالها البطل إلى
الأبدية، التي من أجلها في الأصل كُتبت قصة "القنديل الصغير"، لم يعد في إمكانها القراءة أو الاستماع أو المشاهدة، ومع ذلك فهي المحاور الأساسي لقصة حب آني كنفاني والتبجيل الذي عّبر عنه ماريو ريزي سينمائيًا. كرّس ريزي فيلمه أيضًا للميس. وبصوت الطفلة الفلسطينية المقتولة البالغة من العمر
8 سنوات تتحدث الآن آني كنفاني، التي كرّست حياتها كلها لآلاف الصغار والصغيرات الآخرين، أشباه
لميس، في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. لقد خرجنا الآن من العالم المادي لمستعمرة استيطانية تفرض حكمها العسكري على دولة متحدية. نحن الآن في عالم الحدود المفتوحة الذي أوجدته ذاكرة لميس وعززته. يضعنا ريزي، وهو يحاور لميس الفطِنة والصامتة، في نقطة نشاركه فيها مأزق كيفية سرد قصة أرملة بطل جبّار، أكبر من الحياة، للقضية الفلسطينية. يمكن النظر إلى آني كنفاني بطريقتين، باعتبارها
المنتمية اللامنتمية Insider Outsider؛ فهي امرأة دنماركية بيضاء تُدعى آني هوفر، كانت زوجة شهيد فلسطيني أسطوري. فأين هي، أين يمكن أن تتموقع، في أي عالم، وأي موطن؟ إنها بالطبع تحمل بفخر الاسم الأخير لزوجها. لكن تحت ستار هذا الاسم الأيقوني، أين تنتهي آني كنفاني وتبدأ آني هوفر؟ هل هذان الشخصان مختلفان. هل مناداتها باسمها ما قبل الزواج يحل المشكلة؟ عاشت حياةً طويلةً وغنيةً ومُرضيةً ومشرِّفةً باعتبارها آني كنفاني. ولكن مناداتها باسم آني هوفر
يمحو هذا التاريخ. والمهمة التي واجهها ريزي هي أن يروي قصة مَن آني كنفاني وماذا فعلت ولماذا، ولكن من دون إعادتها إلى ما كانت عليه قبل زواجها من غسان كنفاني أو من دون اعتبارها مجرد أرملته. ما يعزز حقيقة وظاهرة آني كنفاني أيقونةً فلسطينيةً هو تحديدًا العالم الذي تعيش فيه والذكريات التي تجسدها. عندما تخبرنا آني كنفاني قصتها مع غسان كنفاني، وفي الوقت ذاته يحكي تلاميذ المدرسة قصة مبدعة
لغسان كنفاني، فإنّها تصبح الراويةَ أينما ومتى ما أسكتَ زوجُها. وفي وسعنا أن نرى في قَسمات
شيخوختها الرقيقة الطفلةَ لميس ذات الثمانية أعوام وهي تصغي وتشاهد. لقد صمت غسان كنفاني، فوجدت رمزيتُه الصغيرة الآن راويةً مختلفةً، تلك هي آني كنفاني كما أظهرها لنا ريزي. وهذا هو المكان الذي يتفوق فيه ريزي، وهنا تجد "الزوجة" صوتها بوصفها امرأة، شخصًا، تتمتع باستقلالية ذاتية لتخبرنا قصتها؛ مما يعطي معنى جديدًا لكنفاني في آني كنفاني. أصبحت العلاقة بين قصة غسان كنفاني وقصة حياة آني كنفاني رمزًا للعلاقة بينهما؛ علاقة تُضاعف وتفصل معنى أن تكون "كنفاني". ولا يلغي التداخل العلاقة الزوجية، بل يتجاوزها. الكلُّ يعرف غسان كنفاني، والكلُّ يعرف آني كنفاني زوجةً له. لكن كيف تبدأ، أو كيف يمكن أن تبدأ، آني كنفاني في الحديث بطريقة تعبّر بها عن صوتها،
صوتها كله، بصفتها امرأة دنماركية، وناشطة طالبة، وملتزمة بالعدالة والقضية الفلسطينية، وعاشقة، وزوجة، وأمًا، ثم أرملة ثكلى، ومن ثم مربية تنكر ذاتها وتلتزم بتربية وتعليم الأطفال الفلسطينيين وغيرهم من الأطفال اللاجئين.
رابعًا: فكرة الفلسطينيّ
مَن الفلسطيني؟ أين الفلسطيني؟ أين فلسطين في العالم؟ الفلسطيني هو الشخص المولود في فلسطين، أو من أبوين فلسطينيين داخل فلسطين أو خارجها. غير أنّ أجيالً عديدةً ناضلت ضد الاستعمار، فارتقت بفلسطين إلى مستوى واجب أخلاقي. ولعلك تقول إنّ آني كنفاني أصبحت فلسطينيةً فخريةً، فهي في الوطن الآن بين شعب لا وطن له، وهي نفسها لاجئة زرَعها وعيُها في وسطهم، في قلب مخيم
للاجئين، أو على نحو أكثر دقة مجموعة من مخيمات اللاجئين. ومن خلال مشاركة قصة حبّها لغسان
كنفاني مع المخرج الإيطالي ماريو ريزي، أصبحت الأميرة الدنماركية الصغيرة آني هوفر ملكةً فلسطينيةً مع ملايين الفلسطينيين الصغار يقدمون لها قنديلً صغيرًا من الامتنان. وانصهار الحقيقة والخيال هو
المكان الذي تجد فيه فلسطين عالمها الدائم. ولقد انتمى إدوارد سعيد إلى هذا العالم، وهو، كمثل أعداد لا تحصى من فلسطينيين آخرين، لم يكن ولن يكون "مثقفًا نيويوركيًا" ولا "مثقفًا عالميًا". كان
"مثقفًا فلسطينيًا"، كان جزءًا من صراع جعل فلسطين قضية عالمية بالنهوض بتفصيلاتها إلى مستوى
عالمي كلي. عاش في نيويورك واحتفى به العالمُ بوصفه فلسطينيًا. إن حالةً كحالة غسان كنفاني أو ماريو ريزي ليست حالة "تضامن" بسيطة عابرة مع القضية الفلسطينية قد تظهر اليوم وتزول غدًا، بل هي قصة كيف تصبح قصة الفلسطينيين أسطوريةً، واستعاريةً في اللحظة ذاتها التي تُروى فيها. والمسألة هنا هي تشكيل ميدان قوة رمزي يتجمع في مخيم للاجئين الفلسطينيين وينتشر في جميع أنحاء العالم. لقد سافرتُ في طول لبنان وعرضها، من مخيمات اللاجئين في أقصى الجنوب وصولً إلى الشمال حيث مخيم البدوي للاجئين، وأعرف خريطة هذه المعسكرات. وزرتُ مع أصدقاء فلسطينيين ولبنانيين مراكز آني كنفاني التربوية. وأعرف كيف هي تعمل، وما تفعله، لقد رأيت لُطفها وصبرها ومثابرتها عن قرب، غير أنّ ملايين آخرين من الذين سيشاهدون فيلم ريزي لن يكون لديهم سبيل أخرى لمعرفة من هي آني كنفاني، وما أهمية ما تفعله. ليس لديهم سوى ما يتمتعون به من قدرة على أن يروا من خلال فيلم ريزي ما رأته وكاميراته وما عملت عيناه النابهتان من أجل تمكين الآخرين من رؤيته. وبين ذلك المجال الشخصي والعمومي وتلك المجموعات المرئية وغير المرئية من الحساسيات، أصبحت نضالات شعب واحد رمزًا للعالم الأكبر الذي نتشاركه جميعًا، إلى حدّ أن المناضلين من أجل العدالة في جميع أنحاء العالم، صار العالم لهم كله فلسطينيًا. ماريو ريزي فنان إيطالي يعيش في ألمانيا، ومنشغلٌ بحيوات اللاجئين والمنبوذين والتابعين وشروط عيشهم. والطريقة الوحيدة التي يلتمسها لجعل جمهوره يشعر بما يُظهره لهم هو أن يقرِّبَ حقيقة
اللاجئين المشرَّدين إلى وطنهم وأمكنتهم. ولكي يروي قصة امرأة دنماركية في مخيمات اللاجئين
الفلسطينيين، استحضر أفضل ما لديه من قدرات فنية، والنتيجة أعادته إلى لحظات أيقونية أخرى في التاريخ الفلسطيني. هناك قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش تتعفّرُ، بعد مشاهدة فيلم ماريو
ريزي عن آني كنفاني، بمعنى مختلف تمام. وليس أمرًا ذا بال أن يكون محمود درويش قد كتب هذه
القصيدة لامرأة معينة، أو للنساء عمومًا، أو لأي امرأة على الإطلاق. ما يهمّ هو كيف أنّ انصهار فيلم
ماريو ريزي عن آني كنفاني وقصيدة محمود درويش يولِّد مكانًا ثالثًا حيث يجتمع كلٌّ من الفيلم والقصيدة ليأخذانا إلى مكان آخر. وإليك القصيدة: أنا امرأةٌ، لا أَقلَّ ولا أَكثرَ أعيشُ حياتي كما هِيَ خَيْطًا فخَيْطًا
وأغزِلُ صُوفي لألبسَهُ، لاَ لأكملَ قصَّةَ "هُوميرَ" أُو شمسَهَُ وأرى ما أَرىَ كما هُوَ، في شكْلهِ بيد أنِّي أَحدِّقُ ما بين حينٍُ
وآخرَ في ظلِّه لأحِسَّ بنبض الخسارةِ فاكتُبْ غدًا على ورَقِ الأمس: لا صوْتَ إلّ الصدى. أحبُّ الغموضَ الضروريَّ فيُ كلمات المسافر ليلً إلى ما اختفى من الطير فوق سفُوح الكلام وفوق سطُوح القُرى أنا امرأة، لا أَقلَّ ولا أكثرَ.َ تُطَيِّرُني زَهْرَةُ اللوز، في شهر آذار من شرفتي حنينًا إلى ما يقول البعيدُ: "المِسيني لأورِدَ خيليَ ماءَ الينابيع"ُ
أبكي بلا سبَبٍ واضح، وأَحبُّكَُ أنت كما أَنت، لا سنَدًاَ أو سُدىَ ويطلع من كتفيَّ نهارٌ عليك
ويهبط، حين أضمُّكَ، ليلٌ إليكَ ولستُ بهذا ولا ذاك لا، لستُ شمسًا ولا قمرًا أنا امرأةٌ، لا أَقلَّ ولا أكثرَ.َ فكُنْ أنتَ قَيْس الحنينَ إذا شئتَ. أمَّا أَناَ فيُعجِبُني أن أحبَّ كما أُناَ لا صُورَةً مُلوَّنَةً في الجريدة، أو فكرةً مُلَحّنةً في القصيدة بين الأيائلِ...َ أسْمَعُ صرخة ليلى البعيدةَ
من غرفة النوم: لا تتركيني سجينةَ قافيةٍ في القبائلِ لا تتركيني لهم خبرًا... أنا امرأةٌ، لا أَقلَّ ولا أكثرَ.َ أنا مَن أَنا، مثلماَ أنت مَنْ أَنت: تسكنُ فيََّ
وأسكنُ فيك إليك ولَكَْ أحبُّ الوضوحَ الضروريَّ في لغزنا المشتركُ أنا لكَ حين أَفيضُ عن الليلَ لكنني لَسْتُ أرضًاَ ولا سفَرًا أنا امرأةٌ، لا أقلَّ ولا أكثرَ.َ وتُتْعِبُني دَوْرَةُ القمَر الأنثويّ فتمرضُ جيتارتي وتَرًا وتَرًا. أنا امرأةٌ لا أقلََّ ولا أكثر!
(1((محمود درويش، سرير الغريبة (بيروت: رياض الريس للنشر والتوزيع، 1999)؛
آني كنفاني هي أيضًا امرأةٌ "لا أكثر ولا أقل"، تعيش حياتها كما هي "خيطًا فخيطًا". ومن خلال فيلم ريزي نرى كيف تعيش هذه الحياة "لا لتكمل" قصة غسان كنفاني، ولكن لتظهرها قصةً لها. كانت آني كنفاني تكتب "الغد على ورق الأمس"، لكن صوتها ليس مجرد صدى؛ هي ما هي عليه، وبما أنّ زوجها يعيش فيها، فلا بد من أنّها صيّرته ما صار إليه. هل يمكن أن يصبح غسان كنفاني غسان كنفاني
من دون حب آني كنفاني وإخلاصها، وهي تعلم جيدًا في مرآة عقلها وقلبها وروحها أنّه سيواصل شنّ الحرب على الحق بالقوة؟ استنادًا إلى هذا اليقين، مكّن ريزي آني كنفاني من التصريح: "أنا امرأة، لا أكثر ولا أقل". تلك المرأة، الشخص، الإنسان، حظيت بتمكين العالم الفلسطيني ومنحها القوة.
Mahmoud Darwish, "No More and No Less," Fady Joudah (trans.), Poetry Foundation, accessed on 3/8/2019, at: https://bit.ly/3FAJ1xf
استعمل ريزي في فيلمه عن آني كنفاني قصة بطل فلسطيني نعرفه ليروي قصة بطلة دنماركية أخرى لم نكن نعرفها. في الجدل القائم بين الوعي العارف والوعي غير العارف غدت واقعةُ بناء مستعمرة استيطانية في فلسطين مرآةً لمعركة عالمية من أجل ذريتنا التي لم تعد تتنكر بقناع ما بيننا وبينهم. لقد بلغ تاريخ الاستعمار الأوروبي ذروته في المشروع الصهيوني لكتابة الفلسطيني خارج التاريخ. إنّ المكان الوحيد لفلسطين في العالم (قبل الصهيونية وبعدها) هو بإعادة صياغة العالم بأسره على أنّه لا يمكن معرفته إبستيمولوجيًا إلى أن (أو ما لم) يكون للفلسطينيين أيضًا مكان في العالم.
References
المراجع
العربية
درويش، محمود. سرير الغريبة. بيروت: رياض الريس للنشر والتوزيع، 1999.
الأجنبية
Apter, Emily. Against World Literature: On the Politics of Untranslatability. New York: Verso, 2014. Bhattacharya, Baidik. Postcolonial Writing in the Era of World Literature: Texts, Territories, Globalizations. London/ New York: Routledge, 2018. Dabashi, Hamid. Europe and Its Shadows: Coloniality after Empire. London: Pluto Press, 2019. _______. The Shahnameh: The Persian Epic as World Literature. New York: Columbia University Press, 2019. Damrosch, David. What Is World Literature? Princeton: Princeton University Press,
Darwish, Mahmoud. "No More and No Less." Fady Joudah (trans.). Poetry Foundation. at: https://bit.ly/3Gb4fCm Halper, Jeff. Decolonizing Israel, Liberating Palestine: Zionism, Settler Colonialism, and the Case for One Democratic State. London: Pluto Press, 2021. Henty, Suzannah & Gary Foley (eds.). Indigenous Solidarity: Testimonies and Narratives. Hamid Dabashi (Fore). Rafah, Gaza Strip: 28 Magazine, 2021. Kanafani, Ghassan. Men in the Sun and Other Palestinian Stories. Hilary Kilpatrick (trans.). Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1999. Spivak, Gayatri Chakravarty. Death of a Discipline. New York: Columbia University press, 2005. Zalloua, Zahi Anbra. Continental Philosophy and the Palestinian Question: Beyond the Jew and the Greek. London: Bloomsbury Academic, 2017.